تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة فاطر

{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } * { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } * { إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } * { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } * { وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } * { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } * { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * { وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } * { يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } * { إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } * { وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } * { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } * { وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } * { وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } * { وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ } * { وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ } * { إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } * { إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } * { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ } * { ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ } * { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } * { وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } * { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } * { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } * { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } * { ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } * { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } * { إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } * { قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً } * { إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } * { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } * { ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً } * { أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } * { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً }

القمطير: المشهور أنه القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة، ويأتي ما قال المفسرون.الجدد: جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل، كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً. وقال الزمخشري: والجدد: الخطط والطرائق. وقال لبيد:أو مذهب جدد على الواحد، ويقال: جدة الحمار للخطة السوداء التي على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بينلوني ظهره وبطنه. انتهى. وقال الشاعر:

كأن مبرات وجدة ظهره     كنائن يجري بينهن دليص

الجدة: الخط الذي في وسط ظهره، يصف حمار وحش. الغربيب: الشديد السواد. لغب يلغب لغوباً: أعيا. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ* ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّشَىْء قَدِيرٌ }. هذه السورة مكية. ولما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين،وأنزلهم منازل العذاب، تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ووصفه بعظيم آلائه، كما في قوله:

{ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }

. وقرأ الضحاك والزهري: فطر، جعله فعلاً ماضياً ونصب ما بعده. قال أبو الفضلالرازي: فأما على إضمار الذي فيكون نعتاً لله عز وجل، وأما بتقدير قد فيما قبله فيكون بمعنى الحال. انتهى. وحذفالموصول الاسمي لا يجوز عند البصريين، وأما الحال فيكون حالاً محكية، والأحسن عندي أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هوفطر، وتقدم شرح {فَاطِرَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، وأن المعنى خالقها بعد أن لم تكن، والسموات والأرض عبارة عن العالم.وقال أبو عبد الله الرازي: الحمد يكون في غالب الأمر على النعمة، ونعم الله عاجلة، و

{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ }

، إشارة إلى أن النعمة العاجلة ودليله:

{ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً }

، و

{ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ }

، إشارة إليها أيضاً، وهي الاتقاء، فإن الاتقاء والصلاح بالشرع والكتاب.والحمد في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر، ودليله:

{ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلاْرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا }

منها،وقوله:

{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }

، وهنا إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، ودليله:

{ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ }

. ففاطرالسموات والأرض شاقهما لنزول الأرواح من السماء، وخروج الأجساد من الأرض دليله: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ }: أي فيذلك اليوم. فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن كما فعل بأشياعهم من قبل بيان لانقطاع رجاء من كانفي شك مريب. ولما ذكر حالهم ذكر حال المؤمن وبشره بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وأنه يفتح لهم أبواب الرحمة.وقرأ الحسن: جاعل بالرفع، أي هو جاعل؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو: وجاعل رفعاً بغير تنوين، الملائكة نصباً، حذف التنوينلالتقاء الساكنين. وقرأ ابن يعمر، وخليد بن نشيط: جعل فعلاً ماضياً، الملائكة نصباً، وذلك بعد قراءته فاطر بألف، والجر كقراءةمن قرأ:

{ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً }

. وقرأ الحسن، وحميد بن قيس: رسلاً بإسكان السين، وهي لغة تميم. وقالالزمخشري: وقرىء الذي فطر السموات والأرض وجعل الملائكة. فمن قرأ: فطر وجعل، فينبغي أن تكون هذه الجمل إخباراً من العبدإلى ما أسداه إلينا من النعم، كما تقول: الفضل لزيد أحسن إلينا بكذا خولنا كذا، يكون ذلك جهة بيان لفعلهالجميل، كذلك يكون في قوله: فطر، جعل، لأن في ذلك نعماً لا تحصى. ومن قرأ: وجاعل، فالأظهر أنهما اسماً فاعلبمعنى المضي، فيكونان صفة لله، ويجيء الخلاف في نصب رسلاً. فمذهب السيرافي أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان ماضياً لمالم يمكن إضافته إلى اسمين نصب الثاني. ومذهب أبي علي أنه منصوب بإضمار فعل، والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو.وأما من نصب الملائكة فيتخرج على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الماضي النصب، ويكون إذ ذاك إعرابه بدلاً. وقيل:هو مستقبل تقديره: يجعل الملائكة رسلاً، ويكون أيضاً إعرابه بدلاً. ومعنى رسلاً بالوحي وغيره من أوامره، ولا يريد جميع الملائكةلأنهم ليسوا كلهم رسلاً. فمن الرسل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، والملائكة المتعاقبون، والملائكة المسددون حكام العدل وغيرهم، كالملك الذي أرسلهالله إلى الأعمى والأبرص والاقرع. و{أَجْنِحَةٍ } جمع جناح، صيغة جمع القلة، وقياس جمع الكثرة فيه جنح على وزنفعل، فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملاً في القليل والكثير. وتقدم الكلام على مثنى وثلاث ورباع في أول النساءمشبعاً، ولكن المفسرون تعرضوا لكلام فيه هنا، فقال الزمخشري: مثنى وثلاث ورباع صفات الأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرار العدل فيها،وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الإعداد من صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعنتكرير إلى غير تكرير. وأما بالوصفية، فلا تقترن الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول بنسوة أربع وبرجالثلاثة فلا يعرج عليها؟ انتهى. فجعل المانع للصرف هو تكرار العدل فيها، والمشهور أنها امتنعت من الصرف للصفة والعدل. وأماقوله: ألا تراك، فإنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أفعل وفي ثلاثة، وليس بصحيح، لأن مطلق الصفةلم يعدوه علة، بل اشترطوا فيه. فليس الشرط موجوداً في أربع، لأن شرطه أن لا يقبل تاء التأنيث. وليس شرطهفي ثلاثة موجوداً، لأنه لم يجعل علة مع التأنيث. فقياس الزمخشري قياس فاسد، إذ غفل عن شرط كون الصفة علة.وقال ابن عطية: عدلت عن حال التنكير، فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل: للعدل والصفة. انتهى. وهذا الثانيهو المشهور، والأول قول لبعض الكوفيين. والظاهر أن الملك الواحد من صنف له جناحان، وآخر ثلاثة، وآخر أربعة، وآخر أكثرمن ذلك، لما روي أن لجبريل ستمائة جناح، منها اثنان يبلغ بهما المشرق إلى المغرب. قال قتادة: وأخذ الزمخشري يتكلمعلى كيفية هذه الأجنحة، وعلى صورة الثلاثة بما لا يجدي قائلاً: يطالع ذلك في كتابه. وقالت فرقة: المعنى أن فيكل جانب من الملك جناحان، ولبعضهم ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد، لما اعتدلت في معتاد ما رأينانحن من الأجنحة. وقيل: بل هي ثلاثة لواحد، كما يوجد لبعض الحيوانات. والظاهر أن المراد من الأجنحة ما وضعت لهفي اللغة. وقال أبو عبد الله الرازي: يزيل بحثه في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، وهوالذي حكينا عنه أن قوله: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ }، أقل ما يكون لذي الجناح، إشارةإلى الجهة، وبيانه أن الله ليس شيء فوقه، وكل شيء تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منهنعمه ويعطون من دونهم مما أخذوه بإذن الله، كما قال تعالى:

{ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاْمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ }

، وقوله:

{ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ }

، وقال تعالى في حقهم:

{ فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً }

،النازعات فهما جناحان، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخيربواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة. فالفاعل بواسطة فيهم من له ثلاث جهات، ومنهم من له أربع جهات وأكثر. انتهى.وبحثه في هذه، وفي {فَاطِرَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } بحث عجيب، وليس على طريقة فهم العرب من مدلولات الألفاظ التيحملها ما حمل. والظاهر أن مثنى وما بعده من صفات الأجنحة، وقيل: {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } معترض، {*ومثنى} حال، والعامل فعلمحذوف يدل عليه {بَعْدِهِ رُسُلاً }، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع. قيل: وإنما جعلهم أولي أجنحة، لأنه لما جعلهم رسلاً،جعل لهم أجنحة ليكون أسرع لنفاد الأمر وسرعة إنفاذ القضاء. فإن المسافة التي بين السماء والأرض لا تقطع بالأقدام إلافي سنين، فجعلت لهم الأجنحة حتى ينالوا المكان البعيد في الوقت القريب كالطير. {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء }:تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي أجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله،فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، والظاهر عموم الخلق. وقال الفراء: هذا في الأجنحة التي للملائكة، أي يزيد في خلقالملائكة الأجنحة. وقالوا: في هذه الزيادة الخلق الحسن، أو حسن الصوت، أو حسن الخط، أو لملاحة في العينين أو الأنف،أو خفة الروح، أو الحسن، أو جعودة الشعر، أو العقل، أو العلم، أو الصنعة، أو العفة في الفقراء، والحلاوة فيالفم، وهذه الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، وقد شرحوا هذه الزيادة بالأشياءالمستحسنة، وما يشاء عام لا يخص مستحسناً دون غيره. وختم الآية بالقدرة على كل شيء يدل على ذلك، والفتح والإرسالاستعارة للإطلاق، {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } مكان لا فاتح له، والمعنى: أي شيء يطلب الله. {مِن رَّحْمَةِ }: أينعمة ورزق، أو مطر، أو صحة، أو أمن، أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها. وما رويعن المفسرين المتقدمين من تفسير رحمة بشيء معين فليس على الحصر منه، إنما هو مثال. قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعةوالإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا يقدر أحد على إمساكها وحبسها، وأي شيء يمسك اللهفلا أحد يقدر على إطلاقه. انتهى. والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو،وهو مما اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط، وتقديره: من الرحمات، ومن في موضعالحال، أي كائناً من الرحمات، ولا يكون في موضع الصفة، لأن اسم الشرط لا يوصف. والظاهر أن قوله: {وَمَا يُمْسِكْ} عام في الرحمة وفي غيرها، لأنه لم يذكر له تبيين، فهو باق على العموم في كل ما يمسك. فإنكان تفسيره {مِن رَّحْمَةِ }، وحذفت لدلالة الأول عليه، فيكون تذكير الضمير في {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } حملاًعلى لفظ ما، وأنث في {مُمْسِكَ لَهَا } على معنى ما، لأن معناها الرحمة. وقرىء: فلا مرسل لها، بتأنيث الضمير،وهو دليل على أن التفسير هو {مِن رَّحْمَةِ }، وحذف لدلالة ما قبله عليه. وعن ابن عباس: {مِن رَّحْمَةِ }:من باب توبة، {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا }: أي يتوبون إن شاؤوا وإن أبوا، {وَمَا يُمْسِكْ }: من باب، {فَلاَ مُرْسِلَلَهُ } من بعده، فهم لا يتوبون. وعنه أيضاً: {مِن رَّحْمَةِ }: من هداية. قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقولفيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس؟ قلت: أراد بالتوبة: الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ابن عباس،إن قاله فمقبول، وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب فمردود، لأن اللهتعالى يشاء التوبة أبداً، ولا يجوز عليه أن لا يشاء بها. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. {مِن بَعْدِهِ }: هوعلى حذف مضاف، أي من بعد إمساكه، كقوله:

{ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ }

، أي من بعد إضلال الله إياه،لأن قبله وأضله الله على علم، كقوله:

{ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ * فَلاَ هَادِيَ لَهُ }

، وقدره الزمخشري من بعد هدايةالله، وهو تقدير فاسد لا يناسب الآية، جرى فيه على طريقة الاعتزال. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب القادر على الإرسال والإمساك،{ٱلْحَكِيمُ } الذي يرسل ويمسك ما اقتضته حكمته. {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ }: خطاب لقريش، وهو متجه لكل مؤمن وكافر،ولا سيما من عبد غير الله، وذكرهم بنعمه في إيجادهم. و{ٱذْكُرُواْ }: ليس أمراً بذكر اللسان، ولكن به وبالقلب وبحفظالنعمة من كفرانها وشكرها، كقولك لمن أنعمت عليه: اذكر أياديّ عندك، تريد حفظها وشكرها، والجميع مغمورون في نعمة الله. فالخطابعام اللفظ، وإن كان نزل ذلك بسبب قريش، ثم استفهم على جهة التقرير. {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ }: أيفلا إله إلا الخالق، ما تعبدون أنتم من الأصنام. وقرأ ابن وثاب، وشقيق، وأبو جعفر، وزيد بن علي، وحمزة، والكسائي:غير بالخفض، نعتاً على اللفظ، {وَمِنْ * خَـٰلِقٌ }: جوزوا أن يكون خبراً للمبتدأ، وإن يكون صفته، وأن يكون مستأنفاً،والخبر على هذين الوجهين محذوف تقديره لكم. وقرأ شيبة، وعيسى، والحسن، وباقي السبعة: {مّن مَّاء غَيْرِ } بالرفع، وجوزوا أنيكون نعتاً على الموضع، كما كان الخبر نعتاً على اللفظ، وهذا أظهر لتوافق القراءتين؛ وأن يكون خبراً للمبتدأ، وأن يكونفاعلاً باسم الفاعل الذي هو خالق، لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، فحسن إعماله، كقولك: أقائم زيد في أحد وجهيه؟وفي هذا نظر، وهو أن اسم الفاعل، أو ما جرى مجراه، إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل، فرفعما بعده، هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فتقول: هل من قائم الزيدون؟ كما تقول: هل قائم الزيدون؟والظاهر أنه لا يجوز. ألا ترى أنه إذا جرى مجرى الفعل، لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه من،ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب؟ وقرأالفضل بن إبراهيم النحوي: غير بالنصب على الاستثناء، والخبر إما يرزقكم وإما محذوف، ويرزقكم مستأنف؛ وإذا كان يرزقكم مستأنفاً، كانأولى لانتفاء صدق خالق على غير الله، بخلاف كونه صفة، فإن الصفة تقيد، فيكون ثم خالق غير الله، لكنه ليسبرازق. ومعنى {مّنَ ٱلسَّمَاء }: بالمطر، {وٱلاْرْضِ }: بالنبات، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }: جملة مستقلة لا موضع لها منالإعراب. {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }: أي كيف يصرفون على التوحيد إلى الشرك، وأن يكذبوك إلى الأمور، تقدم الكلام على ذلك.{إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ }: شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك. وقرأ الجمهور: {ٱلْغُرُورِ } بفتح الغين،وفسره ابن عباس بالشيطان. وقرأ أبو حيوة، وأبو السمال: بضمها جمع غار، أو مصدراً، كقوله:

{ فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ }

، وتقدم الكلامعلى ذلك في آخر لقمان. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ }: عداوته سبقت لابنا آدم، وأي عداوة أعظم من أنيقول في بنيه:

{ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }

{ وَلاَضِلَّنَّهُمْ }

؟ {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً }: أي بالمقاطعة والمخالفة باتباع الشرع. ثم بين أن مقصودهفي دعاء حزبه إنما هو تعذيبهم في النار، يشترك هو وهم في العذاب، فهو حريص على ذلك أشد الحرص حتىيبين صدق قوله في: {*فلاغوينهم}، {مَّفْرُوضاً وَلاَضِلَّنَّهُمْ }، لأن الاشتراك فيما يسوء مما قد يتسلى به بخلاف المنفرد بالعذاب. ثمذكر الفريقين، وما أعدّ لهما من العقاب والثواب. وبدأ بالكفار لمجاورة قوله: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ }، فاتبع خبر الكافر بحالهفي الآخرة. قال ابن عطية: واللام في ليكون لام الصيرورة، لأنه لم يدعهم إلى السعير، إنما اتفق أن صار أمرهمعن دعائه إلى ذلك. انتهى. ونقول: هو مما عبر فيه عن السبب بما تسبب عنه دعاؤهم إلى الكفر، وتسبب عنهالعذاب. و{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }. مبتدآن، وجوز بعضهم في {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أن يكون في موضع خفض بدلاً{مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ }، أو صفة، وفي موضع نصب بدلاً من حزبه، وفي موضع رفع بدلاً من ضمير {لّيَكُونُواْ }،وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب. {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً }: أي فرأى سوءعمله حسناً، ومن مبتدأ موصول، وخبره محذوف. فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير: كمن لم يزين له، كقوله:

{ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ }

{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ }

{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ }

، ثم قال:

{ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ }

، وقاله الكسائي، أي تقديره: تذهبنفسك عليهم حسرات لدلالة: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ }. وقيل: التقدير: فرآه حسناً، فأضله الله كمن هداه الله، فحذف ذلكلدلالة: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء }، وذكر هذين الوجهين الزجاج. وشرح الزمخشري هنا {يُضِلُّ مَن يَشَاء } على طريقتهفي غير موضع من كتابه، من أن الإضلال هو خذلانه وتخليته وشأنه، وأتى بألفاظ كثيرة في هذا المعنى. وقرأ الجمهور:{أَفَمَن زُيّنَ * مُّبِيناً * لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ وَإِلَىٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلاْمُورُ * يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ * ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْوَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِىمَن يَشَاء } تسلية للرسول عن كفر قومه، ووجوب التسليم لله في إضلاله من يشاء وهداية من يشاء. وقرأ الجمهور:{فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ }، مبنياً للفاعل من ذهب، ونفسك فاعل. وقرأ أبو جعفر، وقتادة، وعيسى، والأشهب، وشيبة، وأبو حيوة، وحميدوالأعمش، وابن محيصن: تذهب من أذهب، مسند الضمير المخاطب، نفسك: نصب، ورويت عن نافع: والحسرة هم النفس على فوات أمر.وانتصب {حَسَرٰتٍ } على أنه مفعول من أجله، أي فلا تهلك نفسك للحسرات، وعليهم متعلق بتذهب، كما تقول: هلك عليهحباً، ومات عليه حزناً، أو هو بيان للمتحسر عليه، ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر، فلا يتقدّم معموله. وقال الزمخشري: ويجوزأن يكون حالاً، كأنه كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير:

مشق الهواجر لحمهن مع السرى     حتى ذهبن كلاكلاً وصدرواً

يريد: رجعن كلاكلاً وصدوراً، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، ومنه قوله:

فعلى إثرهم تساقط نفسي     حسرات وذكرهم لي سقام

انتهى. وما ذكر من أن كلاكلاً وصدوراً حالان هومذهب سيبويه. وقال المبرد: هو تمييز منقول من الفاعل، أي حتى ذهبت كلاكلها وصدورها. ثم توعدهم بالعقاب على سوء صنعهمفقال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }: أي فيجازيهم عليه. {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ *بَدَّلَ *مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ * مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ * ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَٱللَّهُ }. لماذكر أشياء من الأمور السماوية وإرسال الملائكة، ذكر أشياء من الأمور الأرضية: الرياح وإسالها، وفي هذا احتجاج على منكري البعث.دلهم على المثال الذي يعاينونه، وهو وإحياء الموتى سيان. وفي الحديث: أنه قيل لرسول الله : كيف يحيـي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بوادي أهلك محلاً، ثم مررت به يهتز خضراً؟ فقالوا: نعم، فقال: فكذلك يحيـي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه . قيل: {أُرْسِلَ } في معنى يرسل، ولذلك عطف عليه{فَتُثِيرُ }. وقيل: جيء بالمضارع حكاية حال يقع فيها إثارة الرياح السحاب، ويستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية،ومنه فتصبح الأرض مخضرة. قال الزمخشري: وكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز خصوصية بحال يستغرب، أو يتهم المخاطب، أوغير ذلك، كما قال تأبط شراً:

بأني قد لقيت الغول تهوي     بشهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلاد هش فخرت

لأنه قصد أن يصور لقومه الحالةالتي يشجع فيها ابن عمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجب من جراءته على كلهول، وثباته عند كل شدّة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها. لما كان من الدلائلعلى القدرة الباهرة وقيل: فسقنا وأحيينا، معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. انتهى.وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه: أي أرسل بلفظ الماضي. لما أسند إلى الله وما يفعله تعالى بقوله: كن،لا يبقى زماناً ولا جزء زمان، فلم يأت بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه، ولأنه فرغ من كل شيء، فهوقدر الإرسال في الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة. ولما أسند الإثارة إلى الريح، وهي تؤلف في زمان، قال: {فَتُثِيرُ }،وأسند {أُرْسِلَ } إلى الغائب، وفي {فَسُقْنَاهُ }، و{فَأَحْيَيْنَا } إلى المتكلم، لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعالوهو الإرسال، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب فأحييت الأرض. ففي الأول تعريف بالفعل العجيب، وفي الثانيتذكير بالبعث. وفسقناه وفأحيينا بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرنا من الفرق بين فتثير وأرسل. انتهى. وهذا الذي ذكر من الفرقبين أرسل وفتثير لا يظهر. ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة الروم:

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً }

،وفي الأعراف:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }

، كيف جاء في الإرسال بالمضارع؟ وإنما هذا من التفننفي الكلام والتصرف في البلاغة. وأما الخروج من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فهو من باب الالتفات، وكذلكما في الأعراف

{ سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَاء فَأَخْرَجْنَا * كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ }

. وأما قوله: وما يفعلهتعالى إلى آخره، وكل فعل، وإن كان أسند إلى غيره مجازاً، فهو فعله حقيقة، فلا فرق بين ما يسنده إلىذاته، وبين ما يسند إلى غيره، لأن جميع ذلك هو إيجاده وخلقه. والنشور، مصدر نشر: الميت إذا حيـي، قال الأعشى:

حتى يقول الناس مما رأوا     يا عجباً للميت الناشر

والنشور: مبتدأ، والجار والمجرور قبلهفي موضع الجر، والتشبيه وقع لجهات لما قلبت الأرض الميتة الحياة اللائقة بها، كذلك الأعضاء تقبل الحياة. أو كما أنالريح يجمع قطع السحاب، كذلك تجمع أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء؛ أو كما يسوق الرياح والسحاب إلى البلد الميت، يسوق الروحوالحياة إلى البدن. {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ }: أي المغالبة، {فَٱللَّهُ * ٱلْعِزَّةُ }: أي ليست لغيره، ولا تتم إلابه، والمغالب مغلوب. ونحا إليه مجاهد و قال: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } بعبادة الأوثان، وهذا تمثيل لقوله:

{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً }

. وقال قتادة: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } وطريقها القويم ويحب نيلها، {فَٱللَّهُ *ٱلْعِزَّةُ }: أي به وعن أمره، لاتنال عزته إلا بطاعته. وقال الفراء: من كان يريد علم العزة، {فَٱللَّهُ * ٱلْعِزَّةُ}: أي هو المتصف بها. وقيل: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ }: أي لا يعقبها ذلة ويصار بها للذلة. وقال الزمخشري:كان الكافرون يتعززون بالأصنام، كما قال عز وجل:

