افتح القائمة الرئيسية

كتاب حاشية ابن القيم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد قول الحافظ زكي الدين وقال الترمذي حديث غريب وقال الترمذي سألت محمدا عن هذا الحديث فقال حديث صحيح وقد أعل ابن حزم حديث حابر بأنه عن أبان بن صالح وهو مجهول ولا يحتج برواية مجهول قال ابن مفوز أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي مولى لهم المكي روى عنه ابن جريج وابن عجلان وابن إسحاق وعبيد الله بن أبي جعفر استشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان

والنسائي وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي الذي روى عنه أبو الوليد وأبو داود الطيالسي وحسين الجعفي وغيرهم وجد أبي عبدالرحمن مشكدانه شيخ مسلم وكان حافظا وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن والمخرج منه معرض تم كلامه

وهو لو صح حكاية فعل لا عموم لها ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختيارا فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع فإن قيل فهب أن هذا الحديث معلول فما يقولون في حديث عراك عن عائشة ذكر عند

رسول الله ﷺ أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله ﷺ أو قد فعلوها استقبلوا بمقعدتي القبلة

فالجواب أن هذا الحديث لا يصح وإنما هو مرقوف على عائشة حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري وقال بعض الحفاظ هذا حديث لا يصح وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة المعانون عليها وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به الضابط لحديثه جعفر بن ربيعة الفقيه فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة أنها كانت تنكر ذلك فبين أن الحديث لعراك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم قال سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي ﷺ هذا الحديث فقال مرسل فقلت له

عراك بن مالك قال سمعت عائشة فأنكره وقال عراك بن مالك من أين سمع عائشة ما له ولعائشة إنما يرويه عن عروة هذا خطأ قال لي من روى هذا قلت حماد بن سلمة عن خالد الحذاء قال رواه غير واحد عن خالد الحذاء وليس فيه سمعت وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت

فإن قيل قد روى مسلم في صحيحه حديثا عن عراك عن عائشة قيل الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك وبينوا أنه لم يسمع منها وقال في آخره باب التكشف عند الحاجة بعد قول الحافظ زكي الدين والذي قاله الترمذي هو المشهور وقال حنبل ذكرت لأبي عبد الله يعني أحمد حديث الأعمش عن أنس فقال لم يسمع الأعمش من أنس ولكن رآه زعموا أن غياثا حدث الأعمش بهذا عن أنس ذكره الخلال في العلل وقال الخلال أيضا حدثنا مهنا قال سألت أحمد لم كرهت مراسيل الأعمش قال كان لا يبالي عمن حدث قلت كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرقاشي وإسماعيل بن مسلم قال نعم كان يحدث عن غياث بن إبراهيم عن

أنس أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد سألته عن غياث بن إبراهيم فقال كان كذوبا وقال في آخر باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء بعد قول الحافظ زكي الدين وإنما يكون غريبا كما قال الترمذي والله تعالى أعلم قلت هذا الحديث رواه همام وهو ثقة عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال الدارقطني في كتاب العلل رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ وخالفهم عمرو ابن عاصم فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه كان إذا دخل الخلاء موقوفا ولم يتابع عليه ورواه يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس عن ابن جريج عن الزهري عن أنس نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام ورواه عبد الله بن الحرث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ذهب فاضطرب الناس الخواتيم فرمى به النبي ﷺ وقال لا ألبسه أبدا وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج انتهى كلام الدارقطني وحديث يحيى بن المتوكل الذي أشار إليه رواه البيهقي من حديث يحيى بن المتوكل عن ابن جريج به ثم قال هذا شاهد ضعيف وإنما ضعفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد واهي الحديث وقال ابن معين ليس بشيء وضعفه الجماعة كلهم وأما حديث يحيى بن الضريس فيحيى هذا ثقة فينظر الإسناد إليه وهمام وإن

كان ثقة صدوقا احتج به الشيخان في الصحيح فإن يحيى بن سعيد كان لا يحدث عنه ولا يرضى حفظه قال أحمد ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في حجاج يعني ابن أرطاة وابن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم وقال يزيد ين زريع وسئل عن همام كتابه صالح وحفظه لا يساوي شيئا وقال عفان كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه وكان يخالف فلا يرجع إلى كتاب وكان يكره ذلك قال ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال يا عفان كنا نخطىء كثيرا فنستغفر الله تعالى ولا ريب أنه ثقة صدوق ولكنه قد خولف في هذا الحديث فلعله مما حدث به من حفظه فغلط فيه كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وكذلك ذكر البيهقي أن المشهور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ أتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه وعلى هذا فالحديث شاذ أو منكر كما قال أبو داود وغريب كما قال الترمذي فإن قيل فغاية ما ذكر في تعليله تفرد همام به وجواب هذا من وجهين أحدهما أن هماما لم ينفرد به كما تقدم الثاني أن هماما ثقة وتفرد الثقة لا يوجب نكارة الحديث فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته وتفرد مالك بحديث دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر فهذا غايته أن يكون غريبا كما قال الترمذي وأما أن يكون منكرا أو شاذا فلا قيل التفرد نوعان تفرد لم يخالف فيه من تفرد به كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين وأشباه ذلك وتفرد خولف فيه المتفرد كتفرد همام بهذا المتن على هذا الإسناد فإن الناس خالفوه فيه وقالوا إن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق الحديث فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وتفرد همام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله وأما متابعة يحيى بن المتوكل فضعيفة وحديث ابن الضريس ينظر في حاله ومن أخرجه فإن قيل هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة كلها قد رويت عنه في قصة الخاتم فروى شعيب بن أبي حمزة وعبدالرحمن بن خلاد بن مسافر عن الزهري كرواية زياد بن سعد هذه أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس كان خاتم النبي ﷺ من ورق فصه حبشي ورواه سليمان بن بلال وطلحة بن يحيى ويحيى بن نصر بن حاجب عن يونس عن

الزهري وقالوا إن النبي ﷺ لبس خاتما من فضة في يمينه فيه حبشي جعله في باطن كفه ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا ورواه همام عن ابن جريج عن الزهري كما ذكره الترمذي وصححه وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري فالظاهر أنه حدث بها في أوقات فما الموجب لتغليط همام وحده قيل هذه الروايات كلها تدل على غلط همام فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها فلو لم يكن مخالفا لرواية من ذكر فما وجه غرابته ولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغربه لهذه العلة وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه فلا يكون بينهما اختلاف بل هو صحيح السند لكنه معلول والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم في باب فرض الوضوء قوله مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام الحكم الأول أن مفتاح الصلاة الطهور والمفتاح ما يفتح به الشيىء المغلق فيكون فاتحا له ومنه مفتاح الجنة لا إله إلا الله وقوله مفتاح الصلاة الطهور يفيد الحصر وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين أحدهما حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين فإن الخبر لا بد وأن يكون مساويا للمبتدأ أو أعم منه ولا يجوز أن يكون أخص منه فإذا كان المبتدأ معرفا بما يقتضي عمومه كاللام وكل ونحوهما ثم أخبر عنه بخبر اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخبارا عن جميع أفراد المبتدأ فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبر حاصل له وإذا عرف هذا لزم الحصر وأنه لا فرد من أفراد ما يفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور فهذا أحد الطريقين والثاني أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة والإضافة تعم فكأنه قيل جميع مفتاح الصلاة هو الطهور وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتح به لم يكن لها مفتاح غيره ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن أنه على الحصر أي مجموع أجلهن الذي لا أجل لهن سواه وضع الحمل وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم مقررة له بخلاف قوله والمطلقات يتربصن فإنه فعل لا عموم له بل

هو مطلق وإذا عرف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور وهذا أدل على الاشتراط من قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ من وجهين أحدهما أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه وقد يكون لمقارنة محرم يمنع من القبول كالإباق وتصديق العراف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه الثاني أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها وأنه مصدود عنها كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح وأما عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها بخلاف من لم يفتحها أصلا بمفتاحها فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها وهذا واضح فإن قيل فهل في الحديث حجة لمن قال إن عادم الطهورين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما لأن صلاته غير مفتتحة بمفتاحها فلا تقبل منه قيل قد استدل به من يرى ذلك ولا حجة فيه ولا بد من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث وهي أن ما أوجبه الله تعالى ورسوله أو جعله شرطا للعبادة أو ركنا فيها أو وقف صحتها عليه هو مقيد بحال القدرة لأنها الحال التي يؤمر فيها به وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور فلا تتوقف صحة العبادة عليه وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة وسقوط ذلك بالعجز وكإشتراط ستر العورة واستقبال القبلة عند القدرة ويسقط بالعجز وقد قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ولو تعذر عليها صلت بدونه وصحت صلاتها وكذلك قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فإنه لو تعذر عليه الوضوء صلى بدونه وكانت صلاته مقبولة وكذلك قوله لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود فإنه لو كسر صلبه وتعذر عليه إقامته أجزأته صلاته ونظائره كثيرة فيكون الطهور مفتاح الصلاة هو من هذا

لكن هنا نظر آخر وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره فإنه يسقط وجوبه فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه في هذه الحال وهذا حرف المسألة وهلا قلتم إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة لما كان الطهور غير مقدور للمرأة فلما صار مقدورا لها شرعت لها الصلاة وترتبت في ذمتها فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعا والعاجز عنه حسا فإن كلا منهما غير متمكن من الطهور قيل هذا سؤال يحتاج إلى جواب وجوابه أن يقال زمن الحيض جعله الشارع منافيا لشرعية العبادات من الصلاة والصوم والاعتكاف فليس وقتا لعبادة الحائض فلا يترتب عليها فيه شيء وأما العاجز فالوقت في حقه قابل لترتب العبادة المقدورة في ذمته فالوقت في حقه غير مناف لشرعية العبادة بحسب قدرته بخلاف الحائض فالعاجز ملحق بالمريض المعذور الذي يؤمر بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف فافترقا ونكتة الفرق أن زمن الحيض ليس بزمن تكليف بالنسبة إلى الصلاة بخلاف العاجز فإنه مكلف بحسب الاستطاعة وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي بعث أناسا لطلب قلادة أضاعتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم فلم ينكر النبي عليهم ولم يأمرهم بالإعادة وحالة عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق فإنهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم حينئذ فهكذا من صلى بغير تيمم لعدم ما يتيمم به فأي فرق بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ويعيد لأنه فعل ما أمر به فلم يجب عليه الإعادة كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك فهذا موجب النص والقياس فإن قيل القيام له بدل وهو القعود فقام بدله مقامه كالتراب عند عدم الماء والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل قيل هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للاعادة ولكنه منتقض بالعاجز عن السترة فإنه يصلي من غير اعتبار بدل وكذلك العاجز عن الاستقبال وكذلك العاجز عن القراءة والذكر وأيضا فالعجز عن البدل في الشرع كالعجز عن المبدل منه سواء هذه قاعدة الشريعة وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة فكذلك عجزه عن البدل وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله

وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجه بديع وذلك لأنه جعل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تفتتح ويدخل فيها إلا به وما كان مفتاحا للشىء كان قد وضع لأجله وأعد له فدل على أن كونه مفتاحا للصلاة هو جهة كونه طهورا فإنه إنما شرع للصلاة وجعل مفتاحا لها ومن المعلوم أن ما شرع للشيء ووضع لأجله لا بد أن يكون الآتي به قاصدا ما جعل مفتاحا له ومدخلا إليه هذا هو المعروف حسا كما هو ثابت شرعا ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهر لم يأت بما هو مفتاح الصلاة فلا تفتح له الصلاة وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال لا إله إلا الله وهو غير قاصد لقولها فإنها لا تكون مفتاحا للجنة منه لأنه لم يقصدها وهكذا هذا لما لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة ونظير ذلك الإحرام هو مفتاح عبادة الحج ولا يحصل له إلا بالنية فلو اتفق تجرده لحر أو غيره ولم يخطر بباله الإحرام لم يكن محرما بالاتفاق فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهرا وهذا بحمد الله بين فصل الحكم الثاني قوله وتحريمها التكبير وفي هذا من حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدم في حصر مفتاح الصلاة في الطهور من الوجهين وهو دليل بين أنه لا تحريم لها إلا التكبير وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديما وحديثا وقال أبو حنيفة ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث ثم اختلفوا فقال أحمد ومالك وأكثر السلف يتعين لفظ الله أكبر وحدها وقال الشافعي يتعين أحد اللفظين الله أكبر والله الأكبر وقال أبو يوسف يتعين التكبير وما تصرف منه نحو الله الكبير ونحوه وحجته أنه يسمى تكبيرا حقيقة فيدخل في قوله تحريمها التكبير وحجة الشافعي أن المعرف في معنى المنكر فاللام لم تخرجه عن موضوعه بل هي زيادة في اللفظ غير مخلة بالمعنى بخلاف الله الكبير وكبرت الله ونحوه فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظه الله أكبر والصحيح قول الأكثرين وأنه يتعين الله أكبر لخمس حجج إحداها قوله تحريمها التكبير واللام هنا للعهد فهي كاللام في قوله مفتاح الصلاة الطهور وليس المراد به كل طهور بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله وشرعه لأمته وكان فعله له تعليما وبيانا لمراد الله من كلامه وهكذا التكبير هنا هو التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلا ضروريا خلفا عن سلف عن نبيها أنه كان يقوله في كل صلاة لا يقول غيره ولا مرة واحدة فهذا هو المراد بلا شك في قوله تحريمها التكبير وهذا حجة على من جوز الله أكبر والله أكبر فإنه وإن سمي تكبيرا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث

الحجة الثانية أن النبي قال للمسيء في صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتكبير وهذا أمر مطلق يتقيد بفعله الذي لم يخل به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه الحجة الثالثة ما روى أبو داود من حديث رفاعة أن النبي قال لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر الحجة الرابعة أنه لو كانت الصلاة تنعقد بغير هذا اللفظ لتركه النبي ولو في عمره مرة واحدة لبيان الجواز فحيث لم ينقل أحد عنه قط أنه عدل عنه حتى فارق الدنيا دل على أن الصلاة لا تنعقد بغيره الحجة الخامسة أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مقامها وأن يقول المؤذن كبرت الله أو الله الكبير أو الله أعظم ونحوه بل تعين لفظة الله أكبر في الصلاة أعظم من تعينها في الأذان لأن كل مسلم لا بد له منها وأما الأذان فقد يكون في المصر مؤذن واحد أو اثنان والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها أنهما ليسا بمترادفين فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى وبيانه أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرف فإذا قيل الله الأكبر كان معناه من كل شيء وأما إذا قيل الله أكبر فإنه يتقيد معناه ويتخصص ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين كما إذا قيل من أفضل أزيد أم عمرو فيقول زيد الأفضل هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع من وأما بدون من فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعمم وهذا لا يتأتى مع اللام وهذا المعنى مطلوب من القائل الله أكبر بدليل ما روى الترمذي من حديث عدي بن حاتم الطويل أن النبي قال له ما يضرك أيضرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله وهذا مطابق لقوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة وهذا يقتضي جوابا لا شيء أكبر شهادة من الله فالله أكبر شهادة من كل شيء كما أن قوله لعدي هل تعلم شيئا أكبر من الله يقتضي جوابا لا شيء أكبر من الله فالله أكبر من كل شيء وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره سر عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم فإن العبد إذا وقف بين يدي الله تعالى وقد علم أن لا شيء

أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه سره استحي من الله ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات وبالله المستعان فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا لما اشتغل عنه وصرف كلية قلبه إلى غيره كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه لم يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه صارف فصل الحكم الثالث قوله تحليلها التسليم والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله والكلام في التسليم على قسمين أحدهما أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم وهذا قول جمهور العلماء وقال أبو حنيفة لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه واستدل له بحديث ابن مسعود الذي رواه أحمد وأبو داود في تعليمه التشهد وبأن النبي لم يعلمه المسيء في صلاته ولو كان فرضا لعلمه إياه وبأنه ليس من الصلاة فإنه ينافيها ويخرج به منها ولهذا لو أتى به في أثنائها لأبطلها وإذا لم يكن منها علم أنه شرع منافيا لها والمنافي لا يتعين هذا غاية ما يحتج له به والجمهور أجابوا عن هذه الحجج أما حديث ابن مسعود فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ الصحيح أن قوله إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك من كلام ابن مسعود فصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود رضي الله عنه على حذفه وأما كون النبي لم يعلمه المسيء في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة ولا تدل لأن المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة فلعله لم يسيء في السلام بل هذا هو الظاهر فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام وأيضا فلو قدر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم استصحاب براءة الذمة من الوجوب فكف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب وأيضا فأنتم لم توجبوا في الصلاة كل ما أمر به المسيء فكيف تحتجون بترك أمره على عدم الوجوب ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب فإنه قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ولم توجبوا التكبير وقال ثم اركع حتى تطمئن راكعا وقلتم لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئا

وأما قولكم إنه ليس من الصلاة فإنه ينافيها ويخرج منها به فجوابه أن السلام من تمامها وهو نهايتها ونهاية الشيء منه ليس خارجا عن حقيقته ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء بخلاف مفتاحها فإن إضافته إضافة مغاير بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلل منها إلا به وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها فلأنه قطع لها قبل إتمامها وإتيان بنهايتها قبل فراغها فلذلك أبطلها فالتسليم آخرها وخاتمها كما في حديث أبي حميد يختم صلاته بالتسليم فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبيرة الإحرام إلى أولها فقول الله أكبر أول أجزائها وقول السلام عليكم آخر أجزائها ثم لو سلم أنه ليس جزءا منها فإنه تحليل لها لا يخرج منها إلا به وذلك لا ينفي وجوبه كتحللات الحج فكونه تحليلا لا يمنع الإيجاب فإن قيل ولا يقتضي قيل إذا ثبت انحصار التحليل في السلام تعين الإتيان به وقد تقدم بيان الحصر من وجهين فصل وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور فيدخل في هذا الوتر بركعة خلافا لبعضهم واحتج بقوله صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وجوابه أن كثيرا من الحفاظ طعن في هذه الزيادة ورأوها غير محفوظة وأيضا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم فيجب أن يكون مفتاحه الطهور وأيضا فالمغرب وتر لا مثنى والطهارة شرط فيها وأيضا فالنبي سمي الوتر صلاة بقوله فإذا خفت الصبح فصل ركعة توتر لك ما قد صليت وأيضا فإجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على أطلاق اسم الصلاة على الوتر فهذا القول في غاية الفساد ويدخل في الحديث أيضا صلاة الجنازة لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذا قول أصحاب رسول الله لا يعرف عنهم فيه خلاف وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة خلافا لبعض التابعين

وقد ثبت عن النبي تسميتها صلاة وكذلك عن الصحابة وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة وقول النبي مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها طردا وعكسا فكل ما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم فلا بد من افتتاحه بالطهارة فإن قيل فما تقولون في الطواف بالبيت فإنه يفتتح بالطهارة ولا تحريم فيه ولا تحليل قيل شرط النقض أن يكون ثابتا بنص أو إجماع وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين أحدهما أنها شرط كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد والثاني ليست بشرط نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره بل نصه في رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة فإنه قال أحب إلي أن يتوضأ وهذا مذهب أبي حنيفة قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وهذا قول أكثر السلف قال وهو الصحيح فإنه لم ينقل أحد عن النبي أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمره ولا في حجته مع كثرة من حج معه واعتمر ويمتنع أن يكون ذلك واجبا ولا يبنيه للأمة وتأخير البيان عن وقته ممتنع فإن قيل فقد طاف النبي متوضئا وقال خذوا عني مناسككم قيل الفعل لا يدل على الوجوب والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل فإذا كان قد فعل فعلا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه ولا تأسينا به مع أنه فعل في حجته أشياء كثيرة جدا لم يوجبها أحد من الفقهاء فإن قيل فما تقولون في حديث ابن عباس الطواف بالبيت صلاة قيل هذا قد اختلف في رفعه ووقفه فقال النسائي والدارقطني وغيرهما الصواب أنه موقوف وعلى تقدير رفعه فالمراد شبيه بالصلاة كما شبه انتظار الصلاة بالصلاة وكما قال أبو الدرداء ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق ومنه قوله إن أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى الصلاة فالطواف وإن سمي صلاة فهو صلاة بالاسم العام ليس بصلاة خاصة والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصة ذات التحريم والتحليل فإن قيل فما تقولون في سجود التلاوة والشكر قيل فيه قولان مشهوران أحدهما يشترط له الطهارة وهذا هو المشهور عند الفقهاء ولا يعرف

كثير منهم فيه خلافا وربما ظنه بعضهم إجماعا والثاني لا يشترط له الطهارة وهذا قول كثير من السلف حكاه عنهم ابن بطال في شرح البخاري وهو قول عبد الله بن عمر ذكره البخاري عنه في صحيحه فقال وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء وترجمه البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه فإنه قال باب من قال يسجد على غير وضوء هذا لفظه واحتج الموجبون للوضوء له بأنها صلاة قالوا فإنه له تحريم وتحليل كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي وفيه وجه أنه يتشهد له وهذا حقيقة الصلاة والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلم له وقال عطاء وابن سيرين إذا رفع رأسه يسلم وبه قال إسحاق بن راهويه واحتج لهم بقوله تحريمها التكبير وتحليلها التسليم قالوا ولأنه يفعل تبعا للامام ويعتبر أن يكون القارىء يصلح إماما للمستمع وهذا حقيقة الصلاة قال الآخرون ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وأما استدلالكم بقوله تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فهو من أقوى ما يحتج به عليكم فإن أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحد قط نقل عن النبي ولا عن أحد من أصحابه أنه سلم منه وقد أنكر أحمد السلام منه قال الخطابي وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا ويذكر نحوه عن إبراهيم النخعي وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلم فيه والذي يدل على ذلك أن الذين قالوا يسلم منه إنما احتجوا بقول النبي وتحليلها التسليم وبذلك احتج لهم إسحاق وهذا استدلال ضعيف فإن النبي وأصحابه فعلوها ولم ينقل عنهم سلام منها ولهذا أنكره أحمد وغيره وتجويز كونه سلم منه ولم ينقل كتجويز كونه سلم من الطواف قالوا والسجود هو من جنس ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء ولهذا شرع في الصلاة وخارجها فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة فكذا لا يشترط للسجود وكونه جزءا من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل إلا بوضوء واحتج البخاري بحديث ابن عباس أن النبي سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ومعلوم أن الكافر لا وضوء له قالوا وأيضا فالمسلمون الذين سجدوا معه لم ينقل أن النبي أمرهم بالطهارة ولا سألهم

هل كنتم متطهرين أم لا ولو كانت الطهارة شرطا فيه للزم أحد الأمرين إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة وإما أن يسألهم بعد السجود ليبين لهم الاشتراط ولم ينقل مسلم واحدا منهما فإن قيل فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك وهذا جواب بعض الموجبين قيل الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث ولم يصل قط إلا بطهارة أناه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة وفي حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن إلا بعد تطهره فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء قالوا وأيضا فيبعد جدا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء قالوا وأيضا ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله يقرأ القرآن فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته قالوا وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلها ومن البعيد جدا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكانا لجبهته ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضىء وغيره قالوا وأيضا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السحرة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها ولم يكونوا متطهرين قطعا ومنازعونا يقولون مثل هذا السجود حرام فكيف يمدحهم ويثني عليهم بما لا يجوز فإن قيل شرع من قبلنا ليس بشرع لنا قيل قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا وذلك منصوص عنهم أنفسهم في غير موضع قالوا سلمنا لكن ما لم يرد شرعنا بخلافه قال المجوزون فأين ورد في شرعنا خلافه قالوا وأيضا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة ويفعل بلا وضوء فالسجود أولى قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى أثنى على كل من سجد عند التلاوة فقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا وهذا يدل على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فضل سواء كانوا بوضوء أو بغيره لأنه أثنى عليهم بمجرد السجود عقب التلاوة ولم يشترط وضوءا وكذلك قوله تعالى إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا

قالوا وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم المنتظرة وقد تظاهرت السنة عن النبي بفعله في مواضع متعددة وكذلك أصحابه مع ورود الخبر السار عليهم بغتة وكانوا يسجدون عقبه ولم يؤمروا بوضوء ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة فلو تركها لفاتت مصلحتها قالوا ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك وتكون الطهارة شرطا فيه ولا يسنها ولا يأمر بها رسول الله أصحابه ولا روي عنه في ذلك حرف واحد وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين أحدهما أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع إذ لا قراءة فيه ولا ركوع لا فرضا ولا سنة ثابتة بالتسليم ويجوز أن يكون القارىء خلف الإمام فيه ولا مصافة فيه وليس إلحاق محل النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق الثاني أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحا إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي ثم تقع الحادثة فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده من الحوادث أو شملها نصه وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء فيمتنع التقييد به فإن قيل فقد روى البيهقي من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر مع أن في بعض الروايات وكان ابن عمر يسجد على وضوء وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث قيل أما أثر الليث فضعيف وأما رواية من روى كان يسجد على وضوء فغلط لأن تبويب البخاري واستدلاله قوله والمشرك ليس له وضوء يدل على أن الرواية بلفظ غير وعليها أكثر الرواة ولعل الناسخ استشكل ذلك فظن أن لفظه غير غلط فأسقطها ولاسيما إن كان قد اغتر بالأثر الضعيف المروي عن الليث وهذا هو الظاهر فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جدا وأما زيادة غير في مثل هذا الموضع فلا يظن زيادتها غلطا ثم تتفق عليها النسخ المختلفة أو أكثرها

قال الشيخ شمس الدين بن القيم في باب ما ينجس الماء ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم وصححه الطحاوي رواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبي أسامة عن الوليد ورواه الحميدي عن أبي أسامة حدثنا الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله عن أبيه فهذان وجهان قال الدارقطني في هاتين الروايتين فلما اختلف على أبي أسامة اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد روى عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا وكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رواه جماعة عن ابن إسحاق وكذلك رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه وفيه تقوية لحديث ابن إسحاق فهذه أربعة أوجه

ووجه خامس محمد بن كثير المصيصي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي ووجه سادس معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قوله قال البيهقي وهو الصواب يعني حديث مجاهد ووجه سابع بالشك في قلتين أو ثلاث ذكرها يزيد بن هارون وكامل بن طلحة وإبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقراة ماء 1 فيه جلد بعير ميت فتوضأ منه فقلت أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت فحدثني عن أبيه عن النبي قال إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء ورواه أبو بكر النيسابوري حدثني أبو حميد المصيصي حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني لوط عن ابن إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال إذا كان الماء قلتين فصاعدا لم ينجسه شيء ورواه أبو بكر بن عياش عن أبان بن أبي يحيى عن ابن عباس كذلك موقوفا وروى أبو أحمد بن عدي من حديث القاسم العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث تفرد به القاسم العمري هكذا وهو ضعيف وقد نسب إلى الغلط فيه وقد ضعف القاسم أحمد والبخاري ويحيى بن معين وغيرهم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا علي الحافظ يقول حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي إذا بلغ الماء أربعين قلة خطأ والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله

قلت كذلك رواه عبدالرزاق أخبرنا الثوري ومعمر عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان عن عبدالرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل خبثا وخالفه غير واحد فرووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا ومنهم من قال دلوا قاله الدارقطني والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات الأول صحة سنده الثاني ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح فيه الثالث ثبوت رفعه وأن وقف من وقفه ليس بعلة الرابع أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه الخامس أن القلتين مقدرتان بقلال هجر السادس أن قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار السابع أن القلة مقدرة بقريتين حجازيتين وأن قرب الحجاز لا تتفاوت الثامن أن المفهوم حجة التاسع أنه مقدم على العموم العاشر أنه مقدم على القياس الجلي الحادي عشر أن المفهوم عام في سائر صور السكوت عنه الثاني عشر أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد الثالث عشر الجواب عن المعارض ومن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر وهو أنه يجعل الشيء نصفا احتياطا ومقام خامس عشر أن ما وجب به الاحتياط صار فرضا قال المحددون الجواب عما ذكرتم أما صحة سنده فقد وجدت لأن رواته ثقات ليس فيهم مجروح ولامتهم وقد سمع بعضهم من بعض ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي وغيرهم وأما وصله فالذين وصلوه ثقاة وهم أكثر من الذين أرسلوه فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح وأما رفعه فكذلك وإنما وقفه مجاهد على ابن عمر

فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفا لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعا فإن قلنا الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة فلا كلام وإن قلنا هي اختلاف وتعارض فعبد الله أولى في أبيه من مجاهد لملازمته له وعلمه بحديثه ومتابعة أخيه عبد الله له وأما قولكم إنه مضطرب فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر كما قال الدارقطني قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعا عن أبيهما فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة وأما تقدير القلتين بقلال هجر فقد قال الشافعي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل حبثا وقال في الحديث بقلال هجر وقال ابن جريج أخبرني محمد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن رسول الله قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا قال فقلت ليحيى بن عقيل قلال هجر قال قلال هجر قال فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين قال ابن عدي محمد هذا هو محمد بن يحيى يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل قالوا وإن رسول الله ذكرها لهم في حديث المعراج وقال في سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر فدل على أنها معلومة عندهم وقد قال يحيى بن آدم ووكيع وابن إسحاق القلة الجرة وكذلك قال مجاهد القلتان الجرتان وأما كونها متساوية المقدار فقد قال الخطابي في معالمه قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان وهو حجة في اللغة وأما تقديرها بقرب الحجاز فقد قال ابن جريج رأيت القلة تسع قربتين وابن جريج حجازي إنما أخبر عن قرب الحجاز لا العراق ولا الشام ولا غيرهما وأما كونها لا تتفاوت فقال الخطابي القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوة على مثال واحد يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف قال والحد لا يقع بالمجهول وأما كون المفهوم حجة فله طريقان أحدهما التخصيص والثاني التعليل أما التخصيص فهو أن يقال تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق وأما التعليل فيختص التعليل بمفهوم الصفة وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف

المناسب يدل على أنه علة له فينتفي الحكم بانتفائها فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوى لأن المشروط عدم عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطا له وأما تقديمه على العموم فلأن دلالته خاصة فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل وأما تقديمه على القياس الجلي فواضح لأن القياس عموم معنوي فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق الأولى ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم وأما كون المفهوم عاما فلأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم ولا إثبات حكم المنطوق لها لأبطال فائدة التخصيص فتعين بقيد عن جميعها وأما قولكم إن العدد خرج مخرج التحديد فلأنه عدد صدر من الشارع فكان تحديدا وتقييدا كالخمسة الأوسق والأربعين من الغنم والخمس من الإبل والثلاثين من البقر وغير ذلك إذ لا بد للعدد من فائدة ولا فائدة له إلا التحديد وأما الجواب عن بعض المعارض فليس معكم إلا عموم لفظي أو عموم معنوي وهو القياس وقد بينا تقديم المفهوم عليهما وأما جعل الشيء نصفا فلأنه قد شك فيه فجعلناه نصفا احتياطيا والظاهر أنه لا يكون أكثر منه ويحتمل النصف فما دون فتقديره بالنصف أولى وأما كون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضا فلأن هذا حقيقة الاحتياط كإمساك جزء من الليل مع النهار وغسل جزء من الرأس مع الوجه فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندا ومتنا ووجه الاحتجاج به قال المانعون من التحديد بالقلتين أما قولكم إنه قد صح سنده فلا يفيد الحكم بصحته لأن صحه السند شرط أو جزء سبب للعلم بالصحة لا موجب تام فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة ولم ينتفيا عن هذا الحديث أما الشذوذ فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام والطاهر والنجس وهو في المياه كالأوسق في الزكاة والنصب في الزكاة فكيف لا يكون مشهورا شائعا بين

الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غسله ونقل عدد الراكعات ونظائر ذلك ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم ومن البعيد جدا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها ويديرونها بينهم ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا فلو كانت هذه للسنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقول الناس بها وأرواهم لها فأي شذوذ أبلغ من هذا وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه عنده سنة من النبي فهذا وجه شذوذه وأما عليه فمن ثلاثة أوجه أحدها وقف مجاهد له على ابن عمر واختلف فيه عليه واختلف فيه على عبيد الله أيضا رفعا ووقفا ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس بن تيمية وقفه ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد وجعله هو الصواب قال شيخنا أبو العباس وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه قلت ويدل على وقفه أيضا أن مجاهدا وهو العلم المشهور الثبت إنما رواه عنه موقوفا واختلف فيه على عبيد الله وقفا ورفعا العلة الثانية اضطراب سنده كما تقدم العلة الثالثة اضطراب منه فإن في بعض ألفاظه إذا كان الماء قلتين وفي بعضها إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم قالوا وأما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبدالبر وغيره ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة قالوا وأما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح عن رسول الله فيه شيء أصلا وأما ما ذكره الشافعي فمنقطع وليس قوله بقلال هجر فيه من كلام النبي ولا أضافة الراوي إليه وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم والحد الفاصل بين الحلال والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله

قالوا وأما ذكرها في حديث المعراج فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي نبق السدرة بها وما الرابط بين الحكمين وأي ملازمة بينهما لكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل حمل المطلق على المقيد والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم وهم لها أعظم ملابسة من غيرها فالإطلاق إنما ينصرف إليها كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد بلد دون غيره هذا هو الظاهر وإنما مثل النبي بقلال هجر لأنه هو الواقع في نفس الأمر كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعي الجوزة دون النخل وغيره من أشجارهم لأنه هو الواقع لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنه هو الواقع لا لكونها أعرف القلال عندهم هذا بحمد الله واضح وأما قولكم إنها متساوية المقدار فهذا إنما قاله الخطابي بناه على أن ذكرهما تحديد والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية وهذا دور باطل وهو لم ينقله عن أهل اللغة وهو الثقة في نقله ولا أخبر به عيان ثم إن الواقع بخلافه فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب ولا تعمل بقالب واحد ولهذا قال أكثر السلف القلة الجرة وقال عاصم بن المنذر أحد رواة الحديث القلال الخوابي العظام وأما تقديرها بقرب الحجاز فلا ننازعكم فيه ولكن الواقع أنه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال هجر تأخذ قربتين من قرب الحجاز وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد ليس فيها صغار وكبار ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال التحديد لا يقع بالمجهول فيا سبحان الله إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندا إلى صاحب الشرع فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج فكان ماذا وأما تقرير كون المفهوم حجة فلا تنفعكم مساعدتنا عليه إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل وأما تقديمكم له على العموم فممنوع وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء وفيها قولان معروفان ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم وعموم المنطوق فالخصوص يقتضي التقديم والمنطوق يقتضي الترجيح فإن رجحتم المفهوم بخصوصه رجح منازعوكم العموم بمنطوقه ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه أحدها أن حديثه أصح الثاني أنه موافق للقياس الصحيح

الثالث أنه موافق لعمل أهل المدينة قديما وحديثا فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفا عن سلف فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس وترك أخذ الزكاة من الخضروات وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال فإنهم وغيرهم فيه سواء وربما يرجح غيرهم عليهم ويرجحوا هم على غيرهم فتأمل هذا الموضع فإن قيل ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب والأمر بغسل اليد من نوم الليل فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها بل لا بد من تقديره فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما لأن التقدير بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نزحه وما لا يمكن تقديرات باطلة لا أصل لها وهي غير منضبطة في نفسها فرب حركة تحرك غديرا عظيما من الماء وأخرى تحرك مقدارا يسيرا منه بحسب المحرك والمتحرك وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض لا بسنة ولا قياس وكذا التقدير بالنزح الممكن مع عدم انضباطه فإن عشرة آلاف مثلا يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم فلا ضابط له وإذا بطلت هذه التقديرات ولا بد من تقدير فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته إما عن النبي وإما عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قيل هذا السؤال مبني على مقامات أحدهما أن النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنحاسة الماء المنهي عنه والثاني أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء بل يختص ببعض المياه دون بعض والثالث أنه إذا تعين التقدير كان تقديره بالقلتين هو المتعين فأما المقام الأول فنقول ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول والولوغ وغمس اليد فيه أما النهي عن البول فيه فليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه فإن الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قلالا عظيمة فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعدا وحاشى للرسول الله أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين ويكون قد جوز للناس البول في كل ماء بلغ القلتين أو زاد عليهما وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ومراده من هذا اللفظ العام أربعمائة رطل بالعراقي أو خمسمائة مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر وكل هذا خلاف

مدلول الحديث وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه وإن كان مجرد البول لا ينجسها سدا للذريعة فإنه إذا مكن الناس من البول في هذه المياه وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها وإفساد طرقاتهم بذلك فالتعليم بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده وحكمته بنهيه ومراعاته مصالح العباد وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم وعلف دوابهم فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر ويدل عليها تصرف الشرع في موارده ومصادره ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي أو بما يتحرك أو لا يتحرك أو بعشرين ذراعا مكسرة أو بما لا يمكن نزحه فأقوال كل منها بكل معارض وكل بكل مناقض لا يشم منها رائحة الحكمة ولا يشام منها بوارق المصلحة ولا تعطل بها المفسدة المخوفة فإن الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال ومما يدل على هذا أن النبي ذكر في النهي وصفا يدل على أنه هو المعتبر في النهي وهو كون الماء دائما لا يجري ولم يقتصر على قوله الدائم حتى نبه على العلة بقوله لا يجري فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها ومعلوم أن هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري وقالوا إن كانت الجرية قلتين فصاعدا لم يتأثر بالنجاسة وإن كانت دون القلتين تأثرت وألغوا كون الماء جاريا أو واقفا وهو الوصف الذي اعتبره الشارع واعتبروا في الجاري والواقف القلتين والشارع لم يعتبره بل اعتبر الوقوف والجريان فإن قيل فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنه دائم لا يجري قيل ذكره الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أن حكمة النهي إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم وأن النهي إنما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال فأما الأنهار العظام والبحار فلم يدل نهي النبي عليها بوجه بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل والفرات فجواز البول في البحار أولى وأحرى ولو قدر أن هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقلتين أو ما لا يمكن نزحه أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه

لأن المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة في البول فيه وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل وبوله في ظل الشجرتين واستتاره بجذم الحائط فإنه نهى عن التخلي في الظل النافع وتخلى مستترا بالشجرتين والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما فلم يفسد ذلك الظل على أحد وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه قد يحتاج إليه فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم ودع الظاهرية البحتة فإنهما تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها وما أودعته من الحكم والمصالح والعدل والرحمة وهذه الطريق التي جاءتك عفوا تنظر إليها نظر متكىء على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي لا يسلكها في العالم إلا الفرد بعد الفرد ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة والاحتمالات المتعددة والتقديرات المستبعدة فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية وخدمه بها وجعله أصلا محكما يرد إليه متشابهها فما وافقه منها قبله وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل فما أتعبه من شقي وما أقل فائدته ومما يفسد قول المحددين بقلتين أن النبي نهي عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول هكذا لفظ الصحيحين لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه وهذا خلاف صريح للحديث فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم وإن جوزتموه خالفتم الحديث فإن جوزتم البول والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعا ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغير جوزتم له الغسل فيه لأنا لم نعلل النهي بالتنجيس وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس كما تقدم فلا يرد علينا هذا وأما إذا كان الماء كثيرا فبال في ناحية ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول فلا يدخل في الحديث لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدا وهو فاسد وأيضا فالنبي نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له قلت ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول فيقع في الوسواس كما في الحديث فإن عامة الوسواس منه حتى لو كان المكان مبلطا لا يستقر فيه البول بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء ونظير هذا منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله لما يفضي إليه من التلوث بالبول ولم يرد النبي بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة

تتناول ما لم ينه عنه والذي يدل على ذلك أنه قيل له في بئر بضاعة أنتوضأ منها وهي بئر يطرح فيها الحيض 1 ولحوم الكلاب وعذر الناس فقال الماء طهور لا ينجسه شيء فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة مع كونه واقفا فإن بئر بضاعة كانت واقفة ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جاز أصلا فلا يجوز تحريم ما أباحه وفعله قياسا على ما نهى عنه ويعارض أحدهما بالآخر بل يستعمل هذا وهذا هذا في موضعه وهذا في موضعه ولا تضرب سنة رسول الله بعضها ببعض فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه له دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره فاستعملنا السنن على وجوهها وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين لأن النبي لم يعلل بذلك ولا أشار إليه ولا دل كلامه عليه بوجه وإنما علل بطهورية الماء وهذه علة مطردة في كل ماء قل أو كثر ولا يرد المتغير لأن طهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها فلا يدخل في الحديث على أنه محل وفاق فلا يناقض به وأيضا فلو أراد النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت لأتي بلفظ يدل عليه ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار ولا تنجيس فلا يحمل ما لا يحتمله ثم إن كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه وأصحاب القلتين خصوه بمقدار القلتين وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره ولم يخصه ولم يقيده بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازها وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث لأنه إن عمم النهي في كل ماء بطل استدلاله بالحديث وإن خصه بقدر خالف ظاهرة وقال ما لا دليل عليه ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير وأما من قدره بالحركة فيدل على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافا لا ينضبط والبول قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسي وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات فيا لله العجب حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول

النجاسة وسريانها مع شدة اختلافها ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حدا فاصلا بين الحلال والحرام والذين قدروه بالنزح أيضا قولهم باطل فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه وأما حديث ولوغ الكلب فقالوا لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصصه فخالف ظاهره فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلا فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة فهو حجة عليه في العدد والتراب فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر وهو أنه إذا كان الماء رقيقا جدا وهو منبسط انبساطا لا تبلغه الحركة أن يكون طاهرا ولا يؤثر الولوغ فيه وإذا كان عميقا جدا وهو متضايق بحيث تبلغ الحركة طرفيه أن يكون نجسا ولو كان أضعاف أضعاف الأول وهذا تناقض بين لا محيد عنه قالوا وإن احتج به من يقول بالقلتين فإنه يخصصه بما دون القلتين ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار ومعلوم أنه ليس في اللفظ ما يشعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث وإذا كان لا بد لهم من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها وهو ولوغ متتابع في آنية صغار يتحلل من الكلب في كل مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء ولا يخالف لونه لونه فيظهر فيه التغير فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تر فأمر بإراقته وغسل الإناء فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود وإن كان مخالفة للظاهر فلا ريب أنه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة فيكون أولى على التقديرين قالوا وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من نومه فالاستدلال به أضعف من هذا كله فإنه ليس في الحديث ما يدل على نجاسة الماء وجمهور الأمة على طهارته والقول بنجاسته من أشذ الشاذ وكذا القول بصيرورته مستعملا ضعيف أيضا وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد واختيار القاضي وأتباعه واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء وقد بينا أن النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول فكيف يغمس اليد فيه بعد القيام من النوم وقد اختلف في النهي عنه فقيل تعبدي ويرد هذا القول أنه معلل في الحديث بقوله فإنه لا يدري أين باتت يده

وقيل معلل باحتمال النجاسة كثرة في يديه أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار وهو ضعيف أيضا لأن النهي عام للمستنجي والمستجمر والصحيح وصاحب البثرات فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمر وصاحب البثور وهذا لم يقله أحد وقيل وهو الصحيح إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم فإنه قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه متفق عليه وقال هنا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده فعلل بعدم الدراية لمحل المبيت وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم فإن اليد إذا باتت ملابسة للشيطان لم يدر صاحبها أين باتت وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سر يعرفه من عرف أحكام الأرواح واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسبا وتصرفا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية فصاحبها كثير التصرف والعمل بها ولهذا سميت جارحة لأنه يجترح بها أي يكسب وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء وهي كما ترى وضوحا وبيانا وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما والله أعلم وقد تبين بهذا جواب المقامين الثاني والثالث فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر فنقول وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين ويقولون القياس الجلي مقدم عليه وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة الاتفاق فلأن يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما فتقديم القياس ههنا متعين لقوته ولتأيده بالعمومات ولسلامته من التناقض الملازم لمن قدم المفهوم كما سنذكره ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين فالمصير إليه أولى ولو كان وحده فكيف بما معه من الأدلة وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ قالوا وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها فدعوى لا دليل عليها فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين التخصيص والتعليل كما نقدم ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة لأنها دعوى مجردة ولا لفظ معنا يدل عليها وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت لجواز أن يكون فيه تفصيل فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها ويجوز أن يكون

ثابتا لجميعها بشرط ليس في المنطوق فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقا وثبوته للمفهوم بشرط فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق المثبوت فمن أين جاء العموم للمفهوم وهو من عوارض الألفاظ وعلى هذا عامة المفهومات فقوله تعالى لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له وكذا قوله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقا وكذا قوله والذين يبتغون الكتاب ونظائره أكثر من أن تحصى وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضا فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقا لجواز ثبوته بوصف آخر وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه ومفهومه لا عموم له فبطل الاحتجاج به منطوقا ومفهوما وأما قولكم إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد كنصب الزكوات فهذا باطل من وجوه أحدها أنه لو كان هذا مقدارا فاصلا بين الحلال والحرام والطاهر والنجس لوجب على النبي بيانه بيانا عاما متتابعا تعرفه الأمة كما بين نصب الزكوات وعدد الجلد في الحدود ومقدار ما يستحقه الوارث فإن هذا أمر يعم الإبتلاء به كل الأمة فكيف لا يبنيه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا ويكون ذلك حدا عاما للأمة كلها لا يسع أحدا جهله ولا تتناقله الأمة ولا يكون شائعا بينهم بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة ولا يعرفه أهل بلدته ولا أحد منهم يذهب إليه الثاني أن الله سبحانه وتعالى قال وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال وقد فصل لكم ما حرم عليكم فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون لا يدل على شيء فلم يحصل لهم بيان ولا فصل الحلال من الحرام والآخرون يقولون لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه فكيف يكون هذا حدا فاصلا فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في السكوت عنه فصل ولا حد الثالث أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرا كقوله ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه إذ هو الحامل لهم على قتلهم لا لاختصاص الحكم به ونظيره لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ونظائره كثيرة وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر العلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك ولا يمكن الجزم

بدفع هذا الاحتمال نعم لو أن النبي قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال الرابع أن حاجة الأمة حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية فكيف يحالون في ذلك على مالا سبيل لأكثرهم إلى معرفته فإن الناس لا يكتالون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق فإن قيل يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان قيل ليس هذا شأن الحدود الشرعية فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية الخامس أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين فمن قائل ألف رطل بالعراقي ومن قائل ستمائة رطل ومن قائل خمسمائة ومن قائل أربعمائة وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدا فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك فما الظن بسائر الأمة ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها السادس أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدا منها أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه ومنها أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلا مثلا أن ينجس الماء ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول وطهارة الثاني وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلا فتنجسها إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها وأما جعلكم الشيء نصفا ففي غاية الضعف فإنه شك من ابن جريج فياسبحان الله يكون شكله حدا لازما للأمه فاصلا بين الحلال والحرام والنبي قد بين لأمته الدين وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها فيمتنع أن يقدر لأمته حدا لا سبيل لهم إلى معرفة إلا شك حادث بعد عصر الصحابة يجعل نصفا احتياطيا وهذا بين لمن أنصف والشك الجاري الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين فكيف يجعل شكهم حدا فاصلا فارقا بين الحلال والحرام ثم جعلكم هذا احتياطا باطل لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك التكلف منها عملا لآخر احتياطا وأما الأحكام الشرعية والإخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ولا يثبت إلا ما أثبته ثم إن الاحتياط هو في ترك هذا الاحتياط فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قلة

ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا وقلتم ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة لأن هذا لما كان طاهرا قطعا وقد شككنا هل حكم رسول الله بتنجيسه أم لا فالأصل الطهارة وأيضا فأنتم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم بل توجبون عليه الوضوء فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك وأيضا فإنكم إذا نجستموه بالشك نجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية وحرمتم شربه والطبخ به وأرقتم الأطعمة المتخذة منه وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك وهذا مناف لأصول الشريعة والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وقال الترمذي في كتاب العلل سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث يعني حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو فقال ليس بصحيح قال وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ تم كلامه وقال أبو عبيد في كتاب الطهور حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس أنه قال أترون هذا الشيخ يعني نفسه فإنه قد رأى نبيكم ﷺ وأكل معه قال عاصم فسمعته يقول لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد فإن خلت به فلا تقربه فهذا هو الذي رجحه البخاري ولعل بعض الرواة ظن أن قوله فسمعته يقول من كلام عبد الله بن سرجس فوهم فيه وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله وقد اختلف الصحابة في ذلك فقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن المسعودي عن مهاجر أبي الحسن

قال حدثني كلثوم بن عامر بن الحرث قال توضأت جويرية بنت الحارث وهي عمته قال فأردت أن أتوضأ بفضل وضوئها فجذبت الإناء ونهتني وأمرتني أن أهريقه قال فأهرقته وقال حدثنا الهيثم بن جميل عن شريك عن مهاجر الصائغ عن ابن لعبدالرحمن بن عوف أنه دخل على أم سلمة ففعلت به مثل ذلك فهؤلاء ثلاثة عبد الله بن سرجس وجويرية وأم سلمة وخالفهم في ذلك ابن عباس وابن عمر قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن أبي زيد المديني عن ابن عباس أنه سئل عن سؤر المرأة فقال هي ألطف بنانا وأطيب ريحا حدثنا

إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بسؤر المرأة إلا أن تكون حائضا أو جنبا واختلف الفقهاء أيضا في ذلك على قولين أحدهما المنع من الوضوء بالماء الذي تخلو به قال أحمد وقد كرهه غير واحد من الصحابة وهذا هو المشهور من الروايتين عن أحمد وهو قول الحسن والقول الثاني يجوز الوضوء به وهو قول أكثر أهل العلم واحتجوا بما رواه مسلم صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة وفي السنن الأربع عن ابن عباس أيضا أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها فقالت إني اغتسلت منه فقال إن الماء لا ينجسه شيء وفي رواية لا يجنب

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وفي الباب حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال إن الوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء رواه الترمذي وقال غريب ليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة يعني ابن مصعب قال وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء وخارجة ضعيف ليس بالقوي عند أصحابنا وضعفه ابن المبارك قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل هذا آخر كلامه والذي صح عن النبي ﷺ تسمية شيطان الصلاة الذي يوسوس للمصلي فيها خنرب رواه مسلم في صحيحه من حديث عمارة ابن أبي العاص الثقفي

قال الشيخ شمس الدين بن القيم حديث زر عن علي هذا فيه المنهال بن عمرو كان ابن حزم يقول لا يقبل في باقة بقل ومن روايته حديث البراء الطويل في عذاب القبر والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره والذي غر ابن حزم شيئان أحدهما قول عبد الله بن أحمد عن أبيه تركه شعبة على عمد والثاني أنه سمع من داره صوت

طنبور وقد صرح شعبة بهذه العلة فقال العقيلي عن وهيب قال سمعت شعبة يقول أتيت المنهال بن عمرو فسمعت عنده صوت طنبور فرجعت ولم أسأله قيل فهلا سألته فعسى كان لا يعلم به وليس في شيء من هذا ما يقدح فيه وقال ابن القطان ولا أعلم لهذا الحديث علة

قال الشيخ شمس الدين بن القيم هذا من الأحاديث المشكلة جدا وقد اختلف مسالك الناس في دفع إشكاله فطائفة ضعفته منهم البخاري والشافعي قال والذي خالفه أكثر وأثبت منه وأما الحديث الآخر يعني هذا فليس مما يبت أهل العلم بالحديث لو انفرد وفي هذا المسلك نظر فإن البخاري روى في صحيحه حديث ابن

عباس رضي الله عنهما كما سيأتي وقال في آخره ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها يعني رجله اليسرى ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ المسلك الثاني أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بأحاديث الغسل وكان ابن عباس أولا يذهب إليه بدليل ما روى الدارقطني حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا العباس بن يزيد حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل أن علي بن الحسين أرسله إلى الربيع بنت معوذ يسألها عن وضوء النبي ﷺ فذكر الحديث وقالت ثم غسل رجليه قالت وقد أتاني ابن عم لك تعني ابن

عباس فأخبرته فقال ما أجد في الكتاب إلا غسلين ومسحين ثم رجع ابن عباس عن هذا لما بلغه غسل النبي ﷺ رجليه وأوجب الغسل فلعل حديث علي وحديث ابن عباس كانا في أول الأمر ثم نسخ والذي يدل عليه أن فيه أنه مسح عليهما بدون حائل كما روى هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال قال لنا ابن عباس أتحبون أن أحدثكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ

فذكر الحديث قال ثم اغترف غرفة أخرى فرش على رجله وفيها النعل واليسرى مثل ذلك ومسح بأسفل الكعبين وقال عبدالعزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس توضأ رسول الله ﷺ فذكره قال ثم خذ حفنة من ماء فرش قدميه وهو منتعل المسلك الثالث أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة فروى عنهما هذا وروى عنهما الغسل كما رواه البخاري في الصحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس فذكر الحديث وقال في آخره أخذ

غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى فهذا صريح في الغسل وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس به وقال ثم غرف غرفة ثم غسل رجله اليمنى ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى وقال ورقاء عن زيد عن عطاء عنه ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ فذكره وقال فيه وغسل رجليه مرة مرة وقال محمد بن جعفر عن زيد وأخذ حفنة فغسل بها رجله اليمنى وأخذ حفنة فغسل رجله اليسرى قالوا والذي روى أنه رش عليهما في النعل هو هشام بن سعد وليس بالحافظ فرواية الجماعة أولى من روايته على أن سفيان الثوري وهشاما أيضا رويا ما يوافق الجماعة فرويا عن زيد عن عطاء بن يسار قال قال لي ابن عباس ألا أريك وضوء رسول الله ﷺ فتوضأ مرة مرة ثم غسل رجليه وعليه نعله وأما حديث علي رضي الله عنه فقال البيهقي روينا من أوجه كثيرة عن علي أنه غسل رجليه في الوضوء ثم ساق منها حديث عبد خير عنه أنه دعا بوضوء فذكر الحديث وفيه ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى ثم قال هذا طهور نبي ﷺ

ومنها حديث زر بن حبيش عنه أنه سئل عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ومنها حديث أبي حية عنه رأيت عليا توضأ الحديث وفيه وغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ قالوا وإذا اختلفت الروايات عن علي وابن عباس وكان مع أحدهما رواية الجماعة فهي أولى المسلك الرابع أن أحاديث الرش والمسح إنما هي وضوء تجديد للطاهر لا طهارة رفع حدث بدليل ما رواه شعبة حدثنا عبدالملك بن ميسرة قال سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتى بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال إن أناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت وقال هذا وضوء من لم يحدث رواه البخاري بمعناه قال البيهقي في هذا الحديث الثابت دلالة على أن الحديث الذي روى عن

النبي ﷺ في المسح على الرجلين إن صح فإنما عنى به وهو طاهر غير محدث إلا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث فلم ينقل قوله هذا وضوء من لم يحدث وقال أحمد حدثنا ابن الأشجعي عن أبيه عن سفيان عن السدى عن عبد خير عن علي إنه دعا بكوز من ماء ثم قال ثم توضأ وضوءا خفيفا ومسح على نعليه ثم قال هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يحدث وفي رواية للطاهر ما لم يحدث قال وفي هذا دلالة على أن ما روي عن علي في المسح على النعلين إنما هو في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء أو أراد غسل الرجلين في النعلين أو أراد أنه مسح على جوربيه ونعليه كما رواه عنه بعض الرواة مقيدا بالجوربين وأراد به جوربين منعلين قلت هذا هو المسلك الخامس أن مسحه رجليه ورشه عليهما لأنهما كانتا مستورتين بالجوربين في النعلين والدليل عليه ما رواه سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة ومسح على نعليه لكن تفرد به رواد بن الجراح عن الثوري والثقات رووه عن الثوري بدون هذه الزيادة وقد رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب عن سفيان فذكره بإسناده ومتنه أن النبي ﷺ مسح على النعلين وروى أبو داود من حديث هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه أخبرني أويس بن أبي أويس الثقفي قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه فقوله مسح على نطيه كقوله مسح على خفيه والنعل لا تكون ساترة لمحل المسح إلا إذا كان عليها جورب فلعله مسح على نعل الجورب فقال مسح على نعليه

المسلك السادس أن الرجل لها ثلاثة أحوال حال تكون في الخف فيجزي مسح ساترها وحال تكون حافية فيجب غسلها فهاتان مرتبتان وهما كشفها وسترها ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة وهي الغسل التام وفي حال استتارها لها أدناها وهي المسح على الحائل ولها حالة ثالثة وهي حالما تكون في النعل وهي حالة متوسطة بين كتفها وبين سترها بالخف فأعطيت حالة متوسطة من الطهارة وهي الرش فإنه بين الغسل والمسح وحيث أطلق لفظ المسح عليها في هذه الحال فالمراد به الرش لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى وهذا مذهب كما ترى لو كان يعلم قائل معين ولكن يحكى عن طائفة لا أعلم منهم معينا وبالجملة فهو خير من مسلك الشيعة في هذا الحديث وهو المسلك السابع أنه دليل على أن فرض الرجلين المسح وحكي عن داود الجواري وابن عباس وحكي عن ابن جرير أنه مخير بين الأمرين فأما حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت وأما حكايته عن ابن جرير فغلط بين وهذه كتبه وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه وإنما دخلت الشبهة لأن ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في إسمه واسم أبيه وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم فهذه سبعة مسالك للناس في هذا الحديث وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي ﷺ مثل عثمان بن عفان وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم وجابر بن عبد الله والمغيرة بن شعبة والربيع بنت معوذ والمقدام بن معد يكرب ومعاوية بن أبي سفيان وجد طلحة بن مصرف وأنس بن مالك وأبي أمامة الباهلي وغيرهم رضي الله عنهم لم يذكر أحد منهم ما ذكر في حديث علي وابن عباس مع الاختلاف المذكور عليهما والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وقال عثمان ين سعيد الدارمي سمعت علي بن المديني يقول قلت لسفيان إن ليثا روى عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ توضأ فأنكر سفيان ذلك وعجب أن يكون جد طلحة لقي النبي ﷺ قال علي سألت عبدالرحمن بن مهدي عن اسم جد طلحة فقال عمرو بن

كعب أو كعب بن عمرو وكانت له صحبة وقال عباس الدوري قلت ليحي بن معين طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رأى جده النبي ﷺ فقال يحيى المحدثون يقولون قد رآه وأهل بيت طلحة يقولون ليست له صحبة

قال الشيخ شمس الدين بن القيم قال أبو محمد بن حزم لا يصح حديث أنس هذا لأنه من طريق الوليد بن زوران 1 وهو مجهول وكذلك أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال وفي هذا التعليل نظر فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان 2 وحجاج بن منهال وأبو المليح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم ولم يعلم فيه جرح وقد روى هذا الحديث محمد بن يحيى الذهلي في كتاب علل حديث الزهري فقال حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله وكان صدوقا حدثنا محمد بن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخللها بأصابعه ثم قال هكذا أمرني ربي عزوجل وهذا إسناد صحيح وفي الباب حديث عثمان أن رسول الله ﷺ كان يخلل لحيته رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن خزيمة وأبو عبد الله الحاكم وقال أحمد هو أحسن شيء في الباب وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل البخاري أصح شيء في هذا الباب حديث

عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان يريد هذا الحديث وقد أعله ابن حزم فقال هو من طريق إسرائيل وليس بالقوي عن عامر بن شقيق وليس مشهورا بقوة النقل وقال في موضع آخر عامر بن شقيق ضعيف وهذا تعليل باطل فإن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق احتج به الشيخان وبقية الستة ووثقه الأئمة الكبار وقال فيه أبو حاتم ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق ووثقه ابن معين وأحمد وكان يتعجب من حفظه والذي غر أبا محمد بن حزم قول أحمد في رواية ابنه صالح إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخرة وهذا الحديث ليس من روايته عن أبي إسحاق فلا يحتاج إلى جواب وأما عامر بن شقيق فقال النسائي ليس به بأس وروي عن ابن أبي معين تضعيفه روى له أهل السنن الأربعة وفي الباب حديث عائشة رواه أبو عبيد يعني في كتاب الطهور عن حجاج عن شعبة عن عمرو بن أبي وهب الخزاعي عن موسى بن مروان البجلي عن طلحة بن عبد الله بن كريز عنها قالت كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته وفي الباب حديث عمار بن ياسر رواه الطبراني عن الدبري عن عبدالرزاق عن ابن عيينة عن عبدالكريم عن حسان بن بلال أن عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته فقيل له ما هذا قال رأيت النبي ﷺ يخلل لحيته وقد أعله ابن حزم بعلتين إحداهما أنه قال حسان بن بلال مجهول والثانية قال لا نعرف له لقاء لعمار بن ياسر فأما العلة الأولى فإن حسانا روى عنه أبو قلابة وجعفر بن أبي وحشية وقتادة ويحيى بن أبي كثير ومطر الوراق وابن أبي المخارق وغيرهم وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه قال علي بن المديني كان ثقة ولم يحفظ فيه تضعيف لأحد وأما العلة الثانية فباطلة أيضا فإن الترمذي رواه من طريقين إلى حسان أحدهما عن ابن أبي عمر عن سفيان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حسان عن عمار والثاني عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن عبدالكريم بن أبي المخارق عن حسان قال رأيت عمارا توضأ فخلل لحيته وفيه ولقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته وعلة هذا الحديث المؤثرة هي ما قاله الإمام أحمد في رواية ابن منصور عنه قال قال ابن عيينة لم يسمع عبدالكريم من حسان بن بلال حديث التخليل قال الترمذي سمعت إسحاق بن منصور يقول سمعت أحمد بن حنبل فذكره وذكر الحافظ ابن عساكر عن البخاري مثل ذلك وقال الإمام أحمد لا يثبت في تخليل اللحية توضأ حديث

وفي الباب حديث ابن أبي أوفى رواه أبو عبيد عن مروان بن معاوية عن أبي الورقاء عنه أنه قال رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته وفيه حديث أبي أيوب رواه أبو عبيد عن محمد بن ربيعة عن واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سورة عنه قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ فخلل لحيته قلت وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر فإن الذهلي أعله فقال في الزهريات وحدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك فذكره قال الذهلي هذا هو المحفوظ قال ابن القطان وهذا لا يضره فإنه ليس من لم يحفظ حجة على من حفظ والصفار قد عين شيخ الزبيدي فيه وبين أنه الزهري حتى لو قلنا إن محمد بن حرب حدث به تارة فقال فيه عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدث به الزهري فيحدث به عنه فأخذه عن الصفار هكذا وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والإحتمالات ولهذا الحديث طريق أخرى رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي حفص العبدي عن ثابت عن أنس قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ فذكره كما تقدم وأبو حفص وثقه أحمد وقال لا أعلم إلا خيرا ووثقه ابن معين وقال عبدالصمد بن عبدالوارث ثقة وفوق الثقة فهذه ثلاث طرق حسنة وذكر الحاكم المستدرك حديث عثمان في ذلك ثم قال وله شاهد صحيح من حديث أنس ورواه ابن ماجه في سننه من حديث يحيى بن كثير أبي النضر صاحب البصري عن يزيد الرقاشي عن أنس قال كان النبي ﷺ إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين قال الدارقطني أبو النضر هذا متروك وقال النسائي يزيد الرقاشي متروك ورواه ابن عدي من حديث هاشم بن سعد عن محمد ابن زياد عن أنس مرفوعا ثم قال ابن عدي وهاشم هذا مقدار ما يرويه لا يتابع عليه ورواه البيهقي في السنن من حديث إبراهيم الصائغ عن أبي خالد عن أنس مرفوعا وأبو خالد هذا مجهول فهذه ثلاث طرق ضيقة والثلاثة الأولى أقوى منها وأما حديث عمار فقد تقدم تعليل أحمد والبخاري له من طريق عبدالكريم وأما طريق ابن عيينة عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن حسان فقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل سألت أبي عن حديث رواه

ابن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة فذكره فقال أبي لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة قلت هو صحيح قال لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة ولم يصرح فيه ابن عيينة بالتحديث وهذا مما يوهنه يريد بذلك أنه لعله دلسه قلت وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال إما أن يكون الحميدي اختلط وإما أن يكون من حدث عنه خلط ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العدة والله أعلم وقد رويت أحاديث التخليل من حديث عثمان وعلي وأنس وابن عباس وابن عمر وعائشة وأم سلمة وعمار بن ياسر وأبي أيوب وابن أبي أوفى وأبي أمامة وجابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم ولكن قال عبد الله بن أحمد قال أبي ليس يصح عن النبي ﷺ في التحليل شيء وقال الخلال في كتاب العلل أخبرنا أبو داود قال قلت لأحمد تخليل اللحية قال قد روى فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث وأحسن شيء فيها حديث شقيق عن عثمان وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي يقول لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث قلت وحديث ابن عباس من رواية نافع مولى يوسف السلمي قال العقيلي لا يتابع عليه منكر الحديث وقال أبو حاتم متروك الحديث وحديث ابن عمر رواه الدراقطني وقال الصواب أنه موقوف على ابن عمر وكذلك قال عبدالحق الصحيح أنه من فعل ابن عمر غير مرفوع وله علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه وهي أن الوليد بن مسلم حدث به الأوزاعي مرسلا وعبدالحميد رفعه عنه والصواب رواية ابن المغيرة عنه موقوفا وذكرها الخلال في كتاب العلل عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفا ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال قال أحمد ليس في التخليل أصح من هذا يعني الموقوف وأما حديث أبي أيوب فذكره الترمذي في كتاب العلل وقال سألت محمدا عنه فقال لا شيء فقلت أبو سورة ما اسمه فقال ما أدرى ما يصنع به عنده مناكير ولا يعرف له سماع من أبي أيوب ورواه ابن ماجه في سننه من حديث ابن أبي أوفى من رواية فائد أبي الورقاء وهو متروك باتفاقهم وحديث أبي أمامة رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث أبي غالب عن أبي أمامة وأبو غالب ضعفه النسائي ووثقة الدارقطني وقال ابن معين صالح الحديث وصحح له الترمذي وحديث جابر ضعيف جدا

وحديث جرير ذكره ابن عدي من حديث ياسين بن معاذ الزيات عن ربعي بن حراش عن جرير مرفوعا وياسين متروك عند النسائي والجماعة وحديث عائشة رواه أحمد في مسنده وحديث أم سلمة ذكره الترمذي في كتابه معلقا فقال وفي الباب عن أم سلمة وذكر جماعة من الصحابة

قال الشيخ شمس الدين ابن القيم قال ابن المدر ويمسح على العمامة لثبوت ذلك عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال الجوزجاني روى المسح على العمامة عن النبي ﷺ سلمان الفارسي وثوبان وأبو أمامة وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبه وأبو موسى وفعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال عمر بن

الخطاب من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله قال والمسح على العمامة سنة عن رسول الله ﷺ ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي مذهبا لهم ورواه أيضا عمرو بن أمية الضمري وبلال فأما حديث سلمان رأيها رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الخفين والخمار

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله وقد أعل أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا بأن قال رواه عنه أبو عبد الله الجدلي صاحب راية الكافر المختار لا يعتمد على روايته وهذا تعليل في غاية الفساد فإن أبا عبد الله الجدلي قد وثقه الأئمة أحمد ويحيى وصحح الترمذي حديثه ولا يعلم أحد من أئمة الحديث طعن فيه وأما كونه صاحب راية المختار فإن المختار ابن أبي عبيد الثقفي إنما أظهر الخروج لأخذه بثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما والانتصار له من قتلته وقد طعن أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل ورد روايته بكونه كان صاحب راية المختار أيضا مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره فرد رواية الصاحب والتابع الثقة بذلك باطل وأيضا فقد روى ابن ماجه هذا الحديث عن علي بن

محمد عن وكيع عن سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن خزيمة فهذا عمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله الجدلي وكلاهما ثقة صدوق وقد قيل إن عمرو بن ميمون رواه أيضا عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة فإن صح ذلك لم يضره شيئا فلعله سمعه من أبي عبد الله فرواه عنه ثم سمعه من خزيمة فرواه عنه

قال الشيخ الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا وعبدالرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون كلهم وقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين كلاهما عن عمرو بن الربيع بن طارق أخبرنا محمد بن أيوب عن عبدالرحمن بن رزين عن محمد بن

يزيد بن أبي زياد قال يحيى شيخ من أهل مصر عن عبادة بن نسى الحديث قال الحاكم هذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى جرح وهذا مذهب مالك ولم يخرجاه والعجب من الحاكم كيف يكون هذا مستدركا على الصحيحين ورواته لا يعرفون بجرح ولا بتعديل والله أعلم

قال الشيخ الحافظ شمس الدين بن القيم وقال النسائي ما نعلم أن أحدا تابع هزيلا على هذه الرواية والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين وقال البيهقي قال أبو محمد يعني يحيى بن منصور رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر وقال أبو قيس الأدوي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما

جملة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا مسح على الخفين وقال لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل قال فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدغولي فسمعته يقول سمعت علي بن مخلد بن سنان يقول سمعت أبا قدامة السرخسي يقول قال عبدالرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري لو رجل حدثني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منه فقال سفيان الحديث ضعيف أو واه أو كلمة نحوها وقال عبد الله بن أحمد حدثت أبي بهذا الحديث فقال أبي ليس يروي هذا إلا من حديث أبي قيس قال أبي أبي عبدالرحمن بن مهدي أن يحدث به يقول هو منكر وقال ابن البراء قال علي بن المديني حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال ومسح على الجوربين وخالف الناس وقال الفضل بن عتبان سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس قال ابن المنذر روى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود وأبو أمامه وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيا والعمدة في الجواز على هؤلاء رضي الله عنهم لا على حديث أبي قيس مع أن المنازعين في المسح متناقضون فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا هذه زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ولا يلتفتون إلى ما ذكروه ههنا من تفرد أبي قيس فإذا كان الحديث مخالفا لهم أعلوه بتفرد راويه ولم يقولوا زيادة الثقة مقبولة كما هو

