المغني - كتاب الوديعة

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء الثلاثون – كتاب الوديعة) • كتاب الوديعة o مسألة: ليس على مودع ضمان إذا لم يتعد فصل: إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة مسألة: فإن خلطها بماله, وهي لا تتميز أو لم يحفظها كما يحفظ ماله أو أودعها غيره المسألة الأولى: المستودع إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله أو مال غيره ضمنها المسألة الثانية: إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله المسألة الثالثة: إذا أودعها غيره الصورة الأولى: أن يودعها غيره لغير عذر الصورة الثانية: الصورة الثانية إذا كان له عذر فصل: إن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك فصل: إن حضره الموت, فحكمه حكم السفر o مسألة: إن كانت غلة فخلطها في صحاح, أو صحاحا فخلطها في غلة فلا ضمان عليه o مسألة: ولو أمره أن يجعلها في منزل, فأخرجها عن المنزل لغشيان نار أو سيل, أو شيء الغالب منه البوار فلا ضمان عليه فصل: إن أودعه وديعة, ولم يعين له موضع إحرازها فصل: إذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها فتلفت فصل: لو أمره أن يجعلها في منزله فتركها في ثيابه وخرج بها فصل: وإن أمره أن يجعلها في صندوق فخالفه في ذلك فصل: حكم ما إذا قال: اجعلها في هذا البيت ولا تدخله أحدا، فأدخل إليه قوما فسرقها أحدهم فصل: حكم ما إذا قال: ضع هذا الخاتم في الخنصر فوضعه في البنصر o مسألة: إذا أودعه شيئا ثم سأله فصل: ليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحمله مؤنة o مسألة: إذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله فصل: إن مات وعنده وديعة معلومة بعينها o مسألة: إذا طالبه الوديعة فقال: ما أودعتني ثم قال: ضاعت من حرز فصل: إذا نوى الخيانة في الوديعة, بالجحود أو الاستعمال ولم يفعل فصل: المودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة فصل: إذا أودع بهيمة فأمره صاحبها بعلفها وسقيها لزمه ذلك فصل: إن أودعه البهيمة, وقال: لا تعلفها ولا تسقها لم يجز له ترك علفها o مسألة: لو كان في يده وديعة, فادعاها نفسان o مسألة: حكم من أودع شيئا فأخذ بعضه, ثم رده أو مثله فضاع الكل فصل: إذا ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم ردها إلى صاحبها فصل: لو تعدى فلبس الثوب وركب الدابة, أو أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة فصل: ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف فصل: حكم ما إن أودع عبدا وديعة فصل: حكم ما إن غصبت الوديعة من المودع قهرا

كتاب الوديعة والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته}. وأما السنة فقول رسول الله -- (( أد الأمانة إلى من ائتمنك, ولا تخن من خانك )) وروى عنه عليه السلام ((أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن وأمر عليا أن يردها على أهلها )). وأما الإجماع فأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع, والعبرة تقتضيها فإن بالناس إليها حاجة فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم, ويحتاجون إلى من يحفظ لهم الوديعة فعيلة من ودع الشيء: إذا تركه أي هي متروكة عند المودع واشتقاقها من السكون يقال: ودع, يدع فكأنها ساكنة عند المودع مستقرة وقيل: هي مشتقة من الخفض والدعة فكأنها في دعة عند المودع وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة لأن فيه قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته وهي عقد جائز من الطرفين متى أراد المودع أخذ وديعته لزم المستودع ردها لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فإن أراد المستودع ردها على صاحبها, لزمه قبولها لأن المستودع متبرع بإمساكها فلا يلزمه التبرع في المستقبل.

 مسألة: 

قال: [وليس على مودع ضمان إذا لم يتعد] وجملته أن الوديعة أمانة فإذا تلفت بغير تفريط من المودع, فليس عليه ضمان سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب هذا قول أكثر أهل العلم روى ذلك عن أبي بكر وعلي, وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال شريح والنخعي ومالك, وأبو الزناد والثوري والأوزاعي والشافعي, وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها لما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله قال القاضي: والأولى أصح لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافي الأمانة ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده (( , أن النبي -- قال: ليس على المستودع ضمان )) ويروى عن الصحابة الذين ذكرناهم ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه وتفريطه كالذي ذهب مع ماله ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا, من غير نفع يرجع عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر لما بيناه من الحاجة إليها وما روى عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها, فلا ينافي ما ذكرناه فأما إن تعدى المستودع فيها أو فرط في حفظها فتلفت, ضمن بغير خلاف نعلمه لأنه متلف لمال غيره فضمنه, كما لو أتلفه من غير استيداع.

 فصل: 

إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله أو قال: أنا ضامن لها لم يضمن قال أحمد في المودع: إذا قال: أنا ضامن لها فسرقت فلا شيء عليه وكذلك كل ما أصله الأمانة, كالمضاربة ومال الشركة والرهن, والوكالة وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق, وابن المنذر وذلك لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه.

