رسالة التوحيد للدهلوي

  ► ◄  


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

خطبة الكتاب:

يا رب لك ألف ألف حمد وشكر على ما أنعمت به علينا من نعم لا تعد ولا تحصى وعلى ما هديتنا إلى الدين القويم والصراط المستقيم وأرشدتنا إلى الدين الخالص والتوحيد النقي و خرطتنا في سلك أمة نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم و آله وسلم وبعثت فينا رغبة في تعلم هديه وألهمتنا حب خلفائه الذين يقودون إلى مسالكه ويهدون بالحق وبه كانوا يعدلون اللهم فصل وسلم على حبيبك وآله وأصحابه وخلفائه ألف ألف صلاة وسلام وارحم أتباعها وأشركنا معهم وأحينا على طريقهم ما عشنا وتوفنا عليه إذا أمتنا واحشرنا في زمرتهم إذا بعثتنا قوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان.

أما بعد؛ فاعلموا رحمكم الله أن البشر كلهم عبيد الله ووظيفة العبد وقيمته أن يقوم بالعبادة فالذي لا يقوم بالعبادة ولا يؤدي وظيفته فقد ثار على فطرته وفقد قيمته وقوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان فمن تطرق إلى عقيدته خلل أو تعرض إيمانه لفساد لم تقبل منه عبادة ولم يصح له عمل ومن صحت عقيدته واستقام إيمانه كان القليل من عمله كثيرا ومن هنا وجب على كل إنسان أن لا يدخر وسعا في تصحيح إيمانه وأن يكون الحصول عليه والاستيثاق منه غاية أمله ونهاية سؤله لا يعدل به شيئا ولا يتأخر فيه دقيقة.

وقد سلك الناس في هذا العصر في الدين طرائق قددا وتشعبوا شعبا فمنهم من يتمسك بعادات الأولين وتقاليد السابقين ويعض عليها بالنواجذ ومنهم من يحتج بحكايات الصالحين وأساطير الأولين ومنهم من يتشبث بكلام من تسمى بالعلماء وامتاز بتشدق اللسان وحدة الذهن ومنهم من يركض ركائب العقل في هذا الميدان ويرخي لها العنان.

وكان الأفضل الأعدل أن يرد الإنسان كل ذلك إلى الله ورسوله فيصدر عما ثبت عنهما ويتحاكم إليه ويتخذه بيانا شافيا وحكما قاطعا فيقبل من قصص المشايخ والصالحين ومن كلام العلماء والوعاظ والمذكرين ما وافق الأصول والنصوص وينبذ من الكلام والأحاديث ومن العادات والتقاليد ما خالفها.

تسويلات الشيطان في الصد عن القران:

وأما ما اشتهر في العوام أن كلام الله ورسوله من الغموض والدقة بمكان لا يفهمه فيه الناس ويحتاجون في فهمه إلى علم غزير ولا قبل لنا بفهم القران والحديث أما العمل بمقتضاه وتطبيقه فلا ينوء به إلا خاصة الخاصة من الذين سمت همتهم وتزكت نفوسهم من الزهاد والعباد ولا مطمع لنا في ذلك وحسبنا أن نفهم كلام أمثالنا ونهتدي بهديهم ونمضي على ما درج عليه آباؤنا وعامة أهل بلادنا.

فيعرف الخبير أنه كلام لا نصيب له من الصحة لأن الله سبحانه وتعالى يصف كتابه المجيد بالبيان والوضوح. ولقد قال في سورة البقرة ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون وقد ثبت من ذلك أنه لا يتعسر فهم ما جاء في القرآن وإنما يحتج بتعسره وغموضه من جمحت نفسه وقسا قلبه فإن النفوس تعاف الانقياد وتتهرب من العمل والطاعة وإنما تريد أن يلقى حبلها على غاربها وتترك لها حريتها وانطلاقها.

ولا يتوقف فهم كلام الله ورسوله على علم غزير وذكاء حاد فإن الأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال وتعليم الجهال وقد قال الله تعالى في سورة الجمعة هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقد من الله بذلك على عباده فمن مضى بعد ذلك يقول إنه لا سبيل لغير العالم إلى فهم ما جاء به النبي ولا طاقة لغير من سمت همتهم وتزكت نفوسهم أن يعمل بتعاليمه ويسلك طريقه فقد أنكر هذه الآية وكفر بهذه النعمة وحرى أن يقال إن القرآن يرتقي بالجهال إلى درجة العلماء والضلال إلى مستوى الصالحين والأصفياء فرب جاهل لا يفقه شيئا بلغ بفهمه مبلغ العلماء الراسخين ورب ضال تائه استنار بنوره واهتدى بهديه وبلغ ذروة الصلاح والإخلاص.

