الفرق بين المراجعتين لصفحة «مجموع الفتاوى/المجلد السابع عشر/فصل في قول الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد»

ط
(استيراد تلقائي للمقالات - كتابة على الأعلى)
 
وقال رجل للنبي {{صل}}: أنت سيدنا فقال: « السيد الله » ودل قوله: الأحد، الصمد على أنه لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ فإن الصمد: هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء، فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال: { قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } <ref>[الأنعام: 14]</ref>، وفي قراءة [[الأعمش]] وغيره: { ولا يَطْعَمْ } بالفتح. وقال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمتينُ } <ref>[الذاريات: 56: 58]</ref>، ومن مخلوقاته الملائكة، وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون، فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غني وكمال جعله لبعض مخلوقاته؛ فلهذا فسر بعض السلف الصمد: بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد: المصمد الذي لا جوف له، فلا يخرج منه عين من الأعيان، فلا يلد.
 
ولذلك قال من قال من السلف: هو الذي لا يخرج منه شيء، ليس مرادهم أنه لا يتكلم، وإن كان يقال في الكلام: إنه خرج منه، كما قال في الحديث: «ما تقرب العباد إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني: القرآن، وقال أبو بكر الصديق لما سمع [[قرآن مسيلمة]]: إن هذا لم يخرج من إلٍّ. فخروج الكلام من المتكلم هو بمعني أنه يتكلم به فيسمع منه، ويبلغ إلى غيره ليس بمخلوق في غيره، كما يقول الجهمية: ليس بمعني أن شيئا من الأشياء القائمة به يفارقه، وينتقل عنه إلى غيره، فإن هذا ممتنع في صفات المخلوقين، أن تفارق الصفة محلها، وتنتقل إلى غير محلها، فكيف بصفات الخالق جل جلاله. وقد قال تعالى في كلام المخلوقين: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } <ref>[الكهف: 5]</ref>، وتلك الكلمة هي قائمة بالمتكلم، وسمعت منه ليس خروجها من فيه، أن ما قام بذاته من الكلام فارق ذاته، وانتقل إلى غيره، فخروج كل شيء بحسبه، ومن شأن العلم والكلام إذا استفيد من العالم والمتكلم ألا ينقص من محله؛ ولهذا شبه بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء، وهو باق على حاله لم ينقص، فقول من قال من السلف: الصمد: هو الذي لم يخرج منه شيء، كلام صحيح، بمعني أنه لا يفارقه شيء منه.
 
ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن يولد؛ وذلك أن الولادة والتولد وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين، وما كان من المتولد عينًا قائمة بنفسها، فلابد لها من مادة تخرج منها، وما كان عرضًا قائمًا بغيره، فلابد له من محل يقوم به.
والثاني: نفاه بكونه سبحانه الصمد، وهذا المتولد من أصلين يكون بجزئين ينفصلان من الأصلين، كتولد الحيوان من أبيه وأمه بالمنى الذي ينفصل من أبيه وأمه، فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر، وإلى أن يخرج منهما شيء، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى فإنه أحد، فليس له كفؤ يكون صاحبة ونظيرًا، وهو صمد لا يخرج منه شيء، فكل واحد من كونه أحدًا، ومن كونه صمدًا يمنع أن يكون والدًا، ويمنع أن يكون مولودًا بطريق الأولى والأحرى.
 
وكما أن التوالد في الحيوان لا يكون إلا من أصلين سواء كان الأصلان من جنس الولد، وهو الحيوان المتوالد، أو من غير جنسه، وهو المتولد فكذلك في غير الحيوان كالنار المتولدة من الزندين، سواء كانا خشبتين، أو كانا حجرًا وحديدًا، أو غير ذلك، قال الله تعالى: { فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } <ref>[العاديات: 2]</ref>، وقال تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ } <ref>[الواقعة: 71: 73]</ref>، وقال تعالى: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ } <ref>[يس: 78: 80]</ref>، قال غير واحد من المفسرين: هما شجرتان يقال لأحدهما: المرخ، والأخرى: العفار. فمن أراد منهما النار؛ قطع منهما غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثي فتخرج منهما النار بإذن الله تعالي. وتقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وقال بعض الناس: في كل شجرة نار إلا العناب، { فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ } <ref name="يس: 80">[يس: 80]</ref>، فذلك زنادهم.
 
وقد قال أهل اللغة الجوهري وغيره: الزند: العود الذي يقدح به النار، وهو الأعلي. والزندة السفلي فيها ثقب، وهي الأنثي، فإذا اجتمعا قيل: زندان.
ولهذا يقول الفقهاء في النجاسة: هل تطهر بالاستحالة أم لا؟ كما تستحيل العذرة رمادًا، والخنزير وغيره ملحًا، ونحو ذلك، والمنى الذي في الرحم يقلبه الله علقة ثم مضغة، وكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التي يخرجها من الشجرة من الرطوبة مع الهواء والماء الذي نزل عليها، وغير ذلك من المواد التي يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته، وكذلك الحبة يفلقها وتنقلب المواد التي يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك، وهكذا خلقه لما يخلقه سبحانه وتعالى كما خلق آدم من الطين، فقلب حقيقة الطين، فجعلها عظمًا ولحمًا وغير ذلك من أجزاء البدن، وكذلك المضغة يقلبها عظامًا، وغير عظام. قال الله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } <ref>[المؤمنون: 12: 16]</ref>.
 
وكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارًا، كما قال تعالى: { الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا } <ref>[ name="يس: 80]<"/ref>. فنفس تلك الأجزاء التي خرجت من الشجر الأخضر جعلها الله نارًا من غير أن يكون كان في الشجر الأخضر نار أصلًا، كما لم يكن في الشجرة ثمرة أصلًا، ولا كان في بطن المرأة جنين أصلًا؛ بل خلق هذا الموجود من مادة غيره بقلبه تلك المادة إلى هذا، وبما ضمه إلى هذا من مواد أخر، وكذلك الإعادة يعيده بعد أن يبلي كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في الصحيح، عن النبي {{صل}} أنه قال: «كل ابن آدم يبلى إلا عَجْبَ الذَّنَبِ. منه خلق ابن آدم، ومنه يركب».
 
وهو إذا أعاد الإنسان في النشأة الثانية لم تكن تلك النشأة مماثلة لهذه، فإن هذه كائنة فاسدة، وتلك كائنة لا فاسدة، بل باقية دائمة، وليس لأهل الجنة فضلات فاسدة تخرج منهم، كما ثبت في الصحيح، عن النبي {{صل}} أنه قال: «أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون وإنما هو رشح كرشح المسك». وفي الصحيحين، عن النبي {{صل}}؛ أنه قال: «يحشر الناس حُفاةً عُراةً غُرْلًا» ثم قرأ: { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } <ref>[الأنبياء: 104]</ref>. فهم يعودون غلفًا لا مختونين.
 
وقال [[الحسن البصري]] ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء. وقال قتادة: بدأهم من التراب، وإلى التراب يعودون، كما قال تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } <ref name="طه: 55">[طه: 55]</ref>، وقال: { فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } <ref name="الأعراف: 25">[الأعراف: 25]</ref>.
 
وهو قد شبه سبحانه إعادة الناس في النشأة الأخرى بإحياء الأرض بعد موتها في غير موضع كقوله: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } <ref name="الأعراف: 57">[الأعراف: 57]</ref>، وقال: { وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } إلى قوله: { وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } <ref>[ق: 7: 11]</ref>، وقال تعالى: { ييَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شيئا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } <ref>[الحج: 5، 6]</ref>، وقال تعالى: { وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } <ref name="فاطر: 9">[فاطر: 9]</ref>.
 
وهو سبحانه مع إخباره أنه يعيد الخلق، وأنه يحيي العظام وهي رميم، وأنه يخرج الناس من الأرض تارة أخرى، هو يخبر أن المعاد هو المبدأ، كقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } <ref>[الروم: 27]</ref>، ويخبر أن الثاني مثل الأول، كقوله تعالى: { وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ } <ref>[الإسراء: 98: 99]</ref>، وقال تعالى: { وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا } <ref>[الإسراء: 49: 52]</ref>، وقال تعالى: { أو ليسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } <ref>[يس: 81]</ref>، وقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } <ref name="الأحقاف: 33">[الأحقاف: 33]</ref>، وقال: { أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ } <ref>[الواقعة: 58: 62]</ref>.
 
والمراد بقدرته على خلق مثلهم هو قدرته على إعادتهم، كما أخبر بذلك في قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } <ref>[ name="الأحقاف: 33]<"/ref>، فإن القوم ما كانوا ينازعون في أن الله يخلق في هذه الدار ناسًا أمثالهم، فإن هذا هو الواقع المشاهد يخلق قرنًا بعد قرن، يخلق الولد من الوالدين، وهذه هي النشأة الأولى، وقد علموها، وبها احتج عليهم على قدرته على النشأة الآخرة، كما قال: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُون } <ref>[الواقعة: 62]</ref>، وقال: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } <ref>[يس: 78، 79]</ref>، وقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ } <ref>[الحج: 5]</ref>.
 
ولهذا قال: { عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ } . قال الحسن بن الفضل البجلي: الذي عندي في هذه الآية: { وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى } أي: أخلقكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون، كيف شئت، وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى، كيف كانت في بطون الأمهات، وليست الأخرى كذلك. ومعلوم أن النشأة الأولى كان الإنسان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلقة، ثم ينفخ فيه الروح، وتلك النطفة من منى الرجل والمرأة، وهو يغذيه بدم الطمث الذي يربي الله به الجنين في ظلمات ثلاث: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن. والنشأة الثانية لا يكونون في بطن امرأة، ولا يغذون بدم، ولا يكون أحدهم نطفة رجل وامرأة، ثم يصير علقة بل ينشؤون نشأة أخرى، وتكون المادة من التراب، كما قال: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } <ref>[ name="طه: 55]<"/ref>، وقال تعالى: { فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } <ref>[ name="الأعراف: 25]<"/ref>، وقال: { وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا } <ref>[نوح: 17، 18]</ref>. وفي الحديث: «إن الأرض تمطر مطرًا كمنى الرجال ينبتون في القبور كما ينبت النبات»، كما قال تعالى: { كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } <ref>[ق: 11]</ref>، { كَذَلِكَ النُّشُورُ } <ref>[ name="فاطر: 9]<"/ref>، { كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } <ref>[ name="الأعراف: 57]<"/ref>.
 
فعلم أن النشأتين نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر؛ ولهذا جعل المعاد هو المبدأ، وجعل مثله أيضا فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله، وهكذا كل ما أعيد. فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ والمعاد، سواء في ذلك إعادة الأجسام والأعراض كإعادة الصلاة وغيرها، فإن النبي {{صل}} مر برجل يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة. ويقال للرجل: أعد كلامك، وفلان قد أعاد كلام فلان بعينه، ويعيد الدرس. فالكلام هو الكلام وإن كان صوت الثاني غير صوت الأول وحركته، ولا يطلق القول عليه أنه مثله، بل قد قال تعالى: { كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } <ref>[الإسراء: 88]</ref>، وكان رسول الله {{صل}} إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا.
 
{{مجموع الفتاوى/17}}
 
[[تصنيف:مجموع الفتاوى:التفسير|{{SUBPAGENAME}}]]