 مسألة: 

قال: [فإن خلطها بماله, وهي لا تتميز أو لم يحفظها كما يحفظ ماله أو أودعها غيره, فهو ضامن] في هذه المسألة ثلاث مسائل:

 المسألة الأولى: أن المستودع إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله أو مال غيره ضمنها سواء خلطها بمثلها, أو دونها أو أجود من جنسها أو غير جنسها مثل أن يخلط دراهم بدراهم, أو دهنا بدهن كالزيت بالزيت أو السمن أو بغيره وبهذا قال الشافعي, وأصحاب الرأي وقال ابن القاسم: إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز لم يضمن وحكى عن مالك لا يضمن إلا أن يكون دونها لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة ولنا, أنه خلطها بماله خلطا لا يتميز فوجب أن يضمنها كما لو خلطها بدونها, ولأنه إذا خلطها بما لا يتميز فقد فوت على نفسه إمكان ردها فلزمه ضمانها, كما لو ألقاها في لجة بحر وإن أمره صاحبها بخلطها بماله أو بغيره ففعل ذلك فلا ضمان عليه لأنه فعل ما أمر به, فكان نائبا عن المالك فيه وقد نقل مهنا عن أحمد في رجل استودع عشرة دراهم واستودعه آخر عشرة, وأمراه أن يخلطها فخلطها فضاعت الدراهم, فلا شيء عليه فإن أمره أحدهما بخلط دراهمه ولم يأمره الآخر فعليه ضمان دراهم من لم يأمره دون الأخرى وإن اختلطت هي بغير تفريط منه, فلا ضمان عليه لأنها لو تلفت بذلك لم يضمن فخلطها أولى وإن خلطها غيره فالضمان على من خلطها لأن العدوان منه, فالضمان عليه كما لو أتلفها. 
 المسألة الثانية: إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله, وهو أن يحرزها بحرز مثلها فإنه يضمنها وحرز مثلها يذكر في باب القطع في السرقة وهذا إذا لم يعين له المودع ما يحفظها فيه فإن عين له لزمه حفظها فيما أمره به, سواء كان حرز مثلها أو لم يكن وإن أحرزها بمثله أو أعلى منه لم يضمنها ويتخرج أن يضمنها إذا فعل ذلك من غير حاجة. 
 المسألة الثالثة: إذا أودعها غيره، ولها صورتان: 
 إحداهما أن يودعها غيره لغير عذر, فعليه الضمان بغير خلاف في المذهب وهو قول شريح ومالك والشافعي, وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه لأن عليه حفظها وإحرازها وقد أحرزها عند غيره وحفظها به ولأنه يحفظ ماله بإيداعه, فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله فلم يضمنها كما لو حفظها في حرزه ولنا, أنه خالف المودع فضمنها كما لو نهاه عن إيداعها وهذا صحيح فإنه أمره بحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره فإذا ثبت هذا فإن له تضمين الأول, وليس للأول الرجوع على الثاني لأنه دخل معه في العقد على أنه أمين له لا ضمان عليه وإن أحب المالك تضمين الثاني فذكر القاضي أنه ليس له تضمينه في ظاهر كلام أحمد لأنه ذكر الضمان على الأول فقط وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه قبض قبضا موجبا للضمان على الأول, فلم يوجب ضمانا آخر وفارق القبض من الغاصب فإنه لم يوجب الضمان على الغاصب إنما لزمه الضمان بالغصب ويحتمل أن له تضمين الثاني أيضا لأنه قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه, ولم يأذن له مالكه فضمنه كالقابض من الغاصب, وهذا مذهب الشافعي وذكر أحمد الضمان على الأول لا ينفي الضمان عن الثاني كما أن الضمان يلزم الغاصب ولا ينفي وجوبه على القابض منه فعلى هذا يستقر الضمان على الأول, فإن ضمنه لم يرجع على أحد وإن ضمن الثاني يرجع على الأول وهذا القول أشبه بالصواب وما ذكرنا للقول الأول لا أصل له, ثم هو منتقض بما إذا دفع الوديعة إلى إنسان عارية أو هبة أو وديعة لنفسه, فأما إن دفع الوديعة إلى من جرت عادته بحفظها له من أهله كامرأته وغلامه لم يضمن نص عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي: يضمن لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها, فضمنها كما لو سلمها إلى أجنبي ولنا أنه حفظها بما يحفظ به ماله فأشبه ما لو حفظها بنفسه, وكما لو دفع الماشية إلى الراعى أو دفع البهيمة إلى غلامه ليسقيها ويفارق الأجنبي, فإن دفعها إليه لا يعد حفظا منه   الصورة الثانية إذا كان له عذر مثل إن أراد سفرا, أو خاف عليها عند نفسه من حرق أو غرق أو غيره فهذا إن قدر على ردها على صاحبها أو وكيله في قبضها لم يجز له دفعها إلى غيره فإن فعل ضمنها لأنه دفعها إلى غير مالكها بغير إذن منه من غير عذر, فضمنها كما لو أودعها في الصورة الأولى وإن لم يقدر على صاحبها ولا وكيله فله دفعها إلى الحاكم, سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن لأنه متبرع بإمساكها فلا يلزمه استدامته والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته وإن أودعها مع قدرته على الحاكم, ضمنها لأن غير الحاكم لا ولاية له ويحتمل أن يجوز له إيداعها لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها وإن لم يقدر على الحاكم فأودعها ثقة لم يضمنها لأنه موضع حاجة وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أنه يضمنها ثم تأول كلامه على أنه أودعها من غير حاجة, أو مع قدرته على الحاكم وإن دفنها في موضع وأعلم بها ثقة يده على الموضع وكانت مما لا يضرها الدفن فهو كإيداعها عنده, وإن لم يعلم بها أحدا ضمنها لأنه فرط في حفظها فإنه لا يأمن أن يموت في سفره فلا تصل إلى صاحبها, وربما نسي مكانها أو أصابه آفة من هدم أو حرق أو غرق فتضيع وإن أعلم بها غير ثقة, ضمنها لأنه ربما أخذها وإن أعلم بها ثقة لا يد له على المكان فقد فرط لأنه لم يودعها إياه, ولا يقدر على الاحتفاظ بها. 
  