أحوج الناس إلى الطبيب المرضى:

إن مثل ذلك كمثل طبيب حاذق كثر حوله المرضى وانتشرت في أرضه الأمراض والأوباء فأشير على مريض اشتدت به العلة وأضناه المرض بالاستعانة بهذا الطبيب وغشيانه ولكنه تعلل بقوله أنا المريض لج بي المرض وإنما يأتيه وينتفع به من سلم من الأمراض واعتدلت صحته وقويت بنيته فماذا يقول الناس عن عقل هذا الرجل وفطنته ألا يرون أنه ينكر براعة الطبيب وحذقه فإن الأطباء لا يعنون إلا بالمرضى والطبيب الذي لا يداوي إلا الأصحاء ولا ينتفع بدوائه إلا الأقوياء أما المرضى فهم أشقى الناس بطبه وحذقه فلا خير في هذا الطبيب إنه اسم بلا مسمى ولفظ بلا معنى.

كذلك كل من أمعن في الجهالة كانت حاجته أشد إلى تفهم كلام الله ورسوله وكان حريا بأن يكون أحرص عليه من غيره ومن كثرت ذنوبه وخطاياه واشتد ظلمه لنفسه كان أجدر بالاقبال على كتاب الله وهدى رسوله حتى يصلح حياته وينقذ نفسه كذلك يجب على كل طبقة من طبقات الناس الخاصة منها والعامة أن تتفحص عن كلام الله ورسوله وتتفهمه وتسلكه في حياتها وتزن إيمانها وعقيدتها في ميزانه وتحكه على محكه.

للإيمان جزءان:

وليعلم أن للإيمان جزئين الأول الإيمان بالله كاءله ورب والإيمان بالرسول كرسول ونبي والإيمان بالله كاءله ورب يعني أن لا يشرك به أحد والإيمان بالرسول كرسول ونبي يعني أن لا يسلك طريق غيره فيجب على كل أحد أن يتمسك بالتوحيد وإتباع السنة بقوة وعزم ويبتعد عن الشرك والبدعة كل الابتعاد فانهما الشرك والبدعة يؤثران في الإيمان ويحدثان خللا فيه أما سائر الذنوب والمعاصي فهي تؤثر في الأعمال وتحدث خللا فيها.

من يصلح للإقتداء:

ويجب أن لا يتخذ قدوة وإماما إلا من رسخت قدمه في التوحيد وإتباع السنة وكان بمعزل عن الشرك والبدعة بعيدا عنهما كل البعد وينتفع الناس بصحبته ويسرى فيهم نور التوحيد وحب السنة.

موضوع الكتاب ونظامه:

لذلك ذكرنا في هذه الرسالة جملة من الآيات والأحاديث ذات صلة قوية بالتوحيد وإتباع السنة وذم الشرك والبدعة ونبذهما وآثرنا فيها السهولة والوضوح حتى ينتفع به الخاصة والعامة بطريق سواء ويسلك من وفقه الله الصراط المستقيم ويتقرب به إلى الله من يدعو إلى ذلك ويكون له وسيلة إلى النجاة استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر وأصبح التوحيد الخالص غريبا ولكن معظم الناس لا يعرفون معنى الشرك ويدعون الإيمان مع أنهم قد تورطوا في الشرك وتلوثوا به فمن المهم قبل كل شئ أن يفقه الناس معنى الشرك والتوحيد ويعرفوا حكمهما في القرآن والحديث

مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة:

ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات

عند الشدائد فينادونها ويصرخون بأسمائها ويسألون عنها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب وينذرون لها ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم وتقضي مآربهم وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعا في رد البلاء فيسمى بعضهم ابنه بعبد النبي وبعضهم بعلي بخش وحسين بخش وبير بخش ومدار بخش وسالار بخش وغلام محيي الدين وغلام معين الدين ويرسل بعض الناس ضفيرة في رأسه باسم ولي من الأولياء وبعضهم يقلد ابنه قلادة باسم شيخ أو ولى وبعضهم يكسو ولده لباسا وبعضهم يصفد ابنه بقيد في الرجل باسم أحد المشايخ والأولياء وبعضهم يذبح حيوانا بأسمائهم وبعضهم يستغيث بهم عند الشدة وبعضهم يحلف في حديثه بأسمائهم.