موجود في تصرفاتهم والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك فإن في كل شيء وفاء وتطفيفا ونحن لا نرضي هذه الطريقة ولا نعتمد على حديث أبي قيس وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبي قيس وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه

والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم منهم من سمينا من الصحابة وأحمد وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وأبو يوسف ولا نعرف في الصحابة مخالفا لمن سمينا وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود فرواه البيهقي من حديث عيسى بن يونس عن أبي سنان عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبدالرحمن عن أبي موسى قال رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الجوربين والنعلين وهذا الحديث له علتان ذكرهما البيهقي إحداهما أن الضحاك بن عبدالرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى والثانية أن عيسى بن سنان ضعيف قال البيهقي وتأول الأستاذ أبو الوليد حديث المسح على الجوربين والنعلين على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب على الانفراد ونعل على الإنفراد قلت هذا مبني على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله والبيان في ذلك 1 والظاهر أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان هذا المفهوم منه فإنه فصل بينهما وجعلهما سنتين ولو كانا جوربين منعلين لقال مسح على الجوربين المنعلين وأيضا فإن الجلد الذي في أسفل الجورب لا يسمى

نعلا في لغة العرب ولا أطلق عليه أحد هذا الإسم وأيضا فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك أنه مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم مع الجورب فأما أسفله وعقبه فلا وفيه وجه آخر أنه يمسح على الجورب وأسفل النعل وعقبة والوجهان ولأصحاب أحمد وأيضا فإن تجليد أسافل الجوربين لا يخرجهما عن كونهما جوربين ولا يؤثر اشتراط ذلك في المسح وأي فرق بين أن يكونا مجلدين أو غير مجلدين وقول مسلم رحمه الله لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل جوابه من وجهين أحدهما أن ظاهر القرآن لا ينفي المسح على الجوربين إلا كما ينفي المسح على الخفين وما كان الجواب عن مورد الإجماع فهو الجواب في مسألة النزاع الثاني أن الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم قال إبراهيم حديث المغيرة هذا قد ذكر له أربع علل إحداهما أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة بل قال حدثت عن رجاء قال عبد الله بن أحمد في كتاب العلل حدثنا أبي قال وقال عبدالرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال حدثت عن رجاء بن حيوية عن كاتب المغيرة أن رسول الله ﷺ مسح أعلى الخفين وأسفلهما العلة الثانية أنه مرسل قال الترمذي سألت أبا زرعة ومحمدا عن هذا الحديث فقالا ليس بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء قال حدثت عن النبي ﷺ العلة الثالثة أن الوليد بن مسلم لم يصرح فيه بالسماع من ثور بن يزيد بل قال فيه عن ثور والوليد مدلس فلا يحتج بعنعنته ما لم يصرح بالسماع

العلة الرابعة أن كاتب المغيرة لم يسم فيه فهو مجهول ذكر أبو محمد بن حزم هذه العلة وفي هذه العلل نظر أما العلتان الأولى والثانية وهما أن ثورا لم يسمعه من رجاء وأنه مرسل فقد قال الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبدالعزيز حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد قال حدثنا رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة فذكره فقد صرح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال فانتفى الإرسال عنه وأما العلة الثالثة وهي تدليس الوليد وأنه لم يصرح بسماعه فقد رواه أبو داود عن محمود بن خالد الدمشقي حدثنا الوليد حدثنا ثور بن يزيد فقد أمن تدليس الوليد في هذا وأما العلة الرابعة وهي جهالة كاتب المغيرة فقد رواه ابن ماجه في سننه وقال عن رجاء بن حيوة عن

وراد كاتب المغيرة عن المغيرة وقال شيخنا أبو الحجاج المزي رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبدالملك بن عمير عن وراد عن المغيرة تم كلامه وأيضا فالمعروف بكتابة بكاتب المغيرة هو مولاه وراد وقد خرج له في الصحيحين وإنما ترك ذكر إسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره ومن له خبره بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وراد كاتبه وبعد فهذا حديث قد ضعفه الأئمة الكبار البخاري وأبو زرعة والترمذي وأبو داود والشافعي ومن المتأخرين أبو محمد بن حزم وهو الصواب لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه

وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثر فمنها ما هو مؤثر مانع من صحة الحديث وقد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله وخالفه من هو أحفظ منه وأجل وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك فرواه عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة عن النبي ﷺ وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم فالقول ما قال عبد الله وقد قال بعض الحفاظ أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين أحدهما أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة وإنما قال حدثت عنه والثاني أن ثورا لم يسمعه من رجاء وخطأ ثالث أن الصواب إرساله فميز الحفاظ ذلك كله في الحديث وبينوه ورواه الوليد معنعنا من غير تبيين والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا علل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقية له وزاد ابن حزم تعليلا آخر وهو أن راويه مجهول لا يدرى من هو والجواب عن هاتين العلتين أما الأولى فإن بقية ثقة في نفسه صدوق حافظ وإنما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له قال أحمد في مسنده حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثني يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ فذكر الحديث وقال فأمره أن يعيد الوضوء قال الأثرم قلت لأحمد بن حنبل هذا إسناد جيد قال جيد

وأما العلة الثانية فباطلة أيضا على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث لثبوت عدالتهم جميعا وأما أصل ابن حزم فإنه قال في كتابه في أثناء مسألة كل نساء النبي ﷺ ثقات فواضل عند الله تعالى مقدسات بيقين

قال الشيخ شمس الدين بن القيم نقض الوضوء من مس الذكر فيه حديث بسرة قال الدارقطني قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث وبسرة هذه من الصحابيات الفضليات قال مالك أتدرون من بسرة بنت صفوان هي جدة عبدالملك بن مروان أم أمه فاعرفوها وقال مصعب الزبيري هي بنت صفوان بن نوفل من المبايعات وورقة بن نوفل عمها وقد ظلم من تكلم في بسرة وتعدى وفي الموطأ في حديثها من رواية ابن بكير إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة وفيه حديث أبي هريرة يرفعه إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ رواه الشافعي عن سلمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله عن يزيد بن عبد الله الهاشمي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال ابن السكن هذا الحديث من أجود ما روى في هذا الباب قال ابن عبدالبر كان حديث أبي هريرة لا يعرف إلا بيزيد بن عبدالملك النوفلي عن سعيد عن أبي هريرة ويزيد ضعيف حتى رواه أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبدالملك جميعا عن سعيد عن أبي

هريرة قال فصح الحديث بنقل العدل عن العدل على ما قال ابن السكن إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضي نافع بن أبي نعيم وخالفه ابن معين فقال هو ثقة قال الحازمي وقد روى عن نافع بن عمر الجمحي عن سعيد كما رواه يزيد وإذا اجتمعت هذه الطرق دلتنا على أن له أصلا من رواية أبي هريرة وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ قال الحازمي هذا إسناد صحيح لأن إسحاق بن راهويه رواه في مسنده حدثنا بقية بن الوليد حدثني الزبيدي حدثني عمرو فذكره وبقية ثقة في نفسه وإذا روى عن المعروفين فمحتج به وقد احتج به مسلم ومن بعده من أصحاب الصحيح والزبيدي محمد بن الوليد إمام محتج به وعمرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث قال وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد في الاحتجاج به وأما رواياته عن أبيه عن جده فالأكثرون على أنها متصلة ليس فيها إرسال ولا انقطاع وذكر الترمذي في كتاب العلل له عن البخاري أنه قال حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب في باب مس الذكر هو عندي صحيح قال الحازمي وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمرو بن شعيب فلا يظن أنه من مفاريد بقية

وأما حديث طلق فقد رجح حديث بسرة وغيره عليه من وجوه أحدها ضعفه والثاني أن طلقا قد اختلف عنه فروى عنه هل هو إلا بضعة منك وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه مرفوعا من مس فرجه فليتوضأ رواه الطبراني وقال لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندي صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا ثم سمع هذا بعده فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم فسمع الناسخ والمنسوخ الثالث أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبي هريرة ومن معه مقدما عليه لأن طلقا قدم المدينة وهم يبنون المسجد فذكر الحديث وفيه قصة مس الذكر وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ الرابع أن حديث طلق مبقي على الأصل وحديث بسرة ناقل والناقل مقدم لأن أحكام الشارع ناقله عما كانوا عليه الخامس أن رواة النقض أكثر وأحاديثه أشهر فإنه من رواية بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وأبي أيوب وزيد بن خالد السادس أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد في النظر والحس فثبت عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه فدل أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ولهذا صان اليمين عن مسه فدل على أنه ليس بمنزلة الأنف والفخذ والرجل فلو كان كما قال المانعون إنه بمنزلة الإبهام واليد والرجل لم ينه عن مسه باليمين والله أعلم السابع أنه لو قدر تعارض الحديثان من كل وجه لكان الترجيح لحديث النقض لقول أكثر الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان رضي الله عنهم وعن سعد بن أبي وقاص روايتان وعن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان

قال الحافظ بن القيم رحمه الله وقد أعل ابن المديني حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل قال محمد بن أحمد بن البراء قال علي جعفر مجهول يريد جعفر بن أبي ثور راويه عن جابر وهذا تعليل ضعيف قال البخاري في التاريخ جعفر بن أبي ثور جده جابر بن سمرة قال سفيان وزكريا وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جابر عن النبي ﷺ في اللحوم قال البخاري وقال أهل النسب ولد جابر بن سمرة خالد وطلحة ومسلمة وهو أبو ثور قال وقال شعبة عن سماك عن أبي ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر قال الترمذي في العلل حديث سفيان الثوري أصح من حديث شعبة وشعبة

أخطأ فيه فقال عن أبي ثور وإنما هو جعفر بن أبي ثور قال البيهقي وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور وهو من ولد جابر بن سمرة روى عن سماك بن حرب وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء قال ابن خزيمة وهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث قال البهيقي ومن روى عنه مثل هؤلاء خرج عن مجهولا ولهذا أودعه مسلم كتابه الصحيح قال البيهقي وأخبرنا أبو بكر

أحمد بن علي الحافظ حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني قال قال محمد بن إسحاق بن خزيمة لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه قال البيهقي وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم الوضوء مما خرج وليس مما دخل وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار ثم ذكر عن ابن مسعود أنه أتى بقصعة من الكبد والسنام من لحم الجزور فأكل ولم يتوضأ قال وهذا منقطع وموقوف وروى عن أبي عبيدة قال كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضأ منه قال البيهقي وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله ﷺ هذا كلامه في السنن الكبير وهو كما ترى صريح في اختياره القول بأحاديث النقض واختاره ابن خزيمة ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار ولا تعارض بينهما أصلا فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسا بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء ومن نازعكم في هذا نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أم لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث وحتى لو كان لحم الإبل فردا من أفراده فإنما دلالته بطريق العموم فكيف يقدم على الخاص هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنا من كلام صاحب الشرع وإنما هو من قول الراوي وأيضا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظا لا خاصا ولا عاما وإنما حكى أمرين هما فعلان أحدهما متقدم وهو فعل الوضوء والآخر متأخر وهو تركه من ممسوس النار فهاتان واقعتان توضأ في إحداهما وترك في الأخرى من شيء معين مسته النار لم يحك لفظا عاما ولا خاصا ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح وأيضا فإن الحديث قد جاء مثبتا من رواية جابر نفسه أن رسول الله ﷺ دعى إلى طعام فأكل

ثم حضرت الظهر فقام وتوضأ وصلى ثم أكل فحضرت العصر فقام فصلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين من رسول الله النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار فالحديث له قصة فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة فحذف القصة وبعضهم ذكرها وجابر روى الحديث بقصته والله أعلم

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وقد رواه أبو عوانة الاسفرائيني في صحيحه من حديث سليمان بن حسان عن ابن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي وفيه يغسل أنثييه وذكره

قال الشيخ شمس الدين بن القيم قال أبو محمد بن حزم نظرنا في حديث حزام بن حكيم عن عمه فوجدناه لا يصح يعني حديث عبد الله بن سعد حكيم ضعيف وهو الذي روى غسل الأنثيين من المذي تم كلامه وهذا الحديث قد رواه أبو داود عن إبراهيم بن موسى عن عبد الله بن وهب وهما من المتفق على حديثهما عن

معاوية بن صالح وهو ممن روى له مسلم عن العلاء بن الحارث روى له مسلم أيضا وحزام بن حكيم وثقه غير واحد 1 وعمه هو عبد الله بن سعد الأنصاري صاحب الحديث صحابي وقوله وهو الذي روى حديث غسل الأنثيين من المذي فالحديث حديث واحد فرقه بعض الرواة وجمعه غيره وقد روى الأمر بغسل الأنثيين من المذي أبو عوانة في صحيحه من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن

علي الحديث وفيه فقال النبي ﷺ يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وأما حديث معاذ فأعله ابن حزم ببقية بن الوليد وبسعيد الأغطش قال وهو مجهول وقد ضعفه أبو داود كما تقدم ورواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش حدثني سعيد بن عبد الله الخزاعي عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي عن معاذ وهو منقطع

قال الحافظ شمس الدين بن القيم قال أبو محمد بن حزم نظرنا في حديث أبي إسحاق فوجدناه ثابتا صحيحا تقوم به الحجة ثم قال وقد قال قوم إن زهير بن معاوية روى عن أبي إسحاق هذا الخبر فقال فيه وإن نام جنبا توضأ وضوء

الرجل للصلاة قال فدل ذلك على أن سفيان اختصره أو وهم فيه ومدعي هذا الخطأ والاختصار في هذا الحديث هو المخطىء بل نقول إن رواية زهير عن أبي إسحاق صحيحة ورواية الثوري ومن تابعه عن أبي إسحاق صحيحة ولم تكن ليلة واحدة فتحمل روايتهم على التضاد بل كان يفعل مرة هذا ومرة هذا قال ابن معوذ وهذا كله تصحيح للخطأ الفاسد بالخطأ البين أما حديث أبي إسحاق من رواية الثوري وغيره فأجمع من تقدم من المحدثين ومن تأخر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم وعلى ذلك تلقوه منه وحملوه عنه وهو أول حديث أو ثان مما ذكره مسلم في كتاب التمييز له مما حمل من الحديث على الخطأ وذلك أن عبدالرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي وأين يقع أبو إسحاق من أحدهما فكيف باجتماعهما على مخالفته رويا الحديث بعينه عن الأسود بن يزيد عن عائشة كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا فأراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة إنه كان ينام ولا يمس ماء ثم عضدوا ذلك برواية عروة وأبي سلمة بن عبدالرحمن وعبد الله بن أبي قيس عن عائشة وبفتوى رسول الله ﷺ عمر بذلك حين استفتاه وبعض المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق يجمعون بينهما بالتأويل فيقولون لا يمس ماء للغسل ولا يصح هذا وفقهاء المحدثين وحفاظهم على ما أعلمتك وأما الحديث الذي نسبه إلى رواية زهير عن أبي إسحاق فقال فيه وإن نام جنبا توضأ وحكى أن قوما ادعوا فيه الخطأ والاختصار ثم صححه هو فإنما عنى بذلك أحمد بن محمد الأزدي فهو الذي رواه بهذا اللفظ وهو الذي ادعى فيه الاختصار وروايته خطأ ودعواه سهو وغفلة ورواية زهير عن أبي إسحاق كرواية الثوري وغيره عن أبي إسحاق في هذا المعنى وحديث زهير أتم سياقه وقد روى مسلم الحديث بكماله في

كتاب الصلاة وقال فيه وإن لم يكن جنبا توضأ للصلاة وأسقط منه وهم أبي إسحاق وهو قوله ثم ينام قبل أن يمس ماء فأخطأ فيه بعض النقلة فقال وإن نام جنبا توضأ للصلاة فعمد ابن حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير فصححه وقد كان صحح خطأ أبي إسحاق القديم فصحح خطأين متضادين وجمع بين غلطين متنافرين تم كلامه قال البيهقي والحفاظ طعنوا في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود وأن أبا إسحاق ربما دلس فرواها من تدليساته بدليل رواية إبراهيم عن الأسود وعبدالرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ثم ينام رواه مسلم قال وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية فإن أبا إسحاق بين فيه سماعه من الأسود والمدلس إذا بين سماعه وكان ثقة فلا وجه لرده تم كلامه والصواب ما قاله أئمة الحديث الكبار مثل يزيد بن هارون ومسلم والترمذي وغيرهم من أن هذه اللفظة وهم وغلط والله أعلم

قال الشيخ بن القيم رحمه الله وقال الدارقطني أفلت بن خليفة صالح وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ نادى بأعلى صوته

ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض قال أبو محمد بن حزم محدوج ساقط وأبو الخطاب مجهول ثم رواه من طريق عبدالوهاب بن عطاء الخفاف عن ابن أبي عتبة عن إسماعيل عن جسرة عن أم سلمة عن النبي ﷺ هذا المسجد حرام على كل جنب من الرجال وحائض من النساء إلا محمدا وأزواجه وعليا وفاطمة قال ابن حزم عبدالوهاب بن عطاء منكر الحديث وإسماعيل مجهول وليس الأمر كما قال أبو محمد فقد قال ابن معين في رواية الدوري إنه ثقة وقال في رواية الدارمي وابن أبي خيثمة ليس به بأس وقال في رواية الغلابي يكتب حديثه وقال أحمد كان يحيى بن سعيد حسن الرأي فيه وكان يعرفه معرفة قديمة وقال صالح بن محمد أنكروا على الخفاف حديثا رواه لثور بن يزيد على

مكحول عن كريب عن ابن عباس في فضل العباس وما أنكروا عليه غيره فكان يحيى يقول هذا موضوع وعبدالوهاب لم يقل فيه حدثنا ثور ولعله دلس فيه وهو ثقة وأما إسماعيل فإن كان إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي فإنه ذكر في ترجمة ابن أبي عتبة أنه روى عن إسماعيل هذا ولم يذكر في شيوخه إسماعيل غيره فهو ثقة وروى له مسلم في الصحيح وبعد فهذا الاستثاء باطل موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة ولم يخرجه ابن ماجه في الحديث

وقال الشيخ شمس الدين بن القيم حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة وهذا اتفاق من أهل العلم إلا ما يحكى عن عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي أنهما قالا تنقضه ولا يعلم لهما موافق وقد أنكرت عائشة على عبد الله قوله وقالت يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد

ما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات رواه مسلم وأما نقضه في غسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه قال مهنا سألت أحمد عن المرأة تنقض شعرها من الحيض قال نعم قلت له كيف تنقضه من الحيض ولا تنقضه من الجنابة فقال حدثت أسماء عن النبي ﷺ أنه قال تنقضه فاختلف أصحابه في نصه هذا فحملته طائفة منهم على الاستحباب وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأجرته طائفة على ظاهره وهو قول الحسن وطاوس وهو الصحيح لما احتج به أحمد من حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فنحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها الحديث رواه مسلم وهذا دليل على أنه لا يكتفي فيه بمجرد إفاضة الماء كغسل الجنابة ولاسيما فإن في الحديث نفسه وسألته عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر به فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء ففرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة في هذا الحديث وجعل غسل الحيض آكد ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمن لنقضه وفي وجوب السدر قولان هما وجهان لأصحاب أحمد وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها إذا كانت

حائضا خذي ماءك وسدرك وامتشطي وللبخاري انقضى رأسك وامتشطي وقد روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضا انقضى شعرك واغتسلي والأصل نقض الشعر لتيقن وصول الماء إلى ما تحته إلا أنه عفى عنه في غسل الجنابة لتكرره ووقوع المشقة الشديدة في نقضه بخلاف غسل الحيض فإنه في الشهر أو الأشهر مرة ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة أخذ السدر والفرصة الممسكة ونقض الشعر ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحبا أن يكون النقض كذلك فإن الأمر به لا معارض له فبأي شيء يدفع وجوبه فإن قيل يدفع وجوبه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة قالت قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين وفي الصحيح عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات وفي حديث أبي داود أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألت لها النبي ﷺ عن الغسل وقال فيه واغمزي قرونك عند كل حفنة وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عمرو أمر النساء بنقضهن رؤوسهن دليل على أنه ليس بواجب قيل لا حجة في شيء من

هذا أما حديث سلمة فالصحيح فيه الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض وليست لفظة الحيضة فيه محفوظة فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعمرو الناقد وابن أبي عمر كلهم عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله ﷺ إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال لا ذكره مسلم عنهم وكذلك رواه عمرو الناقد عن يزيد بن هارون عن الثوري عن أيوب بن موسى وراه عبد بن حميد عن عبدالرزاق عن الثوري عن أيوب وقال أفأنقضه للحيضة والجنابة قال مسلم وحدثنيه أحمد الدارمي أخبرنا زكريا بن عدي أخبرنا يزيد يعني ابن زريع عن روح بن القاسم قال حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال أفأحله وأغسله من الجنابة ولم يذكر الحيضة فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب فاقتصر على الجنابة واختلف فيه عن الثوري فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح وقال عبدالرزاق عنه أفأنقضه للحيضة والجنابة ورواية الجماعة أولى بالصواب فلو أن الثوري لم يختلف عليه لترجحت رواية ابن عيينة وروح فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث وأما حديث عائشة أنها كانت تفرغ على رأسها ثلاث إفراغات فإنما ذلك في غسل الجنابة كما يدل عليه سياق حديثها فإنها وصفت غسلها مع رسول الله ﷺ وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها لا من الحيض فإن رسول الله ﷺ لم يكن يغتسل معها من الحيض وهذا بين وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه واغمزي قرونك فإنما هو في غسل الجنابة وعنه وقع السؤال كما هو مصرح به في الحديث فإن

قيل فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل إنما أمرها بالامتشاط ولو سلمنا أنه أمرها بالغسل فذاك غسل الإحرام لا غسل الحيض والمقصود منه التنظيف وإزالة الوسخ ولهذا تؤمر به الحائض حال حدثها ولو سلمنا أنه أمر الحائض بالنقض وجب حمله على الاستحباب جمعا بين الحديثين

وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح فالجواب ما قولكم ليس فيه أمر بالغسل ففاسد فإنه قال خذي ماءك وسدرك وهذا صريح في الغسل وقوله انقضي رأسك وامتشطي أمر لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرد النقض والامتشاط وأما قولكم إنه كان في غسل الاحرام فصحيح وقد بينا أن غسل الحيض آكد الأغسال وأمر فيه النبي ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه فأمرها بنقضه وهو غير رافع لحدث الحيض تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعا لحدثه بطريق الأولى وأما قولكم إنه يحمل على الاستحباب جمعا بين الحديثين فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقض للحيض وقد تبين أنها غير ثابتة وأنها ليست محفوظة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير عن ثوبان وهذا إسناد شامي وأكثر أيمة الحديث يقول حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح ونص عليه أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قول أبي داود هكذا الرواية الصحيحة يدل على تصحيحه للحديث وقد حكم أبو عبد الله الحاكم بصحته وأخرجه في مستدركه وصححه ابن القطان أيضا فإن عبدالحميد بن زيد بن الخطاب أخرجا له في الصحيحين ووثقه النسائي وأما مقسم فاحتج به البخاري في صحيحه وقال فيه أبو حاتم صالح الحديث لا بأس به وأما أبو محمد بن حزم فإنه أعل الحديث بمقسم وضعفه وهو تعليل فاسد وإنما علته المؤثرة وقفه وقد رواه الطبراني من طريق الثوري عن عبدالكريم وعلي بن بذيمة وخصيف عن مقسم عن ابن عباس فهؤلاء أربعة عن مقسم وعبدالكريم قال شيخنا أبو الحجاج المزي هو ابن مالك الجزري وقد رواه شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي أهله حائضا يتصدق بنصف دينار رواه النسائي وأعله أبو محمد بن حزم بشريك وخصيف قال كلاهما ضعيف فسقط الاحتجاج به وشريك هذا هو القاضي قال زيد بن الهيثم سمعت يحيى بن معين يقول شريك ثقة وقال أيضا قلت ليحيى بن معين روى يحيى بن سعيد القطان عن شريك قال لم يكن شريك عند يحيى بشيء وهو ثقة وقال العجلي ثقة حسن الحديث واحتج به أهل السنن الأربعة واستشهد به البخاري وروى له مسلم في المتابعات وأما خصيف فقال ابن معين وابن سعد

ثقة وقال النسائي صالح روى له أهل السنن الأربعة وفي رواية عن ابن معين ليس به بأس وعن أحمد قال ليس بالقوي في الحديث وعن علي بن المديني سمعت يحيى يقول كنا نجتنب خصيفا وروى عبدالملك بن حبيب أخبرنا أصبغ بن الفرج عن السبيعي عن زيد بن عبدالحميد عن أبيه أن عمر بن الخطاب وطىء جارية فإذا بها حائض فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال له رسول الله ﷺ تصدق بنصف دينار وأعل ابن حزم هذا الحديث بعبدالملك بن جبيب وبالسبيعي وذكر أنه لا يدري من هو وهذا تعليل باطل فإن عبدالملك أحد الأئمة الأعلام ولم يلتفت الناس إلى قول ابن حزم فيه وأما السبيعي فهو عيسى بن يونس بن أي إسحاق السبيعي وقد روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث في مسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن زيد بن عبدالحميد وعيسى هذا احتج به الأئمة الستة ولم يذكر بضعف وروى ابن حزم من طريق موسى بن أيوب عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن علي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أصاب حائضا بعتق نسمة وأعله بموسى بن أيوب وقال هو ضعيف وموسى بن أيوب هذا النصيبي الأنطاكي روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وأحمد بن صالح العجلي وقال ثقة وقال أبو حاتم الرازي صدوق روى له أبو داود والنسائي

قال الشيخ شمس الدين بن القيم حديث ميمونة هذا يرويه الليث بن سعد عن الزهري عن حبيب مولى عروة عن ندبة مولاة ميمونة عن ميمونة

قال أبو محمد بن حزم ندبة مجهولة لا تعرف أبو داود يروي هذا الحديث من طريق الليث فقال ندبة بفتح النون والدال ومعمر يرويه يقول ندبة بضم النون وإسكان الدال ويونس يقول تدبة بالتاء المضمومة والدال المفتوحة والباء المشددة كلهم يرويه عن الزهري كذلك فسقط خبر ميمونة تم كلامه ولهذا الحديث طريق آخر رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن كريب مولى ابن عباس قال سمعت ميمونة أم المؤمنين قالت كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب رواه مسلم في الصحيح عن ابن السرح وهارون الأيلي ومحمد بن عيسى ثلاثتهم عن ابن وهب به وأعل أبو محمد بن حزم هذا أيضا بعلتين إحداهما أن مخرمة لم يسمع من أبيه والثانية أن يحيى بن معين قال فيه مخرمة ضعيف ليس حديثه بشيء فأما تعليله حديث ندبة بكونها مجهولة فإنها مدنية روت عن مولاتها ميمونة وروى عنها حبيب ولم يعلم أحد جرحها والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يخشى من تفرده بما لا يتابع عليه فأما إذا روى ما رواه الناس وكانت لروايته شواهد ومتابعات فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا ولا يردونه ولا يعللونه بالجهالة فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر عللوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرد ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك فيظن أن ذلك تناقض منهم وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم فيجب التنبيه لهذه النكتة فكثيرا ما تمر بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها وأما مخرمة بن بكير فقد قال أحمد وابن معين إنه لم يسمع من أبيه شيئا إنما يروى عن كتاب أبيه ولكن قال أحمد هو ثقة وقال أبو حاتم الرازي سألت إسماعيل بن أبي أويس هذا الذي يقول مالك حدثني الثقة من هو قال مخرمة بن بكير بن الأشج وقال إسماعيل بن أبي أويس في ظهر كتاب مالك سألت مخرمة بن بكير ما يحدث به عن أبيه سمعه من أبيه فحلف لي وقال ورب هذا البيت يعني المسجد سمعت من أبي وقال مالك كان رجلا صالحا وقال النسائي ليس به بأس وقال أحمد بن صالح كان من ثقات المسلمين

قال الشيخ الحافظ شمس الدين بن القيم قال أبو محمد بن حزم أما هذا الخبر فإنه من طريق أبي اليمان كثير بن اليمان الرحال وليس بالمشهور عن أم ذرة وهي مجهولة فسقط وما ذكره ضعيف فإن أبا اليمان هذا ذكره البخاري في تاريخه فقال سمع ام ذرة روى عنه أبو هاشم عمار بن هاشم وعبدالعزيز الدراوردي وذكره ابن حبان في الثقات وقال يروي عن أم ذرة وعن شداد بن أبي عمرو وكذا أم ذرة فهي مدنية روت عن مولاتها عائشة وعن أم سلمة وروى عنها محمد بن المنكدر وعائشة بنت سعد ابن أبي وقاص وأبو اليمان كثير بن اليمان فالحديث غير ساقط

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله حديث عروة عن فاطمة هذا قال ابن القطان منقطع لأنه انفرد به محمد ابن عمرو عن الزهري عن عروة ورواه عن محمد بن عمرو محمد بن أبي عدي مرتين إحداهما من كتابه هكذا والثانية زاد فيه عائشة بين عروة وفاطمة وهذا متصل ولكن لما حدث به من كتابه منقطعا ومن حفظه متصلا فزاد عائشة أورث ذلك نظرا فيه وقد جاء في سنن أبي داود مصرحا به أنه أخذه من عائشة لا من فاطمة

وروى أبو داود من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ لكن المغيرة مجهول قاله أبو حاتم الرازي والحديث عند غير أبي داود معنعن لم يقل فيه إن فاطمة حدثته قال وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة حدثتني فاطمة أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة أن تسأل رسول الله ﷺ فهو مشكوك فيه في سماعه من فاطمة قال وفي متن الحديث ما أنكر على سهيل وعد مما ساء حفظه فيه وظهر أثر تغيره عليه وذلك لأنه أحال فيه على الأيام قال فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعدقال والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم وعلى القروء تم كلامه وهذا كله عنت ومناكدة من ابن القطان أما قوله إنه منقطع فليس كذلك فإن محمد بن أبي عدي مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا يجهل وقد حفظه وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة ومرة عن عائشة عن فاطمة وقد أدرك كلتيهما وسمع منهما بلا ريب ففاطمة بنت عمه وعائشة خالته فالانقطاع الذي رمي به الحديث مقطوع دابره وقد صرح بأن فاطمة حدثته به وقوله إن المغيرة جهله أبو حاتم لا يضره ذلك فإن أبا حاتم الرازي يجهل رجالا وهم ثقات معروفون وهو متشدد في الرجال وقد وثق المغيرة جماعة وأثنوا عليه وعرفوه وقوله الحديث عند غير أبي داود معنعن فإن ذلك لا يضره ولاسيما على أصله في زيادة الثقة فقد صرح سهيل عن الزهري عن عروة قال حدثتني فاطمة وحمله على سهيل وأن هذا مما ساء

حفظه فيه دعوى باطلة وقد صحح مسلم وغيره حديث سهيل وقوله إنه أحال فيه على الأيام والمعروف الإحالة على القروء والدم كلام في غاية الفساد فإن المعروف الذي في الصحيح إحالتها على الأيام التي كانت يحتسبها حيضها وفي القروء بعينها فأحدهما يصدق الآخر وأما إحالتها على الدم فهو الذي ينظر فيه ولم يروه أصحاب الصحيح وإنما رواه أبو داود والنسائي وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه فضعفه وقال هذا منكر وصححه الحاكم

قال ابن القيم رحمه الله هذا الحديث مداره على ابن عقيل وهو عبد الله بن محمد بن عقيل ثقة صدوق لم يتكلم فيه بجرح أصلا وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق ابن راهويه يحتجون بحديثه والترمذي يصحح له وإنما يخشى من حفظه إذا انفرد عن الثقات أو خالفهم أما إذا لم يخالف الثقات ولم ينفرد بما ينكر عليه فهو حجة وقال البخاري في هذا الحديث هو حديث حسن وقال الإمام أحمد هو حديث صحيح وأما ابن خزيمة فإنه أعله بأن قال لا يصح لأن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل ثم ذكر عن الإمام أحمد أنه قال قال ابن جريج حدثت عن ابن عقيل ولم يسمعه قال أحمد وقد رواه ابن

جريج عن النعمان بن راشد قال أحمد والنعمان يعرف فيه الضعف وقال ابن منده لا يصح هذا الحديث من وجه من الوجوه لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وقد أجمعوا على ترك حديثه والجواب عن هذه العلل أما قوله أن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل وأن بينهما النعمان بن راشد فجوابه أن النعمان بن راشد ثقة أخرج له مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه واستشهد به البخاري وقال في حديثه وهم كثير وهو صدوق وقال ابن أبي حاتم أدخله البخاري في الضعفاء فسمعت أبي يقول يحول اسمه منه فقد عادت علة هذا الحديث إلى النعمان بن راشد ومحمد بن ابن عقيل وابن عقيل قد تقدم عن الترمذي أن الحميدي وإسحاق والإمام أحمد كانوا يحتجون بحديثه ودعوى ابن منده الإجماع على ترك حديثه غلط ظاهر منه ونحن نستوفي الكلام على هذا الحديث بعون الله فنقول قال الدارقطني في العلل اختلف عن عبد الله بن محمد بن عقيل في هذا الحديث فرواه أبو أيوب الأفريقي عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال ووهم فيه وخالفه عبيد الله بن عمر وابن جريج وعمرو بن

ثابت وزهير بن محمد وإبراهيم ابن أبي يحيى فرووه عن ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش ورواه ابن ماجه في سننه عن محمد بن يحيى عن عبدالرزاق عن ابن جريج عن ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمر ابن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش ورواه ابن ماجه في سننه عن محمد بن يحيى عن عبدالرزاق عن ابن جريج عن ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمر بن طلحة عن أم حبيبة وكذلك رواه الترمذي في جامعه وقال إن ابن جريج قال عمر بن طلحة قال ورواه عبيد الله بن عمر الرقي وشريك وذكر أنهما قالا عمران بن طلحة ورواه الترمذي من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل فقال عمران بن طلحة وقد تقدم في كلام الدارقطني أن ابن جريج قال فيه عمران بن طلحة وهو الصواب فوقع الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة وتعلق أبو محمد بن حزم في رده بأن قال رواته شريك وزهير بن محمد وكلاهما ضعيف عن عمرو بن ثابت وهو ضعيف قال وعمر بن طلحة غير مخلوق لا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر قال والحارث بن أبي أسامة قد ترك حديثه فسقط الخبر جملة وهذا تعلق باطل أما

شريك فقد تقدم ذكره وتوثيق الأئمة له وأما زهير بن محمد فاحتج به الشيخان وباقي الستة وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات إحداها أنه ثقة والثانية مستقيم الحديث والثالثة مقارب الحديث والرابعة ليس به بأس وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات إحداها صالح لابأس به والثانية ثقة والثالثة ضعيف وقال عثمان الدارمي ثقة صدوق وقال أبو حاتم محله الصدق وقال يعقوب بن شيبة صدوق صالح الحديث وقال البخاري مارواه عنه أهل الشام فإنه منكر وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح وهذا الحديث قد رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي عامر العقدي عبدالملك بن عمرو عنه وهو بصري فيكون على قول البخاري صحيحا وأما عمرو بن ثابت فلم ينفرد به عن ابن عقيل فقد تقدم من رواه عن ابن عقيل وأنهم جماعة فلا يضر متابعة عمرو بن ثابت لهم

وأما قوله عمر بن طلحة غير مخلوق فقد ذكرنا أن هذا وهم ممن سماه عمر وإنما هو عمران بن طلحة وقوله الحارث ابن أبي أسامة قد ترك حديثه فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي فيه ولم يلتفت إلى ذلك وقد قال إبراهيم الحربي هو ثقة وقال البرقاني أمرني الدارقطني أن أخرج عنه في الصحيح وصحح له الحاكم وهو أحد الأئمة الحفاظ

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وقد رد جماعة من الحفاظ هذا وقالوا زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ لم تكن مستحاضة وإنما المعروف أن أختيها أم حبيبة وحمنة هما اللتان استحيضتا وقال أبو القاسم السهيلي قال شيخنا عبد الله محمد بن نجاح أم حبيبة كان اسمها زينب فهما زينبان غلبت على إحداهما الكنية وعلى الأخرى الاسم ووقع في الموطإ أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبدالرحمن بن عوف واستشكل ذلك بأنها لم تكن تحت عبدالرحمن وإنما كانت عنده أختها أم حبيبة وعلى ما قال السهيلي عن ابن نجاح يرتفع الإشكال قال الحافظ شمس الدين ابن القيم وقد أعل ابن القطان هذا الحديث بأنه مرسل قال لأن زينب ربيبة النبي ﷺ معدودة في التابعيات وإن كانت ولدت بأرض الحبشة فهي تروي عن عائشة وأمها أم سلمة وحديث لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج ترويه عن أمها وعن أم حبيبة وعن زينب أزواج النبي ﷺ وكل ما جاء عنها عن النبي ﷺ مما لم تذكر بينها وبينه أحدا لم تذكر سماعا منه مثل حديثها هذا أو حديثها أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والحنتم وحديثها في تغيير اسمها

وهذا تعليل فاسد فإنها معروفة الرواية عن النبي ﷺ وعن أمها وأم حبيبة وزينب وقد أخرج النسائي وابن ماجة هذا الحديث من روايتها عن أم سلمة والله أعلم وقد حفظت عن النبي ﷺ ودخلت عليه وهو يغتسل فنضح في وجهها فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت

قال الشيخ شمس الدين بن القيم وقد روى عنها أي عن مسة أبو سهل كثير بن زياد والحكم بن عنيبة ومحمد بن عبد الله العرزمي وزيد بن علي بن الحسين

قال الشيخ ابن القيم رحمه الله وصححه الدارقطني وفي مسند البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته فإن ذلك خير وذكره ابن القطان في باب أحاديث ذكر أن أسانيدها صحاح

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله قال أبو علي بن السكن لم يسند الزبير بن خريق غير حديثين أحدهما هذا والآخر عن أبي أمامة الباهلي وقال لي أبو بكر بن أبي داود حديث الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعي وهذا أمثل ما روى في المسح على الجبيرة وحديث الأوزاعي الذي أشار إليه أبو بكر بن أبي داود حديث ابن أبي العشرين عنه عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس يخبر أن رجلا أصابه جرح في رأسه على عهد رسول الله ﷺ ثم أصابه الإحتلام فأمر بالاغتسال فاغتسل فكز فمات فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال

قتلوه قتلهم الله أولم يكن شفاء العي السؤال قال عطاء وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عنه قال البيهقي وأصح ما في هذا حديث عطاء بن أبي رباح يعني حديث الأوزاعي هذا وأما حديث علي انكسرت إحدى زنديه

فأمره النبي ﷺ أن يسمح على الجبائر فهو من رواية عمر بن خالد وهو متروك رماه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بالكذب وذكر ابن عدي عن وكيع قال كان عمرو بن خالد في جوارنا يضع الحديث فلا فطن له تحول إلى واسط وقد سرقه عمر بن موسى بن وجيه فرواه عن زينب بنت علي مثله وعمر هذا متروك منسوب إلى الوضع وروى بإسناد آخر لا يثبت قال البيهقي وصح عن ابن عمر المسح على العصابة موقوفا عليه وهو قول جماعة من التابعين 2

قال ابن القيم رحمه الله قال أبو داود في رواية ابن داسة شداد مولى عياض لم يدرك بلالا وهذا من روايته عنه

قال ابن القيم رحمه الله وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ولفظه لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين إلا صفية بنت الحارث وقد ذكرها ابن حبان في الثقات

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث علي بن شيبان وكان أحد الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ من بني حنيفة قال صليت خلف رسول الله ﷺ فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته نظر إلى رجل خلف الصف وحده فقال النبي ﷺ هكذا صليت قال نعم قال فأعد صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وحده هذا لفظ ابن حبان ولفظ أحمد عنه أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وحديث وابصة أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد وفي لفظ لأحمد فيه سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصف وحده فقال يعيد الصلاة وقد أعل الشافعي حديث وابصة فقال قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة رجلا ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه وسمعت بعض أهل العلم منهم كان يوهنه بما وصفت وأعله غيره بأن هلال بن يساف تفرد به عن وابصة والعلتان جميعا ضعيفتان فأما الأولى فإن هلال بن يساف رواه عن عمرو بن راشد عن وابصة وعن زياد بن أبي الجعد عن وابصة ذكر ذلك ابن حبان في صحيحه وقال سمع هذا الخبر هلال بن يساف من عمرو بن راشد وسمعه من زياد بن أبي الجعد كلاهما عن وابصة قال هما طريقان جميعا محفوظان فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال ووابصة لا يوهن الحديث شيئا وأما العلة الثانية فباطلة وقد أشار ابن حبان إلى بطلانها فقال ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هلال بن يساف تفرد بهذا الخبر ثم ساق من حديث عبيد بن أبي الجعد عن أبيه زياد بن أبي الجعد عن وابصة فذكره فالحديث محفوظ قال الشافعي ولو ثبت حديث وابصة فحديثنا أولى أن يؤخذ به ولأن معه القياس وقول العامة يريد حديث أبي بكرة لما ركع وحده دون الصف ومشى حتى دخل في الصف قال فإن قال قائل وما القياس وقول العامة قيل أرأيت صلاة الرجل منفردا

أتجزىء عنه فإن قال نعم قلت وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة فإن قال نعم قيل فهل يعدو المنفرد خلف الصف أن يكون كالإمام المنفرد أمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردا فإن قيل فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد قيل فسنة موقفهما تدل على أنه ليس في الانفراد شيء يفسد الصلاة فإن قال بالحديث فيه قيل فالحديث ما ذكرنا فإن قيل فاذكر الحديث قيل أخبرنا مالك ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف الصف وليس في شيء من هذا ما يعارض حديث وابصة وعلي بن شيبان أما حديث أبي بكرة فإنما فيه أنه ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف والاعتبار إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في الصف وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف فلا حجة فيه مرجوحة وأما موقف الإمام والمرأة فالسنة تقدم هذا وتأخر المرأة والسنة للمأموم الوقوف في الصف إما استحبابا وإما وجوبا فكيف يقاس أحدهما على الآخر ولو خالفت المرأة موقفها بطلت صلاتها في أحد القولين وكره لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر ولو وقف الرجال فذا كما تقف المرأة بطلت صلاته في قول وكرهت في آخر فأين أحدهما من الآخر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله حديث ضباعة قال ابن القطان فيه ثلاثة مجاهيل الوليد بن كامل عن المهلب بن حجر عن ضباعة بنت المقداد عن أبيها قال عبدالحق ليس إسناده قوي ورواه النسائي من حديث بقية عن الوليد بن كامل حدثنا المهلب بن حجر البهراني عن ضبيعة بنت المقدام بن معد يكرب عن أبيها قال قال رسول الله ﷺ إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو شيء فلا يجعله نصب عينيه وليجعله على حاجبه الأيسر فهذا أمر وحديث أبي داود فعل فقد اختلف على الوليد بن كامل كما ترى فعلى بن

عياش رواه فعلا وبقية رواه قولا وابن أبي حاتم ذكر المهلب بن حجر أنه يروي عن ضباعة بنت المقدام بن معد يكرب وهذا غير ما في الإسنادين فإن فيهما ضباعة بنت المقداد أو ضبعة بنت المقدام والله أعلم

قال ابن القيم رحمه الله قلت رجال إسناده رجال مسلم والاختلاف الذي أشار إليه أبو داود هو أنه يروي مرفوعا وموقوفا ومسندا ومتصلا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال ابن حبان وغيره التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة فأما إذا لم يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه واحتج أبو حاتم يعني ابن حبان على ذلك بما رواه في صحيحه عن المطلب بن أبي وداعة قال رأيت النبي ﷺ حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد قال أبو حاتم بن حبان في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة وفيه دليل واضح على أن

التغليظ الذي روى في المار بين يدي المصلي إنما أريد بذلك إذا كان المصلي يصلي إلى سترة دون الذي يصلي إلى غير سترة يستتر بها قال أبو حاتم بن حبان ذكر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين الطوافين وبين النبي ﷺ سترة ثم ساق من حديث المطلب قال رأيت النبي ﷺ يصلي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينهم وبينه سترة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال ابن القطان علته شك الراوي في رفعه فإنه قال عن ابن عباس قال أحسبه عن رسول الله ﷺ فهذا رأي لا خبر ولم يجزم ابن عباس برفعه في الأصل وأثبته ابن أبي سمينة أحد الثقات وقد جاء هذا الخبر موقوفا على ابن عباس بإسناد جيد بذكر أربعة فقط قال البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة قال قلت لجابر بن زيد ما يقطع الصلاة قال قال ابن عباس الكلب الأسود والمرأة والحائض قلت قد كان يذكر الرابع قال ما هو قلت الحمار قال رويدك الحمار قلت كان يذكر رابعا قال ما هو قال العلج الكافر قال إن استطعت أن لا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل تم كلامه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله حديث ابن غزوان هذا قال عبد الحق إسناده ضعيف قال ابن القطان سعيد مجهول فأما أبوه غزوان فإنه لا يعرف مذكورا وأما ابنه فقد ذكر وترجم في مظان ذكره بما يذكر به المجهولون وظن عبد الحق أن غزوان هذا صحابي وليس كذلك فإنه نقص في إسناده

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فيه وضع اليمنى على اليسرى في القيام وفي الباب حديث سهل بن سعد الساعدي قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم لا أعلمه إلا ينمي ذلك رواه مالك في موطئه عن أبي حازم بن دينار عنه وبوب عليه فقال وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة وقال في الباب عن عبدالكريم بن أبي المخارق أنه قال من كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة تضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناء يعني المتأني بالسحور قال أبو عمر تضع اليمنى على اليسرى من كلام مالك وهذه الترجمة والدليل والتفسير صريح في أن مذهبه وضع اليمنى على اليسرى وقد روى أبو حاتم ابن حبان في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا ونعجل فطرنا وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله حديث أبي حميد هذا حديث صحيح متلقى بالقبول لا علة له وقد أعله قوم بما برأه الله وأئمة الحديث منه ونحن نذكر ما عللوه به ثم نبين فساد تعليلهم وبطلانه بعون الله

قال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام هذا الحديث من رواية عبدالحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو وهو صدوق وثقه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأخرج له مسلم وضعفه يحيى بن سعيد في رواية عنه وكان الثوري يجد عليه من أجل القدر فيجب التثبت فيما روى من قوله فيهم أبو قتادة فإن أبا قتادة توفي في زمن علي وصلى عليه علي وهو ممن قاتل معه وسن محمد ابن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك قال وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك أنه توفي سنة أربع وخمسين وليس بصحيح بل الصحيح ما ذكرناه وقيل في سنة أربعين ذكر هذا التعليل أبو جعفر الطحاوي قال الطحاوي والذي زاده محمد بن عمرو غير معروف ولا متصل لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل لأنه قتل مع علي وصلى عليه علي فأين سن محمد بن عمرو من هذا قال الطحاوي وعبد الحميد بن جعفر ضعيف قال ابن القطان ويزيد هذا المعنى تأكيدا أن

عطاف بن خالد روى هذا الحديث فقال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء حدثنا رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسا فذكر نحو حديث أبي عاصم وعطاف بن خالد مدني ليس بدون عبدالحميد بن جعفر وإن كان البخاري حكى أن مالكا لم يحمده قال وذلك لا يضره لأن ذلك غير مفسر من مالك بأمر يجب لأجله ترك روايته قال وقد اعترض الطبراني على مالك في ذلك بما ذكرناه من عدم تفسير الجرح بأمر آخر لا يراه صوابا وهو أن قال وحتى لو كان مالك قد فسر لم يجب أن يترك بتجريحه رواية عطاف حتى يكون معه مجرح آخر قال ابن القطان وإثما لم يره صوابا لوجهين أحدهما أن هذا المذهب ليس بصحيح بل إذا جرح واحد بما هو جرحه قبل فإنه نقل منه لحال سيئة تسقط بها العدالة ولا يحتاج في النقل إلى تعدد الرواة والوجه الثاني أن ابن مهدي أيضا لم يرض عطافا لكن لم يفسر بماذا لم يرضه فلو قبلنا قوله فيه قلدناه في رأي لا في رواية وغير مالك وابن مهدي يوثقه قال أبو طالب عن أحمد هو من أهل المدينة ثقة صحيح الحديث روى نحو مائة حديث وقال ابن معين صالح الحديث ليس به بأس وقد قال ابن معين صالح الحديث ليس به بأس وقد قال ابن معين من قلت ليس به بأس فهو عندي ثقة وقال أبو زرعة ليس به بأس وقال أبو حاتم ليس بذاك قال ابن القطان ولعله أحسن حالا من عبدالحميد بن جعفر وهو قد بين أن بين محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلا قال ولو كان هذا عندنا محتاجا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المدرك الذي قد فرغت منه ولكنه غير محتاج إليه للمقرر من تاريخ وفاة أبي قتادة وتقاصر سن محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلا فإنما جاءت رواية عطاف عاضدة لما قد صح

وفرغ منه قال وقد رواه عيسى بن عبدالله بن مالك عن محمد بن عمر فقال فيه عن عياش أبو عباس بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبو قتادة وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين ما ذكره عبدالحميد بن جعفر ذكره أبو داود وقد رواه البخاري في صحيحه حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد سمعا محمد بن عمرو بن حلحلة سمع محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي ﷺ فذكر في صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ رأيته إذا كبر فذكر الحديث وهذا لا ذكر فيه لأبي قتادة ولكن ليس فيه ذكر لسماعه من أبي حميد وإن كان ذلك ظاهره هذا آخر كلامه وهو مع طوله مداره على ثلاثة فصول أحدها تضعيف عبدالحميد بن جعفر و الثاني تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء و الثالث انقطاع الحديث بين محمد بن عمرو وبين الصحابة الذين رواه عنهم والجواب عن هذه الفصول أما الأول فعبدالحميد بن جعفر قد وثقه يحيى بن معين في جميع الروايات عنه ووثقه الإمام أحمد أيضا واحتج به مسلم في صحيحه ولم يحفظ عن أحد من أئمة الجرح والتعديل تضعيفه بما يوجب سقوط روايته فتضعيفه بذلك مردود على قائلة وحتى لو ثبت عن أحد منهم إطلاق الضعف عليه لم يقدح ذلك في روايته ما لم يبين سبب ضعفه وحينئذ ينظر فيه هل هو قادح أم لا وهذا إنما يحتاج إليه عند الاختلاف في توثيق الرجل وتضعيفه وأما إذا اتفق أئمة الحديث على تضعيف رجل لم يحتج إلى ذكر سبب ضعفه هذا أولى ما يقال في مسألة التضعيف المطلق وأما الفصل الثاني وهو تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء ففي غاية الفساد فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة والثقة وقد وثقه أئمة الحديث كأحمد ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وغيرهم واتفق صاحبا الصحيح على الاحتجاج به وتضعيف يحيى بن سعيد له إن

صح عنه فهو رواية المشهور عنه خلافها وحتى لو ثبت على تضعيفه فأقام عليه ولم يبين سببه لم يلتفت إليه من مع توثيق غيره من الأئمة له ولو كان رجل ضعفه رجل سقط لذهب عامة الأحاديث الصحيحة من أيدينا فقل رجل من الثقات إلا وقد تكلم فيه آخر وأما قوله كان سفيان يحمل عليه فإنما كان ذلك من جهة رأيه لا من جهة روايته وقد رمى جماعة من الأئمة المحتج بروايتهم بالقدر كابن أبي عروبة وابن أبي ذئب وغيرهما وبالأرجاء كطلق ابن حبيب وغيره وهذا أشهر من أن يذكر نظائره وأئمة الحديث لا يردون حديث الثقة بمثل ذلك وأما الفصل الثالث وهو انقطاع الحديث فغير صحيح وهو مبني على ثلاث مقدمات إحداها أن وفاة أبي قتادة كانت في خلافة علي والثانية أن محمد بن عمر لم يدرك خلافة علي والثالثة أنه لم يثبت سماعه من أبي حميد بن بينهما رجل فأما المقام الأول وهو وفاة أبي قتادة فقال البيهقي أن مع أهل التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن ربعي بقي إلى سنة أربع وخمسين وقيل بعدها ثم روي من طريق يعقوب بن سفيان قال قال ابن بكير قال الليث مات أبو قتادة الحارث بن ربعي بن النعمان الأنصاري سنة أربع و خمسين قال وكذلك قاله الترمذي فيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي حامد المقري عنه وكذلك ذكره أبو عبدالله بن منده الحافظ في كتابه معرفة الصحابة وكذلك ذكره الواقدي عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة أن أبا قتادة مات بالمدينة سنة خمس وخمسين وهو ابن سبعين سنة قال والذي يدل على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قتادة وعمرو بن سليم الزرقي وعبد الله بن رباح الأنصاري رووا عن أبي قتادة وإنما حملوا العلم بعد أيام علي فلم يثبت لهم عن أحد ممن توفي في أيام علي سماعة وروينا عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن معاوية بن أبي سفيان لما قدم المدينة تلقته الأنصار وتخلف أبو قتادة ثم دخل عليه بعد وجرى بينهما ما جرى ومعلوم أن معاوية إنما قدمها حاجا قدمته الأولى في خلافته سنة أربع وأربعين وفي تاريخ البخاري بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي قتادة وهو على المدينة أن اغد معي حتى تريني مواقف النبي صىل الله عليه وسلم وأصحابه فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته ومروان إنما ولي المدينة في أيام معاوية ثم نزع عنها سنة ثمان وأربعين واستعمل عليها سعيد بن العاص ثم نزع سعيد بن العاص سنة أربع وخمسين وأمر عليها مروان قال النسائي في سننه حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال سمعت نافعا يزعم أن ابن عمر صلى على سبع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم ابنة علي امرأة عمرة بن الخطاب وابن لها يقال له زيد وضعا جميعا والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل

فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت ما هذا قالوا هي السنة فتأمل سند هذا الحديث وصحته وشهادة نافع بشهود أبي قتادة هذه الجنازة والأمير يومئذ سعيد بن العاص وإنما كانت إمرته في خلافة معاوية سنة إثنان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين كما قدمناه وهذا مما لا يشك فيه عوام أهل النقل وخاصتهم فإن قيل فما تصنعون بما رواه موسى بن عبدالله بن يزيد أن عليا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا وكان بدريا وبما رواه الشعبي قال صلى على أبي قتادة وكبر عليه ستا قلنا لا تجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة وقد خطأ الأئمة رواية موسى هذه ومن تابعة وقالوا هي غلط قاله البيهقي وغيره ويدل على أنها غلط وجوه أحدها ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرحة بتأخير وفاته وبقاء مدته بعد موت علي الثاني أنه قال كان بدريا وأبو قتادة لا يعرف أنه شهد بدرا وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم أسامي من شهد بدرا من الصحابة وليس في شيء منها ذكر أبي قتادة فكيف يجوز رد الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها بمثل هذه الرواية الشاذة التي قد علم خطؤها يقينا إما في قوله وصلى عليه علي وإما في قوله وكان بدريا وأما رواية الشعبي فمنقطعة أيضا غير ثابتة ولعل بعض الرواة غلط من تسمية قتادة بن النعمان أو غيره إلى أبي قتادة فإن قتادة بن النعمان بدري وهو قديم الموت وأما المقام الثاني وهو أن محمد بن عمرو لم يدرك خلافة علي فقد تبين أن أبا قتادة تأخر عن خلافة علي وأما المقام الثالث وهو أن محمد بن عمرو لم يثبت سماعه من أبي حميد بل بينهما رجل فباطل أيضا قال الترمذي في جامعه حدثنا محمد بن بشار والحسن بن علي الخلال وسلمة بن شبيب وغير واحد قالوا حدثنا أبو عاصم حدثنا عبدالحميد بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو قتادة بن ريعى فذكره وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا هشيم حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء القرشي قال رأيت أبا حميد الساعدي مع عشرة وهط من أصحاب النبي ﷺ فقال ألا أحدثكم فذكره وقال البخاري في التاريخ الكبير محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة العامري القرشي المدني سمع أبا حميد الساعدي وأبا قتادة وابن عباس روى عنه عبدالحميد بن جعفر وموسى بن عقبة ومحمد بن عمرو بن حلحلة والزهري وأبو حميد توفي قبل الستين في خلافة معاوية وأبو قتادة توفي بعد الخمسين كما ذكرنا فكيف نكر لقاء محمد لهما وسماعه منهما

ثم ولو سلمنا أن أبا قتادة توفي في خلافة علي فمن أين يمتنع أن يكون محمد بن عمرو في ذلك الوقت رجلا ولو امتنع أن يكون رجلا لتقاصر سنة عن ذلك لم يمتنع أن يكون صبيا مميزا وقد شاهد هذه القصة في صغره ثم أداها بعد بلوغه وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقا وهو أسوة أمثالة في ذلك فرد الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة مما يرغب عن مثله أئمة العلم والله الموفق وأما إدخال من أدخل بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أبي حميد الساعدي رجلا فإن ذلك لا يضر الحديث شيئا فإن الذي فعل ذلك رجلان عطاف بن خالد وعيسى بن عبدالله فأما عطاف فلم يرضى أصحاب الصحيح إخراج حديثه ولا هو ممن يعارض به الثقات الأثبات قال مالك ليس هو من جمال المحامل وقد تابع عبدالحميد بن جعفر على روايته محمد بن عمرو بن حلحلة كلاهما قال عن محمد بن عمرو بن عطاء عن حميد ولا يقاوم عطاف بن خالد بهذين حتى تقدم روايته على روايتهما وقوله لم يصرح محمد بن عمرو بن حلحلة في حديثه بسماع ابن عطاء من أبي حميد فكلام بارد فإنه قد قال سمع محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي ﷺ فذكروا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد وقد قال رأيت أبا حميد ومرة سمعت أبا حميد فما هذا التكلف البارد والتعنت الباطل في انقطاع ما وصله الله وأما حديث عيسى بن عبدالله فقال البيهقي اختلف في اسمه فقيل عيسى بن عبدالله وقيل عيسى بن عبدالرحمن وقيل عبدالله بن عيسى ثم اختلف عليه في ذلك فروى عن الحسن بن الحر عن عيسى بن عبدالله عن محمد بن عمرو عن عياش أو عباس بن سهل عن أبي حميد وروى عن عتبة بن أبي الحكيم عن عبدالله بن عيسى عن العباس بن سهل عن أبي حميد ليس فيه محمد بن عطاء وروينا حديث أبي حميد عن فليح بن سليمان عن عباس بن سهل عن أبي حميد وبين فيه عبدالله بن المبارك عن فليح سماع عيسى من عباس مع سماع فليح من عباس فذكر محمد بن عمرو بينهما وهم آخر كلامه وهذا والله أعلم من تخليط عيسى أو من دونه فإن حديث عباس هذا لا ذكر فيه لمحمد بن عمرو ولا رواه محمد بن عمرو عنه ونحن نذكر حديثه قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا فليح بن سليمان حدثنا عباس بن سهل قال اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه وقال حسن صحيح وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبدالملك بن عمرو أخبرنا فليح حدثنا عباس بن سهل قال اجتمع أبو حميد وأبو أسيد فذكره أطول من حديث الترمذي قال أبو داود ورواه عتبة بن أبي حكيم عن عبدالله بن عيسى عن العباس بن سهل قال ورواه

ابن المبارك أخبرنا فليح قال سمعت عباس بن سهل يحدث فلم أحفظه فحدثنيه عيسى بن عبدالله أنه سمعه من عباس بن سهل قال حضرت أبا حميد فهذا هوالمحفوظ من رواية عباس لا ذكر فيه لمحمد بن عمرو بوجه ورواه أبو داود من حديث أبي خيثمة حدثنا الحسن بن الحر حدثنا عيسى بن عبدالله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه وفي المجلس أبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد بهذا الخبر يزيد وينقص فهذا الذي غر من قال إن محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي حميد وهذا والله أعلم من تخليط عيسى أو من دونه لأن محمدا قد صرح بأن أبا حميد حدثه به وسمعه منه ورواه حين حدثه به فكيف يدخل بينه وبينه عباس بن سهل وإنما وقع هذا لما رواه محمد بن عمرو عن أبي حميد ورواه العباس بن سهل عن أبي حميد خلط بعض الرواة وقال عن محمد بن عمرو عن العباس وكان ينبغي أن يقول وعن العباس بالواو ويدل على هذا أن عيسى بن عبدالله قد سمعه من عباس كما في رواية ابن المبارك فكيف يشافهه به عباس بن سهل ثم يرويه عن محمد بن عمرو عنه فهذا كله بين أن محمد بن عمرو وعباس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حميد فصح الحديث بحمد الله وظهر أن هذه العلة التي رمى بها مما تدل على قوته وحفظه وأن رواية عباس بن سهل شاهدة ومصدقة لرواية محمد بن عمرو وهكذا الحق يصدق بعضه بعضا وقد رواه الشافعي من حديث إسحاق بن عبدالله عن عباس بن سهل عن أبي حميد ومن معه من الصحابة ورواه فليح بن سليمان عن عباس عن أبي حميد وهذا لا ذكر فيه لمحمد بن عمرو وهو إسناد متصل تقوم به الحجة فلا ينبغي الإعراض عن هذا والاشتغال بحديث عبدالحميد بن جعفر والتعلق عليه بالباطل ثم لو نزلنا عن هذا كله وضربنا عنه صفحا إلى التسليم أن محمد بن عمرو لم يدرك أبا قتادة فغايته أن يكون الوهم قد وقع في تسمية أبي قتادة وحده دون غيره ممن معه وهذا لا يجوز بمجرده تركه حديثه والقدح فيه عند أحد من الأئمة ولو كان كل من غلط ونسي واشتبه عليه اسم رجل بآخر يسقط حديثه لذهبت الأحاديث ورواتها من أيدي الناس فهبه غلط في تسميته أبا قتادة أفيلزم من ذلك أن يكون ذكر باقي الصحابة غلطا ويقدح في قوله سمعت أبا حميد ورأيت أبا حميد أو أن أبا حميد قال وأيضا فإن هذه اللفظة لم يتفق عليها الرواة وهي قوله فيهم أبو قتادة فإن محمد بن عمرو بن حلحلة رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء ولم يذكر فيهم أبا قتادة ومن طريقه رواه البخاري ولم يذكرها وأما عبدالحميد بن جعفر فرواه عنه هشام ولم يذكرها ورواه عنه أبو عاصم الضحاك بن مخلد ويحيى بن سعيد فذكراها عنه وأظن عبدالحميد بن جعفر تفرد بها ومما يبين أنها ليست بوهم أن محمد بن مسلمة قد كان في أولئك الرهط ووفاته سنة ثلاث وأربعين فإذا لم تتقاصر سن محمد بن عمرو عن لقائه فكيف تتقاصر عن لقاء أبي قتادة ووفاته إما بعد الخمسين عند الأكثرين أو قبيل الأربعين عند بعضهم والله الموفق للصواب

وقال ابن القيم رحمه الله وهذا الحديث على شرط مسلم رواه جماعة عن الزهري عن أبي بكر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال سفيان بن عبدالملك سمعت ابن المبارك يقول لم يثبت حديث بن مسعود أنه رفع يديه في أول تكبيرة وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل سألت أبي عن هذا الحديث فقال هذا خطأ يقال وهم فيه الثوري وروى هذا الحديث جماعة عن عاصم فقالوا كلهم إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق ولم يقل أحد ما روى الثوري وقال الحاكم خبر ابن مسعود مختصر وعاصم بن كليب لم يخرج حديثه في الصحيح وليس كما قال فقد احتج به مسلم إلا أنه ليس في الحفظ كابن شهاب وأمثاله وأما إنكار سماع عبدالرحمن من علقمة فليس بشيء فقد سمع منه وهو ثقة وأدخل على عائشة وهو صبي ولكن معارضة سالم عن أبيه بعاصم بن كليب عن عبدالرحمن بن الأسود لا تقبل وقال الأثرم قال أبو عبدالله كان وكيع يقول في الحديث يعني وربما طرح يعني ذكر نفس الحديث ثم قال أحمد عن عاصم بن كليب سمعته منه يعني من وكيع غير مرة فيه ثم لم يعد فقال لي أبو عبدالرحمن الوكيعي كان وكيع يقول فيه يعني ثم لم يعد وتبسم أحمد وقال أبو حاتم البستي في كتاب الصلاة له هذا الحديث له علة توهنه لأن وكيعا اختصره من حديث طويل ولفظة ثم لم يعد إنما كان وكيع يقولها في آخر الخبر من قبله وقبلها يعني فربما أسقطت يعني وحكى البخاري تضعيفه عن يحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وتابعهما عليه وضعفه الدارمي والدارقطني والبيهقي وهذا الحديث روى بأربعة ألفاظ أحدها قوله فرفع يديه في أول مرة ثم لم يعد والثانية فلم يرفع يديه إلا مرة والثالثة فرفع يديه في أول مرة لم يذكر سواها والرابعة فرفع يديه مرة واحدة والإدراج ممكن في قوله ثم لم يعد وأما باقيها فإما أن يكون قد روي بالمعنى وإما أن يكون صحيحا

قال ابن القيم رحمه الله وقال عثمان الدارمي سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال لا يصح هذا الحديث وقال يحيى بن محمد الذهلي سمعت أحمد بن حنبل يقول هذا حديث واه قال ابن القيم رحمه الله ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن يزيد ولفظه رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه قال ابن عيينة ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد فسمته يحدث بهذا وزاد فيه ثم لا يعود فظنت أنهم قد لقنوه قال الشافعي ذهب سفيان إلى تغليط يزيد وقال الإمام أحمد هذا حديث واه وقال ابن عبدالبر تفرد به يزيد بن أبي زياد ورواه شعبة والثوري وابن عيينة وهشيم وخالد بن عبدالله لم يذكر أحد منهم ثم لا يعود وقال يحيى بن معين يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث وقال ابن عدي ليس بذاك وقال الحميدي الكبير قلنا للمحتج بهذا إنما رواه يزيد ويزيد يزيد وقال أحمد في رواية عنه لا يصح عنه هذا الحديث وقال الدارمي ومما يحقق قول سفيان أنهم لقنوة هذه الكلمة أن الثوري وزهير بن معاوية وهشيما وغيرهم من أهل المعلم لم يجيئوا بها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة قال البيهقي وقد رواه إبراهيم بن بشار عن سفيان حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع قال سفيان فلما قدمت الكوفة سمعته يقول يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود وظننت أنهم لقنوه فهذه ثلاثة أوجه عن يزيد فلو قدر أنه من الحفاظ الأثبات وقد اختلف حديثه لوجب تركه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة التي لم تختلف مثل حديث الزهري عن سالم عن أبيه ونحوها فمعارضتها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب المختلف في غاية البطلان قال الحاكم وإبراهيم بن بشار ثقة مأمون وقال ابن معين ليس بشيء وقال أحمد يأتي عن سفيان بالطامات حتى كأنه ليس سفيان

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف في وقت هذا الدعاء الذي في آخر الصلاة ففي سنن أبي داود كما ذكره هنا قال وإذا سلم قال وفي صحيح مسلم روايتان إحداهما ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي إلى آخره والرواية الثانية قال وإذا سلم قال اللهم اغفر لي كما ذكره أبو داود وفي هذا الحديث شيء آخر وهو أن مسلما أدخله في باب صلاة النبي ﷺ بالليل وظاهر هذا أن هذا الافتتاح كان في قيام الليل وقال الترمذي وابن حبان في صحيحه في هذا الحديث كان رسول الله ﷺ إذ قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ثم قال الحديث وروى النسائي من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال إن صلاتي ونسكي ومحياي

ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وذكر دعاء بعده قال النسائي هذا حديث حمصي رجع إلى المدينة ثم إلى مكة

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله قال ابن القطان حميد بن قيس أحد الثقات وإنما علته أنه من رواية قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان عن حميد وقطن وإن كان روى عنه مسلم فكان أبو زرعة يحمل عليه ويقول روى عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس أحاديث مما أنكر عليه وجعفر أيضا مختلف فيه فليس ينبغي أن يحمل على حميد وهو ثقة بلا خلاف في شيء جاء به عنه من يختلف فيه 3

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم وأعل هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول وهو مدلس لم يصرح بسماعه من مكحول وإنما عنعنه والمدلس إذا عنعن لم يحتج بحديثه وكذلك رواه أبو داود قال البيهقي وقد رواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فذكر سماعه فيه من مكحول فصار الحديث بذلك موصولا صحيحا وقد رواه البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وقال هو صحيح ووثق إبن إسحاق وأثنى عليه واحتج بحديثه فيه ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضا وقال هو صحيح

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أعل البيهقي هذا الحديث بابن أكيمة وقال تفرد به وهو مجهول ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب واختلفوا في اسمه فقيل عمارة وقيل عمار قاله البخاري وقوله فانتهى الناس عن القراءة من قول الزهري قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات والبخاري وأبو داود واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري قال وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر فيه وفيما خافت وقال غيره هذا التعليل ضعيف فإن ابن أكيمة من التابعين وقد حدث بهذا

الحديث ولم ينكره عليه أعلم الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب ولا يعلم أحد قدح فيه ولا جرحه بما يوجب ترك حديثه ومثل هذا أقل درجات حديثه أن يكون حسنا كما قال الترمذي وقوله فانتهى الناس وإن كان الزهري قاله فقد رواه معمر عن الزهري قول أبي هريرة وأي نتاف بين الأمرين بل كلاهما صواب قاله أبو هريرة كما قال معمر وقاله الزهري كما قاله هؤلاء وقاله معمر أيضا كما قال أبو داود فلو كان قول الزهري له علة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري وأن نجعل ذلك كلام معمر وقوله كيف يصح ذلك عن أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال اقرأ بها في نفسك وهذا مطلق ليس فيه بيان فيه أن يقرأ بها حال الجهر ولعله قال له يقرأ بها في السر والسكتات ولو كان عاما فهذا رأى له خالفه فيه غيره من الصحابة والأخذ بروايته أولى وقد روى الدارقطني والبيهقي من حديث زيد بن وافد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود أنه سمع عبادة بن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة فقلت رأيتك صنعت في صلاتك شيئا قال وما ذاك قلت سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال نعم صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال هل منكم من أحد يقرأ شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة قلنا نعم يارسول الله فقال رسول الله ﷺ وأنا أقول مالي أنازع القرآن لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن قال الدراقطني إسناده حسن ورجاله ثقات قال البيهقي وزيد بن وافد ثقة ومكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه نافع بن محمود ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعا من