فصل: وإن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك ضمنها لأنه مخالف لصاحبها وإن لم يكن نهاه, لكن الطريق مخوف أو البلد الذي يسافر إليه مخوف ضمنها لأنه فرط في حفظها وإن لم يكن كذلك فله السفر بها نص عليه أحمد, سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي إن سافر بها مع القدرة على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو أمين, ضمنها لأنه يسافر بها من غير ضرورة أشبه ما لو كان السفر مخوفا ولنا أنه نقلها إلى موضع مأمون, فلم يضمنها كما لو نقلها في البلد ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف, أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو نائبه بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها, ويخاطر بها فإن النبي -- قال: (( إن المسافر وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله )) أي على هلاك ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يضمن هذا الخطر, ولا يفوت إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك فأما مع غيبة المالك ووكيله فله السفر بها إذا كان أحفظ لها لأنه موضع حاجته فيختار فعل ما فيه الحظ.

فصل: وإن حضره الموت, فحكمه حكم السفر على ما مضى من أحكامه إلا في أخذها معه لأن كل واحد منهما سبب لخروج الوديعة عن يده.

مسألة: قال: [وإن كانت غلة فخلطها في صحاح, أو صحاحا فخلطها في غلة فلا ضمان عليه] يعني بالغلة المكسرة إذا خلطها بصحاح من ماله أو خلط الصحاح بالمكسرة لم يضمنها لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها على صاحبها فلم يضمنها, كما لو تركها في صندوق وفيه أكياس له وبهذا قال الشافعي ومالك ولا نعلم فيه اختلافا وكذلك الحكم إذا خلط دراهم بدنانير, وبيضا بسود وقد حكى عن أحمد في من خلط دراهم بيضا بسود: يضمنها ولعله قال ذلك لكونها تكتسب منها سوادا أو يتغير لونها, فتنقص قيمتها فإن لم يكن فيها ضرر فلا ضمان عليه والله تعالى أعلم.

مسألة: قال: [ولو أمره أن يجعلها في منزل, فأخرجها عن المنزل لغشيان نار أو سيل, أو شيء الغالب منه البوار فلا ضمان عليه] وجملة ذلك أن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه فحفظها فيه, ولم يخش عليها فلا ضمان عليه بغير خلاف لأنه ممتثل لأمره غير مفرط في ماله وإن خاف عليها سيلا وتوى, يعني هلاكا فأخرجها منه إلى حرزها فتلفت, فلا ضمان عليه بغير خلاف أيضا لأن نقلها في هذه الحال تعين حفظا لها وهو مأمور بحفظها وإن تركها مع الخوف فتلفت ضمنها سواء تلفت بالأمر المخوف أو بغيره لأنه فرط في حفظها, لأن حفظها نقلها وتركها تضييع لها وإن لم يخف عليها فنقلها عن الحرز إلى دونه ضمنها لأنه خالفه في الحفظ المأمور به وإن نقلها إلى دونه عند الخوف عليها, نظرنا فإن أمكنه إحرازها بمثله أو أعلى منه ضمنها أيضا لتفريطه, وإن لم يمكنه إحرازها إلا بما دونه لم يضمنها لأن إحرازها بذلك أحفظ لها من تركه وليس في وسعه سواه وإن نقلها إلى مثل ذلك الحرز لغير عذر, فقال القاضي: لا يضمنها وهو مذهب الشافعي لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله كمن اكترى أرضا لزرع حنطة فله زرعها وزرع مثلها في الضرر ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان, لأن الأمر بشيء يقتضي تعيينه فلا يعدل عنه إلا بدليل وإن نقلها إلى أحرز منه كان حكمه حكم ما لو أخرجها إلى مثله فإن نهاه عن إخراجها من ذلك المكان فالحكم فيه كما لو أمره بتركها فيه ولم ينهه عن إخراجها منه, إلا في أنه إذا خاف عليها فلم يخرجها حتى تلفت ففيه وجهان أحدهما يضمن لما ذكرنا في التي قبلها والثاني, لا يضمن لأنه ممتثل لقول صاحبها وفي أنه إذا أخرجها لغير عذر ضمنها سواء أخرجها إلى مثله أو دونه أو فوقه لأنه خالف صاحبها لغير فائدة وهذا ظاهر كلام الشافعي وقال أبو حنيفة: إن نهاه عن نقلها من بيت فنقلها إلى بيت آخر من الدار, لم يضمن لأنه البيتين من دار واحدة حرز واحد وطريق أحدهما طريق الآخر فأشبه ما لو نقلها من زاوية إلى زاوية وإن نقلها من دار إلى دار أخرى, ضمن ولنا أنه خالف أمر صاحبها بما لا مصلحة فيه فيضمن, كما لو نقلها من دار إلى دار وليس ما فرق به صحيحا لأن ثبوت الدار تختلف فمنها ما هو أقرب إلى الطريق أو إلى موضع الوقود, أو إلى الانهدام أو أسهل فتحا أو بابه أسهل كسرا, أو أضعف حائطا أوأسهل نقبا أو لكون المالك يسكن به, أو يسكن في غيره وأشباه هذا مما يؤثر في الحفظ أو في عدمه فلا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه من غير ضرورة وإن خاف عليها في موضعها, فعليه نقلها فإن تركها فتلفت ضمنها لأن نهى صاحبها عن إخراجها إنما كان لحفظها وحفظها ها هنا في إخراجها فأشبه ما لو لم ينهه عن إخراجها فإن قال: لا تخرجها وإن خفت عليها فأخرجها من غير خوف ضمنها, وإن أخرجها عند خوفه عليها أو تركها فتلفت لم يضمنها لأن نهيه مع خوف الهلاك نص فيه, وتصريح به فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال فلم يضمنها لامتثاله أمر صاحبها, كما لو قال له: أتلفها فأتلفها ولا يضمن إذا أخرجها لأنه زيادة خير وحفظ فلم يضمن به كما لو قال له: أتلفها فلم يتلفها حتى تلفت.

