تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة غافر

{ حـمۤ } * { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } * { غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } * { مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ } * { كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } * { وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ } * { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } * { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } * { قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } * { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ } * { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } * { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } * { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } * { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } * { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } * { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } * { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } * { وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } * { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ } * { فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } * { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } * { وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } * { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } * { يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } * { وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } * { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ } * { وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } * { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } * { وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } * { ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } * { وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ } * { أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ } * { وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } * { يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ } * { مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } * { وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ } * { تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ } * { لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ } * { فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } * { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ } * { ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } * { وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ } * { قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } * { قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } * { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ } * { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ } * { هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } * { لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } * { إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } * { ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } * { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } * { هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } * { هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ } * { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } * { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ } * { فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } * { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ } * { مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ } * { ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } * { ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ } * { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } * { وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } * { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ } * { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } * { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ }

أزف الشيء: قرب، قال الشاعر:

أزف الترحل غير أن ركابنا     لما تزل برحالنا وكأن قد

التباب: الخسران، السلسلة معروفة، السحب: الجر، سجرت التنور: ملأنه ناراً. {حـم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ * مَا يُجَـٰدِلُفِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ * كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلاْحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْكُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ }. سبع الحواميم مكيات، قالوا بإجماع. وقيل: فيبعض آيات هذه السور مدني. قال ابن عطية: وهو ضعيف. وفي الحديث: أن الحواميم ديباج القرآن وفيه: من أراد أن يرتع في رياض مونقة من الجنة فليقرأ الحواميم ، وفيه: مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب وهذه الحواميم مقصورة على المواغظ والزجر وطرق الآخرة وهي قصار لا تلحق فيها سآمة . ومناسبة أول هذه السورة لآخر الزمر أنهتعالى لما ذكر ما يؤول إليه حال الكافرين وحال المؤمنين، ذكر هنا أنه تعالى {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ }، ليكونذلك استدعاء للكافر إلى الإيمان، وإلى الإقلاع عما هو فيه، وأن باب التوبة مفتوح. وذكر شدة عقابه وصيرورة العالم كلهمفيه ليرتدع عما هو فيه، وأن رجوعه إلى ربه فيجازيه بما يعمل من خير أو شر. وقرىء: بفتح الحاء، اختيارأبي القاسم بن جبارة الهذلي، صاحب كتاب: (الكامل في القرآن)، وأبو السمال: بكسرها على أصل التقاء الساكنين، وابن أبي إسحاقوعيسى: بفتحها، وخرج على أنها حركة التقاء الساكنين، وكانت فتحة طلباً للخفة كأين، وحركة إعراب على انتصابها بفعل مقدر تقديره:اقرأ حم. وفي الحديث: أن أعرابياً سأل رسول الله عن حم ما هو؟ فقال: أسماء وفواتح سور ، وقال شريح بن أبي أوفى العبسي:

يذكرني حاميم والرمح شاجر     فهلا تلا حاميم قبل التقدم

وقال الكميت:

وجدنا لكم في آل حميم آية     تأولها منا تقي ومعرب

أعربا حاميم، ومنعت الصرف للعلمية، أو العلمية وشبهالعجمة، لأن فاعيل ليس من أوزان أبنية العرب، وإنما وجد ذلك في العجم، نحو: قابيل وهابيل. وتقدم فيما روي فيالحديث جمع حم على الحواميم، كما جمع طس على الطواسين. وحكى صاحب زاد المسير عن شيخه ابن منصور اللغوي أنهقال: من الخطأ أن تقول: قرأت الحوامي، وليس من كلام العرب؛ والصواب أن يقول: قرأت آل حم. وفي حديث ابنمسعود: إذا وقعت في آل حميم وقعت في روضات دمثات انتهى. فإن صح من لفظ الرسول أنه قال: الحواميم كان حجة على من منع ذلك ، وإن كان نقل بالمعنى، أمكن أن يكون من تحريف الأعاجم. ألا ترى لفظ ابن مسعود: إذا وقعت في آل حميم ، وقول الكميت: وجدنا لكم في آل حاميم؟ وتقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أولالبقرة، وقد زادوا في حاميم أقوالاً هنا، وهي مروية عن السلف، غنينا عن ذكرها، لاضطرابها وعدم الدليل على صحة شيءمنها. فإن كانت حم اسماً للسورة، كانت في موضع رفع على الابتداء، وإلا فتنزيل مبتدأ، ومن الله الخبر، أوخبر ابتداء، أي هذا تنزيل، ومن الله متعلق بتنزيل. و {ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }: صفتان دالتان على المبالغة في القدرة والغلبةوالعلم، وهما من صفات الذات. وقال الزجاج: غافر وقابل صفتان، وشديد بدل. انتهى. وإنما جعل غافر وقابل صفتين وإن كانااسمي فاعل، لأنه فهم من ذلك أنه لا يراد بهما التجدد ولا التقييد بزمان، بل أريد بهما الاستمرار والثبوت؛ وإضافتهمامحضة فيعرف، وصح أن يوصف بهما المعرفة، وإنما أعرب {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } بدلاً، لأنه من باب الصفة المشبهة، ولا يتعرفبالأضافة إلى المعرفة، وقد نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة، إذا أضيف إلى معرفة، جاز أن ينويبإضافته التمحض، فيتعرف وينعت به المعرفة، إلا ما كان من باب الصفة المشبهة، فإنه لا يتعرف. وحكى صاحب المقنع عنالكوفيين أنهم أجازوا في حسن الوجه وما أشبهه أن يكون صفة للمعرفة، قال: وذلك خطأ عند البصريين، لأن حسن الوجهنكرة، وإذا أردت تعريفه أدخلت فيه أل. وقال أبو الحجاج الأعلم: لا يبعد أن يقصد بحسن الوجه التعريف، لأن الإضافةلا تمنع منه. انتهى، وهذا جنوح إلى مذهب الكوفيين. وقد جعل بعضهم {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } وما بعده أبدالاً، اعتباراًبأنها لا تتعرف بالإضافة، كأنه لاحظ في غافر وقابل زمان الاستقبال. وقيل: غافر وقابل لا يراد بهما المضي، فهما يتعرفانبالإضافة ويكونان صفتين، أي إن قضاءه بالغفران وقبول التوب هو في الدنيا. قال الزمخشري: جعل الزجاج {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } وحدهبدلاً بين الصفات فيه نبو ظاهر، والوجه أن يقال: لنا صودف بين هذه المعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأنكلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن، فهي محكوم عليها أنها من الرجز، فإن وقعفيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل، ولا نبو في ذلك، لأن الجري على القواعد التي قد استقرت وصحتهو الأصل. وقوله: فقد آذنت بأن كلها أبدال تركيب غير عربي، لأنه جعل فقد أذنت جواب لما، وليس من كلامهم:لما قام زيد فقد قام عمرو، وقوله: بأن كلها أبدال فيه تكرار الأبدال، أما بدل البدل عند من أثبته فقدتكررت فيه الأبدال، وأما بدل كل من كل، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال، فلا نص عن أحد من النحويينأعرفه في جواز التكرار فيها، أو منعه، إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يكرر،وذلك في قول الشاعر:

فإلى ابن أم أناس ارحل ناقتي     عمرو فتبلغ ناقتي أو تزحف ملك إذا نزل الوفود ببابه

قال: فملك بدل من عمرو، بدل نكرة من معرفة، قال: فإن قلت:لم لا يكون بدلاً من ابن أم أناس؟ قلت: لأنه قد أبدل منه عمرو، فلا يجوز أن يبدل منه مرةأخرى، لأنه قد طر. انتهى. فدل هذا على أن البدل لا يتكرر، ويتحد المبدل منه؛ ودل على أن البدل منالبدل جائز، وقوله: جاءت تفاعيلها، هو جمع تفعال أو تفعول أو تفعول أو تفعيل، وليس شيء من هذه الأوزان يكونمعدولاً في آخر العروض، بل أجزاؤها منحصرة، ليس منها شيء من هذه الأوزان، فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها علىمستفعلين. وقال سيبويه أيضاً: ولقائل أن يقول هي صفات، وإنما حذفت الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله ومابعده لفظاً، فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ماهو وتر لأجل ما هو شفع. على أن الخليل قال في قولهم: لا يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، ويحسنبالرجل خير منك أن يفعل، على نية الألف واللام، كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام. ومما يسهلذلك أمن اللبس وجهالة الموصوف. انتهى. ولا ضرورة إلى اعتقاد حذف الألف واللام من شديد العقاب، وترك ما هو أصلفي النحو، وتشبيه بنادر مغير عن القوانين من تثنية الوتر للشفع، وينزه كتاب الله عن ذلك كله. وقال الزمخشري:ويجوز أن يقال قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة، وعلى ما لا شيء أدهى منه، وأمر لزيادة الإنذار.ويجوز أن يقال هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. انتهى. وأجاز مكي فيغافر وقابل البدل حملاً على أنهما نكرتان لاستقبالهما، والوصف حملاً على أنهما معرفتان لمضيهما. وقال أبو عبد الله الرازي: لاتزاع في جعل غافر وقابل صفة، وإنما كانا كذلك، لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار، وكذلك شديد العقاب تفيد ذلك، لأنصفاته منزهة عن الحدوث والتجدد، فمعناه: كونه بحيث شديد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً، لا يوصف بأنه حصل بعد أنلم يكن. انتهى. وهذا كلام من لم يقف على علم النحو، ولا نظر فيه، ويلزمه أن يكون حكيم عليم منقوله:

{ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ }

، ومليك مقتدر من قوله:

{ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ }

، معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد،ولأنها صفات لم تحصل بعد أن لم تكن، ويكون تعريف صفات بأل وتنكيرها سواء، وهذا لا يذهب إليه مبتدىء فيعلم النحو، فضلاً عمن صنف فيه، وقدم على تفسير كتاب الله. وتلخص من هذا الكلام المطوّل أن غافر الذنبوما عطف عليه وشديد العقاب أوصاف، لأن المعطوف على الوصف وصف، والجميع معارف على ما تقرر أو أبدال، لأن المعطوفعلى البدل بدل لتنكير الجميع. أو غافر وقابل وصفان، وشديد بدل لمعرفة ذينك وتنكير شديد. وقال الزمخشري: فإن قلت: مابال الواو في قوله: {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ }؟ قلت: فيها نكتة جليلة، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أنيقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. انتهى.وما أكثر تلمح هذا الرجل وشقشقته، والذي أفاد أن الواو وللجمع، وهذا معروف من ظاهر علم النحو. وقال صاحب الغنيان:وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر، وقطع شديد العقاب عنهما فلم يعطف لانفراده. انتهى، وهي نزغة اعتزالية.ومذهب أهل السنة جواز غفران الله للعاصي، وإن لم يتب إلا الشرك. والتوب يحتمل أن يكون كالذنب، اسم جنس؛ ويحتملأن يكون جمع توبة، كبشر وبشرة، وساع وساعة. والظاهر من قوله: {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } أن توبة العاصي بغير الكفر، كتوبةالعاصي بالكفر مقطوع بقبولها. وذكروا في القطع بقبول توبة العاصي قولين لاهل السنة. ولما ذكر تعالى شدة عقابه أردفهبما يطمع في رحمته، وهو قوله: {ذِى ٱلطَّوْلِ }، فجاء ذلك وعيداً اكتنفه وعدان. قال ابن عباس: الطول: السعة والغنى؛وقال قتادة: النعم؛ وقال ابن زيد: القدرة، وقوله: طوله، تضعيف حسنات أوليائه وعفوه عن سيئاتهم. ولما ذكر جملة منصفاته العلا الذاتية والفعلية، ذكر أنه المنفرد بالألوهية، المرجوع إليه في الحشر؛ ثم ذكر حال من جادل في الكتاب، وأتبعبذكر الطائعين من ملائكته وصالحي عباده فقال: {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، وجدالهم فيها قولهم: مرةسحر، ومرة شعر، ومرة أساطير الأولين، ومرة إنما يعلمه بشر، فهو جدال بالباطل، وقد دل على ذلك بقوله:

{ وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ }

. وقال السدي: ما يجادل: أي ما يماري. وقال ابن سلام: ما يجحد. وقال أبو العالية: نزلتفي الحرث بن قيس، أحد المستهزئين. وأما ما يقع بين أهل العلم من النظر فيها، واستيضاح معانيها، واستنباط الأحكام والعقائدمنها، ومقارعة أهل البدع بها، فذلك فيه الثواب الجزيل. ثم نهى السامع أن يغتر بتقلب هؤلاء الكفار في البلاد وتصرفاتهمفيها، بما أمليت لهم من المساكن والمزارع والممالك والتجارات والمكاسب، وكانت قريش تتجر في الشأم والمين؛ فإن ذلك وبال عليهموسبب في إهلاكهم، كما هلك من كان قبلهم من مكذبي الرسل. وقرأ الجمهور: {فَلاَ يَغْرُرْكَ }، بالفك، وهي لغةأهل الحجاز. وقرأ زيد بن علي: وعبيد بن عمير: فلا يغرك، بالإدغام مفتوح الراء، وهي لغة تميم. ولما كان جدالالكفار ناشئاً عن تكذيب ما جاء به الرسول، عليه السلام، من آيات الله، ذكر من كذب قبلهم من الأمم السالفة،وما صار إليه حالهم من حلول نقمات الله بهم، ليرتدع بهم كفار من بعث الرسول، عليه السلام، إليهم؛ فبدأ بقومنوح، إذ كان عليه السلام أول رسول في الأرض، وعطف على قومه الأحزاب، وهم الذين تحزبوا على الرسل. ولم يقبلواما جاءوا به من عند الله، ومنهم: عاد وثمود وفرعون وأتباعه، وقدم الهم بالأخذ على الجدال بالباطل، لأن الرسل لماعصمهم الله منهم أن يقتلوهم رجعوا إلى الجدال بالباطل. وقرأ الجمهور: {*برسولهتم}؛ وقرأ عبد الله: برسولها، عاد الضمير إلى لفظأمة. {بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ }: ليتمكنوا منه بحبس أو تعذيب أو قتل. وقال ابن عباس: ليأخذوه: ليملكوه، وأنشد قطرب:

فاما تأخذوني تقتلوني     فكم من آخذ يهوى خلودي

ويقال للقتيل والأسير: أخيذ. وقال قتادة: {لِيَأْخُذُوهُ }:ليقتلوه، عبر عن المسبب بالسبب. {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ }: أي بما هو مضمحل ذاهب لا ثبات له. وقيل: الباطل: الكفر. وقيل:الشيطان. وقيل: بقولهم:

{ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا }

. {لِيُدْحِضُواْ }: ليزلقوا، {بِهِ ٱلْحَقَّ }: أي الثابت الصدق. {فَأَخَذَتْهُمُ }:فأهلكتهم. {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } إياهم، استفهام تعجيب من استصالهم، واستعظام لما حل بهم، وليس استفهاماً عن كيفية عقابهم، وكانوايمرون على مساكنهم ويرون آثار نعمة الله فيهم؛ واجتزأ بالكسر عن ياء الإضافة لأنها فاصلة، والأصل عقابي. {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ }:أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة، كونهم من أصحاب النار، من تقدم منهم ومن تأخروا. {أَنَّهُمْ }:بدل من {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ }، فهي في موضع رفع، ويجوز أن يكون التقدير لأنهم وحذف لام العلة. والمعنى: كما وجبإهلاك أولئك الأمم، وجب إهلاك هؤلاء، لأن الموجب لإهلاكهم وصف جامع لهم، وهو كونهم من أصحاب النار. وفي مصحف عبدالله: وكذلك سبقت، وهو تفسير معنى، لا قراءة. وقرأ ابن هرمز، وشيبة، وابن القعقاع، ونافع، وابن عامر: كلمات على الجمع؛وأبو رجاء، وقتادة، وباقي السبعة: على الإفراد. {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً }. لما ذكر جدال الكفار في آيات الله وعصيانهم، ذكر طاعة هؤلاءالمصطفين من خلقه، وهم حمله العرش، {وَمَنْ حَوْلَهُ }، وهم الحافون به من الملائكة. وذكروا من وصف تلك الجملة وعظمخلقهم، ووصف العرش، ومن أي شيء خلق، والحجب السبعينيات التي اختلفت أجناسها، قالوا: احتجب الله عن العرش وعن حامليه، واللهأعلم به على أن قدرته تعالى محتملة لكل ما ذكروه مما لا يقتضي تجسيماً، لكنه يحتاج إلى نقل صحيح. وقرأالجمهور: {ٱلْعَرْشِ } بفتح العين؛ وابن عباس وفرقة: بضمها، كأنه جمع عرش، كسقف وسقف، أو يكون لغة في العرش.{يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ }: أي ينزهونه عن جميع النقائص، {بِحَمْدِ رَبّهِمْ }: بالثناء عليه بأنه المنعم على الإطلاق. والتسبيح: إشارةإلى الإجلال؛ والتحميد: إشارة إلى الإكرام، فهو قريب من قوله:

{ تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلإكْرَامِ }

، ونظيره:

{ وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ }

؛ وقولهم: ونحن نسبح بحمدك. {وَيُؤْمِنُونَ }: أي ويصدقون بوجودهتعالى وبما وصف به نفسه من صفاته العلا، وتسبيحهم إياه يتضمن الإيمان. قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة قوله: {وَيُؤْمِنُونَبِهِ }، ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟ قلت: فائدته إظهارشرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابة بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمالهم الخير بقوله:

{ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }

، فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى، وهي التبيه على أن الأمر لو كان كماتقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهد بن معاينين، ولما وصفوا بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب. ولما وصفوابه على سبيل الثناء عليهم، علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء فيأن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا، وأنه منزه عن صفات الإجرام.وقد روعي التناسب في قوله: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }، كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهموصفتهم، وفيه تنبيه على أن الإشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة، وإنتفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وانسان، ولا بين سماء وأرض قط ثم لما جاء جامع الإيمان،جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، قال تعالى:

{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلاْرْضِ }

. انتهى، وهو كلام حسن. إلا أن قوله: إن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير فيه نظر، وقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَلِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تخصيص لعموم قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلاْرْضِ }. وقال مطرف بن الشخير: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة،وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية. انتهى. وينبغي أن يقال: أنصح العباد للعباد الأنبياء والملائكة. {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءرَّحْمَةً وَعِلْماً }: أي يقولون: ربنا واحتمل هذا المحذوف بياناً ليستغفرون، فيكون في محل رفع، وأن يكون حالاً، فيكون فيموضع نصب. وكثيراً ما جاء النداء بلفظ ربنا ورب، وفيه استعطاف العبد لمولاه الذي رباه وقام بمصالحه من لدن نشأتهإلى وقت ندائه، فهو جدير بأن لا يناديه إلا بلفظ الرب. وانتصب رحمة وعلماً على التمييز، والأصل: وسعت رحمتك كلشيء، وعلمك كل شيء؛ وأسند الوسع إلى صاحبها مبالغة، كأن ذاته هي الرحمة والعلم، وقد وسع كل شيء. وقدم الرحمة،لأنهم بها يستمطرون أحسانه ويتوسلون بها إلى حصول مطلوبهم من سؤال المغفرة. ولما حكى تعالى عنهم كيفية ثنائهم عليه،وأخبر باستغفارهم، وهو قولهم: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ }. وطلب المغفرة نتيجة الرحمة، وللذين تابوا يتضمن أنك علمت توبتهم،فهما راجعان إلى قوله: {رَّحْمَةً وَعِلْماً }، و {ٱتَّبَعُواْ * سَبِيلِكَ }، وهي سبيل الحق التي نهجتها لعبادك، {إِنَّكَ أَنتَٱلعَزِيزُ }: الذي لا تغالب، {ٱلْحَكِيمُ }: الذي يضع الأشياء مواضعها التي تليق بها. ولما طلب الغفران يتضمن إسقاط العذاب،أرادفوه بالتضرع بوقايتهم العذاب على سبيل المبالغة والتأكيد، فقالوا: {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ }، وطلب المغفرة، ووقاية العذاب للتأئب الصالح، وقدوعد بذلك الوعد الصادق بمنزلة الشفاعة في زيادة الثواب والكرامة. ولما سألوا إزالة العقاب، سألوا اتصال الثواب، وكرر الدعاءبربنا فقالوا: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ }. وقرأ الجمهور: جنات جمعاً؛ وزيد بن علي، والأعمش: جنة عدن بالإفراد، وكذا فيمصحف عبد الله، وتقدم الكلام في إعراب التي في قوله:

{ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ }

في سورةمريم. وقرأ ابن أبي عبلة: صلح بضم اللام، يقال: صلح فهو صليح وصلح فهو صالح. وقرأ عيسى: وذريتهم، بالإفراد؛ والجمهوربالجمع. وعن ابن جبير في تفسير ذلك أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين ابني؟أين زوجتي؟ فيلحقون به لصلاحه ولتنبيهه عليه وطلبه إياهم، وهذه دعوة الملائكة. انتهى. وإذا كان الإنسان في خير، ومعه عشيرتهوأهله، كان أبهج عنده وأسر لقلبه. والظاهر عطف ومن على الضمير في وأدخلهم، إذ هم المحدث عنهم والمسئول لهم. وقالالفراء، والزجاج: نصبه من مكانين: إن شئت على الضمير في {وَأَدْخِلْهُمْ }، وإن شئت على الضمير في {وَعَدْتَّهُمْ }.{وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ }: أي امنعهم من الوقوع فيها حتى لا يترتب عليها اجزاؤها، أو وقهم جزاء السيئات التي إجترحوها، فحذفالمضاف ولا تكرار في هذا، وقوله: {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } لعدم توافق المدعو لهم أن الدعاء الأول للذين تابوا، والثانيأنه لهم ولمن صلح من المذكورين، أو لا ختلاف الدعاءين إذا أريد بالسيئات أنفسهم، فذلك وقاية عذاب الجحيم، وهذا وقايةالوقوع في السيئات. والتنوين في بومئذ تنوين العوض، والمحذوف جملة عوض منها التنوين، ولم تتقدم جملة يكون التنوين عوضاً منها،كقوله:

{ فَلَوْلا إِذْ * بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ }

{ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ }

أي حين إذ بلغت الحلقوم، فلا بد من تقدير جملةيكون التنوين عوضاً منها كقوله، يدل عليها معنى الكلام، وهي {وَمَن تَقِ ٱلسَّيّئَـٰتِ }: أي جزاءها يوم إذ يؤاخذ بها{فَقَدْ رَحِمْتَهُ }. ولم يتعرض أحد من المفسرين الذين وقفنا على كلامهم في الآية للجملة التي عوض منها التنوين فييومئذ، وذلك إشارة إلى الغفران. ودخول الجنة ووقاية العذاب هو الفوز بالظفر العظيم الذي عظم خطره وجل صنعه. ولماذكر شيئاً من أحوال المؤمنين، وذكر شيئاً من أحوال الكافرين، وما يجري لهم في الآخرة من اعترافهم بذنوبهم واستحقاقهم العذابوسؤالهم الرجوع إلى الدنيا. ونداؤهم، قال السدي: في النار. وقال قتادة: يوم القيامة، والمنادون لهم الزبانية على جهة التوبيخ والتقريع.واللام في {لَمَقْتُ } لام الابتداء ولام القسم، ومقت مصدر مضاف إلى الفاعل، التقدير: لمقت الله إياكم، أو لمقت اللهأنفسكم، وحذف المفعول لدلالة ما بعده عليه في قوله: {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ }. والظاهر أن مقت الله إياهم هوفي الدنيا، ويضعف أن يكون في الآخرة، كما قال بعضهم لبقاء إذ تدعون، مفلتاً من الكلام، لكونه ليس له عاملتقدم، ولا مفسر لعامل. فإذا كان المقت السابق في الدنيا، أمكن أن يضمر له عامل تقديره: مقتكم إذ تدعون. وقالالزمخشري: وإذ تدعون منصوب بالمقت الأول، والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: إن الله مقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفرحين كانالأنبياء يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر، أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار، إذ أوقعتكم فيها بأتباعكمهواهن. انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال. وأخطأ في قوله: {وَإِذْ * تَدْعُونَ } منصوب بالمقت الأول، لأن المقت مصدر، ومعموله منصلته، ولا يجوز أن يخبر عنه إلا بعد استيفائه صلته، وقد أخبر عنه بقوله: {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ }، وهذامن ظواهر علم النحو التي لا تكاد تخفي على المبتدئين، فضلاً عمي تدعي العجم أنه في العربية شيخ العرب والعجم.ولما كان الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، لا يجوز قدرنا العامل فيه مضمر، أي مقتكم إذ تدعون، وشبيهة قولهتعالى:

{ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ }

. قدروا العامل برجعه {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } للفصل بـ {لَقَادِرٌ} بين المصدر ويوم. واختلاف زماني المقتين الأول في الدنيا والآخرة هو قول مجاهد وقتادة وابن يد والآكثرين. {*وتقدم}، لناأن منهم من قال في الآخرة، وهو قول الحسن. قال الزمخشري: وعن الحسن لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا:{يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ }. وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى:

{ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً }

، {وَإِذْ * تَدْعُونَ } تعليل. انتهى. وكان قوله: {وَإِذْ * تَدْعُونَ } تعليل من كلام الزمخشري.وقال قوم: إذ تدعون معمول، لا ذكر محذوفة، ويتجه ذلك على أن يكون مقت الله إياهم في الآخرة، على قولالحسن، قيل لهم ذلك توبيخاً وتقريعاً وتنبيهاً على ما فاتهم من الإيمان والثواب. ويحتمل أن يكون قوله: من مقت أنفسكم،أن كل واحد يمقت نفسه، أو أن بعضكم يمقت بعضاً، كما قيل: إن الأتباع يمقتون الرؤساء لما ورطوهم فيه منالكفر، والرؤساء يمقتون الأتباع، وقيل: يمقتون أنفسهم حين قال لهم الشيطان: {فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ }، والمقت أشد البغض، وهومستحيل في حق الله تعالى، فمعناه: الإنكار والزجر. {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ }: وجه اتصال هذه بما قبلها أنهمكانوا ينكرون البعث، وعظم مقتهم أنفسهم هذا الإنكار، فلما مقتوا أنفسهم ورأوا حزناً طويلاً رجعوا إلى الإقرار بالبعث، فأقروا أنهتعالى أماتهم اثنتين وأحياهم اثنتين تعظيماً لقدرته وتوسلاً إلى رضاه، ثم أطمعوا أنفسهم بالاعتراف بالذنوب أن يردوا إلى الدنيا، أيإن رجعنا إلى الدنيا ودعينا للإيمان بادرنا، إليه. وقال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وأبو مالك: موتهم كوبهم ماء في الأصلاب،ثم إحياؤهم في الدنيا، ثم موتهم فيها، ثم إحياؤهم يوم القيامة. وقال السدي: إحياؤهم في الدنيا، ثم إماتتهم فيها، ثمإحياؤهم في القبر لسؤال الملكين، ثم إماتتهم فيه، ثم إحياؤهم في الحشر. وقال ابن زيد: إحياؤهم نسماً عند أخذ العهدعليهم من صلب آدم، ثم إماتتهم بعد، ثم إحياؤهم في الدنيا، ثم إماتتهم، ثم إحياؤهم، فعلى هذا والذي قبله تكونثلاثة إحياآت، وهو خلاف القرآن. وقال محمد بن كعب: الكافر في الدنيا حي الجسد، ميت القلب، فاعتبرت الحالتان، ثم إماتتهمحقيقة، ثم إحياؤهم في البعث، وتقدم الكلام في أول البقرة على الإماتتين والإحياءين في قوله:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا }

الآية، وكررنا ذلك هنا لبعد ما بين الموضعين. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يسمي خلقهم أمواتاً إماتة؟قلت: كما صح: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وقولك للحفار ضيق فم، الركية ووسع أسفلها، وليس ثمنقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق،وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات. والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد من غير ترجيحلأحدهما، وكذلك الضيق والسعة، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين، وهو متمكن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع إلى الجائز الآخر،فجعل صرفه عنه كنقله منه. انتهى. يعني أن خلقهم أمواتاً، كأنه نقل من الحياة وهو الجائز الآخر. وظاهر {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} أنه متسبب عن قبولهم. {رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ * إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُواْ رَبَّنَاأَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } السابقة من إنكار البعث وغيره. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ }: أي سريع أو بطيءمن النار، {مّن سَبِيلٍ }: وهذا سؤال من يئس من الخروج، ولكنه تعلل وتحير. {ذٰلِكُمْ }: الظاهر أن الخطاب للكفارفي الآخرة، والإشارة إلى العذاب الذي هم فيه، أو إلى مقتهم أنفسهم، أو إلى المنع من الخروج والزجر والإهانة، احتمالات.مقوله. وقيل: الخطاب المحاضرين رسول الله ، والضمير في فإنه ضمير الشأن. {إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ }:أي إذا أفرد بالإلهية ونفيت عن سواه، {كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ }: أي ذكرت اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام، صدقتمبألوهيتها وسكنت نفوسكم إليها. {فَٱلْحُكْمُ } بعذابكم، {لِلَّهِ }، لا لتلك الأصنام التي أشركتموها مع الله، {ٱلْعَلِىُّ } عن الشرك،{ٱلْكَبِيرُ }: العظيم الكبرياء. وقال محمد بن كعب: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الأربعة، فإذا كانت الخامسة سكتوا.{قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ } الآية، وفي إبراهيم:

{ رَبَّنَا أَخّرْنَا }

الآية، وفي السجدة:

{ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا }

الآية، وفي فاطر:

{ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا }

الآية، وفي المؤمنون:

{ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا }

الآية، فراجعهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، قال: فكان آخركلامهم ذلك. ولما ذكر تعالى ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين، أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرتهوحكمته، ليصير ذلك دليلاً على أنه لا يجوز جعل الأحجار المنحوتة والخشب المعبودة شركاء لله، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ}، أيها الناس، ويشمل آيات قدرته من الريح السحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها من الأثار العلوية، وآيات كتابه المشتمل علىالأولين والآخرين، وآيات الإعجاز على أيدي رسله. وهذه الآيات راجعة إلى نور العقل الداعي إلى توحيد الله. ثم قال: {وَيُنَزّلُلَكُم مّنَ ٱلسَّمَاء رِزْقاً }، وهو المطر الذي هو سبب قوام بنية البدن، فتلك الآيات للأديان كهذا الرزق للأبدان. {وَمَايَتَذَكَّرُ }: أي يتعظ ويعتبر، وجعله تذكراً لأنه مركوز في العقول دلائل التوحيد، ثم قد يعرض الاشتغال بعبادة غير اللهفيمنع من تجلى نور العقل، فإذا تاب إلى الله تذكر. {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ * ٱلدّينِ وَلَوْ *وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ* رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ * يَوْمَ هُمبَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْء لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ * ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْلاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلاْزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍوَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ * وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَبِشَىْء إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ * أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلاْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْهُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءاثَاراً فِى ٱلاْرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْكَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }. الأمر بقوله: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ } للمنيبين المؤمنينأصحاب رسول الله : أي اعبدوه، {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } من الشرك على كل حال، حتى فيحال غيظ أعدائكم المتمالئين عليكم وعلى استئصالكم. ورفيع: خبر مبتدأ محذوف. وقال الزمخشري: ثلاثة أخبار مترتبة على قوله:

{ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ }

، أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً. انتهى. أما ترتبها على قوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ }، فبعيد كطولالفصل، وأما كونها أخباراً مبتدأ محذوف، فمبني على جواز تعدد الأخبار، إذا لم تكن في معنى خبر واحد، والمنع اختيارأصحابنا. وقرىء: رفيع بالنصب على المدح، واحتمل أن يكون رفيع للمبالغة على فعيل من رافع، فيكون الدرجات مفعول، أي رافعدرجات المؤمنين ومنازلهم في الجنة. وبه فسرا بن سلام، أو عبر بالدرجات عن السموات، أرفعها سماء، والعرش فوقهنّ. وبه فسرابن جبير، واحتمل أن يكون رفيع فعيلاً من رفع الشيء علا فهو رفيع، فيكون من باب الصفة المشبهة، والدرجات: المصاعدالملائكة إلى أن تبلغ العرش، أضيفت إليه دلالة على عزه وسلطانه، أي درجات ملائكته، كما وصفه بقوله:

{ ذِي ٱلْمَعَارِجِ }

،أو يكون ذلك عبارة عن رفعه شأنه وعلو سلطانه. كما أن قوله: {ذُو ٱلْعَرْشِ } عبارة عن ملكه، وبنحوه فسرابن زيد قال: عظيم الصفات. و{ٱلرُّوحُ }: النبوة، قاله قتادة والسدي، كما قال:

{ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }

؛ وعن قتادة أيضاً:الوحي. وقال ابن عباس: القرآن، وقال الضحاك: جبريل يرسله لمن يشاء. وقيل: الرحمة، وقيل: أرواح العباد، وهذان القولان ضعيفان، والأولىالوحي، استعير له الروح لحياة الأديان المرضية به، كما قال:

{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ }

. وقال ابن عطية: ويحتملأن يكون القاء الروح عامل لكل ما ينعم الله به على عباده المهتدين في تفهيم الإيمان والمعقولات الشريفة. انتهى. وقالالزجاج: الروح: كل ما به حياة الناس، وكل مهتد حي، وكل ضال ميت. انتهى. وقال ابن عباس: {مِنْ أَمْرِهِ }:من قضائه. وقال مقاتل: بأمره، وحكى الشعبي من قوله، ويظهر أن من لابتداء الغاية. وقرأ الجمهور: {لّيُنذِرَ } مبنياًللفاعل، {يَوْمٍ } بالنصب، والظاهر أن الفاعل يعود على الله، لأنه هو المحدث عنه. واحتمل يوم أن يكون مفعولاً علىالسعة، وأن يكون ظرفاً، والمنذر به محذوف. وقرأ أبي وجماعة: كذلك إلا أنهم رفعوا يوم على الفاعلية مجازاً. وقيل: الفاعلفي القراءة الأولى ضمير الروح. وقيل: ضمير من. وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب اللوامح: لينذر مبنياً للمفعول، يوم التلاق، برفعالميم. وقرأ الحسن واليماني فيما ذكر ابن خالويه: لتنذر بالتاء، فقالوا: الفاعل ضمير الروح، لأنها تؤنث، أو فيه ضمير الخطابالموصول. وقرىء: التلاق والتناد، بياء وبغير ياء، وسمي يوم التلاق لالتقاء الخلائق فيه، قاله ابن عباس. وقال قتادة ومقاتل: يلتقيفيه الخالق والمخلوق. وقال ميمون بن مهران: يلتقي فيه الظالم والمظلوم. وحى الثعلبي: يلتقي المرء بعلمه. وقال السدّي: يلاقي أهلالسماء أهل الأرض. وقيل: يلتقى العابدون ومعبودهم. {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ }: أي ظاهرون من قبورهم، لا يسترهم شيء من جبلأو أكمة أو بناء، لأن الأرض إذ ذاك قاع صفصف، ولا من ثياب، لأنهم يحشرون حفاة عراة. ويوماً بدل منيوم التلاق، وكلاهما ظرف مستقبل. والظرف المستقبل عند سيبويه لا يجوز إضافته إلى الجملة الإسمية، لا يجوز: أجيئك يوم زيدذاهب، أجراء له مجرى إذا، فكما لا يجوز أن تقول: أجيئك إذا زيد ذاهب، فكذلك لا يجوز هذا. وذهب أبوالحسن إلى جواز ذلك، فيتخرج قوله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } على هذا المذهب. وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا على قلة،والدلائل مذكورة في علم النحو. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون انتصابه على الظرف، والعامل فيه قوله: {لاَ يَخْفَىٰ }،وهي حركة إعراب لا حركة بناء، لأن الظرف لا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن، كيومئذ. وقال الشاعر:

على حين عاتبت المشيب على الصبا    

وكقوله تعالى:

{ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ }

. وأما في هذه الآية فالجملة اسم متمكن، كما تقول:جئت يوم زيد أمير، فلا يجوز البناء. انتهى. يعني أن ينتصب على الظرف قوله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ }. وأما قولهلا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن، فالبناء ليس متحتماً، بل يجوز فيه البناء والإعراب. وأما تمثيله بيوم ينفع،فمذهب البصريين أنه لا يجوز فيه إلا الإعراب، ومذهب الكوفيين جواز النباء والإعراب فيه. وأما إذا أضيف إلى جملة سمية،كما مثل من قوله: جئت يوم زيد أمير، فالنقل عن البصريين تحتم الإعراب، كما ذكر، والنقل عن الكوفيين جواز الإعرابوالبناء. وذهب إليه بعض أصحابنا، وهو الصحيح لكثرة شواهد البناء على ذلك. ووقع في بعض تصانيف أصحابنا أنه يتحتم فيهالبناء، وهذا قول لم يذهب إليه أحد، فهو وهم. {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْء }: أي من سرائرهم وبواطنهم.قال ابن عباس: إذا هلك من في السموات ومن في الأرض، فلم يبق إلا الله قال: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ }،فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }. وقال ابن مسعود: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيدبأرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم به أن ينادي مناد: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}؟ فيجيبوا كلهم: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }. روي أنه تعالى يقرر هذا التقرير ويسكت العالم هيبة وجزعاً، فيجيب نفسه بقوله:{للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }، فيجيب الناس، وإنما خص التقرير باليوم، وإن كان الملك له تعالى في ذلك اليوم وفي غيره،لظهور ذلك للكفرة والجهلة ووضوحه يوم القيامة. وإذا تأمّل من له مسكة عقل تسخير أهل السموات الأرض، ونفوذ القضاءفيهم، وتيقن أن لا ملك إلا لله، ومن نتائج ملكه في ذلك اليوم جزاء كل نفس بما كسبت، وانتفاء الظلم،وسرعة الحساب، إن حسابهم في وقت واحد لا يشغله حساب عن حساب. قال ابن عطية: وهذه الآية نص في أنالثواب والعقاب معلق باكتساب العبد. انتهى، وهو على طريقة الأشعرية. وروى أن يوم القيامة لا ينتصف حتى يقيل المؤمنون فيالجنة والكافرون في النار. و{يَوْمَ ٱلاْزِفَةِ }: هو يوم القيامة، يأمر تعالى نبيه أن ينذر العالم ويحذرهم منه ومن أهواله،قاله مجاهد وابن زيد. والآزفة صفة لمحذوف تقديره يوم الساعة الآزفة، أو الطامة الآزفة ونحو هذا. ولما اعتقب كل إنذارنوعاً من الشدة والخوف وغيرهما، حسن التكرار في الآزفة القريبة، كما تقدم، وهي مشارفتهم دخول النار، فإنه إذ ذاك تزيغالقلوب عن مقارها من شدة الخوف. وقال أبو مسلم: يوم الآزفة: يوم المنية وحضور الأجل، يدل عليه أنه يعدل وصفيوم القيامة بأنه يوم التلاق، ويوم بروزهم، فوجب أن يكون هذا اليوم غيره، وهذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات، يومالموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب، وأيضاً فالصفات المذكورة بعد قوله: {يَوْمَ ٱلاْزِفَةِ }، لائقة بيوم حضور المنية،لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب لعظم خوفه، يكاد قلبه يبلغ حنجرته من شدّة الخوف، ولا يكون له حميم ولاشفيع يرفع عنه ما به من أنواع الخوف. {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }، قيل: يجوز أن يكون ذلك يومالقيامة حقيقة، ويبقون أحياء مع ذلك بخلاف حالة الدنيا، فإن من انتقل قلبه إلى حنجرته مات، ويجوز أن يكون ذلككناية عن ما يبلغون إليه من شدة الجزع، كما تقول: كادت نفسي أن تخرج، وانتصب كاظمين على الحال. قال الزمخشري:هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى، إذا المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، ويجوز أن تكون حالاً عنالقلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها، مع بلوغها الحناجر. وإنما جمع الكاظم جمع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذيهو من أفعال العقلاء، كما قال:

{ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ }

. وقال: فظلت أعناقهم لها خاضعين، ويعضده قراءة من قرأ: كاظمون،ويجوز أن يكون حالاً عن قوله: أي وانذرهم مقدرين. وقال ابن عطية: كاظمين حال، مما أبدل منه قوله تعالى:

{ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلابْصَـٰرُ * مُهْطِعِينَ }

: أراد تشخص فيه أبصارهم، وقال الحوفي: القلوب رفع بالإبتداء، ولدى الحناجر الخبر متعلق بمعنى الاستقرار.وقال أبو البقاء: كاظمين حال من القلوب، لأن المراد أصحابها. انتهى. {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ }: أي محب مشفق، ولاشفيع يطاع في موضع الصفة لشفيع، فاحتمل أن يكون في موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع على الموضع واحتملأن ينسحب النفي على الوصف فقط، فيكون من شفيع، ولكنه لا يطاع، أي لا تقبل شفاعته، واحتمل أن ينسحب النفيعلى الموصوف وصفته: أي لا شفيع فيطاع، وهذا هو المقصود في الآية أن الشفيع عند الله إنما يكون من أوليائهتعالى، ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضاه الله وأيضاً فيكون في زيادة التفضل والثواب ولا يمكن شيء من هذا فيحق الكافر. وعن الحسن: والله لا يكون لهم شفيع البتة، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ }، كقوله:

وإن سقيت كرام الناس فاسقينا    

أي الناسالكرام، وجوزوا أن تكون خائنة مصدراً، كالعافية والعاقبة، أي يعلم خيانة الأعين. ولما كانت الأفعال التي يقصد بها التكتم بدنية،فأخفاها خائنة الأعين من كسر جفن وغمز ونظر يفهم معنى ويريد صاحب معنى آخر وقلب، وهو ما تحتوي عليه الضمائر،قسم ما ينكتم به إلى هذين القسمين، وذكر أن علمه متعلق بهما التعلق التام. وقال الزمخشري: ولا يحسن أن يرادالخائنة من الأعين، لأن قوله: {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } لا يساعد عليه. انتهى، يعني أنه لا يناسب أن يكون مقابلالمعنى إلا المعنى، وتقدم أن الظاهر أن يكون التقدير الأعين الخائنة، والظاهر أن قوله: يعلم خائنة الأعين الآية متصل بماقبله، لما أمر بإنكاره يوم الآزفة، وما يعرض فيه من شدة الكرب والغم، وأن الظالم لا يجد من يحميه منذلك، ولا من يشفع له. ذكر اطلاعه تعالى على جميع ما يصدر من العبد، وأنه مجازي بما عمل، ليكونعلى حذر من ذلك اليوم إذا علم أن الله مطلع على أعماله. وقال ابن عطية: يعلم خائنة الأعين متصل بقوله:{سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }، لأن سرعة حسابه للخلق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى روية وفكر، ولا لشيء ممايحتاجه المحاسبون. وقالت فرقة: يعلم متصل بقوله: لا يخفي على الله منهم شيء، وهذا قول حسن، يقويه تناسب المعنيين، ويضعفهبعد الآية من الآية وكثرة الحائل. انتهى. وقال الزمخشري: فإن قلت: فإن قلت: بم اتصل قوله: يعلم خائنة الاعين؟قلت: هوخبر من أخبار هو في قوله:

{ هُوَ ٱلَّذِى * يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ }

، مثل: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ }، ولكن من يلقي الروحقد علل بقوله: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ }، ثم أسقط وتذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ }، فبعدلذلك عن إخوانه. انتهى. وفي بعض الكتب المنزلة، انا مرصاد الهمم، انا العالم بحال الفكر وكسر العيون. وقال مجاهد: خائنةالأعين: مسارقة النظر إلى ما لا يجوز؛ ومثل المفسرون خائنة الأعين بالنظر الثاني إلى حرمة غير الناظر، وما تحفي الصدوربالنظر الأول الذي لا يمكن رفعه. {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ }: هذا يوجب عظيم الخوف، لأن الحاكم إذا كان عالماًبجميع الأحوال لا يقضي إلا بالحق في ما دق وجل خافه الخلق غاية. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء}: هذا قدح في أصنامهم وتهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة، لا يقال فيه يقضي ولا يقضي. وقرأ الجمهور:{يَدَّعُونَ } بياء الغيبة لتناسب الضمائر الغائبة قبل. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، ونافع: بخلاف عنه؛ وهشام: تدعون بتاء الخطاب، أيقل لهم يا محمد. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ }: تقرير لقوله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ }، وعيدلهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعلمون وتعريض بأصنامهم أنها لا تسمع ولا تبصر. {أَوَ لَمْ * يَسِيروُاْ فِىٱلاْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ }: أحال قريشاً على الاعتبار بالسير، وجاز أن يكون فينظروا مجزوماًعطفاً على يسيروا وأن يكون منصوباً على جواب النفي، كما قال:

ألم تسأل فتخبرك الرسوم    

وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة، وحملالزمخشري هم على أن يكون فصلاً ولا يتعين، إذ يجوز أن يكون هم توكيداً لضمير كانوا. وقرأ الجمهور: منهم بضميرالغيبة؛ وابن عامر: منكم بضمير الخطاب على سبيل الالتفات. {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى }: معطوف على قوة، أي مبانيهم وحصونهم وعددهمكانت في غاية الشدة.