عبادة بن الصامت وروى البيهقي من طريق سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال قال رسول الله ﷺ لعلكم تقرأون والإمام يقرأ قالوا إنا لنفعل قال فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب رواه جماعة عن سفيان قال وهذا إسناد صحيح وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه ولكن لهذا الحديثة علة وهي أن أيوب خالف فيه خالدا ورواه عن أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلا وهو كذلك في تاريخ البخاري عن مؤمل عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي ﷺ وأما حديث جابر يرفعه من كان له إمام قراءة الإمام له فقراءة فله علتان إحداهما أن شعبة والثوري وابن عيينة وأبا عوانة وجماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا والعلة الثانية أنه لا يصح رفعه وإنما المعروف وقفه قال الحاكم سمعت سلمة بن محمد يقول سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المروي عن النبي ﷺ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فقال لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود والصحابة قال الحاكم أعجبني هذا لما سمعته فإن أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي تحت أديم السماء وقد رفعه جابر الجعفي وليث بن أبي سلم عن أبي الزبير عن جابر وتابعهما من هو أضعف منهما أو مثلهما

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وصحح الدارقطني هذا الحديث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد صححه ابن خزيمة وأبو حاتم وابن حبان والحاكم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قاله الجماعة ومسلم أخرج له من روايته عن أخيه عقمة عن أبيه وائل

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال الترمذي وقد روى من حديث عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم كان يضع يديه قبل ركبتيه قال الحافظ شمس الدين بن القيم قال ابن المنذر وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ وقال هذا القائل وحدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن

سعد عن سعد قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين تم كلامه وهذا الحديث هو في الصحيحين عن مصعب بن سعد قال صليت إلى جنب أبي فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني عن ذلك فعدت فقال لا تصنع هذا فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الركب ولعل بعض الرواة غلط فيه من موضع اليدين على الركبتين إلى وضع اليدين قبل الركبتين قال ابن المنذر وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فمن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه عمر بن الخطاب وبه قال النخعي ومسلم بن يسار والثور والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة وقالت طائفة يضع يديه قبل ركبتيه قاله مالك وقال الأوزاعي أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم وروى عن ابن عمر فيه حديث أما حديث سعد ففي إسناده مقال ولو كان محفوظا لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث بنسخ التطبيق وقد روى الدارقطني من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال رأيت رسول الله ﷺ انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه وروى البيهقي من حديث إبراهيم بن موسى عن محمد بن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل قال البيهقي وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف قلت قال أحمد والبخاري متروك وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي هو خلاف حديث الأعرج عنه وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث يحيى بن سلمة بن كهل عن أبيه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كهيل وقد قال النسائي ليس بثقة وقال البخاري في أحاديثه مناكير قال البيهقي المحفوظ عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التطبيق وإسناد هذه الرواية ضعيف وكذلك قال الحازمي وغيره والراجح البداءة بالركبتين لوجوه أحدها أن حديث وائل بن حجر لم يختلف عليه وحديث أبي هريرة قد اختلف فيه كما ذكرنا الثاني أن النبي ﷺ نهى عن التشبه بالجمل في بروكه والجمل إذا برك إنما يبدأ بيديه قبل ركبتيه وهذا موافق لنهيه ﷺ عن التشبه بالحيوانات في الصلاة فنهى عن التشبه بالغراب في النقر والتفات كالتفات ثعلب وافتراش كافتراش السبع وإقعاء كإقعاء الكلب ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل وبروك كبروك البعير الثالث حديث أنس من رواية حفص بن غياث عن عاصم الأحول عنه ولم يختلف

الرابع أنه ثابت عن عمر بن الخطاب وأما حديث عبد الله ابنه فالمرفوع منه ضعيف وأما الموقوف فقال البيهقي المشهور عنه إذا سجد أحدكم فليضع يديه فإذا رفع فليرفعهما فإن اليدان تسجدان كما يسجد الوجه فهذا هو الصحيح عنه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فصل في سياق صلاة رسول الله ﷺ وبيان اتفاق الأحاديث فيها وغلط من ظن أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتادة سراق الصلاة والنقارون لها ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتدالة بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء لفظ مسلم وفي صحيح مسلم أيضا عن شعبة عن الحكم قال غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قلم قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال الحكم فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن أبي ليلى فقال سمعت البراء بن عازب يقول كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء وروى البخاري هذا الحديث وقال فيه ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء ولا شك أن قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان في الطول على بقية الأركان ولما كان ﷺ يوجز القيام ويستوفي بقية الأركان

صارت صلاته قريبا من السواء فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى والبراء تارة قرب ولم يحدد فلم يذكر القيام والقعود وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى ذكر القيام والقعود وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين فإنه كان يخفضهما فلم يكونا قريبا من بقية الأركان فإنهما ركنان قصيران وهذا من سوء الفهم فإن سياق الحديث يبطله فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما فكيف يذكرهما مع بقية الأركان ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها ثم يستثنيهما منها وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدا وعمرا وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة صريحة أحدها هذا وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء ولو كان النبي ﷺ يخفف هذين الركنين لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة ولم يرو عن رسول الله ﷺ ما يتضمن تصويبه ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس قال ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر مد في صلاة الفجر وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس قال ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله ﷺ وإتمامها وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جدا كما أخبر به وقد أخبر أنه ما رأى أوجز صلاة منها ولا أتم فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود وركني الأعتدال فهذا تصير الصلاة تامة موجزة فيصدق قوله ما رأيت أوجز منها ولا أتم ويطابق هذا حديث البراء المتقدم وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة ويعنادونه وروايات الصحيحين تدل على ذلك ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا قال ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه في السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي وفي لفظ وإذا رفع رأسه بين السجدتين وفي رواية

للبخاري من حديث شعبة عن ثابت كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ فكان يصلي وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي وهذا يبين أن إطالة ركني الاعتدالين مما ضيع من عهد ثابت ولهذا قال فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تفعلونه وهذا والله أعلم مما أنكره أنس مما أحدث الناس في الصلاة حيث قال ما أعلم شيئا مما كان على عهد رسول الله ﷺ قيل ولا الصلاة قال أو ليس قد أحدثتم فيها ما أحدثتم فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس وقول أنس إنكم قد أحدثتم فيها يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها ومما يدل على أن السنة إطالتهما أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل فقرأ البقرة والنساء وآل عمران وركع نحوا من قيامه ورفع نحوا من ركوعه وسجد نحوا من قيامه وجلس نحوا من سجوده متفق عليه وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وفي صحيح مسلم نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفي وزاد بعد قوله وملء ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الوسخ فهذه الاذكار والدعوات ونحوها والله أعلم من التي كان يقولها في حديث أنس أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا قد أوهم لأنه ليس محل سكوت فجاء الذكر مفسرا في هذه الاحاديث وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال سمعت أنس بن مالك يقول ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبدالعزيز قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات وإسناده ثقات وفي صحيح مسلم عن أبي قزعة قال أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ فقال مالك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى وفي رواية مما يطولها وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأي أن صلاة الناس في زمانه أنقص مما كان رسول الله ﷺ يفعلها ولهذا قال للسائل مالك في ذلك من خير وفي الصحيحين أنه ﷺ كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة ومن المتيقن أنه ﷺ لم تكن

قراءته في الصلاة هذا بل ترتيلا بتدبير وتأن وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين وأصله في الصحيح أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بطولي الطوليين يريد الأعراف كما جاء مفسرا في رواية النسائي وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أنها سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفا فقالت يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ لأنه كان في آخر حياته ﷺ وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال شكا أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طاله السجود وأعيا وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم وهذا لا يكون مع قصر السجود وفي الصحيحين أنه ﷺ قال إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه وأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفا فالمراد به والله أعلم أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفا يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين أحدهما أن مسلما روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف الثاني أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الآمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل وأما قوله ولا يصلي صلاة هؤلاء فيحتمل أمرين أحدهما أنه لم يكن يحذف كحذفهم بل يتم الصلاة والثاني أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه ﷺ أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي وقال مالك بن الحويرث وصاحبه صلوا كما

رأيتموني أصلي وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمي خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحزر والاحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافا متباينا لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة ولكك محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله ﷺ فإنه كان يصلي وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخا وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ﷺ إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاما فظاهر وإن كان خاصا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيما وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع وقد روى النسائي في سننه أن النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان قال سليمان كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي الصحيحين عن أبي برزة قال كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة لفظ البخاري وهذا يدل على أمرين شدة التغليس بها وإطالتها فإن قيل ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه وإن السنة هي التخفيف فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبدالرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه علي أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبدالعزيز وهو أمير

المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها فلما سلم قال يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفله قال إنها للمكتوبة وإنها لصلاة رسول الله ﷺ كان يقول لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسكم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره وروى له مسلم وفي الصحيحين عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكلمها وفي الصحيحين أيضا عنه قال ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ زاد البخاري وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزت في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم عمدا فعل ذلك وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب قل ياأيها الكافرون و قل هو الله أحد وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك وفي الصحيحين عن البراء أن النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر وفي بعض السنن عن النبي ﷺ أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين وفي الصحيحين عن جابر أن النبي ﷺ قال لمعاذ أفتان أنت يامعاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعفيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص وفي صحيح مسلم عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة فالجواب أنه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضا

وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي ﷺ صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون قد أوهم ووصف صلاة عمر بن عبدالعزيز بأنها تشبه صلاة النبي ﷺ مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرحا به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال دخلنا على أنس بن مالك فقال صليتم قلنا نعم قال ياجارية هلمي لنا وضوءا ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا قال زيد وكان عمر بن عبدالعزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين وقال أحمد ثقة صحيح الحديث وقد جاء هذا صريحا في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود وقد تقدم قول أنس كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة وحديث البراء بن عازب أن قيامه ﷺ وركوه وسجوده كان قريبا من السواء فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد وهو أنه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالبا وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين ولهذا انكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين وقال كان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي ﷺ وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبدالعزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين وأحاديثه لاتتناقض والتخفيف أمر نسبي إضافي فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة وأما تخفيف النبي ﷺ عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف والقصر قصران قصر الأركان وقصر العدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إما في العدد وإما

في القدر ولو قدر أنه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وإن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضا فلا تضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وأئتم به ﷺ وأما حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها فإن معاذا صلى مع النبي ﷺ عشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ بهم سورة البقرة هكذا جاء في الصحيحين من حديث جابر أنه استفتح بهم بسورة البقرة فانفرد بعض القوم وصلى وحده فقيل نافق فلان فقال والله ما نافقت ولآتين رسول الله ﷺ فأتاه فأخبره فقال النبي ﷺ حينئذ أفتان أنت يامعاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى وهكذا نقول إنه يستحب إن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء الآخرة وبعد ما بين بني عمرو بن عوف وبين السمجد ثم طول سورة البقرة فهذا الذي أنكره النبي ﷺ وهو موضع الإنكار وعليه يحمل الحديث الآخر ياأيها الناس إن منكم منفرين ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله ﷺ ولا ممن يصلي بقدر صلاته وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته فهذا الذي ينفر وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءا يسيرا من الزمان وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكا منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله قال ابن القطان السعدي وأبوه وعمه مامنهم من يعرف وقد ذكره ابن السكن في كتاب الصحابة في الباب الذي ذكر فيه رجالا لا يعرفون

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث وائل بن حجر رواه شعبة وسفيان فأما سفيان فقال ورفع بها صوته وأما شعبة فقال خفض بها صوته ذكره الترمذي قال البخاري حديث سفيان أصح وأخطأ شعبة في قوله خفض بها صوته وفي هذا الحديث أمور أربعة أحدها اختلاف شعبة وسفيان في رفع وخفض الثاني اختلافهما في حجر فشعبة يقول حجر أبو العنبس والثوري يقول حجر بن عنبس وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري الثالث أنه لا يعرف حال حجر الرابع أن الثوري وشعبة اختلفا فجعله الثوري من رواية حجر عن وائل بن حجر وشعبة جعله من رواية حجر عن علقمة بن وائل عن وائل والدارقطني ذكر رواية الثوري وصححها ولم يره منقطعا بزيادة شعبة علقمة بن وائل في الوسط وفيه نظر ولهذه العلة لم يصححه الترمذي والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وروى الحاكم حديث أبي هريرة في المستدرك بلفظ آخر من حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من أم القرآن رفع صوته وقال آمين قال الحاكم هذا حديث حسن صحيح

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله حديث الجمعة على من سمع النداء قال عبد الحق الصحيح أنه موقوف وفيه أبو سلمة بن نبيه قال ابن القطان لا يعرف بغير هذا وهو مجهول وفيه أيضا الطائي مجهول عند ابن أبي حاتم ووثقة الدارقطني وفيه أيضا عبد الله بن هارون قال ابن القطان مجهول الحال وفية أيضا قبيصة قال النسائي كثير الخطأ وأطلق وقيل كثير الخطأ على الثوري وقيل هو إلا في الثوري 4

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله أبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف على المهشور والحديث غير متصل في ظاهره لأن عبيد الله لا سماع له من عمر وقد ذكره مسلم بغير هذا فبين فيه الاتصال فإنه أخرجه من رواية فليح بن سلمان عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله عن أبي واقد الليثي قال سألني عمر وسؤال عمر عن هذا ومثله لا يخفى عليه لعله ليخبره هل حفظه أم لا أو يكون دخل عليه الشك أو نازعه غيره فأحب الاستشهاد أو نسيه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث أبي بكرة هذا رواه الدارقطني عنه فقال فيه إن النبي ﷺ صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات وكان له ست ركعات وللقوم ثلاث ركعات قال ابن القطان وعندي أن الحديثين غير متصلين فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف فتدلى ببكرة من الحصن فسمي أبا بكرة وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن ثم لم يلق ﷺ كيدا إلى أن قبضه الله وهذا الذي قاله لا ريب فيه لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة فإنه سمعها من صحابي غيره وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة مع أن عامتها مرسلة عن النبي ﷺ ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء فالتعليل على هذا باطل والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقيس هذا هو قيس بن عمرو ويقال قيس بن فهد وجعلهما ابن السكن اثنين ابن فهد وابن عمرو وسعد بن سعيد راوية عن محمد بن إبراهيم فيه اختلاف

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى أبو حاتم في صحيحه من حديث جعفر بن غياث عن حميد الطويل عن عبد الله بن شقيق عن عائشة أن النبي ﷺ صلى متربعا وهذا يدل على أن أفضل هيئات المصلى جالسا التربيع والله أعلم

قال ابن القيم رحمه الله وقال الإمام أحمد أبو قدامة مضطرب الحديث وقال يحيى بن معين ضعيف وقال النسائي صدوق عنده مناكير وقال البستي كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه وعلله ابن القطان بمطر الوراق وقال كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وقد عيب على مسلم إخراج حديثه وضعف عبدالحق هذا الحديث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث أبي الدرداء الذي أخرجه أبو داود هو من رواية أبي إدريس السكوني عن جبير بن نفير قال البزار هو حديث حسن الإسناد وقال غيره أبو إدريس ليس بالخولاني فحاله مجهول ولعل البزاز حسنه قبولا منه لرواية المسانيد

قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله وقال البخاري في التاريخ الكبير ولم يرو عن ابن أبي الحر إلا هذا الحديث الواحد وحديث آخر ولم يتابع وقد روى أصحاب النبي ﷺ بعضهم عن بعض فلم يحلف بعضهم بعضا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد غلط في هذا الحديث فريقان فريق في لفظه وفريق في تضعيفه فأما الفريق الأول فقالوا اللفظ به أرمت بفتح الراء وتشديد الميم وفتحها وفتح التاء قالوا وأصله أرممت أي صرت رميما فنقلوا حركة الميم إلى الراء قبلها ثم أدغموا إحدى الميمين في الأخرى وأبقوا تاء الخطاب على حالها فصار أرمت وهذا غلط إنما يجوز إدغام مثل هذا إذا لم يكن آخر الفعل ملتزم السكون لاتصال ضمير المتكلم والمخاطب ونون النسوة به كقولك أرم وأرما وأرموا وأما إذا اتصل به ضمير يوجب سكونه لم يجز الإدغام لإفضائه إلى التقاء الساكنين على غير أحدهما أو إلى تحريك آخره وقد اتصل به ما يوجب سكونه ولهذا لا نقول أمدت وأمدت وأمدن في أمددت وأمددت وأمددن لما ذكر وهؤلاء لما رأوا الفعل يدغم إذا لم يكن آخره ساكنا نحو أرم ظنوا أنه كذلك في أرممت وغفلوا عن الفرق والصواب فيه أرمت بوزن ضربت فحذفوا إحدى الميمين تخفيفا وهي لغة فصيحة مشهورة جاء بها القرآن في قوله تعالى ظلت عليه عاكفا وقوله فظلتم تفكهون وأصله ظللت عليه وظللتم تفكهون ونظائره كثيرة وأما الفريق الثاني الذين ضعفوه فقالوا هذا الحديث معروف بحسين بن علي الحعفي حدث به عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قالوا ومن نظر ظاهر هذا الإسناد لم يرتب في صحته لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم واحتجاجهم بها وحدث بهذا الحديث عن حسين الجعفي جماعة من النبلاء قالوا وعلته أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبدالرحمن بن يزيد بن جابر وإنما سمع من عبدالرحمن بن يزيد بن تميم وعبدالرحمن بن يزيد بن تميم لا يحتج به فلما حدث به حسين الجعفي غلط في اسم الجد فقال ابن جابر وقد بين ذلك الحفاظ ونبهوا عليه

قال البخاري في التاريخ الكبير عبدالرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الشامي عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناكير ويقال هو الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة وحسين فقالوا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر وابن تميم أصح وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم سألت أبي عبدالرحمن بن يزيد بن تميم فقال عنده مناكير يقال هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجعفي وقالا هو ابن يزيد بن جابر وغلطا في نسبه ويزيد بن تميم أصح وهو ضعيف الحديث وقال أبو بكر الخطيب روى الكوفيون أحاديث عبدالرحمن بن يزيد بن تميم عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ووهموا في ذلك والحمل عليهم في تلك الأحاديث وقال موسى بن هارون الحافظ روى أبو أسامة عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهما منه هو لم يلق عبدالرحمن بن يزيد بن جابر وإنما لقي عبدالرحمن بن يزيد بن تميم فظن أنه ابن جابر وابن جابر ثقة وابن تميم ضعيف قالوا وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وأخرجه الدارقطني ثم ذكر عبارة المنذري بنصها إلى قول الشافعي وبه نأخذ

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال ابن حزم حديث علي هذا رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحرث الأعور قرن فيه أبو إسحاق بين عاصم والحرث والحرث كذاب وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر وقد رواه شعبة وسفيان ومعمر عن أبي إسحاق عن عاصم من علي موقوفا عليه وكذلك كل ثقة رواه عن عاصم إنما وقفه على علي فلو أن جريرا أسنده عن عاصم وبين ذلك أخذنا به هذه حكاية عبدالحق الاشبيلي عن ابن حزم وقد رجع عن هذا في كتابه المحلي فقال في آخر المسألة ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه وأن الاعتلال فيه بأن أبا إسحاق أو جريرا خلط إسناد الحديث بإرسال عاصم هو الظن الباطل الذي لا يجوز وما علينا في مشاركة الحرث لعاصم ولا لإرسال من أرسله ولا لشك زهير فيه وجرير ثقة فالأخذ بما أسند لازم تم كلامه وقال غيره هذا التعليل لا يقدح في الحديث فإن جريرا ثقة وقد أسنده عنهما وقد أسنده أيضا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ولم يذكر الحول ذكر حديثه الترمذي وأبو عوانة ثقة وقد روى حديث ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول من حديث عائشة بإسناد صحيح قال محمد بن عبيد الله بن المنادي حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد حدثنا حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول رواه أبو الحسين بن بشران عن عثمان بن السماك عن ابن المنادي

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله إنما أسقط الصدقة من الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة فأما ما كان منها للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قوله فإنا آخذوها وشطر ماله أكثر العلماء على أن الغلول في الصدقة والغنيمة لا يوجب غرامة في المال وقالوا كان هذا في أول الإسلام ثم نسخ واستدل الشافعي على نسخه بحديث البراء بن عازب فيما أفسدت ناقته فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه أضعف الغرم بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط وقال بعهضم يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك وقال بعضهم إن الحق يستوفي منه غير متروك عليه وإن تلف شطر ماله كرجل كان له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف وهو شطر ماله الباقي أو نصفه وهو بعيد لأنه لم يقل إنا آخذوا شطر ماله وقال إبراهيم الحربي إنما هو وشطر ماله أي جعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما مالا يلزمه فلا قال الخطابي ولا أعرف هذا الوجه هذا آخر كلامه وقال بظاهر الحديث الأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه على ما فضل عنهم وقال الشافعي في القديم من منع زكاة ماله أخذت منه وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه واستدل بهذا الحديث وقال في الجديد لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخا وقال كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت هذا آخر كلامه ومن قال إن بهز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم فأما من قال لا يحتج بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك وقد قال الشافعي في بهز ليس بحجة فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث أو أجاب عنه على تقدير الصحة وقال أبو حاتم الرازي في بهز بن حكيم هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به وقال البستي كان يخطىء كثيرا فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجان به ويرويان عنه وتركه جماعة من أئمتنا ولولا حديثه إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لأدخلناه في الثقات وهو ممن استخير الله فيه فجعل روايته لهذا الحديث مانعة

من إدخاله في الثقات تم كلامه وقد قال علي بن المديني حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح وقال الإمام أحمد بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح وليس لمن رد هذا الحدث حجة ودعوى نسخه دعوى باطلة إذ هي دعوى ما لا دليل عليه وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي ﷺ لم يثبت نسخها بحجة وعمل بها الخلفاء بعده وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته ففي غاية الضعف فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقب متعديا بمنع واجب أو ارتكاب محظور وأما ما تولد من غير جنايته وقصده فلا يسوغ أحد عقوبته عليه وقول من حمل ذلك على سبيل الوعيد دون الحقيقة في غاية الفساد ينزه عن مثله كلام النبي ﷺ وقول من حمله على أخذ الشطر الباقي بعد التلف باطل لشدة منافرته وبعده عن مفهوم الكلام ولقوله فأنا آخذوها وشطر ماله وقول الحربي إنه وشطر بوزن شغل في غاية الفساد ولا يعرفه أحد من أهل الحديث بل هو من التصحيف وقول ابن حبان لولا حديثه هذا لأدخلناه في الثقات كلام ساقط جدا فإنه إذا لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث وهذا الحديث إنما رد لضعفه كان هذا دورا باطلا وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفه فإنه لم يخالف فيه الثقات وهذا نظير رد من رد حديث عبدالملك بن أبي سليمان بحديث جابر في شفعه الجوار وضعفه بكونه روى هذا الحديث وهذا غير موجب للضعف بحال والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لانعرف فيهم من تكلم فيه غيره 5

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال الترمذي سألت أبا عبد الله البخاري عن حديث الحسن وخطبنا ابن عباس فقال إن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر فقال روى غير يزيد بن هارون عن حميد عن الحسن خطب

ابن عباس فكأنه رأى هذا أصح قال الترمذي وإنما قال البخاري هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي والحسن البصري في أيام عثمان وعلي رضي الله عنهما كان بالمدينة قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله لفظ مسلم وأبي داود فهي علي ومثلها معها وفيه قولان أحدهما أنه كان تسلف منه صدقة عامين والثاني أنه تحملها عنه يؤديها عنه ولفظ البخاري والنسائي فهي عليه صدقة ومثلها معها وفيه قولان أحدهما أنه جعله مصرفا لها وهذا قبل تحريمها على بني هاشم والثاني أنه أسقطها عنه عامين لمصلحة كما فعل عمر عام الرمادة ولفظ ابن إسحاق هي عليه ومثلها ومعها حكاه البخاري وفيه قولان أحدهما أنه أنظره بها ذلك العام إلى القابل فيأخذها ومثلها والثاني أن هذا مدح للعباس وأنه سمح بما طلب منه لا يمتنع من إخراج ما عليه بل يخرجه ومثله معه وقال موسى بن عقبة فهي له ومثلها معها ذكره ابن حبان وفيه قولان أحدهما أن له بمعنى عليه كقوله تعالى وإن أسأتم فلها والثاني إطلاقها له وإخراج النبي ﷺ عنه من عنده برا به ولهذا قال أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف العلماء فيما أمر به النبي ﷺ من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد فقيل هو ندب من النبي ﷺ لكل من أعطى عطية كانت من سلطان أو عامي صالحا كان أو فاسقا بعد أن يكون ممن تجوز عطيته حكى ذلك غير واحد وقيل ذلك من النبي ﷺ ندب إلى قبول عطية من غير السلطان فأما السلطان فبعضهم منعها وبعضهم كرهها وقال آخرون ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره ورجح بعضهم الأول فإن النبي ﷺ لم يخص وجها من الوجوه إلى هنا تم كلامه وسياق الحديث إنما يدل على عطية العامل على الصدقة فإنه يجوز له أخذ عمالته وتمولها

وإن كان غنيا والحديث لذلك وعليه خرج جواب النبي ﷺ وليس المراد به العموم في كل عطية من كل معط والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وتفسير من فسر اليد العليا بالآخذة باطل قطعا من وجوه

أحدها أن تفسير النبي ﷺ بالمنفقة يدل على بطلانه الثاني أنه ﷺ أخبر أنها خير من اليد السفلى ومعلوم بالضرورة أن العطاء خير وأفضل من الأخذ فكيف تكون يد الآخذ أفضل من يد المعطي الثالث أن يد المعطي أعلى من يد السائل حسا ومعنى وهذا معلوم بالضرورة الرابع أن العطاء صفة كمال دال على الغنى والكرم والإحسان والمجد والأخذ صفة نقص مصدره عن الفقر والحاجة فكيف تفضل يد المعطى هذا عكس الفطرة والحس والشريعة والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والسنة الصحيحة مصرحة بأن مدة التعريف سنة ووقع في حديث أبي بن كعب المتقدم أنها تعرف ثلاثة أعوام ووقع الشك في رواية حديث أبي بن كعب أيضا هل ذلك في سنة أو في ثلاث سنين وفي الأخرى عامين أو ثلاثة فلم يجزم والجازم مقدم وقد رجع أبي بن كعب آخرا إلى عام واحد وترك ما شك فيه وحكى مسلم في صحيحه عن شعبة أنه قال سمعته يعني سلمة بن كهيل بعد عشر سنين يقول عرفها عاما واحدا وقيل هي قضيتان فأولى لأعرابي أفتاه بما يجوز له

بعد عام والثانية لأبي بن كعب أفتاه بالكف عنها والتربص بحكم الورع ثلاثة أعوام وهو من فقهاء الصحابة وفضلائهم وقد يكون ذلك لحاجة الأول إليها وضرورته واستغناء أبي فإن كان من مياسير الصحابة ولم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره وأن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ويحتمل أن يكون الذي قال له عمر ذلك موسرا وقد روى عن عمر أن اللقطة تعرف سنة مثل قول الجماعة وحكى في الحاوي عن شواذ من الفقهاء أنه يلزمها أن يعرفها ثلاثة أحوال

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال بعضهم الفرق بين لقطة مكة وغيرها أن الناس يتفرقون من مكة فلا يمكن تعريف اللقطة في العام فلا يحل لأحد أن يلتقط لقطتها إلا مبادرا إلى تعريفها قبل تفرق الناس بخلاف غيرها من البلاد والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال ابن القطان علته الشك في اتصاله فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يرويه عن ابن عباس ومحمد بن علي إنما هو معروف في الرواية عن أبيه عن جده ابن عباس وفي صحيح مسلم حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله ﷺ الحديث وحديثه عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ أكل كتفا أو لحما ثم

صلى ولم يمس ماء ذكره البزار وقال ولا أعلم روى عن جده إلا هذا الحديث يعني وقت لأهل السرق الخ وأخاف أن يكون منقطعا ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده وقال مسلم في كتاب التمييز لم يعلم له سماع من جده ولا أنه لقيه قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث حديث أم سلمة قال غير واحد من الحفاظ إسناده ليس بالقوي وقد سئل عبد الله بن عبدالرحمن بن يحنس هل قال ووجبت له الجنة أو قال أو وجبت بالشك بدل قوله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر هذا هو الصواب بأو وفي كثير من النسخ ووجبت بالواو وهو غلط والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى النسائي من حديث إسرائيل عن عمار عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت ذبح عنا رسول الله ﷺ يوم حججنا بقرة بقرة وعن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت ما ذبح عن آل محمد في الوداع إلا بقرة وبه عن عائشة أن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجة

الوداع بقرة واحدة وسيأتي قول عائشة ذبح رسول الله ﷺ البقر يوم النحر ولا ريب أن رسول الله ﷺ حج بنسائه كلهن وهن يومئذ تسع وكلهن كن متمتعات حتى عائشة فإنها قرنت فإن كان الهدي متعددا فلا إشكال وإن كان بقرة واحدة بينهن وهن تسع فهذا حجة لإسحاق ومن قال بقوله إن البدنة تجزىء عن عشرة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقد ذهب ابن حزم إلى أن هذا الاشتراك في البقرة إنما كان بين ثمان نسوة قال لأن عائشة لما قرنت لم يكن عليها هدي واحتج بما في صحيح مسلم عنها من قولها فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبدالرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم وجعل هذا أصلا في إسقاط الدم عن القارن ولكن هذه الزيادة وهي ولم يكن في ذلك هدي مدرجة في الحديث من كلام هشام بن عروة بينه مسلم في الصحيح قال أنبأنا أبو كريب أنبأنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكر الحديث وفي آخره قال عروة في ذلك أنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة فجعل وكيع هذا اللفظ من قول هشام وابن نمير وعبدة لم يقولا قالت عائشة بل أدرجاه إدراجا وفصله وكيع وغيره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هو الجهم بن الجارود وقد ذكر هذا الحديث البخاري في تاريخه الكبير وعلله بهذه العلة وأعله ابن القطان بأن جهم بن الجارود لا يعرف حاله ولا يعرف له راو إلا أبو عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد قال وبذلك ذكره البخاري وأبو حاتم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه أي في الحديث دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام وذهبت جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام واحتجوا بقوله ﷺ خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجعمة وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره وفصل النزاع أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام فيوم النحر مفضل على الأيام كلها التي فيها الجمعة وغيرها ويم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع فإن اجتمعا في يوم تظاهرت الفضيلتان وإن تباينا فيوم النحر أفضل وأعظم لهذا الحديث والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلت أولا بعمرة ثم أمرها رسول الله ﷺ لما حاضت أن تهل بالحج فصارت قارنة ولهذا قال لها النبي ﷺ يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك متفق عليه وهو صريح في رد قول من قال إنها رفضت إحرام العمرة رأسا وانتقلت إلى الإفراد وإنما أمرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعي حتى تطهر لا برفض إحرمها وأما قوله ولم يكن في شيء من ذلك هدي فهو مدرج من كلام هشام كما بينه وكيع وغيره عنه حيث فصل كلام عائشة من كلام هشام وأما ابن نمير وعبدة فأدرجاه في حديثهما ولم يميزاه والذي ميزه معه زيادة علم ولم يعارض غيره فابن نمير وعبدة لم يقولا قالت عائشة ولم يكن في شيء من ذلك هدى بل أدرجاه وميزه غيرهما وأما قول من قال إنها أحرمت بحج ثم نوت فسخه بعمرة ثم رجعت إلى حج مفرد فهو خلاف ما أخبرت به عن نفسها وخلاف ما دل عليه قول النبي ﷺ لها يسعك طوافك لحجك وعمرتك والنبي ﷺ إنما أمرها أن تهل بالحج لما حاضت

كما أخبرت بذلك عن نفسها وأمرها أن تدع العمرة وتهل بالحج وهذا كان بسرف قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حجهم إلى العمرة فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة وقوله إنها أشارت بقولها فكنت فيمن أهل بعمرة إلى الوقت الذي نوت فيه الفسخ في غاية الفساد فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه فإنها قالت فكنت فيمن أهل بعمرة فلما كان في بعض الطريق حضت فهذا صريح في أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة ومن تأمل أحاديثها علم أنها أحرمت أولا بعمرة ثم أدخلت عليها الحج فصارت قارنة ثم اعتمرت من التنعيم عمرة مستقلة تطييبا لقلبها وقد غلط في قصة عائشة من قال إنها كانت مفردة فإن عمرتها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة وغلط من قال إنها كانت متمتعة ثم فسخت المتعة إلى أفراد وكانت عمرة التنعيم قضاء لتلك العمرة وغلط من قال إنها كانت قارنة ولم يكن عليها صدقة ولا صوم وأن ذلك إنما يجب على المتمتع ومن تأمل أحاديثها علم ذلك وتبين له أن الصواب ما ذكرناه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج به ابن حزم على أن المحرم لا يحرم عليه الامتشاط ولم يأت بتحريمه نص وحمله الأكثرون على امتشاط رفيق لا يقطع الشعر ومن قال كان بعد جمرة العقبة فسياق الحديث يبطل

قوله ومن قال هو التمشط بالأصابع فقد أبعد في التأويل ومن قال إنها أمرت بترك العمرة رأسا فقوله باطل لما تقدم فإنها لو تركتها رأسا لكان قضاؤها واجبا والنبي ﷺ قد أخبرها أنه لا عمرة عليها وأن طوافها يكفي عنهما وقوله أهلي بالحج صريح في أن إحرامها الأول كان بعمرة كما أخبرت به عن نفسها وهو يبطل قول من قال كانت مفردة فأمرت باستدامة الإفراد وفي الحديث دليل على تعدد السعي على المتمتع فإن قولها ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم تريد به الطواف بين الصفا والمروة ولهذا نفته عن القارنين ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع وقد خالفها جابر في ذلك ففي صحيح مسلم عنه أنه قال لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا في رواية ابنه عبد الله والمشهور عنه أنه لابد من طوافين على حديث عائشة ولكن هذه اللفظة وهي فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت إلى آخره قد قيل إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والصواب أن ما أحرم به ﷺ كان أفضل وهو القرآن ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأحرم بعمرة وكان حينئذ موافقا لهم في المفضول تأليفا لهم وتطييبا لقلوبهم كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وإدخال الحجر فيها وإلصاق بابها بالأرض تأليفا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام خشية أن تنفر قلوبهم وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين النسك الأفضل الذي أحرم به وموافقته لأصحابه بقوله لو استقبلت فهذا بفعله وهذا بنيته وقوله وهذا الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعند النسائي عن سراقة تمتع رسول الله وتمتعنا معه فقلنا ألنا خاصة أم للأبد قال بل للأبد وهو صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة وقول من قال إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ باطل من وجوه أحدها أنه لم يقع السؤال عن ذلك ولا في اللفظ ما يدل عليه وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة التي أمروا بالفسخ إليها ولهذا أشار إليها بعينها فقال متعتنا هذه ولم يقل العمرة في أشهر الحج الثاني أنه لو قدر أن السائل أراد ذلك فالنبي أطلق الجواب بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد ومعلوم أنها مشتملة على وصفين كونها عمرة فسخ الحج إليها وكونها في أشهر الحج فلو كان المراد أحد الأمرين وهو كونها في أشهر الحج لبينه للسائل لا سيما إذا كان الفسخ حراما باطلا

فكيف يطلق الجواب عما يجوز ويشرع وما لا يحل ولا يصح إطلاقا واحدا هذا مما ينزه عنه آحاد أمته فضلا عنه ومعلوم أن من سئل عن أمر يشتمل على جائز ومحرم وجب عليه أن يبين للسائل جائزه من حرامه ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقا واحدا الثالث أن النبي قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر كلهن في أشهر الحج وقد علم ذلك الخاص والعام أفما كان في ذلك ما يدل على جواز العمرة في أشهر الحج الرابع أن النبي قال لهم عند إحرامهم من شاء أن يهل بعمرة فليهل وفي هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج الخامس أنه خص بذلك الفسخ من لم يكن معه هدي وأما من كان معه هدي فأمره بالبقاء على إحرامه وأن لا يفسخ فلو كان المراد ما ذكروه لعم الجميع بالفسخ ولم يكن للهدي أثر أصلا فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرد بالجواز وهذا الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه السادس أن طرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج أظهر وأبين قولا وفعلا من الفسخ فكيف يعدل عن الإعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلها إلى الفسخ الذي ليس بظاهر فيما ذكره من الإعلام والخروج من نسك إلى نسك وتعويضهم بسعة ذلك عليهم لمجرد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق وقد بين ذلك غاية البيان بقوله وفعله فلم يحلهم بالإعلام على الفسخ السابع أنه لو فرض أن الفسخ للإعلام المذكور لكان ذلك دليلا على داوم مشروعيته إلى يوم

القيامة فإن ما شرع في المناسك لمخالفة المشركين مشروع أبدا كالوقوف بعرفة لقريش وغيرهم والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس الثامن أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبي ولم يجىء عنه كلمة قط تدل على نسخه وإبطاله ولم تجمع الأمة بعده على ذلك بل منهم من يوجبه كقول حبر الأمة وعالمها عبد الله بن عباس ومن وافقه وقول إسحاق وهو قول الظاهرية وغيرهم ومنهم من يستحبه ويراه سنة رسول الله كقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وقد قال له سلمة بن شبيب ياأبا عبد الله كل شيء منك حسن إلا خصلة واحدة تقول بفسخ الحج إلى العمرة فقال ياسلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع عنك والآن علمت أنك أحمق عندي في ذلك بضعة عشر حديثا صحيحه عن رسول الله أدعها لقولك وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعبيد الله بن الحسن وكثير من أهل الحديث أو أكثرهم التاسع أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها مع خير الخلق وأفضلهم فإنه أمرهم بالفسخ إلى المتعة وهو لا يختار لهم إلا الأفضل فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه العاشر أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج وبقوله لهم عند الإحرام من شاء أن يهل بعمرة فليهل على جواز العمرة في أشهر الحج فهم أحرى أن يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالنسخ الحادي عشر أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأن النبي أمرهم لما قدموا بالفسخ هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد بل كان يقول كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه ما لم يكن معه هدي وابن عباس أعلم بذلك فلو كان النبي إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة لم يخف ذلك على ابن عباس ولم يقل إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي معه فقد حل الثاني عشر أنه لا يظن بالصحابة الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما وأطوعهم لله ولرسوله أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج وقد عملوها مع رسول الله ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ الثالث عشر أن النبي إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفا للمشركين في التمتع في أشهر الحج وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد

أما الأول الظاهر وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب وهذا واضح الرابع عشر أن السائل للنبي عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد لم يرد به أنها هل تجزىء عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي بل لأبد الأبد فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة قوما يعرفون إلى يوم القيامة وإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل هو لجميع الأمة ولأنه قال في رواية النسائي ألنا خاصة أم للأبد فدل على أنهم إنما سألوا هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد وفي رواية للبخاري أن سراقة بن مالك لقي النبي فقال ألكم هذه خاصة يارسول الله قال بل للأبد الخامس عشر أن النبي أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل إلا من كان معه الهدي ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال إن الله عزوجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي وسيأتي الحديث فهذا نص انفساخه شاء أم أبى كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما وقوله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم يريد قضاء لازما لا يتغير ولا يتبدل بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر السادس عشر أن النبي لما سئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحج وتمتعوا بها ابتداء فقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كان هذا تصريحا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدا لا ينسخ إلى يوم القيامة ومن جعله منسوخا فهذا النص يرد قوله وحمله على العمرة المبتدأة التي لم يفسخ الحج إليها باطل فإن عمدة الفسخ سبب الحديث فهي مرادة منه نصا وما عداها ظاهرا وإخراج محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب وهذا باطل السابع عشر أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة ونسخ القبلة ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس فإن هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام فكان نسخه لا يخفى على أحد وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول سنة نبيكم وإن رغمتم فلا يراجعونه فكيف تكون منسوخة عندهم

وابن عباس يخبر أنها سنة نبيهم ويفتي بها الخاص والعام وهم يقرونه على ذلك هذا من أبطل الباطل الثامن عشر أن الفسخ قد رواه عن النبي أربعة عشر من الصحابة وهم عائشة وحفصة وعلي وفاطمة وأسماء بنت أبي بكر وجابر وأبو سعيد وأنس وأبو موسى والبراء وابن عباس وسراقة وسبرة ورواه عن عائشة الأسود بن يزيد والقاسم وعروة وعمرة وذكوان مولاها ورواه عن جابر عطاء ومجاهد ومحمد بن علي وأبو الزبير ورواه عن أسماء صفية ومجاهد ورواه عن أبي سعيد أبو نضرة ورواه عن البراء أبو إسحاق ورواه عن ابن عمر سالم ابنه وبكر بن عبد الله ورواه عن أنس أبو قلابة ورواه عن أبي موسى طارق بن شهاب ورواه عن ابن عباس طاووس وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد وكريب وأبو العالية ومسلم القرشي وأبو حسان الأعرج ورواه عن سبرة ابنه فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجح عليه أو يقاومه فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه وإنما هي بين مجهول رواتها أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة وما صح فيها فهو رأي صاحب قاله بظنه واجتهاده وهو أصح ما فيها وهو قول أبي ذر كانت المتعة لنا خاصة وما عداه فليس بشيء وقد كفانا رواته مؤنته فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعا فكيف وإنما هو قوله ومع هذا فقد خالفه فيه عشرة من الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهما التاسع عشر أن الفسخ موافق للنصوص والقياس أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم وأما موافقته للقياس فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز اتفاقا وعكسه لا يجوز عند الأكثرين وأبو حنيفة يجوزه على أصله فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافا ثانيا وسعيا وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج إذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك بل استحب له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولا وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فنسخ حج إلى عمرة وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج كما قال النبي دخلت العمرة في الحج فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة مفردة وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال وهذا لا يمنع أن تكون واحدة كطواف الافاضة فإنه من

تمام الحج ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج وهو يفعل بعد التحلل التام وقول النبي من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية اذلا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل لا يجوز غير هذا البتة العشرون أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان كبرى وصغرى فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما ولهذا كان النبي يبدأ في غسل الجنابة الوضوء أولا ثم يتبعه الغسل وقال في غسل ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها فنسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس ولحج خيار الأمة مع نبيها ولو لم يمكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت وفي هذا كفاية والحمد لله قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه اكتفاء المتمتع بسعي واحد كما تقدم والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لا ريب في أنه من كلام رسول الله ﷺ ولم

يقل أحد أنه من قول ابن عباس وكذلك قوله هذه عمرة تمتعنا بها وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والتعليل الذي تقدم لأبي داود في قوله هذا حديث منكر إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه إذا أهل الرجل بالحج فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه فانقلب على الناسخ فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس وهو إلى جانبه وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ولا علة ولا يعلل أبو داود مثله ولا

من هو دون أبي داود وقد اتفق الأئمة الأثبات على رفعه والمنذري رحمه الله رأى ذلك في السنن فنقله كما وجده والأمر كما ذكرنا والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا الحديث باطل ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر فإن ابن المسيب إذا قال قال رسول الله ﷺ فهو حجة قال الإمام أحمد إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل وقال أبو محمد بن حزم هذا حديث في غاية الوهي والسقوط لأنه مرسل عمن لم يسم وفيه أيضا ثلاثة مجهولون أبو عيسى الخراساني وعبد الله بن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم وقال عبدالحق هذا منقطع ضعيف الإسناد

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبدالحق لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان عن معاوية بن مرة يقول عن أخيه حمان ومرة يقول جمان وهم مجهولون وقال ابن القطان يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطرف لا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحدا ورواه عنه بيهس بن فهدان فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة قال النسائي ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير فأدخل بينه وبين معاوية رجلا اختلفوا في ضبطه فقيل أبو حماز وقيل حمان وهو أخو أبي شيخ وقال الدارقطني القول قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدا يعنى قتادة ومطرفا وبيهس بن فهدان

وقال غيره أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه ولو كان حافظا لكان حديثه هذا معلوم البطلان إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله فإنه أحرم قارنا رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع وأجمعت الأمة على جوازه ولو فرض صحة هذا عن معاوية فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله ﷺ نهى عنه فلعله وهم أو اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج كما اشتبه على غيره والقران داخل عندهم في اسم المتعة وكما اشتبه عليه تقصيره عن رسول الله ﷺ في بعض عمره بأن ذلك في حجته وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله ﷺ لميمونة فظن أنه نكحها محرما وكان قد أرسل أبا رافع إليها ونكحها وهو حلال فاشتبه الأمر على ابن عباس وهذا كثير ووقع في بعض نسخ سنن أبي داود نهى أن يفرق بين الحج والعمرة بالفاء والقاف قال ابن حزم هكذا روايتي عن عبد الله بن ربيع وهكذا في كتابه وهو والله أعلم وهم والمحفوظ يقرن في هذا الحديث تم كلامه وقد رواه النسائي في سننه قال حدثنا أبو داود أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا شريك بن أبي فروة عن الحسن قال خطب معاوية الناس فقال إني محدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ فصدقوني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تلبسوا الذهب إلا مقطعا قالوا سمعنا قال وسمعته يقول من ركب جلود النمور لم تصحبه الملائكة قالوا سمعنا قال وسمعته ينهي عن المتعة قالوا لم نسمع فقال بلى وإلا فصمتا فهذا أصح من حديث أبي شيخ وإنما فيه النهي عن المتعة وهي والله أعلم متعة النساء فظن من ظن أنها متعة الحج والقران متعة فرواه بالمعنى فأخطأ خطأ فاحشا وعلى كل حال فليس أبو شيخ ممن يعارض به كبار الصحابة الذين رووا القران عن رسول الله ﷺ وإخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة وأجمعت الأمة عليه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب حق التأمل جزم جزما لا ريب فيه أن النبي ﷺ أحرم في حجته قارنا ولا تحتمل الأحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلا قال الإمام أحمد لا أشك أن رسول الله ﷺ كان قارنا تم كلامه وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه وهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمران بن حصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأنس بن مالك

وأبو قتادة وابن أبي أوفى فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح ورواه الهرماس بن زياد وسراقة بن مالك وأبو طلحة وأم سلمة لكن روت أم سلمة أن رسول الله ﷺ أمر أهله بالقران وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه في إهلاله بنسكه أنه قال لبيك حجا وعمرة كأنس وهو متفق على صحته وكعلي بن أبي طالب فإنه قال سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعا وهو في الصحيحين والنسائي وسنن أبي داود ولفظ أصحاب الصحيح أن عليا أهل بحج وعمرة وقال ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد فقد أخبر علي أن رسول الله ﷺ لبى بهما جميعا وأهل هو بهما جميعا وأخبر أنها سنة النبي ﷺ ووافقه عثمان على ذلك ومنهم من أخبر عن خبره ﷺ عن نفسه بأنه كان قارنا وهم البراء بن عازب فإنه روى عن رسول الله ﷺ لفظه أنه قال لعلي إني سقت الهدي وقرنت وهو حديث صحيح رواه أهل السنن ومنهم من أخبر عنه ﷺ باللفظ الذي أمره به ربه وهو أن يقول عمرة في حجة كعمر بن الخطاب وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه كلام في غاية البطلان ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقصوده علم بطلان هذا التأويل الفاسد وقولهم إن الرواية الصحيحة قل عمرة وحجة وأنه فصل بينهما بالواو فهو صريح في نفس القران فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل ﷺ أمر ربه وهو أحق من امتثله فقال لبيك عمرة وحجا بالواو وقولهم يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله فعياذا بالله من تقليد يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة فمن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يعتمر بعد حجته قط هذا ما لا يشك فيه من له أدنى إلمام بالعلم وهو ﷺ أحق الخلق بامتثال أمر ربه فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك ولا ريب أنه ﷺ اعتمر مع حجته فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعا ونصرة الأقوام إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها وقولهم محمول على تحصيلمها معا قلنا أجل وقد حصلهما ﷺ جميعا بالقران على الوجه الذي أخبر به عن نفسه وتبعه أصحابه من إهلاله ومنهم من أخبر عن فعله وهو عمران بن حصين في الصحيحين عنه قال جمع رسول الله ﷺ بين حجة وعمرة وتأويل هذا بأنه أمر أو إذن في غاية الفساد ولهذا قال تمتع وتمتعنا معه فأخبر عن فعله وفعلهم وسمي القران تمتعا وهو لغة الصحابة كما سيأتي ومنهم من أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي الصحيحين عنهما وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وعن عائشة مثله وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر الرابعة مع حجته ومن المعلوم ضرورة أنه لم يعتمر بعد الحج فكانت عمرته مع حجته قطعا وفي الصحيحين مثله عن أنس واتفق ستة عشرة

نفسا من الثقات عن أنس أن النبي ﷺ أهل بهما جميعا وهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبدالرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وعبدالعزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب ابن سليم وأبو أسماء وأبو قدامة وأبو قزعة الباهلي وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة يقول إنما جمع رسول الله ﷺ بن الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الهرماس بن زياد أن رسول الله ﷺ أهل بالحج والعمرة وروى ابن أبي شيبة حدثنا شبابة حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران قال دخلت على أم سلمة أم المؤمنين فقالت سمعت رسول الله ﷺ يقول أهلوا ياآل محمد بعمرة وحج ولم يكن ﷺ يختار لآله إلا أفضل الأنساك وهو الذي اختاره لعلي وأخبر عن نفسه أنه فعله فهذه الأحاديث صحيحة صريحة لا تحتمل مطعنا في مسندها ولا تأويلا يخالف مدلولها وكلها دالة على أنه ﷺ كان قارنا والذين عليهم مدار الإفراد أربعة عائشة وابن عمر وجابر وابن عباس وكلهم قد روى القران أما ابن عمر وعائشة ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وفي الصحيحين عن عروة أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه بمثل هذا وروى عبدالرزاق حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر قرن بين الحج والعمرة فطاف بالبيت لهما وبين الصفا والمروة طوافا واحدا وقال هكذا صنع رسول الله ﷺ ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر وقالت عائشة اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثا سوى التي قرن بحجة الوداع ذكره أبو داود وسيأتي وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة الحديث وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم وسيأتي في كتاب السنن عن عكرمة عنه قال اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤوا على عمرة قابل والثالثة من الجعرانة والرابعة التي قرن مع حجته وهذا العمرة التي قرنها مع حجته هي التي قال فيها أهل النبي ﷺ بعمرة ردا على من قال أهل بحج مفرد ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم

قط عن النبي ﷺ أنه قال إني أفردت الحج كما قال قرنت ولا قال سمعته يقول لبيك حجا كما قال لبيك حجا وعمرة ولا هو أخبر عن نفسه بذلك ولا أحد من الصحابة أخبر عن لفظ إهلاله به فأما إخباره عن نفسه بالقران وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريح لا معارض له والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع وهم لا يتناقضون في رواياتهم بل رواياتهم يصدق بعضها بعضا وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم فإنهم كانوا يسمون القران تمتعا كما في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم وحديث علي أن عثمان لما نهى عن المتعة قال علي لبيك بهما وقال لم أكن لأدع سنة رسول الله لقول أحد ومن قال أفرد الحج لم يقل أفرد إهلال الحج وإنما من مراده أنه اقتصر على أعمال الحج ودخلت عمرته في حجه فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل ولهذا أخبر أيضا أنه قرن فعلم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا ومن قال تمتع أراد به التمتع العام الذي يدخل فيه القران بنص القرآن في قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي والقارن داخل في هذا النص فتمتع ﷺ بترفهه بسقوط أحد السفرين وقرن بجمعه في إهلاله بين النسكين وأفرد فلم يطف طوافين ولم يسع سعيين ومن تأمل الأحاديث الصحيحة في هذا الباب حزم بهذا وهذا فصل النزاع والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد قول المنذري وقد قالت حفصة ما بال الناس حلوا الخ واحتج بهذا من قال إن رسول الله ﷺ تمتع في حجة الوداع تمتعا حل فيه كالقاضي أبي يعلى وغيره وهذا غلط منهم فإن المعلوم من شأن رسول الله ﷺ أنه لم يحل بعمرة في حجته وقد تواتر عنه ﷺ ذلك وقال لولا أن معي الهدي لأحللت وهذا لا يستريب فيه من له علم بالحديث فهذا لم يقع في حجته بلا ريب وإنما وقع في بعض عمره ويتعين أن يكون في عمرة الجعرانة والله أعلم لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه فلم يقصر عنه في عمرة الحديبية ولا عمرة القضية والنبي ﷺ لم يكن محرما في الفتح ولم يحل من إحرامه في حجة الوداع بعمرة فتعين أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصر عن رسول الله ﷺ وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى وهو قوله رأيته يقصر عنه على المروة فيجوز أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة حسب ولا يجوز في غيرهما لما تقدم والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد قول المنذري وفي لفظ مسلم لبى بالحج وحده الخ الذين قالوا قرن النبي ﷺ في حجته اختلفت طرقهم في كيفية قرانه فطائفة قالت أحرم بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في صحيحه قال هذه الأخبار التي ذكرنا في إفراد النبي ﷺ مما تنازع الأئمة فيها من زمان إلى زماننا هذا وشنع بها المعطلة وأهل البدع على أئمتنا وقالوا رويتم ثلاثة أحاديث متضادة في فعل واحد ورجل واحد وحاله واحدة وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقل والعقل يدفع ما قلتم إذ محال أن يكون النبي ﷺ في حجة الوداع كان مفردا قارنا متمتعا إلى أن قال ولو توجه قائل هذا في الخلوة إلى الباري وسأله التوفيق لإصابة الحق والهداية لطلب الرشد في الجمع بين الأخبار ونفي التضاد عن الآثار لعلم بتوفيق الواحد القهار أن أخبار المصطفى لا تتضاد ولا تهاتر ولا يكذب بعضها بعضا إذا صحت من جهة النقل

قال والفصل بين الجمع في هذه الأخبار أن النبي ﷺ أهل بالعمرة حيث أحرم كذلك قاله مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة فخرج وهو مهل بالعمرة وحدها حتى إذا بلغ سرف أمر أصحابه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حميد يعني بالفسخ إلى العمرة فمنهم من أفرد ومنهم من أقام على عمرته وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته ولم يحل فأهل ﷺ بهما معا حينئذ إلى أن دخل مكة وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي فكل خبر روي في قران النبي ﷺ إنما كان ذلك حيث رأوه يهل بهما بعد إدخاله الحج على العمرة إلى أن دخل مكة فطاف وسعى وأمر ثانيا من لم يكن ساق الهدي وكان قد أهل بعمرة أن يتمتع ويحل وكان يتلهف على ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي حتى إن بعض الصحابة ممن لم يكن ساق الهدي لم يحلوا حيث رأوه ﷺ لم يحل حتى كان من أمره ما وصفنا من دخوله ﷺ على عائشة وهو مغضب فلما كان يوم التروية وأحرم المتمتعون خرج رسول الله ﷺ إلى منى وهو يهل بالحج مفردا إذ العمرة التي قد أهل بها في أول الأمر قد انقضت عند دخوله مكة بطوافه بالبيت

وسعيه بين الصفا والمروة فحكى ابن عمر وعائشة أن النبي ﷺ أفرد الحج أرادا خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضاد أو تهاتر وفقنا الله لما يحبه من الخضوع عند ورود السنن إذا صحت والانقياد لقبولها واتهام الأنفس وإلزاق الخطأ بها إذا لم يوفق لإدراك حقيقة الصواب دون القدح في السنن والتعريج على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة إنه خير مسؤول تم كلامه وطائفة قالت كان مفردا أولا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا فظنوا أن ذلك من خصائصه وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث وهذا مع أن الأكثر لا يجوزونه فلم تأت لفظة واحدة تدل عليه بخلاف الأول فإنه قد قاله طائفة وفيه أحاديث صحاح وطائفة قلت قرن ابتداء من حين أحرم وهو أصح الأقوال لحديث عمر وأنس وغيرهما وقد تقدما والذين قالوا أفرد طائفتان طائفة ظنت أنه أفرد إفرادا اعتمر عقبه من التنعيم وهذا غلط بلا ريب لم ينقل قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا قاله أحد من الصحابة وهو خلاف المتواتر المعلوم من فعله ﷺ وطائفة قالت أفرد إفرادا اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر والأحاديث الثابتة التي اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة في أنه اعتمر عقبه فهو باطل قطعا وإن كان إفرادا مجردا عن العمرة فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه والذين قالوا تمتع طائفتان طائفة قالت تمتع تمتعا حل منه وهذا باطل قطعا كما تقدم وطائفة قالت تمتع تمتعا لم يحل منه لأجل الهدي وهذا وإن كان أقل خطأ من الذي قبله فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن إلا أن يريدوا بالتمتع القران فهذا حق وطائفة قالت أحرم إحراما مطلقا ثم عينة بالإفراد وهذا أيضا يكفي في رده الأحاديث الثابتة الصريحة وطائفة قالت قرن وطاف طوافين وسعى سعيين والأحاديث الثابتة التي لا مطعن فيها تبطل ذلك والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد تأتي من بمعنى الباء كقوله يحفظونه من أمر الله أي بأمره تريد ولم تحل أنت بعمرة وقالت طائفة معناه لم تحل من العمرة التي أمرت الناس بها وقالت طائفة هذه اللفظة غير محفوظة فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها في حديثه حكاهما ابن حزم وقالت طائفة هي مروية بالمعنى والحديث ولم تحل أنت من حجك فأبدل لفظ الحج بالعمرة وقالت طائفة الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجة معها وقد أخبر عن نفسه بأنه قرن فهو إذن في حج وعمرة ومن كان في حج وعمرة فهو في عمرة قطعا وهذه الوجوه بعضها واه وبعضها مقارب فقول من قال المراد به من حجتك بعيد جدا إذ لا يعبر بالعمرة عن الحج وليس هذا عرف الشرع ولا يطلق ذلك إلا إطلاقا مقيدا فيقال هي الحج الأصغر وقول من قال إنها ظنت أنه ﷺ كان فسخ العمرة كما أمر أصحابه ولم يحل كما أحلوا فبعيد جدا فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله فبه يكون معتمرا فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة وهي تراه لم يحل وأما قول من قال معناه لم تحل بعمرة ومن بمعنى الباء فتعسف ظاهر وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها

وأما قول من قال معناه لم تحلل من العمرة التي أمرت الناس بها ففاسد فإنه كيف يحل من عمرة غيره وحفصة أجل من أن تسأل هذا السؤال وأما قول من قال إن هذه اللفظة ولم يذكرها عبيد الله فخطأ من وجهين أحدهما أن مالكا قد ذكرها ومالك مالك والثاني أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضا ذكره مسلم في الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله فذكر الحديث وفيه ولم تحل من عمرتك وقول من قال مروية بالمعنى بعيد أيضا فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة وهذا لا ينفي أن يكون في حجة وأجود منه أن يقال المراد بالعمرة المتعة وقد تقدم أن التمتع يراد به القران والعمرة تطلق على التمتع فيكون المراد لم تحل من قرانك وسمته عمرة كما يسمى تمتعا وهذه لغة الصحابة كما تقدم والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا الحديث قد تضمن أمرين أحدهما فعل الصحابة لها وهو بلا ريب بأمر النبي ﷺ وهذه الرواية والثاني اختصاصهم بها دون غيرهم وهذا رأي فروايته حجة ورأيه غير حجة وقد خالفه

فيه عبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وقد حمله طائفة على أن الذي اختص به هو وجوب الفسخ عليهم حتما وأما غيرهم فيستحب له ذلك هذا إن كان مراده متعة الفسخ وإن كان المراد مطلق المتعة فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن حديث بلال بن الحرث المزني في فسخ الحج فقال لا أقول به وليس إسناده بالمعروف ولم يروه إلا الدراوردي وحده وقال عبدالحق الصحيح في هذا قول أبي ذر غير المرفوع إلى النبي ﷺ وقال ابن القطان فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث والحرث بن بلال لا يعرف حاله

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قول الإمام أحمد قال البيهقي قال مسلم سمعت أحمد بن حنبل يقول فذكره وفي سنن ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيحين عن عائشة قالت يارسول الله هل على النساء جهاد قال جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة واحتج من نفى الوجوب بحديث جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي قال لا وأن

تعتمر خير لك رواه الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال حسن صحيح قال البيهقي كذا رواه الحجاج مرفوعا والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع وقد نوقش الترمذي في تصحيحه فإن من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ضعف ولو كان ثقة فهو مدلس كبير وقد قال عن محمد بن المنكدر لم يذكر سماعا ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث وقد قال الشافعي ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع وقد روى عن النبي ﷺ بإسناد ضعيف لا تقوم بمثله حجة تم كلامه قال البيهقي وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا الحج والعمرة فريضتان واجبتان قال البيهقي وهذا أيضا ضعيف لا يصح فقد سقط الاحتجاج برواية جابر من الطريقين وفي سنن ابن ماجه من حديث عمر بن قيس أخبرني طلحة بن يحيى عن محمد بن إسحق عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول الحج جهاد والعمرة تطوع رواه عن هشام عمار بن عن الحسن بن يحيى الخشني

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في معنى التلبية ثمانية أقوال أحدهما إجابة لك بعد إجابة ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانا بتكرير الإجابة

الثاني أنه انقياد من قولهم لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه ومنه لببته بردائه والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه وقبض على تلابيبه الثالث أنه من لب بالمكان إذا قام به ولزمه والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها اختاره صاحب الصحاح الرابع أنه من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك حكاه في الصحاح عن الخليل الخامس معناه حبا لك بعد حب من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها السادس أنه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه ومعناه أخلصت لي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي السابع أنه من قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر ومعناه أن منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف الثامن أنه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابا إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه

و سعديك من المساعدة وهي المطاوعة ومعناه مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة قال الحربي ولم يسمع سعديك مفردا و الرغباء إليك يقال بفتح الراء مع المد وبضمها مع القصر ومعناها الطلب والمسألة والرغبة واختلف النحاة في الياء في لبيك فقال سيبويه هي ياء التثنية وهو من الملتزم نصبه على المصدر كقولهم حمدا وشكرا وكرامة ومسرة والتزموا تثنيته إيذانا بتكرير معناه واستدامته والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي وقد جاء إضافته إلى ضمير للغائب نادرا كقول الشاعر دعوت لما نابني مسورا فلبي فلبي يدي مصور والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين وليس المراد مما يشفع الواحد فقط وكذلك سعديك ودواليك وقال يونس هو مفرد والباء فيه مثل عليك وإليك ولديك ومن حجة سيبويه على يونس أن على و إلى يختلفان بحسب الإضافة فإن جرا مضمرا كانا بالياء وإن جرا ظاهرا كانا بالألف فلو كان لبيك كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر كما قال فلبي يدي مسور وقالت طائفة من النحاة أصل الكلمة لبا لبا أي إجابة بعد إجابة فثقل عليهم تكرار الكلمة فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة

إحداها أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه الثانية أنها تتضمن المحبة كما تقدم ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه ولهذا قيل في معناها أنا مواجه لك بما تحب وأنها من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها الثالثة أنها تتضمن التزام دوام العبودية ولهذا قيل هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك الرابعة أنها تتضمن الخضوع والذل أي خضوعا بعد خضوع من قولهم أنا ملب بين يديك أي خاضع ذليل الخامسة أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل إنها من اللب وهو الخالص السادسة أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه السابعة أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل إنها من الإلباب وهو التقرب الثامنة أنها جعلت في الإحرام شعارا لانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك كما جعل التكبير في الصلاة سبعا للانتقال من ركن إلى ركن ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال لبيك اللهم لبيك كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن الله أكبر فإذا حل من نسكه قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره التاسعة أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده بل روح العبادات كلها والمقصود منها ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها العاشرة أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له

الحادية عشرة أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله واول من يدعي إلى الجنة أهله وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها الثانية عشرة أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق أي النعم كلها لك وانت موليها والمنعم بها الثالثة عشرة أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده فلا ملك على الحقيقة لغيره الرابعة عشرة أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك الخامسة عشرة في إن وجهان فتحها وكسرها فمن فتحها تضمنت معنى التعليل أي لبيك الحمد والنعمة لك ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياسا والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها ولهذا قال ثعلب من قال إن بالكسر فقد عم ومن قال أن بالفتح فقد خص ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم كسر إن وفتحها فمن فتح كان المعنى ندعوه لأنه هو البر الرحيم ومن كسر كان الكلام جملتين إحدهما قوله ندعوه ثم استأنف فقال إنه هو البر الرحيم قال أبو عبيد والكسر أحسن ورجحه بما ذكرناه السادسة عشرة أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عزوجل وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية فله سبحانه من أوصافه العلي نوعا ثناء نوع متعلق بكل صفة على انفرادها ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال والله سبحانه

يفرق في صفاته بين الملك والحمد وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم كقوله فإن ربي غني كريم فله كمال من غناه وكرمه ومن اقتران أحدهما بالآخر ونظيره اقتران العزة بالرحمة وإن ربك لهو العزيز الرحيم ونظيره اقتران العفو بالقدرة وكان الله عفوا قديرا ونظيره اقتران العلم بالحلم والله عليم حليم ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة والله قدير والله غفور رحيم وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ويفتح له باب محبة الله ومعرفته والله المستعان وعليه التكلان السابعة عشرة أن النبي قال أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها وتضمنت معانيها وقوله وهو على كل شيء قدير لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية لا شريك لك ولك أن تدخلها تحت قولك إن الحمد والنعمة لك ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى إذ لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه واقعا بخلق غيره لم يكن نفي الشريك عاما ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما وهذا من أعظم المحال والملك كله له والحمد كله له وليس له شريك بوجه من الوجوه الثامنة عشر أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله فمن

جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده ومبطلة لقول مجوس الأمة لقدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عبادة من الملائكة والجن والإنس فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقا لها فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلا تحت ملكه فلم يجعلوا الملك كله لله ولم يجعلوه على كل شيء قدير وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البتة فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة التاسعة عشرة في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله إن الحمد والنعمة والملك ولم يقل إن الحمد والنعمة لك والملك لطيفة بديعة وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد فلما تمت الجملة الأولى بقوله لك ثم عطف الملك كان تقديره والملك لك فيكون مساويا لقوله له الملك وله الحمد ولم يقل الملك والحمد وفائدته تكرار الحمد في الثناء العشرون لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخير كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما وعدم مفارقة أحدهما للآخر فالإنعام والحمد قرينان الحادية والعشرون في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهي أنه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك ثم أعادها عقب قوله إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة الملك والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة وهذا نظير قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم

فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم وهذا هو المشهود به ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة الحكم الأول أنه ﷺ سئل عما يلبس المحرم وهو غير محصور فأجاب بما لا يلبس لحصره فعلم أن غيره على الإباحة ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقشين ونحوه ونبه بالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة

ونحوها ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا كالغفارة ونحوها ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل كالتبان ونحوه ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق والجورب والزربول ذي الساق ونحوه الحكم الثاني أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران وليس هذا لكونه طيبا فإن الطيب في غير الورس والزعفران أشد ولأنه خصه بالثوب دون البدن وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه أن لا يكون مصبوغا بورس ولا زعفران وقد نهى أن يتزعفر الرجل وهذا منهي عنه خارج الإحرام وفي الإحرام أشد والنبي ﷺ لم يتعرض هنا إلا لأوصاف الملبوس لا لبيان جميع محظورات الإحرام الحكم الثالث أنه ﷺ رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين ولم يذكر فدية ورخص في حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه مع الفدية وكلاهما محظور بدون العذر والفرق بينهما أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم فهي رفاهية للحاجة وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل والمبدل وهو النعل لا فدية فيه فلا فدية في بدله وأما حلق الرأس فليس ببدل وإنما هو ترفه للحاجة فجبر بالدم الحكم الرابع أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه في حديث ابن عمر لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل فاختلف الفقهاء في هذا القطع هل هو واجب أم لا على قولين أحدهما أنه واجب وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر وإحدى الروايتين عن أحمد لأمر رسول الله ﷺ بقطعهما وتعجب الخطابي من أحمد فقال العجب

من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية والثاني أن القطع ليس بواجب وهو أصح الروايتين عن أحمد ويروى عن علي بن أبي طالب وهو قول أصحاب ابن عباس وعطاء وعكرمة وهذه الرواية أصح لما في الصحيحين عن ابن عباس قال سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله ﷺ من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل فهذا كلام مبتدأ من النبي ﷺ بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له أن من لم يجد الإزار فليلبس السروايل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقته ممتنع فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة وأن الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع فإن قيل فحديث بن عمر مقيد وحديث ابن عباس مطلق والحكم والسبب واحد وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع فالجواب من وجهين أحدهما أن قوله في حديث ابن عمر وليقطعهما قد قيل إنه مدرج من كلام نافع قال صاحب المغني كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين والإدراج فيه محتمل لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن فإذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الإشكال ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة أن رسول الله ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع الجواب الثاني أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر فناداه رجل فقال ما يلبس المحرم من الثياب فأجابه بذلك وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده

وعمرو بن دينار روى الحديثين معا ثم قال انظروا أيهما كان قبل وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس وقال الدارقطني قال أبو بكر النيسابوري حديث ابن عمر قبل لأنه قال نادى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فذكره وابن عباس يقول سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات فإن قيل حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولم يقل أحد منهم بعرفات غير شعبة ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد قيل هذا عبث فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين وناهيك برواية شعبة لها وشعبة حفظها وغيره لم ينفها بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة وليست تتضمن مخالفة للآخرين ومثل هذا يقبل ولا يرد ولهذا رواه الشيخان وقد قال علي رضي الله عنه قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما وهذا مقتضى القياس فإن النبي ﷺ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع ولا فرق بينهما وأبو حنيفة طرد القياس وقال يفتق السراويل حتى يصير كالإزار والجمهور قالوا هذا خلاف النص لأن النبي ﷺ قال السراويل لمن لم يجد الإزار وإذا فتق لم يبق سراويل ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع أما القياس فظاهر وأما النص فما تقدم تقديره والعجب أن من يوجب القطع يوجب مالا فائدة فيه فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح وأما أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع وليس عنده كالصحيح وكذلك المداس والجمجم ونحوهما قال شيخنا وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج قال شيخنا وهو الصحيح لأن المقطوع لبسه أصل لا بدل قال شيخنا فأبو حنيفة فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لا بدل فجوز لبسه مطلقا وهذا فهم صحيح وقوله في هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عنه عدم الإزار والخف عند عدم النعل وهذا فهم صحيح وقولهم في

هذا أصح من قوله وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحا بلا قطع عند عدم النعل وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع وهذا فهم صحيح وقوله في ذلك أصح الأقوال فإن قيل فلو كان المقطوع أصلا لم يكن عدم النعل شرطا فيه والنبي ﷺ إنما جعله عند عدم النعل قيل بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه فدل على أن بقطعه يخرج من شبه الخف ويلتحق بالنعل وأما جعله عدم النعل شرطا فلأجل أن القطع إفساد لصورته وماليته وهذا لا يصار إليه إلا عند عدم النعل وأما مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف كما قال أبو حنيفة وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع وهو عندهم كالخف فإن قيل فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار وهذا يفيد الجواز وأما سقوط الفدية فلا فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة يجوز له ذلك مع الفدية فاستفاد الجواز من هذ الحديث واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة حيث جوز له فعل المحظور مع الفدية فكان أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم مع موافقته لابن عمر في ذلك قيل بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس فإن النبي ﷺ ذكر البدل في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة ولم يأمر في شيء منها بالفدية مع الحاجة إلى بيانها وتأخير البيان عن وقته ممتنع فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجبا دليل على عدم الوجوب كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق ولو كان الفتق واجبا لبينه وأما القياس فضعيف جدا فإن قيل هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها كالتراب عند عدم الماء وكالصيام عند العجز عن الإعتاق والإطعام وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية والفرق بينهما أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه فالحاجة إلى ذلك عامة ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فائدة بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد فإن ذلك حاجة لعارض ولهذا رخص النبي ﷺ للنساء في اللباس مطلقا بلا فدية ونهى عن النقاب والقفازين فإن المرأة لما كانت كلها عورة وهي محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستر بدنها فدية وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف هي عامة إذا لم يجدوا الإزار والنعال وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقا أخذ بحديث القطع وكان يأمر النساء بقطع الخفاف حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة أن النبي ﷺ أرخص للنساء في ذلك فرجع عن قوله

ومما يبين أن النبي ﷺ أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقا ولم يبين فيه حالة من حالة وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه في لبس السراويل عند عدم الازار فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت في لبس السراويل وأنها إنما شرعت وقت خطبته بها وهي متأخرة فكان الأخذ بالمتأخر أولى لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ فمدار المسألة على ثلاث نكت إحداها أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات ولم تشرع قبل والثانية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع والثالثة أن الخف المقطوع كالنعل أصل لا أنه بدل والله أعلم وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ولا يحرم عليها سترة بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه وليس عن النبي ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء وهذا واضح بحمد الله وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة وقالت عائشة كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا ذكره أبو داود واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليل ولا مذهبا قال صاحب المغني ولم أر هذا الشرط يعني المجافاة عن أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه قال أحمد لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها تم كلامه فإن قيل فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي ﷺ أنه قال إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها فجعل وجه المرأة كرأس الرجل وهذا يدل على وجوب كشفه

قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاووس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحق بن راهويه وتذكر الرخصة عن علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخر ونهى المرأة عن لبسهما ثابت في الصحيح كنهي الرجل عن لبس القميص والعمائم وكلاهما في حديث واحد عن راو واحد وكنهيه المرأة عن النقاب وهو في الحديث نفسه وسنة رسول الله ﷺ أولى بالاتباع وهي حجه على من خالفها وليس قول من خالفها حجة عليها فأما تعليل حديث ابن عمر في القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي ﷺ في حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله ﷺ مرفوعا إليه ليس من كلام ابن عمر وموضع الشبهة في تعليله أن نافعا اختلف عليه فيه فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبي ﷺ فذكر فيه ولا تلبس القفازين قال أبو داود ورواه حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفا على ابن عمر وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفا وكذلك هو في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة في الأكثر عنه وإبراهيم بن سعد أيضا رفعه عن نافع ذكره أبو داود ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعا كما تقدم فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخاري في صحيحه والترمذي وقال حديث صحيح ورواه النسائي في سننه ولم يروا وقف من وقفه علة وأما حديث موسى بن عقبة فرواه النسائي في سننه عن سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة فذكر الحديث وقال في آخره ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين مرفوعا قال البخاري تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين وقال عبيد الله وكان يقول لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين وقال مالك عن

نافع عن ابن عمر لا تنتقب المرأة وتابعه ليث بن أبي سليم فالبخاري رحمه الله ذكر تعليله ولم يرها علة مؤثرة فأخرجه في صحيحه عن عبد الله بن يزيد حدثنا الليث حدثنا نافع عن ابن عمر فذكره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعن سعيد بن المسيب قال وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم وقد روى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما وسليمان بن يسار مولى ميمونة وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى مسلم في صحيحه من حديث عبدالرحمن بن عثمان التيمي قال كنا مع طلحة بن عبيد الله في طريق مكة ونحن محرمون فأهدوا لنا لحم صيد وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع فلم

يأكل فلما استيقظ قال للذين أكلوا أصبتم وقال الذين لم يأكلوا أخطأتم فإنا قد أكلنا مع رسول الله ﷺ ونحن حرم وروى مالك عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمرو بن سلمة الضمري عن البهزي يزيد بن كعب أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كانوا بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله ﷺ فقال يارسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم فزعم أن رسول الله ﷺ أمر رجلا يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى جاوزوه وفي الصحيحين عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله ﷺ وقال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ورواه مسلم عن سفيان وقال لحم حمار وحش قال الحميدي كان سفيان يقول في الحديث أهديت لرسول الله ﷺ لحم حمار وحش وربما قال سفيان يقطر دما وكان فيما خلا ربما قال حمار وحش ثم صار إلى لحم حتى مات وفي رواية لمسلم شق حمار وحش فرده وفي رواية له عجز حمار فرده وفي رواية له رجل حمار قال الشافعي فإن كان الصعب أهدى للنبي ﷺ الحمار حيا فليس لمحرم ذبح حمار وحش وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه وإيضاحه في حديث جابر قال وحديث مالك أنه أهدي إلى النبي ﷺ حمارا أثبت من حديث أنه أهدي له من لحم حمار تم كلامه قال البيهقي وروى يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم قال وهذا إسناد صحيح فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم تم كلامه وقد اختلف الناس قديما وحديثا في هذه المسألة وأشكلت عليهم الأحاديث فيها فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وأبي هريرة ذكر ذلك ابن عبدالبر عنهم وحجتهم حديث أبي قتادة المتقدم وحديث طلحة بن عبيد الله وحديث البهزي وقالت طائفة لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر قال ابن عباس وحرم عليكم صيد البر هي مبهمة وروى عن طاووس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه وحجة هذا المذهب حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة وحديث علي في أول الباب واحتجوا بظاهر الآية وقالوا تحريم الصيد يعم اصطياده وأكله

وقالت طائفة ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز له أكله فأما ما لم يصده من أجله بل صاده لنفسه أو لحلال لم يحرم على المحرم أكله وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وقول إسحاق وأبي ثور قال ابن عبدالبر وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب قال وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم تختلف ولم تتدافع وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل تم كلامه وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه كلوا قالوا ألا تأكل أنت قال إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه وحديث جابر صريح في التفريق فحيت أكل علم أنه لم يصد لأجله وحيث امتنع علم أنه صيد لأجله فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال وكذلك امتناع علي من أكله لعله ظن أنه صيد لأجله وإباحة النبي ﷺ لأصحابه حمار البهزي ومنعهم من التعرض للظبي الحاقف لأن الحمار كان عقيرا في حد الموت وأما الظبي فكان سالما ولم يسقط إلى الأرض فلم يتعرض له لأنه حيوان حي والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وإن صح حديث الحجاج بن عمرو فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض فقد روينا عن ابن عباس ثابتا عنه أنه قال لا حصر إلا حصر عدو تم كلامه

وقال غيره معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة قالوا ولو كان الكسر مبيحا للحل لم يكن للاشتراط معنى

قالوا وأيضا فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث فإنه لا يحل بمجرد الكسر والعرج فلا بد من تأويله فيحمله على ما ذكرناه قالوا وأيضا فإنه لا يستفيد بالحل زوال عقده ولا الانتقال من حاله بخلاف المحصر بالعدو وقوله وعليه الحج من قابل هذا إذا لم يكن حج الفرض فأما إن كان متطوعا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار قال البيهقي وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في إسناده والثابت عن ابن عباس خلافه وأنه لا حصر إلا حصر العدو تم كلامه قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت وهو قوله مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه وروى عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس قالوا وهو حديث حسن يحتج بمثله

قالوا وأيضا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكره بالمرض فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض يقال أحصره المرض وحصر العدو فيكون لفظ الآية صريحا في المريض وحصر العدو ملحق به فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل قال الخليل وغيره حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه قالوا وعلى هذا خرج قول ابن عباس لا حصر إلا حصر العدو ولم يقل لا إحصار إلا إحصار العدو فليس بين رأيه وروايته تعارض ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة قالوا وقولكم لو كان يحل بالحصر لم يكن للاشتراط معنى جوابه من وجهين أحدهما أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم شيئا فلا يحل عندكم بشرط ولا بدونه فالحديثان معا حجة عليكم وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين إحداهما جواز الإحلال والثانية سقوط الدم فإذا لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده وثبت وجوب الدم عليه فتأثير الاشتراط في سقوط الدم وأما قولكم إن معناه أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج لغير مرض ففي غاية الضعف فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج في ذلك فإن المفوت يحل صحيحا كان أو مريضا وأيضا فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الذي اعتبره وهذا غير جائز وأما قولكم إنه يحمل على الحل بالشرط فالشرط إما أن يكون له تأثير في الحل عندكم أو لا تأثير له فإن كان مؤثرا في الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذي علق الحكم به وهو خلاف النص وإن لم يكن له تأثير في الحل بطل حمل الحديث عليه قالوا وأما قولكم إنه لا يقول أحد بظاهره فإن ظاهره إنه بمجرد الكسر والعرج يحل فجوابه أن المعنى فقد صار ممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعا منه وهذا كقوله ﷺ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم وليس المراد به أنه أفطر حكما وإن لم يباشر المفطرات بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر ولو أفطروا حكما لاستحال منهم الوصال ولقوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإذا نكحت زوجا آخر حلت لا بمجرد نكاح الثاني بل لا بد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها قالوا وأما قولكم إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه بخلاف من حصره العدو فكلام لا معنى تحته فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو

فإنه إذا بقي ممنوعا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه كما يستفيد المحصر بالعدو بحله فلا فرق بينهما فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا وروى النسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال رأيت طاووسا يمر بالركن فإن وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم وإن رآه خاليا قبله ثلاثا ثم قال رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك ثم قال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك ثم قال عمر إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك ثم قال عمر رضي الله عنه رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك وترجم عليه النسائي كم يقبل الحجر وفي النسائي عن عمر أنه قبل الحجر الأسود والتزمه وقال رأيت أبا القاسم ﷺ بك حفيا وفي النسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال الحجر الأسود من الجنة وفي صحيح أبي حاتم عن نافع بن شيبة الحجبي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو مسند ظهره إلى الكعبة الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وفي صحيحه أيضا عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق وفي صحيحه أيضا عنه عن رسول الله ﷺ ليبعثن الله هذا الركن يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بالحق وأخرج النسائي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يطوف بالبيت على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه وفي الصحيح عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر فقال رأيت النبي ﷺ يستلمه ويقبله رواه البخاري وهذا يحتمل الجمع بينهما ويحتمل أنه رآه يفعل هذا تارة وهذا تارة

وقد ثبت تقبيل اليد بعد استلامه ففي الصحيحين أيضا عن نافع قال رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبد يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله فهذه ثلاثة أنواع صحت عن النبي ﷺ تقبيله وهو أعلاها واستلامه وتقبيل يده والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله لما رواه مسلم عن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر أن النبي ﷺ قال له ياعمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر وأما الركن اليماني فقد صح عن النبي ﷺ أنه استلمه من رواية ابن عمر وابن عباس وحديث ابن عمر في الصحيحين لم يكن رسول الله ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين وحديث ابن عباس في الترمذي وقد روى البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا استلم الركن اليماني قبله وفي صحيح الحاكم عنه كان النبي ﷺ يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه وهذا المراد به الأسود فإنه يسمى يمانيا مع الركن الآخر يقال لهما اليمانيين بدليل حديث عمر في تقبيله الحجر الأسود خاصة وقوله لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك فلو قبل الآخر لقبله عمر وفي النفس من حديث ابن عباس هذا شيء وهل هو محفوظ أم لا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من طاف بالبيت أسبوعا لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة ورفع له بها درجة وأخرج النسائي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال من طاف بالبيت أسبوعا فهو كعدل رقبة وهذه الأحاديث عامة في كل الأوقات لم يأت ما يخصها ويخرجها عن عمومها وقد روى الترمذي في الجامع من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال وفي الباب عن أنس وابن عمر وحديث ابن عباس غريب وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله قال أيوب السختياني وكانوا يقولون عبد الله بن سعيد بن جبير أفضل من أبيه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب أحدها أن على كل منهما طوافين وسعيين روي ذلك عن علي وابن مسعود وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي وإحدى الروايات عن الإمام أحمد الثاني أن عليهما كليهما طوافا واحدا وسعيا واحدا نص عليه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وهو ظاهر حديث جابر هذا الثالث أن على المتمتع طوافين وسعيين وعلى القارن سعي واحد وهذا هو المعروف عن عطاء وطاووس والحسن وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد وحجتهم حديث عائشة وقد تقدم وذكرنا ما قيل فيه وقد روي عن النبي ﷺ أنه طاف طوافين وسعى سعيين من رواية علي وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين ولا يثبت شيء منها والذين قالوا لا بد للمتمتع من سعيين تأولوا حديث جابر بتأويلات مستكرهة جدا

فقال بعضهم طوافا واحدا أي طوافين على صفة واحدة فالواحدة راجعة إلى صفة الطواف لا إلى نفسه وهذا في غاية البعد وسيأتي الكلام يشهد ببطلانه وقال البيهقي أراد به أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا قارنين خاصة فإنه ﷺ كان مفردا وأمر أصحابه أن يحلوا من إحرامهم إلا من ساق الهدي فاكتفى هو وأصحابه القارنون بطواف واحد وهذا بعيد جدا فإن الذين قرنوا من أصحابه كلهم حلوا بعمرة إلا من ساق الهدي من سائرهم وهم آحاد يسيرة لم يبلغوا العشرة ولا الخمسة بل الحديث ظاهر جدا في اكتفائهم كلهم بطواف واحد بين الصفا والمروة ولم يأت لهذا الحديث معارض إلا حديث عائشة وقد ذكر بعض الحفاظ أن تلك الزيادة من قول عروة لا من قولها وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتع بسعي واحد روى الإمام أحمد في مناسك ابنه عبد الله عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول القارن والمفرد والمتمتع يجزيه طواف البيت وسعي بين الصفا والمروة ولكن في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجعتم إلى أمصاركم الشاة تجزىء فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ وأباحه للناس غير أهل مكة وذكر باقي الحديث فهذا صريح في أن المتمتع يسعى سعيين وهذا مثل حديث عائشة سواء بل هو أصرح منه في تعدد السعي على المتمتع فإن صح عن ابن عباس ما رواه الوليد عن الأوزاعي عن عطاء فلعل عنه في المسألة روايتين كما عن الإمام أحمد فيها روايتان وفي مسائل عبد الله قال قلت لأبي المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة قال إن طاف طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس قال وإن طاف طوافا واحدا فهو أعجب إلي واحتج بحديث جابر وأحمد فهم من حديث عائشة قولها فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى بحجهم أن هذا طواف القدوم واستحب في رواية المروذي وغيره للقادم من عرفة إذا كان متمتعا أن يطوف طواف القدوم ورد عليه بعض أصحابه ذلك وفهم من حديث عائشة أن المراد به طواف الفرض وهذا سهو منه فإن طواف الفرض مشترك بين الجميع وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن القارن وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي الصحيحين عن جابر أن النبي ﷺ قال لعائشة لما طفت بالكعبة وبالصفا والمروة حللت من حجك وعمرتك جميعا قالت يارسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال فاذهب بها ياعبدالرحمن فأعمرها من التنعيم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم

وفي البيهقي أيضا عن ابن عباس أنه كان يلزم ما بين الركن والباب وكان يقول ما بين الركن والباب يدعي الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأما الحطيم فقيل فيه أقوال أحدها أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم وقيل هو جدار الحجر لأن البيت رفع وترك هذا الجدار محطوما والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه واحتج عليه بحديث الإسراء قال بينا أنا نائم في الحطيم وربما قال في الحجر قال وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وذهب سفيان الثوري وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لهما كما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر

قال ابن عبد البر وهو محفوظ من روايات الثقات أن النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة قلت وقد ثبت ذلك عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى الصلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة

وقال مالك صليهما بأذانين وإقامتين وهو مذهب ابن مسعود وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أنه صلى صلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة قال ابن المنذر وروى هذا عمر رضي الله عنه قال ابن عبد البر ولا أعلم في ذلك حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ بوجه من الوجوه ولكنه روى عن عمر بن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك ومذهب إسحاق وسالم والقاسم أنه يصليهما بإقامتين فقط وحجتهم حديث ابن عمر المتقدم هو رواية عن أحمد ومذهب أحمد والشافعي في الأصح عنه وأبي ثور وعبدالملك الماجشون والطحاوي أنه يصليهما بأذان واحد وإقامتين وحجتهم حديث جابر الطويل

وقد تكلف قوم الجمع بين هذه الأحاديث بضروب من التكلف وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات إحداهن أنه جمع بينهما بإقامتين فقط والثانية أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما وقد ذكر أبو داود الروايتين والثالثة أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة ذكر ذلك البغوي حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمة عن أنس بن سيرين قال وقفت مع ابن عمر بعرفة وكان يكثر أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فلما أفضنا من عرفة دخل الشعب فتوضأ ثم جاء إلى جمع فعرض راحلته ثم قال الصلاة فصلى المغرب ولم يؤذن ولم يقم ثم سلم ثم قال الصلاة ثم صلى العشاء ولم يؤذن ولم يقم والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجيهن اثنين أحدهما أن الأحاديث سواء مضطربة مختلفة فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم فروي عن ابن عمر من فعله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة وروي عنه مسندا إلى النبي ﷺ الجمع

بينهما بإقامة واحدة وروي عنه مرفوعا الجمع بينهما بإقامتين وعنه أيضا مرفوعا الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما وعنه مرفوعا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة وهذه الروايات صحيحة عنه فيسقط الأخذ بها لاختلافها واضطرابها وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه من فعله وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثابتين ومن أثبتهما فمعه زيادة علم وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمعه وأما حديث أسامة فليس فيه الإتيان بعدد الإقامة لهما وسكت عن الأذان وليس سكوته عنه مقدما على حديث من أثبته سماعا صريحا بل لو نفاه جملة لقدم عليه حديث من أثبته لتضمنه زيادة على خفيت على النافي الوجه الثاني أنه قد صح من حديث جابر في جمعه ﷺ بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم قال ابن عبد البر كان الإمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه قال ابن عبدالبر وأجمع المسلمون على أن النبي ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم وقال جابر رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس أخرجه مسلم وقال أبو داود اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس فمن رماها قبل طلوع الشمس يجزه وعليه الإعادة قال ابن عبد البر وحجته أن رسول الله ﷺ رماها بعد طلوع الشمس فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفا للسنة ولزمه إعادتها قال زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنه يجزئه قال ولو علمت أن في ذلك خلافا لأوجبت على فاعل ذلك الإعادة قال ولم يعلم قول الثوري يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي فمقتضى مذهب ابن المنذر أنه يجب الإعادة على من رماها قبل طلوع الشمس وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس وفعله ﷺ متفق عليه بين الأمة فهذا فعله وهذا قوله وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعفه

وقال مالك لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والحديث الذي أشار إليه هو مافي الصحيحين عن عبد الله مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يابني هل غاب القمر قلت نعم قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا قالت يابني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن وفي لفظ لمسلم لظعنه وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عين ومع هذا فهي رخصة للظعن وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر وهذا قول أحمد في رواية واختيار ابن المنذر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والقرآن قد صرح بأن الأذان يوم الحج الأكبر ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة وقيل أيام الحج كلها فعبر عن الأيام باليوم كما قالوا يوم الجمل ويوم صفين قاله الثوري والصواب القول الأول

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال علي بن المديني عروة بن مضرس لم يرو عنه غير الشعبي

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد قول المنذري وأما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة فيرده سفر النبي ﷺ بزوجاته انتهى قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة فيرده أن هذا غير معروف بل المعروف أنه لم يكن له بها أهل ولا مال وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحطط راحلته حتى يرجع ويردده ما تقدم أن عثمان من المهاجرين الأولين وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة وقال ابن عبد البر وأصح ما قيل فيه أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك

وقال غيره اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي ﷺ أنه كان رخصة أخذ بالأيسر رفقا بأمته فأخذا بالعزيمة وتركا الرخصة والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قد صح عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من رواية عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وشك الشاك لا يؤثر في جزم الجازم

واختلف الناس في ذلك فالذي ذهب إليه الجمهور وجوب استيفاء السبع في كل رمي وحكى الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك قال وإنما جعل الرمي بالحصى في ذلك سببا لحفظ التكبيرات السبع وقال عطاء إن رمى بخمس أجزأه وقال مجاهد إن رمى بست فلا شيء عليه وبه قال إسحاق وقال الإمام أحمد إن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس وقال مرة إن رمى بست ناسيا فلا شيء عليه ولا ينبغي أن يتعمدة فإن تعمده تصدق بشيء وكان عمر يقول ما أبالي رميت بست أو بسبع وقال مرة لا يجزيه أقل من سبع وروى النسائي والبيهقي في سننه والأثرم وغيرهم عن ابن أبي نجيح سئل طاووس عن رجل ترك حصاة قال يطعم لقمة فقال أبو عبدالرحمن لم تسمع قول سعد قال سعد بن مالك رجعنا في حجة رسول الله ﷺ فمنا من يقول رميت بست ومنا من يقول رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله لم يتكلم المنذري عل هذا الحديث وهو وهم فإن رسول الله ﷺ لم يعتمر في شوال قط فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة ثم اعتمر من العام القادم عمرة القضية وكانت في ذي القعدة ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة وكانت في ذي القعدة ثم اعتمر مع حجته عمرة قرنها بها وكان ابتداؤها في ذي القعدة وسيأتي حديث أنس بعد هذا في أن عمرة ﷺ كلها كانت في ذي القعدة وقد روى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثا إحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة وهذا مرسل عند جميع رواة الموطأ قال ابن عبد البر وقد روى مسندا عن عائشة وليس رواته مسندا ممن يذكر مع مالك في صحة النقل وقال ابن شهاب اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر اعتمر عام الحديبية فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة سنة سبع آمنا هو وأصحابه ثم اعتمر العمرة الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة وروى معمر عن الزهري أن رسول الله ﷺ اعتمر أربعا فذكر مثل هذا وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو وغيره وكذلك ذكر موسى بن عقبة وزاد ومنهن واحدة مع حجته وكذلك قال جابر اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة إحداهن زمن الحديبية والأخرى في

صلح قريش والأخرى في رجعته من الطائف ومن حنين من الجعرانة وهذا لا يناقض ما روى الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة فإن جابرا أراد عمرته المفردة التي أنشأ لها سفرا لأجل العمرة ولا يناقض هذا أيضا حديث ابن عمر أنه ﷺ اعتمر عمرتين كما سيأتي بعد هذا فإن كان هذا محفوظا عن عائشة أنه اعتمر في شوال فلعله عرض لها في ذلك ما عرض لابن عمر من قوله إنه اعتمر في رجب وإن لم يكن محفوظا عن عائشة كان الوهم من عروة أو من هشام والله أعلم بل أن يحمل على أنه ابتدأ إحرامها في شوال وفعلها في ذي القعدة فتتفق الأحاديث كلها والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال ابن حزم صدقت عائشة وصدق ابن عمر لأن رسول الله ﷺ لم يعتمر منذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة مفردة إلا اثنتين كما قال ابن عمر وهما عمرة القضاء وعمرة الجعرانة عام حنين

وعدت عائشة وأنس إلى هاتين لعمرتين عمرة الحديبية التي صد عنها والعمرة التي قرنها بحجته فتألفت أقوالهم وانتفى التعارض عنها ثم قال الشيخ ابن القيم رحمه الله بعد قول المنذري وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا في رمضان إلى أن قال المنذري وكان ابتداء خرجوهم لها في رمضان وهذا لا يصح لأنه ﷺ يخرج في رمضان إلى مكة إلا في غزاة الفتح ولم يعتمر منها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا قال ابن عمر وقال جابر في حديثه الطويل ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر

رواه مسلم وقالت عائشة أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها الحديث وسيأتي فاختلف الناس في ذلك فرجحت طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة قالوا وقد وافقته عائشة واختصاصها به وقربها منه واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به أمر لا يرتاب فيه قالوا ولأنه ﷺ رمى الجمرة وحلق رأسه وخطب الناس ونحر مائة بدنة هو وعلي وانتظر حتى سلخت وأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت وأكلا من لحمها قال ابن حزم وكانت حجته في آذار ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ثم يرجع إلى منى ووقت الظهر باق وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره الذي يرجح أنه إنما صلى الظهر بمنى لوجوه أحدها أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إماما يصلي بهم الظهر ولم ينقل ذلك أحد ومحتال أن يصلي بالمسلمين الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد فقد نقل الناس نيابة عبدالرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر ونيابة الصديق لما خرج ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف ونيابته في مرضه ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم الثاني أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين فكان يتعين عليهم الإتمام ولم يقل لهم النبي ﷺ أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر كما قاله في غزاة الفتح الثالث أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائي الظهر وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلا لا سيما وهو ﷺ كان إمام الحج الذي لا يصلي لهم سواه فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادا ولا يقيم لهم من يصلي بهم هذا في غاية البعد وأما حديث عائشة فقد فهم منه جماعة منهم المحب الطبري وغيره أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض إلى البيت بعد ما صلى الظهر لأنها قالت أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى قالوا ولعله صلى الظهر بأصحابه ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل كما قال جابر

ثم رجع إلى منى فرأى قوما لم يصلوا فصلى بهم ثالثة كما قال ابن عمر وهذه حرفشة في العلم وطريقة يسلكها القاصرون فيه وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان الذي هو عرض البشر ومن له إلمام بالسنة ومعرفة بحجته ﷺ يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات بل ولا مرتين وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده ﷺ وفهم منه آخرون منهم ابن حزم وغيره أنه أفاض حين صلاها بمكة وفي نسخة من نسخ السنن أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلاها بمكة كما قال جابر ورواية حين محتملة للأمرين والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة يحدثانه عن أم سلمة وقال أبو عبيدة وحدثتني أم قيس بنت محصن وكانت جارة لهم قالت خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصا عشية يوم النحر ثم رجعوا إلي عشاء وقمصهم على أيديهم يحملونها فقلت أي عكاشة مالكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها فقال أخبرتنا أم قيس كان هذا يوما رخص فيه رسول الله ﷺ لنا إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما أحرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت فإذا أمسينا ولم نطف جعلنا قمصنا على أيدينا وهذا يدل على أن الحديث محفوظ فإن أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس

وقد استشكله الناس قال البيهقي وهذا حكم لا أعلم أحدا من الفقهاء يقول به تم كلامه وقد روى أبو داود عن عقبة عن أبي الزبير عن عائشة وابن عباس أن النبي ﷺ أخر طواف يوم النحر إلى الليل وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن وأخرجه البخاري تعليقا وكأن رواية أبي داود له عقب حديث أم سلمة استدلال منه على أنه أولى من حديث أم سلمة لأن رسول الله ﷺ حل قبل طوافه بالبيت ثم أخره إلى الليل لكن هذا الحديث وهم فإن المعلوم من فعله ﷺ أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارا بعد الزوال كما قاله جابر وعبد الله بن عمر وعائشة وهذا أمر لا يرتاب فيه أهل العلم والحديث وقد تقدم قول عائشة أفاض رسول الله ﷺ حين صلى الظهر من رواية أبي سلمة والقاسم عنها قال البيهقي وحديث أبي سلمة عن عائشة أصح وقال البخاري في سماع أبي الزبير من عائشة نظر وقد سمع من ابن عباس

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ويمكن أن يحمل قولها أخر طواف يوم النحر إلى الليل على أنه أذن في ذلك فنسب إليه وله نظائر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في حديث اكتبوا لأبي شاه فيه أن مكة فتحت عنوة وفيه تحريم قطع شجر الحرم وتحريم التعرض لصيده بالتنفير فما فوقه

وفيه أن لقطتها لا يجوز أخذها إلا لتعريفها أبدا والحفظ على صاحبها وفيه جواز قطع الإذخر خاصة رطبه ويابسه وفيه أن اللاجىء إلى الحرم لا يتعرض له ما دام فيه ويؤيده قوله في الصحيحين في هذا الحديث فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما وفيه جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته من أول الكلام وفيه الإذن في كتابة السنن وأن النهي عن ذلك المنسوخ والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال ابن القطان وعندي أنه ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة وهي مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها والصواب تحسين الحديث فإن يوسف بن ماهك من التابعين وقد سمع أم هانىء وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وقد روى عن أمه ولم يعلم فيها جرح ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث وأمه تابعية قد سمعت عائشة 6

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أبعد بعض المتكلفين وقال يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره ﷺ وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعبد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها

قال بعضهم وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد والتأويل الفاسد الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله في آخره وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهل في الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله لا تجعله عيدا وقوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورا نهى لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التي لا يصلى فيها وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدا نهي لهم أن يجعلوه مجمعا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد قال بقول عائشة في رضاع الكبير الليث بن سعد وعطاء وأهل الظاهر والأكثرون حملوا الحديث إما على الخصوص وإما على النسخ واستدلوا على النسخ بأن قصة سالم كانت في أول الهجرة لأنها هاجرت عقب نزول الآية والآية نزلت في أوائل الهجرة

وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي الاستدلال بهذا نظر فإن هذا حكم من النبي ﷺ مؤيد مؤكد بالقسم ولكن حلف المسور بن مخرمة أنه لا يوصل إليه أبدا ظاهر فيه ثقته بالله في إبراره وفيه رد على من يقول إن المسور ولد بمكة في السنة الثانية من الهجرة وكان له يوم موت النبي ﷺ ثمان سنين هذا قول أكثرهم وقوله وأنا يومئذ محتلم هذا الكلمة ثابتة في الصحيحين وفيه تحريم أذى النبي ﷺ بكل وجه من الوجوه وإن كان بفعل مباح فإذا تأذى به رسول الله ﷺ لم يجز فعله لقوله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وفيه غيرة الرجل وغضبه لابنته وحرمته وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله بنت عدو الله فدل على أن لهذا الوصف تأثيرا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى وكان أبوهما صالحا

وفيه أوضح دليل على فضل فاطمة وأنها سيدة نساء هذه الأمة لكونها بضعة من النبي ﷺ وفيه ثناء الرجل على زوج ابنته بجميل أوصافه ومحاسن أفعاله وفيه أن أذى أهل بيته ﷺ وإرابتهم أذى له وقوله يريبني ما أرابها يقول رابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك وتكرههه وأرابني أيضا قال الفراء هما بمعنى واحد وفرق آخرون بينهما بأن رابني تحققت منه الريبة وأرابني إذا ظننت ذلك به كأنه أوقعك فيها والصهر الذي ذكره النبي ﷺ هو أبو العاص بن الربيع وزوجته زينب بنت رسول الله ﷺ وبنت أبي جهل هذه المخطوبة قال عبدالغني بن سعيد وغيره اسمها العوراء وهذه العبارة ذكر بعضها المنذري بمعناها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأما ابن عباس فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة ولم يبحها مطلقا فلما بلغه إكثار الناس منها رجع وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها قال الخطابي حدثنا ابن السماك حدثنا الحسن بن سلام حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عبدالسلام عن الحجاج عن أبي خالد عن المنهال عن ابن جبير قال قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت وبما أفتيت قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء قال وما قالوا قلت قالوا قد قلت للشيخ لما طال محبسه ياصاح هل في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى رجعة الناس فقال ابن عباس إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما تحل إلا للمضطر وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير وقال إسحاق بن راهويه حدثنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس قال كانت المتعة في أول الإسلام متعة النساء فكان الرجل يقدم بسلعته البلد ليس له من يحفظ عليه شيئه ويضم إليه متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته وقد كانت تقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن حتى نزلت حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله محصنين غير مسافحين فتركت المتعة وكان الإحصان إذا شاء طلق وإذا شاء أمسك ويتوارثان وليس لهما من الأمر شيء فهاتان الروايتان المقيدتان عن ابن عباس تفسران مراده من الرواية المطلقة المقيدة والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبدالرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله ﷺ لا شغار في الإسلام ومن حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال لا جلب ولا جنب ولا شغار ومن انتهب نهبة فليس منا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث جابر الذي أشار إليه رواه الترمذي من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر أن رسول الله ﷺ لعن المحلل والمحلل له قال هكذا روى أشعث بن عبدالرحمن عن مجالد عن عامر عن جابر عن النبي ﷺ وهذا حديث ليس إسناده بالقائم لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل

العلم منهم أحمد بن حنبل وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث عن مجالد عن عامر عن جابر عن علي وهذا وهم وهم فيه ابن نمير والحديث الأول أصح قال وقد روى الحديث عن علي من غير وجه قال في الباب عن أبي هريرة وعقبة بن عامر وابن عباس قال والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم وهو قول الفقهاء من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قال وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا وقال ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي قال وكيع وقال سفيان إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يمسكها حتى يتزوجها بنكاح جديد تم كلامه وقال إبراهيم النخعي لا يحلها لزوجها الأول إلا بنكاح رغبة فإن كانت نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أن تحلل فالنكاح باطل ولا تحل للأول

وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي في كتاب العلل سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن وعبد الله بن جعفر المخزمي صدوق ثقة وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وذكر الطبري أن بعضهم قال نهيه أن يخطب الرجل على خطبة أخيه منسوخ بخطبته ﷺ لأسامة فاطمة بنت قيس قال الشيخ ابن قيم الجوزية يعني بعد أن خطبها معاوية وأبو جهم قال وهذا

غلط فإن فاطمة لم تركن إلى واحد منهما وإنما جاءت مستشيرة للنبي ﷺ فأشار عليها بما هو الأصلح لها والأرضى لله ولرسوله ولم يخطبها لنفسه ومورد النهي إنما هو خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكفء الصالح فأين ذلك من الخطبة على خطبة أخيه فقد تبين غلط القائل والحمد لله وأيضا فإن هذا من الأحكام الممتنع نسخها فإن صاحب الشرع علله بالأخوة وهي علة مطلوبة البقاء والدوام لا يلحقها نسخ ولا إبطال

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال الشافعي ينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية ولا ينظر إلى ما وراء ذلك وقال داود ينظر إلى سائر جسدها قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعن أحمد ثلاث روايات إحداهن ينظر إلى وجهها ويديها والثانية ينظر ما يظهر غالبا كالرقبة والساقين ونحوهما والثالثة ينظر إليها كلها عورة وغيرها فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة واللفظ الذي ذكره مسلم ليس بصريح في نظر الخاطب وقد رواه النسائي خطب رجل امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ هل نظرت إليها قال لا فأمره أن ينظر إليها رواه من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد خطب رجل امرأة وقال سفيان عن يزيد عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة وهذا مفسر لحديث مسلم أنه أخبره أنه تزوج امرأة وقد روي من حديث بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة قال خطبت امرأة على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ أنظرت إليها قلت لا قال فانظر فإنه أحرى أن يؤدم بينكما

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال الترمذي وذكر سليمان بن موسى راويه عن الزهري عن عروة عن عائشة سليمان بن

موسى ثقة عند أهل الحديث لم يتكلم فيه أحد من المتقدمين إلا البخاري وحده فإنه تكلم فيه من أجل أحاديث انفرد بها وذكره دحيم فقال في حديثه بعض اضطراب وقال لم يكن في أصحاب مكحول أثبت منه وقال النسائي في حديثه شيء وقال البزار سليمان بن موسى أجل من ابن جريج وقال الزهري سليمان بن موسى أحفظ من مكحول وقال البيهقي مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبره عنه قال الترمذي ورواه الحجاج بن أرطاة وجعفر بن أبي ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ وروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا وذكر عن يحيى بن معين أنه قال لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم قال يحيى بن معين وسماع إسماعيل بن إبراهيم من ابن جريج ليس بذاك إنما صحح كتبه على كتب عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد فيما سمع من ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج قال الترمذي والعمل على حديث النبي ﷺ في هذا الباب لا نكاح إلا بولي عند أهل العلم من اصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وغيرهم وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا لا نكاح إلا بولي منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وشريح وإبراهيم النخعي

وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم وبهذا يقول سفيان الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال الترمذي وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ورواه أسباط بن محمد وزيد بن حبان عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ونحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى عن النبي ﷺ لا نكاح إلا بولي وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ لا نكاح إلا بولي عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه وأصح لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود حدثنا شعبة قال سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق

أسمعت أبا بردة يقول قال رسول الله ﷺ لا نكاح إلا بولي فقال نعمفدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري هذا الحديث في وقت واحد وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم هذا آخر كلام الترمذي وقال علي بن المديني حديث إسرائيل صحيح في لا نكاح إلا بولي وسئل عنه البخاري فقال الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل ثقة فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث وقال قبيصة بن عقبة جاءني علي بن المديني فسألني عن هذا الحديث فحدثته به عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى لم يذكر فيه أبا إسحاق فقال استرحنا من خلاف أبي إسحاق قلت وكذلك رواه الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط بن محمد عن يونس عن أبي بردة عن أبي موسى ذكره الحاكم في المستدرك فهذا وجه الثاني رواية عيسى ابنه وحجاج بن محمد المصيصي والحسن بن قتيبة وغيرهم عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلا الثالث رواية شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلا هذه رواية أكثر الأثبات عنهما الرابع رواية يزيد بن زريع عن شعبة ورواية مؤمل بن إسماعيل وبشر بن منصور عن الثوري كليهما عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موصولا فهذه أربعة أوجه

والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجهوه عديدة أحدها تصحيح من تقدم من الأئمة له وحكمهم لروايته بالصحة كالبخاري وعلي بن المديني والترمذي وبعدهم الحاكم وابن حبان وابن خزيمة الثاني ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحاق وهذا شهادة الأئمة له وإن كان شعبة والثوري أجل منه لكنه لحديث أبي إسحاق أتقن وبه أعرف الثالث متابعة من وافق إسرائيل على وصله كشريك ويونس بن أبي إسحاق قال عثمان الدارمي سألت يحيى بن معين شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل فقال شريك أحب إلي وهو أقدم وإسرائيل صدوق قلت يونس بن أبي إسحاق أحب إليك أو إسرائيل فقال كل ثقة الرابع ما ذكره الترمذي وهو أن سماع الذين وصلوه عن أبي إسحاق كان في أوقات مختلفة وشعبة والثوري سمعاه منه في مجلس واحد الخامس أن وصله زيادة من ثقة ليس دون من أرسله والزيادة إذا كان هذا حالها فهي مقبولة كما أشار إليه البخاري والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم أن الذي زوج أم حبيبة للنبي ﷺ هو النجاشي في أرض الحبشة وأمهرها من عنده وزوجها الأول التي كانت معه في الحبشة هو عبيد الله بن جحش بن رئاب أخو زينب بنت جحش زوج رسول الله ﷺ تنصر بأرض الحبشة ومات بها نصرانيا فتزوج امرأته رسول الله ﷺ وفي اسمها قولان أحدهما رملة وهو الأشهر والثاني هند وتزويج النجاشي لها حقيقة فإنه كان مسلما وهو أمير البلد وسلطانه

وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده فأضيف التزويج إليه وتأوله بعضهم على أنه كان هو الخاطب والذي ولي العقد عثمان بن عفان وقيل عمرو بن أمية الضمري والصحيح أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله ﷺ في ذلك بعث به النجاشي يزوجه إياها وقيل الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ابن عم أبيها وقد روى مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي ﷺ يانبي الله ثلاث أعطيتهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجملها أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ وعدوه من الأغلاط في كتاب مسلم قال ابن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار فإنه لم يختلف في أن رسول الله ﷺ تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاري وقال ليست بصحاح وكذلك قال أحمد بن حنبل هي أحاديث ضعاف وكذلك لم يخرج عنه البخاري إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين ثقة قال وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على

دينها فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف درهم وذلك سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فنحت بساط رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا يعرف أن رسول الله ﷺ أمر أبا سفيان وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث كقول بعضهم إنه سأله تجديد النكاح عليها وقول بعضهم إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام فسأل رسول الله ﷺ أن يزوجه إياها نكاحا تاما فسلم له النبي ﷺ حاله وطيب قلبه بإجابته وقول بعضهم إنه ظن أن التخيير كان طلاقا فسأل رجعتها وابتداء النكاح عليها وقول بعضهم إنه استشعر كراهة النبي ﷺ لها وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه وقول بعضهم يحتمل أن يكون وقع طلاق فسأل تجديد النكاح وقول بعضهم يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه كالمشترط له في إسلامه ويكون التقدير ثلاث إن أسلمت تعطينيهن وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه وطول في تقريره وقال بعضهم إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى وهي أختها وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين لقرب عهده بالإسلام فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله ﷺ ذلك وغلط الراوي في اسمها وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة التي يكفي في العلم بفسادها تصورها وتأمل الحديث وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فسادا فهو أكذبها وأبطلها وصريح الحديث يرده فإنه قال أم حبيبة أزوجكها قال نعم فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك ﷺ فالحديث غلط لا ينبغي التردد فيه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء المنهي عنها حتى قال المعنى لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن لترثوا أموالهن كرها قال وفي المراد بميراثهن وجهان

أحدهما ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون الحياة على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث الثاني الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها وقد يسمى ما وصل في الحياة ميراثا كما قال تعالى الذين يرثون الفردوس وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية بل الذي منعوا منه أن يجعلوا حق الزوجية حقا موروثا ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم من مورثهم فأبطل الله ذلك وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث بل إذا مات الزوج كانت المرأة أحق بنفسها ولم يرث بضعها أحد وليس البضع كالمال فينتقل بالميراث وقوله فوعظ الله ذلك فيه وجهان أحدهما أي يقدر فيه حرف جر أي في ذلك والثاني أي يضمن وعظ معنى منع وحذر ونحوه واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يحلل للرجل أن يمسك امرأته ولا أرب له فيها طمعا أن تموت فيرث مالها وفيه نظر والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجيمع أهل الأصول هذا حديث صحيح لأن جرير بن حازم ثقة ثبت وقد وصله وهم يقولون زيادة الثقة مقبولة فما بالها تقبل في موضع بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلد وترد في موضع يخالف مذهبه وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعا ووصلا وزيادة لفظ ونحوه وهذا لو انفرد به جرير فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد بن حبان ذكره ابن ماجه في سننه وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن عطاء عن جابر أن رجلا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها فأتت النبي ﷺ ففرق بينهما رواه النسائي ورواه أيضا من حديث أبي حفص التنيسي سمعت الأوزاعي قال حدثني إبراهيم بن مرة عن عطاء بن أبي رباح قال زوج رجل ابنته وهي بكر وساق الحديث وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على أيوب فرواه النسائي أيضا من حديث جرير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فقالت إن أبي زوجني وهي كارهة فرد النبي ﷺ نكاحها ورجاله محتج بهم في الصحيح وقد تقدم قول النبي ﷺ لا تنكح البكر إلا بإذنها وهذا نهي صريح في المنع فحمله على الاستحباب بعيد جدا وفي حديث ابن عباس والبكر يستأمرها أبوها رواه مسلم وسيأتي فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين أو خبر محض ويكون خبرا عن حكم الشرع لا خبرا عن الواقع وهي طريقة المحققين

فقد توافق أمره ﷺ وخبره ونهيه على أن البكر لا تزوج إلا بإذنها ومثل هذا يقرب من القاطع ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب وروى النسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس قال أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة فأتى النبي ﷺ فرد نكاحها وروى أيضا من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة أن فتاة دخلت عليها فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة قالت أجلسي حتى يأتي النبي ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت يارسول الله قد اخترت ما صنع أبي ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء وروى أيضا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة فأتى النبي ﷺ فرد نكاحها وعمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها لأن النبي ﷺ لم يسأل عن ذلك ولا استفصل ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه والشافعي ينزل هذا منزلة العموم ويحتج به كثيرا وذكر أبو محمد بن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن ابن عمر أن رجلا روج ابنته بكرا فأتت النبي ﷺ فرد نكاحها وذكر الدارقطني هذا الحديث في سننه وفي كتاب العلل وأعله برواية من روى أن عمها زوجها بعد وفاة أبيها وزوجها من عبيد الله بن عمر وهي بنت عثمان بن مظعون وعمها قدمة فكرهته ففرق رسول الله ﷺ بينهما فتزوجها المغيرة بن شعبة قال وهذا أصح من قول من قال زوجها أبوها والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختلف في خنساء هذه هل كانت بكرا أو ثيبا فقال مالك هي ثيب وكذلك ذكره البخاري في صحيحه من حديث مالك عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبدالرحمن ومجمع ابني يزيد بن جرير عن خنساء

وخالف مالكا سفيان الثوري فرواه عن عبدالرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد عن خنساء قالت أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر فشكوت ذلك للنبي ﷺ فقال لا تنكحها وهي كارهة رواه النسائي من حديث ابن المبارك عن سفيان قال عبدالحق روى أنها كانت بكرا ووقع ذلك في كتاب أبي داود والنسائي والصحيح أنها كانت ثيبا

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ بقوله لا نكاح إلا بولي ولا يصح ذلك فإن الموهوبة كانت تحل لرسول الله ﷺ وقد جعلت أمرها إليه فزوجها بالولاية وأما دعوى الخصوص في الحديث فإنها من وجه دون وجه فالمخصوص به ﷺ هو نكاحه بالهبة لقوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إلى قوله خالصة لك من دون المؤمنين

وأما تزويج المرأة على تعليم القرآن فكثير من أهل العلم يجيزه كالشافعي وأحمد وأصحابهما وكثير يمنعه كأبي حنيفة ومالك وفيه جواز نكاح المعدم الذي لا مال له وفيه الرد على من قال بتقدير أقل الصداق إما بخمسة دراهم كقول ابن شبرمة أو بعشرة كقول أبي حنيفة أو بأربعين درهما كقول النخعي أو بخمسين كقول سعيد بن جبير أو ثلاثة دراهم أو ربع دينار كقول مالك وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها وليس بعضها بأولى من بعض وغاية ما ذكره المقدرون قياس استباحة البضع على قطع يد السارق وهذا القياس مع مخالفته للنص فاسد إذ ليس بين البابين علة مشتركة توجب إلحاق أحدهما بالآخر وأين قطع يد السارق من باب الصداق وهذا هو الوصف الطردي المحض الذي لا أثر له في تعليق الأحكام به وفيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح وفيه جواز كون الولي هو الخاطب وترجم عليه البخاري في صحيحه كذلك وذكر الحديث وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل شيئا لم يرد قضاءه ولا الجواب عنه وذلك ألين في صرف السائل وأجمل من جهة الرد وهو من مكارم الأخلاق وفيه دليل على جواز أن تكون منافع الحر صداقا وفيه نظر والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه أن الصواب في قول واحد ولا يكون القولان المتضادان صوابا معا وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف وأكثر الخلف وفيه أن الله تعالى هو الموفق للصواب الملهم له بتوفيقه وإعانته وأن الخطأ من النفس

والشيطان ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله ولا حجة فيه للقدرية المجوسية إذا إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محله ومصدره وهو النفس وشبهها وهو الشيطان وتلبيسه الحق بالباطل بل فيه رد على القدرية الجبرية الذين يبرئون النفس والشيطان من الأفعال البتة ولا يرون للمكلف فعلا اختياريا يكون صوابا أو خطأ والذي دل عليه قول ابن مسعود وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد إثبات فعل العبد الأختياري الذي هو نظام الأمر والنهي وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا كلم النبي ﷺ في شيء فقال النبي ﷺ إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد والأحاديث كلها متفقة على أن نسعينه ونستغفره ونعوذ به بالنون والشهادتان بالإفراد وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع ولهذا يقول اللهم أعنا وأعذنا واغفر لنا قال ذلك في حديث ابن مسعود وليس فيه نحمده وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه إلى إلفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالواحدانية ولنبيه بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى النسائي وغيره من حديث عدي بن حاتم قال تشهد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقال رسول الله ﷺ بئس الخطيب أنت فإن صح حديث عمران بن داور فلعله رواه بعضهم بالمعنى فظن أن اللفظين سواء ولم يبلغه حديث بئس الخطيب أنت وليس عمران بذلك الحافظ

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي من حديث هشام بن عروة عن بيه عنها أن رسول الله ﷺ تزوجها لسبع سنين ودخل عليها لتسع سنين ثم روى من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بنت تسع ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة ثم روى من حديث مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال قالت عائشة تزوجني رسول الله ﷺ لتسع سنين وصحبته تسعا وليس شيء من هذا بمختلف فإن عقده ﷺ عليها كان وقد استكملت ست سنين ودخلت في السابعة وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها فعبر عن العقد بالتزويج وكان لست سنين وعبر عن البناء بها بالتزويج وكان لتسع فالروايتان حق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله على قول الخطابي في معنى رفأ فعلى الأول أصله رفأ بالهمز ثم خفف فقيل رفأ وعلى الثاني أصله الواو فهو من المعتل قال الجوهري رفوت الرجل سكنته من الرعب ثم ذكر بيت أبي خراش الهذلي والمرافاة الاتفاق قال ولما أن رأيت أبا رويم يرافيني ويكره أن يلاما والرفا الالتحام والاتفاق ويقال رفيته ترفية إذا قلت للمتزوج بالرفاء والبنين قال ابن السكيت وإن شئت كان معناه بالسكون والطمأنينة من رفوت الرجل إذا سكنته تم كلامه ثم ذكر المنذري حديث عقيل قال ابن القيم رحمه الله بعده وقد رواه النسائي في سننه عن الحسن قال تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة من بني خيثم فقيل له بالرفاء والبنين فقال قولوا كما قال رسول الله ﷺ بارك الله فيكم وبارك لكم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه واسم الصحابي راويه فقيل بصرة بالباء الموحدة والصاد المهملة وقيل نضرة بالنون المفتوحة والضاد المعجمة وقيل نضلة بالنون والضاد المعجمة واللام وقيل بسرة بالباء الموحدة والسين المهملة وقيل نضرة بن أكثم الخزاعي وقيل الأنصاري وذكر بعضهم أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ووهم قائله وقيل بصرة هذا مجهول وله علة عجيبة وهي أنه حديث يرويه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار وابن جريج لم يسمعه من صفوان إنما رواه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن صفوان وإبراهيم هذا متروك الحديث تركه أحمد بن

حنبل ويحيى بن معين وابن المبارك وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم وسئل عنه مالك بن أنس أكان ثقة فقال لا ولا في دينه وله علة أخرى وهي أن المعروف أنه إنما يروي مرسلا عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ كذا رواه قتادة ويزيد بن نعيم وعطاء الخراساني كلهم عن سعيد عن النبي ﷺ ذكر عبدالحق هذين التعليلين ثم قال والإرسال هو الصحيح وقد اشتمل على أربعة أحكام أحدها وجوب الصداق عليه بما استحل من فرجها وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطء شبهة إن لم يصح النكاح الثاني بطلان نكاح الحامل من الزنا وقد اختلف في نكاح الزانية فمذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يجوز تزوجها حتى تتوب وتنقضي عدتها فمتى تزوجها قبل التوبة أو قبل انقضاء عدتها كان النكاح فاسدا ويفرق بينهما وهل عدتها ثلاث حيض أو حيضة على روايتين عنه ومذهب الثلاثة أنه يجوز أن يتزوجها قبل توبتها والزنا لا يمنع عندهم صحة العقد كما لم يوجب طريانه فسخه ثم اختلف هؤلاء في نكاحها في عدتها فمنعه مالك احتراما لماء الزوج وصيانة لاختلاط النسب الصريح بولد الزنا وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة ثم اختلفا فقال الشافعي يجوز العقد عليها وإن كانت حاملا لأنه لا حرمة لهذا الحمل وقال أبو يوسف وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحمل لئلا يكون الزوج قد سقى ماءه زرع غيره ونهى النبي ﷺ أن توطأ المسبية الحامل حتى تضع مع أن حملها مملوك له فالحامل من الزنا أولى أن لا توطأ حتى تضع ولأن ماء الزاني وإن لم يكن له حرمة فماء الزوج محترم فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور ولأن النبي ﷺ هم بلعن الذي يريد أن يطأ أمته الحامل من غيره

وكانت مسبية مع انقطاع الولد عن أبيه وكونه مملوكا له وقال أبو حنيفة في الرواية الأخرى يصح العقد عليها ولكن لا توطأ حتى تضع الثالث وجوب الحد بالحبل وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين وحجتهم قول عمر رضي الله عنه والرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف متفق عليه ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر وحديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل من غير اعتبار بينة ولا إقرار ونظير هذا حد الصحابة في الخمر بالرائحة والقيء الحكم الرابع إرفاق ولد الزنا وهو موضع الإشكال في الحديث وبعض الرواة لم يذكره في حديثه كذلك رواه سعيد وغيره وإنما قالوا ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة وعلى هذا فلا إشكال في الحديث وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل إن هذا لعله كان في أول الإسلام حين كان الرق يثبت على الحر المدين ثم نسخ وقيل إن هذا مجاز والمراد به استخدامه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح قال وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر فهذه أحد عشر حديثا فحديث ابن أبي أوفي رواه أحمد في مسنده قال لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ فقال ما هذا يامعاذ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال رسول الله ﷺ فلا تفعلوا فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ورواه ابن ماجه وروى

النسائي من حديث حفص بن أخي عن أنس رفعه لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ورواه أحمد وفيه زيادة والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجبس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه وروى النسائي أيضا من حديث أبي عتبة عن عائشة قالت سألت النبي ﷺ أي الناس أعظم حقا على المرأة قال زوجها قلت فأي الناس أعظم حقا على الرجل قال أمه وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة قال الترمذي حسن غريب وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل امرأته لفراشه فأبت أن تجيء فبات غضبانا عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في قوله ﷺ كيف يورثه وهو لا يحل له قولان أحدهما أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشرك فلا يحل له استلحاقه وتوريثه وقد يكون إذا وطئها تنفش ما كان في الظاهر حملا وتعلق منه فيظنه عبده وهو ولده فيستخدمه استخدام العبد وينفيه عنه وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري قال ابن القيم وهذا القول ضعيف فإن النبي ﷺ جمع بين إنكار الأمرين استخدامه واستلحاقه وقد جاء كيف يستعبده ويورثه ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جمع بين المتناقضين وكذا إذا تفشى الذي هو حمل في الظاهر وعلقت منه لا يتصور فيه الاستلحاق والاستعباد

فالصواب القول الثاني وهو أنه إذا وطئها حاملا صار في الحمل جزء منه فإن الوطء يزيد في تخليقه وهو قد علم أنه عبد له فهو باق على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه فيورثه أي يجعله مالا موروثا عنه وقد صار فيه جزء من الأب قال الإمام أحمد الوطء يزيد في سمعه وبصره وقد صرح النبي ﷺ بهذا المعنى في قوله لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه ويتكون الزرع منه وقد شبه وطء الحامل بساقي الزرع الماء وقد جعل الله تبارك وتعالى محل الوطء حرثا وشبه النبي ﷺ الحمل بالزرع ووطء الحامل بسقي الزرع وهذا دليل ظاهر جدا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تعلم براءة رحمها إما بثلاث حيض أو بحيضة والحيضة أقوى لأن الماء الذي من الزنا والحمل وإن يكن له حرمة فلماء الزوج حرمة وهو

لا يحل له أن ينفي عنه ما قد يكون من مائه ووطئه وقد صار فيه جزء منه كما لا يحل لواطىء المسبية الحامل ذلك ولا فرق بينهما فلهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه إنه إذا تزوج الأمة وأحبلها ثم ملكها حاملا أنه إن وطئها صارت أم ولد له تعتق بموته لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب وقد بقي في الباب أحاديث أخرجها النسائي ونحن نذكرها الأول عن خزيمة بن ثابت أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن الثاني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن الرجل يأتي امرأة في دبرها قال تلك اللوطية الصغرى رفعه همام عن قتادة عن عمرو ووقفه سفيان عن حميد الأعرج عن عمرو وتابعه مطر الوراق عن عمرو بن شعيب موقوفا الثالث عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها هذا حديث اختلف فيه فرواه الضحاك ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس ورواه وكيع عن الضحاك موقوفا ورواه أبو خالد عنه مرفوعا وصحح البستي رفعه وأبو خالد هو الأحمر الرابع عن ابن الهاد عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال لا تأتوا النساء في أدبارهن

الخامس حديث أبي هريرة وقد تقدم وله عن النبي ﷺ لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في دبرها السادس عن علي بن طلق قال جاء إعرابي فقال يارسول الله إنا نكون في البادية فيكون من أحدنا الرويحة فقال إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن السابع عن ابن عباس قال جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هلكت قال وما الذي أهلكك قال حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم يقول أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة قال أبو عبد الله الحاكم وتفسير الصحابي في حكم المرفوع الثامن عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ثم ذكر أبو داود تفسير ابن عباس لقول الله تعالى فأتوا حرثكم ثم قال الشيخ شمس الدين وهذا الذي فسر به ابن عباس فسر به ابن عمر وإنما وهموا عليه لم يهم هو فروى النسائي عن أبي النصر أنه قال لنافع قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم قال يانافع هل تعلم ما أمر هذه الآية إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله عزوجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم فهذا هو الثابت عن ابن عمر ولم يفهم عنه من نقل عنه غير ذلك ويدل عليه أيضا ما روى النسائي عن عبدالرحمن بن القاسم قال قلت لمالك إن عندنا

بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحرث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري فنحمض لهن قال وما التحميض قال نأتيهن في أدبارهن قال أف أو يعمل هذا مسلم فقال لي مالك فأشهد على ربيعة أنه يحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالإتيان في الفرج من ناحية الدبر وهو الذي رواه عنه نافع وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج فكذبهم نافع وكذلك مسألة الجواري إن كان قد حفظ عن ابن عمر أنه رخص في الإحماض لهن فإنما مراده إتيانهن من طريق الدبر فإنه قد صرح في الرواية الأخرى بالإنكار على من وطئهن في الدبر وقال أو يفعل هذا مسلم فهذا يبين تصادق الروايات وتوافقها عنه فإن قيل فما تصنعون بما رواه النسائي من حديث سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر أن رجلا أتى امرأته في دبرها في عهد رسول الله ﷺ فوجد من ذلك وجدا شديدا فأنزل الله عزوجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أني شئتم قيل هذا غلط بلا شك غلط فيه سليمان بن بلال أو ابن أبي أويس راويه عنه وانقلبت عليه لفظة من بلفظة في وإنما هو أتى امرأة من دبرها ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب بعينها لما حول رحله ووجد من ذلك وجدا شديدا فقال لرسول الله ﷺ هلكت وقد تقدمت أو يكون بعض الرواة ظن أن ذلك هو الوطء في الدبر فرواه بالمعنى الذي ظنه مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمان في هذا فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا والذي يبين هذا ويزيده وضوحا أن هذا الغلط قد عرض مثله لبعض الصحابة حين أفتاه النبي ﷺ بجواز الوطء في قبلها من دبرها حتى يبين له ﷺ ذلك بيانا شافيا قال الشافعي أخبرني عمي قال أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح أو عن عمرو بن فلان بن أحيحة قال الشافعي أنا شككت عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها فقال النبي ﷺ حلال فلما ولى الرجال دعاه أو أمر به فدعي فقال كيف قلت في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن قال الشافعي عمي ثقة وعبد الله بن علي ثقة وقد أخبرني محمد وهو عمه محمد بن علي عن الأنصاري المحدث به أنه أثنى عليه خيرا وخزيمة من لا يشك عالم في ثقته والأنصاري الذي أشار إليه هو عمرو بن أحيحة فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء أو هو مأتى واشتبه على من اشتبه عليه معنى من بمعنى في فوقع الوهم

فإن قيل فما تقولون فيما رواه البيهقي عن الحاكم حدثنا الأصم قال سمعت محمد بن عبد الله بن عبدالحكم يقول سمعت الشافعي يقول ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت والقياس أنه حلال وقد غلط سفيان في حديث ابن الهاد يريد حديثه عن عمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ويريد بغلطه أن ابن الهاد قال فيه مرة عن عبيد الله بن عبد الله بن حصين عن هرمي بن عبد الله الواقفي عن خزيمة ثم اختلف فيه عن عبيد الله فقيل عنه عن عبدالملك بن عمرو بن قيس الخطمي عن هرمي عن خزيمة وقيل عن عبد الله بن هرمي فمداره على هرمي بن عبد الله عن خزيمة وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة وأهل العلم بالحديث يرونه خطأ هذا كلام البيهقي قيل هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي جرت بينه وبين محمد بن الحسن يكون منه تحريم إتيان غيره فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب ثم السنة فذكر حديث عمه ثم قال ولست أرخص به أنهي عنه فلعل الشافعي رحمه الله توقف فيه أولا ثم لما تبين له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها يذب بها عن أهل المدينة جدلا ثم يقول والقياس حله ويقول ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت على طريق الجدل بل إن كان ابن عبدالحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لما تبين له صريح التحريم والله أعلم وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذب عن أهل المدينة على طريق الجدل فأما هو فقد نص في كتاب عشرة النساء على تحريمه هذا جواب البيهقي والشافعي رحمه الله قد صرح في كتبه المصرية بالتحريم واحتج بحديث خزيمة ووثق رواته كما ذكرنا وقال في الجديد قال الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وبين أن موضع الحرث هو موضع الولد وأن الله تعالى أباح الاتيان فيه إلا في وقت الحيض وأنى شئتم بمعنى من أين شئتم قال وإباحة الإتيان في موضع الحرث يشبه أن 1 - يكون غرسا للزرع قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد تقدم في الصحيحين حديث عائشة كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض قال الشافعي قال بعض أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض يعني في موضع الحيض

وكانت الآية محتملة لما قال ومحتملة اعتزال جميع أبدانهن فدلت سنة رسول الله ﷺ على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة ما فوقه وحديث أنس هذا ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة وهو النكاح وأباح كل ما دونه وأحاديث الإزار لا تناقضه لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى

وأما حديث معاذ قال سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل ففيه بقية عن سعد الأغطش وهما ضعيفان قال عبدالحق رواه أبو داود ثم قال ورواه أبو داود من طريق حزام بن حكيم وهو ضعيف عن عمه أنه سأل رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقال لك ما فوق الإزار قال ويروي عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ ذكره أبو بكر بن أبي شيبة وليس بقوي قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد رواه عفان وجماعة عن شعبة موقوفا وكذلك رواه عبدالرحمن بن مهدي عنه موقوفا ثم قال قيل لشعبة إنك كنت ترفعه فذكر ما تقدم وقال النسائي بعد ما رواه شعبة موقوفا قال شعبة أنا حفظي مرفوع وقال فلان وفلان إنه كان لا يرفعه فقال بعض القوم ياأبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان فقال والله ما أحب أني حدثت بهذا أو سكت عن هذا وأني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه

وقد روى النسائي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا أخبر النبي ﷺ أنه أصاب امرأته وهي حائض فأمره أن يعتق نسمة وله علتان أشار إليهما النسائي إحداهما أن هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن علي بن يذيمة عن ابن جبير عن ابن عباس واختلف على الوليد فرواه عنه موسى بن أيوب كذلك وخالفه محمود بن خالد فرواه عن الوليد عن عبدالرحمن بن يزيد السلمي قال النسائي هو عبدالرحمن بن يزيد بن تميم ضعيف العلة الثانية الوقف على ابن عباس ذكره النسائي وقال عبدالحق حديث الكفارة في إتيان الحائض لا يروى بإسناد يحتج به ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الوأد في إعدام ما انعقد بسبب خلقه فكذبهم في ذلك وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه أحد وأما تسميته وأدا خفيا فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هربا من الولد وحرصا على أن لا يكون فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده لكن ذاك وأد ظاهر من العبد فعلا وقصدا وهذا وأد خفي له إنما أراده ونواه عزما ونية فكان خفيا وقد روى الشافعي تعليقا عن سليمان التيمي عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود في العزل قال هو الوأد الخفي وقد اختلف السلف والخلف في العزل فقال الشافعي وغيره يروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا قال البيهقي وروينا الرخصة فيه من الصحابة عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم وذكر غيره أنه روى عن علي وخباب بن الأرت وجابر بن عبد الله والمعروف عن علي وابن مسعود كراهته قال البيهقي ورويت عنهما الرخصة ورويت الرخصة من التابعين عن سعيد بن المسيب وطاوس وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وألزمهم الشافعي المنع منه فروى عن علي وعبد الله بن مسعود المنع منه ثم قال وليسوا يأخذون بهذا ولا يرون بالعزل بأسا ذكر ذلك فيما خالف فيه العراقيون عليا وعبد الله

وأما قول الإمام أحمد فيه فأكثر نصوصه أن له أن يعزل عن سريته وأما زوجته فإن كانت حرة لم يعزل عنها إلا بإذنها وإن كانت أمة لم يعزل إلا بإذن سيدها ورويت كراهة العزل عن عمر بن الخطاب ورويت عن أبي بكر الصديق وعن علي وابن مسعود في المشهور عنهما وعن ابن عمر وقالت طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم يحرم كل عزل وقال بعض أصحابه يباح مطلقا وقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال إني أعزل عن امرأتي فقال رسول الله ﷺ لم تفعل ذلك فقال الرجل أشفق على ولدها أو على أولادها فقال رسول الله ﷺ لو كان ذلك ضارا أحدا ضر فارس والروم وفي الصحيحين من حديث جابر كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن وفي صحيح مسلم عنه في هذا الحديث كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال ذكر العزل عند النبي ﷺ فقال وما ذاكم قالوا الرجل تكون له المرأة

ترضع فيصيب منها ويكره أن تحمل منه قال فلا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم فإنما هو القدر قال ابن عون فحدثت به الحسن فقال والله لكان هذا زجر وفي لفظ في الصحيحين قال محمد بن سيرين قوله لا عليكم أقرب إلى النهي ووجه ذلك والله أعلم أنه إنما نفي الحرج عن عدم الفعل فقال لا عليكم أن لا تفعلوا يعني في أن لا تفعلوا وهي يدل بمفهومه على ثبوت الحرج في الفعل فإنه لو أراد نفي الحرج عن الفعل لقال لا عليكم أن تفعلوا والحكم بزيادة لا خلاف الأصل فلهذا فهم الحسن وابن سيرين من الحديث الزجر والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه دليل على جواز استرقاق العرب ووطء سباياهم وكن كتابيات وقد تقدم حديث أبي سعيد

في سبايا أوطاس وإباحة وطئهن وهن من العرب وحديثه الآخر لا توطأ حامل حتى تضع وكان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي ﷺ من العرب وكانوا يطأوهن بإذن النبي ﷺ ولم يشترط في الوطء غير استبرائهن لم يشترط إسلامهن وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من السبي نفله إياها من العرب وأخذ عمرو بن أمية من سبي بني حنيفة وأخذ الصحابة من سبي المجوس ولم ينقل أنهم اجتنبوهن قال ابن عبدالبر إباحة وطئهن منسوخ بقوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وهذا في غاية الضعف لأنه في النكاح وسأل محمد بن الحكم أحمد عن ذلك فقال لا أدري أكانوا أسلموا أم لا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قوله في الحديث وليصفق النساء دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه التصفيق للنساء أنه إذن وإباحة لهن في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب لا أنه عيب وذم قال الشافعي حكم النساء التصفيق وكذا قاله أحمد وذهب مالك إلى أن المرأة لا تصفق وأنها تسبح واحتج له الباجي وغيره بقوله ﷺ من نابه شيء في صلاته فليسبح قالوا وهذا عام في الرجال

والنساء قالوا وقوله التصفيق للنساء هو على طريق الذم والعيب لهن كما يقال كفران العشير من فعل النساء وهذا باطل من ثلاثة أوجه أحدها أن في نفس الحديث تقسيم التنبيه بين الرجال والنساء وإنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كل نوع بما يصلح له فالمرأة لما كان صوتها عورة منعت من التسبيح وجعل لها التصفيق والرجل لما خالفها في ذلك شرع له التسبيح

الثاني أن في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فهذا التقسيم والتنويع صريح في أن حكم كل نوع ما خصه به وخرجه مسلم بهذا اللفظ وقال في آخره في الصلاة