فصل: وإن أودعه وديعة, ولم يعين له موضع إحرازها فإن المودع يحفظها في حرز مثلها أي موضع شاء فإن وضعها في حرز ثم نقلها عنه إلى حرز مثلها, لم يضمنها سواء نقلها إلى مثل الأول أو دونه لأن ربها رد حفظها إلى رأيه واجتهاده وأذن له في إحرازها بما شاء من إحراز مثلها, ولهذا لو تركها في هذا الثاني أولا لم يضمنها فكذلك إذا نقلها إليه ولو كانت العين في بيت صاحبها فقال لرجل: احفظها في موضعها فنقلها عنه من غير خوف ضمنها لأنه ليس بمودع, إنما هو وكيل في حفظها وليس له إخراجها من ملك صاحبها ولا من موضع استأجره لها, إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها لأنه مأمور بحفظها وقد تعين حفظها في إخراجها, ويعلم أن صاحبها لو حضر في هذه الأحوال لأخرجها ولأنه مأمور بحفظها على صفة فإذا تعذرت الصفة, لزمه حفظها بدونها كالمستودع إذا خاف عليها.

فصل: إذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها فتلفت, وادعى أنه أخرجها لغشيان نار أو سيل أو شيء ظاهر فأنكر صاحبها وجوده, فعلى المستودع البينة أنه كان في ذلك الموضع ما ادعاه لأن هذا مما لا تتعذر إقامة البينة عليه لأنه أمر ظاهر فإذا ثبت ذلك كان القول قوله في التلف مع يمينه, ولا يحتاج إلى بينة لأنه تتعذر إقامة البينة فلم يطالب بها, كما لو ادعى التلف بأمر خفي وهذا قول الشافعي والحكم في إخراجها من الخريطة والصندوق حكم إخراجها من البيت, على ما مضى من التفصيل فيه.

فصل: ولو أمره أن يجعلها في منزله فتركها في ثيابه وخرج بها, ضمنها لأن البيت أحرز لها وإن جاءه بها في السوق فقال: احفظها في بيتك فقام بها في الحال فتلفت, فلا ضمان عليه وإن تركها في دكانه أو ثيابه ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه فتلفت, ضمنها لأن بيته أحرز لها هكذا قال أصحابنا ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله في العادة فتلفت لم يضمنها لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه, والمودع عالم بهذه الحالة راض بها ولو لم يرض بها لشرط عليه خلافها وأمره بتعجيل حملها, فإما أن يقبلها بهذا الشرط أو يردها وإن قال: اجعلها في كمك فجعلها في جيبه لم يضمنها لأن الجيب أحرز لها لأنه ربما نسي, فيسقط الشيء من كمه بخلاف الجيب وإن قال: اجعلها في جيبك فتركها في كمه ضمنها لذلك وإن جعلها في يده ضمن أيضا, كذلك وإن قال: اجعلها في كمك فتركها في يده ففيه وجهان أحدهما يضمن لأن سقوط الشيء من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم والثاني لا يضمن لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط, والكم بخلافه ولأن كل واحد منهما أحرز من وجه فيتساويان ولمن نصر الوجه الأول أن يقول: متى كان كل واحد منهما أحرز من وجه, وجب أن يضمن لأنه فوت الوجه المأمور بالحفظ به وأتى بما لم يؤمر به فضمن لمخالفته وعلى هذا لو أمر بتركها في يده, فجعلها في كمه ضمن لذلك وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة والكم أحرز منه عند عدم المغالبة فعلى هذا, إن أمر بتركها في يده فشدها في كمه عند غير المغالبة فلا ضمان عليه وإن فعل ذلك عند المغالبة ضمن وإن أمره بشدها في كمه, فأمسكها في يده عند المغالبة لم يضمن وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن وإن أمره بحفظها مطلقا فتركها في جيبه, أو شدها في كمه لم يضمنها وإن تركها في كمه غير مشدودة وكانت خفيفة لا يشعر بها إذا سقطت, ضمنها لأنه مفرط وإن كانت ثقيلة يشعر بها لم يضمنها لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم وإن شدها على عضده, لم يضمنها لأن ذلك أحفظ لها وقال القاضي: إن شدها من جانب الجيب لم يضمن وإن شدها من الجانب الآخر, ضمنها لأن الطرار يقدر على بطها بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه أو شدها في كمه, فإن الطرار يقدر على بطها ولا يضمن وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه إذا كان حرزا لمثلها وشدها على العضد حرز لها كيفما كان لأن الناس يحرزون به أموالهم, فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الآخر, ضمن وإن أمره بشدها مما يلي الجانب الآخر فشدها مما يلي الجيب لم يضمن لأنه أحرز وإن أمره بشدها على عضده مطلقا, أو أمره بحفظها معه فشدها من أي الجانبين كان لم يضمن لأنه ممتثل أمر مالكها, محرز لها بحرز مثلها وأن شدها على وسطه فهو أحرز لها وكذلك إن تركها في بيته في حرزها.