{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً }

. والذين آمنوا بألسنتهممن غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال:

{ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }

، فبين أن لا عزة إلا لله ولأوليائه وقال:

{ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }

. انتهى. ولا تنافي بينقوله:

{ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }

، وإن كان الظاهر أنها له لا لغيره، وبين قوله

{ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }

وإن كان يقتضى الاشتراك، لأن العزة في الحقيقة لله بالذات، وللرسول بواسطة قربه من الله، وللمؤمنين بواسطة الرسول. فالمحكوم عليهأولاً غير المحكوم عليه ثانياً. ومن اسم شرط، وجملة الجواب لا بد أن يكون فيها ضمير يعود على اسم الشرطإذا لم يكن ظرفاً، والجواب محذوف تقديره على حسب تلك الأقوال السابقة. فعلى قول مجاهد: فهو مغلوب، وعلى قول قتادة:فيطلبها من الله، وعلى قول الفراء: فلينسب ذلك إلى الله، وعلى القول الرابع: فهو لا ينالها؛ وحذف الجواب استغناء عنهبقوله: {فَٱللَّهُ * ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً }، لدلالته عليه. والظاهر من هذه الأقوال قول قتادة: فليطلبها من العزة له يتصرف فيهاكما يريد، كما قال تعالى:

{ وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء }

، وانتصب جميعاً على المراد، والمراد عزة الدنيا وعزةالآخرة. و{ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ }: التوحيد والتحميد و ذكر الله ونحو ذلك. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلاالله. وقيل: ثناء بالخير على صالحي المؤمنين. وقال كعب: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرلدوياً حول العرش كدوي النحل بذكر صاحبها. وقرأ الجمهور: {يَصْعَدُ }، مبنياً للفاعل من صعد؛ {ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ }: مرفوعاً، فالكلمجمع كلمة. وقرأ علي، وابن مسعود، والسلمي، وإبراهيم: يصعد من أصعد، الكلام الطيب على البناء للمفعول. انتهى. وقرأ زيد بنعلي يصعد من صعد الكلام: رقي، وصعود الكلام إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المسمى إليه، لأنه تعالى ليس فيجهة، و لأن الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود، لأن الصعود من الاجرام يكون، وإنما ذلك كناية عن القبول، ووصفه بالكمال.كما يقال: علا كعبة وارتفاع شأنه، ومنه ترافعوا إلى الحاكم، ورفع الأمر إليه، وليس هناك علو في الجهة. وقرأالجمهور: والعمل الصالح يرفعهما. فالعمل مبتدأ، ويرفعه الخبر، وفاعل يرفعه ضمير يعود على العمل الصالح، وضمير النصب يعود على الكلم،أي يرفع الكلم الطيب، قاله ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: يعرض القول على الفعل، فإن وافقالقول الفعل قبل، وإن خالف رد. وعن ابن عباس نحوه، قال: إذ اذكر الله العبد وقال كلا ما طيباً وأدّىفرائضه، ارتفع قوله مع عمله؛ وإذا قال ولم يؤدّ فرائضه، رد قوله على عمله؛ وقيل: عمله أولى به. قال ابنعطية: وهذا قول يرده معتقد أهل السنة، ولا يصح عن ابن عباس. والحق أن القاضي لفرائضه إذ ذكر الله وقالكلاماً طيباً، فإنه مكتوب له متقبل، وله حسناته وعليه سيئآته، والله يتقبل من كل من اتقى الشرك. وقال أبو صالح،وشهر بن حوشب عكس هذا القول: ضمير الفاعل يعود على الكلم، وضمير النصب على العمل الصالح، أي يرفعه الكلم الطيب.وقال قتادة: إن الفاعل هو ضمير يعود على الله، والهاء للعمل الصالح، أي يرفعه الله إليه، أي يقبله. وقال ابنعطية: هذا أرجح الأقوال. وعن ابن عباس: والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه، فجعله على حذف مضاف. ويجوز عندي أن يكونالعمل معطوفاً على الكلم الطيب، أي يصعدان إلى الله، ويرفعه استئناف إخبار، أي يرفعهما الله، ووحد الضمير لاشتراكهما في الصعود،والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة،فيكون لفظه مفرداً، و المراد به التثنية، فكأنه قيل: ليس صعودهما من ذاتهما، بل ذلكبرفع الله إياهما. وقرأ عيس، وابن أبي عبلة: والعمل الصالح، بنصبهما على الاشتغال، فالفاعل ضمير الكلم أو ضمير الله، ومكرلازم، والسيئات نعت لمصدر محذوف، أي المكرات السيئات، أو المضاف إلى المصدر، أي أضاف المكر إلى السيئات، أو ضمن يمكرونمعنى، يكتسبون، فنصب السيئات مفعولاً به. وإذا كانت السيئات نعتاً لمصدر، أو لمضاف لمصدر، فالظاهر أنه عنى به مكرات قريشفي دار الندوة، إذ تذاكروا إحدى ثلاث مكرات، وهي المذكورة في الأنفال: إثباته، أو قتله، أو إخراجه؛ و {أُوْلَـٰئِكَ }إشارة إلى الذين مكروا تلك المكرات. {يَبُورُ }: أي يفسد و يهلك دون مكر الله بهم، إذ أخرجهم من مكةوقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعاً وحقق فيهم قوله:

{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }

، وقوله:

{ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }

، وهو مبتدأ، أو يبور خبره، والجملة خبر عن قوله: {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ }. وأجازالحوفي وأبو البقاء أن يكون هو فاصلة، ويبور خبر، ومكر أولئك والفاصلة لا يكون ما يكون ما بعدها فعلاً، ولميذهب إلى ذلك أحد فيما علمناه إلا عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح له، فإنه أجاز في كان زيد هويقوم أن يكون هو فصلاً وردّ ذلك عليه. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ }: من حيث خلق أبينا آدم. {ثُمَّمِن نُّطْفَةٍ }: أي بالتناسل. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً }: أي أصنافاً ذكراناً واناثاً، كما قال:

{ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً }

.وقال قتادة: قدّر بينكم الزوجية، وزوّج بعضكم بعضاً، ومن في {مِن مُّعَمَّرٍ } زائدة، وسماه بما يؤول إليه، وهو الطويلالعمر. والظاهر أن الضمير في {مِنْ عُمُرِهِ } عائد على معمر لفظاً ومعنى. وقال ابن عباس وغيره: يعود على معمرالذي هو اسم جنس، والمراد غير الذي يعمر، فالقول تضمن شخصين: يعمر أحدهما مائة سنة، وينقص من الآخر. وقال ابنعباس أيضاً، وابن جبير، وأبو مالك: المراد شخص واحد، أي يحصي ما مضى منه إذ مر حول كتب ذلك ثمحول، فهذا هو النقص، وقال الشاعر:

حياتك أنفاس تعدّ فكلما     مضى نفس منك انتقصت به جزءا

وقال كعبالاحبار: معنى {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }: لا يخترم بسببه قدره الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب. وروي أنه قال،لما طعن عمر رضي الله عنه: لو دعا الله لزاد في أجله، فأنكر المسامون عليه ذلك وقالوا: إن الله تعالىيقول:

{ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }

، فاحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وهو قول ضعيف مردوديقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسك المعتزلة. وقرأ الجمهور: ولا ينقص، مبنياً للمفعول. وقرأ يعقوب، وسلام، وعبد الوارث، وهرون، كلاهما عنأبي عمرو: و لا ينقص، مبنياً للفاعل. وقرأ الحسن: {مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ }. قال ابن عباس: هو اللوحالمحفوظ. وقال الزمخشري: يجوز أن يراد كتاب الله علم الله، أو صحيفة الإنسان. انتهى. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ }: هذهآية أخرى يستدل بها على كل عاقل أنه مما لا مدخل لصنم فيه. وتقدم شرح: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ }، وشرح:{وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } في سورة الفرقان. وهنا بين القسمين صفة للعرب، وبين قوله: {سَائِغٌ شَرَابُهُ }. وقرأ الجمهور: سائغ،اسم فاعل من ساغ. وقرأ عيسى: سيغ على وزن فيعل، كميت؛ وجاء كذلك عن أبي عمرو وعاصم. وقرأ عيسى أيضاً:سيغ مخففاً من المشدد، كميت مخفف ميت. وقرأ الجمهور: ملح، وأبو نهيك وطلحة: بفتح الميم وكسر اللام، وقال أبو الفضلالرازي: وهي لغة شاذة، ويجوز أن يكون مقصوراً من مالح، فحذف الألف تخفيفاً. وقد يقال: ماء ملح في الشذوذ، وفيالمستعمل: مملوح. وقال الزمخشري: ضرب البحرين، العذب والملح، مثلين للمؤمن والكافر. ثم قال على صفة الاستطراد في صفة البحرين وماعلق بها: من نعمته وعطائه. {وَمِن كُلّ }، من شرح الزمخشري: ألفاظاً من الآية تكررت في سورة النحل. ثم قال:ويحتمل غير طريقة الاستطراد، وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج على الكافر، بأنه قد شارك العذب فيمنافع من السمك واللؤلؤ، وجرى الفلك فيه. وللكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى:

{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ }

الآية. انتهى. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }: يريد التجارات والحج والغزو، أو كل سفر له وجه شرعي.{يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ }: تقدم شرح هذه الجمل. ولما ذكر أشياء كثيرة تدل على قدرته الباهرة، من إرسال الرياح،والإيجاد من تراب وما عطف عليه، وإيلاج الليل في النهار، وتسخير الشمس والقمر؛ أشار إلى أن المتصف بهذه الأفعال الغريبةهو الله فقال: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ }، وهي أخبار مترادفة؛ والمبتدأ {ذٰلِكُمْ }، و{ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } خبران، و{لَهُٱلْمُلْكُ } جملة مبتدأ في قران قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ }. قال الزمخشري: ويجوز فيحكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة وعطف بيان، وربكم خبر، لولا أن المعنى يأباه. انتهى. أما كونه صفة،فلا يجوز، لأن الله علم، والعلم لا يوصف به، وليس اسم جنس كالرجل، فتتخيل فيه الصفة. وأما قوله: لولا أنالمعنى يأباه، فلا يظهر أن المعنى يأباه، لأنه يكون قد أخبر بأن المشار إليه بتلك الصفات والأفعال المذكورة ربكم، أيمالكم، أو مصلحكم، وهذا معنى لائق سائغ، والذين يدعون من دونه هي الأوثان. وقرأ الجمهور: تدعون، بتاء الخطاب، وعيسى، وسلام،ويعقوب: بياء الغيبة. وقال صاحب الكامل أبو القاسم بن جبارة: يدعون بالياء، اللؤلؤي عن أبي عمرو وسلام، والنهاوندي عن قتيبة،وابن الجلاء عن نصير، وابن حبيب وابن يونس عن الكسائي، وأبو عمارة عن حفص. والقطمير، تقدم شرحه. وقال جويبر عنرجاله، والضحاك: هو القمع الذي في رأس التمرة. وقال مجاهد: لفافة النواة؛ وقيل: الذي بين قمع التمرة والنواة؛ وقيل: قشرالثوم؛ وأياماً كان، فهو تمثيل للقليل، وقال الشاعر:

وأبوك يخفف نعله متوركا     ما يملك المسكين من قطمير

{لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ }، لأنهم جماد؛ {وَلَوْ سَمِعُواْ }، هذا على سبيل الفرض؛ {مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ }، لأنهم لايدعون لهم من الإلهية، يتبرؤون منها. وقيل: ما نفعوكم، وأضاف المصدر: في شرككم، أي بإشراككم لهم مع الله في عبادتكمإياهم كقوله:

{ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }

، فهي إضافة إلى الفاعل. وقوله: {يَكْفُرُونَ }، يحتمل أن يكون بما يظهر هنالكمن جمودها وبطئها عند حركة ناطق، ومدافعة كل محتج، فيجيء هذا على طريق التجوز، كقول ذي الرمة:

وقفت على ربع لمية ناطق     تخاطبني آثاره وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه

{وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }، قال قتادة وغيره من المفسرين: الخبير هنا أراد به تعالى نفسه، فهو الخبيرالصادق الخبر، نبأ بهذا، فلا شك في وقوعه. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون قوله: {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: فلا يخبرك مثل من يخبرك عن نفسه، أي لا يصدق في تبرئها من شرككممنها، فيريد بالخبير على هذا المثل لهما، كأنه قال: ولا ينبئك مثل خبير عن نفسه، وهي قد أخبرت عن نفسهابالكفر بهؤلاء. وقال الزمخشري: لا يخبرك بالأمر مخبر، هو مثل خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمر هو الذي يخبركبالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبربه. وقال في التجريد: يحتمل وجهين: أن يكون ذلك خطاباً للرسول لما أخبر بأن الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذبعابده، وهو أمر لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخبار الله عنه، قال تعالى: {أَنَّهُمْ * بِرَبّهِمْ * يَكْفُرُونَ }، أييكفرون بهم يوم القيامة، وهذا القول مع كون المخبر عنه أمراً عجيباً هو كما قال، لأن المخبر عنه خبير. والثاني:أن يكون خطاباً ليس مختصاً بأحد، أي هذا الذي ذكر هو كما ذكر، لا ينبئك أيها السامع كائناً من كنتمثل خبير. {خَبِيرٍ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍوَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء وَلَوْكَانَ ذَا قُرْبَىٰ إِنَّمَا }. هذه آية موعظة وتذكير، وأن جميع الناس محتاجون إلى إحسان الله تعالى وإنعامه فيجميع أحوالهم، لا يستغنى أحد عنه طرفة عين، وهو الغني عن العالم على الإطلاق. وعرّف الفقراء ليريهم شديد افتقارهم إليه،إذ هم جنس الفقراء، وإن كان العالم بأسره مفتقر إليه، فلضعفهم جعلوا كأنهم جميع هذا الجنس؛ ولو نكر لكان المعنى:أنتم، يعني الفقراء، وقوبل الفقراء بالغني، ووصف بالحميد دلالة على أنه جواد منعم، فهو محمود على ما يسديه من النعم،مستحق للحمد. ولما ذكر أنه الغني على الإطلاق، ذكر ما يدل على استفنائه عن العالم، وأنه ليس بمحتاج إليهم فقال:{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ }: أي إن يشأ إذهابكم يذهبكم، وفي هذا وعيد بإهلاكهم. {وَمَا ذٰلِكَ }: أي إذهابكم، والإتيان بخلقجديد {بِعَزِيزٍ }، أي بممتنع عليه، إذ هو المتصف بالقدرة التامة، فلا يمتنع عليه شيء مما يريده. ومعنى: {بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}: بدلكم لقوله:

{ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }

. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده، لا يشرك به شيئاً.وقد جاء هذا المعنى من ذكر الإذهاب بعد وصفه تعالى بالغني في قوله تعالى:

{ وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء }

. وجاء أيضاً تعليق الإذهاب مختوماً آخر الآية بذكر القدرة الدالة على ذلك في قوله:

{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً }

. روي أن الوليد بن المغيرة قاللقوم من المؤمنين: اكفروا بمحمد وعليّ وزركم، فنزلت. وأخبر تعالى، لا يحمله أحد عن أحد. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة:هذه الآية في الذنوب والجرائم. ويقال: وزر الشيء: حمله، ووازرة: صفة لمحذوف، أي نفس وازرة: حاملة، وذكر الصفة ولم يذكرالموصوف مقتصراً عليه، لأن المعنى: أن كل نفس لا ترى إلا حامله وزرها، لا وزر غيرها، فلا يؤاخذ نفساً بذنبنفس، كما يأخذ جبابرة الدنيا الجاربالجار، والصديق بالصدق، والقريب بالقريب. وقال ابن عطية: ومن تطرف من الحكام إلى أخذ قريببقريبه في جريمته، كفعل زياد ونحوه، فإنما ذلك ظلم، لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بموازرة ومواصلة، أو اطلاع على حالهوتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب. انتهى. وكأن ابن عطية تأول أفعال زياد وما فعل في الإسلام، وكانتسيرته قريبة من سيرة الحجاج، ولا منافاة بين هذه الآية في العنكبوت، لأن تلك في الضالين المضلين يحملون أثقال إضلالالناس مع أثقال ضلالهم، فكل ذلك أثقالهم، ما فيها من ثقل غيرهم شيء. ألا ترى:

{ وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء }

؟ {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ }: أي نفس مثقلة بحملها، {إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء }: أيلا غياث يومئذ لمن استغاث، ولا إعانة حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وزرهالم تجب وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ فالآية قبلها في الدلالة على عدل اللهفي حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها وهذه في نفي الإعانة والحمل ما كان على الظهر في الأجرام فاستعيرللمعاني كالذنوب ونحوها فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر كقوله:

{ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ }

، كما جعل كل اكتساب منسوباًإلى اليد. وقرأ الجمهور: يحمل بالياء، مبنياً للمفعول؛ وأبو السمال عن طلحة، وإبراهيم بن زادان عن الكسائي: بفتح التاءمن فوق وكسر الميم، وتقتضي هذه القراءة نصب شيء، كما اقتضت قراءة الجمهور رفعه، والفاعل بيحمل ضمير عائد على مفعولتدع المحذوف، أي وإن تدع مثقلة نفساً أخرى إلى حملها، لم تحمل منه شيئاً. واسم كان ضمير يعود على المدعوالمفهوم من قوله: {وَإِن تَدْعُ }، هذا معنى قول الزمخشري، قال: وترك المدعو ليعم ويشمل كل مدعو. قال: فإن قلت:فكيف استفهام إضمار، ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقل؟ قلت: هو من العموم الكائن على طريق البدل. انتهى.وقال ابن عطية: واسم كان مضمر تقديره ولو كان. انتهى، أي ولو كان الداعي ذا قربى من المدعو، فإن المدعولا يحمل منه شيئاً. وذكر الضمير حملاً على المعنى، لأن قوله: {مُثْقَلَةٌ }، لا يريد به مؤنث المعنى فقط، بلكل شخص، فكأنه قيل: وإن تدع شخصاً مثقلاً. وقرىء: ولو كان ذو قربى، على أن كان تامة، أي ولو حضرإذا ذاك ذو قربى ودعته، لم يحمل منه شيئاً. وقالت العرب: قد كان لبن، أي حضر وحدث. وقال الزمخشري: نظمالكلام أحسن ملاءمة للناقصة، لأن المعنى: على أن المثقلة إذا دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه، وإن كان مدعوهاذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم. ولو قلت: ولو وجد ذو قربى، لتفكك وخرج عن اتساقه والتئامه. انتهى. وهو نسقملتئم على التقدير الذي ذكرناه، وتفسيره كان، وهو مبني للفاعل، يؤخذ المبني للمفعول تفسير معنى، وليس مرادفاً ومرادفه، حدث أوحضر أو وقع، هكذا فسره النحاة. ولما سبق ما تضمن الوعيد وبعض أهوال القيامة، كان ذلك إنذاراً، فذكر أنالإنذار إنما يجدي وينفع من يخشى الله. {بِٱلْغَيْبِ }: حال من الفاعل أو المفعول، أي يخشون ربهم غافلين عن عذابه،أو يخشون عذابه غائباً عنهم. وقيل: بالغيب في السر، وقيل: بالغيب، أي وهو بحال غيبه عنهم إنما هي رسالة. وقرأالجمهور: {وَمَن تَزَكَّىٰ }، فعلاً ماضياً، {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ }: فعلاً، مضارع تزكى، أي ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي، فإنماثمرة ذلك عائدة عليه، وهو إنما زكاته لنفسه لا لغيره، والتزكي شامل للخشية وإقامة الصلاة. وقرأ العباس عن أبي عمرو:ومن يزكى فإنما يزكى، بالياء من تحت وشدّ الزاي فيهما، وهما مضارعان أصلهما ومن يتزكى، أدغمت التاء في الزاي، كماأدغمت في الذال في قوله:

{ يَذَّكَّرُونَ }

. وقرأ ابن مسعود، وطلحة: ومن ازكى، بإدغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصلفي الابتداء؛ وطلحة أيضاً: فإنما يزكى، بإدغام التاء في الزاي. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }: وعد لمن يزكى بالثواب. {وَمَايَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } الآية: هي طعن على الكفرة وتمثيل. فالأعمى الكافر، والبصير المؤمن، أو الأعمى الصنم، والبصير الله عزوجل وعلا، أي لا يستوي معبودهم ومعبود المؤمنين. والظلمات والنور، والظل والحرور: تمثيل للحق والباطل وما يؤديان إليه من الثوابوالعقاب. والأحياء والأموات، تمثيل لمن دخل في الإسلام ومن لم يدخل فيه. والحرور: شدّة حر الشمس. وقال الزمخشري: والحرور: السموم،إلا أن السموم تكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار؛ وقيل: بالليل. انتهى. وقال ابن عطية: قال رؤبة: الحرور بالليل، والسموم بالنهار،وليس كما قال، وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره: أن السموم يختص بالنهار. ويقال: الحرور في حر الليل، وفي حرالنهار. انتهى. ولا يرد على رؤبة، لأنه منه تؤخذ اللغة، فأخبر عن لغة قومه. وقال قوم: الظل هنا: الجنة، والحرور:جهنم، ويستوي من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد. فدخول لا في النفي لتأكيد معناه لقوله:

{ وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ }

. وقال ابن عطية: دخول لا إنما هو على هيئة التكرار، كأنه قال: ولا الظلمات والنور ولا النور والظلمات،فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل مذكور الكلام على متروكه. انتهى. وما ذكر غير محتاج إلى تقديره، لأنه إذا نفىاستواء الظلمات والنور، فأي فائدة في تقدير نفي استوائهما ثانياً وادعاء محذوفين؟ وأنت تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فتؤكدبلا معنى النفي، فكذلك هذا. وقرأ زادان عن الكسائي: وما تستوي الأحياء، بتاء التأنيث؛ والجمهور: بالياء، وترتيب هذه المنفي عنهاالاستواء في غاية الفصاحة. وذكر الأعمى والبصير مثلاً للمؤمن والكافر، ثم البصير. ولو كان حديد النظر لا يبصر إلا فيضوء، فذكر ما هو فيه الكافر من ظلمة الكفر، وما هو فيه المؤمن من نور الإيمان. ثم ذكر مآلهما، وهوالظل، وهو أن المؤمن بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب. ثم ذكر مثلاً آخر في حقالمؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير، إذ الأعمى قد يشارك البصير في إدراك مّا، والكافر غير مدرك إدراكاً نافعاً، فهوكالميت، ولذلك أعاد الفعل فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلاْحْيَاء وَلاَ ٱلاْمْوَاتُ }، كأنه جعل مقام سؤال، وكرر لا فيما ذكر لتأكيدالمنافاة. فالظلمات تنافي النور وتضاده، والظل والحرور كذلك، والأعمى والبصير ليس كذلك، لأن الشخص الواحد قد يكون بصيراً. ثم يعرضله العمى، فلا منافاة إلا من حيث الوصف. والمنافاة بين الظل والحرور دائمة، لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد؛فلما كانت المنافاة أتم، أكد بالتكرار. وأما الأحياء والأموات من حيث أن الجسم الواحد يكون محلاً للحياة، فيصير محلاً للموت.فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير، لأن هذين قد يشتركان في إدراك مّا، ولا كذلك الحي. والميت يخالفالحي في الحقيقة، لا في الوصف، على ما بين في الحكمة الإلهية. وقدّم الأشرف في مثلين، وهو الظل والحر؛ وآخرفي مثلين، وهما البصير والنور، ولا يقال لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه. وفي المعنى:والشاعر قد يقدّم ويؤخر لأجل السجع والقرآن. المعنى صحيح، واللفظ فصيح، وكانوا قبل المبعث في ضلالة، فكانوا كالعمي، وطريقهم الظلمة.فلما جاء الرسول، واهتدى به قوم، صاروا بصيرين، وطريقهم النور، وقدّم ما كان متقدّماً من المتصف بالكفر، وطريقته على ماكان متأخراً من المتصف بالإيمان وطريقته. ثم لما ذكر المآل والمرجع، قدّم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب، كماجاء: سبقت رحمتي غضبي، فقدّم الظل على الحرور. ثم إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى، وشابهالأموات في عدم إدراك الحق فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلاْحْيَاء }: الذين آمنوا بما أنزل الله، {وَلاَ ٱلاْمْوَاتُ }: الذين تليتعليهم الآيات البينات، ولم ينتفعوا بها. وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن، فأخرهم لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافر. وأفردالأعمى والبصير، لأنه قابل الجنس بالجنس، إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي به بعض أفراد البصراء، كأعمى عندهمن الذكاء ما يساوي به البصير البليد. فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به، لا بين الأفراد. وجمعت الظلمات، لأن طرق الكفرمتعدّدة؛ وأفرد النور، لأن التوحيد والحق واحد، والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد فقال: الظلمات لاتجد فيها ما يساوي هذا النور. وأما الأحياء والأموات، فالتفاوت بينهما أكثر، إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حياً،فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات، سواء قابلت الجنس بالجنس، أم قابلت الفرد بالفرد. انتهى. من كلام أبي عبد اللهالرازي، وفيه بعض تلخيص. ثم سلى رسوله بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء }: أي إسماع هؤلاء منوط بمشيئتنا،وكنى بالإسماع عن الذي تكون عنه الإجابة للإيمان. ولما ذكر أنه {مَا * يَسْتَوِى ٱلاْحْيَاء وَلاَ ٱلاْمْوَاتُ }، قال: {وَمَاأَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ }: أي هؤلاء، من عدم إصغائهم إلى سمع الحق، بمنزلة من هم قد ماتوا فأقاموافي قبورهم. فكما أن من مات لا يمكن أن يقبل منك قول الحق، فكذلك هؤلاء، لأنهم أموات القلوب. وقرأ الأشهب،والحسن بمسمع من، على الإضافة؛ والجمهور: بالتنوين. {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ }: أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر. فإنكان المنذر ممن أراد الله هدايته سمع واهتدى، وإن كان ممن أراد الله ضلاله فما عليك، لأنه تعالى هو الذييهدي ويضل. و{بِٱلْحَقّ }: حال من الفاعل، أي محق. أو من المفعول، أي محقاً، أو صفة لمصدر محذوف، أي إرسالاًبالحق، أي مصحوباً. قال الزمخشري: أو صلة بشير ونذير، فنذير على بشير بالوعد الحق؛ ونذير بالوعيد. انتهى. ولا يمكن أنيتعلق بالحق هذا بشير ونذير معاً، بل ينبغي أن يتأول كلامه على أنه أراد أن ثم محذوفاً، والتقدير: بالوعد الحقبشيراً، وبالوعيد الحق نذيراً، فحذف المقابل لدلالة مقابله عليه. {وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ * مّن نَّذِيرٍ }، الأمة: الجماعةالكثيرة، والمعنى: أن الدعاء إلى الله لم ينقطع عن كل أمة. أما بمباشرة من أنبيائهم وما ينقل إلى وقت بعثةمحمد ، والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناه لم يباشرهم ولا آباؤهم القريبين،وأما أن النذارة انقطعت فلا. ولما شرعت آثار النذراة تندرس، بعث الله محمداً . وما ذكره أهلعلم الكلام من حال أهل الفترات، فإن ذلك على حسب العرض لأنه واقع، ولا توجد أمة على وجه الأرض إلاوقد علمت الدعوة إلى الله وعبارته. واكتفى بذكر نذير عن بشير، لأنها مشفوعة بها في قوله: {بَشِيراً وَنَذِيراً }، فدلذلك على أنه مراد، وحذف للدلالة عليه. {وَإِن يُكَذّبُوكَ }: مسلاة للرسول ، وتقدّم الكلام على نظيرهذه الجمل في أواخر آل عمران. قوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }، توعد لقريش بما جرى لمكذبي رسلهم. {أَلَمْ تَرَأَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ }. لماقرر تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها، أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال: {أَلَمْ تَرَ }، وهذا الاستفهام تقريري، ولا يكونإلا في الشيء الظاهر جداً. والخطاب للسامع، وتر من رؤية القلب، لأن إسناد إنزاله تعالى لا يستدل عليه إلا بالعقلالموافق للنقل، وإن كان إنزال المطر مشاهداً بالعين، لكن رؤية القلب قد تكون مسندة لرؤية البصر ولغيرها. وخرج من ضميرالغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله: {فَأَخْرَجْنَا }، لما في ذلك من الفخامة، إذ هو مسند للمعظم المتكلم. ولأن نعمةالإخراج أتم من نعمة الإنزال لفائدة الإخراج، فأسند الأتم إلى ذاته بضمير المتكلم، وما دونه بضمير الغائب. والظاهر أن الألوان،إن أريد بها ما يتبادر إليه الذهن من الحمرة والصفرة والخضرة والسواد وغير ذلك، والألوان بهذا المعنى أوسع وأكثر منالألوان بمعنى الأصباغ. وقرأ الجمهور: {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا }، على حد اختلف ألوانها. وقرأ زيد بن علي: مختلفة ألوانها، على حداختلفت ألوانها، وجمع التكسير يجوز فيه أن تلحق التاء، وأن لا تلحق. وقرأ الجمهور: {جُدَدٌ }، بضم الجيم وفتح الدال،جمع جدة. قال ابن بحر: قطع من قولك: جددت الشيء: قطعته. وقرأ الزهري: كقراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح: جمع جدة،وهي ما تخالف من الطريق في الجبال لون ما يليها. وعنه أيضاً، بضم الجيم والدال: جمع جديدة وجدد وجدائد، كمايقال في الاسم: سفينة وسفن وسفائن. قال أبو ذؤيب:

جون السراة أم جدائد أربع    

وعنه أيضاً: بفتح الجيم والدال، ولميجزه أبو حاتم في المعنى، ولا صححه أثراً. وقال غيره: هو الطريق الواضح المبين، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصلبعضها من بعض. وقال أبو عبيدة: يقال جدد في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية. وقال صاحباللوامح: جدد جمع جديد بمعنى: آثار جديدة واضحة الألوان. انتهى. وقال: مختلف ألوانها، لأن البياض والحمرة تتفاوت بالشدة والضعف، فأبيضلا يشبه أبيض، وأحمر لا يشبه أحمر، وإن اشتركا في القدر المشترك، لكنه مشكل. والظاهر عطف {وَغَرَابِيبُ } على {حُمُرٌ}، عطف ذي لون على ذي لون. وقال الزمخشري: معطوف على {بَيْضٌ } أو على {جُدَدٌ }، كأنه قيل: ومنالجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد. وقال بعد ذلك: ولا بد من تقدير حذف المضاف فيقوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ }، بمعنى: ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى تؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كماقال: {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا }. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلاْنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ * أَلْوَانُهَا } يعني: ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرأ ابنالسميفع: ألوانها. انتهى. والظاهر أنه لما ذكر الغرابيب، وهو الشديد السواد، لم يذكر فيه مختلف ألوانه، لأنه من حيثجعله شديد السواد، وهو المبالغ في غاية السواد، لم يكن له ألوان، بل هذا لون واحد، بخلاف البيض والحمر، فإنهامختلفة. والظاهر أن قوله: {بِيضٌ وَحُمْرٌ } ليسا مجموعين بجدة واحدة، بل المعنى: جدد بيض، وجدد حمر، وجدد غرابيب. ويقال:أسود حلكوك، وأسود غربيب، ومن حق الواضح الغاية في ذلك اللون أن يكون تابعاً. فقال ابن عطية: قدم الوصف الأبلغ،وكان حقه أن يتأخر، وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا. وقال الزمخشري: الغربيب تأكيدللاسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد، كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك؛ ووجهه أن يظهر المؤكد قبله،فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة:

والمؤمن العائذات الطير    

وإنما يفعل لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحدمن طريق الإظهار والإضمار جميعاً. انتهى. وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجيز حذف المؤكد. ومن النحاة من منعذلك، وهو اختيار ابن مالك. وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي سود غرابيب. وقيل: سود بدل من غرابيب، وهذا أحسن،ويحسنه كون غرابيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث: أن الله يبغض الشيخ الغربيب ، يعنيالذي يخضب بالسواد، وقال الشاعر:

العين طامحة واليد سابحة     والرجل لائحة والوجه غربيب

وقال آخر:

ومن تعاجيب خلق الله غالية     البعض منها ملاحيّ وغربيب

وقرأ الجمهور: {وَٱلدَّوَابّ }، مشدد الباء؛ والزهري:بتخفيفها، كراهية التضعيف، إذ فيه التقاء الساكنين. كما همز بعضهم