الثالث أنه أمر به في قوله وليصفق النساء ولو كان قوله التصفيق للنساء على جهة الذم والعيب لم يأذن فيه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الدارقطني من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق وفيه حميد بن مالك وهو ضعيف وفي مسند البزار من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال لا تطلق النساء إلا من ريبة إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث أبي الزبير هذا بحروفه إلا أنه لم يقل ولم يرها شيئا بل قال فردها وقال إذا طهرت إلى آخره وقد دل حديث ابن عمر هذا على أمور منها تحريم الطلاق في الحيض ومنها أنه حجة لمن قال بوقوعه قالوا لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا لا معنى لوقوع الطلاق والأمر بالمراجعة فإنه لو لم يعد الطلاق لم يكن لأمره بالرجعة معنى بل أمره بارتجاعها وهو ردها إلى حالها الأولى قبل تطليقها دليل على أن الطلاق لم يقع قالوا وقد صرح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفا

قالوا وأبو الزبير ثقة في نفسه صدوق حافظ إنما تكلم في بعض ما رواه عن جابر معنعنا لم يصرح بسماعه منه وقد صرح في هذا الحديث بسماعه من ابن عمر فلا وجه لرده قالوا ولا يناقض حديثه ما تقدم من قول ابن عمر فيه أرأيت إن عجز واستحمق وقوله فحسبت من طلاقها لأنه ليس في ذلك لفظ مرفوع إلى النبي وقوله ولم يرها شيئا مرفوع صريح في عدم الوقوع قالوا وهذا مقتضى قواعد الشريعة فإن الطلاق لما كان منقسما إلى حلال وحرام كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتد به كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام ولا يرد على ذلك الظهار فإنه لا يكون قط إلا حراما لأنه منكر من القول وزور فلو قيل لا يصح لم يكن للظهار حكم أصلا قالوا وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد وليس معنا ما يستدل به على فساد العقد إلا النهي عنه قالوا ولأن هذا طلاق منع منه صاحب الشرع وحجر على العبد في اتباعه فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدم نفوذه وإلا لم يكن للحجر فائدة وإنما فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه قالوا ولأن الزوج لو أذن له رجل بطريق الوكالة أن يطلق امرأته طلاقا معينا فطلق غير ما أذن له فيه لم ينفذ لعدم إذنه والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح ولم يأذن له في المحرم فكيف تصصحون ما لم يأذن به وتوقعونه وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع

قالوا ولأنه لو كان الطلاق نافذا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرا من الطلاق البغيض إلى الله وتقليلا لما بقي من عدده الذي يتمكن من المراجعة معه ومعلوم أنه لا مصلحة في ذلك قالوا وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول لو كان واقعا قالوا وأيضا فما حرمه الله سبحانه من العقود فهو مطلوب الإعدام بكل طريق حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع ولهذا كان ممنوعا من فعله باطلا في حكم الشرع والباطل شرعا كالمعدوم ومعلوم أن هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب بخلاف ما إذا صحح فإنه يثبت له حكم الوجود قالوا ولأنه إذا صحح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي وهو الصحة وإنما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذم ومعلوم أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه البتة قالوا وأيضا فإنما حرم لئلا ينفذ ولا يصح فإذا نفذ وصح وترتب عليه حكم الصحيح كان ذلك عائدا على مقتضى النهي بالابطال قالوا وأيضا فالشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه فإن ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملا عن مفسدة خالصة أو راجحة فنهى عنه قصدا لإعدام تلك المفسدة فلو حكم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلا للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها وإثباتا لها

قالوا وأيضا فالعقد الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره ويحصل منه مقصوده وهذا إنما يكون في العقود التي أذن فيها الشارع وجعلها أسبابا لترتب آثارها عليها فما لم يأذن فيه ولم يشرعه كيف يكون سببا لترتب آثاره عليه ويجعل كالمشروع المأذون فيه قالوا وأيضا فالشارع إنما جعل للمكلف مباشرة الأسباب فقط وأما أحكامها المترتبة عليها فليست إلى المكلف وإنما هي إلى الشارع فهو قد نصب الأسباب جعلها مقتضيات لأحكامها وجعل السبب مقدورا للعبد فإذا باشره رتب عليه الشارع أحكامه فإذا كان السبب محرما كان ممنوعا منه ولم ينصبه الشارع مقتضيا لآثار السبب المأذون فيه والحكم ليس إلى المكلف حتى يكون إيقاعه إليه غير مأذون فيه ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه فترتيبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه وهو قياس في غاية الفساد إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم ولا يخفى فساده قالوا وأيضا فصحة العقد هو عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه وهذا الترتب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد وجعل له طريقا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها فإذا كان السبب محرما منهيا عنه كانت مباشرته معصية فكيف تكون المعصية سببا لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها قالوا وقد علل من أوقع الطلاق وأوجب الرجعة إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها وقالوا أوجبنا عليه الرجعة معاملة له بنقيض قصده فانه ارتكب أمرا محرما يقصد به الخلاص من الزوجة فعومل بنقيض قصده فأمر برجعتها قالوا فما جعلتموه أنتم علة لإيجاب الرجعة فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قصده المكلف بارتكابه ما حرم الله عليه ولا ريب أن دفع وقوع الطلاق أسهل من دفعه بالرجعة فإذا اقتضت هذه العلة دفع أثر الطلاق بالرجعة فلأن تقتضي دفع وقوعه أولى وأحرى قالوا وأيضا فلله تعالى في الطلاق المباح حكمان أحدهما إباحته والإذن فيه والثاني جعله سببا للتخلص من الزوجة فإذا لم يكن الطلاق مأذونا فيه انتفى الحكم الأول وهو الإباحة فما

الموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه ومعلوم أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع ولا تصح دعوى أن الطلاق المحرم سبب لما تقدم قالوا وأيضا فليس في لفظ الشارع يصح كذا ولا يصح وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه فما أطلقه وأباحه فباشره المكلف حكم بصحته بمعى أنه وافق أمر الشارع فصح وما لم يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه وليس معنا ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته لم يبق طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد إذ لم يأت من الشرع إخبار بأن هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم فإذا جوزتم ثبوت الصحة مع التحريم فبأي شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه قالوا وأيضا فإن النبي قال كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وفي لفظ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والرد فعل بمعنى المفعول أي فهو مردود وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة حتى كأنه نفس الرد وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده وعدم اعتباره في حكمه المقبول ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا إذ الباطل قد يقال لما لا تقع فيه أو لما منفعته قليلة جدا وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئا ولم يترتب عليه مقصوده أصلا قالوا فالمطلق في الحيض قد طلق طلاقا ليس عليه أمر الشارع فيكون مردودا فلو صح ولزم لكان مقبولا منه وهو خلاف النص قالوا وأيضا فالشارع أباح للمكلف من الطلاق قدرا معلوما في زمن مخصوص ولم يملكه أن يتعدى القدر الذي حد له ولا الزمن الذي عين له فإذا تعدى ما حد له من العدد كان لغوا باطلا فكذلك إذا تعدى ما حد له من الزمان يكون لغوا باطلا فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحا معتبرا لازما وعدوانه أنه في العدد لغوا باطلا قالوا وهذا كما أن الشارع حد له عددا من النساء معينا في وقت معين فلو تعدى ما حد له من العدد كان لغوا وباطلا وكذلك لو تعدى ما حد له من الوقت بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلا أو في وقت الإحرام فإنه يكون لغوا باطلا فقد شمل البطلان نوعي التعدي عددا أو وقتا قالوا وأيضا فالصحة إما أن تفسر بموافقة أمر الشارع وإما أن تفسر بترتب أثر الفعل عليه فإن فسرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنا وإن فسرت بالثاني وجب أيضا أن لا يكون العقد

المحرم صحيحا لأن ترتب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك ومعلوم أنه لم يعتبر العقد المحرم ولم يجعله مثمرا لمقصوده كما مر تقديره قالوا وأيضا فوصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشئا للمفسدة ومشتملا على الوصف المقتصي لتحريمه وفساده جمع بين النقيضين فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة والعقد المحرم لا مصلحة فيه بل هو منشأ لمفسدة خالصة أو راجحة فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشأ المفسدة قالوا وأيضا فوصف العقد المحرم بالصحة إما أن يعلم بنص من الشارع أو من قياسه أو من توارد عرفه في محال حكمه بالصحة أو من إجماع الأمة ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محل النزاع بل نصوص الشرع تقتضي رده وبطلانه كما تقدم وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحة إنما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة وكذلك الإجماع فإن الأمة لم تجمع قط ولله الحمد على صحة شيء حرمه الله ورسوله لا في هذه المسئلة ولا في غيرها فالحكم بالصحة فيها إلى أي دليل يستند قالوا وأما قول النبي مره فليراجعها فهذا حجة لنا على عدم الوقوع لأنه لما طلقها والرجل من عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه أمره بأن يراجعها ويمسكها فإن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعا ولا تخرج المرأة عن الزوجية بسببه فهو كقوله لبشير بن سعد في قصة نحله ابنه النعمان غلاما رده ولا يدل أمره إياه برده على أن الولد قد ملك الغلام وأن الرد إنما يكون بعد الملك فكذلك امره برد المرأة ورجعتها لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق بل لما ظن ابن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصدا لوقوعه رد إليه النبي امرأته وأمره أن يردها ورد الشيء إلى ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه عن ملكه شرعا كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها وكذلك إذا قيل رد على فلان ضألته ولما باع على أحد الغلامين الأخوين قال له النبي رده رده وهذا أمر بالرد حقيقة قالوا فقد وفينا اللفظ حقيقته التي وضع لها قالوا وأيضا فقد صرح ابن عمر أن النبي ردها عليه ولم يرها شيئا وتعلقكم على أبي الزبير مما لا متعلق فيه فإن أبا الزبير إنما يخاف من تدليسه وقد صرح هذا بالسماع كما تقدم فدل على أن الأمر بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق قالوا والذي يدل عليه أن ابن عمر قال في الرجل

يطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك ذكره الإشبيلي في الأحكام من طريق محمد بن عبدالسلام الخشني قال حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر لا يعتد بذلك وذكره ابن حزم في كتاب المحلي باسناده من طريق الخشني وهذا إسناد صحيح قالوا وقد روى الدارقطني في سننه باسناد شيعي عن أبي الزبير قال سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فقال لي أتعرف عبد الله بن عمر قلت نعم قال طلقت امرأتي ثلاثا على عهد النبي فردها رسول الله إلى السنة قال الدارقطني كلهم شيعة ولم يزد على هذا ولكن هذا الحديث باطل قطعا ولا تحتج به وإنما ذكرناه للتعريف بحاله ولو كان إسناده ثقات لكان غلطا فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر أنه إنما طلق تطليقة واحدة كما رواه مسلم في الصحيح من حديث يونس بن جبير ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرون به من أن رواية أهل البدع مقبولة فكم في الصحيح من رواية الشيعة الغلاة والقدرية والخوارج والمرجئة وغيرهم لم يتمكنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواته شيعة إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب رد حديثهم وبعد ففي معارضته بحديث يونس بن جبير أنه طلقها تطليقة كلام ليس هذا موضعه فان من جعل الثلاث واحدة قال هي ثلاث في اللفظ وهي واحدة في الحكم على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس والله أعلم قالوا وأما قولكم إن نافعا أثبت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخص فروايته أولى أن نأخذ بها فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض فكيف ولا تعارض بينهما فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تحسب عليه وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قط أن النبي حسبها عليه بل مرة قال فمه أي فما يكون وهذا ليس بإخبار عن النبي أنه حسبها ومرة قال أرأيت إن عجز واستحمق وهذا رأي محض ومعناه أنه ركب خطة عجز واستحمق أي ركب أحموقة وجهالة فطلق في زمن لم يؤذن له في الطلاق فيه ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه حسبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل أرأيت إن عجز واستحمق فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله فكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصا عن رسول الله في الاعتداد بتلك الطلقة ثم يحتج بقوله أرأيت إن عجز واستحمق وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص فقال السائل أرأيت إن كان كذا وكذا قال اجعل أرأيت باليمن ومرة قال تحسب من طلاقها وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر كذلك جاء مصرحا به في هذا الحديث في الصحيحين قال عبد الله لنافع ما فعلت التطليقة قال واحدة اعتد بها وفي بعض ألفاظه فحسبت تطليقة وفي لفظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر فحسبت علي بتطليقة ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جبير عنه وخالف نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير وسائر الرواة عن ابن عمر فلم يذكروا فحسبت علي وانفراد ابن جبير بها كانفراد أبي الزبير

بقوله ولم يرها شيئا فإن تساقطت الروايتان لم يكن في سائر الألفاظ دليل على الوقوع وإن رجح إحداهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة في الرفع ورواية سعيد بن جبير غير صريحة في الرفع فإنه لم يذكر فاعل الحساب فلعل أباه رضي الله عنه حسبها عليه بعد موت النبي في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث وحسبه عليهم اجتهادا منه ومصلحة رآها للأمة لئلا يتتابعوا في الطلاق المحرم فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه وقد كان في زمن النبي لا يحتسب عليهم به ثلاثا في لفظ واحد فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه رأى إلزامهم به والاحتساب عليهم به قالوا وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة في هذا الباب ويتبين وجهها ويزول عنها التناقض والاضطراب ويستغنى عن تكلف التأويلات المستكرهة لها ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله قالوا وهذا الظن بعمر رضي الله عنه أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته التي طلقها في الحيض وكون النبي لم يرها شيئا مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحدة وإلزام عمر الناس بذلك كالزامه له بهذا وأداه اجتهاده رضي الله عنه إلى أن ذلك كان تخفيفا ورفقا بالأمة لعلة إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه وهذا كما أداه اجتهاده في الجلد في الخمر ثمانين وحلق الرأس فيه والنفي والنبي إنما جلد فيه أربعين ولم يحلق فيه رأسا ولم يغرب فلما رأى الناس قد أكثروا منه واستهانوا بالأربعين ضاعفها عليهم وحلق ونفى ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله قالوا وتوهم من توهم أنا خالفنا الإجماع في هذه المسئلة غلط فإن الخلاف فيها أشهر من أن يجحد وأظهر من أن يستر وإذا كانت المسئلة من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله من رد ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله دون تحكيم أحد من الخلق قال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع ولو استوفينا الكلام في المسئلة لاحتملت سفرا كبيرا فلنقتصر على فوائد الحديث قال الموقعون وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة لأنه جعل ذلك إليه دون غيره ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة قال تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك فجعل الأزواج أحق بالرجعة من المرأة والولي واختلفوا في قوله مره فليراجعها هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه الأمر بالرجعة استحباب قال بعضهم لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبا فاستدامته كذلك وقال مالك في الأشهر عنه وداود وأحمد في الرواية الأخرى الرجعة واجبة الأمر بها ولأن الطلاق لما كان محرما في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبا وبهذا يبطل قولهم إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته فإن الاستدامة ههنا واجبة لأجل الوقت فإنه لا يجوز فيه الطلاق قالوا ولأن الرجعة إمساك بدليل قوله الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فالامساك مراجعتها في العدة والتسريح تركها حتى

تنقضي عدتها وإذا كانت الرجعة إمساكا فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض وتحريم طلاقها فتكون واجبة ثم اختلف الموجبون للرجعة في علة ذلك فقالت طائفة إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة وهو الطهر الذي لم يمسها فيه فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم فأمر برجعتها ليطلقها طلاقا مباحا يترتب عليه أحكام الطلاق وقالت طائفة بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض فعاقبه بنقيض قصده وأمره بارتجاعها عكس مقصوده وقالت طائفة بل العلة في ذلك أن تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره برجعتها ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها فإن امتنع ضرب وحبس فإن أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنه قد ردها عليه فتكون امرأته يتوارثان ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقا ثانيا قاله أصبغ وغيره من المالكية ثم اختلفوا فقال مالك يجبر على الرجعة إن طهرت ما دامت في العدة لأنه وقت للرجعة وقال أشهب إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال وإن كانت في العدة لأنه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه فلا يجب عليه رجعتها فيه إذ لو وجبت الرجعة في هذا الوقت لحرم الطلاق فيه وقوله حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء امسك بعد ذلك وإن شاء طلق قال البيهقي أكثر الروايات عن ابن عمر أن النبي أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فإن كانت الرواية عن سالم ونافع وابن دينار في امره بأن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر محفوظة فقد قال الشافعي يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها أبالحمل هي أم بالحيض أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو

غير جاهل ما صنع أو يرغب فيمسك للحمل أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملا آخر كلامه وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر هكذا أخرجاه في الصحيحين من رواية نافع عنه ومن رواية ابنه سالم عنه وفي لفظ متفق عليه ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها وفي لفظ آخر متفق عليه مره فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها ففى تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم والذين زادوا قد حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء ولو قدر التعارض فالزائدون أكثر وأثبت في ابن عمر وأخص به فرواياتهم أولى لأن نافعا مولاه أعلم الناس بحديثه وسالم ابنه كذلك وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرواهم عنه فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء ومن العجب تعليل حديث أبي الزبير في ردها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له ثم تقدم روايته التي سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية نافع وابن دينار وسالم فالصواب الذي لا يشك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها على قولين هما روايتان عن أحمد ومالك أشهرهما عند أصحاب مالك المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة ثم تطهر كما أمر به النبي والثاني يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى ووجهه أن التحريم إنما كان لأجل الحيض فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده وكما يجوز أيضا طلاقها فيه لو لم يتقدم طلاق في الحيض ولأن في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيح ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا وفي لفظ ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع في قبل عدتها وفي لفظ فإذا طهرت فليطلقها لطهرها قال فراجعها ثم طلقها لطهرها وفي حديث أبي الزبير وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك وكل هذه الألفاظ في الصحيح وأما أصحاب القول الثاني فاحتجوا بما تقدم من أمره بإمساكها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر وقد تقدم قالوا وحكمة ذلك من وجوه

أحدها أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها وهذا عكس مقصود الرجعة فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها ولم شعث النكاح وقطع سبب الفرقة ولهذا سماه إمساكا فأمره الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر لتكون الرجعة للامساك لا للطلاق قالوا وقد أكد الشارع هذا المعنى حتى إنه أمر في بعض طرق هذا الحديث بأن يمسكها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة فإذا حاضت بعده وطهرت فإن شاء طلقها قبل أن يمسها فإنه قال مره فليراجعها فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ذكره ابن عبدالبر وقال الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح ولا يحصل الوطء إلا في الطهر فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر فاعتبرنا مظنه الوطء ومحله ولم يجعله محلا للطلاق الثاني أن الطلاق حرم في الحيض لتطويل العدة عليها فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة فإن تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة وإنما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها أو من الحيضة الأخرى على الاختلاف في الأقراء فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى ممن طلقت ثم راجعها ولم يمسها حتى طلقها فإنها تبنى على عدتها في أحد القولين لأنها لم تنقطع بوطء فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا لم يزل بطلاقها عقب الحيضة فأراد رسول الله قطع حكم الطلاق جملة بالوطء فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء فإذا وطىء حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر ومنها أنها ربما كانت حاملا وهو لا يشعر فإن الحامل قد ترى الدم بلا ريب وهل حكمه حكم الحيض أو دم فساد على الخلاف فيه فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ثم بحيض تام فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل فأراد الشارع تحيق علمها بذلك نظرا للزوجين ومراعاة لمصلحتهما وحسما لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة وقيل الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاء له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم ورد بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة وكونه رضي الله عنه لم يكن عالما بالتحريم يفيد نفي الإثم لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه

وقيل حكمته أن الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة فهما كالقرء الواحد فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد وليس هذا بطلاق السنة وقيل حكمته أنه نهى عن الطلاق في الطهر ليطول مقامه معها ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها فيكون ذلك حرصا على ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله المحبوب إلى الشيطان وحضا على بقاء النكاح ودوام المودة والرحمة والله أعلم وقوله ثم ليطلقها طاهرا وفي اللفظ الآخر فإذا طهرت فليطلقها إن شاء هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر بالغسل أو ما يقوم مقامه من التيمم على قولين هما روايتان عن أحمد أحداهما أنه انقطاع الدم وهو قول الشافعي والثانية أنه الاغتسال وقال أبو حنيفة إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء إما أن تغتسل وإما أن تتيمم عند العجز وتصلي وإما أن يخرج عنها وقت صلاة لأنه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها وسر المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان منها ما يزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم ووجوب الصلاة في ذمتها ومنها ما لا يزول إلا بالغسل كحل الوطء وصحة الصلاة وجواز الليث في المسجد وصحة الطواف وقراءة القرآن على أحد الأقوال فهل يقال الطلاق من النوع الأول أو من الثاني ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب يحرم عليها ما يحرم عليه ويصح منها ما يصح منه ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها ولمن رجح الثاني أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجنب لحل وطؤها ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة فانطلق عمر فأخبر النبي بذلك فقال النبي مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتي يطلقها فإن شاء أن يمسكها فليمسكها فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهذا على شرط الصحيحين وهو مفسر لقوله فإذا طهرت فيجب حمله عليه وتمام هذه المسألة أن العدة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة أم لا تنقطع إلا بالغسل وفيه خلاف بين السلف والخلف يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى

وقوله ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمس دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع منه وهو طلاق بدعة وهذا متفق عليه فلو طلق فيه قالوا لم يجب عليه رجعتها قال ابن عبدالبر أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة وليس هذا الإجماع ثابتا وإن كان قد حكاه صاحب المغني أيضا فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق حكاه في الرعاية وهو القياس لأنه طلاق محرم فتجب الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض ولمن فرق بينهما أن يقول زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما فظهر الفرق بينهما فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه ولكن هذا الفرق ضعيف جدا فإن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء ولا فرق بينهما بل الفرق المؤثر عند الناس أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه فإنها إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءا ولو كان لحظة فلا حاجة بها إلى أن يراجعها فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر فلا فائدة في الرجعة هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين وبعد ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من به خبرة بمأخذ الشرع وأسراره وجمعه وفرقه وذلك أن النبي أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها وقال فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق النساء وهذا ظاهر في أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه إن دل على أنها بالاطهار وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبي من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه لأن النبي سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما وأخبر أن العدة التي أمر بها الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر الذي لم يمسها فيه فمن أين لنا أن الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهذا مذهب أبي عبيد وهو في الظهور والحجة كما ترى وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءا وإن كان قد جامع فيه إذا قلنا الأقراء الأطهار قال المنتصرون لهذا القول إنما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءا كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها وهذا ضعيف جدا فإنها إذ اطلقت فيه قبل المسيس احتسب به وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه

قالوا ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض بل إنما حرم لكونها مرتابة فلعلها قد حملت من ذلك الوطء فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل ويكثر الضرر فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرا من غير جماع لأنهما قد تيقنا عدم الريبة وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملا قالوا فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه قالوا وسر ذلك أن المرأة إن كانت حاملا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح فلا ضرر عليها في طلاقها فيه ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه ليكون المطلق على بصيرة من أمره والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالإقراء فأما إذا مسها في الطهر ثم طلقها لم يدر أحاملا أم حائلا ولم تدر المرأة أعدتها بالحمل أم بالأقراء فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طللاقها وهي حائض فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءا كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور وأما من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا وقوله ليطلقها طاهرا أو حاملا دليل على أن الحامل طلاقها سني قال ابن عبدالبر لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة قال الإمام أحمد أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا وعن أحمد رواية أخرى أن طلاق الحامل ليس بسني ولا بدعي وإنما يثبت لها ذلك عن جهة العدد لامن جهة الوقت ولفظه الحمل في حديث ابن عمر انفرد بها مسلم وحده في بعض طرق الحديث ولم يذكرها البخاري فلذلك لم يكن طلاقها سنيا ولا بدعيا لأن الشارع لم يمنع منه فإن قيل إذا لم يكن سنيا كان طلاقها بدعيا لأن النبي إنما أباح طلاقها في طهر لم يمسها فيه فإذا مسها في الطهر وحملت واستمر حملها استمر المنع من الطلاق فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل فإذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزا فالجواب أن المعنى الذي لأجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها بخلاف طلاقها مع الشك في حملها والله أعلم وقوله طاهرا أو حاملا احتج به من قال الحامل لا تحيض لأنه حرم الطلاق في زمن الحيض وأباحه في وقت الطهر والحمل فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملا إذا رأت الدم وهو خلاف الحديث

ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك بأن حيض الحامل لم يكن له تأثير في العدة بحال لا في تطويلها ولا تخفيفها إذا عدتها بوضع الحمل أباح الشارع طلاقها حاملا مطلقا وغير الحامل لم يبح طلاقها إلا إذا لم تكن حائضا لأن الحيض يؤثر في العدة لأن عدتها بالأقراء فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان أحدهما أن تكون حائلا فلا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه والثانية أن تكون حاملا فيجوز طلاقها والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل وهذا جواب سديد والله أعلم وقد أفردت لمسألة الحامل هل تحيض أم لا مصنفا مفردا وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء فيطلق لكل قرء طلقة وهذا قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين وعن أحمد رواية كقولهم قالوا وذلك لأن النبي إنما أمره بإمساكها في الطهر المتعقب للحيض لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها طلقة بائنة لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل قالوا فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثاني قالوا وفي بعض حديث ابن عمر السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء وروى النسائي في سننه عن ابن مسعود قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة وهذا الاستدلال ضعيف فإن النبي لم يأمره بإمساكها في الطهر الثاني ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء ولا في الحديث ما يدل على ذلك وإنما أمره بطلاقها طاهرا قبل أن يمسها وقد ذكرنا حكمة إمساكها في الطهر الأول وأما قوله والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخراساني فإنه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة قال البيهقي وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراساني عن ابن عمر في هذه القصة أن النبي قال السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء فإنه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما ينفرد به وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه فهو حديث يرويه أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله واختلف على أبي إسحاق فيه فقال الأعمش عنه كما تقدم وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع ولعل هذا حديثان

والذي يدل عليه أن الأعمش قال سألت إبراهيم فقال لي مثل ذلك وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود وقد خالفه علي وغيره وقد روي عن ابن مسعود روايتان إحداهما التفريق والثانية إفراد الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها قال طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء ذكره ابن عبدالبر عنه ولأن هذا أردأ طلاق لأنه طلاق من غير حاجة إليه وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة والشارع لا غرض له في ذلك ولا مصلحة للمطلق فكان بدعيا والله أعلم وقوله فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار قالوا واللام بمعنى الوقت كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقول العرب كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين وفي الحديث فليصلها حين ذكرها ومن الغد للوقت قالوا فهذه اللام الوقتية بمعنى فيه وأجاب الآخرون عن هذا بأن اللام في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن هي اللام المذكورة في قوله أن تطلق لها النساء ولا يصح أن تكون وقتية ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى في أصلا ولا يصح أن تكون هنا بمعنى في ولو صح في غير هذا الموضع لأن الطلاق لا يكون في نفس العدة ولا تكون عدة الطلاق ظرفا له قط وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن ويفسر هذا قراءة النبي في حديث ابن عمر فطلقوهن في قبل عدتهن أي في الوقت الذي تستقبل فيه العدة وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها استقبلت العدة من الحيضة التي تليه فقد طلقها في قبل عدتها بخلاف ما إذا طلقها حائضا فإنها لا تعتد بتلك الحيضة وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة فلا يكون طلاقها حائضا طلاقا في قبل عدتها وقد أفردت لهذه المسألة مصنفا مستقلا ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم وترجيح القول الراجح والجواب عما احتج به أصحاب القول الآخر وقوله مره فليراجعها دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر به وقد اختلف الناس في ذلك وفصل النزاع أن المأمور الأول إن كان مبلغا محضا كأمر النبي آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه يأمره فهذا أمر به من جهة الشارع قطعا ولا يقبل ذلك نزاعا أصلا ومنه قوله مرها فلتصبر ولتحتسب وقوله مروهم بصلاة كذا في حين كذا ونظائره فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول فإذا عصاه المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه والمأمور الأول مبلغ محض وإن كان الأمر متوجها إلى المأمور الأول توجه التكليف والثاني غير مكلف لم يكن أمرا للثاني من جهة الشارع كقوله مروهم بالصلاة لسبع فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة فهذا فصل الخطاب في هذا الباب والله أعلم بالصواب فهذه كانت نبهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر فلا تستطلها فإنها مشتملة على فوائد

جمة وقواعد مهمة ومباحث لمن قصده الظفر بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه من غير ميل مع ذي مذهبه ولا خدمة لإمامة وأصحابه بحديث رسول الله بل تابع للدليل حريص على المظفر بالسنة والسبيل يدور مع الحق أني توجهت ركائبه ويستقر معه حيث استقرت مضاربه ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته وتطلعت نوازع قلبه واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة والورود من عين حوض النبوة والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة والآراء المتناقضة إلى فضاء العلم الموروث عمن لا ينطق عن الهوى ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى وبيداء اليقين التي من حلها حشد في زمرة العلماء وعد من ورثة الأنبياء وما هي إلا أوقات محدودة وأنفاس على العبد معدودة فلينفقها فيما شاء أنت القتيل لكل من أحببته فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وليس في المسألة إجماع فإن إحدى الروايتين عن الإمام أحمد القول بهذا الحديث قال ولا أرى شيئا يدفعه وغير واحد يقول به أبو سلمة وجابر وسعيد بن المسيب هذا آخر كلامه وقال مرة حديث عثمان وزيد في تحريمها عليه جيد وحديث ابن عباس يرويه عمر بن معتب ولا أعرفه ثم ذكر كلام ابن المبارك قال أحمد أما أبو حسن فهو عندي معروف ولكن لا أعرف عمر بن معتب وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور في عبد تحته مملوكة وطلقها تطليقتين ثم عتقا يتزوجها وتكون على واحدة على حديث عمر بن معتب وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة يتزوجها ولا يبالي عتقا أو بعد العدة وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقتادة قال أبو بكر عبدالعزيز إن صح الحديث فالعمل عليه وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه هو ما رواه الأثرم في سننه عن سليمان بن يسار أن نفيعا مكاتب أم سلمة طلق امرأته حرة بتطليقتين فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك فقالا حرمت عليك

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وللحديث بعد علة عجيبة ذكرها البخاري في تاريخه الكبير قال مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان قال أبو عاصم حدثنا ابن جريج عن مظاهر ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا وقال يحيى بن سليمان حدثنا ابن وهب قال حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فقال إن الأمير يقول لك كم عدة الأمة قال عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث وطلاق العبد الحرة تطليقتان وعدة الحرة ثلاث حيض ثم قال للرسول أين تذهب قال أمرني أن أسأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قال فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان فذهب ورجع إلى أبي فأخبره أنهما قالا كما قال وقالا له إن هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولكن عمل به المسلمون

وذكر الدارقطني حديث مظاهر ثم قال والصحيح عن القاسم خلاف هذا وذكر عن القاسم أنه قيل له بلغك في هذا عن النبي ﷺ قال لا وذكره الدارقطني أيضا من حديث ابن عمر مرفوعا وقال تفرد به عمر بن شبيب والصحيح أنه من قول ابن عمر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال شيخنا والإغلاق انسداد باب العلم والقصد عليه يدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان الذي لا يعقل ما يقول لأن كلا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج به من يرى طلاق المكره لازما قال لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده والقصد لا يعتبر في الصريح بدليل وقوعه من الهازل واللاعب وهذا قياس فاسد فإن المكره غير قاصد للقول ولا لموجبه وإنما حمل عليه وأكره على التكلم به ولم يكره على القصد وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختيارا وقصد به غير موجبه وهذا ليس إليه بل إلى الشارع فهو أراد اللفظ الذي إليه وأراد أن لا يكون موجبه وليس إليه فإن من باشر سبب لحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه وإن لم يرده وأما المكره فإنه لم يرد لا هذا ولا هذا فقياسه على الهازل غير صحيح

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله لم يذكر أبو داود في النسخ غير هذين وفيه أحاديث أصح وأصرح منها منها حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدا فأنزل الله عز

وجل الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق ورواه الترمذي متصلا عن عائشة ثم قال والمرسل أصح وفيه حديث عائشة في امرأة رفاعة وقول النبي ﷺ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهو في الصحيحين وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والحديث الذي رجحه أبو داود هو حديث نافع بن عجير أن ركانة بن عبيد طلق امرأته سهمة البتة فأخبر بذلك النبي ﷺ وقال والله ما أردت إلا واحدة فقال النبي ﷺ والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله ﷺ فطلقها الثانية في زمن عمر رضي الله عنه والثالثة في زمن عثمان رضي الله عنه قال أبو داود وهذا أصح من حديث ابن جريج يعني الحديث الذي قبل هذا تم كلامه وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد والناس فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده وكلهم ضعفاء والزبير أضعفهم وضعف البخاري أيضا هذا الحديث قال علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه

وأما قول أبي داود إنه أصح من حديث ابن جريج فلأن ابن جريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي ﷺ عن عكرمة عن ابن عباس ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله بن رافع ولا نعلم هل هو هذا أو غيره ولهذا والله أعلم رجح أبو داود حديث نافع بن عجير عليه ولكن قد رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن اسحق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وهذا أصح من حديث نافع بن عجير ومن حديث ابن جريج وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة رد زينب ابنة رسول الله ﷺ على أبي العاص بن الربيع وقال الصحيح حديث ابن عباس أن رسول ﷺ ردها على أبي العاص بالنكاح الأول وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وهكذا ذكر الثوري والدارقطني أن رواية ابن إسحاق هي الصواب وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردها عليه بنكاح جديد وحجاج بن أرطاة أعرف من نافع بن عجير ومن معه وبالجملة فأبو داود لم يتعرض لحديث محمد بن إسحاق ولا ذكره والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال البيهقي هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس وساق الروايات عنه ثم قال فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمر بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير ورويناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن قال ابن المنذر فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئا ثم يفتي بخلافه وقال الشافعي فإن كان يعني قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحتسب على عهد رسول الله ﷺ يعني أنه بأمر رسول الله ﷺ فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ قال البيهقي ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل يريد البيهقي الحديث ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم

وقال أبو العباس بن سريج يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين اللفظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكان في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر والناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن ظهر فيهم الحب والخداع فكانوا يصدقون أنهم ارادوا به التوكيد ولا يريدون الثلاث ولما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار فألزمهم الثلاث وقال بعضهم إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس ورووا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها لأنها بالواحدة تبين فإذا قال أنت طالق بانت وقوله ثلاثا وقع بعد البينونة ولا يعتد به وهذا مذهب إسحاق ابن راهويه وقال بعضهم قد ثبت عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا فأبانها النبي ﷺ ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى وفي حديث ابن عمر أنه قال يارسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا قال إذن عصيت ربك وبانت منك امرأتك رواه الدارقطني وعن علي رضي الله عنه أنه قال سمع النبي ﷺ رجلا طلق امرأته البتة فغضب وقال يتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره رواه الدارقطني أيضا

قالوا وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء وقد عمل بها الأئمة فالأخذ بها أولى وقال بعضهم المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي ﷺ تطليقة واحدة وقد اعتاد الناس الآن التطليقات الثلاث والمعنى كان الطلاق الموقع الآن ثلاثا موقعا في عهد النبي ﷺ وأبي بكر واحدة وقال بعضهم ليس في هذا الحديث أن ذلك كان بلغ النبي ﷺ فيقر عليه والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه ولما بلغه طلاق ركانة امرأته البتة استحلفه ما أردت بها إلا واحدة ولو كان الثلاث واحدة لم يكن لاستحلافه معنى وأنها واحدة سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة

وقال بعضهم الإجماع منعقد على خلاف هذا الحديث والإجماع معصوم من الغلط والخطأ دون خبر الواحد وقال بعضهم إنما هذا في طلاق السنة فإنها كانت على عهد رسول الله ﷺ يراد بها الواحدة كما أراد بها ركانة ثم تتايع الناس فيها فأرادوا بها الثلاث فألزمهم عمر إياها فهذه عشرة مسالك للناس في رد هذا الحديث وقال أبو بكر بن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ غائلة قال تعالى الطلاق مرتان زل قوم في آخر الزمان فقالوا إن الطلاق الثلاث كلمة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه

إلى السلف الأول فحكوه عن علي والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا إن قوله أنت طالق ثلاثا كذب لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة منبهة لقد طوفت في الآفاق ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صادق فما سمعت لهذه المقالة بخبر ولا أحسست لها بأثر إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا ولا يرون الطلاق واقعا ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي يامن يرى المتعة في دينه حلا وإن كانت بلا مهر ولا يرى تسعين تطليقة تبين منه ربة الخدر من ههنا طابت مواليدكم فاغتنموها يابني القطر وقد اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة

وإن كان حراما في قول بعضهم وبدعة في قول الآخرين لازم وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري وقد قال في صحيحه باب جواز الثلاث لقوله تعالى الطلاق مرتان وذكر حديث اللعان فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ولم يغير عليه النبي ﷺ ولا يقر على الباطل ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه فألزمته الشريعة حكمه وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحث لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها فكيف إذا صرح بها وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة فإن قيل ففي صحيح مسلم عن ابن عباس وذكر حديث أبي الصهباء هذا قلنا هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه الأول أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا الثاني ان هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس الثالث يحتمل أن يراد به قبل الدخول وكذلك تأوله النسائي فقال باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة وذكر هذا الحديث بنصه الرابع أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته

ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال يارسول الله ألا أقتله رواه النسائي فلم يرد النبي ﷺ بل أمضاه وكما في حديث عويمر العجلاني في اللعان حيث أمضى طلاقه الثلاث ولم يرده الخامس وهو قوي في النظر والتأويل أنه قال كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة يحتمل أن يريد به كان حكم الثلاث إذا وقعت أن تجعل واحدة وأن يريد به كانت عبارة الثلاث على عهده أن تذكر واحدة فلما تتابع الناس في الطلاق وذكروا الثلاث بدل الواحدة أمضى ذلك عمر كما أمضاه رسول الله ﷺ على عويمر حين طلق ثلاثا فلا يبقى في المسألة إشكال فهذا أقصى ما يرد به هذا الحديث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا وقع في السنن لأبي داود ولم يفسر قول الحسن في حديثه ورواه الترمذي مفسرا عن حماد بن زيد قال قلت لأيوب هل علمت أحدا قال أمرك بيدك ثلاثا إلا الحسن قال لا ثم قال اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ثلاث ثم ذكر الترمذي عن البخاري أنما هو موقوف قال أبو محمد بن حزم وكثير مولى بني سلمة مجهول وعن الحسن في أمرك بيدك قال ثلاث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي تاريخ البخاري علي بن يزيد بن ركانة القرشي عن أبيه لم يصح حديثه هذا لفظه وقال

عبدالحق الاشبيلي في سنده كلهم ضعيف والزبير أضعفهم وذكر الترمذي في كتاب العلل عن البخاري أنه مضطرب فيه تارة قيل فيه ثلاثا وتارة قيل فيه واحدة ثم ذكر الشيخ ابن القيم كلام الحافظ المنذري واعتراضه على أبي داود في تصحيحه ثم قال الشيخ وفيما قاله المنذري نظر فإن أبا داود لم يحكم بصحته وإنما قال بعد روايته هذا أصح من حديث ابن جريج أنه طلق امرأته ثلاثا لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقضيتهم وحديثهم وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح فإن حديث ابن جريج ضعيف وهذا ضعيف أيضا فهو أصح الضعيفين عنده وكثيرا ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين وهو كثير في كلام المتقدمين ولو لم يكن اصطلاحا لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه فإنك تقول لأحد المريضين هذا أصح من هذا ولا يدل على أنه صحيح مطلقا والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه دليل على أن من قال لامرأته إنها أختي أو أمي على سبيل الكرامة والتوقير لا يكون مظاهرا وعلى هذا فإذا قال لعبده هو حر يعني أنه ليس بفاجر لم يعتق وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يفتى بخلافه فإن السيد إذا قيل له عبدك فاجر زان فقال ما هو إلا حر قطع سامعه أنه إنما أراد الصفة لا العين وكذلك إذا قيل له جاريتك تبغي فقال إنما هي حرة وسمي قول إبراهيم هذا كذبا لأنها تورية وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده فكيف يكون كذبا والتحقيق في ذلك أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب لا بالنسبة إلى غاية المتكلم فإن الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم ونسبة إلى المخاطب فلما أراد الموري أن يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار وإن كان المتكلم صادقا باعتبار قصده ومراده

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قد ورد في هذه الكفارة أنه أمره بإطعام وسق والوسق ستون صاعا وهو أكثر ما قيل فيه وذهب إليه سفيان الثوري وأصحاب الرأي مع قولهم إن الصاع ثمانية أرطال بالعراقي وورد فيها أنه أمر امرأة أوس بن الصامت أن تكفر عنه بالعرق الذي دفعه إليها والعرق الذي أعانته به واختلف في مقدار ذلك العرق فقيل ستون صاعا وهو وهم وقيل ثلاثون هو الذي رجحه أبو

داود على حديث يحيى بن آدم وقيل خمسة عشر فيكون العرقان ثلاثين صاعا لكل مسكين نصف صاع وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك وفي رواية أخرى أن التمر الذي أمره أن يتصدق به كان قريبا من خمسة عشر صاعا وإلى هذا ذهب الشافعي وعطاء والأوزاعي وروى عن أبي هريرة فيكون لكل مسكين مد وهو مقدار لا شيء بالنسبة إلى ما يوجبه أهل الرأي فإنهم يوجبون صاعا وهو ثمانية أرطال فيوجبون زيادة على ما توجبه هؤلاء ست مرات وأخذ الشافعي ذلك من حديث المجامع في رمضان فإن النبي ﷺ أتى بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال خذه وتصدق به وسيأتي إن شاء الله تعالى

ثم اختلفوا في البر هل هو على النصف من ذلك أم هو وغيره سواء فقال الشافعي مد من الجميع وقال مالك مدان من الجميع وقال أحمد وأبو حنيفة البر على النصف من غيره على أصلهما فعند أحمد مد من بر أو نصف صاع من غيره وعند أبي حنيفة مدان من بر أو نصف صاع من غيره على اختلافهما في الصاع

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي حديث امرأة ثابت بن قيس موصولا مطولا عن الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ابن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي وأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت فقال له خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال نعم فأمر بها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها

قال الترمذي في جامعه الصحيح في حديث الربيع أنها أمرت أن تعتد وهذا مرفوع وقد صرح في الرواية الأخرى أن الذي أمرها بذلك هو رسول الله ﷺ ثم ذكر الترمذي حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة وقال هذا حديث حسن غريب والمعروف عن إسحاق أن عدتها حيضة وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد نقلها عنه أبو القاسم وهو قول عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وعن ابن عمر روايتان أحدهما أن عدتها عدة المطلقة ذكره مالك في الموطأ عن نافع عنه والثانية حيضة نقلها ابن المنذر عنه وهي رواية القعنبي عنه قال أبو داود عن القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال عدة المختلعة حيضة اختار ابن المنذر أن عدتها حيضة وقد ذكر الله تعالى في آية الطلاق ثلاثة أحكام أحدها أن التربص فيه ثلاثة قروء الثاني أنه مرتان الثالث أن الزوج أحق برد امرأته في المرتين فالخلع ليس بداخل في الحكم الثالث اتفاقا وقد دلت السنة أنه ليس داخلا في الحكم الأول وذلك يدل على عدم دخوله في حكم العدد فيكون فسخا وهذا من أحسن ما يحتج به على ذلك

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا الرواية وأمرها أن تعتد وزاد الدارقطني عدة الحرة ولعله مدرج من تفسير بعض الرواة وقد روى ابن ماجه في سننه أخبرنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت أمرت بريرة أن يعتد بثلاث حيض وهذا مع أنه إسناد الصحيحين فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجه ويبعد أن تكون الثلاث حيض محفوظة فإن مذهب عائشة أن الأقراء الأطهار وقد أمر النبي ﷺ المختلعة أن تستبرىء بحيضة كما تقدم فهذه أولى ولأن الأقراء الثلاث إنما جعلت في حق المطلقة ليطول زمن الرجعة فيتمكن زوجها من رجعتها متى شاء ثم أجرى الطلاق كله مجرى واحدا وطرد هذا أن المزنى بها تستبرأ بحيضة وقد نص عليه أحمد وبالجملة فالأمر بالتربص ثلاثة قروء إنما هو للمطلقة والمعتقة إذا فسخت فهي بالمختلعة

والأمة المستبرأة أشبه إذ المقصود براءة رحمها فالاستدلال على تعدد الأقراء في حقها بالآية غير صحيح لأنها ليست مطلقة ولو كانت مطلقة لثبت لزوجها عليها الرجعة وأما الأحاديث في هذه اللفظة ففي صحتها نظر وحديث الدارقطني المعروف أن الحسن رواه مرسلا أن النبي ﷺ أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة ورواه البيهقي في سننه من حديث عكرمة عن ابن عباس وفيه وجه رابع وهو أنه جعل عدتها عدة المطلقة رواه البيهقي من حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ورواه أبو يعلى الموصلي عن محمد بن بكار عن أبي معشر فهذه أربعة أوجه أحدها أن تعتد الثاني عدة الحرة الثالث عدة المطلقة الرابع بثلاث حيض

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واستدل به من يقول إن التخيير إنما يكون للمتعة تحت عبد ولو كان لها خيار إذ كانت تحت حر لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فائدة وفيه نظر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الإمام أحمد حديث ابن عباس في هذا أصح قيل له أليس يروى أنه ردها بنكاح مستأنف قال ليس لذلك أصل وقال ابن عبدالبر فصة أبي العاص مع امرأته لا تخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار فتكون منسوخة بما جاء بعدها أو تكون حاملا واستمر حملها حتى أسلم زوجها أو

مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم أو تكون ردت إليه بنكاح جديد ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب تم كلامه وللناس في حديث ابن عباس عدة طرق أحدها رده باستمرار العمل على خلافه قال الترمذي سمعت عبد بن حميد يقول سمعت يزيد بن هرون يقول حديث ابن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب وقال ابن عبدالبر لم يختلف العلماء أن بانقضاء العدة ينفسخ النكاح إلا شيء روي عن النخعي شذ فيه عن جماعة العلماء فلم يتبعه عليه أحد زعم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة الثاني معارضته بحديث عمرو بن شعيب الثالث تضعيف داود بن الحصين عن عكرمة الرابع حمله على ردها بنكاح مثل الأول لم يحدث فيه شيئا الخامس حمله على تطاول زمن العدة السادس القول بموجبه ويروى عن علي بن أبي طالب وإبراهيم النخعي وغيرهما

السابع أن تحريم نكاح الكفار إنما كان في سورة الممتحنة وهي نزلت بعد الحديبية فلم يكن نكاح الكافر المسلمة قبل ذلك حراما ولهذا في قصة الممتحنة لما نزلت ولا تمسكوا بعصم الكوافر عمد عمر إلى امرأتين له فطلقهما ذكره البخاري فدل على أن التحريم كان من يومئذ وإذا ثبت هذا فأبو العاص بن الربيع إنما أسلم في زمن الهدنة بعد ما أخذت سرية زيد بن حارثة ما معه فأتى المدينة فأجارته زينب فأنفذ رسول الله ﷺ جوارها ودخل عليها فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له وكان هذا بعد نزول آية التحريم في الممتحنة ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة فأدى ما كان عنده من بضائع أهل مكة ثم أسلم وخرج إلى المدينة فلم يطل الزمان بين إسلامه ونزول آية التحريم فردها عليه بالنكاح الأول الثامن أن حديث ابن عباس في قصته منسوخ وسلك ذلك الطحاوي وادعى أن النبي ﷺ ردها إليه بعد رجوعه من بدر حين أسر وروي في ذلك عن الزهري أنه أخذ أسيرا يوم بدر فأتى به النبي ﷺ فرد عليه ابنته ثم إن الله سبحانه حرم نكاح الكفار في قضية الممتحنة التاسع ما حكاه عن بعض أصحابهم في الجمع بين الحديثين بأن عبد الله بن عمرو علم تحريم نكاح الكافر فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد فقال ردها عليه بنكاح جديد ولم يعلم ابن عباس بالتحريم فقال ردها بالنكاح الأول لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ نكاح فهذه مجامع طرق الناس في هذا الحديث أفسدها هذان الآخران فإنهما غلط محض والنبي ﷺ لم يردها على أبي العاص يوم بدر قط وإنما الحديث في قصة بدر أن النبي ﷺ أطلقه

وشرط عليه أن يرد عليه ابنته لأنها كانت بمكة فلما أسر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها ففعل ثم أسلم بعد ذلك بزمان في الهدنة هذا هو المعروف الذي لا يشك فيه من له علم بالمغازي والسير وما ذكروه عن الزهري وقتادة فمنقطع لا يثبت وأما المسلك التاسع فمعاذ الله أن يظن بالصحابة أنهم يروون أخبارا عن الشيء الواقع والأمر بخلافه بظنهم واعتقادهم وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب فإنه إخبار عن أمر واقع مشاهد هذا يقول ردها بنكاح جديد فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناء على اعتقاده من غير أن يشهد القصة أو تروى له وكذا من قال ردها بالنكاح الأول وكيف يظن بعبد الله بن عمرو أنه يروى عن النبي ﷺ عقد نكاح لم يثبته ولم يشهده ولا حكي له وكيف يظن بابن عباس أن يقول ردها بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا وهو لا يحيط علما بذلك ثم كيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة وما تضمنته من التحريم قبل رد زينب على ابي العاص ولو قدر اشتباهه عليه في زمن النبي ﷺ لحداثة سنه افترى دام هذا الاشتباه عليه واستمر حتى يرويه كبيرا وهو شيخ الإسلام ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأئمة ولا يرضى بها الحذاق وأما تضعيف حديث داود بن الحصين عن عكرمة فمما لا يلتفت إليه فإن هذه الترجمة صحيحة عند أيمة الحديث لا مطعن فيها وقد صحح الإمام أحمد والبخاري والناس حديث ابن عباس وحكموا له على حديث عمرو بن شعيب وأما حمله على أنه ردها بنكاح جديد مثل الأول ففي غاية البعد واللفظ ينبو عنه وأما رده بكونه خلاف الإجماع ففاسد إذ ليس في المسألة إجماع والخلاف فيها أشهر والحجة تفصل بين الناس وليس القول في الحديث إلا أحد قولين إما قول إبراهيم النخعي وإما قول من يقول إن التحريم لم يكن ثابتا إلى حين نزول الممتحنة فكانت الزوجية مستمرة قبل ذلك فهذه المسلكان أجود ما سلك في الحديث والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختصر كلام البخاري ونحن نذكره لكمال الفائدة قال البخاري حديث غيلان بن سلمة يعني من حديث عبد الله بن عمر غير محفوظ والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم قال البخاري وأما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال عمر رضي الله عنه لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال وقال ابن عبدالبر الأحاديث في تحريم ما زاد على الأربع كلها معلولة وقال ابن القطان هذا حديث مختلف فيه على الزهري ومالك ومعمر يقولان عنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف ويونس في روايته عنه يقول عن الزهري عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ قال لغيلان حين أسلم ذكره ابن وهب عن يونس وروى الليث عن يونس

عن ابن شهاب بلغني عن عثمان بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ الحديث وروى شعيب بن أبي حمزة وغير واحد عن الزهري حديث عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم ذكره البخاري والناس وقال معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره فهذه خمس وجوه آخر كلامه وقد رواه الدارقطني من حديث سيف بن عبد الله الجرمي أخبرنا سرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة فأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعا فلما كان زمن عمر طلقهن فقال له عمر راجعهن وإلا ورثتهن مالك وأمرت بقبرك يرجم ولكن سيف وسرار ليسا بمعروفين بحمل الحديث وحفظه وقال الدارقطني في كتاب العلل وقد ذكره هذا الحديث تفرد به سيف بن عبد الله الجرمي عن سرار وسرار ثقة من أهل البصرة ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه أبو وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال البخاري في إسناد هذا الحديث نظر ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهول حالهما وفيه يحيى بن أيوب ضعيف وقوله طلق ايتهما شئت دليل على أنه طلق واحدة لم يكن اختيارا لها كما قال أصحابنا وأصحاب الشافعي قالوا لأن الطلاق إنما يكون الزوجة لا للأجنبية فإذا طلقها كان دليلا على استبقاء نكاحها وهذا ضعيف جدا فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع لنكاحها فكيف يكون

اختيارا لها وهو لو قال طلقت هذه وأمسكت هذه أو اخترت هذه جعلتم التي اختار إمساكها مفارقة والتي اختار طلاقها مختارة وهذا معلوم أنه ضد مقصوده وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها النبي ﷺ قال له فارق سائرهن والمفارقة أيضا من سرائح الطلاق عندكم فإذا قال فارقت هذه كان اختيارا لها وهذا أحد الوجهين لهم وإنما يكون مفارقا لها إذا قال فسخت نكاح هؤلاء أو اخترت هؤلاء ونحوه وصاحب الشرع قد أمره بالفراق وإذا أتى باللفظ الذي أمره به كان ذلك فراقا لا اختيارا وأما قولهم إن الطلاق لا يكون في زوجة قلنا هذا ينتقض بالفسخ وإنكم قد قلتم لو فسخ نكاح إحداهن كان اختيارا للباقيات ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في زوجة فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق وأيضا فالطلاق جعل عبارة عن الفسخ وإخراجا للمطلقة واستبقاء للأخرى فكأنه قال أرسلت هذه وسيبتها ونحوه وأمسكت هذه وأيضا فإن النكاح لم تزل أحكامه كلها بالإسلام ولهذا قلتم إن عدة المفارقات من حين الاختيار لا من حين الإسلام على الصحيح وعللتم ذلك بأنهن إنما منه بالاختيار لا بالإسلام فالطلاق أثر في قطع أحكام النكاح وإزالتها وأيضا فإن العبرة بالقصد والنية وهو لم يرد قط بقوله طلقت هذه اختيارها بل هذا قلب للحقائق وأيضا فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه فحمله على الاختيار ممتنع

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال بعضهم هذه أحكام وقعت في أول زمن الشريعة إلى أن قال ثم ذكر الاستلحاق قال الشيخ شمس الدين وليس كما قال فإن هذا القضاء إنما وقع بالمدينة المنورة بعد قيام الإسلام ومصيرها دار هجرة وقد جعله النبي ﷺ على صور الصورة الأولى أن يكون الولد من أمته التي في ملكه وقت الإصابة فإذا استلحقه لحق به من

حين استلحقه وما قسم من ميراثه قبل استلحاقه لم ينقض ويورث من المستلحق وما كان بعد استلحاقه من ميراث لم يقسم ورث منه نصيبه فإنه إنما تثبت بنوته من حين استلحقه فلا تنعطف على ما تقدم من قسمة المواريث وإن أنكره لم يلحق به وسماه أباه على كونه يدعي له ويقال إنه منه لا أنه أبوه في حكم الشرع إذ لو كان حكما لم يقبل إنكاره له ولحق به الصورة الثانية أن يكون الولد من أمة لم تكن في ملكه وقت الإصابة فهذا ولد زنا لا يلحق به ولا يرثه بل نسبه منقطع منه وكذلك إذا كان من حزة قد زنى بها فالولد غير لاحق به ولا يرث منه وإن كان هذا الزاني الذي يدعي الولد له يعني أنه منه قد ادعاه لم تفد دعواه شيئا بل الولد ولد زنا وهو لأهل أمه إن كانت أمة فمملوكة لمالكها وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها دون هذا الزاني الذي هو منه وقوله في أول الحديث استلحق بعد أبيه الذي يدعي له ادعاه ورثة الأب ههنا هو الزاني الذي منه الولد وسماه أبا تسمية مقيدة بكون الولد منه ولهذا قال الذي يدعي له يعني يقال إنه منه

ويدعي له في الجاهلية أنه أبوه فإذا ادعاه ورثة هذا الزاني فالحكم ما ذكر ونظير هذا القضاء قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة فإن ورثة عتبة وهو سعد ادعي الولد أنه من أخيه وادعى عبد أنه أخوه ولد على فراش أبيه فألحقه النبي ﷺ بمالك الأمة دون عتبة وهو تفسير قوله وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى وقد يتمسك به من يقول الأمة لا تكون فراشا وإنما يلحق الولد للسيد بالدعوى لا بالفراش كقول أبي حنيفة لقوله من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه فإنما جعله لاحقا به بالاستلحاق لا بالإصابة ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا وأصرح في كون الأمة تصير فراشا كما تكون الحرة يلحق الولد بسيدها بحكم الفراش كما يلحق بالحرة كما سيأتي وليس في حديث عمرو بن شعيب أنه لا يلحق ولده من أمته إلا بالاستلحاق وإنما فيه أنه عند تنازع سيدها والزاني في ولدها يلحق بسيدها الذي استلحقه دون الزاني وهذا مما لا نزاع فيه فالحديثان متفقان والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال أبو محمد بن حزم هذا الحديث إسناده صحيح كلهم ثقات قال فإن قيل إنه خبر قد اضطرب فيه فأرسله شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن مجهول ورواه أبو إسحق الشيباني عن رجل من حضر موت عن زيد بن أرقم قلنا قد وصله سفيان وليس هو بدون شعبة عن صالح بن حي وهو ثقة عن عبدخير وهو ثقة عن زيد بن أرقم هذا آخر كلامه وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين أحدهما إلحاق المتنازع فيه بالقرعة وهو مذهب إسحاق بن راهويه قال هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم وذهب أحمد ومالك إلى تقديم حديث القافة عليه فقيل لأحمد في حديث زيد هذا فقال حديث القافة أحب إلي ولم يقل أبو حنيفة بواحد من الحديثين لا بالقرعة ولا بالقافة الأمر الثاني جعله ثلثي الدية على من وقعت له القرعة وهذا مما أشكل على الناس ولم يعرف له وجه وسألت عنه شيخنا فقال له وجه ولم يزد

ولكن قد رواه الحميدي في مسنده بلفظه آخر يدفع الإشكال جملة قال وأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه وهذا لأن الولد لما لحق به صارت أم ولد وله فيها ثلثها فغرمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد فلعل هذا هو المحفوظ وذكر ثلثي دية الولد وهم أو يكون عبر عن قيمة الجارية بالدية لأنها هي التي يودي بها فلا يكون بينهما تناقض والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس من حيث إن النبي ﷺ أمر سودة بالاحتجاب منه وقد ألحقه بزمعه فهو أخوها ولهذا قال الولد للفراش قالوا فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه فقال بعضهم هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي رآه بعينه وقال بعضهم إنما جعله عبدا لزمعة قال والرواية هو لك عبد فإنما جعله عبدا لعبد بن زمعة لكونه رأى شبهه بعتبة فيكون منه غير لاحق بواحد منهما فيكون عبدا لعبد بن زمعة إذ هو ولد زنا من جارية زمعة وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى فإن الرواية الصحيحة هو لك ياعبد بن زمعة ولو صحت

رواية هو لك عبد فإنما هي على إسقاط حرف النداء كقوله تعالى يوسف أعرض عن هذا ولا يتصور أن يجعله عبدا له وقد أخبره أنه ولد على فراش أبيه ويحكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله هو أخوك ياعبد ترفع الإشكال ورجال إسنادها ثقات ولو لم تأت فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخا له وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يدل على أصل وهو تبعيض أحكام النسب فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه للفراش فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلا الأئمة المطلعون على أغواره المعنيون بالنظر في

مأخذ الشرع وأسراره ومن نبا فهمه عن هذا وغلظ عنه طبعه فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور وليست بنته في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية وبالجملة فهذا من أسرار الفقه ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام وترتيب مقتضى كل وصف عليه ومن تأمل الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها ونظير هذا ما لو أقام شاهدا واحدا وحلف معه على سارق أنه سرق متاعه ثبت حكم السرقة في ضمان المال على الصحيح ولم يثبت حكمها في وجوب القطع اتفاقا فهذا سارق من وجه دون وجه ونظائره كثيرة فإن قيل فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث واحتجبي منه ياسودة فإنه ليس لك بأخ

قيل هذه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها ولا يعارض بها ما قد علمت صحته ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه أنه ليس لها بأخ في الخلوة والنظر وتكون مفسرة لقوله واحتجبي منه والله أعلم وهذا الولد الذي وقع فيه الاختصام هو عبدالرحمن بن زمعة مذكور في كتاب الصحابة وهو حجة على من يقول إن الأمة لا تكون فراشا ويحمل قوله الولد للفراش على الحرة فإن سبب الحديث في الأمة فلا يتطرق إليه تخصيص لأن محل السبب فيه كالنص وما عداه في حكم الظاهر والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال أبو داود في المسائل سمعت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة فلم يصحح هذا عن عمر وقال الدارقطني هذا الكلام لا يثبت عن عمر يعني قوله سنة نبينا ثم ذكر أحاديث الباب ثم قال بعد انتهاء آخر الباب اختلف الناس في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى على ثلاثة مذاهب وعلى ثلاث روايات عن أحمد أحدها أنه لا سكنى لها ولا نفقة وهو ظاهر مذهبه وهذا قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة وميمون بن مهران وإسحاق بن راهويه وداود بن علي وأكثر فقهاء الحديث وهو مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس وكانت تناظر عليه والثاني ويروى عن عمر وعبد الله بن مسعود أن لها السكنى والنفقة وهو قول أكثر أهل

العراق وقول ابن شبرمة وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن أبي صالح وأبي حنيفة وأصحابه وعثمان البتي والعنبري وحكاه أبو يعلى القاضي في مفراداته رواية عن أحمد وهي غريبة جدا والثالث أن لها السكنى دون النفقة وهذا قول مالك والشافعي وفقهاء المدينة السبعة وهو مذهب عائشة أم المؤمنين وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به وأنه لا نفقة لها ولا سكنى وليس مع رده حجة تقاومه ولا تقاربه قال ابن عبدالبر أما من طريق الحجة وما يلزم منها فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصا صريحا فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي ﷺ الذي هو المبين عن الله مراده ولا شيء يدفع ذلك ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وأما قول عمر ومن وافقه فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما والحجة معهم ولو لم يخالفهم أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ فإن قول رسول الله ﷺ حجة على عمر وعلى غيره ولم يصح عن عمر أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة فإن أحمد أنكره وقال أما هذا فلا ولكن قال لا نقبل في ديننا قول امرأة وهذا أمر يرده الإجماع على قبول المرأة في الرواية فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة ويخالفه فيه علماء الصحابة وقال إسماعيل بن إسحاق نحن نعلم أن عمر لا يقول لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله تعالى والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملا لقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وأما غير ذوات الحمل فلا يدل إلا على أنهن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق آخر كلامه والذي ردوا خبر فاطمة هذا ظنوه معارضا للقرآن فإن الله تعالى قال أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وقال لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة وأما إيجاب النفقة لها فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهن كما قال القاضي إسماعيل لأن الله سبحانه وتعالى شرط في وجوب الإنفاق أن يكن من أولات الحمل وهو يدل على أنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها كيف وإن القرآن لا يدل على وجوب السكنى للمبتوتة بوجه ما فإن السياق كله إنما هو في الرجعية يبين ذلك في قوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وهذا في البائن

مستحيل ثم قال أسكنوهن واللاتي قال فيهن فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف قال فيهن أسكنوهن و لا تخرجوهن من بيوتهن وهذا ظاهر جدا وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن قالوا ومعلوم أن الرجعية لها النفقة حاملا كانت أو حائلا وهذا لا حجة فيه فإنه إذا أوجب نفقتها حاملا لم يدل ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلا بل فائدة التقييد بالحمل التنبيه على اختلاف جهة الانفاق بسبب الحمل قبل الوضع وبعده فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه فإذا وضعته صارت النفقة بحكم الإجارة ورضاعة الولد وهذه قد يقوم غيرها مقامها فيه فلا تستحقها لقوله تعالى فإن تعاسرتم فسترضع له أخرى وأما النفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه بل هي مستمرة حتى تضعه فجهة الإنفاق مختلفة وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات فإنها زوجة ما دامت في العدة فلا حاجة إلى بيان وجوب نفقتها وأما الحامل فلما اختلف جهة النفقة عليها قبل الوضع وبعده ذكر سبحانه الجهتين والسببين وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من يشاء وأيضا فلو كان قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن في البوائن لكان دليلا ظاهرا على أن الحائل البائن لا نفقة لها لا شتراط الحمل في وجوب الإتفاق والحكم المعلق بالشرط يعدم عند عدمه وأما آية السكنى فلا يقول أحد إنها مختصة بالبائن لأن السياق يخالفه ويبين أن الرجعية مرادة منها فإما أن يقال هي مختصة بالرجعية كما يدل عليه سياق الكلام وتتحد الضمائر ولا تختلف مفسراتها بل يكون مفسر قوله فأمسكوهن هو مفسر قوله أسكنوهن وعلى هذا فلا حجة في سكنى البائن وإما أن يقال هي عامة للبائن والرجعية وعلى هذا فلا يكون حديث فاطمة منافيا للقرآن بل غايته أن يكون مخصصا لعمومه وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع هذا لو كان قوله أسكنوهن عاما فكيف ولا يصح فيه العموم لما ذكرناه وقول النبي ﷺ لا نفقة لك ولا سكنى وقوله في اللفظ الآخر إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة رواه الإمام أحمد والنسائي وإسناده صحيح وفي لفظ لأحمد إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما

كانت عليها الرجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى وهذا يبطل كل ما تأولوا به حديث فاطمة فإن هذا فتوى عامة وقضاء عام في حق كل مطلقة فلو لم يكن لشأن فاطمة ذكر في المبين لكان هذا اللفظ العام مستقلا بالحكم لا معارض له بوجه من الوجوه فقد تبين أن القرآن لا يدل على خلاف هذا الحديث بل إنما يدل على موافقته كما قالت فاطمة بينى وبينكم القرآن ولما ذكر لأحمد قول عمر لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة تبسم أحمد وقال أي شيء في القرآن خلاف هذا وأما قوله في الحديث وسنة نبينا فإن هذه اللفظة وإن كان مسلم رواها فقد طعن فيها الأئمة كالإمام أحمد وغيره قال أبو داود في كتاب المسائل سمعت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة قلت أيصح هذا عن عمر قال لا وروى هذه الحكاية البيهقي في السنن والآثار عن الحاكم عن ابن بطة عن أبي حامد الأشعري عن أبي داود وقال الدارقطني هذا اللفظ لا يثبت يعني قوله وسنة نبينا ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه وقد تابعه قبيصة ابن عقبة فرواه عن عمار بن رزيق مثل قول يحيى بن آدم سواء والحسن بن عمارة متروك وأشعت بن سوار ضعيف ورواه الأعمش عن إبراهيم دون قوله وسنة نبينا والأعمش أثبت من أشعت وأحفظ وقال البيهقي هذه اللفظة أخرجها مسلم في صحيحه وذهب غيره من الحفاظ إلى أن قوله وسنة نبينا غسر محفوظة في هذا الحديث فقد رواه يحيى بن آدم وغيره عن عمار بن رزيق في السكنى دون هذه اللفظة وكذلك رواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر دون قوله وسنة نبينا وإنما ذكره أبو أحمد عن عمار وأشعث عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عمر والحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي عن عمر ثم ذكر كلام الدارقطني أنها لا تثبت فقد تبين أنه ليس في السنة ما يعارض حديث فاطمة كما أنه ليس في الكتاب ما يعارضه وفاطمة امرأة جليلة من فقهاء الصحابة غير متهمة في الرواية وما يرويه بعض الأصوليين لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت غلط ليس في الحديث وإنما الذي في الحديث حفظت أم نسيت هذا لفظ مسلم قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد أنه ذكر عند الشعبي قول عمر هذا حفظت أم نسيت فقال الشعبي امرأة من قريش ذات عقل ورأي تنسى قضاء به عليها قال وكان الشعبي يأخذ بقولها

وقال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله ﷺ ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة ثم رد خبرها بأنها امرأة مما لا يقول به أحد وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة وبخبر الفريعة وهي امرأة وبحديث النساء كأزواج النبي ﷺ وغيرهن من الصحابيات بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة منها نظر المرأة إلى الرجل ووضعها ثيابها في الخلوة وجواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تجبه المرأة ولم يسكن إليها جواز نكاح القرشية لغير القرشي ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمر يعيب من استشاره فيه وأن ذلك ليس بغيبة ومنها التعريض بخطبة المعتدة البائن بقوله لا تفوتيني بنفسك ومنها الأرسال بالطلاق في الغيبة ومنها احتجاج الأكثرين به على سقوط النفقة للمبتوتة التي ليست بحامل فما بال حديثها محتجا به في هذه الأحكام دون سقوط السكنى فإن حفظته فهو حجة في الجميع وإن لم يكن محفوظا لم يجز أن يحتج به في شيء والله أعلم وقال الشافعي في القديم فإن قال قائل فإن عمر بن الخطاب اتهم حديث فاطمة بنت قيس وقال لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة قلنا لا نعرف أن عمر اتهمها وما كان في حديثها ما تتهم له ما حدثت إلا بما يجب وهي امرأة من المهاجرين لها شرف وعقل وفضل ولو رد شيء من حديثها كان إنما يرد منه أنه أمرها بالخروج من بيت زوجها فلم تذكر هي لم أمرت بذلك وإنما أمرت به لأنها استطالت على أحمائها فأمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم فكأنهم أحبوا لها ذكر السبب الذي له أخرجت لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي ﷺ قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت في غير بيت زوجها وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث كما تقدم ولكن هذا التأويل مما لا يصح دفع الحديث به من وجوه أحدها أنه ليس بمذكور في القصة ولا علق عليه الحكم قط لا باللفظ ولا بالمفهوم وإن كان واقعا فتعليق الحكم به تعليق على وصف لم يعتبره النبي ﷺ ولا في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به وترك لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره وعلق به الحكم وهو عدم ثبوت الرجعة الثاني أنكم لا تقولون به فإن المرأة ولو استطالت ولو عصت بما عسى أن تعصى به لا يسقط