فصل: وإن أمره أن يجعلها في صندوق, وقال: لا تقفل عليها ولا تنم فوقها فخالفه في ذلك أو قال: لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا, فجعل عليها قفلين فلا ضمان عليه ذكره القاضي وهو ظاهر مذهب الشافعي وحكى عن مالك أنه يضمن لأنه خالف ربها في شيء له فيه غرض يتعلق بحفظها فأشبه ما لو نهاه عن إخراجها عن منزله فأخرجها لغير حاجة وذلك لأن النوم عليها, وترك قفلين عليها وزيادة الاحتفاظ بها ينبه اللص عليها, ويحثه على الجد في سرقتها والاحتيال لأخذها ولنا أن ذلك أحرز لها, فلا يضمن بفعله كما لو أمره بتركها في صحن الدار فتركها في البيت, وبهذا ينتقض ما ذكروه.

فصل: إذا: قال: اجعلها في هذا البيت ولا تدخله أحدا فأدخل إليه قوما فسرقها أحدهم, ضمنها لأنها ذهبت بتعديه ومخالفته وسواء سرقها حال إدخالهم أو بعده لأنه ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت, وعلم موضعها وطريق الوصول إليها وإن سرقها من لم يدخل البيت فقال القاضي: لا يضمن لأن فعله لم يكن سببا لإتلافها ويحتمل أن يلزمه الضمان لأن الداخل ربما دل عليها من لم يدخل, ولأنها مخالفة فوجب الضمان إذا كانت سببا لإتلافها فأوجبته وإن لم تكن سببا كما لو نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة.

فصل: إذا قال: ضع هذا الخاتم في الخنصر فوضعه في البنصر لم يضمنه لأنها أغلظ وأحفظ له, إلا أن لا يدخل فيها فيضعه في أنملتها العليا فيضمنه أو ينكسر بها لغلظها عليه, فيضمنه أيضا لأن مخالفته سبب لتلفه. مسألة: قال: [وإذا أودعه شيئا ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ذلك فلم يفعل حتى تلف, فهو ضامن] لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها فأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة, وقد أمر الله تعالى بذلك فقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وأمر به رسول الله -- فقال: (( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك )) يعني عند طلبها ولأنها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره, فلزم أداؤها إليه كالمغصوب والدين الحال فإن امتنع من دفعها في هذه الحال فتلفت, ضمنها لأنه صار غاصبا لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم فأشبه الغاصب فأما إن طلبها في وقت لم يمكن دفعها إليه, لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها, أو غير ذلك لم يكن متعديا بترك تسليمها لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وإن تلفت لم يضمنها لعدم عدوانه وإن قال أمهلوني حتى أقضى صلاتى أو آكل, فإني جائع أو أنام فإني ناعس أو ينهضم عني الطعام فإني ممتلئ أمهل بقدر ذلك.

 فصل: 

وليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحمله مؤنة قلت المؤنة أو كثرت لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص, فلم تلزمه الغرامة عليها كما لو وكله في حفظها في ملك صاحبها وإنما عليه التمكين من أخذها وإن سافر بها بغير إذن ربها, فعليه ردها إلى بلدها لأنه أبعدها بغير إذن ربها فلزمه ردها, كالغاصب.

 مسألة: 

قال: [وإذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله فصاحبها غريم بها] وجملته أن الرجل إذا مات وثبت أن عنده وديعة لم توجد بعينها, فهي دين عليه يغرم من تركته فإن كان عليه دين سواها, فهي والدين سواء فإن وفت تركته بهما وإلا اقتسماها بالحصص وبهذا قال الشعبي والنخعي, وداود بن أبي هند ومالك والشافعي, وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وروى ذلك عن شريح ومسروق, وعطاء وطاوس والزهري, وأبي جعفر محمد بن على وروى عن النخعي: الأمانة قبل الدين وقال الحارث العكلى: الدين قبل الأمانة ولنا أنهما حقان وجبا في ذمته فتساويا كالدينين, وسواء وجد في تركته من جنس الوديعة أو لم يوجد وهذا إذا أقر المودع أن عندي وديعة أو على وديعة لفلان أو ثبت ببينة أنه مات وعنده وديعة فأما إن كانت عنده وديعة في حياته, ولم توجد بعينها ولم يعلم هل هي باقية عنده أو تلفت ففيه وجهان أحدهما وجوب ضمانها لأن الوديعة يجب ردها إلا أن يثبت سقوط الرد بالتلف من غير تعد, ولم يثبت ذلك ولأن الجهل بعينها كالجهل بها وذلك لا يسقط الرد والثاني, لا ضمان عليه لأن الوديعة أمانة والأصل عدم إتلافها والتعدى فيها فلم يجب ضمانها وهذا قول ابن أبي ليلى, وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وظاهر المذهب الأول لأن الأصل وجوب الرد فيبقى عليه ما لم يوجد ما يزيله.

 فصل: 

وإن مات وعنده وديعة معلومة بعينها, فعلى ورثته تمكين صاحبها من أخذها فإن لم يعلم بموت صاحبها من أخذها وجب عليهم إعلامه به وليس لهم إمساكها قبل أن يعلم بها ربها لأنه لم يأتمنهم عليها, وإنما حصل مال غيرهم في أيديهم بمنزلة من أطارت الريح إلى داره ثوبا وعلم به فعليه إعلام صاحبه به, فإن أخر ذلك مع الإمكان ضمن كذا ها هنا ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من الميت أو ورثته أو ببينة تشهد بها وإن وجد عليها مكتوبا وديعة لم يكن حجة عليهم, لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا أو كان وديعة لموروثهم عند غيره أو كانت وديعة فابتاعها وكذلك لو وجد في رزمانج أبيه, أن لفلان عندي وديعة لم يلزمه بذلك لجواز أن يكون قد ردها ونسى الضرب على ما كتب أو غير ذلك.