{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً }

. وقال الزمخشري: أو أرادوا أكثر آثاراً لقوله:متقلداً سيفاً ورمحاًانتهى. أي: ومعتقلاًرمحاً، ولا حاجة إلى ادعاء الحذف مع صحة المعنى بدونه. {مِن وَاقٍ }: أي وما كان لهم من عذاب اللهمن ساتر بمنعهم منعه. {ذٰلِكَ }: أي الأخذ، وتقدم تفسير نظير ذلك. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ *إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـشرُونَ فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُواْ أَبْنَاء ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْنِسَاءهُمْ وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ }. ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون تسلية للرسول عليهالصلاة والسلام، و وعيد القريش أن يحل بهم ما حل بفرعون وقومه من نقمات الله، ووعد للمؤمنين بالظفر والنصر وحسنالعاقبة. وآيات موسى عليه السلام كثيرة، والذي تحدى به من المعجز العصا واليد. وقرأ عيسى: وسلطان بضم اللام، والسلطان المبين:الحجة والبرهان الواضح. والظاهر أن قارون هو الذي ذكره تعالى في قوله:

{ إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ }

، وهومن بني إسرائيل. وقيل: هو غيره، ونص على هامان وقارون لمكانتهما في الكفر، ولأنهما أشهر أتباع فرعون. {فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ}: أي هذا ساحر، لما ظهر على يديه من قلب العصاحية، وظهور النور الساطع على يده، كذاب لكونه ادعى أنهرسول من رب العالمين. {فَلَمَّا جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ مِنْ عِندِنَا }: أي بالمعجزات والنبوة والدعاء إلى الإيمان بالله، {قَالُواْ }، أيأولئك الثلاثة، {ٱقْتُلُواْ }. قال ابن عباس: أي أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولاً. انتهى. يريد أن هذا غير القتلالأول، وإنما أمروا بقتل أبناء المؤمنين لئلا يتقوى بهم موسى عليه السلام، وباستحياء النساء للاستخدام والاسترقاق، ولم يقع ما أمروابه ولا تم لهم، ولا أعانهم الله عليه. {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ }: أي في حيرة وتخبط، لميقع منه شيء، ولا أنجح سعيهم، وكانوا باشروا القتل أولاً، فنفذ قضاء الله في إظهار من خافوا هلاكهم على يديه.وقيل: كان فرعون قد كف عن قتل الأبناء، فلما بعث موسى، وأحس أنه قد وقع ما كان يحذره، أعاد القتلعليهم غيظاً وحنقاً وظناً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين معاً.{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ }، قال الزمخشري: بعضه من كلام الحسن، كان إذا هم بقتله كفوه بقولهم:ليس بالذي تخافه، هو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا يقامه إلا ساحر مثله، ويقولون:إن قتلته أدخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا أنك عجزت عن مظاهرته بالحجة. والظاهر أن فرعون، لعنه الله، كان قد استيقنأنه نبي، وأن ما جاء به آيات وما هو سحر، ولكن الرجل كان فيه خبث وجبروت، وكان قتالاً سفاكاً للدماءفي أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه، يهدم ملكه؟ ولكنه يخاف إن همبقتله أن يعاجل بالهلاك. وقوله: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ }: شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، كان قوله: {ذَرُونِىأَقْتُلْ مُوسَىٰ } تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هولالفزع. وقال ابن عطية: الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرت آيات موسى انهد ركنه واضطربت معتقدات أصحابه، ولميفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بين من غير ما موضع في قصتهما، وفي ذلك على هذا دليلان:أحدهما: قوله {ذَرُونِى }، فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. الدليل الثاني: في مقالة المؤمن وما صدعبه، وأن مكاشفته لفرعون خير من مساترته، وحكمه بنبوة موسى أظهر من تقريبه في أمره. وأما فرعون، فإنه نحا إلىالمخرقة والاضطراب والتعاطي، ومن ذلك قوله: {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ }: أي إني لا أبالي من رب موسى، ثمرجع إلى قومه يريهم النصيحة والخيانة لهم، فقال: {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ }، والدين: السلطان، ومنه قول زهير:

لئن حللت بجوّفي بني أسد     في دين عمرو وحالت بيننا فدك

انتهى. وتبديل دينهم هو تغييره، وكانوا يعبدونه ويعبدونالأصنام، كما قال:

{ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ }

. أو أن يظهر الأرض الفساد، وذلك بالتهارج الذي يذهب معه الأمن، وتتعطل المزارع والمكاسب،ويهلك الناس قتلاً وضياعاً، فأخاف فساد دينكم ودنياكم معاً. وبدأ فرعون بخوفه تغيير دينهم على تغيير دنياهم، لأن حبهم لأديانهمفوق حبهم لأموالهم. وقيل: {ذَرُونِى } يدل على أنهم كانوا يمنعونه من قتله، إما لكون بعضهم كان مصدقاً له فيتحيلفي منع قتله، وإما لما روي عن الحسن مما ذكر الزمخشري، وإما الشغل قلب فرعون بموسى حتى لا يتفرغ لهم،ويأمنوا من شره؛ كما يفعلون مع الملك، إذا خرج عليه خارجي شغلوه به حتى يأمنوا من شره. وقرأ الكوفيون: أوأن، بترديد الخوف بين تبديل الدين أو ظهور الفساد. وقرأ باقي السبعة: وأن بانتصاب الخوف عليهما معاً. وقرأ أنسبن مالك، وابن المسيب، ومجاهد، وقتادة، وأبو رجاء، والحسن، والجحدري، ونافع، وأبو عمرو، وحفص: {يُظْهِرُ } من أظهر مبنياً للفاعل،{ٱلْفَسَادَ }: نصباً. وقرأ باقي السبعة، والأعرج، والأعمش، وابن وثاب، وعيسى: يظهر من ظهر مبنياً للفاعل، الفساد: رفعاً. وقرأ مجاهد:يظهر بشد الظاء والهاء، الفساد: رفعاً. وقرأ زيد بن عليّ: يظهر: بضم الياء وفتح الهاء مبنياً للمفعول، الفساد: رفعاً.ولما سمع موسى بمقالة فرعون، استعاذ بالله من شر كل متكبر منكر للمعاد. وقال: {وَرَبّكُمْ }: بعثاً على الاقتداء به،فيعوذون بالله ويعتصمون به ومن كل متكبر يشمل فرعون وغيره من الجبابرة؛ وكان ذكل على طريق التعريض، وكان أبلغ. والتكبر:تعاظم الإنسان في نفسه مع حقارته، لأنه يفعل ولا يؤمن بيوم الحساب، أي بالجزاء، وكان ذلك آكد في جراءته، إذحصل له التعاظم في نفسه، وعدم المبالاة بما ارتكب. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: عدت بالإدغام؛ وباقي السبعة: بالإظهار. وقالرجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، قيل: كان قبطياً ابن عم فرعون، وكان يجري مجرى ولي العهد، ومجرى صاحبالشرطة. وقيل: كان قبطياً ليس من قرابته. وقيل: قيل فيه من آل فرعون، لأنه كان في الظاهر على دينه ودينأتباعه. وقيل: كان إسرائيلياً وليس من آل فرعون، وجعل آل فرعون متعلقاً بقوله: {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ }، لا في موضع الصفةلرجل، كما يدل عليه الظاهر، وهذا فيه بعد، إذ لم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتجاسر عند فرعون بمثلما تكلم به هذا الرجل. وقد رد قول من علق من آل فرعون بيكتم، فإنه لا يقال: كتمت من فلانكذا، إنما يقال: كتمت فلاناً كذا، قال تعالى:

{ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }

، وقال الشاعر:

كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا     وهمين هما مستكناً وظاهرا أحاديث نفس تشتكي ما يريبها

أي: كتمتك أحاديث نفس وهمين. قيل: واسمه سمعان. وقيل: حبيب. وقيل: حزقيل.وقرأ الجمهور: {رَجُلٌ } بضم الجيم. وقرأ عيسى، وعبد الوارث، وعبيد بن عقيل، وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو: بسكون،وهي لغة تميم ونجد. {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ }: أي لأن يقول {رَبّىَ ٱللَّهُ }، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيتلهم، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم عليه في ارتكابها إلا كلمة الحق التينطق بها، وهي قوله: {رَبّىَ ٱللَّهُ }، مع أنه {قَدْ جَاءكُمُ * بِٱلْبَيّنَـٰتِ مِن رَّبّكُمْ }: أي من عند مننسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده؟ وهذا استدراج إلى الاعتراف. وقال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً، أيوقت أن يقول، والمعنى: أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره؟ انتهى. وهذا الذيأجازه من تقدير المضاف المحذوف الذي هو وقت لا يجوز، تقول: جئت صياح الديك، أي وقت صياح الديك، ولا أجيءأن يصيح الديك، نص على ذلك النحاة، فشرط ذلك أن يكون المصدر مصرحاً به لا مقدراً، وأن يقول ليس مصدراًمصرحاً به. {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ }: بالدلائل على التوحيد، وهي التي ذكرها في طه والشعراء حالة محاورته له في سؤاله عن ربهتعالى. ولما صرح بالإنكار عليهم، غالطهم بعد في أن قسم أمره إلى كذب وصدق، وأدّى ذلك في صورة احتمالونصيحة، وبدأ في التقسيم بقوله: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ }، مداراة منه وسالكاً طريق الإنصاف في القول، وخوفاً إذاأنك عليهم قتله أنه ممن يعاضده ويناصره، فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شره، ويكون ذلك أدنىلتسليمهم. ومعنى {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ }: أي لا يتخطاه ضرره. {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ }، وهو يعتقد أنهنبي صادق قطعاً، لكنه أتى بلفظ بعض لإلزام الحجة بأسرها في الأمر، وليس فيه نفي أن يصيبهم كل ما يعدهم.وقالت فرقة: يصبكم بعض العذاب الذي يذكر، وذلك كان في هلاكهم، ويكون المعنى: يصبكم القسم الواحد مما يعد به، وذلكهو بعض مما يعد، لأنه عليه السلام وعدهم إن آمنوا بالنعمة، وإن كفروا بالنقمة. وقالت فرقة: بعض الذي يعدكم عذابالدنيا، لأنه بعض عذاب الآخرة، ويصيرون بعد ذلك إلى النار. وقال أبو عبيدة وغيره: بعض بمعنى كل، وأنشدوا عمرو بنشسيم القطامي:

قد يدرك المتأني بعض حاجته     وقد يكون مع المستعجل الزلل

وقال الزمخشري: وذلك أنهحين فرض صادقاً، فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ }، ليهضمه بعضحقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه وافياً فضلاً أن يتعصب له. فإن قلت: وعن أبي عبيدةأنه قسم البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد وهو:

تراك أمكنة إذا لم أرضها     ويريك من بعض النفوس حمامها

قلت: إن صحت الرواية عنه فقد حق في قول المازني في مسألة العافي كان أحفى منأن يفقه ما أقول له. انتهى، ويعني أن أبا عبيدة خطأه الناس في اعتقاده أن بعضاً يكون بمعنى كل، وأنشدواأيضاً في كون بعض بمعنى كل قول الشاعر:

إن الأمور إذا الأحداث دبرها     دون الشيوخ في بعضها خللا

أي: إذا رأى الأحداث، ولذلك قال دبرها ولم يقل دبروها، راعي المضاف المحذوف. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْهُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } فيه: إشارة إلى علو شأن موسى، عليه السلام، وأن من اصطفاه الله للنبوة لا يمكن أنيقع منه إسراف ولا كذب، وفيه تعريض بفرعون، إذ هو غاية الإسراف على نفسه بقتل أبناء المؤمنين، وفي غاية الكذب،إذ ادّعى الإلهية والربوبية، ومن هذا شأنه لا يهديه الله. وفي الحديث: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون، وعليّ بن أبي طالب . وفي الحديث: «أنه عليه السلام، طاف بالبيت، فحين فرغ أخذ بمجامع ردائه، فقالوا: لهأنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال: أنا ذاك، فقام أبو بكر، رضي الله عنه، فالتزمه من ورائه وقال:أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم»، رافعاً صوته بذلك وعيناه تسفحان بالدموع حتى أرسلوه. وعنجعفر الصادق: أن مؤمن آل فرعون قال ذلك سرًّا، وأبو بكر قاله ظاهراً. وقال السدي: مسرف بالقتل. وقال قتادة: مسرفبالكفر. وقال صاحب التحرير والتحبير: هذا نوع من أنواع علم البيان تسميه علماؤنا استدراج المخاطب، وذلك أنه لما رأى فرعونقد عزم على قتل موسى، والقوم على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفي عليهم بها أنه متعصب له، وأنه منأتباعه، فجاءهم من طريق النصح والملاطفة فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ }، ولم يذكر اسمه، بل قال رجلاًيوهم أنه لا يعرفه ولا يتعصب له، {أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ }، ولم يقل رجلاً مؤمناً بالله، أو هو نبيالله، إذ لو قال شيئاً من ذلك لعلموا أنه متعصب. ولم يقبلوا قوله، ثم اتبعه بما بعد ذلك، فقدم قوله:{وَإِن يَكُ كَـٰذِباً }، موافقة لرأيهم فيه. ثم تلاه بقوله: {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً }،ولو قال هو صادق وكل ما يعدكم،لعلموا أنه متعصب، وأنه يزعم أنه نبي، وأنه يصدقه، فإن الأنبياء لا تخل بشيء مما يقولونه، ثم أتبعه بكلام يفهممنه أنه ليس بمصدق، وهو قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }. انتهى. ثم قال: {عَلَيْهِقَوْمٌ } نداء متلطف في موعظتهم. {لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ }: أي عالمين: {فِى ٱلاْرْضِ }: في أرض مصر، قدغلبتم بني إسرائيل فيها، وقهرتموهم واستعبدتموهم، وناداهم بالملك الذي هو أعظم مراتب الدنيا وأجلها، وهو من جهة شهواتهم، وانتصب ظاهرينعلى الحال، والعامل فيها هو العامل في الجار والمجرور، وذو الحال هو ضمير لكم. ثم حذرهم أن يفسدوا على أنفسهمبأنه إن جاءهم بأسس الله لم يجدوا ناصراً لهم ولا دافعاً، وأدرج نفسه في قوله: {يَنصُرُنَا }، وجاءنا لأنه منهمفي القرابة، وليعلمهم أن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه. وأقوال هذا المؤمن تدل على زوال هيبة فرعون منقلبه، ولذلك استكان فرعون وقال: {مَا * أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ }: أي ما أشير عليكم إلا بقتله، ولا أستصوبإلا ذلك، وهذا قول من لا تحكم له، وأتى بما وإلا للحصر والتأكيد. {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ }،لا ما تقولونه من ترك قتله وقد كذب، بل كان خائفاً وجلاً، وقد علم أن ما جاء به موسى عليهالسلام حق، ولكنه كان يتجلد، ويرى ظاهره خلاف ما أبطن. وأورد الزمخشري وابن عطية وأبو القاسم الهذلي هنا أن معاذبن جبل قرأ الرشاد بشد الشين. قال أبو الفتح: وهو اسم فاعل في بنية مبالغة من الفعل الثلاثي رشد، فهوكعباد من عبد. وقال الزمخشري: أو من رشد، كعلام من علم. وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الفعل الرباعي، وردعليه أنه لا يتعين أن يكون من الرباعي، بل هو من الثلاثي، على أن بعضهم قد ذهب إلى أنه منالرباعي، فبنى فعال من أفعل، كدراك من أدرك، وسآر من أسأر، وجبار من أجبر، وقصار من أقصر، ولكنه ليس بقياس،فلا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة، وفعال من الثلاثي مقيس فحمل عليه. وقال أبو حاتم: كان معاذ بن جبليفسرها بسبيل الله. قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رضي الله عنه. وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله؟وتعلق بناء اللفظ على هذا التأويل. انتهى. وإيراد الخلاف في هذا الحرف الذي هو من قول فرعون خطأ، وتركيب قولمعاذ عليه خطأ، والصواب أن الخلاف فيه هو قول المؤمن: {ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ }. قال أبو الفضل الرازي في(كتاب اللوامح) له من شواذ القراءات ما نصه: معاذ بن جبل سبيل الرشاد، الحرف الثاني بالتشديد، وكذلك الحسن، وهو سبيلالله تعالى الذي أوضح الشرائع، كذلك فسره معاذ بن جبل، وهو منقول من مرشد، كدراك من مدرك، وجباز من مجبر،وقصار من مقصر عن الأمر، ولها نظائر معدودة، فأما قصار فهو من قصر من الثوب قصارة. وقال ابن خالويه، بعدأن ذكر الخلاف في التناد وفي صد عن السبيل ما نصه: سبيل الرشاد بتشديد الشين، معاذ بن جبل. قال ابنخالويه: يعني بالرشاد الله تعالى. انتهى. فهذا لم يذكر الخلاف إلا في قول المؤمن: {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ }، فذكر الخلاففيه في قول فرعون خطأ، ولم يفسر معاذ بن جبل الرشاد أنه الله تعالى إلا في قول المؤمن، لا فيقول فرعون. قال ابن عطية: ذلك التأويل من قول فرعون. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ يٰقَوْمِ * قَوْمٌ * إِنّى أَخَافُعَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلاْحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ *لّلْعِبَادِ * وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُـمْ بِهِ حَتَّىٰإِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ }. الجمهور: على أن هذا المؤمن هو الرجل القائل: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً }، قص الله أقاويلهإلى آخر الآيات. لما رأى ما لحق فرعون من الخور والخوف، أتى بنوع آخر من التهديد، وخوفهم أن يصيبهم ماأصاب الأمم السابقة من استئصال الهلاك حين كذبوا رسلهم، وقويت نفسه حتى سرد عليه ما سرد، ولم يهب فرعون. وقالتفرقة: بل كلام ذلك المؤمن قد تم، وإنما أراد تعالى بالذي آمن بموسى، عليه السلام، واحتجوا بقوة كلامه، وأنه جنحمعهم بالإيمان، وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك، ولم يكن كلام الأول الاعلانية لهم، وأفرد اليوم، إما لأن المعنى مثل أيامالأحزاب، أو أراد به الجمع، أي مثل أيام الأحزاب لأنه معلوم أن كل حزب كان له يوم. و{ٱلاْحَزَابِ * ٱلَّذِينَ* عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلاْحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ }، قال ابن عطية: بدل. وقال الزمخشري: عطف بيان. وقال الزجاج: مثليوم حزب ودأب عادتهم ودينهم في الكفر والمعاصي. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ }، أي إن إهلاكه إياهم كان عدلاًمنه، وفيه مبالغة في نفي الظلم، حيث علقه بالإرادة. فإذا نفاه عن الإرادة، كأن نفيه عن الوقوع أولى وأحرى. ولماخوفهم أن يحل بهم في الدنيا ما حل بالأحزاب، خوفهم أمر الآخرة فقال، تعطفاً لهم بندائهم: {يا قوم إني أخافعليكم يوم التناد، وهو يوم الحشر. والتنادي مصدر تنادي القوم: أي نادى بعضهم بعضاً. قال الشاعر:

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا     فقلت أعند الله ذلكم الردى

وسمي يوم التنادي، إما لنداء بعضهم لبعض بالويل والثبور، وإمالتنادي أهل الجنة وأهل النار على ما ذكر في سورة الأعراف، وإما لأن الخلق ينادون إلى المحشر، وإما لنداء المؤمن:

{ هاؤم اقرؤا كتابيه }

، والكافر:

{ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ }

. وقرأت فرقة: التناد، بسكون الدال في الوصل أجراه مجرى الوقفوقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح، والكلبي، والزعفراني، وابن مقسم: التناد، بتشديد الدال: من يد البعير اذا هرب. كما قال

{ يفر المرء من أخيه }

الآية وقال ابن عباس، وغيره: في الثناء خفيفة الدال هو التنادي، أي يكون بين الناس عندالنفخ في الصور ونفخة الفزع في الدنيا، وأنهم يفرون على وجوههم للفزع التي نالهم، وينادي بعضهم بعضاً. وروي هذا التأويلعن أبي هريرة، عن النبي . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون التذكر بكل نداء في القيامةفيه مشقة على الكفار والعصاة. انتهى. قال أمية بن أبي الصلت:

وبث الخلق فيها إذ دحاها     فهم سكانها حتى التنادي

وفي الحديث: إن للناس جولة يوم القيامة يندّون ، يظنون أنهم يجدون مهرباً؛ثم تلا: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ }، قال مجاهد: معناه فارين. وقال السدّي: {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } فيفراركم حتى تعذبوا في النار. وقال قتادة: ما لكم في الانطلاق إليها من عاصم، أي مانع، يمنعكم منها، أو ناصر.ولما يئس المؤمن من قبولها قال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }. ثم أخذ يوبخهم على تكذيب الرسل،بأن يوسف قد جاءهم بالبينات. والظاهر أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون هو فرعون موسى، وروى أشهب عن مالك أنه بلغهأن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة. وقيل: بل الجائي إليهم هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، وأنفرعون هو فرعون، غير فرعون موسى. و{بِٱلْبَيِّنَـٰتِ }: بالمعجزات. فلم يزالوا شاكين في رسالته كافرين، حتى إذا توفى، {قُلْتُمْ لَنيَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً }. وليس هذا تصديقاً لرسالته، وكيف وما زالوا في شك منه، وإنما المعنى: لا رسولمن عند الله فيبعثه إلى الخلق، ففيه نفي الرسول، ونفي بعثته. وقرىء: ألن يبعث، بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي،كأن بعضهم يقرر بعضاً على نفي البعثة. {كَذٰلِكَ }: أي مثل إضلال الله إياكم، أي حين لم تقبلوا من يوسف،{يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ }: يعنيهم، إذ هم المسرفون المرتابون في رسالات الأنبياء. وجوزوا في {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ} أن تكون صفة لمن، وبدلاً منه: أي معناه جمع ومبتدأ على حذف مضاف، أي جدال الذين يجادلون، حتى يكونالضمير في {كَبُرَ } عائداً على ذلك أولاً، أو على حذف مضاف، والفاعل بكبر ضمير يعود على الجدل المفهوم منقوله: {يُجَـٰدِلُونَ }، أو ضمير يعود على من على لفظها، على أن يكون الذين صفة، أو بدلاً أعيد أولاً علىلفظ من في قوله: {هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }. ثم جمع الذين على معنى من، ثم أفرد في قوله: {كَبُرَ }على لفظ من. وقال الزمخشري: ويحتمل أن يكون {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ } مبتدأ وبغير {سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ } خبراً، وفاعل {كَبُرَ }قوله: {كَذٰلِكَ }، أي {كَبُرَ مَقْتاً } مثل ذلك الجدال، و{يَطْبَعُ ٱللَّهُ * كَلاَمَ * مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَمَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ } جدالهم، فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه. انتهى، وهذا الذي أجازه لا يجوز أن يكونمثله في كلام فصيح، فكيف في كلام الله؟ لأن فيه تفكيك الكلام بعضه من بعض، وارتكاب مذهب الصحيح خلافه. أماتفكيك الكلام، فالظاهر أن بغير سلطان متعلق بيجادلون، ولا يتعقل جعله خبراً للذين، لأنه جار ومجرور، فيصير التقدير: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَفِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }: كائنونن، أو مستقرون، {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ }، أي في غير سلطان، لأن الباء إذا ذاك ظرفية خبرعن الجثة، وكذلك في قوله يطبع أنه مستأنف فيه تفكيك الكلام، لأن ما جاء في القرآن من {كَذَلِكَ يَطْبَعُ }،أو نطبع، إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، فكذلك هنا. وأما ارتكاب مذهب الصحيح خلافه، فجعل الكاف اسماً فاعلاً بكبر، وذلكلا يجوز على مذهب البصريين إلا الأخفش، ولم يثبت في كلام العرب، أعني نثرها: جاءني كزيد، تريد: مثل زيد، فلمتثبت اسميتها، فتكون فاعلة. وأما قوله: ومن قال لي آخره، فإنّ قائل ذلك وهو الحوفي، والظن به أنه فسرالمعنى ولم يرد الإعراب. وأما تفسير الإعراب أن الفاعل بكبر ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون، كما قالوا: منكذب كان شراً له، أي كان هو، أي الكذب المفهوم من كذب. والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذينمبتدأ وخبره كبر، والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون، وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه، ويكون الواعظ لهم قد عدلعن مخاطبتهم إلى الاسم الغائب، لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم، وإبراز ذلك في صورة تذكيرهم، ولا يفجأهم بالخطاب. وفي قوله:{كَبُرَ مَقْتاً } ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم والشهادة على خروجه عن حدّ إشكاله من الكبائر. {كَذٰلِكَ }: أي مثلذلك الطبع على قلوب المجادلين، {يَطْبَعُ ٱللَّهُ }: أي يحتم بالضلالة ويحجب عن الهدى. وقرأ أبو عمرو بن ذكوان، والأعرج،بخلاف عنه: قلب بالتنوين، وصف القلب بالتكبر والجبروت، لكونه مركزهما ومنبعهما، كما يقولون: رأت العين، وكما قال:

{ فإنه آثم قلبه }

،والإثم: الجملة، وأجاز الزمخشري أن يكون على حذف المضاف، أي على كل ذي قلب متكبر، بجعل الصفة لصاحب القلب. انتهى،ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف. وقرأ باقي السبعة: قلب متكبر بالإضافة، والمضاف فيه العام عام، فلزم عموم متكبر جبار.وقال مقاتل: المتكبر: المعاند في تعظيم أمر الله، والجبار المسلط على خلق الله. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا * يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِلِى صَرْحاً }، أقوال فرعون: {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ * مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ * فَرْعَوْنُ يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً}، حيدة عن محاجة موسى، ورجوع إلى أشياء لا تصح، وذلك كله لما خامره من الجزع والخوف وعدم المقاومة، والتعرفأن هلاكه وهلاك قومه على يد موسى، وأن قدرته عجزت عن التأثير في موسى، هذا على كثرة سفكه الدماء. وتقدمالكلام في الصرح في سورة القصص فأغنى عن إعادته. قال السدي: الأسباب: الطرق. وقال قتادة: الأبواب؛ وقيل: عنى لعله يجد،مع قربه من السماء، سبباً يتعلق به، وما أداك إلى شيء فهو سبب، وأبهم أولاً الأسباب، ثم أبدل منها ماأوضحها. والإيضاح بعد الإبهام يفيد تفخيم الشيء، إذ في الإبهام تشوق للمراد، وتعجب من المقصود، ثم بالتوضيح بحصل المقصود ويتعين.وقرأ الجمهور: فأطلع رفعاً، عطفاً على أبلغ، فكلاهما مترجي. وقرأ الأعرج، وأبو حيوة، وزيد بن علي، والزعفراني، وابن مقسم، وحفص:فأطلع، بنصب العين. وقال أبو القاسم بن جبارة، وابن عطية: على جواب التمني. وقال الزمخشري: على جواب الترجي، تشبيهاً للترجيبالتمني. انتهى. وقد فرق النحاة بين التمني والترجي، فذكروا أن التمني يكون في الممكن والممتنع، والترجي يكون في الممكن. وبلوغأسباب السموات غير ممكن، لكن فرعون أبرز ما لا يمكن في صورة الممكن تمويهاً على سامعيه. وأما النصب بعد الفاءفي جواب الترجي فشيء أجازه الكوفيون ومنعه البصريون، واحتج الكوفيون بهذه القراءة وبقراءة عاصم، فتنفعه الذكرى في سورة عبس، إذهو جواب الترجي في قوله:

{ لَعَلَّهُ * يُزَكّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذّكْرَىٰ }

. وقد تأولنا ذلك على أن يكونعطفاً على التوهم، لأن خبر لعل كثيراً جاء مقروناً بأن في النظم كثيراً، وفي النثر قللاً. فمن نصب، توهم أنالفعل المرفوع الواقع خبراً كان منصوباً بأن، والعطف على التوهم كثير، وإن كان لا ينقاس، لكن إن وقع شيء وأمكنتخريجه عليه خرج، وأما هنا، فأطلع، فقد جعله بعضهم جواباً للأمر، وهو قوله: {ٱبْنِ لِى صَرْحاً }، كما قال الشاعر:

يا ناق سيري عنقاً فسيحا     إلى سليمان فنستريحا

ولما قال: {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰإِلَـٰهِ مُوسَىٰ }، كان ذلك إقراراً بإله موسى، فاستدرك هذا الإقرار بقوله: {وَإِنّى لاَظُنُّهُ كَـٰذِباً }: أي في ادعاء الإلهية،كما قال في القصص:

{ لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنّى لاظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ }

. {وَكَذٰلِكَ } أي مثل ذلك التزيينفي إيهام فرعون أنه يطلع إلى إله موسى. {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ }. وقرأ الجمهور: {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ } مبنياً للمفعول؛وقرىء: زين مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور: {وَصُدَّ } مبنياً للفاعل: أي وصد فرعون؛ والكوفيون: بضم الصاد مناسباً لزين مبنياً للمفعول؛وابن وثاب: بكسر الصاد، أصله صدد، نقلت الحركة إلى الصاد بعد توهم حذفها؛ وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن أبي بكرة،بفتح الصاد وضم الدال، منونة عطفاً على {سُوء عَمَلِهِ }. والتباب: الخسران، خسر ملكه في الدنيا فيها بالغرق، وفي الآخرةبخلود النار، وتكرر وعظ المؤمن إثر كلام فرعون بندائه قومه مرتين، متبعاً كل نداء بما فيه زجر واتعاظ لو وجدمن يقبل، وأمر هنا باتباعه لأن يهديهم سبيل الرشاد. وقرأ معاذ بن جبل: بشد الشين، وتقدم الكلام على ذلك. والردعلى من جعل هذه القراءة في كلام فرعون، وأجمل أولاً في قوله: {سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ }، وهو سبيل الإيمان بالله واتباعشرعه. ثم فسر، فافتتح بذم الدنيا وبصغر شأنها، وأنها متاع زائل، هي ومن تمتع بها، وأن الآخرة هي دار القرارالتي لا انفكاك منها، إما إلى جنة، وإما إلى نار. وكذلك قال: {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا }.وقرأأبو رجاء، وشيبة، والأعمش، والإخوان، والصاحبان، وحفص: {يَدْخُلُونَ } مبنياً للفاعل، وباقي السبعة، والأعرج، والحسن، وأبو جعفر، وعيسى: مبنياً للمفعول.{ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي بهعلم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأنمردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد،فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غداً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آلفرعون أشد العذاب، وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء الذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباًمن النار، قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد، وقال الذين في النار لخزنة جهنمادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاءالكافرين إلا في ضلال، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهمولهم اللعنة ولهم سوء الدار. بدأ المؤمن بذكر المتسبب عن دعوتهم، وأبدى التفاضل بينهما. ولما ذكر المسببين، ذكر سببهما،وهو دعاؤهم إلى الكفر والشرك، ودعاؤه إياهم إلى الإيمان والتوحيد. وأتى بصيغة العزيز، وهو الذي لا نظير له، والغالب الذيالعالم كلهم في قبضته يتصرف فيهم كما يشاء، الغفار لذنوب من رجع إليه وآمن به، وأوصل سبب دعائهم بمسببه، وهوالكفر والنار، وأخر سبب مسببه ليكون افتتاح كلامه واختتامه بما يدعو إلى الخير. وبدأ أولاً بجملة اسمية، وهو استفهام المتضمنالتعجب من حالتهم، وختم أيضاً بجملة اسمية ليكون أبلغ في توكيد الأخبار. وجاء في حقهم {وتدعونني} بالجملة الفعلية التي لاتقتضي توكيداً، إذ دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، فتؤكد. و{مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } هي الأوثان، أي لم يتعلقبه علمي، إذ ليس لها مدخل في الألوهية ولا لفرعون. قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاء بالواو في النداء الثالثدون الثاني؟ قلت: لأن الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخولالواو، وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. انتهى. وتقدم الكلام على لا جرم. وقال الزمخشري هنا، ورويعن العرب: لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء، يريد لا بد، وفعل وفعل أخوان، كرشد ورشد، وعدم وعدم.{إِنَّمَا }: أي أن الذي تدعونني إليه، أي إلى عبادته، {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ }، أي قدر وحق يجب أن يدعىإليه، أو ليس له دعوة إلى نفسه، لأن الجماد لا يدعو، والمعبود بالحق يدعو العباد إلى طاعته، ثم يدعو العبادإليها إظهاراً لدعوة ربهم. وقال الزجاج: المعنى ليس له استجابة دعوة توجب الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة، أو دعوةمستجابة جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمى الفعل المجازىعليه باسم الجزاء في قوله: كما تدين تدان. وقال الكلبي: ليست له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة، وكان فرعونأولاً يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، وكانت تعبد ما دامت شابة، فإذا هزلت أمر بذبحهاودعا بأخرى لتعبد. فلما طال عليه الزمان قال:

{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلاْعْلَىٰ }

. ولما ذكر انتفاء دعوة ما عبد من دونالله وذكر أن مرد الجميع إلى الله، أي إلى جزائه، {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ }: وهم المشركون في قول قتادة، والسفاكون للدماءبغير حلها في قول ابن مسعود ومجاهد. وقيل: من غلب شره خيره هو المسرف. وقال عكرمة: هم الجبارون المتكبرون. وختمالمؤمن كلامه بخاتمة لطيفة توجب التخويف والتهديد وهي قوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ }: أي إذا حل بكم عقاب الله.{وَأُفَوّضُ أَمْرِى } إلى قضاء الله وقدره، لا إليكم ولا إلى أصنامكم، وكانوا قد توعدوه. ثم ذكر ما يوجب التفويض،وهو كونه تعالى بصيراً بأحوال العباد وبمقادير حاجاتهم. قال مقاتل: لما قال هذه الكلمات، قصدوا قتله؛ فهرب هذا المؤمنإلى الجبل، فلم يقدروا عليه. وقيل: لما أظهر إيمانه، بعث فرعون في طلبه ألف رجل؛ فمنهم من أدركه، فذب السباععنه وأكلتهم السباع، ومنهم من مات في الجبال عطشاً، ومنهم من رجع إلى فرعون خائباً، فاتهمه وقتله وصلبه. وقيل: تجامعموسى في البحر، وفر في جملة من فر معه. {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ }: أي شدائد مكرهم التي تسوؤه،وما هموا به من أنواع العذاب لمن خالفهم. {وَحَاقَ بِـئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء ٱلْعَذَابِ }، قال ابن عباس: هو ما حاقبالألف الذين بعثهم فرعون في طلب المؤمن، من أكل السباع، والموت بالعطش، والقتل والصلب، كما تقدم. وقيل: {سُوء ٱلْعَذَابِ }:هو الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. {ٱلنَّارِ } بدل من {سُوء ٱلْعَذَابِ }، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل:ما سوء العذاب: قيل: النار، أو مبتدأ خبره {يُعْرَضُونَ }، ويقوي هذا الوجه قراءة من نصب، أي تدخلون النار يعرضونعليها. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينصب على الاختصاص. والظاهر أن عرضهم على النار مخصوص بهذين الوقتين، ويجوز أن يرادبذكر الطرفين الدوام في الدنيا، والظاهر أن العرض خلاف الإحراق. وقال الزمخشري: عرضهم عليها: إحراقهم بها، يقال: عرض الإمام الأسارىعلى السيف إذا قتلهم به. انتهى، والظاهر أن العرض هو في الدنيا. وروي ذلك عن الهذيل بن شرحبيل، وعن ابنمسعود والسدي: أن أرواحهم في جوف طيور سود، تروح بهم وتغدوا إلى النار. وقال رجل للأوزاعي: رأيت طيوراً بيضاً تغدوامن البحر، ثم تروح بالعشي سوداً مثلها، فقال الأوزاعي: تلك التي في حواصلها أرواح آل فرعون، يحرق رياشها وتسود بالعرضعلى النار. وقال محمد بن كعب وغيره: أراد أنهم يعرضون في الآخرة على تقدير ما بين الغدوّ والعشي، إذ لاغدوّ ولا عشي في الآخرة، وإنما ذلك على التقدير بأيام الدنيا. وعن ابن مسعود: تعرض أرواح آل فرعون ومن كانمثلهم من الكفار على النار بالغداة والعشي، يقال: هذه داركم. وفي صحيح البخاري، ومسلم، من حديث ابن عمران، أنرسول الله قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . واستدل مجاهد ومحمد بن كعب وعكرمة ومقاتل بقوله: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً }: أي عند موتهم على عذابالقبر في الدنيا. والظاهر تمام الجملة عند قوله: {وَعَشِيّاً }، وأن يوم القيامة معمول لمحذوف على إضمار القول، أي ويومالقيامة يقال لهم: ادخلوا. وقيل: ويوم معطوف على وعشياً، فالعامل فيه يعرضون، وأدخلوا على إضمار الفعل. وقيل: العامل في يومأدخلوا. وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش، وابن وثاب، وطلحة، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص: أدخلوا، أمراً للخزنة من أدخل. وعليّ،والحسن، وقتادة، وابن كثير، والعربيان، وأبو بكر: أمراً من دخل آل فرعون أشد العذاب. قيل: وهو الهاوية. قال الأوزاعي: بلغناأنهم ألفا ألف وستمائة ألف. {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ }: الظاهر أن الضمير عائد على فرعون. وقال ابن عطية:والضمير في قوله: {يَتَحَاجُّونَ } لجميع كفار الأمم، وهذا ابتداء قصص لا يختص بآل فرعون، والعامل في إذ فعل مضمرتقديره واذكروا. وقال الطبري: وإذ هذه عطف على قوله: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }، وهذا بعيد. انتهى، والمحاجة: التحاور بالحجةوالخصومة. والضعفاء: أي في القدر والمنزلة في الدنيا. والذين استكبروا: أي عن الإيمان واتباع الرسل. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا }:أي ذوي تبع، فتبع مصدر أو اسم جمع لتابع، كآيم وأيم، وخادم وخدم، وغائب وغيب. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا }:أي حاملون عنا؟ فأجابوهم: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا }، وأن حكم الله قد نفذ فينا وفيكم، إنا مستمرون في النار. وقرأابن المسيقع، وعيسى بن عمران: كلا بنصب كل. وقال الزمخشري، وابن عطية: على التوكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوضمن المضاف إليه، يريد: إنا كلنا فيها. انتهى. وخبر إن هو فيها، ومن رفع كلا فعلى الابتداء، وخبره فيها، والجملةخبر إن. وقال ابن مالك في تصنيفه (تسهيل الفوائد): وقد تكلم على كل،ولا يستغنى بنية إضافته، خلافاً للفرّاء والزمخشري. انتهى،وهذا المذهب منقول عن الكوفيين، وقد رد ابن مالك على هذا المذهب بما قرره في شرحه (التسهيل). وقال الزمخشر: فإنقلت: هل يجوز أن يكون كلاً حالاً قد عمل فيها فيها؟ قلت: لا، لأن الظرف لا يعمل، والحال متقدمة، كمايعمل في الظرف متقدماً، تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائماً في الدار زيد. انتهى. وهذا الذي منعه أجازهالأخفش إذا توسطت الحال، نحو: زيد قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك، والتمثيل الذي ذكره ليس مطابقاً في الآية، لأنالآية تقدم فيها المسند إليه الحكم، وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا إنها حال، وتأخر العامل فيها، وأما تمثيلهبقوله: ولا تقول قائماً في الدار زيد، تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم أن المنع في ذلك إجماعمن النحاة. وقال ابن مالك: والقول المرضي عندي أن كلاً في القراءة المذكورة منصوب على أن الضمير المرفوع المنوي فيفيها، وفيها هو العامل، وقد تقدمت الحال عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة من قرأ:

{ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ }

. وفي قول النابغة الذبياني:

رهط ابن كوز محقبي أدراعهم     فيهم ورهط ربيعة بن حذار

وقال بعض الطائيين:

دعا فأجبنا وهو باديّ ذلة     لديكم فكان النصر غير قريب

انتهى. وهذا التخريج هو على مذهب الأخفش، كما ذكرناه، والذي أختاره في تخريج هذه القراءة أن كلاً بدل من اسمإن، لأن كلاً يتصرف فيهما بالابتداء ونواسخه وغير ذلك، فكأنه قال: إن كلاً بدل من اسم إن، لأن كلاً فيها:وإذا كانوا قد تأولوا حولا أكتعاً ويوماً أجمعاً على البدل، مع أنهما لا يليان العوامل، فإن يدعى في كل البدلأولى، وأيضاً فتنكير كل ونصبه حالاً في غاية الشذوذ، والمشهور أن كلاً معرفة إذا قطعت عن الإضافة. حكى: مررت بكلقائماً، وببعض جالساً في الفصيح الكثير في كلامهم، وقد شذ نصب كل على الحال في قولهم: مررت بهم كلاً، أيجميعاً. فإن قلت: كيف يجعله بدلاً، وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم، وهو لا يجوز على مذهب البصريين؟قلت: مذهب الأخفش والكوفيين جوازه، وهو الصحيح، على أن هذا ليس مما وقع فيه الخلاف، بل إذا كان البدل يفيدالإحاطة، جاز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب، لا نعلم خلافاً في ذلك، كقوله تعالى:

{ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا }

، وكقولك: مررت بكم صغيركم وكبيركم، معناه: مررت بكم كلكم، وتكون لنا عيداً كلنا. فإذا جاز ذلك فيما هوبمعنى الإحاطة، فجوازه فيما دل على الإحاطة، وهو كل أولى، ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه، لأنه بدل من ضميرالمتكلم، لأنه لم يتحقق مناط الخلاف. ولما أجاب الضعفاء المستكبرونن قالوا جميعاً: {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ }، وأبرز ما أضيف إليهالخزنة، ولم يأت ضميراً، فكان يكون التركيب لخزنتها، لما في ذكر جهنم من التهويل، وفيها أطغى الكفار وأعتاهم. ولعل الكفارتوهموا أن ملائكة جهنم الموكلين بعذاب تلك الطغاة هم أقرب منزلة عند الله من غيرهم من الملائكة الموكلين ببقية دركاتالنار، فرجوا أن يجيبوهم ويدعوا لهم بالتخفيف، فراجعتهم الخزنة على سبيل التوبيخ لهم والتقرير: {أَوَ لَمْ * تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمبِٱلْبَيّنَـٰتِ }، فأجابوا بأنهم أتتهم، {قَالُواْ }: أي الخزنة، {فَٱدْعُواْ } أنتم على معنى الهزء بهم، أو فادعوا أنتم، فإنالا نجترىء على ذلك. والظاهر أن قوله: {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ }من كلام الخزنة: أي دعاؤكم لا ينفعولا يجدي. وقيل: هو من كلام الله تعالى إخباراً منه لمحمد . وجاءت هذه الأخبار معبراً عنهابلفظ الماضي الواقع لتيقن وقوعها. ثم ذكر تعالى أنه ينصر رسله ويظفرهم بأعدائهم، كما فعل بموسى عليه السلام، حيثأهلك عدوّه فرعون وقومه، وفيه تبشير للرسول عليه السلام بنصره على قومه، {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ }، العاقبة الحسنة لهم، {وَيَوْمَيَقُومُ ٱلاْشْهَـٰدُ }: وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: ينصرهم بالغلبة، وفي الآخرة بالعذاب. وقال السدّي: بالانتقام من أعدائهم. وقالأبو العالية: بإفلاح حجتهم. وقال السدّي أيضاً: ما قتل قوم قط نبيًّا أو قوماً من دعاة الحق إلا بعث اللهمن ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا. انتهى. ألا ترى إلى قتلة الحسين، رضي الله عنه، كيف سلط اللهعليهم المختار بن عبيد يتبعهم واحداً واحداً حتى قتلهم؟ وبختنصر تتبع اليهود حين قتلوا يحيـى بن زكريا، عليهما السلام؟ وقيل:والنصر خاص بمن أظهره الله تعالى على أمّته، كنوح وموسى ومحمد عليهم السلام، لأنا نجد من الأنبياء من قتله قومه،كيحيـى، ومن لم ينصر عليهم. وقال السدي: الخبر عام، وذلك أن نصرة الرسل والأنبياء واقعة ولا بد إما في حياةالرسول المنصور، كنوح وموسى عليهما السلام، وإما بعد موته. ألا ترى إلى ما صنع الله تعالى ببني إسرائيل بعد قتلهميحيـى عليه السلام من تسليط بختنصر حتى انتصر ليحيـى عليه السلام؟ وقرأ الجمهور: يقوم بالياء؛ وابن هرمز، وإسماعيل، والمنقري عنأبي عمرو: بتاء التأنيث. الجماعة والأشهاد، جمع شهيد، كشريف وأشراف، أو جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، كما قال تعالى:

{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ }

. وقال:

{ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }

، والظاهر أنه من الشهادة.وقيل: من المشاهدة، بمعنى الحضور. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ }: بدل من يوم {يٰقَوْمِ }. وقرىء: تنفع بالتاء وبالياء، وتقدم ذكرالخلاف في ذلك في آخر الروم، ويحتمل أنهم يعتذرون ولا تقبل معذرتهم، أو أنهم لا معذرة لهم فتقبل. {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} والإبعاد من الله. {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ }: سوء عاقبة الدار. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ *هُدًى وَذِكْرَىٰ لاِوْلِى ٱلاْلْبَـٰبِ * فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلاْبْكَارِ * إِنَّ ٱلَّذِينَيُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ }. ولماذكر ما حل بآل فرعون، واستطرد من ذلك إلى ذكر شيء من أحوال الكفار في الآخرة، عاد إلى ذكر مامنح رسوله موسى عليه السلام فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } تأنيساً لمحمد عليه السلام، وتذكيراً لما كانت العرب تعرفهمن قصة موسى عليه السلام. والهدى، يجوز أن يكون الدلائل التي أوردها على فرعون وقومه، وأن يكون النبوة، وأن يكونالتوراة. {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ }: الظاهر أنه التوراة، توارثوها خلف عن سلف، ويجوز أن يكون الكتاب أريد به: ماأنزل على بني إسرائيل من كتب أنبيائهم، كالتوراة والزبور والإنجيل، {هُدًى } ودلالة على الشيء المطلوب، {وَذِكْرَىٰ } لما كانمنسياً فذكر به تعالى في كتبه. وانتصب {هُدًى وَذِكْرَىٰ } على أنهما مفعولان له، أو على أنهما مصدران في موضعالحال. ثم أمر تعالى نبيه بالصبر فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ }، من قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }،فلا بد من نصرك على أعدائك. وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ }، قال ابن عطية: يحتمل أنيكون قبل إعلام الله تعالى إياه أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأن آية هذه السورة مكية،وآية سورة الفتح مدنية متأخرة، ويحتمل أن يكون الخطاب له في هذه الآية، والمراد أنه إذا أمر هو بهذا فغيرهأحرى بامتثاله. وقال أبو عبد الله الرازي: محمول على التوبة من ترك الأفضل والأولى. وقيل: المقصود منه محض تعبد، كمافي قوله تعالى:

{ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ }

، فإن إيتاء ذلك الشيء واجب، ثم إنه أمرنا بطلبه. وقيل:{لِذَنبِكِ }: لذنب أمتك في حقك. قيل: فأضاف المصدر للمفعول، ثم أمره بتنزيهه تعالى في هذين الوقتين اللذين الناس مشتغلونفيهما بمصالحهم المهمة. ويجوز أن يكون المراد سائر الأوقات، وعبر بالظرفين عن ذلك. وقال ابن عباس: أراد بذلك الصلوات الخمس.وقال قتادة: صلاة الغداة، وصلاة العصر. وقال الحسن: ركعتان قبل أن تفرض الصلاة. وعنه أيضاً: صلاة العصر، وصلاة الصبح. والظاهرأن المجادلين في آيات الله، وهي دلائله التي نصبها على توحيده وكتبه المنزلة، وما أظهر على يد أنبيائه من الخوارق،هم كفار قريش والعرب. {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ }: أي حجة وبرهان. {فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ }: أي تكبر وتعاظم، وهو إرادةالتقدم والرياسة، وذلك هو الحامل على جدالهم بالباطل، ودفعهم ما يجب لك من تقدمك عليهم، لما منحك من النبوة وكلفكمن أعباء الرسالة. {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ }: أي ببالغي موجب الكبر ومقتضيه من رياستهم وتقدمهم، وفي ذلك إشارة إلى أنهملا يرأسون، ولا يحصل لهم ما يؤملونه. وقال الزجاج: المعنى على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر عليك، وماهم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله أذلهم وقال ابن عطية: تقديره مبالغي إرادتهم فيه. وقال مقاتل: هي في اليهود.قال مقاتل: عظمت اليهود الدجال وقالوا: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَفِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }، لأن الدجال من آياته، {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ }: أي حجة، {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } من فتنة الدجال. والمرادبخلق الناس الدجال، وإلى هذا ذهب أبو العالية، وهذا القول أصح. وقال الزمخشري: وقيل المجادلون هم اليهود، وكانوا يقولون: يخرجصاحبنا المسيح بن داود، يريدون الدجال، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إليناالملك، فسمى الله تمنيتهم ذلك كبراً، ونفى أن يبلغوا متمناهم. انتهى. وكان رئيس اليهود في زمانه في مصر موسى بنميمون الأندلسي القرطبي قد كتب رسالته إلى يهود اليمن أن صاحبهم يظهر في سنة كذا وخمسمائة، وكذب عدوّ الله. جاءتتلك السنة وسنون بعدها كثيرة، ولم يظهر شيء مما قاله، لعنه الله. وكان هذا اليهودي قد أظهر الإسلام، حتى استسلماليهود بعض ملوك المغرب، ورجل من الأندلس. فيذكر أنه صلى بالناس التراويح وهم على ظهر السفينة في رمضان، إذ كانيحفظ القرآن. فلما قدم مصر، وكان ذلك في دولة العبيديين، وهم لا يتقيدون بشريعة، رجع إلى اليهودية وأخبر أنه كانمكرهاً على الإسلام، فقبل منه ذلك، وصنف لهم تصانيف، ومنها: (كتاب دلالة الحائرين)، وإنما استفاد ما استفاد من مخالطة علماءالأندلس وتودده لهم، والرياسة إلى الآن بمصر لليهود في كل من كان من ذريته. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ }: أي التجيء إليهمن كيد من يحسدك. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما تقول ويقولون، {ٱلبَصِيرُ } بما تعمل ويعملون}، فهو ناصرك عليهم وعاصمكمن شرهم.ثم نبه تعالى أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر الانسان بقوله لخلق السموات والأرض منخلق الناس أي إن المخلوقات أكبر واجل من خلق البشر من لأحد يجادل ويتكبر على خلقه قال الزمخشري وجادلتهم فيآية الله كان مشتملا على انكار البعث وهو اصل المجادلة ومدارها بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرنين بأن الله خلقهالا يقدر قدره بالقياس إليه شيء قليل مهين ممن قدر على خلقها مع عظمها على خلق الإنسان مهانته وهو بلغمن الإجتهاد بخلق مثله انتهى. ولما بعد، قسم الذين آمنوا بطول صلة الموصول، كرر لا توكيداً، وقدم {*}، فهوناصرك عليهم وعاصمك من شرهم.ثم نبه تعالى أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر الانسان بقوله لخلقالسموات والأرض من خلق الناس أي إن المخلوقات أكبر واجل من خلق البشر من لأحد يجادل ويتكبر على خلقه قالالزمخشري وجادلتهم في آية الله كان مشتملا على انكار البعث وهو اصل المجادلة ومدارها بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرنينبأن الله خلقها لا يقدر قدره بالقياس إليه شيء قليل مهين ممن قدر على خلقها مع عظمها على خلق الإنسانمهانته وهو بلغ من الإجتهاد بخلق مثله انتهى. ولما بعد، قسم الذين آمنوا بطول صلة الموصول، كرر لا توكيداً،وقدم {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } المجاورة قوله: {وَٱلْبَصِيرُ }، وهما طريقان، أحدهما: أن يجاور المناسب هكذا، والآخر: أن يتقدم ما يقابلالأول ويؤخر ما يقابل الآخر، كقوله تعالى:

{ وَمَا يَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ }

، وقد يتأخر المتماثلان، كقوله تعالى:

{ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلاْعْمَىٰ وَٱلاْصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ }

، وكل ذلك تفنن في البلاغة وأساليبالكلام. ولما كان قد تقدم: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }، فكان ذلك صفة ذم ناسب أن يبدأ في ذكرالتساوي بصفة الذم، فبدأ بالأعمى. وقرأ قتادة، وطلحة، وأبو عبد الرحمن، وعيسى، والكوفيون: تتذكرون بتاء الخطاب؛ والجمهور، والأعرج، والحسن، وأبوجعفر، وشيبة: بالياء على الغيبة. ثم أخبر بما يدل على البعث من إتيان الساعة، وأنه لا ريب في وقوعها، وهويوم القيامة، حيث الحساب وافتراق الجمع إلى الجنة طائعهم، وإلى النار كافرهم ومن أراد الله تعذيبه من العصاة بغير الكفر.والظاهر حمل الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، إلا أن الاستجابة مقيدة بمشيئة الله. قال السدي: اسألوني أعطكم؛ وقال الضحاك: أطيعونيآتكم؛ وقالت فرقة منهم مجاهد: ادعوني، اعبدوني وأستجب لكم، آتيكم على العبادة. وكثيراً جاء الدعاء في القرآن بمعنى العبادة، ويقويهذا التأويل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى }. وما روى النعمان بن بشير، أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: الدعاء هو العبادة ، وقرأ هذه الآية. وقال ابن عباس: وحدوني أغفر لكم؛ وقيل للثوري: ادع الله تعالى، فقال:إن ترك الذنوب هو الدعاء. وقال الحسن، وقد سئل عن هذه الآية: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيبللذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله. وقال أنس: قال النبي : ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شح نعله . {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى }: أي عن دعائي. وقرأ جمهور السبعة، والحسن، وشيبة: سيدخلون مبنياً للفاعل؛وزيد بن علي، وابن كثير، وأبو جعفر: مبنياً للمفعول؛ واختلف عن عاصم وأبي عمرو. داخرين: ذليلين. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَلَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً }: تقدم الكلام على مثل هذه الجملة في سورة يونس. و{لَذُو فَضْلٍ * أَبْلُغُ* مِنْ * فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } لما علمناه

{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ }

{ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }

، لما يؤدي إليه من كونه صاحبه ومتمكناً منه، بخلاف أن يؤتي بالصفة، فإنه قد يدل علىغير الله بالاتصاف به في وقت ما، لا دائماً، وذكر عموم فضله وسوغه على الناس، ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ}، فأتى به ظاهراً، ولم يأت التركيب: ولكن أكثرهم. قال الزمخشري: في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم همالذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه، كقوله:

{ إِنَّ ٱلإِنْسَـٰنَ لَكَفُورٌ }

{ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ }

{ إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }

. انتهى. {ذٰلِكُمْ }: أي المخصوص بتلك الصفات المتميز بها من استجابته لدعائكم، ومن جعل الليل والنهار كما ذكر، ومنتفضله عليكم. {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ }: الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية، وإنشاء الأشياء والوحدانية. فكيف تصرفون عن عبادة من هذهأوصافه إلى عبادة الأوثان؟ وقرأ زيد بن علي: خالق بنصب القاف، وطلحة في رواية: يؤفكون بياء الغيبة والجمهور: بضم القافوتاء الخطاب. قال الزمخشري: خالق نصباً على الاختصاص كذلك، أي مثل ذلك الصرف صرف الله قلوب الجاحدين بآيات الله منالأمم على طريق الهدى. ولما ذكر تعالى ما امتن به من الليل والنهار، ذكر أيضاً ما امتن به منجعل الأرض مستقراً والسماء بناء، أي قبة، ومنه أبنية العرب لمضاربهم، لأن السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجهالأرض. وقرأ الجمهور: صوركم بضم الصاد، والأعمش، وأبو رزين: بكسرها فراراً من الضمة قبل الواو استثقالاً، وجمع فعلة بضم الفاءعلى فعل بكسرها شاذ، وقالوا قوة وقوي بكسر القاف على الشذوذ أيضاً قيل: لم يخلق حيواناً أحسن صورة من الإنسان.وقيل: لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله:

{ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }

. وقرأت فرقة: صوركم بضم الصاد وإسكان الواو، على نحو بسرةوبسر، {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ }: امتن عليهم بما يقوم بأود صورهم والطيبات المستلذات طعماً ولباساً ومكاسب. وقال ابن عباس: منقال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. وقال نحوه سعيد بن جبير، ثم قرأالآية. {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَاءنِى ٱلْبَيّنَـٰتُ مِن رَّبّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَلِرَبّ }. أمر الله تعالى نبيه، عليه السلام، أن يخبرهم بأنه نهى أن يعبد أصنامهم، لما جاءته البينات منربه، فهذا نهي بالسمع، وإن كان منهياً بدلائل العقل، فتظافرت أدلة السمع وأدلة العقل على النهي عن عبادة الأوثان. فمنأدلة السمع قوله تعالى:

{ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }

إلى غير ذلك، وذكره أنه نهى بالسمعلا يدل على أنه كان منهياً بأدلة العقل. ولما نهى عن عبادة الأوثان، أخبر أنه أمر بالاستسلام لله تعالى، ثمبين أمر الوحدانية والألوهية التي أصنامهم عارية عن شيء منهما، بالاعتبار في تدريج ابن آدم بأن ذكر مبدأه الأول، وهومن تراب. ثم أشار إلى التناسل بخلقه من نطفة، والطفل اسم جنس، أو يكون المعنى: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ }، أي كلواحد منكم طفلاً}، وتقدم الكلام على بلوغ الأشد. و{*}، وتقدم الكلام على بلوغ الأشد. و{مِن قَبْلُ }، قال مجاهد: منقبل أن يكون شيخاً، قيل: ويجوز أن يكون من قبل هذه الأحوال، إذا خرج سقطاً، وقيل: عبارة بتردده في التدريجالمذكور، ولا يختص بما قبل الشيخ، بل منهم من يموت قبل أن يخرج طفلاً، وآخر قبل الأشد، وآخر قبل الشيخ.{وَلِتَبْلُغُواْ }: متعلق بمحذوف، أي يبقيكم لتبلغوا، أي ليبلغ كل واحد منكم أجلاً مسمى لا يتعداه. قال مجاهد: يعني موتالجميع، وقيل: هو يوم القيامة. و{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في ذلك من العبرة والحجج، إذا نظرتم في ذلك وتدبرتم.ولما ذكر، رتب الإيجاد، ذكر أنه المتصف بالإحياء والإمانة، وأنه متى تعلقت إرادته بإيجاد شيء أوجده من غير تأخر، وتقدمالكلام على مثل هذه الجمل. ثم قال بعد ظهور هذه الآيات: ألا تعجب إلى المجادل في رسالة الرسول عليه السلاموالكتاب الذي جاء به بدليل قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا }، ثم هددهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }،وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن سيرين وغيره: هي إشارة إلى أهل الأهواء من الأمة، ورووا في نحو هذا حديثاًوقالوا: هي في أهل القدر ومن جرى مجراهم، ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعل قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ } كلاماً مستأنفاًفي الكفار، ويكون {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ } مبتدأ، وخبره: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }. وأما على الظاهر، فالذين بدل من الذين، أو خبرمبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وإذ ظرف لما مضى، فلا يعمل فيه المستقبل، كما لا يقول: سأقوم أمس، فقيل:إذا يقع موقع إذ، وأن وقعها على سبيل المجاز، فيكون إذ هنا بمعنى إذا، وحسن ذلك تيقن وقوع الأمر، وأخرجفي صيغة الماضي، وإن كان المعنى على الاستقبال. قال النخعي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل، لارحضة حتى يبلغ إلى الماء الأسود. وقرأ: والسلاسل عطفاً على الأغلال، يسحبون مبنياً للمفعول. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وزيدبن علي، وابن وثاب، والمسيء في اختياره: والسلاسل بالنصب على المفعول، يسحبون مبنياً للفاعل، وهو عطف جملة فعلية على جملةاسمية. وقرأت فرقة منهم ابن عباس: والسلاسل، بجر اللام. قال ابن عطية: على تقدير، إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فعطفعلى المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ، إذ ترتيبه فيه قلب، وهو على حد قول العرب: أدخلت القلنسوة فيرأسي، وفي مصحف أبي: وفي السلاسل يسحبون. وقال الزمخشري: ووجهه أنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال، مكان قوله: {إِذِٱلاْغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ }، لكان صحيحاً مستقيماً. فلما كانتا عبارتين معتقبتين، حمل قوله: {وٱلسَّلَـٰسِلُ } على لعبارة الأخرى، ونظيره قولالشاعر:

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة     ولا ناعبا إلا ببين غرابها

كأنه قيل:بمصلحين. وقرىء: وبالسلاسل، انتهى، وهذا يسمى العطف على التوهم، ولكن توهم إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيبالجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قول الشاعر:

أحدك لن ترى بثعيلبات     ولا بيداء ناجية زمولا ولا متدارك والليل طفل

التقدير: لست براء ولا متدارك. وهذا الذي قاله ابن عطية والزمخشري سبقهما إليه الفراء، قال: منجر السلاسل حمله على المعنى، لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال والسلاسل. وقال الزجاج: من قرأ بحفص والسلاسل، فالمعنى عنده: وفيالسلاسل يسحبون. وقال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز، لو قلت: زيد في الدار، لم يحسن أن تضمرفي فتقول: زيد الدار، ثم ذكر تأويل الفراء، وخرج القراءة ثم قال: كما تقول: خاصم عبد الله زيداً العاقلين، بنصبالعاقلين ورفعه، لأن أحدهما إذا خاصمه صاحبه فقد خاصمه الآخر. انتهى، وهذه المسألة لا تجوز عند البصريين، وهي منقول جوازهاعن محمد بن سعفان الكوفي، قال: لأن كل واحد منهما فاعل مفعول، وقرىء: وبالسلاسل يسحبون، ولعل هذه القراءة حملت الزجاجعلى أن تأول الخفض على إضمار حرف الجر، وهو تأويل شذوذ. وقال ابن عباس: في قراءة من نصب والسلاسل، وفتحياء يسحبون إذا كانوا يجرونها، فهو أشد عليهم، يكلفون ذلك وهم لا يطيقون. وقال مجاهد: {يُسْجَرُونَ }: يطرحون فيها، فيكونونوقوداً لها. وقال السدي: يسجرون: يحرقون. ثم أخبر تعالى أنهم يوقفون يوم القيامة من جهة التوبيخ والتقريع، فيقال لهم:أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا؟ فيقولون: {ضَـلُّواْ عَنَّا }: أي تلفوا منا وغابوا واضمحلوا، ثم تضطرب أقوالهم ويفزعونإلى الكذب فيقولون: {بَل لَّمْ نَكُنْ * نَعْبُدُ * شَيْئاً }، وهذا من أشد الاختلاط في الذهن والنظر. ولماتبين لهم أنهم لم يكونوا شيئاً، وما كانوا يعبدون بعبادتهم شيئاً، كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء، فإذا هو ليسبشيء إذا اختبرته، فلم تر عنده جزاء، وقولهم: {ضَـلُّواْ عَنَّا }، مع قوله:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }

، يحتمل أن يكون ذلك عند تقريعهم، فلم يكونوا معهم إذ ذاك، أو لما لم ينفعوهم قالوا: {ضَـلُّواْ عَنَّا}، وإن كانوا معهم. {كَذٰلِكَ }: أي مثل هذه الصفة وبهذا الترتيب، {يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ }، وقال الزمخشري: أي مثلضلال آلهتهم عنهم، يضلهم عن آلهتهم، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا. ذلكم الإضلال بسبب ما كانلكم من الفرح والمرح، {*بغيرالحق}: وهو الشرك عبادة الأوثان. وقال ابن عطية: ذلك العذاب الذي أنتم فيه مما كنتم تفرحونفي الأرض بالمعاصي والكفر. انتهى. و{كُنتُمْ تَمْرَحُونَ }، قال ابن عباس: الفخر والخيلاء؛ وقال مجاهد: الاشر والبطر. انتهى، فقال لهمذلك توبيخاً أي إيماناً لكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعاصي وكثرة المال والاتباع والصحة. وقال الضحاك:الفرح والسرور، والمرح: العدوان، وفي الحديث: إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين . وتفرحون وتمرحون من باب تجنيسالتحريف المذكور في علم البديع، وهو أن يكون الحرف فرقاً بين الكلمتين. {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا }: الظاهرأنه قيل لهم: ادخلوا بعد المحاورة السابقة، وهم قد كانوا في النار، ولكن هذا أمر يقيد بالخلود، وهو الثواء الذيلا ينقطع، فليس أمراً بمطلق الدخول، أو بعد الدخول فيها أمروا أن يدخلوا سبعة أبواب التي لكل باب منها جزءمقسوم من الكفار، فكان ذلك أمراً بالدخول يفيد التجزئة لكل باب. وقال ابن عطية: وقوله تعالى: {أَدْخِلُواْ }معناه: يقال لهمقبل هذه المحاورة في أول الأمر ادخلوا، لأن هذه المخاطبة إنما هي بعد دخولهم، وفي الوقت الذي فيه الأغلال فيأعناقهم. وأبواب جهنم: هي السبعة المؤدّية إلى طبقاتها وأدراكها السبعة. انتهى. وخالدين: حال مقدرة، ودلت على الثواء الدائم، فجاء التركيب:{فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ }: فبئس مدخل المتكبرين، لأن نفس الدخول لا يدوم، فلم يبالغ في ذمّه، بخلاف الثواء الدائم.{فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَمِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ }. أمر تعالى نبيه بالصبرتأنيساً له، وإلافهو، عليه السلام، في غاية الصبر، وأخبر بأن ما وعده من النصر والظفر وإعلاء كلمته وإظهار دينه حق.قيل: وجواب {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ } محذوف لدلالة المعنى عليه، أي فيقر عينك، ولا يصح أن يكون {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } جواباًللمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيب {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ } بعض الموعود في حياتك، {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } ليس بظاهر، وهو يصح أنيكون جواب، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ }: أي {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }، فننتقم منهم ونعذبهم لكونهم لم يتبعوك. ونظير هذه الآية قوله:

{ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ }

، إلا أنه هنا صرح بجواب الشرطين.وقال الزمخشري: {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } متعلق بقوله: {نَتَوَفَّيَنَّكَ }، وجزاء {نُرِيَنَّكَ } محذوف تقديره: فإما نرينك بعض الذي نعدهم منالعذاب، وهو القتل يوم بدر فذاك، أو أن نتوفينك قبل يوم بدر، فإلينا يرجعون يوم القيامة، فننتقم منهم أشد الانتقام.وقد تقدم للزمخشري نحو هذا البحث في سورة يونس في قوله:

{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ }

، ورددنا عليه، فيطالع هناك. وقال الزمخشري أيضاً: {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله فإن نرك، وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلكألحقت النون بالفعل. ألا تراك لا تقول: إن تكرمني أكرمك، ولكن أما تكرمني أكرمك؟ انتهى. وما ذهب إليه من تلازمما لمزيده، ونون التوكيد بعد أن الشرطية هو مذهب المبرد والزجاج. وذهب سيبويه إلى أنك إن شئت أتيت بما دونالنون، وإن شئت أتيت بالنون دون ما. قال سيبويه في هذه المسألة: وإن شئت لم تقحم النون؛ كما أنكإذا جئت لم تجىء بما، يعني لم تقحم النون مع مجيئك بما، ولم تجىء بما مع مجيئك بالنون. وقرأ الجمهور:يرجعون بياء الغيبة مبنياً للمفعول؛ وأبو عبد الرحمن، ويعقوب: بفتح الياء؛ وطلحة بن مطرف، ويعقوب في رواية الوليد بن حسان:بفتح تاء الخطاب. ثم رد تعالى على العرب في إنكارهم بعثة الرسل، وفي عدد الرسل اختلاف. روي أنه ثمانيةآلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من غيرهم. وروي: بعث الله أربعة آلاف نبي، {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ }: أيمن أخبرناك به، أما في القرآن فثمانية عشر. {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ }، وعن علي، وابن عباس: أن اللهبعث نبياً أسود في الحبش، فهو ممن لم يقصص عليه. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }:أي ليس ذلك راجعاً إليهم، لما اقترحوا على الرسل قال: ليس ذلك إلى لا تأتي آية إلا إن شاء الله،{فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ }: رد ووعيد بإثر اقتراحهم الآيات، وأمر الله: لقيامة. والمبطلون: المعاندون مقترحون الآيات، وقد أتتهم الآيات،فأنكروها وسموها سحراً، أو {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ }: أي أراد إرسال رسول وبعثة نبي، قضي ذلك وأنفذه {بِٱلْحَقّ }،وخسر كل مبطل، وحصل على فساد آخرته، أو {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ }: وهو القتل ببدر. ثم ذكر تعالىآيات اعتبار وتعداد نِعم فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْنْعَـٰمَ }، وهي ثمانية الأزواج، ويضعف قول من أدرج فيها الخيلوالبغال والحمير وغير ذلك مما ينتفع به من البهائم، وقول من خصها بالإبل وهو الزجاج. {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا }: وهي الإبل،إذ لم يعهد ركوب غيرها. {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }: عام في ثمانية الأزواج، ومن الأولى للتبعيض. وقال ابن عطية: ومن الثانيةلبيان الجنس، لأن الجمل منها يؤكل. انتهى، ولا يظهر كونها لبيان الجنس، ويجوز أن تكون فيه للتبعيض ولابتداء الغاية. ولماكان الركوب منها هو أعظم منفعة، إذ فيه منفعة الأكل والركوب. وذكر إيضاً أن في الجميع منافع من شرب لبنواتخاذ دثار وغير ذلك، أكد منفعة الركوب بقوله: {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } من بلوغ الأسفار الطويلة، وحمل الأثقالإلى البلاد الشاسعة، وقضاء فريضة الحج، والغزو، وما أشبه ذلك من المنافع الدينية والدنيوية. ولما كان الركوب وبلوغ الحاجة المترتبةعليه قد يتوصل به إلى الانتقال لأمر واجب، أو مندوب كالحج وطلب العلم، دخل حرف التعليل على الركوب وعلى المترتبعليه من بلوغ الحاجات، فجعل ذلك علة لجعل الأنعام لنا. ولما كان الأكل وإصابة المنافع من جنس المباحات، لم يجعلذلك علة في الجعل، بل ذكر أن منها نأكل، ولنا فيها منافع من شرب لبن واتخاذ دثار وغير ذلك، كماأدخل لام التعليل في لتركبوها، ولم يدخلها على الزينة في قوله:

{ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }

. ولما ذكرتعالى ما امتن به من منة الركوب للإبل في البر، ذكر ما امتن به من نعمة الركوب في البحر فقال:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ }. ولما كان الفلك يصح أن يقال فيه: حمل في الفلك، كقوله:

{ ٱحْمِلْ فِيهَا }

، ويصحأن يقال فيه حمل على الفلك، اعتبر لفظ على لمناسبة قوله: {وَعَلَيْهَا }، وإن كان معنى في صحيحاً {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ}: أي حججه وأدلته على وحدانيته. {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ فَأَىَّ ءايَـٰتِ }: أي إنها كثيرة، فأيها ينكر؟ أي لا يمكن إنكارشيء منها في العقول، {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ فَأَىَّ } منصوب بتنكرون. قال الزمخشري: {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } جاءت على اللغة المستفيضة، وقولك:فأية آيات الله قليل، لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو: حمار وحمارة غريب، وهي في أيأغرب لإبهامه. انتهى، ومن قلة تأنيث: أي قوله:

بأي كتاب أم بأية سنة     ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب

وقوله: وهي في أي أغرب، إن عنى أياً على الإطلاق فليس بصحيح، لأن المستفيض في النداء أن يؤنث نداء المؤنثلقوله تعالى:

{ يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ }

، ولا يعلم من يذكرها فيه فيقول: يا أيها المرأة، إلا صاحب كتاب البديع فيالنحو. وإن عنى غير المناداة، فكلامه صحيح، فقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة، وما في قوله: {فَمَا أَغْنَىٰ } نافية شرطيةواستفهامية في معنى النفي، وما فيما كانوا مصدرية، أو بمعنى الذي، وهي في موضع رفع، والضمير في {جَاءتْهُمْ } عائدعلى {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }. وجاء قوله: {مّن ٱلْعِلْمِ } على جهة التهكم بهم، أي في الحقيقة لا علم لهم،وإنما لهم خيالات واستبعادات لما جاءت به الرسل، وكانوا يدفعون ما جاءت به الرسل بنحو قولهم:

{ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً }

، أو اعتقدوا أن عندهم علماً يستغنون به عن علم الأنبياء، كما تزعم الفلاسفة. والدهريون كانواإذا سمعوا بوحي الله، دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. ولما سمع سقراط، لعنه الله، بموسى، صلوات الله على نبيناوعليه، قيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. وعلى هذين القولين تكونالضمائر متناسقة عائدة على مدلول واحد. وقيل: الضمير في {فَرِحُواْ }، وفي {بِمَا عِندَهُمْ } عائد على الرسل، أي فرحتالرسل بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، لما رأوا جهل من أرسلوا إليهم واستهزاءهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم. وقيل:الضمير في {فَرِحُواْ } عائد على الأمم، وفي {بِمَا عِندَهُمْ } عائد على الرسل، أي فرح الكفار بما عند الرسلمن العلم فرح ضحك واستهزاء. وقال الزمخشري: ومنها، أي من الوجوه التي في الآية في قوله: {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَٱلْعِلْمِ }، مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والسرور في تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلم. انتهى. ولايعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام، نحو قولهم: شر أهر ذا ناب، علىخلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإيتاء المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل، لأن فيذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة، فلا يوثق بشيء منها. وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ}: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى:

{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلاْخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ }

ذلك مبلغهم من العلم، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عنالملاذ والشهوات، لم يلتفتوا إليها، وصغروها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به. انتهى،وهو توجيه حسن، لكن فيه إكثار وشقشقة. {بَأْسَنَا }: أي عذابنا الشديد، حكى حال من آمن بعد تلبيس العذاب به،وأن ذلك لم يك نافعاً، وفي ذلك حض على المبادرة إلى الإيمان، وتخويف من التأني. فأما قوم يونس، فإنهم رأواالعذاب لم يلتبس بهم، وتقدمت قصتهم. وإيمانهم مرفوع بيك اسماً لها، أو فاعل ينفعهم. وفي يك ضمير الشأن على الخلافالذي في: كان يقوم زيد، ودخل حرف النفي على الكون، لا على النفي، لأنه يؤدي إلى نفي الصحة، إي لميصح ولم يستقم لقوله:

{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ }

. وترادف هذه الفاءات، أما في {فَمَا أَغْنَىٰ }،فلأنه كان نتيجة قوله: {كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ * وَلَمَّا * جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم }، جار مجرى البيان والتفسير لقوله: {فَمَا أَغْنَىٰعَنْهُمْ }. و {فَمَا * رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تابع لقوله: {فَمَا * جَاءتْهُمْ }، كأنه قال: فكفروا به فلما رأوابأسنا آمنوا ولم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله، وانتصب سنة على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، أيأن ما فعل بهم هي سنة الله التي قد مضت وسبقت في عباده من إرسال الرسل والإعزاز بهم، وتعذيب منكذبهم واستهانتهم واستئصالهم بالهلاك، وعدم الانتفاع بالإيمان حالة تلبس العذاب بهم. وهنالك ظرف مكان استعير للزمان، أي وخسر في ذلكالوقت الكافرون. وقيل: سنة منصوب على التحذير، أي احذروا سنة الله يا أهل مكة في إعداد الرسل.