{ وَلاَ ٱلضَّالّينَ }

، فراراً من التقاء الساكنين، فحذف هنا آخرالمضعفين وحرك أول الساكنين. ومختلفة، صفة لمحذوف، أي خلق مختلف ألوانه كذلك، أي كاختلاف الثمرات والجبال؛ فهذا التشبيه من تمامالكلام قبله، والوقف عليه حسن. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب، كأنه قال: كماجاءت القدرة في هذا كله. {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء }: أي المخلصون لهذه العبر، الناظرون فيها. انتهى.وهذا الاحتمال لا يصح، لأن ما بعد إنما لا يمكن أن يتعلق بهذا المجرور قبلها، ولو خرج مخرج السبب، لكانالتركيب: كذلك يخشى الله من عباده، أي لذلك الاعتبار، والنظر في مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى. ولكن التركيب جاء بإنما،وهي تقطع هذا المجرور عما بعدها، والعلماء هم الذين علموه بصفاته وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيلعليه، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقلكان آمن، وقد وردت أحاديث وآثار في الخشية. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق، وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفتفيه. ومن ادعى أن إنما للحصر قال: المعنى ما يخشى الله إلا العلماء، فغيرهم لا يخشاه، وهو قول الزمخشري. وقالابن عطية: وإنما في هذه الآية تخصيص العلماء لا الحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضاً دونه، وإنما ذلك بحسبالمعنى الذي جاءت فيه. انتهى. وجاءت هذه الجملة بعد قوله: {أَلَمْ تَرَ }، إذ ظاهره خطاب للرسول، حيث عددآياته وأعلام قدرته وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته، فكأنه قال: إنمايخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته. وقرأ الجمهور: بنصب الجلالة ورفع العلماء. وروي عن عمر بن عبدالعزيز وأبي حنيفة عكس ذلك، وتؤولت هذه القراءة على أن الخشية استعارة للتعظيم، لأن من خشي وهابه أجل وعظم منخشيه وهاب، ولعل ذلك لا يصح عنهما. وقد رأينا كتباً في الشواذ، ولم يذكروا هذه القراءة، وإنما ذكرها الزمخشري، وذكرهاعن أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن جبارة في كتابه الكامل. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }: تعليل للخشية، إذ العزةتدل على عقوبة العصاة وقهرهم، والمغفرة على إنابة الطائعين والعفو عنهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ }: ظاهره يقرأون، {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ}: أي يداومون تلاوته. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، ويتبعون كتاب الله، فيعملون بما فيه؛وعن الكلبي: يأخذون بما فيه. وقال السدي: هم أصحاب الرسول ، ورضي عنهم وقال: «عطاءهم المؤمنون». ولماذكر تعالى وصفهم بالخشية، وهي عمل القلب، ذكر أنهم يتلون كتاب الله، وهو عمل اللسان. {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ }: وهو عملالجوارح، وينفقون: وهو العمل المالي. وإقامة الصلاة والإنفاق: يقصدون بذلك وجه الله، لا للرياء والسمعة. {تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ }: لنتكسد، ولا يتعذر الربح فيها، بل ينفق عند الله. {لِيُوَفّيَهُمْ }: متعلق بيرجون، أو بلن تبور، أو بمضمر تقديره: فعلواذلك، أقوال. وقال الزمخشري: وإن شئت فقلت: يرجون في موضع الحال على وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلو جميع ذلك لهذاالغرض. وخبر إن قوله: {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } لأعمالهم، والشكر مجاز عن الإثابة. انتهى. وأجورهم هي التي رتبها تعالى علىأعمالهم، وزيادته من فضله. قال أبو وائل: بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم. وقال الضحاك: بتفسيح القلوب، وفي الحديث: بتضعيف حسناتهم . وقيل:بالنظر إلى وجهه. والكتاب: هو القرآن، ومن: للتبين أو الجنس أو التبعيض، تخريجات للزمخشري. {وَمُصَدّقًا }: حال مؤكدة لما {بَيْنَيَدَيْهِ } من الكتب الإلهية: التوراة والانجيل والزبور وغيره، وفيه إشارة إلى كونه وحياً، لأنه عليه السلام لم يكن قارئاًكاتباً، وأتى ببيان ما في كتب الله، ولا يكون ذلك إلا من الله تعالى. {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ }:عالم بدقائق الأشياء وبواطنها، بصير بما ظهر منها، وحيث أهلك لوحيه، واختارك برسالته وكتابه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته.{ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ }، وثم قيل: بمعنى الواو، وقيل: للمهلة، إما في الزمان، وإما في الإخبار على ما يأتي بيانه.والكتاب فيه قولان، أحدهما: أن المعنى: أنزلنا الكتب الإلهية، والكتاب على هذا اسم جنس. والمصطفون، على ما يأتي بيانه أنالمعنى: الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وقال ابن عباس: هم هذه الأمة، أورثت أمة محمد ، كل كتابأنزله الله. وقال ابن جرير: أورثهم الإيمان، فالكتب تأمر باتباع القرآن، فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها، يدل عليه: {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَاإِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ }، ثم أتبعه بقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ }، فعلمنا أنهم أمة محمد صلى الله عليهوسلم، إذ كان معنى الميراث: انتقال شيء من قوم إلى قوم، ولم تكن أمة انتقل إليها كتاب من قوم كانواقبلهم غير أمته. فإذا قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، كان المعنى: أورثنا كل كتاب أنزل على نبي، ذلك النبي وأتباعه. والقولالثاني: أن الكتاب هو القرآن، والمصطفون أمة الرسول، ومعنى أورثنا، قال مجاهد: أعطينا، لأن الميراث عطاء. ثم قسم الوارثين إلىهذه الأقسام الثلاثة، قال مكي: فقيل هم المذكرون في الواقعة. فالسابق بالخيرات هو المقرب، والمقتصد أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه أصحابالمشأمة، وهو قول يروى معناه عن عكرمة والحسن وقتادة، قالوا: الضمير في منهم عائد على العباد. فالظالم لنفسه الكافر والمنافق،والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق، وقالوا: هو نظير ما في الواقعة. والأكثرون على أن هؤلاء الثلاثة هم فيأمة الرسول، ومن كان من أصحاب المشأمة مكذباً ضالاً لا يورث الكتاب ولا اصطفاه الله، وإنما الذي في الواقعة أصنافالخلق من الأولين والآخرين. قال عثمان ابن عفان: سابقنا أهل جهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جمعةولا جماعة. وقال معاذ: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة لم يتب منها، والمقتصد: من مات على صغيرة ولم يصبكبيرة لم يتب منها، والمقتصد: من مات على صغيرة ولم يصب كبيرة لم يتب منها، والسابق: من مات نائباً عنكبيرة أو صغيرة أو لم يصب ذلك. وقيل: الظالم لنفسه: العاصي المسرف، والمقتصد: متقي الكبائر، والسابق: المتقي على الإطلاق. وقالالحسن: الظالم: من خفت حسناته، والمقتصد: من استوت، والسابق: من رجحت. وقال الزمخشري: قسمهم إلى ظالم مجرم، وهو المرجىء لأمرالله، ومقتصد، وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ وسابق، من السابقين. انتهى. وذكر في التجريد ثلاثة وأربعين قولاً فيهؤلاء الأصناف الثلاثة. وقرأ أبو عمران الحوفي، وعمر ابن أبي شجاع، ويعقوب في رواية، والقرآءة عن أبي عمر و: سباق؛والجمهور. سابق، قيل: وقدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله. وقال الزمخشري: للإيذان بكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأنالمقتصد قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. انتهى. {بِإِذُنِ ٱللَّهِ }: بتيسيره وتمكنه، أي أن سبقه ليس من جهةذاته، بل ذلك منه تعالى. والظاهر أن الإشارة بذلك الى إيراث الكتاب واصطفاء هذه الأمة. {وَجَنَّـٰتٍ } على هذامبتدأ، و{يَدْخُلُونَهَا } الخبر. وجنات، قرأءة الجمهور جمعاً بالرفع، ويكون ذلك إخباراً بمقدار أولئك المصطفين. وقال الزمخشري، وابن عطية: {جَنَّـٰتُ} بدل من {ٱلْفَضْلِ }. قال الزمخشري: فإن قلت: فكيف جعلت {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدلاً من {ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } الذيهو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب، فأبدلتعنه جنات عدن. انتهى. ويدل على أنه مبتدأ قراءة الجحدري وهارون، عن عاصم. جنات، منصوباً على الاشتغال، أي يدخلون جناتعدن يدخلونها. وقرأ رزين، وحبيش، والزهري: جنة على الأفراد. وقرأ أبو عمرو: ويدخلونها مبنياً للمفعول، ورويت عن ابن كثير والجمهورمبنياً للفاعل. والظاهر أن الضمير المرفوع في يدخلونها عائداً على الأصناف الثلاثة، وهو يقول عبد الله بن مسعود، وعمر بنالخطاب، وعثمان بن عفان، وأبي الدرداء، وعقبة بن عامر، وأبي سعيد، وعائشة، ومحمد بن الحنيفة، وجعفر الصادق، وأبي إسحاق السبيعي،وكعب الأحبار. وقرأ عمر هذه الآية، ثم قال رسول الله : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له . ومن جعل ثلاثة الأصناف هي التي في الواقعة، لأن الضمير في يدخلونها عائد عنده على المقتصد والسابق. وقال الزمخشري:هو عائد على السابق فقط، ولذلك إشارة إلى السبق بعد التقسيم، فذكر ثوابهم. والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوبالحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظالم لنفسه حذراً، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغتر بما رواه عمر رضيالله عنه عن رسول الله : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له ، فإن شرط ذلك صحةالتوبة، عسى الله أن يتوب عليهم. وقوله: إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأهااطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخداع. انتهى، وهو على طريق المعتزلة. وقرأ الجمهور: {يُحَلَّوْنَ } بضم الياء وفتحالحاء وشد اللام، مبنياً للمفعول. وقرىء: بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام، من حليت المرأة فهي حال، إذا لبست الحلى.ويقال: جيد حال، إذا كان فيه الحلى، وتقدم في سورة الحج الكلام على {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاًوَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }. وقرأ الجمهور: {ٱلْحَزَنَ } بفتحتين؛ وقرىء: بضم الحاء وسكون الزاي، ذكره جناح بن حبيش،والحزن يعم جميع الأحزان، وقد خص المفسرون هنا وأكثروا، وينبغي أن يحمل ذلك على التمثيل لا على التعيين، فقال أبوالدرداء: حزن: أهوال يوم القيامة، وما يصيب هنالك من ظلم نفسه من الغم والحزن. وقال سمرة بن جندب: معيشة الدنياالخير ونحوه. وقال قتادة: حزن الدنيا في الحوفة أن لا يتقبل أعمالهم. وقال مقاتل: حزن الانتقال، يقولونها إذا استقروا فيها.وقال الكلبي: خوف الشيطان. وقال ابن زيد: حزن: تظالم الآخرة، والوقوف عن قبول الطاعات وردها، وطول المكث على الصراط. وقالالقاسم بن محمد: حزن: زوال الغم وتقلب القلب وخوف العاقبة، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه أنه يعمكل حزن من أحزان الدين والدنيا حتى هذا. {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ }، لغفور: فيه إشارة إلى دخول لأنها دارإقامة دائماً لا يرحل عنها. {مِن فَضْلِهِ }: من عطائه. {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ }: أي تعب بدن، {وَلاَيَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }: أي تعب، وهو لازم عن تعب البدن. وقال قتادة: اللغوب: الوضع. وقال الزمخشري: النصب: التعب والمشقةالتي تصيب المنتصب المزاول له، وأما اللغوب: فما يلحقه من الفتور بسبب النصب. فالنصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب نتيجته، ومايحدث منه من الكلال والفترة. انتهى. فإن قلت: إذا انتفى السبب انتفى مسببه، فما حكمه إذا نفي السبب وانتفى مسببه؟وأنت تقول: ما شبعت ولا أكلت، ولا يحسن ما أكلت ولا شبعت، لأنه يلزم من انتفاء الأكل انتفاء الشبع، ولاينعكس، فلو جاء على هذا الأسلوب لكان التركيب لا يمسنا فيها إعياء ولا مشقة؟ فالجواب: أنه تعالى بين مخالفة الجنةلدار الدنيا، فإن أماكنها على قسمين: موضع يمس فيه المشاق والمتاعب كالبراري والصحارى، وموضع يمس فيه الأعياء كالبيوت والمنازل التيفيها الصغار، فقال: {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ }، لأنها ليست مظان المتاعب لدار الدنيا؛ {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }: أيولا نخرج منها إلى موضع نصب ونرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء. وقرأ الجمهور: لغوب، بضم اللام، وعلي بن أبي طالبوالسلمي: بفتحها. قال الفراء: هو ما يلغب به، كالفطور والسحور، وجاز أن يكون صفة للمصدر المحذوف، كأنه لغوب، كقولهم: موتمائت. وقال صاحب اللوامح: يجوز أن يكون مصدراً كالقبول، وإن شئت جعلته صفة لمضمر، أي أمر لغوب، واللغوب أيضاً فيغير هذا للأحمق. قال أعرابي أن فلاناً لغوب جاءت كتابي فاحتقرها، أي أحمق، فقيل له: لم أنثته؟ فقال: أليس صحيفة؟{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ}. لما ذكر حال المؤمنين ومقرهم، ذكر حال الكافرين، وهذا يدل على أن أولئك الثلاثة هم في الجنة، {وَٱلَّذِينَكَفَرُواْ } هم مقابلوهم، {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ }: أي لا يجهز عليهم فيموتوا، لأنهم إذا ماتوا بطلت حواسهم فاستراحوا. وقرأالجمهور: {فَيَمُوتُواْ }، بحذف النون منصوباً في جواب النفي، وهو على أحد معنيـي النصب؛ فالمعنى انتفى القضاء عليهم، فانتفى مسببه،أي لا يقضى عليهم ولا يموتون، كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، أي ما يكون حديث، انتفى الإتيان، فانتفى الحديث. ولا يصحأن يكون على المعنى الثاني من معنى النصب، لأن المعنى: ما تأتينا محدثاً، إنما تأتي ولا تحدث، وليس المعنى هنا:لا يقضى عليهم ميتين، إنما يقضى عليهم ولا يموتون. وقرأ عيسى، والحسن: فيموتون، بالنون، وجهها أن تكون معطوفة على لايقضى. وقال ابن عطية: وهي قراءة ضعيفة. انتهى. وقال أبو عثمان المازين: هو عطف، أي فلا يموتون، لقوله:

{ وَلاَ * يُؤْذُونَ * لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }

، أي فلا يعتذرون ولا يخفف عنهم نوع عذابهم. والنوع في نفسه يدخله أن يحيوا ويسعدوا.قال ابن عطية: وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ولا يخفف بإسكان الفاء شبه المنفصل بالمتصل، كقوله:

فاليوم أشرب غير مستحقب    

وقرأ الجمهور: {نَجْزِى كُلَّ }، مبنياً للفاعل، ونصب كل؛ وأبو عمرو، وأبو حاتم عن نافع: بالياء مبنياً للمفعول، كلبالرفع. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ }: بني من الصرخ يفتعل، وأبدلت من التاء طاء، وأصله يصرخون، والصراخ: شدة الصياح، قال الشاعر:

صرخت حبلى أسلمتها قبيلها    

واستعمل في الاستغاثة لجهة المستغيث صوته، قال الشاعر:

وطول اصطراخ المرء في بعد قعرها     وجهد شقي طال في النار ما عوى

{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا }: أي قائلين ربنا أخرجنا منها، أي من النار، وردنا إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَـٰلِحاً} قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله، {غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ }، أي من الشرك، ونمتثل أمر الرسل،فنؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية. وقال الزمخشري: هل اكتفى بصالحاً، كما اكتفى به في

{ ٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً }

؟ ومافائدة زيادة {غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي علموه؟ قالت: فائدتهزيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به، وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي،ولأنهم كانوا يحسنون صنعاً فقالوا: أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله. انتهى. روي أنهم يجابون بعد مقدارالدنيا: {أَوَ لَمْ * نُعَمّرْكُمْ }، وهو استفهام توبيخ وتوقيف وتقرير، وما مصدرية ظرفية، أي مدة يذكر. وقرأ الجمهور: {مَّايَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ }. وقرأ الأعمش: ما يذكر فيه، من اذكر، بالادغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدرج.وهذه المدة، قال الحسن: البلوغ، يريد أنه أول حال التذكر، وقيل: سبع عشرة سنة. وقال قتادة: ثمان عشرة سنة. وقالعمر بن عبد العزيز: عشرون. وقال ابن عباس: أربعون؛ وقيل: خمسون. وقال علي: ستون، وروي ذلك عن ابن عباس. {وَجَاءكُمُ} معطوف على {أَوَ لَمْ * نُعَمّرْكُمْ }، لأن معناه: قد عمرناكم، كقوله:

{ أَلَمْ نُرَبّكَ * بِكَ *فِينَا وَلِيداً }

،وقوله:

{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }

، ثم قال:

{ وَلَبِثْتَ فِينَا }

وقال

{ وَوَضَعْنَا }

، لأن المعنى قدر بيناك وشرحنا. والنذيرجنس، وهم الأنبياء، كل نبي نذير أمته. وقرىء: النذر جمعاً، وقيل: النذير: الشيب، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسفيان، ووكيع، والحسنبن الفضل، والفراء، والطبري. وقيل: موت الأهل والأقارب؛ وقيل: كمال السفل. فذوقوا}: أي عذاب جهنم. وقرأ جناح بن حبيش:عالم منوناً، غيب نصباً؛ والجمهور: على الإضافة. ومجيء هذه الجملة عقيب ما قبلها هو أنه تعالى ذكر أن الكافرين يعذبوندائماً مدة كفرهم. كانت مدة يسيرة منقطعة، فأخبر أنه تعالى {*}: أي عذاب جهنم. وقرأ جناح بن حبيش: عالم منوناً،غيب نصباً؛ والجمهور: على الإضافة. ومجيء هذه الجملة عقيب ما قبلها هو أنه تعالى ذكر أن الكافرين يعذبون دائماً مدةكفرهم. كانت مدة يسيرة منقطعة، فأخبر أنه تعالى {عَـٰلِمُ غَيْبِ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، فلا يخفى عليه ما تنطوي عليهالصدور من المضمرات. وكان يعلم من الكافر أنه تمكن الكفر في قلبه، بحيث لو دام إلى الأبد ما آمن باللهولا عبده. وخلائف: جمع خليفة، وخلفاء: جمع خليف ويقال للمستخلف: خليفة وخليف، وفي هذا تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدلمن كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من مكذبي الرسل وما حل بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر،ولم يتعظوا بمن تقدم. {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ }: أي عقاب كفره، والظاهر أنه خطاب عام؛ وقيل: لأهل مكة. والمقت: أشد الاحتقاروالبغض والغضب، والخسار: خسار العمر. كان العمر رأس مال، فإن انقضى في غير طاعة الله، فقد خسره واستعاض به بدلالربح بما يفعل من الطاعات سخط الله وغضبه، بحيث صاروا إلى النار. {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ }، قال الحوفي: ألفالاستفهام ذلك للتقرير، وفي التحرير: أرأريتم: المراد منه أخبروني، لأن الاستفهام يستدعي ذلك. يقول القائل: أرأيت ماذا فعل زيد؟ فيقولالسامع: باع واشترى، ولولا تضمنه معنى أخبروني لكان الجواب نعم أو لا. وقال ابن عطية: أرأيتم ينزل عند سيبويه منزلةأخبروني. وقال الزمخشري: أروني بدل من أرأيتم لأن معنى أرأيتم أخبروني، كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعن ما استحقوابه الإلهية والشركة، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله، أم لهم مع الله شركة في خلقالسموات؟ أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه؟ فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب، أو يكون الضميرفي {ءاتَيْنَـٰهُمُ } للمشركين لقوله:

{ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً }

{ أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ }

. {بَلْ إِن يَعِدُٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم }: وهم الرؤساء، {بَعْضًا }: وهم الأتباع، {إِلاَّ غُرُوراً } وهو قولهم:

{ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }

. انتهى.أما قوله {أَرُونِىَ } بدل من {أَرَءيْتُمْ } فلا يصح، لأنه إذا أبدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد مندخول الأداة على البدل، وأيضاً فإبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم، ثم البدل على نية تكرار العامل، ولايتأتى ذلك هنا، لأنه لا عامل في أرأيتم فيتخيل دخوله على أروني. وقد تكلمنا في الأنعام على أرأيتم كلاماً شافياً.والذي أذهب إليه أن أرأيتم بمعنى أخبرني، وهي تطلب مفعولين: أحدهما منصوب، والآخر مشتمل على استفهام. تقول العرب: أرأيت زيداًما صنع؟ فالأول هنا هو {شُرَكَاءكُمُ }، والثاني {مَاذَا خَلَقُواْ }، وأروني جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد. ويحتمل أنيكون ذلك أيضاً من باب الإعمال، لأنه توارد على ماذا حلقوا، أرأيتم وأروني، لأن أروني قد تعلق على مفعولها فيقولهم: أما ترى، أي ترى هاهنا، ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين. وقيل: يحتمل أن يكون أرأيتم استفهاماًحقيقياً، وأروني أمر تعجيز للتبيين، أي أعملتم هذه التي تدعونها كما هي وعلى ما هي عليه من العجز، أو تتوهمونفيها قدرة؟ فإن كنتم تعلمونها عاجزة، فكيف تعبدونها؟ أو توهمتم لها قدرة، فأروني قدرتها في أي شيء هي، أهي فيالأرض؟ كما قال بعضهم: إن الله إله في السماء، وهؤلاء آلهة في الأرض. قالوا: وفيها من الكواكب والأصنام صورها، أمفي السموات؟ كما قال بعضهم: إن السماء خلقت باستعانة الملائكة، فالملائكة شركاء في خلقها، وهذه الأصنام صورها، أم قدرتها فيالشفاعة لكم؟ كما قال بعضهم: إن الملائكة ما خلقوا شيئاً، ولكنهم مقربون عند الله، فنعبدهم لتشفع لنا، فهل معهم منالله كتاب فيه إذنه لهم بالشفاعة؟ انتهى. وأضاف الشركاء إليهم من حيث هم جعلوهم شركاء الله، أي ليس للأصنام شركةبوجه إلا بقولهم وجعلهم، قيل: ويحتمل شركاءكم في النار لقوله:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }

. والظاهرأن الضمير في {ءاتَيْنَـٰهُمُ } عائد على الشركاء، لتناسب الضمائر، أي هل مع ما جعل شركاء لله كتاب من اللهفيه إن له شفاعة عنده؟ فإنه لا يشفع إلا بإذنه. وقيل: عائد على المشركين، ويكون التفاتاً خرج من ضمير الخطابإلى ضمير الغيبة إعراضاً عنهم وتنزيلاً لهم منزلة الغائب الذي لا يحصل للخطاب، ومعناه: أن عبادة هؤلاء أما بالعقل، ولاعقل لمن يعبد ما لا يخلق من الأرض جزءاً من الأجزاء ولا له شرك في السماء؛ وأما بالنقل، ولم نؤتالمشركين كتاباً فيه أمر بعبادة هؤلاء، فهذه عبادة لا عقلية ولا نقلية. انتهى. وقرأ ابن وثاب، والأعمش، وحمزة، وأبو عمرو،وابن كثير، وحفص، وأبان عن عاصم: {عَلَىٰ بَيّنَةٍ }، بالإفراد؛ وباقي السبعة: بالجمع. ولما بين تعالى فساد أمر الأصنامووقف الحجة على بطلانها، عقبة بذكر عظمته وقدرته ليتبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله فقال: {إِنَّ ٱللَّهَيُمْسِكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *أَن تَزُولاَ }: والظاهر أن معناه أن تنتقلا عن أماكنهما وتسقط السموات عن علوها. وقيل: معناهأن تزولا عن الدوران. انتهى. ولا يصح أن الأرض لا تدور. ويظهر من قول ابن مسعود: أن السماء لا تدور،وإنما تجري فيها الكواكب. وقال: كفى بها زوالاً أن تدور، ولو دارت لكانت قد زالت. وأن تزولا في موضع المفعولله، وقدر لئلا تزولا، وكراهة أن تزولا. وقال الزجاج: يمسك: يمنع من أن تزولا، فيكون مفعولاً ثانياً على إسقاط حرفالجر، ويجوز أن يكون بدلاً، أي يمنع زوال السموات والأرض، بدل اشتمال. {وَلَئِن زَالَتَا }: إن تدخل غالباً على الممكن،فإن قدرنا دخولها على الممكن، فيكون ذلك باعتبار يوم القيامة عند طي السماء ونسف الجبال، فإن ذلك ممكن، ثم واقعبالخبر الصادق، أي ولئن جاء وقت زوالهما. ويجوز أن يكون ذلك على سبيل الفرض، أي ولئن فرضنا زوالهما، فيكون مثللو في المعنى. وقد قرأ ابن أبي عبلة: ولو زالتا، وإن نافية، وأمسكهما في معنى المضارع جواب للقسم المقدّر قبللام التوطئة في لئن، وإنما هو في معنى المضارع لدخول إن الشرطية، كقوله:

{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلّ ءايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ }

. أي ما يتبعون، وكقوله:

{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً }

: أي ليظلوا، فيقدّر هذا كله مضارعاًلأجل إن الشرطية، وجواب إن في هذه المواضع محذوف لدلالة جواب القسم عليه. قال الزمخشري: و {ءانٍ } جواب القسمفي {تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا }، سدّ مسدّ الجوابين. انتهى، يعني أنه دل على الجواب المحذوف، وإن أخذ كلامه علىظاهره لم يصح، لأنه لو سدّ مسدّهما لكان له موضع من الإعراب باعتبار جواب الشرط، ولا موضع له من الإعرابباعتبار جواب القسم. والشيء الواحد لا يكون معمولاً غير معمول. ومن في {مّنْ أَحَدٍ } لتأكيد الاستغراق، ومن في {مِنبَعْدِهِ } لابتداء الغاية، أي من بعد ترك إمساكه. وسأل ابن عباس رجلاً أقبل من الشام: من لقيت؟ قال كعباً،قال: وما سمعته يقول؟ قال: إن السموات على منكب ملك، قال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد؟ ثم قرأ هذهالآية. وقال ابن مسعود لجندب البجلي، وكان رجل: أي كعب الأحبار في كلام آخره ما تمكنت اليهودية في قلب وكادتأن تفارقه. وقالت طائفة: اتصافه بالحلم والغفران في هذه الآية إنما هو إشارة إلى أن السماء كادت تزول، والأرض كذلك،لإشراك الكفرة، فيمسكها حكماً منه عن المشركين وتبرصاً ليغفر لمن آمن منهم، كما قال في آخر آية أخرى:

{ تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ }

. وقال الزمخشري: {حَلِيمًا غَفُورًا }، غير معاجل بالعقوبة، حيث يمسكها، وكانتا جديرتين بأن تهدهد العظمكلمة الشرك، كما قال

{ تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ }

. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّأَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلاْمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً }. الضمير في {وَأَقْسَمُواْ } لقريش. ولما بينإنكارهم للتوحيد، بين تكذيبهم للرسل. قيل: وكانوا يعلنون اليهود والنصارى حيث كذبوا رسلهم، وقالوا: {لَئِنْ ءاتَـٰنَا * رَّسُولٍ * لَّيَكُونُنَّأَهْدَىٰ } من إحدى الأمم. فلما بعث رسول الله ، كذبوه. {لَئِن جَاءهُمْ }: حكاية لمعنى كلامهملا للفظهم، إذ لو كان اللفظ، لكان التركيب لئن جاءنا نذير من إحدى الأمم، أي من واحدة مهتدية من الأمم،أو من الأمة التي يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها، كما قالوا: هو أحد الأحدين، وهو أحد الأحد،يريدون التفضيل في الدهاء والعقل بحيث لا نظير له، وقال الشاعر:

حتى استشاروا في أحد الأحد     شاهد يرادا سلاح معد

{فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ }، وهو محمد ، قاله ابن عباس، وهو الظاهر. وقال مقاتل: هو انشقاق القمر.{مَّا زَادَهُمْ }: أي ما زادهم هو أو مجيئه. {إِلاَّ نُفُورًا }: بعداً من الحق وهرباً منه. وإسناد الزيادة إليهمجاز، لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم نفوراً، كقوله:

{ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }

، وصاروا أضل مما كانوا. وجوابلما: {مَّا زَادَهُمْ }، وفيه دليل واضح على حرفية لما لا ظرفيتها، إذ لو كانت ظرفاً، لم يجز أن يتقدّمعلى عاملها المنفي بما، وقد ذكرنا ذلك في قوله:

{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ }

، وفي قوله:

{ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ }

. والظاهر أن {ٱسْتِكْبَاراً } مفعول من أجله، أيسبب النفور وهو الاستكبار،{وَمَكْرَ } معطوف على {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً }، فهو مفعول من أجله أيضاً، أي الحامل لهم على الابتعاد من الحق هوالاستكبار؛ {*والمكر السيء}، وهو الخداع الذي ترومونه برسول الله ، والكيد له. وقال قتادة: المكر السيء هوالشرك. وقيل: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً } بدل من {نُفُورًا }، وقاله الأخفش. وقيل: حال، يعني مستكبرين وماكرين برسول الله صلىالله عليه وسلم والمؤمنين، ومكر السيء من إضافة الموصوف إلى صفته، ولذلك جاء على الأصل: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ }. وقيل:يجوز أن يكون {وَمَكْرَ } معطوفاً على {إِلاَّ نُفُورًا }. وقرأ الجمهور: ومكر السيء، بكسر الهمزة؛ والأعمش، وحمزة: بإسكانها، فإماإجراء للوصل مجرى الوقف، وإما إسكاناً لتوالي الحركات وإجراء للمنفصل مجرى المتصل، كقوله: لنا ابلان. وزعم الزجاج أن هذه القراءةلحن. قال أبو جعفر: وإنما صار لحناً لأنه حذف الإعراب منه. وزعم محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز فيكلام ولا شعر، لأن حركات الإعراب دخلت للفرق بين المعاني، وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش يقرأ بهذا، وقال:إنما كان يقف على من أدّى عنه، والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلامأعربه، والحركة في الثاني أثقل منها في الأوّل لأنها ضمة بين كسرتين. وقال الزجاج أيضاً: قراءة حمزة ومكر السيء موقوفاًعند الحذاق بياءين لحن لا يجوز، وإنما يجوز في الشعر للاضطرار. وأكثر أبو علي في الحجة من الاستشهاد، والاحتجاج للإسكانمن أجل توالي الحركات والاضطرار، والوصل بنية الوقف، قال: فإذا ساغ ما ذكرناه في هذه القراءة من التأويل، لم يسغأن يقال لحن. وقال ابن القشيري: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أنه قرىء به فلا بد من جوازه، ولا يجوزأن يقال لحن. وقال الزمخشري: لعله اختلس فظن سكوناً، أو وقف وقفة خفيفة، ثم ابتدأ {وَلاَ يَحِيقُ }. وروي عنابن كثير: ومكر السيء، بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة، وهو مقلوب السيء المخفف من السيء، كما قال الشاعر:

ولا يجزون من حسن بسي     ولا يجزون من غلظ بلين

وقرأ ابن مسعود: ومكراً سيئاً، عطف نكرة على نكرة؛ {وَلاَيَحِيقُ }: أي يحيط ويحل، ولا يستعمل إلا في المكروه. وقرىء: يحيق بالضم، أي بضم الياء؛ المكر السيء: بالنصب، ولايحيق الله إلا بأهله، أما في الدنيا فعاقبة ذلك على أهله. وقال أبو عبد الله الرازي: فإن قلت: كثيراً نرىالماكر يفيده مكره ويغلب خصمه بالمكر، والآية تدل على عدم ذلك. فالجواب من وجوه: أحدها: أن المكر في الآية هوالمكر بالرسول من العزم على القتل والإخراج، ولا يحيق إلا بهم حيث قتلوا ببدر. وثانيها: أنه عامّ، وهو الأصح، فإنهعليه السلام نهى عن المكر وقال: لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً، فإنه تعالى يقول: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }، فعلى هذا يكون ذلك الممكور به أهلاً فلا يزد نقصاً . وثالثها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذفيه المكر عاجلاً في الظاهر، ففي الحقيقة هو الفائز، والماكر هو الهالك. انتهى. وقال كعب لابن عباس في التوراة«من حفر حفرة لأخيه وقع فيها»، فقال له ابن عباس: إنا وجدنا هذا في كتاب الله، {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىءإِلاَّ بِأَهْلِهِ }. انتهى. وفي أمثال العرب «من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً». و {قُل لِلَّذِينَ }: إنزالالعذاب على الذين كفروا برسلهم من الأمم، وجعل استقبالهم لذلك انتظاراً له منهم. وسنة الأولين أضاف فيه المصدر. وفي {لِسُنَّةِٱللَّهِ } إضافة إلى الفاعل، فأضيفت أولاً إليهم لأنها سنة بهم، وثانياً إليه لأنه هو الذي سنها. وبين تعالى الانتقاممن مكذبي الرسل عادة لا يبدلها بغيرها ولا يحولها إلى غير أهلها، وإن كان ذلك كائن لا محالة. واستشهد عليهممما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم، في رحلتهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم وديارهم، كديار ثمودونحوها، وتقدّم الكلام على نظير هذه الجملة في سورة الروم. وهناك

{ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً }

: استئناف إخبار عن ماكانوا عليه، وهنا: {وَكَانُواْ }: أي وقد كانوا، فالجملة حال، فهما مقصدان. {وَمَا كَانُواْ * ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ }: أي ليفوتهويسبقه، {مِن شَىْء }: أي شيء، و {مِنْ } لاستغراق الأشياء {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً }: فبعلمه يعلم جميع الأشياء،فلا يغيب عن علمه شيء، وبقدرته لا يتعذر عليه شيء. ثم ذكر تعالى حلمه تعالى على عباده في تعجيلالعقوبة فقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ }: أي من الشرك وتكذيب الرسل، وهو المعنى في الآية التي فيالنحل، وهو قوله: {بِظُلْمِهِمْ }، وتقدّم الكلام على نظير هذه الآية في النحل، وهناك {عَلَيْهَا }، وهنا على {ظَهْرِهَا }،والضمير عائد على الأرض، إلا أن هناك يدل عليه سياق الكلام، وهنا يمكن أن يعود على ملفوظ به، وهو قوله:{فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ * وَلاَ فِى ٱلاْرْضِ }. ولما كانت حاملة لمن عليها، استعير لها الظهر، كالدابة الحاملة للأثقال، ولأنه أيضاًهو الظاهر بخلاف باطنها. فإنه {كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً }: توعد للمكذبين، أي فيجازيهم بأعمالهم.