 مسألة: 

قال: [وإذا طالبه الوديعة فقال: ما أودعتني ثم قال: ضاعت من حرز, كان ضامنا لأنه خرج من حال الأمانة ولو قال: ما لك عندي شيء ثم قال: ضاعت من حرز كان القول قوله ولا ضمان عليه] وجملة ذلك أنه إذا ادعى على رجل وديعة فقال: ما أودعتني ثم ثبت أنه أودعه, فقال: أودعتني وهلكت من حرزى لم يقبل قوله ولزمه ضمانها وبهذا قال مالك, والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة وإن أقر له بتلفها من حرزه قبل جحده, فلا ضمان عليه وإن أقر أنها تلفت بعد جحوده لم يسقط عنه الضمان لأنه خرج بالجحود عن الأمانة فصار ضامنا كمن طولب الوديعة فامتنع من ردها وإن أقام البينة بتلفها بعد الجحود, لم يسقط عنه الضمان لذلك وإن شهدت بتلفها قبل الجحود من الحرز فهل تسمع بينته؟ ففيه وجهان أحدهما لا تسمع لأنه مكذب لها بإنكاره الإيداع والثاني تسمع بينته لأن المودع لو اعترف بذلك سقط حقه, فتسمع البينة به فإن شهدت بالتلف من الحرز ولم تعين قبل الجحود ولا بعده, واحتمل الأمرين لم يسقط الضمان لأن الأصل وجوبه فلا ينتفي بأمر متردد وأما إذا ادعى الوديعة, فقال: ما لك عندي شيء أو لا تستحق على شيئا فقالت البينة بالإيداع أو أقر به المودع, ثم قال: ضاعت من حرز كان القول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبها فإن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه فلا شيء لمالكها عنده, ولا يستحق عليه شيئا لكن إن ادعى تلفها بعد جحوده أو قامت بينة بتلفها بعد الجحود, أو أنها كانت عنده حال جحوده فعليه ضمانها لأن جحوده أوجب الضمان عليه فصار كالغاصب.

 فصل: 

إذا نوى الخيانة في الوديعة, بالجحود أو الاستعمال ولم يفعل لم يصر ضامنا لأنه لم يحدث في الوديعة قولا ولا فعلا, فلا يضمن كما لو لم ينو وقال ابن شريح: يضمنها لأنه أمسكها بنية الخيانة فيضمنها, كالملتقط بقصد التملك ولنا: قول النبي --: (( عفي عن أمتى الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به, أو تعمل به )) ولأنه لم يخن فيها بقول ولا فعل فلم يضمنها كالذي لم ينو, وفارق الملتقط بقصد التملك فإنه عمل فيها بأخذها ناويا للخيانة فيها فوجب الضمان بفعله المنوي, لا بمجرد النية ولو التقطها قاصدا لتعريفها ثم نوى بعد ذلك إمساكها لنفسه كانت كمسألتنا ولو أخرجها بنية الاستعمال, فلم يستعملها ضمنها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يضمنها إلا بالاستعمال لأنه لو أخرجها لنقلها لم يضمنها ولنا أنه تعدى بإخراجها, أشبه ما لو استعملها بخلاف ما إذا نقلها.

 فصل: 

والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة, ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله وقال أكثرهم: مع يمينه وإن ادعى ردها على صاحبها فالقول قوله مع يمينه أيضا وبه قال الثوري, والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وبه قال مالك إن كان دفعها إليه بغير بينة وإن كان أودعه ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة ولنا, أنه أمين لا منفعة له في قبضها فقبل قوله في الرد بغير بينة كما لو أودع بغير بينة وإن قال: دفعتها إلى فلان بأمرك فأنكر مالكها الإذن في دفعها, فالقول قول المودع نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو قول ابن أبي ليلى وقال مالك والثوري, والعنبرى والشافعي وأصحاب الرأي: القول قول المالك لأن الأصل عدم الإذن, وله تضمينه ولنا أنه ادعى دفعا يبرأ به من الوديعة فكان القول قوله, كما لو ادعى ردها على مالكها ولو اعترف المالك بالإذن ولكن قال: لم يدفعها فالقول قول المستودع أيضا ثم ننظر في المدفوع إليه فإن أقر أنه قبضه, وكان الدفع في دين فقد برئ الكل وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه وقد ذكر أصحابنا أن الدافع يضمن لكونه قضى الدين بغير بينة, ولا يجب اليمين على صاحب الوديعة لأن المودع مفرط لكونه أذن في قضاء يبرئه من الحق ولم يبرأ بدفعه فكان ضامنا, سواء صدقه أو كذبه وإن أمره بدفعه وديعة لم يحتج إلى بينة لأن المودع يقبل قوله في التلف والرد, فلا فائدة في الإشهاد عليه فعلى هذا يحلف المودع ويبرأ ويحلف الآخر ويبرأ أيضا, ويكون ذهابها من مالكها.