حقها من السكنى كما لو كانت حاملا بل كان يستكري لها من حقها في مال زوجها وتسكن ناحية وقد أعاذ الله فاطمة بنت قيس من ظلمها وتعديها إلى هذا الحد كيف والنبي ﷺ لم يعنفها بذلك ولا نهاها عنه ولا قال لها إنما أخرجت من بيتك بظلمك لأحمائك بل قال لها إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة وهذا هو الوجه الثالث وهو أن النبي ﷺ ذكره لها السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى وهو سقوط حق الزوج من الرجعة وجعل هذا قضاء عاما لها ولغيرها فكيف يعدل عن هذا الوصف إلى وصف لو كان واقعا لم يكن له تأثير في الحكم أصلا وقد روى الحميدي في مسنده هذا الحديث وقال فيه ياابنة قيس إنما لك السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة ورواه الأثرم فأين التعليل بسلاطة اللسان مع هذا البيان ثم لو كان ذلك صحيحا لما احتاج عمر في رده إلى قوله لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة بل كان يقول لم يخرجها من السكنى إلا بذاؤها وسلطها ولم يعللها بانفراد المرأة به وقد كان عمر رضي الله عنه يقف أحيانا في انفراد بعض الصحابة كما طلب من أبي موسى شاهدا على روايته وغيره وقد أنكرت فاطمة على من أنكر عليها وردت على من رد عليها وانتصرت لروايتها ومذهبها رضي الله عنهم أجمعين وقد قضى النبي ﷺ في المتلاعنين أن لا يبت لها عليه ولا قوت ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع والبائن قد فقد في حقها ذلك ولهذا وجبت للرجعية لتمكنه من الاستمتاع بها وأما البائن فلا سبيل فلا سبيل له إلى الاستماع بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية وحبسها لعدته لا يوجب نفقة كما لو وطئها بشبهة وكالملاعنة والمتوفى عنها زوجها والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في وجوب اعتداد المتوفى عنها في منزلها فأوجبه عمر وعثمان وروي عن ابن مسعود وابن عمر وأم سلمة وبه يقول الثوري والأوزاعي وإسحاق والأئمة الأربعة قال ابن عبدالبر وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة تعتد حيث شاءت وقال به جابر بن زيد والحسن وعطاء ثم اختلف الموجبون لملازمة المنزل فيما إذا جاءها خبر وفاته في غير منزلها فقال الأكثرون

تعتد في منزلها وقال إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها وحديث الفريعة حجة ظاهرة لا معارض لها وأما قوله تعالى فإن خرجن فلا جناح عليكم فإنها سنة الاعتداد في منزل الزوج فالمنسوخ حكم آخر غير الاعتداد في المنزل وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنة وصية أوصى الله بها الأزواج تقدم به على الورثة ثم نسخ ذلك بالميراث ولم يبق لها استحقاق في السكنى المذكورة فإن كان المنزل الذي توفي فيه الزوج لها أو بذل الورثة لها السكنى لزمها الاعتداد فيه وهذا ليس بمنسوخ فالواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن فالذي نسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة دون الورثة والذي أمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقض عدتها ولا تنافي بين الحكمين والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة بهذه الآية التي في الطلاق وهي قوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وهذا على عرف السلف في النسخ فإنهم

يسمون التخصيص والتقييد نسخا وفي القرآن ما يدل على تقديم آية الطلاق في العمل بها وهو أن قوله تعالى أجلهن مضاف ومضاف إليه وهو يفيد العموم أي هذا مجموع أجلهن لا أجل لهن غيره وأما قوله يتربصن بأنفسهن فهو فعل مطلق لا عموم له فإذا عمل به في غير الحامل كان تقييدا لمطلقة بآية الطلاق فالحديث مطابق للمفهوم من دلالة القرآن والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه قبيصة بن ذؤيب عن عمرو وقال الدارقطني قبيصة لم يسمع من عمرو والصواب لا تلبسوا علينا موقوف يعني لم يذكر فيه سنة نبينا وقال الإمام أحمد هذا حديث منكر آخر كلامه وقد رواه سليمان بن موسى عن رجاء بن حيوة عن قبيصة عن عمرو قوله عدة أم الولد عدة الحرة وهذا الذي أشار إليه الدارقطني أنه الصواب وقال ابن المنذر ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص وقال محمد بن موسى سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح وقال الميموني رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال أين سنة النبي ﷺ في هذا وقال أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية وقد روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها وتعتد بحيضة واختلف الفقهاء في عدتها فالصحيح أنه حيضة وهو المشهور عن أحمد وقول ابن عمر وعثمان وعائشة وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وغيرهم وعن أحمد رواية أخرى تعتد أربعة أشهر وعشرا وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير

ومجاهد وخلاس بن عمرو وعمر بن عبدالعزيز والزهري والأوزاعي وإسحاق وعن أحمد رواية ثالثة تعتد شهرين وخمسة أيام حكاها أبو الخطاب وهي رواية منكرة عنه قال أبو محمد القدسي ولا أظنها صحيحة عنه وروى ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة وقال أبو حنيفة وأصحابه عدتها ثلاث حيض ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي والثوري

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في هذه الآية على أربعة أقوال أحدها أنها ليست بمنسوخة قاله ابن عباس الثاني أنها منسوخة كما قاله سلمة والجمهور والثالث أنها مخصوصة خص منها القادر الذي لا عذر له وبقيت متناوله للمرضع والحامل الرابع أن بعضها منسوخ وبعضها محكم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي معناه أقوال

أحدها لا يجتمع نقصهما معا في سنة واحدة وهذا منصوص الإمام أحمد والثاني أن هذا خرج على الغالب والغالب أنهما لا يجتمعان في النقص وإن وقع نادرا والثالث أن المراد بهذا تلك السنة وحدها ذكره جماعة الرابع أنهما لا ينقصان في الأجر والثواب وإن كان رمضان تسعا وعشرين فهو كامل في الأجر الخامس أن المراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن ثواب شهر رمضان وقد اختلف في أيام العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل قال شيخنا وفصل الخطاب أن ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة فإن فيها ليلة القدر وكان رسول الله ﷺ يجتهد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها من الليالي وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من رمضان لحديث ابن عباس وقول النبي ﷺ أعظم الأيام عند الله يوم النحروما جاء في يوم عرفة السادس أن الناس كان يكثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم فأعلمهم ﷺ أن الشهرين وإن نقصت أعدادهما فحكم عبادتها على التمام والكمال ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام وكان العمل فيهما أحب إلى الله من سائر الشهور رغب النبي ﷺ في العمل وأخبر أنه لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران والله أعلم قالوا ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه يرفعه كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوما وثلاثين ليلة ورجال إسناده ثقات وهذا لا يمكن حمله إلا على الثواب أي للعامل فيها ثواب ثلاثين يوما وليلة وإن نقص عدده والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأما حديث أبي داود فقال يحيى بن معين محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة قال الترمذي وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس وقال الخطابي في معنى الحديث إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عنت وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة وقال غيره في الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطا وإنما يصام يوم يصوم الناس وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم ويفطر دون من يعلم وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما كما لم يكن للناس هذا آخر كلامه وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث وصله صحيح فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور وقول النسائي لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير

جرير إنما عنى تسمية الصحابي وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي ﷺ وهذا موصول ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يعلل بذلك الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولفظ النسائي فيه صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا وفي لفظ للنسائي أيضا فأكملوا العدة عدة شعبان رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه قال الدارقطني ولم يقل في حديث ابن عباس فأكملوا عدة شعبان غير آدم قال حدثنا شعبة حدثني عمرو بن مرة قال سمعت أبا البختري الطائي يقول أهل هلال رمضان ونحن بذات الشقوق فشككنا في الهلال فبعثنا رجلا إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس

إن الله أمده لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين قال الدارقطني صحيح عن شعبة ورواه حصين وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة ولم يقل فيه عدة شعبان غير آدم وهو ثقة قال الشيخ شمس الدين حديث أبي هريرة هذا قد روي في الصحيح بثلاثة ألفاظ أحدها هذا اللفظ الثاني صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة وفي رواية فعدوا ثلاثين اللفظ الثالث فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وهذا اللفظ الأخير للبخاري وحده وقد علل بعلتين أحداهما أنه من رواية محمد بن زياد عنه وقد خالفه فيه سعيد بن الميسب فقال فيه فصوموا ثلاثين قالوا وروايته أولى لإمامته واشتهار عدالته وثقته ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه فإن مذهب أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء صيام يوم الغيم قالوا فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي ﷺ فأكملوا عدة شعبان ثم يخالفه العلة الثانية ما ذكر الإسماعيلي قال وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه هذا آخر كلامه وقد رواه الدارقطني فقال فيه فعدوا ثلاثين يعني عدوا شعبان ثلاثين ثم قال أخرجه البخاري عن

آدم فقال فيه فعدوا شعبان ثلاثين ولم يقل يعني وهذا يدل على أن قوله يعني من بعض الرواة والظاهر أنه آدم وأنه قوله وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك وتفرد آدم أيضا فيه بقوله فأكملو عدة شعبان ثلاثين وسائر الرواة إنما قالوا فأكملوا العدة كما رواه حماد بن سلمة عن عمرو ابن دينار عن ابن عباس وسفيان عن عمرو عن محمد بن حنين عن ابن عباس وحاتم بن أبي صغيرة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وحصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري كلهم قال في حديثه فأكملوا العدة ومنهم من قال فأكملوا ثلاثين وقال آدم من بينهم عدة شعبان فهذه الزيادة من آدم في حديث ابن عباس كهي في حديث أبي هريرة وسائر الرواة على خلافه فيه قال بعض الحفاظ وهذا يدل على أن هذا تفسير منه في الحديثين ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وحذيفة ورافع بن خديج وطلق بن علي وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر فهذه عشرة أحاديث فأما حديث ابن عباس وأبي هريرة فقد ذكرناهما وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت وأما حديث رافع بن خديج فرواه الدارقطني من حديث الزهري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رافع بن خديج قال قال رسول الله ﷺ أحصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة وفيه الواقدي وهو وإن كان ضعيفا فليس العمدة على مجرد حديثه وأما حديث طلق فرواه الدارقطني أيضا من حديث أبي يونس عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ جعل الله الأهلة مواقيت للناس فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين قال محمد بن جابر سمعت هذا منه وحديثين آخرين ومحمد بن جابر وإن كان ليس بالقوي فالعمدة على ما تقدم وأما حديث سعد فرواه النسائي عن محمد بن سعد عن أبيه عن النبي ﷺ قال الشهر هكذا

وهكذا وهكذا يعني تسعة وعشرين وفي رواية ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى وأما حديث عمار بن ياسر فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أشكل هذا على الناس فحمله طائفة على الاحتياط لدخول رمضان قالوا وسرر الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ثلاث لغات وهو آخره وقت استسرار هلاله فأمره إذا أفطر أن يصوم يوما أو يومين عوض ما فاته من صيام سرره احتياطا وقالت طائفة منهم الأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز سرره أوله وسراره أيضا فأخبره أنه لم يصم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه ذكره أبو داود عن الأوزاعي وسعيد وأنكر جماعة هذا التفسير فرأوه غلطا قالوا فإن سرار الشهر آخره سمي بذلك لاستسرار القمر فيه وقالت طائفة سرره هنا وسطه وسر كل شيء جوفه وقال البيهقي فعلى هذا أراد أيام البيض هذا آخر كلامه ورجح هذا بأن في بعض الروايات فيه أصمت من سره هذا الشهر وسرته وسطه كسرة الآدمي وقالت طائفة هذا على سبيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر قال ابن حبان في صحيحه وقوله ﷺ أصمت من سرر هذا الشهر لفظة استخبار عن فعل مرادها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل منه كالمنكر عليه لو فعله وهذا كقوله لعائشة أتسترين الجدار وأراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار وأمره ﷺ بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء السرار وذلك أن الشهر إذا كان تسعا وعشرين يستسر القمر يوما واحدا وإذا كان الشهر ثلاثين يستسر القمر يومين والوقت الذي خاطب فيه النبي ﷺ هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال آخر كلامه وقالت طائفة لعل صوم سرر هذا الشهر كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالوفاء وقالت طائفة لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام آخر الشهر فترك آخر شعبان لظنه أن صومه

يكون استقبالا لرمضان فيكون منهيا عنه فاستحب له النبي ﷺ أن يقضيه ورجح هذا بقوله إلا صوم كان يصومه أحدكم فليصمه والنهي عن التقدم لمن لا عادة له فيتفق الحديثان والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وذكر جماعة أنه موقوف ونظير هذا قول أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح وإنما هو لفظ الصحابي قطعا ولعله فهم من قول النبي ﷺ لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين أن صيام يوم الشك تقدم فهو معصية كما فهم أبو هريرة من قوله ﷺ إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله ولا يجوز أن يقول رسول الله ﷺ ما لم يقله والصحابي إنما يقول ذلك استنادا منه إلى دليل فهم

منه أن مخالفة مقتضاه معصية ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا في كثير من وجوه دلالة النصوص

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله الذين ردوا هذا الحديث لهم مأخذان أحدهما أنه لم يتابع العلاء عليه أحد بل انفرد به عن الناس وكيف لا يكون هذا معروفا عند

أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعم به البلوى ويتصل به العمل والمأخذ الثاني أنهم ظنوه معارضا لحديث عائشة وأم سلمة في صيام النبي ﷺ شعبان كله أو قليلا منه وقوله إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه وسؤاله للرجل عن صومه سرر شعبان قالوا وهذه الأحاديث أصح منه وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته وهو حديث على شرط مسلم فإن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل وله عدة نظائر في الصحيح قالوا والتفرد الذي يعلل به هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه أو رفع ما وقفوه أو زيادة لفظة لم يذكروها وأما الثقة العدل إذا روى حديثا وتفرد به لم يكن تفرده علة فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي ﷺ عملت بها الأمة

قالوا وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان فلا معارضة بينهما وإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني وحديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادة ولا مضافا إلى ما قبله ويشهد له حديث التقدم وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه فهذا لم نعلم أن أحدا علل به الحديث فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث وقد قال 1 لقيت العلاء بن عبدالرحمن وهو يطوف فقلت له برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا فقال ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البيهقي في سننه من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن رجلا شهد عند علي على رؤية هلال شهر رمضان فصام وأحسبه قال وأمر الناس أن يصوموا وقال لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان وفي سنن الدارقطني من حديث أبي إسماعيل حفص بن عمر الأيلي عن مسعر بن كدام وأبي عوانة عن عبدالملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس قالا إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال شهر رمضان وقالا كان رسول الله ﷺ لا يجيز شهادة الإفطار إلا برجلين وأبو إسماعيل هذا ضعيف جدا وأبو حاتم يرميه بالكذب

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله قال لأن أبا داود قال أنبأنا عبد

الأعلى بن حماد أظنه عن حماد عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة فذكره وقد روى النسائي عن زر قال قلنا لحذيفة أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وقد اختلف في هذه المسألة فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا ثم قال وهؤلاء لم يروا فرقا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة هذا آخر كلام إسحاق وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضا وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر وهو قول الأئمة الأربعة وعامة فقهاء الأمصار وروى معناه عن عمر وابن عباس واحتج الأولون بقول النبي ﷺ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر كذا في البخاري وفي بعض الروايات وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت قالوا وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس واحتج الجمهور بقوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ويقول النبي ﷺ كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وبقوله الفجر فجران فأما الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة وأما الثاني فإنه يحرم الطعام ويحل الصلاة رواه البيهقي في سننه قالوا وأما حديث حذيفة فمعلول وعلته الوقف وأن زرا هو الذي تسحر مع حذيفة ذكره النسائي

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف الناس هل يجب القضاء في هذه الصورة فقال الأكثرون يجب وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم وحكمهم حكم من أكل ناسيا وحكي ذلك عن الحسن ومجاهد واختلف فيه على عمر فروى زيد بن وهب قال كنت جالسا في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر فأتينا بكأس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوما مكانه فسمع بذلك عمر فقال والله لا نقضيه وما تجانفا لإثم رواه البيهقي وغيره وقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن

أسلم أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال له ياأمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال عمر الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى والله أعلم وكذلك قال الشافعي وهذا لا يناقض الأثر المتقدم وقوله وقد اجتهدنا مؤذن بعدم القضاء وقوله الخطب يسير إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي عن عمر وفيه من كان أفطر فليصم يوما مكانه وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه ولم أر الأمر بالقضاء صريحا إلا في هذه الرواية وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل وقد روى البيهقي بإسناد فيها نظر عن صهيب أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء ولأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم ولو أكل ناسيا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام فما الموجب للفرق بينهما في في هذا الموضع وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابا فقد بادر إلى أداء ما

أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه وفساد صوم الناسي أولى منه لأن فعله غير مأذون له فيه بل غايته أنه عفو فهو دون المخطىء الجاهل في العذر وبالجملة فلم يفرق بينهما في الحج ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح لأن هذا هو المتنازع فيه وإن أريد أن فعل ناسي لا ينتهض سببا للإثم ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطىء وإن أريد أن المخطىء ذاكر لصومه مقدم على قطعه ففعله داخل تحت التكليف لخلاف الناسي فلا يصح أيضا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم وأنه مأمور بالفطر فهو مقدم على فعل ما يعقده جائزا وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر وأجود ما فرق به بين المسألتين أن المخطىء كان متمكنا من إتمام صومه بأن يؤخر الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل ولم يكن يمكنه الاحتراز وهذا وإن كان فرقا في الظاهر فهو غير مؤثر في وجوب القضاء كما لم يؤثر في الإثم اتفاقا ولو كان منسوبا إلى تفريط للحقه الإثم فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطىء فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعممه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب هي طعمة الله ولكن هذا أولى فإنها طعمة الله إذنا وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفوا ورفع حرج فهذا مقتضى الدليل

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال من خير خصال الصائم السواك قال البخاري وقال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره وقال زياد بن حدير ما رأيت أحدا أدأب سواكا وهو صائم من عمر رضي الله عنه أراه قال بعود قد ذوي رواه البيهقي ولو احتج عليه بعموم قوله ﷺ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة لكانت حجة وبقوله ﷺ السواك مطهرة للفم مرضاة للرب وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح قال البيهقي وقد روى عن علي بإسناد ضعيف إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة وروى عمرو بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وهذا لو صح عن أبي

هريرة فالثابت عن عمر وابن عمر يخالفه والذين يكرهونه يخالفونه أيضا فإنهم يكرهونه من بعد الزوال وأكثر أهل العلم لا يكرهونه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولفظ النسائي فيه عن شداد بن أوس قال كنت أمشي مع النبي ﷺ عام فتح مكة لثمان عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان فمر برجل يحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم قال وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال أفطر الحاج والمحجوم ورواه أحمد في مسنده وروى أحمد أيضا عن عائشة عن النبي ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم وروى أحمد أيضا عن أسامة بن زيد عن

النبي ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم وروى الحسن عن علي عن النبي ﷺ قال أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال فطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وأعله بالوقف وعن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال مر على رسول الله ﷺ وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال أفطر الحاجم والمحجوم رواه أحمد والنسائي عن الحسن بن معقل ورواه النسائي أيضا عن الحسن عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي قال المنذري قال أحمد أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلا بولي يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها قال ابن القيم وقال أبو زرعة حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعا أفطر الحاجم والمحجوم حديث حسن ذكره الترمذي عنه وقال علي بن المديني أيضا في رواية عنه لا أعلم في أفطر الحاجم حديثا أصح من حديث رافع بن خديج وقال في حديث شداد لا أرى الحديثين إلا صحيحين وقد يمكن أن يكون أبو أسماء سمعه منهما وقال عثمان بن سعيد الدارمي صح عندي حديث أفطر الحاجم والمحجوم من حديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به وسمعت أحمد بن حنبل يقول به وذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد وقال إبراهيم الحربي في حديث شداد هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة قال وهذا الحديث صحيح بأسانيد وبه نقول وعن قتادة عن شهر عن بلال قال قال رسول الله ﷺ أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وقال الترمذي في كتاب العلل سألت البخاري فقال ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس فقلت وما فيه من الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح لأن يحيى بن سعيد روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد الحديثين جميعا فقد حكم البخاري بصحة حديث ثوبان وشداد

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى الدارقطني في سننه عن أنس قال أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي فقال أفطر هذان ثم رخص النبي بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم قال الدارقطني كلهم ثقات ولا أعلم له علة

وعن ابن سعيد الخدري قال رخص رسول الله في القبلة للصائم ورخص في الحجامة رواه النسائي فذهب إلى هذه الأحاديث جماعة من العلماء ويروى ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وهو مذهب عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وذهب إلى أحاديث الفطر بها جماعة منهم علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وروى المعتمر عن أبيه عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي قالوا أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي وأما أبو هريرة فروى عنه أبو صالح أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي وروى عنه شقيق بن ثور عن أبيه أنه قال لو أحتجم ما بالبيت ذكره عبدالرزاق والنسائي أيضا

وأما عائشة فروى عطاء وعياض بن عروة عنها أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي وقال البيهقي رويت الرخصة عنها وذهب إلى الفطر من التابعين عطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين وذهب إلى ذلك عبدالرحمن بن مهدي والأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأجاب المرخصون عن أحاديث الفطر بأجوبة أحدهما القدح فيها تعليلها الثاني دعوى النسخ فيها الثالث أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة بل لأجل الغيبة وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل الرابع تأويلها على معنى أنه قد تعرض لأن يفطر لما يلحقه من الضعف في أفطر بمعنى يفطر

الخامس أنه على حقيقته وأنهما قد أفطرا حقيقة ومرور النبي بهما كان مساء في وقت الفطر فأخبر أنهما قد افطرا ودخلا في وقت الفطر يعني فليصنعا ما أحبا السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا انه خبر عن حكم شرعي بفطرهما السابع ان إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما كما جاء خمس يفطرون الصائم الكذب والغيبة والنميمة والنظرة السوء واليمين الكاذبة وكما جاء الحدث حدثان حدث اللسان وهو أشدهما الثامن أنه لو قدر تعارض الأخبار جملة لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لتأيدها بالقياس وشواهد أصول الشريعة لها إذا الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه كالفصاد والتشريط ونحوه قال المفطرون ليس في هذه الأجوبة شيء يصح أما جواب المعللين فباطل وإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها كما تقدم والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات وليس العمدة عليه وممن صحح ذلك أحمد وإسحاق وعلي بن المديني وإبراهيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وابن المنذر وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي لتعدد طرقه وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة قالوا والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة وهي دون هذه الأحاديث في الشهرة والصحة ويترك هذه الأحاديث وكذلك أحاديث الفطر بالقيء مع ضعفها وقلتها وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة وكذلك أحاديث الإتمام في السفر وأحاديث أقل الحيض وأكثره وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم وأحاديث الوضوء بنبيذ التمر وأحاديث الشهادة في النكاح وأحاديث التيمم

ضربتان وأحاديث المنع من فسخ الحج إلى التمتع وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض وأحاديث تقدير الماء الذي يحمل النجاسة بالقلتين قالوا وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذا بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر وأما قول بعض أهل الحديث لايصح في الفطر بالحجامة حديث فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث كالإمام أحمد لما حكى له قول ابن معين أنكره عليه ثم في هذه الحكاية عنه أنه لا يصح في مس الذكر حديث ولا في النكاح بلا ولي ولم يلتفت القائلون بذلك إلى قوله وأما تطرق التعليل إليها فمن نظر في عللها واختلاف طرقها أفاده ذلك علما لا يشك فيه بأن الحديث محفوظ وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين لا يلتفت إلى شيء من تلك العلل وانها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون أو إرسالها وقد وصلها آخرون وهم ثقات والزيادة من الثقة مقبولة قالوا فعلى قول منازعينا هذه العلل باطلة لا يلتفت إلى شيء منها وقد ذكرت عللها والأجوبة عنه في مصنف مفرد في المسألة قالوا وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ ثم نبين ما فيه قالوا قد صح عن ابن عباس أن النبي احتجم وهو صائم محرم قال الشافعي وسماع ابن عباس من النبي عام الفتح ولم يكن يومئذ محرما ولم يصحبه محرما قبل حجة الإسلام فذكر ابن عباس حجامة النبي عام حجة الإسلام سنة عشر وحديث أفطر الحاجم والمحجوم سنة ثمان فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ قالوا ويدل على النسخ حديث أنس في قصة جعفر وقد تقدم قالوا ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم المنع قال المفطرون الثابت أن النبي احتجم وهو محرم وأما قوله وهو صائم فإن الإمام أحمد قال لا تصح هذه اللفطة وبين أنها وهم ووافقه غيره على ذلك وقالوا الصواب احتجم وهو محرم وممن ذكر ذلك عنه الحلال في كتاب العلل وقد روى هذا الحديث على أربعة أوجه أحدها احتجم وهو محرم فقط وهذا في الصحيحين

الثاني احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم انفرد به البخاري الثالث احتجم وهو محرم صائم ذكره الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه الرابع احتجم وهو صائم فقط ذكره أبو داود وأما حديث احتجم وهو صائم فهو مختصر من حديث ابن عباس في البخاري احتجم رسول الله وهو محرم واحتجم وهو صائم وأما حديث احتجم وهو محرم صائم فهذا هو الذي تمسك به من ادعى النسخ وأما لفظ احتجم وهو صائم فلا يدل على النسخ ولا تصح المعارضة به لوجوه أحدها أنه لا يعلم تاريخه ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال الثاني أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضا ولعله كان صوم نفل خرج منه الثالث حتى لو ثبت أنه صوم فرض فالظاهر أن الحجامة إنما تكون للعذر ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض والواقعة حكاية فعل لا عموم لها ولا يقال قوله وهو صائم جملة حال مقارنة للعامل فيها فدل على مقارنة الصوم للحجامة لأن الراوي لم يذكر أن النبي قال إني باق على صومي وإنما رآه يحتجم وهو صائم فأخبره بما شاهده ورآه ولا علم له بنية النبي ولا بما فعل بعد الحجامة مع أن قوله وهو صائم حال من الشروع في الحجامة وابتدائها فكان ابتداؤها مع الصوم وكأنه قال احتجم في اليوم الذي كان صائما فيه ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا ولهذا نظائر منها حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم وقوله في الصحيحين وقعت على امرأتي وأنا صائم والفقهاء وغيرهم يقولون وإن جامع وهو محرم وإن جامع وهو صائم ولا يكون ذلك فاسدا من الكلام فلا تعطل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المحتمل وأما قوله احتجم وهو محرم صائم فلو ثبت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما ذكرناه ولا دليل فيها أيضا على أن ذلك كان بعد قوله أفطر الحاجم والمحجوم فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح كماجاء في حديث شداد والنبي أحرم بعمرة الحديبية سنة ست وأحرم من العام القابل بعمرة القضية وكلا العمرتين قبل ذلك ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن محرما ثم حج حجة الوداع فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبين في أي إحراماته كان وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح قال فيه أفطر الحاجم والمحجوم ولا سبيل إلى بيان ذلك وأما رواية ابن عباس له وهو ممن صحب النبي بعد الفتح فلا نثير ظنا فضلا عن النسخ

به فإن ابن عباس لم يقل شهدت رسول الله ولا رأيته فعل ذلك وإنما روى ذلك رواية مطلقة ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة والذي فيه سماعه من النبي لا يبلغ عشرين قصة كما قاله غير واحد من الحفاظ فمن أين لكم أن ابن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر كأكثر رواياته وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرة مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي ولا شهدها ونحن نقول إنها حجة لكن لا نثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ما لم يعلم التاريخ وبالجملة فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين أحدهما تعارض المفسر والثاني العلم بتأخر أحدهما وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان فإن لم يحرم في رمضان فإن عمره كلها كانت في ذي القعدة وفتح مكة كان في رمضان ولم يكن محرما فغايتها في صوم تطوع في السفر وقد كان آخر الأمرين من رسول الله الفطر في السفر ولما خرج من المدينة عام الفتح صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر والناس ينظرون إليه ثم لم يحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أم الفضل إليه بقدح فشربه فلعموا أنه لم يكن صائما فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط كما قال الإمام أحمد وغيره وإما قبل الفتح قطعا وعلى التقديرين فلا يعارض بها قوله عام الفتح أفطر الحاجم والمحجوم وعلى هذا فحديث ابن عباس إما يدل على أن الحجامة لا تفطر أو لا يدل فإن لم يدل لم يصلح للنسخ وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شداد فإنه مؤرخ بعام الفتح فهو متأخر عن إحرام النبي صائما وتقريره ما تقدم وهذا القلب في دعوى كونه منسوخا أظهر من ثبوت النسخ به وعياذا بالله من شر مقلد عصبي يرى العلم جهلا والإنصاف ظلما وترجيح الراجح على المرجوح عدوانا وهذا المضايق لا يصيب السالك فيها إلا من صدقت في العلم نيته وعلت همته وأما من أخلد إلى أرض التقليد واستوعر طريق الترجيح فيقال له ما هذا عشك فادرجي قالوا وأما حديث أنس في قصة جعفر فجوابنا عنه من وجوه أحدها أنه من رواية خالد بن مخلد عن ابن المثنى قال الإمام أحمد خالد بن مخلد له مناكير قالوا ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن مع شهرة إسناده وكونه في الظاهر على شرط البخاري ولا احتج به الشافعي مع حاجته إلى إثبات النسخ حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس فلو كان هذا صحيحا لكان أظهر دلالة وأبين في حصول النسخ

قالوا وأيضا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر أو آخر سنة ست وأول سنة سبع وقيل عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح فصام مع النبي رمضانا واحدا سنة سبع وقول النبي أفطر الحاجم والمحجوم بعد ذلك في الفتح سنة ثمان فإن كان حديث أنس محفوظا فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقوله في الفتح أفطر الحاجم والمحجوم أيهما هو المتأخر ولو كان حديث أنس قد ذكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجة ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ قالوا وأيضا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس ما رواه البخاري في صحيحه عن ثابت قال سئل أنس أكنتم تكرهون الجحامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وفي رواية على عهد النبي فهذا يدل على أن أنسا لم تكن عنده رواية عن النبي أنه فطر بها ولا أنه رخص فيها بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف ولو علم أن النبي رخص فيها بعد الفطر بها لم يحتج أن يجيب بهذا من رأيه ولم يكره شيئا رخص فيه رسول الله وأيضا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها وذكر الإمام أحمد وغيره أن أهل البصرة كانوا إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيت الحجامين وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامي البصرة أنهما كانا يفطران بالحجامة مع أن فتاوى أنس نصب أعينهم وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة فيكف يكون عند أنس أن النبي رخص في الحجامة للصائم بعد نهيه عنهما والبصريون يأخذون عنه وهم على خلاف ذلك وعلى القول بالفطر بها لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتا سمعه منه وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخص أصحاب الحسن فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنة المنسوخة ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها ولا تعرف بينهم ولا يتناقلونها بل هم على خلافها هذا محال قالوا وأيضا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس وهو الذي يروي قوله أفطر الحاجم والمحجوم من طريق أبي أسماء عن ثوبان ومن طريق أبي الأشعث عن شداد وعلى حديثه اعتمده أئمة الحديث وصححوه وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب فلو كان عند أنس عن النبي سنة تنسخ ذلك لكان أصحابه أعلم بها وأحرص على روايتها من أحاديث الفطر بها والله أعلم قالوا وأما حديث أبي سعيد فجوابه من وجوه أحدها أنه حديث قد اختلف فيه عليه فرواه أبو المتوكل عنه واختلف عليه فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل ووقفه بشر وإسماعيل وابن أبي عدي عن حميد ووقفه أبو نضرة عن أبي سعيد وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه ووقفه قتادة عن أبي المتوكل فالواقفون له أكثر وأشهر فالحكم لهم عند المحدثين

الثاني أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي قال ابن خزيمة الصحيح ان ذكر الحجامة فيه من كلام أبي سعيد ولكن بعض الرواة أدرجه فيه الثالث أنه ليس فيه بيان للتاريخ ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح وقولكم إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي باطل بنفس الحديث فإن فيه رخص رسول الله في القبلة للصائم ولم يتقدم منه نهي عنها ولاقال أحد إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمنع تقدم وفي الحديث إن الماء من الماء كانت رخصة في أول الإسلام فسمى الحكم المنسوخ رخصة مع أنه لم يتقدم حظره بل المنع منه متأخر وبالجملة فهذه المآخذ لا تعد مقاومة لأحاديث الفطر ولا تأخرت عنها فكيف تنسخ بها قالوا وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمر في غاية البطلان من وجوه أحدها أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس بأن يذكر وصفا يرتب عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة الثاني أن هذا يبطل عامة أحكام الشرع التي رتبها على الأوصاف إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد كقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما واللاتي يأتين الفاحشة ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام الثالث أنه لا يفهم قط أحد لا من الخاصة والعامة من قول القائل القاتل لا يرث والعبد لا يرث والكافر لا يرث والقاذف لا تقبل شهادته والمحدث لا تصح صلاته وأمثال ذلك إلا تعلق الأحكام تلك الأوصاف ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم كما لو قال أفطر الخياط والمخيط له وأفطر الحامل والمحمول له وأفطر الشاهد والمشهود له ومن قال هذا عد كلامه سخفا وتعجب الناس من قوله فكيف يضاف ذلك إلى الشارع سبحانك هذا بهتان عظيم الرابع أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد نبيهم وبمقصود من كلامه وقد قال أبو موسى لرجل قال له ألا تحتجم نهارا أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله يقول أفطر الحاجم والمحجوم والذين فطروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلا منهم عبد الله بن عمرو وابن عباس وأبو موسى وأنس ويحتجون بالحديث

الخامس أن هذا يتضمن تعليق الحكم وهو الفطر بوصف لا ذكر له في الحديث أصلا وإبطال تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع وهذا من أبطل الباطل السادس أنه لوصح ذلك وحاشا لله في قوله أفطر الحاجم والمحجوم فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب وهو قوله لجعفر وقد مر به وهو يحتجم أفطر هذان ثم رخص في الحجامة بعد وفي قوله نهى عن الحجامة ولم يحرمها السابع أنه كيف ينفق بضعة عشر صحابيا على رواية أحاديث كلها متفقة بلفظ واحد ويكون النبي قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر وكلهم يقول أفط الحاجم والمحجوم الثامن أنه كيف يجوز للصحابة أن يفتوا بذلك ويقولوا أفطر الحاجم والمحجوم أفترى استمر التعريف بذلك دائما ودفع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبح جدا التاسع أنا نقول نعم هو للتعريف بلا شك فإن أحكام الشارع إنما تعرف بالأوصاف وتربط بها وتعم الأمة لأجلها فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه وأنه مرتبط بهذا الوصف منوط به العاشر أن صاحب القصة التي جرت له قال مر على النبي وأنا أحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارع لحاجته إليه ولم يخف على الصحابي ذلك ولم يكن لذكره الحجامة معنى وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطر فلا يبينه للمكلف ويذكر له وصفا لا يفطر بحال وأما قولهم إن الفطر بالغيبة فهذا باطل من وجوه أحدها أن ذلك لا يثبت وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث وهما يغتابان الناس مع أنها زيادة باطلة الثاني أنه لو ثبت لكان الأخذ لعموم اللفظ الذي علق به الحكم دون الغيبة التي لم يعلق بها الحكم الثالث أنه لو كان ما ذكروه صحيحا لكان موجب البيان أن يقول افطر المغتابان على عادته وعرفه من ذكر الأوصاف المؤثرة دون غيرها فكيف يعدل عن الغيبة المؤثرة إلى الحجامة المهدرة الرابع أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة تفطر فكيف نحمل الحديث على ما نعتقد بطلانه الخامس أن سياق الأحاديث يبطل هذا التأويل كما تقدم

السادس أن معقل بن سنان قال مر بي رسول الله وأنا احتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم ولم يكن يغتاب أحدا ولا جرى للغيبة ذكر أصلا قالوا وأما الجواب الواقع بأن افطر بمعنى سيفطر ففاسد أيضا لتضمنه الإيهام بخلاف المراد ولفهم الصحابة خلافه ولاضطراد هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه ولشدة مخالفته للوضع ولذكر المحجوم فإنه وإن تعرض المحجوم للفطر بالضعف فأي ضعف لحق الحاجم وكون الحاجم متعرضا لابتلاع الدم والمحجوم متعرضا للضعف هذا التعليل لا يبطل الفطر بالحجامة بل هو مقرر للفطر بها وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر وإلا فالتعليل به باطل قالوا وأما الجواب الخامس أن النبي مر بهما مساء فقال ذلك فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه وأي تأثير للحجامة بل كل الناس قد أفطروا أيضا فهذا كذب فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلا فقائله مخبر بالكذب وأيضا فأي حاجة إلى قول أنس ثم رخص بعد في الحجامة وأيضا فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمر قد فعل مساء لا تأثير له في الفطر والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذا الخيالات وأما جوابكم السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا أنه حكم شرعي فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهما لم يفعلا محرما عندكم ولا مفطرا بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم فكيف يغلظ عليهما ويدعو عليهما ومتى عهد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضا وأما جوابكم السابع بإن المراد إبطال أجر صومهما فكذلك أيضا فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك ولا تحرمون الحجامة ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقررا لفساد الصوم لا لصحته فإنه قد أخبر عن أمر يتضمن بطلان أجرهما لزوما واستنباطا وبطلان صومهما صريحا ونصا فكيف يعطل ما دل عليه صريحه ويعتبر ما استنبطه منه مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح بل المعنيان حق قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قدر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس فجوابه أولا أن الأحاديث بحمد الله ليست متعارضة وقد بينا أنه لا معارض لأحاديث المنع

ويقال ثانيا لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي ويقال ثالثا ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح وإنما غايتها أن تكون فعلا محتملا للوجوه التي تقدمت فكيف تقدم على القول الصريح ويقال رابعا أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق رواها عن النبي أربعة عشر نفسا وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها وهم رافع بن خديج وثوبان وشداد بن أوس وأبو هريرة وعائشة وبلال وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو زيد الأنصاري وأبو موسى الأشعري وابن عباس وابن عمر فكيف يقدم عليها أحاديث هي بين أمرين صحيح لا دلالة فيه أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح وقد تقدم ذكر في الكلام على الأحاديث وبينا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة وعلى هذا فالقياس الذي اشرتم إليه فاسد الاعتبار ثم نقول بل القياس من جانبنا لأن الشارع علق الفطر بإدخال ما فيه قوام البدن من الطعام والشراب وبإخراجه من القيء واستفراغ المني وجعل الحيض مانعا من الصوم لما فيه من خروج الدم المضعف للبدن قالوا فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يعينه وعن إخراج ما يضعفه وكلاهما مقصود له لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات ولا سيما في الصوم ولهذا امر بتعجيل الفطور وتأخير السحور فله قصد في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصد في منعه من إدخال المفطرات وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء فالحجامة كذلك أو أولى وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة فيكف يفطر به دون الحجامة مع أن الفطر بها أولى منه نصا وقياسا واعتبارا قالوا ولهذا فرق بين الغالب منهما والمستدعي فلا يفطر إذا ذرعه القيء كما لا يفطر بالرعاف وخروج الدم من الدمل والجرح وكما يفطر الاستقاء عمدا كذلك يفطر بإخراج الدم عمدا بالحجامة قالوا وشاهده أن دم الحيض لما كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيا عن صومها وقت الدم ولما كان دم الاستحاضة لا ضابط له ولعله أن يستمر جوز لها الصوم مع جريانه كصاحب الرعاف ونحوه فليس القياس إلا مع النصوص يدور معها حيث دارت وأما قياسكم ذلك على الفصاد ونحوه فنقول

القائلون بأن الحجامة تفطر لهم فيها أربعة أقوال أحدها أن المحتجم يفطر وحده دون الحاجم وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه قال في المفطرات لو احتجم ولم يقل أو حجم الثاني وهو منصوص الإمام أحمد أنه يفطر كل منهما وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفصاد على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يفطر بهما الثاني يفطر بهما الثالث يفطر بالتشريط دون الفصاد لأن التشريط عندهم كالحجامة واختلفوا في التشريط والفصاد أيهما أولى بالفطر والصواب الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية واختيار صاحب الإفصاح لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد طبعا وشرعا وكذلك في التشريط وقد بينا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط فبأي وجه أخرج الدم أفطر به كما يفطر بالإستقاء بأي وجه استقاء إما بإدخال يده فيه أو بشمه ما يقيئه أو بوضع يده على بطنه وتطامنه وغير ذلك فالعبرة بخروج الدم عمدا لا بكيفية الإخراج كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به وبهذا يتبين توافق النصوص والقياس وشهادة أصول الشرع وقواعده وتصديق بعضها بعضا فإن قيل فهب أن هذا يتأتى لكم في الهجوم فما الموجب لفطر الحاجم قلنا لما كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه الهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر والحكمة إذا كانت خفية علق الحكم بمظنتها كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها علق الحكم بالمظنة وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح فإن قيل فطرد هذا أن لا يفطر الشارط قلنا نعم ولا الحاجم الذي يشرط ولا يمص أو يمصه مفطر غيره وليس في هذا مخالفة للنص فإن كلام النبي خرج على الحاجم المعتاد وهو الذي يمص الدم وكلامه إنما يعم المعتاد فاستعمال اللفظ فيه بقصره على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلا للنص والله أعلم 7

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد اختلف في إسناده ووصله وإرساله واختلف في متنه فرواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس وقال القيء والرعاف والاحتلام ذكره ابن عدي ورواه الدارقطني من حديث هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد وذكر فيه الاحتجام بدل الرعاف ورواه الترمذي من حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فقال الحجامة والقيء والاحتلام قال الترمذي حديث أبي سعيد غير محفوظ وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبدالعزيز بن محمد وغيره واحد هذا الحديث عن زيد ابن أسلم مرسلا لم يذكروا فيه عن أبي سعيد وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث

سمعت ابا داود السجزى يقول سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم فقال أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به قال وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله قال عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة وعبدالرحمن بن زيد ضعيف قال محمد ولا أروي عنه شيئا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث له علة ولعلته علة أما علته فوقفه على أبي هريرة وقفه عطاء وغيره وأما علة

هذه العلة فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة إنه قال إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج قال ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث له علة ولعلته علة أما علته فوقفه على أبي هريرة وقفه عطاء وغيره وأما علة هذه العلة فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة إنه قال إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج قال ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البيهقي من حديث فضالة بن عبيد قال أصبح رسول الله ﷺ صائما فقاء فأفطر فسئل عن ذلك فقال بأني قئت وروى ايضا عن ابن عمر موقوفا عليه من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء قاله وعن أبي هريرة مثله وروي مرفوعا والحفاظ لا يرونه محفوظا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أم سلمة وحفصة إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم وفي صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم فقال رسول الله ﷺ سل هذه لأم سلمة فأخبرته إن رسول الله ﷺ ليصنع ذلك فقال يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله ﷺ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبدالحق لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد ابن أوس ولا يحتج بهما وقد قال ابن الأعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الحديث ليس بصحيح قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال ابن حزم فيه أبو العنبس عن الأغر وأبو العنبس هذا مجهول قال عبدالحق ولم أجد

أحدا ذكره ولا سماه وروى البيهقي عن عائشة أن النبي ﷺ رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب وقال الشيخ يملك إربه والشاب تفسد صومه وأرخص فيها ابن عباس للشيخ وكرهها للشاب وسأل فتى عبد الله بن عمر عن القبلة وهو صائم فقال لا فقال شيخ عنده لم يحرج الناس ويضيق عليهم والله ما بذلك بأس فقال ابن عمر أما أنت فقبل فليس عند استك خير وروى إباحة القبلة عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأما ما روى عن ابن مسعود أنه كان يقول في القبلة قولا شديدا يعني يصوم مكانه فقال البيهقي هذا محمول على ما إذا أنزل وهذا التفسير من بعض الرواة لا من ابن مسعود والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في هذه المسألة فذهب بعضهم إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبا واحتجوا بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصوم واختلفت الرواية عن أبي هريرة فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه وعنه رواية ثانية أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير

وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضا لم يصح وإن كان نفلا صح وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري وعن أبي هريرة رواية ثالثة أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقا في الفرض والنفل وقالوا حديث أبي هريرة منسوخ واستشكلت طائفة ثبوت النسخ وقالت شرط النسخ أن يعلم تأخره بنقل أو بأن تجمع الأمة

على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ وكلا الأمرين منتف ههنا فمن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدم على خبر عائشة والجواب عن هذا أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ إبطال الصوم بذلك لأن أزواجه أعلم بهذا الحكم وقد أخبرن بعد وفاته ﷺ أنه كان يصبح جنبا ويصوم ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ ومحال أن يخفى هذا عليهن فإنه كان يقسم بينهن إلى أن مات في الصوم والفطر هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع وإنما فيه كان أبو هريرة يقول في قصصه حسب وفي الحديث أن أبا هريرة لما حوقق على ذلك رده إلى الفضل بن عباس فقال سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي ﷺ هذا الذي في مسلم وفي لفظ حدثني الفضل بن عباس قال البخاري وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة كان النبي ﷺ يأمر بالفطر والأول أسند ولكن رفعه صحيح رواه سفيان عن عمرو بن يحيى بن جعدة قال سمعت عبد الله بن عبدالقاري قال سمعت أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلته من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم محمد ﷺ قاله ومع هذا فقد روى النسائي من حديث أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام قال كنت مع عبدالرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح فلا يصم ذلك اليوم قال اذهب فسل أزواج النبي ﷺ عن ذلك فذهب وذهبت معه فذكر الحديث وقال فأتيت مروان فأخبرته قولهما يعني أم سلمة وعائشة فاشتد عليه اختلافهم تخوفا أن يكون أبو هريرة يحدث عن النبي ﷺ فقال مروان لعبدالرحمن عزمت عليك لما أتيته فحدثته أعن رسول الله ﷺ تروي هذا قال لا إنما حدثني فلان وفلان ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي ﷺ وقال مرة أخبرنيه الفضل بن عباس ومرة قال أخبرنيه أسامة بن زيد وفي رواية عنه أخبرنيه فلان وفلان وفي رواية أخبرني رجل وفي رواية أخبرنيه مخبر وفي رواية هكذا كنت أحسب

ثم ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم حديث هلكت وأهلكت ثم استبعد المنذري هذه اللفظة ثم قال قال البيهقي قوله وأهلكت ليس بمحفوظ وضعفها شيخنا أبو عبد الله الحافظ وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني قال فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها والعباس بن الوليد رواه عن عقبة بن علقمة دونها ودحيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها ولم يذكرها أحد من أصحاب

الزهري عن الزهري إلا ما روى عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال وكان أبو عبد الله أيضا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها قال الشيخ شمس الدين وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن الزهرى عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ثم ذكر الحديث وحسبك بهذا الإسناد وفيه أمران أحدهما وجوب الكفارة بأي مفطر كان والثاني أنها على التخيير وهو مذهب مالك في المسألتين قال البيهقي ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء نافلة

للفظ صاحب الشرع فهي أولى بالقبول لزيادة حفظهم وأدائهم الحديث على وجهه واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع وأن النبي ﷺ أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب وقال أبو الحسن الدارقطنى الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير مالك في الموطأ ويحيى بن سعيد الأنصارى وابن جريج وعبد الله بن أبي بكرة وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي ونذير بن عياض وشبل بن عباد والليث بن سعد من رواية أشهب بن عبد العزيز عنه وعبيد الله ابن أبي زياد إلا أنه أرسل عن الزهري كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وجعلوا كفارته على التخيير قال وخالفهم أكثر عددا منهم فرووه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجل كان لجماع وأن النبي ﷺ أمره أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا منهم عراك بن مالك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ومعمر ويونس وعقيل وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر والأوزاعي وسعيد بن أبي حمزة ومنصور بن المعتمر وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد والليث بن سعد وعبد الله بن عيسى ومحمد بن إسحاق والنعمان بن راشد وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة وعبد الجبار بن عمر وإسحاق بن يحيى العوصي وعمار بن عقيل وثابت بن ثوبان ومرة بن عبدالرحمن وزمعة بن صالح وبحر بن كنيز أبو الوليد السقاء والوليد بن محمد وشعيب بن خالد ونوح بن أبي مريم وغيرهم آخر كلامه

ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه أحدها أن رواتها أكثر وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقا وفي الشهادة بخلاف معروف الثاني أن رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر الفطر وأنه الجماع وحكوا لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ولا حكوا أن ذلك لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من لفظ صاحب القصة ولا حكوه أيضا لفظ الرسول الله ﷺ في الكفارة فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الترتيب ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله وقعت على أهلي في رمضان الثالث أن هذا صريح وقوله أفطر مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع فتعين الأخذ به الرابع أن حرف أو وإن كان ظاهرا في التخيير فليس بنص فيه وقوله هل تستطيع كذا هل تستطيع كذا صريح في الترتيب فإنه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع وقوله فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم لم يحك فيه لفظه الخامس أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر لأنه يفسره ويبين المراد منه والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ولا ريب أن العمل بالنصين أولى

السادس أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار وحكم النظير حكم نظيره ولا ريب إن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ قال عبدالحق وطريق حديث مسلم أصح وأشهر وليس فيها صم يوما ولا تكميله التمر ولا الاستغفار وإنما يصح حديث القضاء مرسلا وكذلك ذكره مالك في الموطأ وهو من مراسيل سعيد بن المسيب رواه مالك عن عطاء ابن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقصة وقال كله وصم يوما مكان ما أصبت والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري فإن أصحابه الأثبات الثقات كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبدالرحمن بن خالد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما وقال الدارقطنى رواتها ثقات رواه ابن أبي أويس عن الزهري وتابعه عبدالجبار بن عمر عنه وتابعه أيضا هشام بن سعد عنه قال وكلهم ثقات وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة فإن هؤلاء إنما هم أربعة وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددا وهم أربعون نفسا لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ولا ريب أن التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق وخالفهم هذا العدد الكثير لوجب التوقف فيها وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبة بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ وهما غير منتفيين في هذه اللفظة وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله يجب عليه القضاء وللشافعي قول آخر أنه لا يجب عليه القضاء إذا كفر وله قول

ثالث أنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى وهذا قول الأوزاعي قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الدارقطنى ليس في رواته مجروح وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يعرف بجرح ولا عدالة

ويقال في هذا ثلاثة أقوال أبو المطوس وابن المطوس والمطوس تفرد بهذا الحديث قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الروايات

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه وعند البخاري فأكل وشرب وروى الدارقطنى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق الله ساقه الله إليه ولا قضاء عليه هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات وفي طريق أخرى لا قضاء عليه ولا كفارة قال وهذا صحيح أيضا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال المنذري واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر فقال جماعة من الصحابة والتابعين يقضي ويطعم كل يوم مسكينا قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والثورى والأوزاعي والإمام

أحمد والشافعي ومالك وإسحاق وقال جماعة يقضي ولا فدية عليه وهذا يروى عن الحسن وإبراهم النخعي وهو مذهب أبي حنيفة وقالت طائفة منهم قتادة يطعم ولا يقضي ووقع في الصحيحين في هذا الحديث الشغل برسول الله ﷺ أو من رسول الله ﷺ ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام يحيى بن سعيد قد بين ذلك البخاري في صحيحه قال وقال يحيى الشغل من النبي أو بالنبي ﷺ وفي لفظ قال يحيى فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ وفي الصحيحين عن عائشة أيضا قالت إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعن ابن عباس قال إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء وإن نذر قضى عنه وليه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري نحوه وفي الصحيحن عنه أيضا أن أمرأة جاءت فقالت يارسول الله إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين وذكر الحديث بنحوه وفي صحيح مسلم عن بريدة قال كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يارسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي عنها قالت يارسول الله إنها لم تحج أفأحج عنها قال حجي عنها وقال البيهقي فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت وقال الشافعي في القديم قد ورد في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه وقال في الجديد فإن قيل فهل روي أن رسول الله ﷺ أمر أحدا أن يصوم عن أحد قيل نعم روي عن ابن عباس فإن قيل لم لا تأخذ به قيل حديث الزهري

عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ نذر نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظا وأراد الشافعي ماروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال إن أمي ماتت وعليها نذر فقال النبي ﷺ اقضه عنها وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك وغيره عن الزهري إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أمرأة سألت وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة سألت ورواه عكرمة عن ابن عباس ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي ﷺ فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال نصا غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقا كيف وقد روى عن عائشة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح النص على جواز الصوم عن الميت قال وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس لما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال لا يصوم أحد

عن أحد ويطعم عنه وما روى عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر وضعف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها الصوم قالت يطعم عنها وفي رواية عنها لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم قال وليس فيما ذكروا ما يوجد للحديث ضعفا فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر والأحاديث المرفوعة أصح إسنادا وأشهر رجالا وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله وممن رأى جواز الصيام عن الميت طاووس والحسن البصرى والزهرى وقتادة آخر كلام البيهقي وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه على ثلاثة أقوال أحدها لا يقضى عنه بحال لا في النذر ولا في الواجب الأصلي وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه الثاني أنه يصام عنه فيهما وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي الثالث أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه وقول أبي عبيد والليث بن سعد وهو المنصوص عن ابن عباس روى الأثرم عنه أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان قال أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام وهذا أعدل الأقوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال وتعليل حديث ابن عباس أنه قال لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلى وأما النذر فيصام عنه كما صرح به ابن عباس ولا معارضة بين فتواه وروايته وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر فرق بينهما فأفتى بالإطعام في رمضان وبالصوم عنه في النذر فأي شيء في هذا مما يوجب تعليل حديثه وما روى عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم أنه يطعم عنها إنما هو في الفرض لا في النذر لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام فالمنقول عنها

كالمنقول عن ابن عباس سواء فلا تعارض بين رأيها وروايتها وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب وموافقة فتاوي الصحابة لها وهو مقتضى الدليل والقياس لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين في حديث ابن عباس والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر والدين تدخله النيابة وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام فلا يدخله النيابة بحال كما لا يدخل الصلاة والشهادتين فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره كما لا يسلم عنه غيره ولا يصلي عنه غيره وهكذا من ترك الحج عمدا مع القدرة عليه حتى مات أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرىء ذمته ولا يقبل منه والحق أحق أن يتبع وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء فهو أخف حكما مما جعله الشارع حقا له عليه شاء أم أبى والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه بخلاف واجبات الشرع فإنها على قدر طاقة البدن لا تجب على عاجز فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات واسعة وطريق أداء واجبها كثيرة على نفسه لم يوجنها علية الشارع والذمة أوسع من طريق أداء واجب الشرع فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علما وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول الله ﷺ واحتجوا أيضا بحديث دحية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطر فأفطر معه الناس وكره ذلك آخرون فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت أمرا ما كنت أظن

أني أراه إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا ثم قال عند ذلك اللهم اقبضني إليك رواه أبو داود وغيره واحتجوا أيضا بأن النبي ﷺ أمر بقبول رخصة الفطر فروى النسائي من حديث جابر يرفعه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها واحتجوا أيضا بقوله ﷺ في الذين صاموا أولئك العصاة رواه النسائي في قصة فطره عام الفتح واحتجوا أيضا بقول عبدالرحمن بن عوف الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه النسائي ولا يصح رفعه وإنما هو موقوف

واحتجوا أيضا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي أمر به فلا يجوز غيره وحكى ذلك عن غير واحد من الصحابة وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في السفر على الإطلاق وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي ﷺ بعد الفتح في السفر قالوا وأما قوله ليس من البر الصيام في السفر فهذا خرج على شخص معين رآه رسول الله ﷺ قد ظلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول أي ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ وقد فسح الله له في الفطر فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر وأيضا فقوله ليس من البر أي ليس هو أبر البر لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه وقد يكون الفطر في السفر المباح برا لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر فلم ينحصر البر في الصيام في السفر وتكون من على هذا زائدة ويكون كقوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم الآية وكقولك ما جاءني من أحد وفي هذا نظر وأحسن منه أن يقال إنها ليست بزائدة بل هي على حالها والمعنى أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه فإنهم ظنوا أن الصوم هو

الذي يحبه الله ولا يحب سواه وأنه وحده البر الذي لا أبر منه فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر قالوا وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فالمراد به واقعة معينة وهي غزاة الفتح فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فكان فطره آخر أمريه لا أنه حرم الصوم ونظير هذا قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مستة النار إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه ثم توضأ وقام إلى الصلاة ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ فكان اخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار وجابر هو الذي روى هذا وهذا فاختصره بعض الرواة واقتصر منه على اخره ولم يذكر جابر لفظا عن النبي ﷺ إن هذا آخر الأمرين مني وكذلك قصة الصيام وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنة النبي ﷺ وظنا أنه لا يسوع الفطر ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكرا وهو عاص بصومه والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يجزيهم هم هؤلاء فإنهم صاموا صوما لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم فأمرهم الصحابة بالقضاء هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة وعليه يحمل قول من قال منهم الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وهذا من كمال فقههم ودقة نظرهم رضي الله عنهم قالوا وأما قول النبي ﷺ عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر فعن جابر أن رسول الله ﷺ مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء قال ما بال صاحبكم هذا قالوا يارسول الله صائم قال إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها رواه النسائي قالوا وأما قول النبي ﷺ أولئك العصاة فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال خرج رسول الله ﷺ إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض

فبلغه أن ناسا صاموا فقال أولئك العصاة فالنبي ﷺ إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال أولئك العصاة ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقا على المسافر والدليل عليه ما روى النسائي أيضا عن أبى هريرة قال أتى النبي ﷺ بمر الظهران فقال لأبي بكر وعمر ادنيا فكلا فقالا إنا صائمان فقال أرحلوا لصاحبكم اعملوا لصاحبكم وأعله بالإرسال ومر الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم فإن كراع الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا قالوا وأما احتجاجكم بالآية وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعا فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أن المراد بها غير ماذكرتم فإما أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك فما الذي أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تفسيرها وتبيين المراد منها وبالله التوفيق وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره فأقول لهم كثرة الطواف أفضل منهافيذكرون قوله ﷺ عمرة في رمضان تعدل حجة فقلت لهم في أثناء ذلك محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلا لا قبل الفتح ولا بعده ولا أحد من أصحابه مع أنهم كانوا أحرص الأمة على الخير وأعلمهم بمراد الرسول وأقدرهم على العمل به ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر ثم لا يأتي منها بحجة واحدة وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر هذا ما لا يظنه من له مسكة عقل وإنما خرج كلام النبي ﷺ على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه وهي التي أنشأوا السفر لها من أوطانهم وبها أمر أم معقل وقال لها عمرة في رمضان تعدل حجة ولم يقل لأهل مكة اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار فإن عمرة في رمضان تعدل حجة ولا فهم هذا أحد منهم وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر فذهب عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحاق وأحمد إلى أن الفطر أفضل وذهب أنس وعثمان بن أبى العاص إلى أن الصومم أفضل وهو قول الشافعي وأبى حنيفة مالك وذهب عمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وذهبت طائفة إلى أنهما سواء لا يرجح أحدهما على الآخر وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر وأنه لا يجزي وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الترمذي عن محمد بن كعب قال أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة فقال سنة ثم ركب قال الترمذي هذا حديث حسن وفيه حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يوم سافر في أثنائه وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وحكاه عن أنس وهو قول داود وابن المنذر وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا يفطر وهو قول الزهري والأوزاعي ومكحول وفي المسألة قول شاذ جدا لا يلتفت إليه وهو إنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرا وهذا قول عبيدة السلماني وأبى مجلز وسويد بن غفلة وقد صح أن رسول الله ﷺ خرج إلى الفتح في رمضان فصام وأفطر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال المجوزون للفطر في مطلق السفر هب أن حديث دحية لم يثبت فقد أطلقه الله تعالى ولم يقيده بحد كما أطلقه في آية التيمم فلا يجوز حده إلا بنص من الشارع أو إجماع من الأمة وكلاهما مما لا سبيل إليه كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ولا تأثير للنسك في القصر بحال فإن الشارع إنما علل القصر بالسفر فهو الوصف المؤثر فيه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سمي مسيرة البريد سفرا في قوله لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدا إلا مع ذي محرم وقال تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير وقال ﷺ إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقبها وهذا يعم كل سفر ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد ونهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ونهى أن يسافر الرجل وحده وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة وكان نيتعوذ من وعثاء السفر وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ومعلوم أن شيئا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل ولا أنه لو سافر دون اليومين لم يقرع بين نسائه ولم يقض للمقيمات فما الذي أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما

قالوا وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير واختصاص أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل ولم يبين النبي ﷺ مقداره وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعا قالوا والذين حددوه مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم ليس معهم نص بذلك وليس حد بأولى من حد ولا إجماع في المسألة فلا وجه للتحديد وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرجا في الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال

سألت جابرا أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة قال نعم وروى البخاري في صحيحه عن جويرية بنت الحرث أن النبي ﷺ دخل عليهايوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبى هريرة عن النبي ﷺ يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وعند النسائي عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة محمد ﷺ ورب البيت نهى عنه وروى النسائي أيضا عن محمد بن سيرين عن أبى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ ياأبا الدرداء لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث منهم أبو هريرة وسلمان وقال به أحمد والشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره وفي الموطأ قال مالك لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهي عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه قال الداودي لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه وقد روى النسائي عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة وإسناده صحيح ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي إذ ليس فيه أنه كان يفرده بالصوم والنهي إنما هو عن الإفراد فمتى وصلهن بغيره زال النهي

قال الحافظ شمس الدين القيم رحمه الله حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ورواه النسائي عن عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة عن النبي ﷺ فهذه ثلاثة أوجه وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديما وحديثا فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به فقال أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي ﷺ لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم قال أبو عبد الله يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به وقد كان سمعه من ثور قال فسمعته من أبي عاصم قال الأثرم حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر منها حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صياما لها فقالت السبت والأحد ومنها حديث جويرية أن النبي ﷺ قال لها يوم الجمعة أصمت أمس قالت لا قال أتريدين أن

تصومي غدا فالغد هو يوم السبت وحديث أبى هريرة نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة إلا مقرونا بيوم قبله أو يوم بعده فاليوم الذي بعده هو يوم السبت وقال من صام رمضان وأتبعه بست من شوال وقد يكون فيها السبت وأمر بصيام الأيام البيض وقد يكون فيها السبت ومثل هذا كثير فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث وأنه رخص في صومه حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة وذكر أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه وأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت يعني ان يقال يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره وحديث النهي على صومه وحده وعلى هذا تتفق النصوص وهذه طريقة جيدة لولا أن قوله في الحديث لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم

دليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها كقوله في يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ وقد قال أبو داود قال مالك هذا كذب وذكر بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول هذا حديث حمصي وعن الأوزاعي قال ما زلت كاتما له حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا وقالت طائفة منهم أبو داود هذا حديث منسوخ وقالت طائفة وهم أكثر أصحاب أحمد محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه قالوا وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل فإنه سئل في رواية الأثرم عنه فأجاب بالحديث وقاعدة مذهبه أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معا قالوا وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث قالوا وإسناده صحيح ورواته غير مجروحين ولا متهمين وذلك يوجب العمل به وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه لأنها تدل على صومه مضافا فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة ونظير هذا الحكم أيضا كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولا بما قبله أو بعده ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبى هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره قالوا وقد جاء هذا مصرحا به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث ابن

لهيعة حدثنا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت وهو يتغدى فقال تعالي تغدي فقالت إني صائمة فقال لها أصمت أمس قالت لا قال كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك وهذا وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا إنفرد لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث وعلى هذا فيكون معنى قوله ﷺ لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يكره ولا تزول الكراهه إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك قالوا وأما قولكم إن الاستثناء دليل التناول إلى آخره فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي فصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم فكلا الصورتين مخرج أما الفرض فبالمخرج المتصل وأما صومه مضافا فبالمخرج المنفصل فبقيت صورة الإفراد واللفظ متناول لها ولا مخرج لها من عمومه فيتعين حمله عليها ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فعللها ابن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة منتفية في الأحد ولا يقال فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد غير للنصارى كما قال النبي ﷺ اليوم لنا وغدا لليهود وبعد للنصارى ومع ذلك فلا يكره صومه وأيضا فإذا كان يوم عيد فقد يقال مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى ابن عباس قال أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياما فقالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد

للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم وصححه بعض الحفاظ فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدا لهم وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس قال الترمذي حديث حسن وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم وعلله طائفة بأنهم يتركون العمل فيه والصوم مظنة ذلك فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها الاضطراب والاختلاف وتبين تصديق بعضها بعضا فإن قيل فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين قيل قد كرهه كثير من العلماء وأكثر أصحاب أحمد على الكراهة قال أحمد في رواية ابنه عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس والحسن أنهما كرها صوم يوم النيروز والمهرجان قال عبد الله قال أبي الرجل أبان بن أبي عياش فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين اليومين دل ذلك على أنه اختاره وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه في مثل ذلك وقيل لا يكون هذا اختيارا له ولا ينسب إليه القول الذي حكاه وأكثر الأصحاب على الكراهة وعللوا ذلك بأنهما يومان يعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت قال صاحب المغني وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم قال شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه وقد يقال يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد لأنه إذا قصد صوم مثل هذا الأيام العجمية أو الجاهلية كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها وإظهار حالها بخلاف السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي توفيقا بين الآثار والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال عبدالحق ولعل مالكا إنما جعله كذبا من أجل رواية ثور بن يزيد الكلاعي فإنه كان يرمي بالقدر ولكنه كان ثقة فيما يروي قاله يحيى وغيره وروى عنه الجلة مثل يحيى بن سعيد القطان وابن المبارك والثوري وغيرهم وقيل في هذا الحديث عن عبد الله بن بسر عن عمته الصماء وهو أصح واسمها بهية وقيل بهيمة آخر كلامه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهو نص في أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ولو كان سرد الصيام مشروعا أو

مستحبا لكان أكثر عملا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحا وقد تأول قوم هذا على أن المعنى لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق وهذا تأويل باطل من وجوه أحدها أن سياق الحديث يرده فإنه إنما كان عن المطيق فإنه قال فإني أطيق أفضل من ذلك فسبب الحديث في المطيق فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل ولو أن رجلا سأل من يفضل السرد وقال إني أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم لقال له السرد أفضل الثاني أنه أخبر عنه بثلاث جمل إحداها أنه أعدل الصيام والثانية أنه صوم داود والثالثة أنه لا أفضل منه وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل الثالث أن في بعض ألفاظ مسلم فيه فإني أقوى قال فلم يزل يرفعني حتى قال صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام وأنه صوم داود مع إخباره له بقوته ولم يقل له فإن قويت فالسرد أفضل

الرابع أن هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد لا صام ولا أفطر ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم ولو قدر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله لا صام ولا أفطر بل كان يجيب عنه بصريح النهي والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه لا الممنوع منه ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة وعن المنع منها بقوله لا صام من صام الأبد ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود بل هي بعيدة منه جدا الخامس أنه ﷺ أخبر أن أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود وأخبر بهما معا ثم فسره بقوله كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما رواه البخاري ومسلم وهذا صريح في أنه إنما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تجم بها نفسه ويستعين بها على القيام بالحقوق وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد رواه شعبة عن أبي بشر عن حميد بن عبدالرحمن عن النبي ﷺ مرسلا فاختلف فيه شعبة وأبو عوانة فقال أبو عوانة عن أبي بشر حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة وقال شعبة عن أبي بشر عن حميد عن النبي ﷺ ورجح الدارقطنى إرساله

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد اختلف فيه فأورده مسلم في صحيحه وضعفه غيره وقال هو من رواية سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد قال النسائي في سننه سعد بن سعيد ضعيف كذلك قال أحمد بن حنبل يحيى بن سعيد الثقة المأمون أحد الأئمة وعبد ربه بن سعيد لا بأس به وسعد بن سعيد ثالثهم ضعيف وذكر عبد الله بن الزبير الحميدي هذا الحديث في مسنده وقال الصحيح موقوفا وقد روى الإخوة الثلاثة هذا الحديث عن عمر بن ثابت فمسلم أورده من رواية سعد بن سعيد ورواه النسائي من حديثه مرفوعا ومن حديث عبد ربه بن سعيد موقوفا ورواه أيضا من حديث يحيى بن سعيد مرفوعا وقد رواه أيضا ثوبان عن النبي قال صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذاك صيام سنة رواه النسائي وفي لفظ له أيضا أنه سمع رسول الله يقول جعل الله الحسنة بعشرة فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة قال الترمذي وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وثوبان وقد أعل حديث أبي أيوب من جهة طرقه كلها أما رواية مسلم فعن سعد بن سعيد وأما رواية أخيه عبد ربه فقال النسائي فيه عتبة ليس بالقوي يعني روايه عن عبدالملك بن أبي بكر عن يحيى وأما حديث عبد ربه فإنما رواه موقوفا وهذه العلل وإن منعته أن يكون في أعلى درجات الصحيح فإنها لاتوجب وهنه وقد تابع سعدا ويحيى وعبد ربه عن عمر بن ثابت عثمان بن عمرو الخزاعي عن عمر لكن قال عن عمر عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب ورواه أيضا صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت ذكره ابن حبان في صحيحه وابو داود والنسائي فهؤلاء خمسة يحيى وسعيد وعبد ربه بنو سعيد وصفوان بن سليم وعثمان بن عمرو الخزاعي كلهم رووه عن عمرو فالحديث صحيح وأما حديث ثوبان فقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة ورواه ابن ماجه ولفظه من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأما حديث جابر فرواه أحمد في مسنده عن أبي عبدالرحمن المقري عن سعيد ابن أبي أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر عن النبي وعمرو بن جابر ضعيف ولكن قال أبو حاتم