تقليد جهال المسلمين للمشركين القدامى:

والحاصل أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقا مع آلهتهم إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرا بشبر وذراعا بذراع وحذو القذة بالقذة والنعل بالنعل فما اجرأهم على الله وما أبعد الشقة بين الاسم والمسمى والحقيقة والدعوى.

وصدق الله العظيم إذ قال في سورة يوسف وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فإذا عارضهم معارض وقال أنتم تدعون الإيمان وتباشرون أعمال الشرك فكيف تجمعون بين الماء والنار وتؤلفون بين الضب والنون قالوا نحن لا نأتي بشيء من الشرك إنما نبدي ما نعتقده في الأنبياء والأولياء من الحب والتقدير أما إذا عدلناهم بالله واعتقدنا أنهم والله جل وعلا بمنزلة سواء كان ذلك شركا لا شك فيه ولكننا لا نقول بذلك بل نعتقد بالعكس إنهم خلق الله وعبيده أما ما نعتقده فيهم من القدرة والتصرف في العالم فهما مما أكرمهم الله وخصهم به فلا يتصرفون في العالم إلا بإذن منه ورضاه فما كان نداؤنا لهم واستعانتنا بهم إلا نداء لله واستعانة به ولهم عند الله دالة ومكانة ليست لغيرهم قد أطلق أيديهم في ملكه وحكمهم في خلقه يفعلون ما يشاءون وينقضون ويبرمون وهم شفعاؤنا عند الله و وكلاؤنا عنده فمن حظي عندهم و وقع عندهم بمكان كانت له حظوة ومنزلة عند الله وكلما اشتدت معرفته بهم اشتدت معرفته بالله إلى غير ذلك من التأويلات الكاسدة والحجج الداحضة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

والسر في ذلك أن القوم قد نبذوا كلام الله وحديث رسوله وراءهم وسمحوا لعقولهم القاصرة أن تتدخل فيما ليس لها مجال فيه وتشبثوا بالأساطير والروايات الشائعة التي لا تستند إلى تاريخ ونقل صحيح واحتجوا بتقاليد خرافية وعادات جاهلية وإن كانوا عولوا على كلام الله ورسوله وعنوا بتحقيقه عرفوا أنها نفس التأويلات والحجج التي كان كفار العرب يتمسكون بها

في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ويحاجونه بها ولم يقبلها الله منهم بل كذبهم فيها فقال في سورة يونس: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18].

وقد علمنا من هذه الآية أنه لا يوجد في سماء ولا أرض من يشفع لأحد وتنفع شفاعته من استشفع به وما شفاعة الأنبياء والأولياء إلا بإذن ربهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون فسواء ناداهم أحد أو صرخ باسمهم أو لم ينادهم ولم يصرخ باسمهم فلا يتحقق إلا ما يريده الله ويأمر به وقد تبين من هذه الآية أن من عبد أحدا من الخلق اعتقادا بأنه شفيعه كان مشركا بالله وقد قال الله تعالى في سورة الزمر: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].

وقد نكب هؤلاء الجهال عن طريق الحق وأعرضوا عن الله الذي كان أقرب إليهم من كل أحد وأقبلوا على غير الله واتخذوه ظهيرا ونصيرا و وليا من دون الله وحرموا نفوسهم النعمة الكبيرة التي أنعم الله بها عليهم فإنه يحقق جميع المطالب ويرد جميع الآفات من غير واسطة فلم يشكروا هذه النعمة ولم يقدروها قدرها وأقبلوا على خلقه يطلبون منهم قضاء الحاجات ورفع الآفات فعسروا الميسور وفضلوا ملتوى الطريق وجاهدوا في غير جهاد وبدلوا نعمة الله كفرا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ويبتغون في ذلك عند الله بل بالعكس من ذلك كلما أمعنوا في هذا الطريق واستمروا في هذا الطريق ازدادوا من الله بعدا و قد وضح من ذلك أن من اتخذ وليا من دون الله كان مشركا بالله كاذبا كافرا بنعمة الله.

وقال الله تعالى في سورة المؤمنون {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 88 - 89].

وقد تبين من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لم يمنح أحدا من خلقه قدرة التصرف في العالم وأنه لا طاقة لأحد أن يدافع عن أحد.