 فصل: 

وإذا أودع بهيمة فأمره صاحبها بعلفها وسقيها لزمه ذلك لوجهين أحدهما, لحرمة صاحبها لأنه أخذها منه على ذلك والثاني لحرمة البهيمة فإن الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقى ويحتمل أن لا يلزمه علفها إلا أن يقبل ذلك لأن هذا تبرع منه, فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها كغير الوديعة وإن أطلق ولم يأمره بعلفها لزمه ذلك أيضا وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن لا يلزمه ذلك وبه قال أبو حنيفة لأنه استحفظه إياها, ولم يأمر بعلفها والعلف على مالكها فإذا لم يعلفها كان هو المفرط في ماله ولنا, أنه لا يجوز إتلافها ولا التفريط فيها فإذا أمره بحفظها تضمن ذلك علفها وسقيها, ثم ننظر فإن قدر المستودع على صاحبها أو وكيله طالبه بالإنفاق عليها أو بردها عليه, أو يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به فإذا عجز عن صاحبها أو وكيله رفع الأمر إلى الحاكم فإن وجد لصاحبها مالا أنفق عليها منه, وإن لم يجد مالا فعل ما يرى لصاحبها الحظ فيه من بيعها أو بيع بعضها وإنفاقه عليها, أو إجارتها أو الاستدانة على صاحبها من بيت المال أو من غيره, ويدفع ذلك إلى المودع إن أراد ذلك لينفقه عليها وإن رأى دفعه إلى غيره ليتولى الإنفاق عليها جاز وإن استدان من المودع, جاز أن يدفعه إليه ليتولى الإنفاق عليها لأنه أمين عليها ويجوز أن يأذن له الحاكم في أن ينفق عليها من ماله ويكون قابضا لنفسه من نفسه ويكل ذلك إلى اجتهاده في قدر ما ينفق, ويرجع به على صاحبها فإن اختلفا في قدر النفقة فالقول قول المودع إذا ادعى النفقة بالمعروف, وإن ادعى أكثر من ذلك لم يثبت له وإن اختلفا في قدر المدة التي أنفق فيها فالقول قول صاحبها لأن الأصل عدم ذلك فإن لم يقدر على الحاكم, فأنفق عليها محتسبا بالرجوع على صاحبها وأشهد على الرجوع رجع بما أنفق, رواية واحدة لأنه مأذون فيه عرفا ولا تفريط منه إذا لم يجد حاكما وإن فعل ذلك مع إمكان استئذان الحاكم من غير إذنه فهل له الرجوع؟ يخرج على روايتين نص عليها فيما إذا أنفق على البهيمة المرهونة من غير إذن الراهن, وفي الضامن إذا ضمن وأدى بغير إذن المضمون عنه هل يرجع به؟ على روايتين إحداهما يرجع به لأنه مأذون فيه عرفا والثانية, لا يرجع لأنه مفرط بترك استئذان الحاكم وإن أنفق من غير إشهاد مع العجز عن استئذان الحاكم أو مع إمكانه, ففي الرجوع وجهان أيضا كذلك ومتى علف البهيمة أو سقاها في داره أو غيرها بنفسه, أو أمر غلامه أو صاحبه ففعل ذلك كما يفعل في بهائمه على ما جرت به العادة, فلا ضمان عليه لأن هذا مأذون فيه عرفا لجريان العادة به فأشبه المصرح به.

 فصل: 

وإن أودعه البهيمة, وقال: لا تعلفها ولا تسقها لم يجز له ترك علفها لأن للحيوان حرمة في نفسه يجب إحياؤه لحق الله تعالى فإن علفها وسقاها كان كالقسم الذي قبله, وإن تركها حتى تلفت لم يضمنها وهذا قول عامة أصحاب الشافعي وقال بعضهم: يضمن لأنه تعدى بترك علفها أشبه ما إذا لم ينهه وهذا قول ابن المنذر لنهى رسول الله عن إضاعة المال فيصير أمر مالكها وسكوته سواء ولنا, أنه ممتثل لأمر صاحبها فلم يضمنها كما لو قال: اقتلها فقتلها, وكما لو قال: لا تخرج الوديعة وإن خفت عليها فخاف عليها ولم يخرجها أو أمره صاحبها بإلقائها في نار أو بحر وبهذا ينتقض ما ذكروه ومنع ابن المنذر الحكم فيما إذا أمره بإتلافها وأتلفها لما تقدم ولا يصح لأنه ثابت لصاحبها فلم يغرم له شيئا, كما لو استنابه في مباح والتحريم أثره في بقاء حق الله تعالى وهو التأثيم أما حق الآدمي فلا يبقى مع إذنه في تفويته, ولأنها لم تتلف بفعله وإنما تلفت بترك العلف المأذون فيه أشبه ما لو قال له: لا تخرجها إذا خفت عليها فلم يخرجها.

 مسألة: 

قال: [ولو كان في يده وديعة, فادعاها نفسان فقال: أودعني أحدهما ولا أعرفه عينا أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له, وسلمت إليه] وجملته أن من كانت عنده وديعة فادعاها نفسان فأقر بها لأحدهما, سلمت إليه لأن يده دليل ملكه فلو ادعاها لنفسه كان القول قوله فإذا أقر بها لغيره, وجب أن يقبل ويلزمه أن يحلف للآخر لأنه منكر لحقه فإن حلف برئ, وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها لأنه فوتها عليه وكذلك لو أقر للثاني بها بعد أن أقر بها للأول سلمت إلى الأول لأنه استحقها بإقراره وغرم قيمتها للثاني نص على هذا أحمد وإن أقر بها لهما جميعا, فهي بينهما ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في نصفها وإن قال: هي لأحدهما لا أعرفه عينا فاعترفا له بجهله تعين المستحق لها, فلا يمين عليه وإن ادعيا معرفته فعليه يمين واحدة أنه لا يعلم ذلك وقال أبو حنيفة: يحلف يمينين كما لو أنكر أنها لهما ولنا, أن الذي يدعى عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة كما لو ادعياها فأقر بها لأحدهما, ويفارق ما إذا أنكرها لأن كل واحد منهما يدعى عليه أنها له فهما دعويان فإن حلف أقرع بينهما, فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه وقال الشافعي: يتحالفان ويوقف الشيء بينهما حتى يصطلحا وهو قول ابن أبي ليلى لأنه لا يعلم المالك منهما وللشافعي قول آخر, أنها تقسم بينهما كما لو أقر بها لهما وهذا الذي حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه فيما حكى عنهم, قالوا: ويضمن المستودع نصفها لكل واحد منهما لأنه فوت ما استودع بجهله ولنا أنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما فوجب أن يقرع بينهما, كالعبدين إذا أعتقهما في مرضه فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما أو كما لو أراد السفر بإحدى نسائه وقول أبي حنيفة ليس بصحيح فإن العين لم تتلف ولو تلفت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه, وليس في جهله تفريط إذ ليس في وسعه أن لا ينسى ولا يجهل.