الرازي هو صالح له نحو عشرين حديثا وقال أبو نعيم الأصبهاني روى عن عمرو بن دينار ومجاهد عن جابر مثله وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو نعيم من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورواه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي قال أبو نعيم ورواه عمرو بن دينار عن عبدالرحمن بن أبي هريرة عن أبيه ورواه إسماعيل بن رافع عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذه الطرق تصلح للاعتبار والاعتضاد وقد احتج أصحاب السنن الأربعة بليث وقد روى حديث شداد بن أوس قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي وذكر حديثا رواه سويد بن عبدالعزيز عن يحيى بن الحارث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي اسماء عن ثوبان مرفوعا من صام رمضان وأتبعه بست من شوال قال أبي هذا وهم من سويد قد سمع يحيى بن الحرث هذا الحديث من أبي اسماء إنما أراد سويد ما حدثنا صفوان بن صالح أخبرنا مروان الطاطري عن يحيى بن حمزة عن يحيى بن الحرث عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس عن النبي قال من صام رمضان الحديث وهذا إسناد ثقات كلهم ثم قال ابن أبي حاتم بعد ذلك سئل أبي عن حديث رواه مروان الطاطري عن يحيى بن حمزه وذكر هذا الحديث حديث شداد بن أوس قال سمعت أبي يقول الناس يروون عن يحيى بن الحرث عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي قلت لأبي أيهما الصحيح قال جميعا صحيح وقال الدارقطني حدثنا إبراهيم بن محمد الرقي أخبرنا أبو همام أخبرنا يحيى بن حمزة عن إسحاق بن عبد الله قال حدثني سعد بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي أنه قال من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله ويحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق وأبو همام الوليد بن شجاع السكونى أخرج له مسلم وهذا غريب لعله اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعدي بن ثابت وتأكد الوهم فجعله عن البراء بن عازب لكثرة رواية عدي بن ثابت عنه وقد اختلف أهل العلم في القول بموجب هذه الأحاديث فدهب أكثرهم إلى القول باستحباب صومها منهم الشافعي وأحمد وابن المبارك وغيرهم وكرهها آخرون منهم مالك وقال مطرف كان مالك يصومها في خاصة نفسه قال وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه

وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث باعتراضات نذكرها ونذكر الجواب عنها إن شاء الله تعالى الاعتراض الأول تضعيفها قالوا وأشهرها حديث أبي أيوب ومداره على سعد بن سعيد وهو ضعيف جدا تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث وقد ضعفه أحمد وقال الترمذي تكلموا فيه من قبل حفظه وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد وجواب هذا الاعتراض أن الحديث قد صححه مسلم وغيره وأما قولكم يدور على سعد بن سعيد فليس كذلك بل قد رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد اخو سعد المذكور وعبد ربه بن سعيد وعثمان بن عمر الخزاعي أما حديث صفوان فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وأما حديث يحيى بن سعيد فرواه النسائي عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد متفق عليهما عن عتبة بن أبي حكيم وثقة الرازيان وابن معين وابن حبان عن عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام وعبدالملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وإسماعيل بن إبراهيم الصائغ ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن عمر به فإن قيل فقد رواه حفص بن غياث وهو اثبت ممن ذكرت عن يحيى بن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت فدل على أن يحيى بن سعيد لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن أخيه عنه ورواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء فقد اختلف فيه قيل رواية عبد الملك ومن معه عن يحيي بن سعيد أرجح من رواية حفص بن غياث لأنهم أتقن وأكثر وأبعد عن الغلط ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه فرواه كذلك ثم سمعه من عمر ولهذا نظائر كثيرة وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر فإن كان يحيى إنما سمعه من أخيه سعد فقذ اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له بعضهم عن بعض وأما حديث عبد ربه بن سعيد فذكره البيهقي وكذلك حديث عثمان بن عمرو الخزاعي وبالجملة فلم ينفرد به سعد سلمنا انفراده لكنه ثقة صدوق روى له مسلم وروى عنه شعبة وسفيان الثوري وابن عيينة وابن جريج وسليمان بن بلال وهؤلاء أئمة هذا الشأن وقال أحمد كان شعبة أمة وحدة في هذا الشأن قال عبد الله يعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته

للرجال وقال محمد بن سعد شعبة أول من فتش عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار علما يقتدى به وتبعه عليه بعده أهل العراق وأما ما ذكرتم من تضعيف أحمد والترمذي والنسائي فصحيح وأما ما نقلتم عن ابن حبان فإنما قاله في سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وليس في كتابه غيره وأما سعد بن سعيد الأنصارى المدني فإنما ذكره في كتاب الثقات وقد قال أبو حاتم الرازي عن ابن معين سعد بن سعيد صالح وقال محمد بن سعد ثقة قليل الحديث وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول كان سعد بن سعيد مؤديا يعني أنه كان يحفظ ويؤدي ما سمع وقال ابن عدي له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة ولا أرى بحديثه بأسا مقدار ما يرويه ومثل هذا إنما ينفي ما ينفرد به أو يخالف به الثقات فأما إذا لم ينفرد وروى ما رواه الناس فلا يطرح حديثه سلمنا ضعفه لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فيه بقرائن ومتابعات ولشواهد دلته على ذلك وإن كان قد عرف خطؤه في غيره فكون الرجل يخطىء في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطىء فيه وهكذا حكم كثير من الأحاديث التي خرجاها وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا وههنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أن الحديث الذي روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله ولم يخرجاه فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند فإن قيل فلم لا أخرجه البخاري قيل هذا لا يلزم لأنه رحمه الله لم يستوعب الصحيح وليس سعد بن سعيد من شرطه على أنه قد استشهد به في صحيحه فقال في كتاب الزكاة وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن ابن عباس عن أبيه عن النبي صلى الله أحد جبل يحبنا ونحبه الاعتراض الثاني أن هذا الحديث قد اختلف في سنده على عمر بن ثابت فرواه أبو عبدالرحمن المقري عن سعيد عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب موقوفا ذكره النسائي وأخرجه أيضا من حديث عثمان بن عمرو بن ساج عن عمر بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب وهذا يدل على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة حيث لم يذكر محمد بن المنكدر بين عمر بن ثابت وأبي أيوب وقد رواه إسماعيل بن عياش عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب فدل على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبي أيوب أصلا ورواه أبو داود الطيالسي عن ورقاء بن عمر اليشكري عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب وهذا الاختلاف يوجب ضعفه

والجواب أن هذا لا يسقط الاحتجاج به أما رواية عبد ربه بن سعيد له موقوفا فإما أن يقال الرفع زيادة وإما أن يقال هو مخالفة وعلى التقديرين فالترجيح حاصل بالكثرة والحفظ فإن صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد وهما إمامان جليلان وسعد بن سعيد وهو ثقة محتج به في الصحيح اتفقوا على رفعه وهم أكثر وأحفظ على أن المقبرى لم يتفق عنه على وقفه بل قد رواه أحمد بن يوسف السلمي شيخ مسلم وعقيل بن يحيى جميعا عنه عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعا وذكره ابن منده وهو إسناد صحيح موافق لرواية الجماعة ومقو لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد وأيضا فقد رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن ورقاء عن سعد بن سعيد مرفوعا كرواية الجماعة وغندر أصح الناس حديثا في شعبة حتى قال علي بن المديني هو أحب إلي من عبدالرحمن بن مهدي في شعبة فمن يكون مقدما على عبدالرحمن بن مهدي في حديث شعبة يكون قوله أولى من المقبري وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج فقال أبو القاسم بن عساكر في أطرافه عقب روايتها هذا خطأ والصواب عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب من غير ذكر محمد بن المنكدر وقد قال أبو حاتم الرازي عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يكتب حديثهما ولا يحتج به وقال النسائي رأيت عنده كتبا في غير هذا فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبي حميد فلا أدري أكان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة فإن كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد فإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين ومحمد بن حميد متفق على ضعفه ونكارة حديثه وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن حميد والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه والله أعلم وأما رواية أبي داود الطيالسي فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني عنه قال ابن حبان كان يغرب وخالفه يونس بن حبيب فرواه عن أبي داود عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت موافقة لرواية الجماعة فإن قيل فالحديث بعد هذا كله مداره على عمر بن ثابت الأنصاري لم يروه عن أبي أيوب غيره فهو شاذ فلا يحتج به قيل ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة كحديث الأعمال بالنيات تفرد علقمة بن وقاص به وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه وتفرد

يحيى بن سعيد به عن التيمي وقال يونس بن عبدالأعلى قال لي الشافعي ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس وأيضا فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت لرواية ثوبان وغيره له عن النبي وقد ترجم ابن حبان على ذلك في صحيحه فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحرث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ورواه ابن ماجه ولكن لهذا الحديث علة وهي أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحرث به والوليد مدلس وقد عنعنه فلعله وصله مرة ودلسه أخرى وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن سابور وكلاهما عن يحيى بن الحرث الذماري به ورواه أحمد في المسند عن أبي اليمامة عن إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحرث به وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازي وإسماعيل إذا روى عن الشاميين فحديثه صحيح وهذا إسناد شامي الاعتراض الثالث أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم قال مالك في الموطأ ولم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عن أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك تم كلامه قال الحافظ أبو محمد المنذري والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى الفرض ثم قام يتنفل فقام إليه عمر وقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله أصاب الله بك ياابن الخطاب قالوا فمقصود عمر أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض كما قد شاع عند كثير من العامة أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد فإذا تركوا قراءة الم تنزيل قرأوا غيرها من سور السجدات بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به صوم غيره فكيف بما يضاف إليه بعده فيقال الكلام هنا في مقامين أحدهما في صوم ستة من شوال من حيث الجملة والثاني في وصلها به أما الأول فقولكم أن الحديث غير معمول به فباطل وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم قال ابن عبدالبر لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه خشية أن يضاف إلى فرض رمضان وأن يسبق ذلك إلى العامة وكان متحفظا كثير الاحتياط للدين وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله لأن الصوم جنة وفضله معلوم يدع طعامه وشرابه لله وهو عمل بر وخير وقد قال تعالى وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ومالك لا يجهل شيئا من هذا

ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك وخشي أن يعد من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان وما أظن مالكا جهل الحديث لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت وقيل إنه روى عنه ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ولو علمه لقال به هذا كلامه وقال القاضي عياض أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال في الموطأ أن يعتقد من يصومه أنه فرض وأما على الوجه الذي أراده النبي فجائز وأما المقام الثاني فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة وحمى الفرض أن يخلط به ما ليس منه ويصومها في وسط الشهر أو آخره وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب وهو من قواعد الإسلام فإن قيل الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور وهذا جواب أبي حامد الاسفرايني وغيره قيل فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة لأنه لما كان واجبا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة والله أعلم فصل فإن قيل لم قال ست والأيام مذكرة فالأصل أن يقال ستة كما قال الله تعالى سبع ليال وثمانية أيام وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك أم لا وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها أم لا وكيف شبه من فعل ذلك بصيام الدهر فيكون العمل اليسير مشبها بالعمل الكثير ومن جنسه ومعلوم أن من عمل عملا وعمل الآخر بقدره مرتين لا يستويان فكيف يكون بقدره عشر مرات وهل فرق بين قوله فكأنما صام الدهر وبين أن يقال فكأنه قد صام الدهر وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر لأجل هذا التشبيه أم لا فالجواب أما قوله ست ولم يقل ستة فالعرب إذا عدت الليالي والأيام فإنها تغلب الليالي إذا لم تضف العدد إلى الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا قال الزمخشري ولو قيل وعشرة لكان لحنا

وقال تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا فهذه أيام بدليل قوله تعالى بعدها إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام وأما قوله تعالى سبع ليال وثمانية أيام فلا تغليب هناك لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه وأما السؤال الثاني وهو اختصاص شوال ففيه طريقان أحدهما أن المراد به الرفق بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون أسهل عليه ففي ذكر شوال تنبيه على أن صومها في غيره أفضل هذا الذي حكاه القرافي من المالكية وهو غريب عجيب الطريق الثاني أن المقصود به المبادرة بالعمل وانتهاز الفرصة خشية الفوات قال تعالى فاستبقوا الخيرات وقال وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم قالوا ولا يلزم أن يعطى هذا الفضل لمن صامها في غيره لفوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة لله قالوا وظاهر الحديث مع هذا القول ومن ساعده الظاهر فقوله أولى ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال وإلا لم يكن لذكره فائدة وقال آخرون لما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة وعلى هذا تظهر فائدة اختصاصها بشوال والله أعلم فهذه ثلاث مآخذ وسوى هذا جواب السؤال الثالث وهو اختصاصها بهذا العدد دون ماهو أقل وأكثر فقد أشار في الحديث إلى حكمته فقال في حديث أبي هريرة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فثلاثين بثلاثمائة وستة بستين وقد صام السنة وكذلك في حديث ثوبان ولفظه من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها لفظ ابن ماجه وأخرجه صاحب المختارة ولفظ النسائي فيه صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة يعني صيام رمضان وستة أيام بعده فهذه هي الحكمة في كونها ستة

وأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام فإنها إذا جمعت أجزاؤها قام منها عدد السنة فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس ويكمل بها بخلاف الأربعة والاثني عشر وغيرهما فهذا لا يحسن ولا يليق أن يذكر في أحكام الله ورسوله وينبغي أن يصان الدين عن التعليل بأمثاله وأما السؤال الرابع وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر مع كونه بقدره عشر مرات فقد أشكل هذا على كثير من الناس وقيل في جوابه أن من صام رمضان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة قالوا لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة وأحسن من هذا أن يقال العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله واعتبار الزيادة والفضل وهو المضاعفة إلى العشر فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه وبين العمل الذي يستحق به مثله ونظير هذا قوله من صلى عشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة أما السؤال الخامس وهو الفرق بين أن يقول فكأنما قد صام الدهر وبين قوله فكأنما صام الدهر هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام ولو قال فكأنه قد صام الدهر لكان بعيدا عن المقصود فإنه حينئذ يكون تشبيها للصائم بالصائم فمحل التشبيه هو الصوم لا الصائم ويجيء الفاعل لزوما ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه ويكون مجيء الصوم لزوما وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه وكثرة ثوابه فتتوفر رغبته فيه وأما السؤال السادس وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك قالوا ولو كان صوم الدهر مكروها لما وقع التشبيه به بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام وهذا الاستدلال فاسد جدا من وجوه أحدها أن في الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة بعشر أمثالها فستة وثلاثون يوما بسنة كاملة ومعلوم قطعا أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق في السنة وصومها حرام فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به فضلا عن استحبابه فضلا عن أن يكون أفضل من غيره ونظير هذا قول النبي لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال لا تستطيعه هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر قال لا قال فذلك مثل المجاهد ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع

فإن قيل يحمل قوله فكأنما صام الدهر على ما عدا الأيام المنهي عن صومها قيل تعليله حكمة هذه المقابلة وذكره الحسنة بعشر أمثالها وتوزيع الستة والثلاثين يوما على أيام السنة يبطل هذا الحمل الثاني أن النبي سئل عمن صام الدهر فقال لا صام ولا أفطر وفي لفظ لا صام من صام الأبد فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام الثالث أن النبي ثبت عنه في الصحيحين أنه قال أفضل الصيام صيام داود وفي لفظ لا أفضل من صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم مع أنه أكثر عملا وهذا يدل على أنه مكروه لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه فإن العبارة لا تكون مستوية الطرفين ولا يمكن أن يقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص له بالإبطال فتعين أن يكون مرجوحا وهذا بين لكل منصف ولله الحمد قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره ثلاث معان

أحدها أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهرا فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض الثاني أنه فعل ذلك تعظيما لرمضانوهذا الصوم يشبه سنة فرض الصلاة قبلها تعظيما لحقها الثالث أنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب ﷺ أن يرفع عمله وهو صائم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأخرج النسائي من حديث المسيب بن رافع عن سواد الخزاعي عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال سئل رسول الله ﷺ عن صيام

الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه وفيه من رواية شعبة وسئل عن صوم الاثنين والخميس قال مسلم فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن حفصة قالت أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ صيام

عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة وفي مسند أحمد أيضا عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد ورد في النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة آثار منها ما رواه النسائي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمير قال كان عمر ينهي عن صوم يوم عرفة بعرفة ومنها ما رواه أيضا عن أبي السوار قال سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاني والمراد بذلك بعرفة بدليل ما روى نافع قال سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال لم يصمه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وعن عطاء قال دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس يوم عرفة إلى الطعام فقال إني

صائم فقال عبد الله لا تصم فإن رسول الله ﷺ قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه فلا تصم فإن الناس يستنوون بكم رواهما النسائي ثم قال وقد أخرجا في الصحيحين من حديث كريب عن ميمونة بنت الحرث أنها قالت إن الناس شكوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه يعني ميمونة بحلاب لبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون فقيل يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت وأم الفضل أرسلت كل منهما بقدح ويحتمل أن يكونا مجتمعين فإنها أختها فاتفقنا على الإرسال بقدح واحد فينسب إلى هذه وإلى هذه فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه أفطر بعرفة وصح عنه أن صيامه يكفر سنتين فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه ولأهل عرفة فطره لاختياره ﷺ ذلك لنفسه وعمل خلفائه بعده بالفطر وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة فلا يستحب لهم صيامه وبعض الناس يختار الصوم وبعضهم يختار الفطر وبعضهم يفرق بين من يضعفه ومن لا يضعفه وهو اختيار قتادة والصيام اختيار ابن الزبير وعائشة وقال عطاء أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف وكان بعض السلف لا يأمر به ولا ينهي عنه ويقول من شاء صام ومن شاء أفطر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والصحيح أن المراد صوم التاسع مع العاشر لا نقل اليوم لما روى أحمد في مسنده من حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي ﷺ قال خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده وقال عطاء عن ابن عباس صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ذكره البيهقي وهو يبين أن قول ابن عباس إذا رأيت هلال المحرم فاعدد فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما أنه ليس المراد به أن عاشوراء هو التاسع بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء فإن قيل ففي آخر الحديث قيل كذلك كان يصومه محمد ﷺ قال نعم فدل على أن المراد به نقل الصوم لا صوم يوم قبله

قيل قد صرح ابن عباس بأن النبي ﷺ قاللئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر وابن عباس راوي الحديثين معا فقوله هكذا كان يصومه محمد أراد به والله أعلم قوله لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي قال ابن عباس هكذا كان يصومه وصدق رضي الله عنه هكذا كان يصومه لو بقي فتوافقت الروايات عن ابن عباس وعلم أن المخالفة المشار إليها بترك إفراده بل يصام يوم قبله أو يوم بعده ويدل عليه أن في رواية الإمام أحمد قال رسول الله ﷺ لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع يعني لصوم عاشوراء وخالفوا اليهود فصوموا قبله يوما وبعده يوما فذكر هذا عقب قوله لأصومن التاسع يبين مراده وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال عبد الحق ولا يصح هذا الحديث في القضاء قال ولفظة اقضوه تفرد بها أبو داود ولم يذكرها النسائي قال واختلف الناس في يوم عاشوراء هل كان صومه واجبا أو تطوعا فقالت طائفة كان واجبا وهذا قول أبي حنيفة وروى عن أحمد وقال أصحاب الشافعي لم يكن واجبا وإنما كان تطوعا واختاره القاضي أبو يعلى وقال هو قياس المذهب واحتج هؤلاء بثلاث حجج إحداها ما أخرجاه في الصحيحين عن حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة يعني في قدمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء فقال أين علماؤكم ياأهل المدينة سمعت رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر

الحجة الثانية ما في الصحيحين أيضا عن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله ﷺ رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم قالوا فهذا أمر بإنشاء الصيام أثناء النهار وهذا لا يجوز إلا في التطوع وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنية قبل الفجر الحجة الثالثة أن النبي ﷺ لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء واحتج الأولون بحجج إحداها ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة قالت كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله ﷺ يصومه فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض شهر رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان تركه قالوا ومعلوم أن الذي ترك هو وجوب صومه لا استحبابه فإن النبي ﷺ كان يرغب فيه ويخبر أن صيامه كفارة سنة وقد أخبر ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصومه إلى حين وفاته وأنه عزم قبل وفاته بعام على صيام التاسع فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى فعلم أن المتروك هو وجوبه الحجة الثانية أن في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر من كان أكل بأن يمسك بقية يومه وهذا صريح في الوجوب فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر الحجة الثالثة ما في الصحيحين أيضا عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية فذكرت الحديث إلى أن قالت فلما فرض رمضان كان هو الفريضة الحديث وهذا اللفظ من سياق البيهقي فقولها كان هو الفريضة دل على أن عاشوراء كان واجبا وأن رمضان صار هو الفرض لا عاشوراء وإلا لم يكن لقولها كان هو الفريضة معنى قال الموجبون وأما حديث معاوية فمعناه ليس مكتوبا عليكم الآن أو لم يكتبه بعد نزول رمضان أو إنما نفى الكتب وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة ولا يلزم من نفى كتبه وفرضه نفى كونه واجبا فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب وهذا جار على أصل من يفرق بين الفرض والواجب وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يقال فرض إلا لما ثبت بالقرآن وأما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبا قالوا وأما تصحيحه بنية من النهار فالجواب عنه من وجهين أحدهما أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار

قالوا وهو عمدتنا في المسألة فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءا على بطلان هذا القول فإنه دور ممتنع ومصادر باطلة وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة قال منازعوهم إذا قلتم إنه كان واجبا ثبت نسخه اتفاقا وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه والحكم إذا نسخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه لأنها فرع الثبوت على الأصل فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده قال الحنفية الحديث دل على شيئين أحدهما إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار والثاني تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء فنسخ تعيين الواجب برمضان وبقي الحكم الآخر لا معارض له فلا يصح دعوى نسخه إذ الناسخ إنما هو تعيين الصوم وإبداله بغيره لا إجزاؤه بنية من النهار الجواب الثاني أن ذلك الصوم إنما صح بينة من النهار لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار حين أمر النبي ﷺ المنادي أن ينادي بالأمر بصومه فحينئذ تحدد الوجوب فقارنت النية وقت وجوبه وقيل هذا لم يكن واجبا فلم تكن نية التبييت واجبة قالوا وهذا نظير الكافر يسلم في أثناء النهار أو الصبي يبلغ فإنه يمسك من حين يثبت الوجوب في ذمته ولا قضاء عليه كما قاله مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه ونظيره أيضا إذا أثبتنا الصوم تطوعا بنية من النهار ثم نذر إتمامه فإنه يجزئه بنيته عند مقارنة الوجوب قالوا ولا يرد علينا ما إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيت الصوم لأن الوجوب هنا كان ثابتا وإنما خفي على بعض الناس وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء فإنه حينئذ ابتداء وجوبه فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب والشروع في الإمساك عقبه وبين خفاء ما تقدم وجوبه ثم تجدد سبب العلم بوجوبه فإن صح هذا الفرق وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين وعدم وجوب القضاء والله أعلم وذكر الشافعي هذه الأحاديث في كتاب مختلف الحديث ثم قال وليس من هذه الإحاديث شيء مختلف عندنا والله أعلم إلا شيئا ذكر في حديث عائشة وهو مما وصفت من الأحاديث التي يأتي بها المحدث ببعض دون بعض فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة كان رسول الله ﷺ يصوم عاشوراء ويأمرنا بصيامه لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضا فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ صامه في الجاهلية وأمر بصيامه فلما نزل رمضان كان الفريضة وترك عاشوراء قال الشافعي لا يحتمل قول عائشة ترك عاشوراء معنى يصح إلا ترك إيجاب صومه إذا علمنا أن كتاب

الله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه وأبان لهم ذلك رسول الله ﷺ أو ترك استحباب صومه وهو أولى الأمور عندنا لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله ﷺ إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس ولعل عائشة إن كانت ذهبت إليه أنه كان واجبا ثم نسخ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي ﷺ لما صامه وأمر بصومه كان صومه فرضا ثم نسخه ترك أمره من شاء أن يدع صومه ولا أحسبها ذهبت إلى هذا ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول لأن الأول هو الموافق للقرآن أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي ﷺ على مثل معنى القرآن بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان وكذلك قول ابن عباس ماعلمت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء كأنه يذهب بتحرى فضله إلى التطوع بصومه آخر كلامه قالوا وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء فجوابها من وجهين أحدهما أنا قد ذكرنا حديث أبي داود أنهم أمروا بالقضاء وقد اختلف في هذا الحديث فإن كان ثابتا فهو دليل على الوجوب وإن لم يكن ثابتا فإنما لم يؤمروا بالقضاء لعدم تقدم الوجوب إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره فاكتفى منهم بإمساك ما بقي كالصبي يبلغ والكافر يسلم والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ ياأبا ذر إذا صمت من الشهر فصم ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة يرفعه ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله وروى النسائي عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وروى أيضا عن أبي هريرة قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه فأمسك فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي فقال له النبي ﷺ ما منعك أن تأكل قال إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال إن كنت صائما فصم الغد

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روي صيامها على صفة أخرى فعن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر

السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن وقد روي فيه صفة أخرى فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين من أول الشهر ثم الخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه رواه النسائي وقد جاء على صفة أخرى فعن هنيدة الخزاعي عن أم سلمة قالت كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام أول خميس والاثنين والاثنين رواه النسائي قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال النسائي الصواب عندنا موقوف ولم يصح رفعه ومدار رفعه على ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر فأما حديث عبد الله بن أبي بكر فمن رواية يحيى بن أيوب عنه قال النسائي ويحيى بن أيوب ليس بالقوي وحديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ وقال البيهقي عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات آخر كلامه وقد روي من حديث عمرة عن عائشة واختلف عليها في وقفه ورفعه فرواه الدارقطني عنها مرفوعا عن النبي ﷺ من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له قال الدارقطني تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل يعني ابن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وغيره يرويه موقوفا على عائشة قاله عبدالحق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله زاد النسائي فأكل وقال ولكن أصوم يوما مكانه ثم قال هذا خطأ قال عبد الحق قد روى الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم ولكن أصوم يوما مكانه وهذه الزيادة هي من رواية سفيان بن عيينة عن طلحة ولفظ النسائي فيه عن مجاهد عن عائشة قالت دخل علي رسول الله ﷺ يوما فقال هل عندكم شيء فقلت لا فقال فإني صائم ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قالت يارسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم فأكل منه ثم قال إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها وفي لفظ النسائي ياعائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في غير قضاء رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما بقي فأمسكه وفي لفظ له عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين

قالت جاء رسول الله ﷺ يوما فقال هل عندكم من طعام قلت لا قال إني إذن أصوم قالت ثم دخل مرة أخرى فقلت قد أهدي لنا حيس فقال إذن أفطر وقد فرضت الصوم وفيه حجة على المسألتين جواز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار وجواز الخروج منه بعد الدخول فيه وأما زيادة النسائي تمثيله بالصدقة يخرجها الرجل فهذا اللفظ قد رواه مسلم في صحيحه من قول مجاهد قال طلحة بن يحيى فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى النسائي حديث الأمر بالقضاء من حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ وتابعه الفرج بن فضالة عن يحيى قال الدارقطني وهم فيه جرير وفرج وخالفهما حماد بن زيد وعباد بن العوام ويحيى بن أيوب فرووه عن يحيى بن سعيد عن الزهري مرسلا وقد رواه النسائي أيضا من حديث جعفر بن برقان أخبرنا الزهري عن عروة عن عائشة به وقال اقضيا يوما لغد ومن حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة به وفيه فأمرهما رسول الله ﷺ أن يصوما يوما مكانه وذكر النسائي أنه أيضا من رواية إسماعيل بن عقبة وصالح بن كيسان فقد برىء زميل من عهدة التفرد به وتابعهم أيضا يحيى بن سعيد عن ابن شهاب فهؤلاء سفيان وجعفر بن برقان وصالح بن كيسان وإسماعيل بن عقبة ويحيى بن سعيد على اختلاف عنه عن ابن شهاب الزهري وصلا وإرسالا كلهم يذكر الأمر بالقضاء زيادة على رواية زميل وجرير بن حازم

وفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة فالذي يغلب على الظن أن اللفظة محفوظة في الحديث وتعليلها بما ذكر قد تبين ضعفه ولكن قد يقال الأمر بالقضاء أمر ندب لا أمر إيجاب وبالله التوفيق قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال غير المنذري ويدل على أن الحديث وهم لا أصل له أن في حديث الإفك المتفق على صحته قالت عائشة وإن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كتف أنثى قط قال ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله شهيدا وفي هذا نظر فلعله تزوج بعد ذلك والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي في سننه عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين وفي رواية ليلة وهذا أولى من الاحتمال المذكور وقال بعضهم يحتمل أن يكون هذان العشران المذكوران في حديث أبى داود هي العشر الذي كان يعتكفه والعشر الذي تركه من أجل أزواجه ثم إعتكف من شوال عشرين ليلة وهذا فاسد فإن الحديث حديث أبي بن كعب وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج من لا يرى الصوم شرطا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في اعتكافه وهذا لا يدل فإن الحديث رواه البخاري وقال حتى اعتكف عشرا من شوال لم يذكر غيره وفي صحيح مسلم اعتكف في العشر الأول من شوال وهذا لا يقتضي دخول يوم العيد فيه كما يصح أن يقال صام في العشر الأول من شوال وفي لفظ له حتى اعتكف في آخر العشر من شوال وعدم الدلالة في هذا ظاهرة وقولها إعتكف العشر الأول من شوال ليس بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه بل الظاهر أنه لم يدخله في اعتكافه لاشتغاله فيه بالخروج إلى المصلى وصلاة العيد وخطبته ورجوعه إلى منزله لفطره وفي ذلك ذهاب بعض اليوم فلا يقوم بقية اليوم مقام جميعه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قلت عبدالرحمن هذا قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني ضعيف يرمى بالقدر وأيضا فإن الحديث مختصر وسياقه يدل على أنه ليس مجزوما برفعه وقال الليث حدثني عقيل عن الزهري عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها ولا يعود مريضا ولا يمس امرأته ولا يباشرها ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع والسنة فيمن اعتكف أن يصوم قال الدارقطني قوله والسنة في المعتكف إلى آخره ليس من قول النبي ﷺ وإنما هو من

قول الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم ولهذا والله أعلم ذكر صاحب الصحيح أوله وأعرض عن هذه الزيادة وقد رواه سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة يرفعه لا اعتكاف إلا بصيام وسويد قال فيه أحمد متروك وقال ابن معين ليس بشيء وقال النسائي وغيره ضعيف وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف قال الشيخ شمس الدين اختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف فأوجبه أكثر أهل العلم منهم عائشة أم المؤمنين وابن عباس وابن عمر وهو قول مالك وأبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه أن الصوم فيه مستحب غير واجب قال ابن المنذر وهو مروي عن علي وابن مسعود واحتج هؤلاء بما في الصحيحين عن عمر أنه سأل النبي ﷺ فقال إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي ﷺ أوف بنذرك قالوا والليل ليس بمحل للصيام وقد جوز الاعتكاف فيه واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابى سهيل عن طاووس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه وقال صحيح الإسناد واحتجوا أيضا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن

يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخباء فضرب وإنه أراد مرة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية فقال آلبر تردن فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوال ويوم العيد داخل في جملة العشر وليس محلا للصوم واحتجوا أيضا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها فلم يكن الصوم شرطا فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط وبأنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى فلم يكن الصوم شرطا فيه كالرباط وبأنه قربة بنفسه فلا يشترط فيه الصوم كالحج قال الموجبون الكلام معكم في مقامين أحدهما ذكر ضعف أدلتكم والثاني ذكر الأدلة على اشتراط الصوم فأما المقام الأول فنقول لا دلالة في شيء مما ذكرتم أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتفق على صحته لكن اختلف في لفظه كثيرا فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدورقي عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فقالوا ليلة وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن بلال عن عبيد الله وهكذا رواه إسحق بن راهويه عن حفص بن غياث عن عبيد الله ورواه أبو بكر بن أبي شيية عن حفص بن غياث فأبهم النذر فقال إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام فقال أوف بنذرك وكذلك رواه أبو أسامة عن عبيد الله مبهما ورواه شعبة عن عبيد الله بن عمر فقال إني نذرت أن أعتكف يوما وكذلك اختلف فيه على أيوب السختياني فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال لم يعتمر منها وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل رسول الله ﷺ فأمره أن يفي به فدخل المسجد تلك الليلة فلما أصبح إذا السبي يسعون يقولون أعتقنا رسول الله ﷺ متفق عليه وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب وخالفهما معمر وجرير فقالا يوما وكلاهما في الصحيحين بهذين اللفظين قال النفاة يجوز أن يكون عمر سأل النبي ﷺ عن اعتكاف ليلة وحدها فأمره به وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم فأمره به قال الموجبون هذا مما لا يشك عالم في بطلانه فإن القصة واحدة وعمر سأل النبي ﷺ عام الفتح سؤالا واحدا وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده وهي احتمال التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع كالقطع ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارا في أسفار والقطع ببطلان التعدد في نكاح الواهبة نفسها بلفظ الإنكاح مرة والتزويج مرة والإملاك مرة والقطع ببطلان الإسراء مرارا كل مرة يفرض عليه فيها

خمسون صلاة ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه حتى تصير خمسا فيقول تعالى لا يبدل القول لدي هي خمس وهي خمسون في الأجر ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين فهذا مما يجزم ببطلانه ونظائره كثيرة كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين كان الله ولا شيء قبله و كان ولا شيء غيره و كان ولا شيء معه إنه يجوز أن تكون وقائع متعددة وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول فإن سياقه أنه أناخ راحلته بباب المسجد ثم تفلتت فذهب يطلبها ورسول الله ﷺ في هذا الحديث فقال بعد ذلك وأيم الله وددت لو أني قعدت وتركتها فيا سبحان الله أفي كل مرة يتفق له هذا وبالجملة فهذه طريقة من لا تحقيق له وإذا كان عمر إنما سأل النبي ﷺ مرة واحدة فإن كان يوما فلا دلالة فيه وإن كان ليلة فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالا فاشيا في اللغة لا ينكر كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي ﷺ فقال أوف بنذرك وسعيد بن بشير هذا وإن كان قد ضعفه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي فقد قال فيه شعبة كان صدوق اللسان وقال سفيان بن عيينة كان حافظا وقال دحيم هو ثقة وقال كان مشيختنا يوثقونه وقال البخاري يتكلمون في حفظه وهو يحتمل وقال عبدالرحمن بن أبى حاتم سمعت أبى ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال محله الصدق وقال ابن عدي الغالب على حديثه الاستقامة وقد روى عبد الله بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن عمر هذا الحديث وفيه فأمره النبي ﷺ أن يعتكف ويصوم ولكن تفرد به ابن بديل وضعفه الدارقطني وقال ابن عدي له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده وقال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن بديل ضعيف الحديث فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به وحديث سعيد بن بشير أجود منه وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم فله علتان إحداهما أنه من رواية عبد الله بن محمد الرملي وليس بالحافظ حتى يقبل منه تفرده بمثل هذا العلة الثانية أن الحميدي وعمرو بن زرارة روباه عن الدراوردي عن أبى سهيل عن طاووس عن ابن عباس موقوفا عليه وهذا هو الصواب وهو الثابت عن ابن عباس وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي ﷺ العشر الأول من شوال فهذا قد اختلف فيه لفظ الصحيح وفيه ثلاثة ألفاظ أحدها عشرا من شوال والثاني في العشر الأول من شوال والثالث العشر الأول ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو كان الثابت هو

قوله العشر الأول من شوال لأنه يصح أن يقال اعتكف العشر الأول وإن كان قد أخل بيوم منه كما يقال قام ليالي العشر الأخير وإن كان قد أخل بالقيام في جزء من الليل ويقال قام ليلة القدر وإن أخل بقيامه في بعضها وأما الأقيسة التي ذكرتموها فمعارضة بأمثالها أو بما هو من جنسها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها وأما المقام الثاني وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور أحدها أنه لم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا بغير صوم ولو كان هذا معروفا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه ﷺ العشر الأول من شوال الثاني حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب وقولها السنة كذا وكذا ولا اعتكاف إلا بصوم قال النفاة الجواب عن هذا من وجوه أحدها أن رواية عبدالرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني يرمي بالقدر الثاني أن هذا الكلام من قول الزهري لا من قول عائشة كما ذكره أبو داود وغيره قال الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده فالسنة في المعتكف إلى اخره ليس من قول النبي ﷺ وإنما هو من قول الزهري ومن أدركه في الحديث فقد وهم الثالث أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف فإن قوله السنة إنما يفيد الاستحباب وقوله لا اعتكاف إلا بصوم نفي للكمال قال الموجبون الجواب عما ذكرتم أما تضعيف عبدالرحمن بن إسحاق فقد روى له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وغيره وأما قولكم إنه من قول الزهري ومن أدرجه فقد وهم فجوابه من وجهين أحدهما أنا لو تركنا هذا لكان ما ذكرتم فادحا ولكن قد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت من اعتكف فعليه الصوم فهذا يقوي حديث الزهري الثاني أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري فهو يدل على أن السنة المعروفة التي استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم فهل عارض هذه السنة سنة غيرها حتى تقابل به

وأما قولكم إن هذا إنما يدل على الاستحباب فليس المراد بالسنة هاهنا مجرد الاستحباب وإنما المراد طريقة الاعتكاف وسنة رسول الله ﷺ المستمرة فيه وقوله ولا اعتكاف إلا بصوم يبين ذلك وقولكم إنه لنفي الكمال صحيح ولكن لنفي كمال الواجب أو المستحب الأول مسلم والثاني ممنوع والحمل عليه بعيد جدا إذا لا يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات وإلا صح النفي عن كل عبادة ترك بعض مستحباتها ولا يصح ذلك لغة ولا عرفا ولا شرعا ولا يعهد في الشريعة نفي العبادة إلا بترك واجب فيها وقال الدارقطني يقال إن قوله والسنة على المعتكف إلى آخره من كلام الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم فيه قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الدارقطني هذا الحديث في سننه عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي ﷺ عن ذلك بعد إسلامه فقال أوف بنذرك قال هذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير وروى الدارقطني ايضا عن عائشة ترفعه لا اعتكاف إلا بصيام وقال تفرد به سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد رواه ابن حبان في صحيحه وروى الوليد بن مسلم عن عقبة بن عثمان أنه سمع سليم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به فعمد به إلى الشام وإني أولت ذلك أن الفتن إذا وقعت أن الإيمان بالشام رواه أحمد في مسنده وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال

رسول الله ﷺ إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتى منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة رواه الترمذي وقال قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث وهذا حديث حسن صحيح وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله أين تأمرني قال ههنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا حسن أخبرنا ابن لهيعة أخبرنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة عن زيد بن ثابت قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال طوبى للشام طوبى للشام طوبى للشام قلت ما بال الشام قال الملائكة باسطو أجنحتها على الشام ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق السيلحيني أخبرنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ورواه ابن وهب أخبرني عمرو عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة حدثه أنه سمع زيد بن ثابت فذكره قال أبو عبد الله المقدسي وهذا الإسناد عندي على شرط مسلم وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا فقالها مرارا فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا يارسول الله وفي عراقنا قال بها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان وفي مسند الإمام أحمد من حديث محمد بن عبيد عن الأعمش عن عبد الله بن ضرار الأسدى عن أبيه عن عبد الله قال قسم الله الخير فجعله عشرة فجعل تسعة أعشاره في الشام وبقيته في سائر الأرض وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الوليد بن عبدالرحمن عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل أنه أخبرهم أنه أتى النبي ﷺ فقال إني سئمت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها قلت لا قتال قال فقال له النبي ﷺ الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ألا إن عقد دار المؤمنين الشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ورواه النسائي وفي المسند والترمذي من حديث أبي قلابة عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ ستخرج نار من حضرموت أو بحضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس قلنا يارسول الله فما تأمرنا قال عليكم بالشام قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر وفي المسند والترمذي والنسائي من

حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله أين تأمرني قال ههنا ونحا بيده نحو الشام قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ومن حديث المخلص أخبرنا يحيى بن صاعد أخبرنا محمد بن إسماعيل السلمي أخبرنا أبو أيوب سليمان بن عبدالرحمن أخبرنا بشر بن عون القرشى أبو عون أنبأنا بكار بن تميم عن مكحول عن واثله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وهما يستشيرانه في المنزل فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام ثم سألاه فأومأ إلى الشام ثم قال عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله يسكنها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق بيمنه ويستقي من غدره فإن الله عزوجل تكفل له بالشام وأهله ورواه الطبراني في المعجم عن سليمان به وذكر الطبراني من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن أيوب بن ميسرة بن حبيش عن أبيه عن خريم بن فاتك الأسدي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتون إلا غما وهما رواه الإمام أحمد في مسنده موقوفا وكذلك أبو يعلى الموصلي وقال أحمد في مسنده حدثنا عبدالصمد أنبأنا حماد عن الجريري عن أبي المشاء وهو لقيط بن المشاء عن أبي أمامة قال لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق وقال

رسول الله ﷺ عليكم بالشام كذا رواه أحمد أوله موقوفا وآخره مرفوعا وروى الطبراني في معجمه من حديث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرين الله كثيرا قال قلت يارسول الله ومن الغازين في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة ولكن هو من حديث دراج وقد ضعف وقال الإمام أحمد الشأن في دراج ولكن روى الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء قال قال النبي ﷺ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله وقد رواه مالك في الموطأ موقوفا على أبي الدرداء قوله قال الترمذي ورواه بعضهم فأرسله والتحقيق في ذلك أن المراتب ثلاثة المرتبة الأولى ذكر وجهاد وهي أعلى المراتب قال تعالى ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله لعلكم تفلحون المرتبة الثانية ذكر بلا جهاد فهذه دون الأولى

المرتبة الثالثة جهاد بلا ذكر فهي دونهما والذاكر أفضل من هذا وإنما وضع الجهاد لأجل ذكر الله فالمقصود من الجهاد أن يذكر الله ويعبد وحده فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خلقوا لها وتبويب أبي داود إنما هو على المرتبة الأولى والحديث إنما يدل على أن الذكر أفضل من الإنفاق في سبيل الله فهو كحديث أبي الدرداء وقد يحتمل الحديث أن يكون معناه أن الذكر والصلاة في سبيل الله تضاعف على النفقة في سبيل الله فيكون الظرف متعلقا بالجميع والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فروى مسروق قال سألنا عبد الله عن هذه الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربكم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا فقالوا أي شيء نشتهي ونحن في الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا

والظاهر والله أعلم أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله ﷺ وحذفه لظهور العلم به وأن الوهم لا يذهب إلى سواه وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول قال رسول الله ﷺ وكان إذا سماه أرعد وتغير لونه وكان كثيرا ما يقول ألفاظ الحديث موقوفة وإذا رفع منها شيئا تحرى فيه وقال أو شبه هذا أو قريبا من هذا فكأنه والله أعلم جرى على عادته في هذا الحديث وخاف أن لا يؤديه بلفظه فلم يذكر رسول الله ﷺ والصحابة إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسول الله ﷺ

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله أخرجه الحاكم في المستدرك وليس مما يستدرك على الشيخين فإن فيه دراجا أبا السمح وهو ضعيف

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والصواب أنه فعل ذلك عقوبة لها لئلا تعود مثل قولها وتلعن مالا يستحق اللعن والعقوبة في المال لمصلحة مشروعة بالاتفاق ولكن اختلفوا هل نسخت بعد مشروعيتها أو لم يأت على نسخها حجة وقد حكى أبو عبد الله بن حامد عن بعض أصحاب أحمد أنه من لعن شيئا من متاعه زال ملكه عنه والله تعالى أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأما وقوف النبي ﷺ على راحلته في حجة الوداع وخطبته عليها فذاك غير ما نهى عنه فإن هذا عارض لمصلحة عامة في وقت ما لا يكون دائما ولا يلحق الدابة منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا لمصلحة بل يستوطنها ويتخذها مقعدا يناجي عليها الرجل ولا ينزل إلى الأرض فإن ذلك يتكرر ويطول بخلاف خطبته ﷺ على راحلته ليسمع الناس ويعلمهم أمور الإسلام وأحكام النسك فإن هذا لا يتكرر ولا يطول ومصلحته عامة

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال أبو داود ورواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم قال أبو داود وهذا أصح عندنا وهذا الحديث معروف بسفيان بن حسين عن الزهري وهو ثقة لكن جمهور أئمة الحديث والحفاظ يضعفونه في الزهري ولا يرونه في حجة وقد تابعه مثله عن الزهري وهو سعيد بن بشير هو ضعيف أيضا وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل له سألت أبي عن حديث سفيان بن حسين فقال خطأ لم يعمل سفيان شيئا لا يشبه أن يكون عن النبي ﷺ وأحسن أحواله أن يكون قول سعيد فقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قوله وفي تاريخ ابن أبي خيثمة قال سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان هذا فخط على أبي هريرة وقال الدارقطني في كتاب العلل يرويه سعيد بن بشير واختلف عنه فرواه عبيد بن شريك عن هشام بن عمار عن الوليد عنه عن قتادة عن سعيد عن أبي هريرة ووهم في قوله قتادة فغيره يرويه عن هشام فيقول عن الزهري بدل قتادة وكذلك رواه محمود بن خالد وغيره عن الوليد وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري وهو المحفوظ قيل له فإن الحسين بن السميذع رواه عن موسى بن أيوب عن الوليد عن سعيد بن عبدالعزيز عن الزهري فقال غلط بل هو ابن بشير وقال ابن معين حديث سفيان في الزهري ليس بذاك إنما سمع منه بالموسم وقال ابن حبان لا يحتج به عن الزهري وهو مثل ابن إسحاق

وسليمان بن كثير فلا تقدم رواية سفيان بن حسين على رواية الأئمة الأثبات من أصحاب الزهري وهم أعلم بحديثه وقد روى أبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وجعل بينها سبقا وجعل بينها محللا وقال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ولكن أنكر عليه إدخاله هذا الحديث في صحيحه من رواية عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر وهو ضعيف لا يحتج به ضعفه غير واحد من الأئمة وذكره هو في كتابه الضعفاء وقد ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في كتابه مما أنكر على عاصم بن عمر وضعفه عبدالحق وغيره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد أسنده عمرو بن عاصم عن همام وجرير عن قتادة عن أنس ذكره النسائي وقال الدارقطني الصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا وروى النسائي في سننه عن أبي

أمامة بن سهل بن حنيف قال كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة وفي الترمذي عن مزيدة العصري قال دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة وقال هذا حديث حسن غريب والصواب أن حديث قتادة عن انس محفوظ من رواية الثقات الضابطين المتثبتين جرير بن حازم وهمام عن قتادة عن أنس والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا هو هشام الدستوائي وهشام وإن كان مقدما في أصحاب قتادة فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال إذا أتى أحدكم على راع فليناد ياراعي الإبل ثلاثا فإن أجابه وإلا

فليحلب وليشرب ولا يحملن وإذا أتى أحدكم على حائط فليناد ثلاثا ياصاحب الحائط فإن أجابه وإلا فليأكل ولا يحملن وهذا الإسناد على شرط مسلم وإنما أعله البيهقي بأن سعيدا الجريري تفرد به وكان قد اختلط في آخر عمره وسماع يزيد بن هارون منه في حال اختلاطه وأعل حديث سمرة بالأختلاف في سماع الحسن منه وهاتان العلتان بعد صحتهما لا يخرجان الحديثين عن درجة الحسن المحتج به في الأحكام عند جمهور الأمة وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وقال الشافعي وقد قيل من مر بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة وروى فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه والكتاب والحديث الثابت أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه والحديث الذي أشار إليه الشافعي رواه الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم أخبرنا قتيبة أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي سئل عن الثمر المعلق فقال من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ثم قال هذا حديث حسن فاختلف الفقهاء في القول بموجب هذه الأحاديث فذهبت طائفة منهم إلى أنها محكمة وأنه يسوغ الأكل من الثمار وشرب اللبن لضرورة وغيرها ولا ضمان عليه وهذا المشهور عن أحمد وقالت طائفة لا يجوز له شيء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض في ذمته وهذا المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة واحتج لهذا القول بحجج إحداها قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم والتراضي منتف في هذه الصورة الثانية الحائط والماشية لو كانا ليتيم فأكل منهما كان قد أكل مال اليتيم ظلما فيدخل تحت الوعيد

الثالثة ما خرجاه في الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي قال في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذه في شهركم هذا ومثله في صحيح مسلم عن جابر الرابعة ما في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي قال كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه الخامسة ما رواه البيهقي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس أن النبي خطب في حجة الوداع فذكر الحديث وفيه ولا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس السادسة ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي أنه قام فقال لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فيكسر باب خزانته الحديث السابعة أن هذا مال من أموال المسلم فكان محترما كسائر أمواله قال الأولون ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أحاديث الجواز إلا حديث ابن عمر فإنه في الظاهر مخالف لحديث سمرة وسيأتي بيان الجمع بينهما إن شاء الله أما قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فلا يتناول محل النزاع فإن هذا أكل بإباحة الشارع فكيف يكون باطلا وليس هذا من باب تخصيص العام في شيء بل هذه الصورة لم تدخل في الآية كما لم يدخل فيها أكل الوالد مال ولده وأيضا فلأنه إنما يدل على تحريم الأكل بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارع ولا المالك فإذا وجد الإذن الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلا ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك فما أذن فيه الشرع أحل مما أذن فيه المالك ولهذا كانت الغنائم من أحل المكاسب وأطيبها ومال الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب وإن لم يأذن له الولد وأيضا فإنه من المستحيل أن يأذن النبي فيما حرمه الله ومنع منه فعلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلا وبهذا خرج الجواب عن الدليل الثاني وهو كونه مثل كونه مثل مال اليتيم مع أن قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية يدل على أنه إنما يستحق

الوعيد من أكلها أكلا غير مأذون فيه شرعا فأما ما أذن فيه الشارع منها فلا يتناوله الوعيد ولهذا كان للفقير أن يأكل منها أقل الأمرين من حاجته أو قدر عمله ولم يكن ذلك ظلما لإذن الشارع فيه وهذا هو بعينه الجواب عن قوله إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام فإن التحريم يتناول مالم يقع فيه الإذن من الشارع ولا من المالك وأما ما أذن فيه منهما أو من أحدهما فليس بحرام ولهذا ينتزع منه الشقص المشفوع فيه بغير رضاه لإذن الشارع وينتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب إما مجانا على أحد القولين أو بالمعارضة على القول الآخر ويكره على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق وغير ذلك وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناة من هذه النصوص بل النصوص لم تتناولها ولا أريدت بها قطعا وأما حديث ابن عمر لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه فحديث صحيح متفق على صحته وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جواز احتلاب الماشية للشرب ولا خلاف في مذهبه أنه لا يجوز احتلابها لغيره وهو كالخبنة في الثمار فمنعه في إحدى الروايتين أخذا بحديث ابن عمر وجوزه في الأخرى أخذا بحديث سمرة ومن رجح المنع قال حديث ابن عمر أصح فإن حديث سمرة من رواية الحسن عنه وهو مختلف في سماعه منه وأما حديث ابن عمر فمن رواية الليث وغيره عن نافع عنه ولا ريب في صحته قالوا والفرق بينه وبين الثمرة أن اللبن مخزون في الضرع كخزن الأموال في خزانتها ولهذا شبهها النبي بذلك وأخبر أن استخراجها من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها وهذا بخلاف الثمرة فإنها ظاهرة بادية في الشجرة غير مخزونة فإذا صارت إلى الخزانة حرم الأكل منها إلا بإذن المالك قالوا وأيضا فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طيبها لأن العيون تراها والنفوس شديدة الميل إليها ولهذا جوز النبي فيها المزابنة في خمسة أوسق أو دونها في العرايا لما شكوا إليه شهوتهم إليها وأنه لا ثمن بأيديهم بخلاف اللبن فإنه لا يرى ولا تشتد الشهوة إليه كاشتدادها إلى الثمار قالوا وأيضا فالثمار لا صنع فيها للآدمي بحال بل هي خلق الله سبحانه لم تتولد من كسب

آدمي ولا فعله بخلاف اللبن فإنه لا يتولد من عين مال المالك وهو العلف وإن كانت سائمة فلا بد من قيامه عليها ورعيه إياها ولا بد من إعالته لها كل وقت وهذا وإن كان في الثمار إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جدا فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير فهي بالمباحات أشبه من ألبان المواشي إلا إن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن حكم المباحات المشتركة التي يسوغ أكلها ونقلها فعمل الشبه في الأكل الذي لا يجحف المالك دون النقل المضر له فهذه الفروق إن صحت بطل إلحاق الثمار بها في المنع وكان المصير إلى حديث المنع في اللبن أولى وإن كانت غير مؤثرة ولا فرق بين البابين كانت الإباحة شاملة لهما وحينئذ فيكون فحديث النهي متناولا للمحتلب غير الشارب بل محتلبه كالمتخذ خبنة من الثمار وحديث الإباحة متناول للمحتلب الشارب فقط دون غيره ويدل على هذا التفريق قوله في حديث سمرة فليحتلب وليشرب ولا يحمل فلو احتلب للحمل كان حراما عليه فهذا هو الاحتلاب المنهى عنه في حديث ابن عمر والله أعلم ويدل عليه أيضا أن في حديث المنع ما يشعر بأن النهي إنما هو عن نقل اللبن دون شربه فإنه قال أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فيكسر باب خزانته فينتثل طعامه ومما يدل على الجواز حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي سئل عن التمر المعلق فقال من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو ومحمد بن عجلان احتج به مسلم والحديث حسن أخرجه أهل السنن فإن قيل فهذا دليل على جواز أكل المحتاج ونحن نقول له أن يأكل عند الضرورة وعليه القيمة وقوله لا شيء عليه هو نفي للعقوبة لا للغرم فالجواب أن هذا الحديث روي بوجهين أحدهما وإن أكل بفيه ولم يأخذ فيتخذ خبنة فليس عليه شيء وهذا صريح في أن الأكل لا شيء عليه وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة ولهذا جعلهما قسمين واللفظ الثاني قوله ومن أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة وهذا صريح في أن الأكل منه لحاجة لا شيء عليه وأن الضمان إنما يجب على المخرج منه غير

ما أكله والمنازعون لا يفرقون بل يوجبون الضمان على الآكل والمخرج معا ولا يفرقون فيه بين المحتاج وغيره وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه والنص صريح في إبطاله فالحديث حجة على اللفظين معا فإن قيل فالمجوزون لا يخصون الإباحة بحال الحاجة بل يجوزون الأكل للمحتاج وغيرها فقد جمعوا بين ما فرق الشارع بينه قيل الحاجة المسوغة للأكل أعم من الضرورة والحكم معلق بها ولا ذكر للضرورة فيه وإنما الجواز دائر مع الحاجة وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة فإنها الحاجة إلى أكل الرطب ولا تعتبر الضرورة اتفاقا فكذلك هنا وعلى هذا فاللفظ قد خرج مخرج الغالب وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقا ومما يدل على الجواز أيضا حديث رافع بن عمرو الذي ذكره أبو داود في الكتاب وقد صححه الترمذي ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة أوجه أحدها أن النبي أطلق له الأكل ولم يقل كل إذا اضطررت واترك عند زويل الضرورة كما قال تعالى في الميتة وكما قال النبي للذي سأله عن ركوب هديه اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا الثاني أنه لو كانت الإباحة إنما هي لأجل الضرورة فقط لثبت البدل في ذمته كسائر الأموال والنبي لم يأمره ببدل وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع الثالث أن لفظ الحديث في كتاب أبي داود ليس فيه للضرورة ذكر فإنه قال ياغلام لم ترمي النخل قال آكل فقال لا ترم النخل وكل ما سقط فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل فأباح له الساقط ومنعه من الرمي لما فيه من كثرة الأذى ورواه الترمذي ولفظه قال يارافع لم ترمي نخلهم قال قلت يارسول الله الجوع قال لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله فهذا اللفظ ليس معارضا للأول وكلاهما يدل على إباحة الأكل وأن الإباحة عند الجوع أولى ومما يدل على الجواز أيضا حديث عباد بن شرحبيل وقد ذكره أبو داود في الباب وهو صحيح الإسناد والاستدلال به في غاية الظهور وقد تلكف بعض الناس رده بإنه لم يحدث به عن أبي بشر إلا جعفر بن إياس وهذا تكلف بارد فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تغمز قناتهم وتكلف آخرون ما هو أبعد من هذا فقالوا الحديث رواه ابن ماجه والنسائي ولفظه فأقره النبي فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام قالوا فالمأمور له بالوسق هو الأنصاري صاحب الحائط وكان هذا تعويضا من النبي له عن

سنبله وهذا خطأ بين فإن المأمور له بالوسق إنما هو آكل السنبل عباد بن شرحبيل والسياق لا يدل إلا عليه والنبي رد إليه ثوبه وأطعمه وسقا ولفظ أبي داود صريح في ذلك فإنه قال فرد علي ثوبي وأعطاني وسقا ومما يدل على الجواز أيضا ما رواه الترمذي حدثنا ابن أبي الشوارب حدثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن النبي قال من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة وهذا الحديث وإن كان معلولا قال الترمذي في كتاب العلل الكبير له سألت محمدا عن هذا الحديث فقال يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يهم فيها تم كلامه وقال يحيى بن معين هذا الحديث غلط وقال أبو حاتم الرازي يحيى بن سليم هذا محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به وقال النسائي ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمرو ولكن لو حاكمنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم لكان هذا الحديث حجة على قولهم لأن يحيى بن سليم من رجال الصحيحين وهو لو انفرد بلفظة أو رفع أو اتصال وخالفه غيره فيه لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه ولو كان أوثق وأكثر فكيف إذا روى مالم يخالف فيه بل له أصول ونظائر ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة فالحديث عندنا معلول وإنما سقناه اعتبارا لا اعتمادا والله أعلم فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الغريب عن ابن جريج عن عطاء قال رخص رسول الله للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث قيل هذا من المراسيل التي لا يحتج بها فضلا عن أن يعارض بها المسندات الصحيحة ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث بل منطوقه يوافقنا ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر في ذلك وهذا حق والمفهوم لا عموم له بل فيه تفصيل ومما يدل على الجواز أيضا حديث أبي سعيد وقد تقدم وإسناده على شرط مسلم ورواه ابن حبان في صحيحه وأما تعليل البيهقي له بأن سعيدا الجريري تفرد به وكان قد اختلط في آخر عمره والذي رواه عنه يزيد بن هارون وإنما روى عنه بعض الاختلاط فجوابه من وجهين أحدهما أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته ذكره البيهقي أيضا وسماع حماد منه قديم الثاني أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يميز حديث الشيخ صحيحه من سقيمه وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا رووا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط فإنهم يميزون حديثه وينتقونه هذا مع أن حديثه موافق لأحاديث الباب كأحاديث سمرة ورافع بن عمرو وعبد الله بن عمرو وعباد بن شرحبيل وهذا يدل على أنه محفوظ وأن له أصلا ولهذا صححه ابن حبان وغيره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد استشكل قوله ﷺ ما خرجوا منها أبدا ولم يزالوا فيها مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظنا منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم وكانوا متأولين

والجواب عن هذا أن دخولهم إياها معصية في نفس الأمر وكان الواجب عليهم أن لايبادروا وأن يتثبتوا حتى يعلموا هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت ولا نظر فكانت عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها وقوله أبدا لا يعطي خلودهم في نار جهنم فإن الإخبار إنما هو عن نار الدنيا والأبد كثيرا ما يراد به أبد الدنيا قال تعالى في حق اليهود ولن يتمنوه أبدا وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت في النار ويسألون ربهم أن يقضي عليهم بالموت وقد جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان مازحا وكان معروفا بكثرة المزاح والمعروف أنهم أغضبوه حتى فعل ذلك وفي الحديث دليل أن على من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصيا وأن ذلك لا يمهد له عذرا عند الله بل إثم المعصية لاحق له وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها وعلى هذا يدل هذا الحديث وهو وجهه وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال بعض أهل العلم إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره وهذا حسن جدا والذي يظهر من معنى الحديث أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم وهي تدعو إليهم والطارق يأنس بها فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة فإنها إنما توقد في معصية الله ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه فكيف تتفق الناران وهذا شأنهما وهذا من أفصح الكلام وأجزله المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يارسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه أن لا آتيك ولا آتي دينك وإني كنت امرءا لا أعقل شيئا إلا علمني الله ورسوله وإني أسألك بوجه الله بم بعثك ربنا إلينا قال

بالإسلام قلت وما آيات الإسلام قال أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة كل المسلم على المسلم محرم أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك بعد ما يسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبي ﷺ من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول عن النبي ﷺ لا تتركوا الذرية إزاء العدو

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال قدم على النبي ﷺ بسبي فأمرني ببيع أخوين فبعتهما وفرقت بينهما ثم أتيت النبي ﷺ وأخبرته فقال أدركهما وارتجعهما وبعهما جميعا ولا تفرق بينهما أخرجه الحاكم وقال هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه وفي جامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من فرق بين الجارية وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة قال الترمذي حسن غريب وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه وليس كما قاله فإن إسناده حسين بن عبد الله ولم يخرج له في الصحيحين وقال أحمد في حديثه مناكير وقال البخاري فيه نظر ولفظ الترمذي فيه من فرق بين والدة وولدها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي صحيح الحاكم من حديث عبادة بن الصامت قال نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها فقيل يارسول الله إلى متى قال حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث وزاد فيه واضربوا عنقه بدل واضربوه قال عبد الحق هذا حديث يدور على صالح بن محمد وهو منكر الحديث ضعيفه لا يحتج به ضعفه البخاري وغيره انتهى

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب وزهير هذا ضعيف قال البهيقي وزهير هذا يقال هو مجهول وليس بالمكي وقد رواه أيضا مرسلا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ويحتمل قولها أسهم لنا كما أسهم للرجال أنها تعني به أنه أشرك بينهم في أصل العطاء لا في قدره فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال لا أنه أعطاهن بقدرهم سواء والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل ونظيره في ذلك الجنازة بالكسر للسير والجنازة بالفتح للميت قال بعضهم من ذلك الدجاج بالفتح للديكة والدجاج بالكسر للإناث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكرة أنه شهد النبي ﷺ أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة فقام فخر ساجدا وفي المسند أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال خرج النبي ﷺ فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود ثم رفع رأسه وقال إن جبريل أتاني فبشرني فقال إن الله عزوجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا

وفي مسند الإمام أحمد أيضا أن عليا سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج مقتولا وفي سنن سعيد بن منصور أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتل مسيلمة الكذاب

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبد الحق إسناد هذا الحديث ضعيف وقال ابن القطان يرويه حبيب بن مخنف وهو مجهول عن أبيه وفيه أبو رملة عامر بن أبي رملة لا يعرف إلا به انتهى وقد روى أحمد في مسنده عن أبي رزين العقيلي أنه قال يارسول الله إنا كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها ونطعم من جاءنا فقال لا بأس بذلك

وفي المسند أيضا وسنن النسائي عن الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع قال فقال رجل يارسول الله الفرائع والعتائر قال من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم أضحية وسيأتي بعد هذا في باب العتيرة قول النبي ﷺ في كل سائمة من الغنم فرع فهذه الأحاديث تدل على مشروعيته وقال ابن المنذر ثبت أن عائشة قالت أمر النبي ﷺ في الفرعة من كل خمسين بواحدة قال وروينا عن نبيشة الهذلي قال سئل رسول الله ﷺ فقالوا يارسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا فقال في كل سائمة فرع اختصر الحديث وسيأتي لفظه قال وخبر عائشة وخبر نبيشة ثابتان قال وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية وفعله بعض أهل الإسلام فأمر النبي ﷺ بهما ثم نهى عنهما رسول الله ﷺ فقال لا فرع ولا عتيرة فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم يقول إن النبي ﷺ كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية وإنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا وقد كان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب وكان يروي فيها شيئا وكان الزهري يقول الفرعة أول نتاج والعتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب آخر كلام ابن المنذر وقال أبو عبيد هذا منسوخ وكان إسحاق بن راهويه يحمل قوله لا فرع ولا عتيرة أي لا يجب ذلك ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها قال الحازمي وهذا أولى مما سلكه ابن المنذر

وقال الشافعي الفرعة شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم فكان أحدهم يذبح بكر ناقته لا يعدوه رجاء البركة فيما يأتي بعده فسألوا النبي ﷺ فقال افرعوا إن شئتم أي اذبحوا إن شئتم وكانوا يسألونه عما يصنعونه في الجاهلية خوفا أن يكون ذلك مكروها في الإسلام فأعلمهم أنه لا بركة لهم فيه وأمرهم أن يعدوه ثم يحملون عليه في سبيل الله قال البيهقي أو يذبحونه ويطعمونه كما في حديث نبيشة قال الشافعي وقوله الفرعة حق أي ليست بباطل ولكنه كلام عربي يخرج على جواب السائل قال الشافعي وروي عنه ﷺ أنه قال لا فرع ولا عتيرة وليس باختلاف من الرواة إنما هو لا فرعة ولا عتيرة واجبة والحديث الآخر في الفرعة والعتيرة يدل على معنى هذا أنه أباح الذبح واختار له أن يعطيه أرملة أو يحمل عليه في سبيل الله والعتيرة هي الرجبية وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبررون بها في رجب فقال النبي ﷺ لا عتيرة على معنى لا عتيرة لازمة وقوله حين سئل عن العتيرة اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا لله وأطعموا أي اذبحوا إن شئتم واجعلوا الذبح لله لا لغيره في أي شهر كان لا أنها في رجب دون ما سواه من الشهور آخر كلامه وقال أصحاب أحمد لا يسن شيء من ذلك وهذه ا لأحاديث منسوخة قال الشيخ أبو محمد ودليل النسخ أمران أحدهما أن أبا هريرة هو الذي روى حديث لا فرع ولا عتيرة وهو متفق عليه وأبو هريرة متأخر الإسلام أسلم في السنة السابعة من الهجرة والثاني أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له قال ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر

فإذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به أو إطعامه لم يكن ذلك مكروها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه فقالت طائفة لا يصح رفعه وإنما هو موقوف قال الدارقطني في كتاب العلل ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو ضمرة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد ووقفه عقيل على سعيد قوله ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها ووقفه ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبدالرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قولها ووقفه عبدالرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قوله والمحفوظ عن مالك موقوف قال الدارقطني والصحيح عندي قول من وقفه ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه منهم مسلم بن الحجاج ورواه في صحيحه مرفوعا ومنهم أبو عيسى الترمذي قال هذا حديث حسن صحيح ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه ومنهم أبو بكر البيهقي قال هذا حديث قد ثبت مرفوعا من أوجه لا يكون مثلها غلطا وأودعه مسلم في كتابه وصححه غير هؤلاء وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ وليس شعبة وسفيان يدون هؤلاء الذين وقفوه ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة بل هو المعتاد من خطاب النبي ﷺ في قوله لا يؤمن أحدكم أيعجز أحدكم أيحب أحدكم إذا أتى أحدكم الغائط إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه ونحو ذلك وأما اختلافهم في متنه فذهبت إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم فذهب إليه سعيد بن

المسيب وربيعة بن أبي عبدالرحمن وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد وغيرهم وذهب آخرون إلى أن ذلك مكروه لا محرم وحملوا الحديث على الكراهة منهم مالك وطائفة من أصحاب أحمد منهم أبو يعلى وغيره وذهبت طائفة إلى الإباحة وأنه غير مكروه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والذين لم يقولوا به منهم من أعله بالوقف وقد تقدم ضعف هذا التعليل ومنهم من قال هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ كان يبعث بهديه ويقيم حلالا لا يحرم عليه شيء قال الشافعي فإن قال قائل ما دل على أنه اختيار لا واجب قيل له روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت أنا فتلت قلائد هدي النبي ﷺ بيدي ثم قلدها رسول الله ﷺ ثم بعث بها مع أبي بكر فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي قال الشافعي وفي هذا دلالة على ما وصفت وعلى أن المرء لا يحرم ببعثه بهديه يقول البعث بالهدي أكثر من إرادة الأضحية ومنهم من رد هذا الحديث بخلافه للقياس لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطبيب فلا يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه وأما حديث عائشة فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالا ولا يكون محرما بإرسال الهدي ردا على من قال من السلف يكون بذلك محرما ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا الحديث وحديث أم سلمة يدل على أن من أراد أن يضحي أمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره

خاصة فأي منافاة بينهما ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين هذا في موضعه وهذا في موضعه وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين فقال هذا له وجه وهذا له وجه ولو قدر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصا وحديث عائشة عاما ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص توفيقا بين الأدلة ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة فإن النبي ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها وأيضا فعائشة إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به أو يفعله ظاهرا من اللباس والطيب وأما ما يفعله نادرا كقص الشعر وتقليم الظفر مما لا يفعل في الأيام العديدة إلا مرة فهي لم تخبر بوقوعه منه ﷺ في عشر ذي الحجة وإنما قالت لم يحرم عليه شيء وهذا غايته أن يكون شهادة على نفي فلا يعارض حديث أم سلمة والظاهر أنها لم ترد ذلك بحديثها وما كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل وخبر أم سلمة صريح في النهي فلا يجوز تعطيله أيضا فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته فيجب امتثاله وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها وهي إنما رأت أنه لا يصير بذلك محرما يحرم عليه ما يحرم على المحرم ولم تخبر عن قوله إنه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء وهذا لا يعارض صريح لفظه وأما رد الحديث بالقياس فلو لم يكن فيه إلا أنه قياس فاسد مصادم للنص لكفى ذلك في رد القياس ومعلوم أن رد القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس وبالله التوفيق كيف وأن تحريم النساء والطيب واللباس أمر يختص بالإحرام لا يتعلق بالضحية وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو أول الباب