حقيقة شرك أهل الجاهلية و ضلالهم:

وكذلك تبين أن الكفار الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعدلون آلهتهم بالله ويرونهم مع الله بمنزلة سواء بل كانوا يقرون بأنهم مخلوقون وعبيد ولم يكونوا يعتقدون أبدا أن آلهتهم لا يقلون عن الله قدرة وقوة وهم والله في كفة واحدة فما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم لآلهتهم والنذور التي كانوا ينذرون لها والقرابين التي كانوا يقربونها بأسمائهم واتخاذهم لهم شفعاء و وكلاء فمن عامل أحدا بما عامل به الكفار آلهتهم وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء.

خلال الشرك وأعماله:

فاعلم أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدا بالله ويساوي بينهما فلا فرق بل إن حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله بذاته العلية وجعلها شعارا للعبودية لأحد من الناس كالسجود لأحد والذبح باسمه والنذر له

والاستغاثة به في الشدة واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان وإثبات قدرة التصرف له وكل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركا وإن كان يعتقد أن هذا الإنسان أو الملك أو الجني الذي يسجد له أو يذبح أو ينذر له أو يستغيث به أقل من الله شأنا وأصغر منه مكانا وأن الله هو الخالق وهذه عبده وخلقه لا فرق في ذلك بين الأولياء والأنبياء والجن والشياطين والعفاريت والجنيات فمن عاملها هذه المعاملة كان مشركا لذلك وصف الله اليهود والنصارى الذين غلوا في أحبارهم و رهبانهم مثل ما غلا المشركون في آلهتهم بما وصف به عباد الأوثان والمشركين وغضب على هؤلاء الغلاة المنحرفين كما غضب على غلاة المشركين فقال اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون وقد ذكر أن جميع الخلق سواءا كانوا علماء أو عبادا حكاما أو ملوكا كلهم عبيد خاضعون عاجزون ضعفاء لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ولا يملكون إذا بعثهم الله وطلبهم إلا أن يقفوا أمام ربهم خاضعين مستسلمين طائعين

منقادين يقول الله تعالى في سورة مريم إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيامة فردا فظهر أنه هو المتصرف وحده وأنه لا يملك أحدا غيره ولا يمكنه فيه وأن الناس يأتون ربهم فرادى لا يمنع أحدا آخر وقد تظافرت الآيات على ذلك وكثرت ومن تأمل في آيتين أو ثلاث من الآيات الكثيرة التي سردناها والتي لم يتسع المجال لذكرها عرف الفرق بين الشرك والتوحيد وتجلت له حقيقتهما وقد آن الأوان لأن نذكر الخلال والأعمال التي خصصها الله بذاته العلية ولم يأذن لغيره أن يكون له نصيب منها وهي كثيرة يطول ذكرها ولكن لابد أن نخص بالذكر منها ما يستطيع القارئ الفهم الذكي أن يقيس عليها ويميز بين الحق والباطل والهدى والضلال:

1. العلم المحيط الشامل من خصائص الله تعالى:

وفي مقدمة هذه الأمور أنه من شأن الله وحده أن يكون وحاضرا وناظرا في كل مكان يعلم مادق وجل أو دنا أو خفى او ظهر لا تخفى عليه خافية في أي وقت لا فرق في ذلك بين نور وظلمه وبين سماوات وأرضين وبين قلل الجبال وأغوار البحار هذا العلم المحيط الشامل لكل زمان ومكان الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة صفة خاصة بالله تعالى لا يشاركه فيها أحد فمن كان يلهج باسم أحد من الخلق ويناديه قائما وقاعدا وعن قرب وبعد ويستصرخه ويستغيث به عند نزول البلاء ودفع الأعداء ويختم ختمة باسمه أو يراقبه ويركز فكره عليه ويصرف همته إليه متمثلا صورته كأنه يشاهده ويعتقد أنه إذا ذكر اسمه باللسان أو القلب أو تمثل صورته أو قبره واستحضرهما علم بذلك وعرفه وأنه لا يخفى عليه من أمره شيء وأنه مطلع على ما ينتابه من مرض وصحة وعسر ويسر وموت وحياة وحزن وسرور ولا يتفوه بشيء من كلام وتنطق به شفتاه ولا يساوره هم من الهموم ولا يجول بخاطره معنى إلا وعلم ذلك واطلع عليه كان بذلك مشركا وكل ذلك يدخل في الشرك ويسمى هذا النوع الإشراك في العلم وهو من إثبات صفة العلم المحيط لغير الله وإن كان هذا الإثبات لنبي أو ولي أو شيخ أو شهيد أو إمام أ سليل إمام أو عفريت أو جنية سواء اعتقد أنه يعلم من ذاته أو يعلم أنه منحة من الله وعطاء منه وقد استقل بهذا العلم وأصبح له صفة لا تنفك عنه كل ذلك شرك.

