تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة القارعة


بسم الله الرحمن الرحيم

{ ٱلْقَارِعَةُ } * { مَا ٱلْقَارِعَةُ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } * { يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ } * { وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } * { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } * { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } * { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } * { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } * { نَارٌ حَامِيَةٌ }

الفراش، قال الفراء: هو الهمج الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد. ويقال: هوأطيش من فراشة. قال: وقد كان أقوام رددت قلوبهم عليهم، وكانوا كالفراش من الجهل. وقيل: فراشة الحلم نفشت الصوف والقطن:فرقت ما كان ملبداً من أجزائه. {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُكَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ * فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْخَفَّتْ مَوٰزِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ * هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ }. هذه السورة مكية. ومناسبتها لماقبلها ظاهرة، لأنه ذكر وقت بعثرت القبور، وذلك هو وقت الساعة. وقال الجمهور: {ٱلْقَارِعَةُ }: القيامة نفسها، لأنها تقرع القلوببهولها. وقيل: صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع وفي ضمن ذلك القلوب. وقال الضحاك: هي النار ذات التغيظ والزفير.وقرأ الجمهور: {ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ } بالرفع، فما استفهام فيه معنى الاستعظام والتعجب وهو مبتدأ، والقارعة خبره، وتقدم تقريرذلك في

{ ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ } . وقيل ذلك في قوله: { فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } . وقال الزجاج: هوتحذير، والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، قال الشاعر:

أخو النجــدة الســلاح الســلاح    

وقرأ عيسى: بالنصب، وتخريجه على أنه منصوب بإضمارفعل، أي اذكروا القارعة، وما زائدة للتوكيد؛ والقارعة تأكيد لفظي للأولى. وقرأ الجمهور: {يَوْمٍ } بالنصب، وهو ظرف، العامل فيه،قال ابن عطية: القارعة. فإن كان عنى بالقارعة اللفظ الأول، فلا يجوز للفصل بين العامل، وهو في صلة أل، والمعمولبالخبر؛ وكذا لو صار القارعة علماً للقيامة لا يجوز أيضاً، وإن كان عنى اللفظ الثاني أو الثالث، فلا يلتئم معنىالظرف معه. وقال الزمخشري: الظرف نصب بمضمر دل عليه القارعة، أي تقرع يوم يكون الناس. وقال الحوفي: تأتي يوم يكون.وقيل: اذكر يوم. وقرأ زيد بن عليّ: يوم يكون مرفوع الميم، أي وقتها. {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }، قالقتادة: هو الطير الذي يتساقط في النار. وقال الفراء: غوغاء الجراد، وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض يركب بعضه بعضاًمن الهول. وقيل: الفراش طير دقيق يقصد النار، ولا يزال يتقحم على المصباح ونحوه حتى يحترق. شبهوا في الكثرة والانتشاروالضعف والذلة والمجيء والذهاب على غير نظام، والتطاير إلى الداعي من كل جهة حتى تدعوهم إلى ناحية المحشر، كالفراش المتطايرإلى النار. قال جرير:

إن الفرزدق ما علمت وقومه     مثل الفراش عشين نار المصطلي

وقرن بين الناس والجبال تنبيهاً على تأثير تلك القارعة في الجبال حتى صارت كالعهن المنفوش؛ فكيف يكون حال الإنسان عندسماعها؟ وتقدم الكلام في الموازين وثقلها وخفتها في الأعراف، وعيشة راضية في إلحاقة. {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ }: الهاوية دركة من دركاتالنار، وأمه معناه مأواه، كما قيل للأرض أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب: فنحنبنوها وهي أمنا. وقال قتادة وأبو صالح وغيره: فأم رأسه هاوية في قعر جهنم لأنه يطرح فيها منكوساً. وقيل: هوتفاؤل بشر، وإذا دعوا بالهلكة قالوا هوت أمه، لأنه إذا هوى، أي سقط وهلك فقد هوت أمه ثكلاً وحزناً. قالالشاعر:

هوت أمه ما نبعث الصبح غاديا     وماذا يرد الليل حين يؤون

وقرأ الجمهور:{فَأُمُّهُ } بضم الهمزة، وطلحة بكسرها. قال ابن خالويه: وحكى ابن دريد أنها لغة. وأما النحويون فإنهم يقولون: لا يجوزكسر الهمزة إلا أن يتقدمها كسرة أو ياء، انتهى. {وَمَا أَدْرَاكَ }: هي ضمير يعود على هاوية إن كانت كماقيل دركة من دركات النار معروفة بهذا الاسم، وإن كانت غير ذلك مما قيل فهي ضمير الداهية التي دل عليهاقوله: {مَوٰزِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ }، والهاء فيما هيه هاء السكت، وحذفها في الوصل ابن أبي إسحاق والأعمش وحمزة، وأثبتها الجمهور:{نَّارٍ }: خبر مبتدأ محذوف، أي هي نار، أعاذنا الله منها بمنه وكرمه.