وقوله تأخذ من شعرك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله فأحب النبي ﷺ توفير الشعر والظفر في العشر ليأخذه مع الضحية فيكون ذلك من تمامها عند الله وقد شهد لذلك أيضا أنه ﷺ شرع لهم إذا ذبحوا عن الغلام عقيقته أن يحلقوا رأسه فدل على أن حلق رأسه مع الذبح أفضل وأولى وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا لا يصح فإن قوله لأحد هؤلاء ولن تجزىء عن أحد بعدك ولا رخصة فيها لأحد بعدك ينفي تعدد الرخصة وقد كنا نستشكل هذه الأحاديث إلى أن يسر الله بإسناد صحتها وزوال إشكالها فله الحمد فنقول أما حديث أبي بردة بن نيار فلا ريب في صحته وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له في الجذعة من المعز ولن تجزىء عن أحد بعدك وهذا قطعا ينفي أن تكون مجزئة عن أحد بعده

وأما حديث عقبة بن عامر فإنما وقع فيه الإشكال من جهة أنه جاء في بعض ألفاظه أنه يثبت له جذعة وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقى عتود فذكره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ضح به أنت فظن من قال إن العتود هو الجذع من ولد المعز فاستشكله وقوى هذا الإشكال عنده رواية يحيى بن بكير عن الليث في هذا الحديث ولا رخصة فيها لأحد بعدك ولكن العتود من ولد المعز ما قوي ورعي وأتي عليه حول قاله الجوهري وكذلك كلام غيره من أئمة اللغة قريب منه قال بعضهم ما بلغ السفاد وقال بعضهم ما قوي وشب وغير هذا فيكون هو الثني من المعز فتجوز الضحية به ومن رواه فبقي جذع لم يقل فيه جذع من المعز ولعله ظن أن العتود هو الجذع من الماعز فرواه كذلك والمحفوظ فبقي عتود وفي لفظ فأصابني جذع وليس في الصحيح إلا هاتان اللفظتان

وأما جذع من المعز فليس في حديث عقبة فلا إشكال فيه فإن قيل فما وجه قوله ولا رخصة فيها لأحد بعدك قيل هذه الزيادة غير محفوظة في حديثه ولا ذكرها أحد من أصحاب الصحيحين ولو كانت في الحديث لذكروها ولم يحذفوها فإنه لا يجوز اختصار مثلها وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة وأما حديث زيد بن خالد الجهني فهو والله أعلم حديث عقبة بن عامر الجهني بعينه واشتبه على ابن إسحاق أو من حدثه اسمه وأن قصة العتود وقسمة الضحايا إنما كانت مع عقبة بن عامر الجهني وهي التي رواها أصحاب الصحيح ثم إن الإشكال في حديثه إنما جاء من قوله فقلت إنه جذع من المعز وهذه اللفظة إنما ذكرها عن أبي إسحاق السبيعي أحمد بن خالد الوهبي عنه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى ابن حزم من طريق سليمان بن يسار عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال ضحوا بالجذعة من الضأن والثنية من المعز وهذا مرسل 8

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث له علل احدهما أن عطاء بن السائب اضطرب فيه فمرة وصله ومرة أرسله الثانية أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره واختلف في الاحتجاج بحديثه وإنما أخرج له البخاري مقرونا بأبي بشر الثالثة أن فيه عمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة قال أبو حاتم الرازي لا يحتج بحديثه فإنه يأتى بالمناكير الرابعة أن سورة الأنعام مكية باتفاق ومجيء اليهود إلى النبي ﷺ ومجادلتهم إياه إنما كان بعد قدومه المدينة وأما بمكة فإنما كان جداله مع المشركين عباد الأصنام

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث جابر قال ابن القطان فيه عبيد الله بن زياد القداح وفيه عتاب بن بشر الحراني زعموا أنه روى بآخره أحاديث منكرة وأنه اختلط عليه العرض والسماع فتكلموا فيه قال وهذا من الوسواس ولا يضره ذلك فإن كل واحد منهما بمحمل صحيح وفي الباب حديث ابن عمر يرفعه ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر ذكره الدارقطني وله علتان إحداهما أن الصواب وقفه قاله الدارقطني والثانية أنه من رواية عصام بن يوسف عن مبارك بن مجاهد وضعف البخاري مبارك بن مجاهد وقال أبو حاتم الرازي ما أرى بحديثه بأسا وقوله في بعض ألفاظه فإن ذكاته ذكاة أمه مما يبطل تأويل من رواه بالنصب وقال ذكاة الجنين كذكاة أمه قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا باطل من وجوه أحدها أن سياق الحديث يبطله فإنهم سألوا النبي ﷺ عن الجنين الذي يوجد في بطن الشاة أيأكلونه أم يلقونه فأفتاهم بأكله ورفع عنهم ما توهموه من كونه ميتة بأن ذكاة أمه ذكاة له لأنه جزء من أجزائها كيدها وكبدها ورأسها وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة والحمل ما دام جنينا فهو كالجزء منها لا ينفرد بحكم فإذا ذكيت الأم أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين فهذا هو القياس الجلي لو لم يكن في المسألة نص

الثاني أن الجواب لا بد وأن يقع عن السؤال والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته ليكون قوله ذكاته كذكاة أمه جوابا لهم وإنما سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح فأفتاهم بأكله حلالا بجريان ذكاة أمه عليه وأنه لا يحتاج إلى أن ينفرد بالزكاة الثالث أن أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الخلق فهما لمراده بكلامه وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين وأنه لا يحتاج أن ينفرد بذكاة بل يؤكل قال عبد الله بن كعب بن مالك كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا إشارة إلى جميعهم قال ابن المنذر كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوه إلى أن جاء النعمان فقال لا يحل لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين الرابع أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز فذكاة الصيد الممتنع بجرحه في أي موضع كان بخلاف المقدور عليه وذكاة المتردية لا يمكن إلا بطعنها في أي موضع كان ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه فتكون ذكاة أمه ذكاة له هو محض القياس الخامس أن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه جملة خبرية جعل الخبر فيها نفس المبتدأ فهي كقولك غذاء الجنين غذاء أمه ولهذا جعلت الجملة لتتميم إن وخبرها في قوله فإن ذكاته ذكاة أمه وإذ كان هكذا لم يجز في ذكاة أمه إلا بالرفع ولا يجوز نصبه لبقاء المبتدأ بغير خبر فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام إذ الخبر محل الفائدة وهو غير معلوم السادس أنه إذا نصب ذكاة أمه فلا بد وأن يجعل الأول في تقدير فعل لينتصب عنه المصدر ويكون تقديره يذكي الجنين ذكاة أمه ونحوه ولو أريد هذا المعنى لقيل ذكوا الجنين ذكاة أمه أو يذكى كما يقال اضرب زيدا ضرب عمرو وينتصب الثاني على معنى اضرب زيدا ضرب عمرو فهذا لا يجوز وليس هو كلاما عربيا إلا إذا نصب الجزآن معا فتقول ذكاة الجنين ذكاة أمه وهذا

مع أنه خلاف رواية الناس وأهل الحديث قاطبة فهو أيضا ممتنع فإن المصدر لابد له من فعل يعمل فيه فيؤول التقدير إلى ذكوا ذكاة الجنين ذكاة أمه ويصير نظير قولك ضرب زيد ضرب عمرو تنصبهما وتقديره اضرب ضرب زيد ضرب عمرو وهذا إنما يكون في المصدر بدلا من اللفظ بالفعل إذا كان منكرا نحو ضربا زيد أي ضرب زيد ولهذا كان قولك ضربا زيدا كلاما تاما وقولك ضرب زيد ليس بكلام تام فإن الأول يتضمن اضرب زيدا بخلاف الثاني فإنه مفرد فقط فيعطي ذلك معنى الجملة فأما إذا أضفته وقلت ضرب زيد فإنه يصير مفردا ولا يجوز تقديره باضرب زيد ويدل على بطلانه الوجه السابع وهو أن الجنين إنما يذكى مثل ذكاة أمه إذا خرج حيا وحينئذ فلا يؤكل حتى يذكى ذكاة مستقبلة لأنه حينئذ له حكم نفسه وهم لم يسألوا عن هذا ولا أجيبوا به فلا السؤال دل عليه ولا هو جواب مطابق لسؤالهم فإنهم قالوا نذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه فهم إنما سألوه عن أكله أيحل لهم أم لا فأفتاهم بأكله وأزال عنهم ما علم أنه يقع في أوهامهم من كونه ميتة بأنه ذكى بذكاة الأم ومعلوم أن هذا الجواب والسؤال لا يطابق ذكوا الجنين مثل ذكاة أمه بل كان الجواب حينئذ لا تأكلوه إلا أن يخرج حيا فذكاته مثل ذكاة أمه وهذا ضد مدلول الحديث والله أعلم وبهذا يعلم فساد ما سلكه أبو الفتح ابن جنى وغيره في إعراب هذا الحديث حيث قالوا ذكاة أمه على تقدير مضاف محذوف أي ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير وهذا إنما يكون حيث لا لبس وأما إذا أوقع في اللبس فإنه تمتنع وما تقدم كاف في فساده وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فإنه حكي أن محمد بن سيرين قال لحبيب بن الشهيد اذهب إلى الحسن فاسأله ممن سمع حديث العقيقة فذهب إليه فسأله فقال سمعته من سمرة وهذا يرد على من قال إنه لم يسمع منه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال سلام بن أبي مطيع عن قتادة ويسمى ذكره أبو داود وهو الذي صححه وقال إياس بن دغفل عن الحسن ويسمى واختلف في حكمها أيضا فكان قتادة يستحب تسميته يوم سابعه كما ذكر أبو داود وهذا يدل على أن هماما لم يهم في هذه اللفظة فإنه رواها عن قتادة وهذا مذهبه فهو والله أعلم بريء من عهدتها وقد روى عن الحسن مثل قول قتادة وكره آخرون التدمية منهم أحمد ومالك والشافعي وابن المنذر قال ابن عبدالبر لا أعلم أحدا قال هذا يعني التدمية إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه وقال مهنا بن يحيى الشامي ذكرت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يزيد بن عبدالمزنى عن أبيه أن النبي ﷺ قال يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم فقال أحمد ما أظرفه ورواه ابن ماجه في سننه ولم يقل عن أبيه

واحتجوا بأن النبي ﷺ قال أميطوا عنه الأذى والدم أذى فكيف يؤمر بأن يصاب بالأذى ويلطخ به واحتجوا بأن الدم نجس فلا يشرع إصابة الصبي به كسائر النجاسات من البول وغيره واحتجوا أيضا بحديث بريدة الذي ذكره أبو داود في آخر الباب وسيأتي واحتجوا بأن هذا كان من فعل الجاهلية فلما جاء الإسلام أبطله كما قاله بريدة وقوله ويسمى ظاهره أن التسمية تكون يوم سابعه وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سمى ابنه إبراهيم ليلة ولادته وثبت عنه أنه سمى الغلام الذي جاء به أنس وقت ولادته فحنكه وسماه عبد الله وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ سمى المنذر بن أسود المنذر حين ولد وقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق وقال هذا حديث حسن غريب والأحاديث التي ذكرناها أصح منه فإنها متفق عليها كلها ولا تعارض بينها فالأمران جائزان وقوله ويحلق رأسه قد جاء هذا أيضا في مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوقاص يعني أهل الصفة وروى سعيد بن منصور في سننه أن فاطمة كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله احتج بهذا من يقول الذكر والأنثي في العقيقة سواء لا يفضل أحدهما على الآخر وأنها كبش كبش كقول مالك وغيره واحتج الأكثرون بحديث أم كرز المتقدم واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه أحمد بهذا اللفظ وله فيه لفظ آخر أمرنا رسول الله ﷺ أن نعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتين وهذا اللفظ لابن ماجه أيضا واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه أراه عن جده وفيه ومن ولد له فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة وسيأتي

قالوا وأما قصة عقه عن الحسن والحسين فذلك يدل على الجواز وما ذكرناه من الأحاديث صريح في الاستحباب وقال آخرون مولد الحسن والحسين كان قبل قصة أم كرز فإن الحسن ولد عام أحد والحسين في العام القابل وأما حديث أم كرز فكان سماعها له من النبي ﷺ عام الحديبية ذكره النسائي فهو متأخر عن قصة الحسن والحسين قالوا وأيضا فإنا قد رأينا الشريعة نصت على أن الأنثى على النصف من الذكر في ميراثها وشهادتها ودينها وعتقها كما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ قال أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزىء بكل عضو منه عضوا منه وأيما امرىء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزىء بكل عضوين منهما عضوا منه اللفظ للترمذي فحكم العقيقة موافق لهذه الأحكام كما أنه مقتضى النصوص والله أعلم والله الموفق قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال ابن عبدالبر في حديث مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أنه سأل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال لا أحب العقوق وكأنه كره الإسم قال أبو عمر ولا أعلم روى معنى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه ومن حديث عمرو بن شعيب

وقد اختلف فيه على عمرو وأحسن أسانيده ما ذكره عبدالرزاق قال أخبرنا داود بن قيس قال سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فذكره وهذا سالم من العلتين أعني الشك في جده ومن علي بن واقد

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولكن قد رواه البزار في مسنده من حديث عائشة بمثله وقالت فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقا وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الخلوق بمنزلة الدم يعني في العقيقة وإبراهيم هذا قال عبد الحق لا أعلم أحدا وثقه إلا أحمد بن حنبل وأما الناس فضعفوه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ويروى مثل ذلك من حديث عبد الله بن عمرو وسيأتي آخر الباب والكلام عليه وفي مسند الإمام أحمد من حديث إبراهيم عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وإذا أرسلت فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسك على صاحبه فاختلف في إباحة ما أكل منه الكلب من الصيد فمنعه ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وطاوس والشعبي والنخعي وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وأبو بردة وسويد بن غفلة وقتادة وغيرهم وهو قول إسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وهو أصح الروايتين عن أحمد وأشهرهما وأحد قولي الشافعي وأباحه طائفة يروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان ويروي عن أبي هريرة أيضا وعن ابن عمر رواه أحمد عنهم وبه قال مالك والشافعي في القول الآخر وأحمد في إحدى الروايتين واحتجوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم وحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو داود في آخر الباب واحتجوا بما رواه عبد الملك بن حبيب عن أسد بن موسى وهو أسد السنة عن ابن أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ فذكر نحو حديث أبي ثعلبة في جوار الأكل منه إذا أكل واحتجوا أيضا بما رواه الثوري عن سماك عن مري بن قطري عن النبي ﷺ قال ما كان من كلب ضار أمسك عليك فكل قلت وإن أكل قال نعم ذكر هذين الحديثين ابن حزم وتعلق في الأول على عبد الملك وعلى أسد بن موسى وتعلق في الثاني على سماك وأنه كان يقبل التلقين ذكره النسائي وعلى مري بن قطري

وقد تقدم تعليل حديث أبي ثعلبة بداود بن عمرو وهو ليس بالحافظ قال فيه ابن معين مرة مستور قال أحمد يختلفون في حديث أبي ثعلبة على هشيم وحديث الشعبي عن عدي من أصح ما روى عن النبي ﷺ الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحديثي والعمل عليه وسلكت طائفة مسلك الجمع بين الحديثين فقال الخطابي يمكن أن يوفق بين الحديثين ثم ذكر ابن القيم ما ذكره عنه المنذري ثم قال والصواب في ذلك أنه لا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة ومحمل حديث عدي في المنع على ما إذا أكل منه حال صيده لأنه إنما صاده لنفسه ومحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن صاده وقبله ونهى عنه ثم أقبل عليه فأكل منه فإنه لا يحرم لأنه أمسكه لصاحبه وأكله منه بعد ذلك كأكله من شاة ذكاها صاحبها أو من لحم عنده فالفرق بين أن يصطاد ليأكل أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه فرق واضح فهذا أحسن ما يجمع به بين الحديثين والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبد الحق المحفوظ موقوف على علي وقد روى من حديث جابر ولكن في إسناده حرام بن عثمان وقال ابن القطان علة حديث علي أنه من رواية عبد الرحمن بن قيس ولا يعرف في رواة الأخبار قال وعلته أيضا أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف خالد بن سعيد وعبد الله بن أبي أحمد قال قال علي فخالد بن سعيد وابنه عبد الله بن خالد مجهولان ولم أجد لعبد الله ذكر إلا في رسم ابن له يقال له إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم ذكره أيضا أبو حاتم وهو مجهول الحال فأما جده سعيد بن أبي مريم فثقة ويحيى بن محمد المدني إما مجهول وإما ضعيف إن كان ابن هانىء وهذا سهو فإن يحيى هذا هو يحيى بن محمد بن قيس أبو زكريا روى له مسلم في الصحيح قال ابن القطان وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش بن رئاب مجهول الحال أيضا وقيس ليس هو والد بكير بن عبد الله بن الأشج كما ظنه ابن أبي حاتم حين جمع بينهما والبخاري قد فصل بينهما فجعل الذي يروي عن علي في ترجمة والذي يروي عن ابن عباس وهو والد بكير في ترجمة أخرى وأيهما كان فحاله مجهول أيضا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فهذا ما رد به حديث الخال وهي بأسرها وجوه ضعيفة أما قولهم إن أحاديثه ضعاف فكلام فيه إجمال فإن أريد بها أنها ليست في درجة الصحاح التي

لا علة فيها فصحيح ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها ولا يوجب انحطاطها عن درجة الحسن بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان فإنها قد تعددت طرقها ورويت من وجوه مختلفة وعرفت مخارجها ورواتها ليسوا بمجروحين ولا متهمين وقد أخرجها أبو حاتم بن حبان في صحيحه وحكم بصحتها وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها وقد رويت من حديث المقدام بن معدي كرب هذا ومن حديث عمر بن الخطاب ذكره الترمذي عن حكيم بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة إن رسول الله ﷺ قال الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه ابن حبان في صحيحه ولم يصنع من أعل هذا الحديث بحكيم بن حكيم وأنه مجهول شيئا فإنه قد روى عنه سهيل بن صالح وعبد الرحمن بن الحارث وعثمان بن حكيم أخوه ولم يعلم أن أحدا جرحه وبمثل هذا يرتفع عنه الجهالة ويحتج بحديثه ومن حديث عائشة ذكره الترمذي أيضا عن ابن جريج عن عمرو بن مسلم عن طاوس عن عائشة ترفعه الخال وارث من لا وارث له قال الترمذي حسن غريب قال وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عن عائشة تم كلامه وهذا على طريقة منازعينا لا يضر الحديث شيئا لوجهين أحدهما أنهم يحكمون بزيادة الثقة والذي وصله ثقة وقد زاد فيجب عندهم قبول زيادته الثاني أنه مرسل قد عمل به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي ومثل هذا حجة عند من يرى المرسل حجة كما نص عليه الشافعي وأما حمل الحديث على الخال الذي هو عصبته فباطل ينزه كلام الرسول عن أن يحمل عليه لما يتضمنه من اللبس فإنه أنما علق الميراث بكونه خالا فإذا كان سبب توريثه كونه ابن عم أو مولى

فعدل عن هذا الوصف الموجب للتوريث إلى وصف لا يوجب التوريث وعلق به الحكم فهذا ضد البيان وكلام الرسول ﷺ منزه عن مثل ذلك وأما قوله قد أجمعوا على أن الخال لا يكون ابن عم أو مولى لا يعقل بالخؤولة فلا إجماع في ذلك أصلا وأين الإجماع ثم لو قدر أن الإجماع انعقد على خلافه في التعاقل فلم ينعقد على عدم توريثه بل جمهور العلماء يورثونه وهو قول أكثر الصحابة فكيف يترك القول بتوريثه لأجل القول بعدم تحمله في العاقلة وهذا حديث المسح على الجوربين والخمار والمسح على العصائب والتساخين والمسح على الناصية والعمامة قد أخذوا منه ببعضه دون بعض وكذلك حديث بصرة ابن أبي بصرة في الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى أخذوا ببعضه دون بعض وهذا موجود في غير حديث وقوله لو كان ثابتا يكون في وقت كان الخال يعقل بالخؤولة فهو إشارة إلى النسخ الذي لا يمكن إثباته إلا بعد أمرين أحدهما ثبوت معارضته المقاوم له والثاني تأخره عنه ولا سبيل هنا إلى واحد من الأمرين وقوله اختار وضع ماله فيه يعني على سبيل الطعمة لا الميراث فباطل لثلاثة أوجه أحدها أن لفظ الحديث يبطله فإنه قال يرث ماله وفي لفظ يرثه الثاني أنه سماه وارثا والأصل في التسمية الحقيقة فلا يعدل عنها إلا بعد أمور أربعة أحدها قيام دليل على امتناع إرادتها الثاني بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي عينه مجازا له ولا يكفي ذلك إلا بالثالث وهو بيان استعماله فيه لغة حتى لا يكون لنا وضع يحمل عليه لفظ النص وكثير من الناس يغفل عن هذه الثلاثة ويقول يحمل على كذا وكذا وهذا غلط فإن الحمل ليس بإنشاء وإنما هو إخبار عن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الذي حمله عليه وإن لم يكن مطابقا كان خبرا كاذبا وإن أراد به أني أنشىء حمله على هذا المعنى كما يظن كثير ممن لا تحقيق عنده فهو باطل قطعا لا يحل لأحد أن يرتكبه ثم يحمل كلام الشارع عليه الرابع الجواب عن المعارض وهو دليل إرادة الحقيقية ولا يكفيه دليل امتناع إرادتها ما لم يجب عن دليل الإرادة

الخامس أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره وهم الصحابة رضي الله عنهم ولهذا كتب به عمر رضي الله عنه جوابا لأبي عبيدة حين سأله في كتابه عن ميراث الخال وهم أحق الخلق بالإصابة في الفهم وقد علم بهذا بطلان حمل الحديث على أن الخال السلطان وعلى أن المراد به السلب وكل هذه وجوه باطلة وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأعل أيضا بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر البصري راوية عن وائلة قال ابن أبي حاتم صالح لا يحتج به وقد اشتمل على ثلاث جمل إحداها ميراث المرأة عتيقها وهو متفق عليه الثانية ميراثها ولدها الذي لاعنت عليه وقد اختلف فيه فكان زيد بن ثابت يجعل ميراثها منه كميراثها من الولد الذي لم تلاعن عليه وروى عن ابن عباس نحوه وهو قول جماعة من التابعين وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وعندهم لا تأثير لانقطاع نسبه من أبيه في ميراث الأم منه وكان الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري والحسن بن صالح وغيرهم يجعلون عصبة أمه عصبة له وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إحدى الروايتين عن علي وابن عباس وكان ابن مسعود وعلي في الرواية الأخرى عنه يجعلون أمه نفسها عصبة وهي قائمة مقام أمه وأبيه فإن عدمت فعصبتها عصبته

وهذا هو الرواية الثانية عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث ومهنا ونقل الأولى الأثرم وحنبل وهو مذهب مكحول والشعبي وأصح هذه الأقوال أن أمه نفسها عصبة وعصبتها من بعدها عصبة له هذا مقتضى الآثار والقياس أما الآثار فمنها حديث واثلة هذا ومنها ما ذكره أبو داود في الباب عن مكحول ومنها ما رواه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مثله ومنها ما رواه أبو داود أيضا عن عبد الله بن عبيد عن رجل من أهل الشام أن رسول الله ﷺ قال لولد الملاعنة عصبته عصبة أمه ذكره في المراسيل وفي لفظ له عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كتبت إلى صديق لي من أهل المدينة من بني زريق أسأله عن ولد الملاعنة لمن قضى به رسول الله ﷺ فكتب إلي إني سألت فأخبرت أنه قضى به لأمه وهي بمنزلة أبيه وأمه وهذه آثار يشد بعضها بعضا وقد قال الشافعي إن المرسل إذا روى من وجهين مختلفين أو روى مسندا أو اعتضد بعمل بعض الصحابة فهو حجة وهذا قد روى من وجوه متعددة وعمل به من ذكرنا من الصحابة والقياس معه فإنها لو كانت معتقة كان عصبتها من الولاء عصبة لولدها ولا يكون عصبتها من النسب عصبة لهم ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع على ثبوت تعصيب النسب فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله وأيضا فإن الولاء في الأصل لموالي الأب فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب وهكذا النسب هو في الأصل للأب وعصباته فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه رجع النسب إليه كالولاء سواء بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء ملحق به وهذا من أوضح القياس وأبينه وأدله على دقة أفهام الصحابة وبعد غورهم في مأخذ الأحكام وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث هي بمنزلة أمه وأبيه

حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محض القياس الصحيح وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له فهي أولى أن تكون عصبته لأنهم فرعها وهم إنما صاروا عصبة له بواسطتها ومن جهتها استفادوا تعصيبهم فلأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحرى فإن قيل لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوته ولم يرثوا معها شيئا وأيضا فإنهم إنما يرثون منه بالفرض فكيف يكونون عصبة له فالجواب إنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب كما أن تعصيب الولاء مفرع على انقطاع التعصيب من جهة النسب فكما لا يحجب عصبة الولاء أحدا من أهل النسب كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها وكونه إنما صار إليها ضرورة تعذره من جهة أصله وهو بعرض الزوال بأن يقر به الملاعن فيزول وأيضا فإن الاخوة استفادوا من جهتها أمرين أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم ولهذا ورثوا معها بالفرض لا بالتعصيب وبالله التوفيق الجملة الثالثة في حديث واثلة ميراث اللقيط وهذا قد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه وبين ملتقطه بذلك وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم نسبه لظاهر حديث واثلة وإن صح الحديث فالقول ما قال إسحاق لأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه فإذا كان الإنعام بالعتق سببا لميراث المعتق مع أنه لا نسب بينهما فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببا له مع أنه قد يكون أعظم موقعا وأتم نعمة وأيضا فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه وإحيائه من الهلكة فمن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته أن يكون أحق بميراثه وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام والعقول أشد قبولا له

فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة والنبي ﷺ كان يدفع الميراث بدون هذا كما دفعه إلى العتيق مرة وإلى الكبر من خزاعة مرة وإلى أهل سكة الميت ودربه مرة وإلى من أسلم على يديه مرة ولم يعرف عنه ﷺ شيء ينسخ ذلك ولكن الذي استقر عليه شرعه تقديم النسب على هذه الأمور كلها وأما نسخها عند عدم النسب فمما لا سبيل إلى إثباته أصلا وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد دل على هذا قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا فأمرهم بترك ما لم يقبضوا من الربا ولم يتعرض لما قبضوه بل أمضاه لهم وكذلك الأنكحة لم يتعرض فيها لما مضى ولا لكيفية عقدها بل أمضاها وأبطل منها ما كان موجب إبطاله قائما في الإسلام كنكاح الأختين والزائدة على الأربع فهو نظير الباقي من الربا

وكذلك الأموال لم يسأل النبي ﷺ أحدا بعد إسلامه عن ماله ووجه أخذه ولا تعرض لذلك وكذلك للأسباب الأخرى كما تقدم في المستلحق في بابه وهذا أصل من أصول الشريعة ينبني عليه أحكام كثيرة وأما الرجل يسلم على الميراث قبل أن يقسم فروى عن عمر بن الخطاب وعثمان وعبد الله بن مسعود والحسن بن علي أنه يرث وقال به جابر بن زيد والحسن ومكحول وقتادة وحميد وإياس بن معاوية وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أكثر أصحابه وذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يرث كما لو أسلم بعد القسمة وهذا مذهب الثلاثة وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن عمر قضى أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه وقضى به عثمان واحتج لهذا القول الأول بما روى سعيد بن منصور في سننه عن عروة عن النبي ﷺ أنه قال من أسلم على شيء فهو له ورواه أيضا عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ واحتجوا أيضا بحديث أبي داود هذا واحتجوا بأنه قضاء انتشر في الصحابة من عمر وعثمان ولم يعلم لهما مخالفا وفيه نظر فإن المشهور عن علي أنه لا يرث واحتجوا أيضا بأن التركة إنما يتحقق انتقالها إليهم بقسمتها وحوزها واختصاص كل من الوارثين بنصيبه وما قبل ذلك فهي بمنزلة ما قبل الموت والتحقيق أنها بمنزلة ما قبل الموت من وجه وبمنزلة ما قبل القسمة من وجه فإنهم ملكوها بالموت ملكا قهريا ونماؤها لهم وابتدأ حول الزكاة من حين الموت ولكن هي قبل القسمة كالباقي على

الملك الموروث ولو نمت لضوعف منها وصاياه وقضيت منها ديونه فهي في حكم الباقي على ملكه من بعض الوجوه ولو تجدد للميت صيد بعد موته بأن يقع في شبكة نصبها قبل موته ثبت ملكه عليه ولو وقع إنسان في بئر حفرها لتعلق ضمانه بتركته بعد موته فإذا قسمت التركة وتعين حق كل وارث انقطعت علاقة الميت عنها والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال ابن عبد البر هذا حديث حسن صحيح غريب وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب وأنه إنما أنكر من حديثه وضعف ما كان عن قوم ضعفاء عنه وهذا الحديث قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن حسين المعلم عن عمرو فذكره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والذين ردوا هذا الحديث منهم من رده لضعفه ومنهم من رده لكونه منسوخا ومنهم من قال لا دلالة فيه على الميراث بل لو صح كان معناه هو أحق به يواليه وينصره ويبره ويصله ويرعي ذمامه ويغسله ويصلي عليه ويدفنه فهذه أولويته به لا أنها أولويته بميراثه وهذا هو التأويل وقال بهذا الحديث آخرون منهم إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وطاوس وربيعة والليث بن سعد وهو قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وفيها مذهب ثالث أنه إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه وهو مذهب سعيد بن المسيب

وفيها مذهب رابع أنه إن أسلم على يديه ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه إلى غيره فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وفيها مذهب خامس أن هذا الحكم ثابت فيمن كان من أهل الحرب دون اهل الذمة وهو مذهب يحيى بن سعيد فلا إجماع في المسألة مع مخالفة هؤلاء الأعلام وأما تضعيف الحديث فقد رويت له شواهد منها حديث أبي أمامة وأما رده بجعفر بن الزبير فقد رواه سعيد بن منصور أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا ورواه أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مرسلا وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح فلا ينحط عن أدنى درجات الحسن وقد عضده المرسل وقضاء عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز برواية الفرائض وإنما يقتضي تقديم الأقارب عليه ولا يدل على عدم توريثه إذا لم يكن له نسب والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال الصبي إذا استهل ورث وصلى عليه ورواه الترمذي وقال هذا حديث قد روى موقوفا على جابر وكان الموقوف أصح ولفظه

الطفل لا يصلي عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل وفي مسند البزار من حديث ابن عمر يرفعه استهلال الصبي العطاس فيه ابن البيلماني عن أبيه

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فالظاهر والله أعلم أن المراد بالحديث أن الله تعالى قد ألف بين المسلمين بالإسلام

وجعلهم به إخوة متناصرين متعاضدين يدا واحدة بمنزلة الجسد الواحد فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف بل الذي توجبه أخوة الإسلام لبعضهم على بعض أعظم مما يقتضيه الحلف فالحلف إن اقتضى شيئا يخالف الإسلام فهو باطل وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له فلا فائدة فيه وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدة وتأكيدا وأما قول النبي ﷺ شهدت حلفا في الجاهلية ما أحب أن لي به حمر النعم لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت فهذا والله أعلم هو حلف المطيبين حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم وكف الظالم ونحوه فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدا لموجب الإسلام وتقوية له وأما الحلف الذي أبطله فهو تحالف القبائل بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ويحارب حاربه ويسالم من سالمه فهذا لا يعقد في الإسلام وما كان منه قد وقع في الجاهلية فإن الإسلام يؤكده ويشده إذا صار موجبه في الإسلام التناصر والتعاضد والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه وتأليف الكلمة وجمع الشمل

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد تبين ان الحلف الذي نفاه رسول الله ﷺ ليس هو الحلف والإخاء الذي عقده بين المهاجرين والأنصار ويشبه أن يكون أنس فهم من السائل له أن النهي عن الحلف متناول لمثل ما عقده النبي ﷺ فرد عليه أنس بحلف النبي ﷺ بين أصحابه في دارهم والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول هذا الحديث موضوع ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط وليس في الصحابة من اسمه السجل وكتاب النبي ﷺ معروفون لم يكن فيهم من يقال له السجل قال والآية مكية ولم يكن لرسول الله ﷺ كاتب بمكة والسجل هو الكتاب المكتوب واللام في قوله للكتاب بمعنى على والمعنى نطوي السماء كطي السجل على ما فيه من الكتاب كقوله وتله للجبين وقول الشاعر فخر صريعا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال عبد الحق لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم لأن سعيدا لم يرو عنه فيما أرى إلا ثابت وثابت مثله في الضعف يعني هذا الحديث من رواية ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال عن أبيه عن جده

قال الحافظ شمس الدين القيم رحمهالله وهو من رواية قابوس بن أبي ظبيان عن ابن عباس وثقة ابن معين مرة وضعفه مرة وضعفه غيره وحدث عنه يحيى بن سعيد

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وقال عبد الحق في إسناده اختلاف ولا أعلمه من طريق يحتج به

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله بعد ذكر الأقوال الأربعة التي ذكرها المنذري ولا تعارض بين هذين الحديثين بوجه فإن حديث أسامة صريح في أنه أعطاه القميص وقت موته فكفنه فيه وحديث عبد الله بن عمر لم يقل

فيه إنه ألبسه قميصه حين أخرجه من قبره وإنما فيه أنه نفث عليه من ريقه وأجلسه على ركبتيه وألبسه قميصه فأخبر بثلاث جمل متباينة الأوليان منها يتعين أن يكونا بعد الإخراج من القبر والثالثة لا يتعين فيها ذلك ولعل ابن عمر لما رأى عليه القميص في تلك الحال ظن أنه ألبسه إياه حينئذ

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي هذا رد على من زعم أنه لا يعاد من الرمد وزعموا أن هذا لأن العواد يرون في بيته مالا يراه هو وهذا باطل من وجوه أحدها هذا الحديث الثاني جواز عيادة الأعمى الثالث عيادة المغمى عليه وقد جلس النبي ﷺ في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق وهو ﷺ الحجة وهذا القول في كراهة عيادة المريض بالرمد إنما هو مشهور بين العوام فتلقاه بعضهم عن بعض

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والصواب في ذلك ما دل عليه النص أنه لا ينبغي القدوم على الأرض التي هو بها فان ذلك تعرض للبلاء وقد نهي النبي ﷺ عن تمني لقاء العدو وإذا وقع في أرض هو فيها فإنه لا ينبغي له أن يفر منه بالخروج منها وإن ظن في ذلك نجاته بل ينبغي له أن يصبر كما قال النبي ﷺ في العدو وإذا لقيتموه فاصبروا لاسيما والطاعون قد جاء أنه وخز أعدائنا من الجن فالطاعون كالطعان فلا ينبغي الفرار منهما ولا تمنى لقائهما

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره وقد روى في تحسين الكفن أحاديث وقد تأوله بعضهم على أن معنى الثياب العمل كني بها عنه يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو سيىء قال والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب والدنس وتقول دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك واستدل بقوله تعالى وثيابك فطهر وأكثر المفسرين على أن المعنى وعملك فأصلح ونفسك فزك قال الشاعر ثياب بني عوف طهارى نقية قال وقد ثبت أن النبي ﷺ قال يحشر الناس حفاة عراة وقالت طائفة البعث غير الحشر فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله سواء وروى ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ قال أكثروا من لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم ذكره أبو أحمد بن عدي وضمام هذا صدوق صالح الحديث قاله عبدالحق الأشبيلي

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا أحد الأحاديث التي ردتها عائشة واستدركتها ووهمت فيه ابن عمر والصواب مع ابن عمر فإنه حفظه ولم يتهم فيه وقد رواه عن النبي ﷺ أبوه عمر بن الخطاب وهو في الصحيحين وقد وافقه من حضره من جماعة الصحابة كما أخرجا في الصحيحين عن ابن عمر قال لما طعن عمر أغمي عليه فصيح عليه فلما أفاق قال أما علمتم أن رسول الله ﷺ قال إن الميت ليعذب ببكاء الحي

وأخرجا أيضا عنه عن النبي ﷺ قالالميت يعذب بما نيح عليه وأخرجا في الصحيحين أيضا عن أبي موسى قال لما أصيب عمر جعل صهيب يقول واأخاه فقال له عمر ياصهيب أما علمت أن رسول الله ﷺ قال إن الميت ليعذب ببكاء الحي وفي لفظ لهما قال عمر والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال من يبك عليه يعذب وفي الصحيحين عن أنس أن عمر لما طعن أعولت عليه حفصة فقال ياحفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول المعوك عليه يعذب وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله ﷺ يقول من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه فهؤلاء عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابنته حفصة وصهيب والمغيرة بن شعبة كلهم يروي ذلك عن النبي ﷺ ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث

والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بين روايتهم وبين قوله تعالى لا تزر وازرة وزر أخرى غير لازمة أصلا ولو كانت لازمة لزم في روايتها أيضا أن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا فإن الله سبحانه لا يعذب أحدا بذنب غيره الذي لا تسبب له فيه فما تجيب به أم المؤمنين من قصة الكافر يجيب به أبناؤها عن الحديث الذي استدركته عليهم ثم سلكوا في ذلك طرقا أحدها أن ذلك خاص بمن أوصى أن يناح عليه فيكون النوح بسبب فعله ويكون هذا جاريا على المتعارف من عادة الجاهلية كما قال قائلهم إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب ياابنة معبد وهو كثير في شعرهم وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث وهذا ضعيف من وجهين أحدهما أن اللفظ عام الثاني أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك وإن لم يوص به ومن وجه آخر وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيب نيح عليه أم لا والنبي ﷺ إنما علق التعذيب بالنياحة لا بالوصية المسلك الثاني أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات فإذا لم ينههم كان ذلك رضي منه بفعلهم وذلك سبب عذابه وهذا مسلك البخاري في صحيحه فإنه ترجم عليه وقال إذا كان النوح من سننه وهو قريب من الأول المسلك الثالث أن الباء ليست باء السببية وإنما هي باء المصاحبة والمعنى يعذب مع بكاء أهله عليه أي يجتمع بكاء أهله وعذابه كقولك خرج زيد بسلاحه قال تعالى وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به

وهذا المسلك باطل قطعا فإنه ليس كل ميت يعذب ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية كما فهمه أعظم الناس فهما ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه بالمغيرة يبطل هذا التأويل ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه المسلك الرابع أن المراد بالحديث ما يتألم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي عليه وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه فإن التعذيب هو من جنس الألم الذي يناله بمن يجاوره مما يتأذى به ونحوه قال النبي ﷺ السفر قطعة من العذاب وليس هذا عقابا على ذنب وإنما هو تعذيب وتألم فإذا وبخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواخة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أأنت كذلك وقد تقدم قول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن ثابت فإذا وجب فلا تبكين باكية وهذا أصح ما قيل في الحديث ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي ويسمع قرع نعالهم وتعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء فإذا رأى ما يسؤهم تألم له وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى بوجه ما

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شيء يعارض حديث جابر في قتلي أحد وأما الصلاة عليه فقد أخرجا في الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت

وحديث أنس أن النبي ﷺ صلى على حمزة وحديث أبي مالك الغفاري قال كان قتلي أحد يؤتي منهم بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلى عليهم رسول الله ﷺ ثم يحملون ثم يؤتي بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ هذا مرسل صحيح ذكره البيهقي وقال هو أصح ما في الباب وروى أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه صلى عليهم رواه البيهقي وقال لا يحفظ إلا من حديثهما وكانا غير حافظين يعني أبا بكر ويزيد بن أبي زياد وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه عن مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على حمزة فكبر سبع تكبيرات ولم يؤت بقتيل إلا صلى عليه معه حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة ولكن هذا الحديث له ثلاث علل إحداهما أن ابن إسحاق عنعنه ولم يذكر فيه سماعا الثانية أنا رواه عمن لم يسمه الثالثة أن هذا قد روى من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس والحسن لا يحتج به وقد سئل الحكم أصلى النبي ﷺ على قتلي أحد قال لا سأله شعبة وقد روى أبو داود عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه فصلى عليه ودفنه فقالوا يارسول الله أشهيد هو قال نعم وأنا له شهيد وقد تقدم قالوا وهذه آثار يقوي بعضها بعضا ولم يختلف فيها وقد اختلف في شهداء أحد فكيف يؤخذ بما اختلف فيه وتترك هذه الآثار والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهي الأليق بأصوله ومذهبه والذي يظهر من أمر شهداء أحد أنه لم يصل عليهم عند الدفن وقد قتل معه بأحد سبعون نفسا فلا يجوز أن تخفي الصلاة عليهم وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ فله من الخبرة ما ليس لغيره وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلي عليهم

وهذا ترده السنة المعروفة في ترك تغسيلهم فأصح الأقوال أنه لا يغسلون ويخير في الصلاة عليهم وبهذا تتفق جميع الأحاديث وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله وقد حمل الشافعي قولها ليس فيها قميص ولا عمامة على أن ذلك ليس في الكفن بموجود وأن عدد الكفن ثلاثة أبواب وحمله مالك على أنه ليس بمعدود من الكفن بل يحتمل أن يكون الثلاثة الأثواب زيادة على القميص والعمامة وقال ابن القصار لا يستحب القميص ولا العمامة عند مالك في الكفن ونحوه عن أبي القاسم قال وهذا خلاف ما حكى متقدموا أصحابنا يعني عن مالك

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الإمام أحمد وفي رواية أبي داود حديث مصعب هذا ضعيف يعني حديث عائشة وقال الترمذي قال البخاري حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك وقال ابن المنذر ليس في هذا حديث يثبت وقال الإمام أحمد وحديث أبي هريرة موقوف وسيأتي وقال الشافعي في رواية البويطي إن صح الحديث قلت بوجوبه وقال في رواية الربيع وأولى الغسل عندي أن يجب بعد غسل الجنابة الغسل من غسل الميت ولا أحب تركه بحال ثم ساق الكلام إلى أن قال وإنما منعني من أيجاب الغسل من غسل الميت أن في إسناده رجلا لم أقع من معرفة تثبت حديثه إلى يومي هذا على ما يقنعني فإن وجدت

من يقنعني من معرفة تثبت حديثه أوجبته وأوجبت الوضوء من مس الميت مفضيا إليه فإنهما في حديث واحد وقال في غير هذه الرواية وإنما لم يقو عندي أنه يروي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويدخل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة إسحاق مولى زائدة وقيل إن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثل معرفتي بأبي صالح ولعله أن يكون ثقة وقد رواه صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود يجزئه الوضوء قال أبو داود أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة فيه إسحاق مولى زائدة قال وحديث مصعب ضعيف هذا آخر كلامه وهذا الحديث له عدة طرق أحدها سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة الثاني سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة الثالث عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق عن أبي هريرة الرابع عن يحيى عن أبي إسحاق عن أبي هريرة الخامس عن يحيى عن رجل من بني ليث عن أبي إسحاق عن أبي هريرة السادس عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة السابع عن أبي صالح عن أبي سعيد الثامن عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا قال البيهقي رحمه الله والموقوف أصح التاسع زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا العاشر عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا

الحادي عشر صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا ذكرها البيهقي وقال إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفا وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ وقد روى أبو داود عن علي بن أبي طالب أنه اغتسل من تجهيزه أباه ومواراته قال البيهقي وروينا ترك إيجاب الغسل منه عن ابن عباس في أصح الروايتين عنه وعن ابن عمر وعائشة ورويناه أيضا عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك هذا آخر كلامه وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب أحدها أن الغسل لا يجب على غاسل الميت وهذا قول الأكثرين الثاني أنه يجب وهذا اختيار الجوزجاني ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري وهو قول أبي هريرة ويروى عن علي الثالث وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم وهو رواية عن الإمام أحمد لحديث علي أن النبي ﷺ أمره بالغسل وليس فيه أنه غسل أبا طالب مع أنه من رواية ناجية بن كعب عنه وناجية لا يعرف أحد روى عنه غير أبي إسحاق قاله ابن المديني وغيره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وابن حبان يصحح لعاصم ومن طريقه صحح حديث سبق رسول الله ﷺ بين الخيل وجعل بينهما محللا وذكره في الضعفاء قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذه النار كانت للاضاءة ولهذا ترجم عليه أبو داود الدفن بالليل

قال الإمام أحمد لا بأس بذلك وقال أبو بكر دفن ليلا وعلى دفن فاطمة ليلا وحديث عائشة سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ﷺ وممن دفن ليلا عثمان وعائشة وابن مسعود ورخص فيه عقبة بن عامر وابن المسيب وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلا فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبرا ليلا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعا قال وفي الباب عن جابر وزيد بن ثابت وهو أخو زيدا أكبر منه قال وحديث ابن عباس حديث حسن قال ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل وقد نزل النبي ﷺ في قبر ذي البجادين ليلا وفي صحيح البخاري أن النبي سأل عن قبر رجل فقال من هذا قالوا فلان دفن البارحة فصلى عليه وهذه الآثار أكثر وأشهر من حديث مسلم وفي الصحيحين عن ابن عباس قال مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أخبروه فقال ما منعكم أن تعلموني فقالوا كان الليل وكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه قيل وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب والذي ينبغي أن يقال في ذلك والله أعلم أنه متى كان الدفن ليلا لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه فلا بأس به وعليه تدل أحاديث الجواز وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه نهى عن ذلك وعليه يدل الزجر وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه كان رسول الله ﷺ إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد أو تدفن شك أبو معاوية

ويدل على أن المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق حديث البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس النبي ﷺ وجلسنا معه وهو حديث صحيح وسيأتي إن شاء الله تعالى

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا هو الذي نحاه الشافعي قال وقد روى حديث عامر بن ربيعة وهذا لا يعدو أن يكون منسوخا أو يكون النبي ﷺ قام لها لعلة قد رواها بعض المحدثين من أن جنازة يهودي مر بها على النبي ﷺ فقام لها كراهية أن تطوله وأيهما كان فقد جاء عن النبي ﷺ تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمره إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب وإن كان مباحا فلا بأس في القيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعله قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختلف أهل العلم في القيام الجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال أحدها أن ذلك كله منسوخ قيام تابعها وقيام من مرت عليه وقيام المسيح على القبر قال هؤلاء وما جاء من القعود نسخ هذا كله وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه

أحدها أن شرط النسخ المعارضة والتأخر وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن وفي استمرار قيام المشيعين حتى توضع وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه الثاني أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها فمنها حديث عامر بن ربيعة وهو في الصحيحين وفي بعض طرقه إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه وفي لفظ إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه ومنها حديث أبي سعيد وهو متفق عليه ولفظهما إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع وفي لفظ لهما إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع وهو دليل على القيام في المسألتين ومنها حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي وهو في الصحيحين وتعليله بأن ذلك كراهية أن تطوله تعليل باطل فإن النبي ﷺ علل بخلافه وعنه في ذلك ثلاث علل إحداها قوله إن الموت فزع ذكره مسلم في حديث جابر وقال إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا الثانية أنه قام للملائكة كما روى النسائي عن أنس أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام فقيل إنها جنازة يهودي فقال إنما قمنا للملائكة الثالثة التعليل بكونها نفسا وهذا في الصحيحين من حديث قيس بن سعد وسهل بن حنيف قالا إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام فقيل إنه يهودي فقال أليست نفسا فهذه هي العلل الثابتة عنه وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي وتعليل النبي ﷺ الذي ذكره بلفظه أولى فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدم عليها حديث عبادة مع ضعفه وحديث علي وإن

كان في صحيح مسلم فهو حكاية فعل لا عموم له وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ وإنما فيه أنه قام وقعد وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون كل منهما جائزا والأمر بالقيام ليس على الوجوب وهذا أولى من النسخ قال الإمام أحمد إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس وقال القاضي وابن أبي موسى القيام مستحب ولم يرياه منسوخا وقال بالتخيير إسحاق وعبد الملك بن حبيب وابن الماجشون وبه تأتلف الأدلة أو يدل على نسخ قيام القاعد الذي يمر عليه بالجنازة دون استمرار قيام مشيعها كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة الثالث أن أحاديث القيام لفظ صريح وأحاديث الترك إنما هو فعل محتمل لما ذكرنا من الأمرين فدعوى النسخ غير بينة والله أعلم وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي ﷺ فقعد علي وأبو هريرة ومروان وقام أبو سعيد ولكن هذا في قيام التابع والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ومثل هذا يعني قول المنذري سفيان بن عيينة من الأثبات الحفاظ وقد أتى بزيادة على من أرسل فوجب تقديمه لا يعبأ به أئمة الحديث شيئا ولم يخف عليهم أن سفيان حجة ثقة وأنه قد وصله فلم يستدرك عليهم المتأخرون شيئا لم يعرفوه وقال آخرون قد تابع ابن عيينة على روايته إياه عن الزهري عن سالم عن أبيه يحيى بن

سعيد وموسى بن عقبة وزياد بن سعد وبكر ومنصور وابن جريج وغيرهم ورواه عن الزهري مرسلا مالك ويونس ومعمر وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث وفيه استدراك وفائدة تستفاد قال المصححون لارساله الحديث هو لسفيان وابن جريج أخذه عن سفيان قال الترمذي قال ابن المبارك وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان قالوا وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر فإنها من رواية همام وقد قال الترمذي في الجامع وروى همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام يعني أن الحديث لسفيان وحده وروى عنه همام كذلك وفي هذا نظر لا يخفى فإن هماما قد رواه عن هؤلاء عن الزهري ويبعد أن يكونوا كلهم دلسوه عن سفيان ولم يسمعوه من الزهري وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته وإتقانه يرويه كذلك عن الزهري وكذلك موسى بن عقبة فلأي شيء يحكم للمرسلين على الواصلين وقد كان ابن عيينة مصرا على وصله ونوظر فيه فقال الزهري حدثنيه مرارا فسمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم عن أبيه وقد روى الترمذي في جامعه من حديث يونس عن ابن شهاب عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة قال الترمذي هذا غير محفوظ وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ أخطأ فيه محمد بن بكر وإنما يروي هذا الحديث عن يونس عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة قال الزهري وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة قال محمد والحديث الصحيح هو هذا هذا آخر كلام البخاري وسيأتي بعد هذا حديث ابن مسعود الجنازة متبوعة ليس معها من يقدمها وأنه ضعيف وذكر ابن عبد البر من حديث أبي هريرة يرفعه امشوا خلف الجنازة وفيه كنانة مولى صفية لا يحتج به وذكر أبو أحمد بن عدي عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ كان يمشي خلف الجنازة وهو من حديث يحيى بن سعيد الحمصي العطار منكر الحديث

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ أحدهما فلا شيء فقط وهي في بعض نسخ السنن اللفظ الثاني فلا شيء عليه وهي رواية الخطيب اللفظ الثالث فلا شيء له وهي رواية ابن ماجه اللفظ الرابع فليس له أجر ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقال هو خطأ لا إشكال فيه قال والصحيح فلا شيء عليه

وهذا الذي قاله أبو عمر في حديث أبي هريرة هو الصواب لأن فيه قال صالح فرأيت الجنازة توضع في المسجد فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعا إلا في المسجد خرج وانصرف ولم يصل عليها ذكره البيهقي في حديث صالح وقد قال بعض أهل الحديث ما رواه ابن أبي ذئب عن صالح فهو لا بأس به لأنه روى عنه قبل الاختلاط وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه وقال ابن عدي وممن سمع من صالح قديما ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم ولحقه مالك والثوري وغيرهم بعد الأختلاط 9

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ قام على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه قال الترمذي وفي الباب عن أنس وبريدة وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وأبي قتادة وسهل ابن حنيف قال الترمذي وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم لا يصلى على القبر وهو قول مالك بن أنس وقال عبد الله بن المبارك إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلي على القبر وقال الإمام أحمد ومن يشك في الصلاة على القبر يروي عن النبي ﷺ من ستة وجوه حسان وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي ﷺ صلى على قبر وفي الصحيحين عن ابن عباس قال مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده نذكر الحديث وفيه فأتى قبره فصلى عليه ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن المبارك فإنها وقائع أعيان والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه الحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأخرجه الإمام أحمد والحاكم في صحيحه وقد أعله أبو حاتم بن حبان بأن قال زاذان لم يسمعه من البراء قال ولذلك لم أخرجه وهذه العلة فاسدة فإن زاذان قال سمعت البراء بن عازب يقول فذكره ذكره أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه وأعله ابن حزم أيضا بضعف المنهال بن عمرو وهي علة فاسدة فإن المنهال ثقة صدوق وقد صححه أبو نعيم وغيره

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذه الآثار لا تضاد بينها والأمر بتسوية القبور إنما هو تسويتها بالأرض وأن لا ترفع مشرفة عالية وهذا لا يناقض تسنيمها شيئا يسيرا عن الأرض ولو قدر تعارضها فحديث سفيان بن دينار التمار أصح من حديث القاسم وقال البيهقي وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون محفوظا وليس الأمر كذلك فحديث سفيان رواه البخاري في صحيحه وحديث القاسم لم يروه أحد من أصحاب الصحيح

قال الشيخ أبو محمد المقدسي حديث سفيان التمار أثبت وأصح فكان العمل به أولى قال البيهقي في حديث سفيان وصحة رواية سفيان له مسنما فكأنه غير يعني القبر عما كان عليه في القديم فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك ثم أصلح الحافظ شمس الدين بن القيم رحمة الله وتبويب أبي داود وذكره هذا الحديث يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت لا شهر ولا غيره وقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ صلى على أم سعد بعد موتها بشهر وهذا مرسل صحيح وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين وصلى على غير واحد في القبر لدون الشهر

ولم يأت في التحديد نص وصلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفى الصلاة بعد أزيد منه وكون الميت في الغالب لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له فإن هذا يختلف باختلاف الأرض والعظام تبقى مدة طويلة ولا تأثير لتمزق اللحوم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي صحيح أبي حاتم بن حبان من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذون القبور مساجد وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله عزوجل قد اتخذني خليلا

كما اتخذ ابراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك وفي الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وزاد البخاري إن هذه الكنيسة ذكرت للنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا لما نزل 1 برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا وفي صحيح أبي حاتم بن حبان عن أبي صالح عن ابن عباس قال لعن رسول الله ﷺ زائرات

القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج قال أبو حاتم أبو صالح هذا اسمه مهران ثقة وليس بصاحب الكلبي ذاك اسمه باذام وقال عبد الحق الإشبيلي هو بإذام صاحب الكلبي وهو عندهم ضعيف جدا وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يرجح هذا أيضا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختلف الناس في هذين الحديثين فضعفت طائفة حديث بشير قال البيهقي رواه جماعة عن الأسود بن شيبان ولا يعرف إلا بهذا الإسناد وقد ثبت عن أنس عن النبي ﷺ فذكر هذا الحديث

وبالجملة وقال أحمد بن حنبل رحمة الله حديث بشير إسناده جيد أذهب إليه إلا من علة قال المجوزون يحتمل أن يكون النبي ﷺ رأى بنعليه قذرا فأمره أن يخلعهما ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لما فيه من الخيلاء فإن النعال السبتية من زي أهل التنعم والرفاهية كما قال عنترة يظل كأن ثيابه في سرجه يحذي نعال السبت ليس بتوأم وهذا ليس بشيء ولا ذكر في الحديث شيء من ذلك ومن تدبر نهي النبي ﷺ عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رؤوسهم ولهذا ينهى عن التغوط بين القبور وأخبر النبي ﷺ أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب خير من الجلوس على القبر ومعلوم أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال

وبالجملة فاحترام الميت في قبرة بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيافإن القبر قد صار داره وقد تقدم قوله ﷺ كسر عظم الميت ككسره حيا فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة ويلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تضافرت به الآثار ومن تأمل كتاب القبور لإبن أبي الدنيا رأي فيه آثارا كثيرة في ذلك فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال وإحترامها بل هذا من تمام محاسنها وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها وأما تضعيف حديث بشير فمما لم نعلم أحدا طعن فيه بل قد قال الإمام أحمد إسناده جيد وقال عبد الرحمن بن مهدي كان عبد الله بن عثمان يقول فيه حديث جيد ورجل ثقة وأما معارضته بقوله ﷺ إنه ليسمع قرع نعالهم فمعارضة فاسدة فإن هذا إخبار من النبي ﷺ بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي وهذا لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال إذ الإخبار عن وقوع الشيء لايدل على جوازه ولا تحريمه ولا حكمه فكيف يعارض النهي الصريح به قال الخطابي ثبت أن رسول الله ﷺ نهى أن توطأ القبور وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبر كذا قال فضلت حاجتي

أو وسط الطريق وعلى هذا فلا فرق بين النعل والجمجم والمداس والزربول وقال القاضي أبو يعلى ذلك مختص بالنعال السبتية لا يتعداها إلى غيرها قال لأن الحكم تعبدي غير معلل فلا يتعدى مورد النص وفيما تقدم كفاية في رد هذا وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد تقدم أن أبا حاتم خالفه في ذلك وقال أبو صالح هذا هو مهران ثقة وليس بصاحب الكلبى ذاك اسمه باذام وقد أخرج الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة إن رسول الله ﷺ لعن زوارت القبور وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن حبان في صحيحه وفي الباب عن عائشة وحسان وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد في مسنده وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال قبرنا مع رسول الله ﷺ يوما فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه فلما حاذينا به وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله ﷺ ما أخرجك يافاطمة من بيتك قالت يارسول الله رحمت على أهل هذا الميت ميتهم فقال لها رسول الله ﷺ فلعلك بلغت معهم الكدي قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك فسألت ربيعة عن الكدي فقال القبور قال أبو حاتم يريد الجنة العالية التي يدخلها من لم يرتكب نهي رسول الله ﷺ لأن فاطمة علمت النهي فيه قبل ذلك والجنة هي جنان كثيرة لا جنة واحدة والمشرك لا يدخل الجنة أصلا لا عالية ولا سافلة ولا ما بينهما وقد طعن غيره في هذا الحديث وقالوا هو غير صحيح لأن ربيعة بن سيف ضعيف الحديث عنده مناكير وقد اختلف في زيارة النساء للمقابر على ثلاثة أقوال أحدها التحريم لهذه الأحاديث والثاني يكره من غير تحريم وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه وحجة هذا القول حديث أم عطية المتفق عليه نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة لا للتحريم

والثالث أنه مباح لهن غير مكروه وهو الرواية الأخرى عن أحمد واحتج لهذا القول بوجوه أحدها ما روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال زوروا القبور فإنها تذكر الموت قالوا وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه بل هن المراد به فإنه إنما علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال وهذا صريح في النسخ لأنه قد صرح فيه بتقدم النهي ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها والنساء قد نهين عنها فيتناولهن الأذن قالوا وأيضا فقد قال عبد الله بن أبي ملكية لعائشة ياأم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها أليس قد نهي رسول الله ﷺ عن زيارة القبور قالت نعم ثم أمر بزيارتها رواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع عن بسطام بن مسلم عن أبي التياح عن ابن أبي مليكة قال توفى عبد الرحمن بن أبي بكر يحيى فحمل إلى مكة فدفن فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن فقالت وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ثم قالت والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك قالوا وأيضا فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها فقال لها اتقي الله واصبري فقالت وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها إنه رسول الله ﷺ فإخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول الله لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى وترجم عليه البخاري باب زيارة القبور قالوا ولأن تعليل زيارتها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء وليس الرجال إليه منهن قال الأولون أحاديث التحريم صريحة في معناها فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على الزيارة واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج وهذا غير منسوخ بل لعن في مرض موته من فعله كما تقدم قالوا وقوله ﷺ كنت نهيتكم إنما هو صيغة خطاب للذكور والإناث وإن دخلن فيه تغليبا

فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور قالوا وأما قولكم إن النهي إنما كان للنساء خاصة فغير صحيح لأن قوله كنت نهيتكم خطاب للذكور أصلا ووضعا فلا بد وأن يتناولهم وحدهم ولو كان النهي إنما كان للنساء خاصة لقالكنت نهيتكن ولم يقل نهيتكم بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعا للتعلق بالأموات وسدا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذ فيها فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل يسيرة تحصل لهن بالزيارة والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة وقد روى البيهقي وغيره من حديث محمد بن الحنفية عن علي أن النبي ﷺ خرج في جنازة فرأى نسوة جلوسا فقال ما يجلسكن فقلن الجنازة فقال أتحملن فيمن يحمل قلن لاقال فتدلين فيمن يدلي قلن لا قال فتغسلن فيمن يغسل قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات وفي رواية فتحثين فيمن يحثو ولم يذكر الغسل فهذا يدل على أن اتباعهن الجنازة وزر لا أجر لهن فيه إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعهن لها بل فيه مفسدة للحي والميت قالوا وأما حديث عائشة فالمحفوظ فيه حديث الترمذي مع ما فيه وعائشة إنما قدمت مكة للحج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه وهذا لا بأس به إنما الكلام في قصدهن الخروج لزيارة القبور ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت لو شهدتك لما زرتك وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور وإلا لم يكن في قولها ذلك معنى

وأما رواية البيهقي وقولها نهى عنها ثم أمر بزيارتها فهي من رواية بسطام بن مسلم ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي وتأويله إنما يكون مقبولا حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه وهذا قد عارضه أحاديث المنع قالوا وأما حديث أنس فهو حجة لنا فإنه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ومن جملتها النهي عن الزيارة وقال لها اصبري ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر فلما أبت أن تقبل منه ولم تعرفه انصرف عنها فلما علمت أنه ﷺ هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء وبعد فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه ﷺ زائرات القبور ونحن نقول إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز فعلى التقديرين لا تعارض أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز فهو حجة للمنع وقولها ولم يعزم علينا إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطا في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كاف ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله فاستغنين عن العزيمة عليهن وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولفظ النسائي فله ثنياه وفي لفظ له فهو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء ترك ولفظ الترمذي فلا حنث عليه ولفظ ابن ماجه إن شاء رجع وإن شاء ترك غير حانث قال الترمذي وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفا وهكذا روى مسلم عن ابن عمر موقوفا ولا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني وقال إسماعيل بن إبراهيم كان أيوب أحيانا يرفعه وأحيانا كان لا يرفعه وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث رواه الترمذي وهذا الإسناد متفق على الاحتجاج به إلا أن الحديث معلول قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ أخطأ فيه

عبد الرزاق اختصره من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن سليمان بن داود قال لأطوفن الليلة على تسعين امرأة الحديث وفيه لو قال إن شاء الله كان كما قال

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة كذلك رواه محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري وسليمان بن أرقم متروك والحديث عند غيره عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ كذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير وبمعناه رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير إلا في حديث الأوزاعي لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين وكذلك رواه حماد ابن ويد عن محمد بن الزبير ورواه بن أبي عروبة عن محمد بن الزبير وقال لا نذر في معصية الله ورواه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير عن أبيه أن رجلا حدثه أنه سأل عمران بن حصين عن رجل حلف أنه لا يصلي في مسجد قومه فقال عمران سمعت رسول الله ﷺ يقول لانذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وفي هذا دلالة على أن أباه لم يسمعه من عمران ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن الزبير عن رجل صحبه عن عمران ورواه الثورى عن محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران إلا أنه قال لا نذر في معصية أو في غضب قال فهذا حديث مختلف في إسناده ومتنه كما ذكرنا ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك وقد روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال محمد بن الزبير الحنظلي منكر الحديث وفيه نظر قال البيهقي وإنما الحديث فيه عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمي أن غلاما لابنه أبق فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده فلما قدر عليه بعثني إلى عمران بن حصين فسألته فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة فقل لابنك فليكفر عن يمينه وليتجاوز عن غلامه قال وبعثنى إلى سمرة فقال مثل ذلك وهذا أصح ما روى فيه عن عمران واختلف في اسم الذي رواه عن الحسن فقيل هكذا وقيل حبان بن عمران البرجمي

والأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران وسمرة والذي روي عن ابن عباس مرفوعا من نذر نذرا في معصية الله فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين لم يثبت رفعه والله أعلم قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية وهم أحمد وإسحاق والثورى وأبو حنيفة وأصحابه هذه الآثار قد تعددت طرقها ورواتها ثقات وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة فإن له شواهد تقويه رواه عن النبي ﷺ سوى عائشة جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر قاله الترمذي وفيه حديث ابن عباس رفعه من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين رواه أبو داود ورواه ابن الجارود في مسنده ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ النذر نذران فما كان لله فكفارته الوفاء به وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه المترجم وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة قال الاشبيلي وهذا أصح إسنادا وأحسن من حديث أبي داود يعني حديث الزهري عن أبي سلمة المتقدم وفي مصنف عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ مرسلا لا نذر في غضب ولا في معصية الله وكفارته كفارة يمين قالوا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال كفارة النذر كفارة اليمين وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين أحدهما أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر

الثاني أنه شبهه باليمين ومعلوم أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره قالوا ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ولا يحفظ عن صحابي خلافهم قالوا وهب أن هذه الآثار لم تثبت فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه لأن النذر يمين ولو حلف ليشربن الخمر أو ليقتلن فلانا وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية وقد ثبت عن النبي ﷺ تسمية النذر يمينا لما قال لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها وهو حديث صحيح وسيأتي وعن عقبة مرفوعا وموقوفا النذر حلفة وقال ابن عباس في امرأة نذرت ذبح ابنها كفري يمينك فدل على أن النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم وذلك أن حقيقته هي حقيقة اليمين فإنه عقده لله ملتزما له كما أن الحالف عقد يمينه بالله ملتزما حلف عليه بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإن ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجبا فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة فدل على أن الالتزام بالندر آكد من الالتزام باليمين فكيف يقال إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلا هذا وحده لكان كافيا

ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين أن الناذر إذا قال لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله والتزامه تعظيمه كما عقدها الحالف بالله كذلك فهما من هذه الوجوه سواء والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله فهو ملتزم من وجهين له وبه والحالف إنما التزم ما حلف عليه خاصة فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها ولأجل هذه القوة والتأكيد قال بعض الموجبين للكفارة فيه إنه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها بل تجب عليه الكفارة عينا ولو فعلها لقوة النذر بخلاف ما إذا حلف عليها فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث لأن اليمين أخف من النذر وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وتوجيهه ظاهر جدا فإن النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية وعين عليه الكفارة عينا فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائها وبالله التوفيق

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله المحفوظ في هذا الحديث ماأخرجه أصحاب الصحيح من قوله أمسك عليك بعض مالك وأما ذكر الثلث فيه فإنما أتى به ابن إسحاق ولكن هو في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال يارسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأنخلع من مالي صدقة لله عزوجل ولرسوله فقال رسول الله ﷺ يجزىء عنك الثلث ولعل بعض الرواة وهم في نقله هذا إلى حديث كعب بن مالك في قصة توبته ولكن ليس في هذا أنه نذر الصدقة بماله ولا تعلق في قوله ويجزئك الثلث على أنه كان نذرا فإن يجزىء رباعي بمعنى يكفي والمعنى يكفيك مما عزمت عليه وأردته الثلث وليس في هذا ما يدل على أن الناذر للصدقة بماله يجزئه ثلثه والقياس أنه إن كان حالفا بالصدقة أجزأه كفارة يمين وإن كان ناذرا متقربا تصدق به وأبقى ما يكفيه ويكفي عياله على الوجه الذي قلنا به في الحج وقال ربيعة يتصدق منه بقدر الزكاة لأنها هي الواجب شرعا فينصرف النذر إليها وقال الشافعي إن حلف به فكفارة يمين وإن نذره قربة تصدق به كله وقال مالك يخرج ثلثه في الوجهين وقال أبو حنيفة إن كان ماله زكويا تصدق به كله وعنه في غير الزكوي روايتان إحداهما يخرجه كله والثانية لا تجب الصدقة بشيء منه وأصح هذه الأقوال ما دل عليه حديث كعب المتفق عليه أنه يتصدق به ويمسك عليه بعضه وهو ما يكفيه ويكفي عياله والله أعلم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله الصواب في هذا أنه قول عائشة كذلك رواه الناس وهو في صحيح البخاري عن عائشة قولها ورواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة سعيد بن المسيب عن عمر عندنا حجة قال أحمد إذا لم نقبل سعيدا عن عمر فمن نقبل قد رآه وسمع منه ذكره ابن أبي حاتم فليس روايته عنه منقطعة على ما ذكره أحمد ولو كانت منقطعة فهذا الانقطاع غير مؤثر عند الأئمة فإن سعيدا أعلم الخلق بأقضية عمر وكان ابنه عبد الله بن عمر يسأل سعيدا عنها وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله ﷺ قبل مرسله فكيف إذا روى عن عمر

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأخرج ابن ماجه منهمن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها وترجم عليه من قال تركها كفارتها

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال البيهقي أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة تم كلامه وقد روي هذا من حديث ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة أما حديث ابن عباس فرواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن

النبي ﷺ ذكره البيهقي والبزار وغيرهما وقال البزار ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادا من هذا وأما حديث ابن عمر فرواه علي بن عبد العزيز من حديث محمد بن دينار الطاحي عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال إنما يرويه عن زياد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ مرسلا وأما حديث جابر بن سمرة فرواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وقال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال البيهقي واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشا وأمره أن يبتاع ظهرا إلى خروج المصدق فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين إلى خروج المصدق بأمر رسول الله ﷺ وهذا غير حديث محمد بن إسحاق فإنه يرويه عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريث عن عبد الله بن عمرو

قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي ﷺ اشترى صفية من دحية الكلبي بسبعة أرؤس وقال الشافعي أخبرنا سفيان عن ابن طا