2. التصرف المطلق بالإرادة والقدرة الكاملة من خصائص الله تعالى:

والشيء الثاني يجب أن يعتقد الإنسان أن التصرف في العالم بالإرادة وإصدار الأمر والنهي والأمانة والأحياء كما يشاء والبسط والقبض في الرزق والإفاضة بالصحة والمرض والفتح والهزيمة وتسخير القضاء والقدر لإنسان فيكون النصر دائما حليفه ويكون محظوظا لا تزال أموره في إقبال أو بالعكس فتدبر عنه الدنيا ويلج به الخذلان وإنجاح المطالب وتحقيق الأماني ودفع البلايا والإغاثة في الشدائد وإلهاف الملهوف وإنهاض العاثر هذه كلها من خصائص الله تعالى لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء والأولياء والشهداء والصلحاء والعفاريت والجنيات فمن أثبت هذا التصرف المطلق لأحد منهم وطلب منه حاجاته وقرب القرابين والنذر لأجل ذلك أو استصرخه في نازلة كان مشركا ويقال لهذا النوع الإشراك في التصرف سواءا اعتقد أنهم يقدرون على ذلك بأنفسهم أو اعتقد أن الله سبحانه وتعالى وهبهم هذه القدرة وخلع عليهم هذه الكرامة.

3. أعمال العبادة وشعائرها خاصة بالله تعالى:

والشيء الثالث أن الله سبحانه وتعالى خصص بعض أعمال التعظيم لنفسه وهي التي تسمى عبادة كالسجود والركوع والوقوف بخشوع وتواضع مثلا يضع يده اليمنى على اليسرى وإنفاق المال باسم من يعتقد فيه الصلاح أو العظمة والصوم له وقصد بيته من أنحاء بعيدة وشد الرحل إليه بوجه يعرف كل من رأه يؤم بيته حاجا زائرا والهتاف باسمه في الطريق كالتلبية والتجنب من الرفث والفسوق والقنص وصيد الحيوانات ويمضي بهذه الآداب والقيود ويطوف بالبيت ويسجد إليه ويسوق الهدى إليه وينذر النذور هناك ويكسو ذلك البيت كما تكسى الكعبة والوقوف على عتبته والإقبال على الدعاء والاستغاثة والسؤال لتحقيق مطالب الدنيا والآخرة وبلوغ الأماني وتقبيل حجر من أحجار هذا البيت والإلتزام بجداره والتمسك بأستاره وإنارة السرج والمصابيح حوله تعظيما وتعبدا والاشتغال بسدانته والقيام بجميع الأعمال التي يقوم بها السدنة من كنس وإنارة وفرش وسقاية وتهيئة أسباب الوضوء والغسل وشرب ما بئره تبركا وصبه على الجسم وتوزيعه على الناس وحمله إلى من لم يحضر والمشي مدبرا عند العودة حتى لا يولى البيت دبره واحترام الغابة التي تحيط به والتأدب معها فلا يقبل صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها ولا يرعى ماشية في حماها.

كل هذه الأعمال علمها رب العالمين عباده وأفردها لنفسه فمن أتى بها لشيخ طريقة أو نبي أو جني أو لقبر محقق أو مزور أو لنصب أو لمكان عبادة عكف فيها أحد الصالحين على العبادة والذكر والرياضة أو لبيت أو لأثر من آثار أحد الصالحين يتبرك به أو شعار يعرف به أو يسجد لتابوت أو يركع له أو يصوم باسمه أو يقف أمامه خاشعا متواضعا واضعا إحدى يديه على الأخرى أو يقرب له حيوانا أو بؤم بيتا من هذه البيوت من بعيد فيشد الرحل أو يوقد السرج فيه تعظيما وتعبدا أو يكسوه بكسوة كما تكسى الكعبة أو يضع على ضريح ستورا أو يغرز علما أو عودا باسمه وإذا رجع رجع على أعقابه أو يقبل القبر أو يحرك المراوح عليه ليذب الذباب كما يفعل الخدم مع أسيادهم الأحياء أو ينصب عليه سرادقا أو يقبل عتبته ويضع اليمنى على اليسرى ويتضرع إليه أو يجلس على ضريح سادنا وقيما ويتأدب مع ما يحيط به من أشجار وآجام وأعشاب فلا يتعرض لها بإهانة أو إزالة إلى غير ذلك من الأعمال والالتزامات فقد تحقق عليه الشرك ويسمى إشراكا في العبادة سواءا اعتقد أن هذه الأشياء وأن يفرج الكرب ببركة هذا التعظيم.