 مسألة: 

قال: [ومن أودع شيئا فأخذ بعضه, ثم رده أو مثله فضاع الكل لزمه مقدار ما أخذ] وجملته أن من أودع شيئا, فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذ فإن رده أو مثله, لم يزل الضمان عنه وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لا ضمان عليه إذا رده أو مثله وقال أصحاب الرأي: إن لم ينفق ما أخذه ورد لم يضمن, وإن أنفقه ثم رده أو مثله ضمن ولنا أن الضمان تعلق بذمته بالأخذ بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه, فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب فأما سائر الوديعة فينظر فيه فإن كان في كيس مختوم أو مشدود فكسر الختم أو حل الشد, ضمن سواء أخرج منه أو لم يخرج لأنه هتك الحرز بفعل تعدى به وإن خرق الكيس فوق الشد فعليه ضمان ما خرق خاصة لأنه ما هتك الحرز وإن لم تكن الدراهم في كيس, أو كانت في كيس غير مشدود أو كانت ثيابا فأخذ منها واحدا ثم رده بعينه لم يضمن غيره لأنه لم يتعد في غيره وإن رد بدله وكان متميزا, لم يضمن غيره لذلك وإن لم يكن متميزا فظاهر كلام الخرقي ها هنا أنه لا يضمن غيره لأن التعدي اختص به, فيختص الضمان به وخلط المردود بغيره لا يقتضي الضمان لأنه يجب رده معها فلم يفوت على نفسه إمكان ردها, بخلاف ما إذا خلطه بغيره ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها ولم يأمره برد بدله فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه وقال القاضي: يضمن الكل وهو قول الشافعي لأنه خلط الوديعة بما لا يتميز منها, فضمن الكل كما لو خلطها بغير البدل وقد ذكرنا فرقا بين البدل وغيره فلا يصح القياس وقال أبو حنيفة: إذا كسر ختم الكيس, لم يلزمه ضمان الوديعة لأنه لم يتعد في غيره ولنا أنه هتك حرزها فضمنها إذا تلفت, كما لو أودعه إياها في صندوق مقفل ففتحه وتركه مفتوحا ولا نسلم أنه لم يتعد في غير الختم.

 فصل: 

وإذا ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم ردها إلى صاحبها, زال عنه الضمان فإن ردها صاحبها إليه كان ابتداء استئمان, وإن لم يردها إليه ولكن جدد له الاستئمان أو أبرأه من الضمان برئ من الضمان, في ظاهر المذهب لأن الضمان حقه فإذا أبرأه منه برئ كما لو أبرأه من دين في ذمته وإذا جدد له استئمانا, فقد انتهى القبض المضمون به فزال الضمان وقد قال أصحابنا: إذا رهن المغصوب عند الغاصب أو أودعه عنده, زال عنه ضمان الغصب فهاهنا أولى.

 فصل: 

ولو تعدى فلبس الثوب وركب الدابة, أو أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة, لم يبرأ من الضمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يبرأ لأنه ممسك لها بإذن مالكها فأشبه ما قبل التعدي ولنا أنه ضمنها بعدوان فبطل الاستئمان, كما لو جحدها ثم أقر بها وبهذا يبطل ما ذكروه.

 فصل: 

ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف فإن أودع طفل أو معتوه إنسانا وديعة, ضمنها بقبضها ولا يزول الضمان عنه بردها إليه وإنما يزول بدفعها إلى وليه الناظر له في ماله, أو الحاكم فإن كان الصبي مميزا صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك فإن أودع رجل عند صبي أو معتوه وديعة فتلفت, لم يضمنها سواء حفظها أو فرط في حفظها فإن أتلفها أو أكلها, ضمنها في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي ومن أصحابنا من قال: لا ضمان عليه وهو قول أبي حنيفة لأنه سلطه على إتلافها بدفعها إليه فلا يلزمه ضمانها ألا ترى أنه لو دفع إلى صغير سكينا, فوقع عليها كان ضمانه على عاقلته؟ ولنا أن ما ضمنه بإتلافه قبل الإيداع, ضمنه بعد الإيداع كالبالغ ولا يصح قولهم: إنه سلطه على إتلافها وإنما استحفظه إياها وفارق دفع السكين, فإنه سبب للإتلاف ودفع الوديعة بخلافه.

 فصل: 

وإن أودع عبدا وديعة خرج على الوجهين في الصغير, إن قلنا: لا يضمن الصبي فأتلفها العبد كانت في ذمته وإن قلنا: يضمن كانت في رقبته.

 فصل: 

وإن غصبت الوديعة من المودع قهرا فلا ضمان عليه, سواء أخذت من يده أو أكره على تسليمها فسلمها بنفسه لأن الإكراه عذر له يبيح له دفعها, فلم يضمنها كما لو أخذت من يده قهرا.