4. علامات التعظيم الدال على العبودية والاستكانة خاصة بالله تعالى:

الرابع أن الله تعالى علم عباده طرقا يستقيم بها إيمانهم وتنزل البركة في حياتهم الدنيا وتتحقق بها مطالبهم منها النذر لله في الشدة ونزول البلاء والنداء باسمه عند كربة وضيق وافتتاح كل من عمل باسمه والذبح له حين يرزقون ولدا شكرا لله تعالى وتسميتهم بأسماء يتجلى فيها التوحيد والعبودية كعبد الله وعبد الرحمن وهبة الله وجاد المولى وعطاء الله وأمة الله وعطية الرحمن وتخصيص جزء من حواصل المزارع وثمار البساتين باسم الله تعالى وتخصيص جزء من المال والماشية ونذره لله تعالى وتعظيم الهدي والقلائد لبيت الله وامتثال أوامره والانتهاء من نواهيه في المأكل والمشرب والملبس واعتقاد أن كل ما يصيبه من خير وشر ومجاعة ورخص وغلاء وصحة وسقم وفتح وعزيمة وسعد وشقاء ومساعدة الحظ وتخلفه وحزن وفرح كله من قبضته والإحالة إلى مشيئته قبل ذكر إرادته فيقول سأعمل كذا إذا شاء الله وتعظيم اسمه تعظيما تتجلى فيه قدرة الله وعجز العبيد فيقول مثلا ربي وسيدي وخالقي وإذا أراد أن يحلف يحلف باسمه إلى غير ذلك من علامات التعظيم وشعائره فمن أتى بذلك للأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء والعفاريت والجنيات مثلا ينذر لها إذا ألمت به كربه أو نزلت به ضائقة أو ينادي بأسمائها عند ملمة أو نازلة أو يفتتح عمله بأسمائها وإذا رزق ولدا نذر لها نذورا أو سمى أولاده بعبد النبي أو إمام بخش أو بير بخش ويخصص جزءا من الحبوب أو الثمرات لها ويقدم لها مما أخرجته الأرض من زروع وأثمار ثم يستعمله في أغراضه ويخصص من المال وقطعان الأنعام أموالا ودواب ثم يتأدب معها فلا يصرفها ولا يزجرها عن العلف والتبن ولا يضربها بعصا أو حجر أدبا وتعظيما ويتمسك بالعادات القديمة والأعراف الشائعة في الأكل والشرب واللباس ويتقيد بها كما يتقيد بأحكام الشريعة فيحرم طعاما ولباسا لأناس ويحلهما لأناس ويحظر هما على طبقة كالذكور والإناث ويبيحهما لأخرى فيقول إن الطعام الفلاني لا يقربه الرجال وإن الطعام الفلاني لا تقربه الجواري ولا تقربه المرأة التي تزوجت بزوج ثان وإن الخبيص الذي يعد باسم الشيخ عبد الحق لا يأكله من يستعمل النارجيلة وينسب ما يحدث من خير وشر وما ينتاب من بؤس ورخاء إلى هؤلاء المشايخ والأولياء فيقول إن فلانا أدركته لعنة فلان فجن وفلان طرده فلان فافتقر وفلان أنعم عليه فلان فساعده الحظ وحالفه الإقبال وأصابت الناس المجاعة بنوء كذا ونوء كذا وفلان بدأ عمله بيوم كذا وفي ساعة كذا فلم يوفق ولم يتم أو ييقول إن شاء الله ورسوله كان كذا أو يقول إن شاء شيخي وقع كذا أو يضفي على من يعظمه أسماءا وصفات تختص بالله وهي من نعوت العظمة والكبرياء والغنى عن الخلق والقدرة المطلقة والجود الذي لا نهاية له أو القهر والجبروت مثل المعبود وأغنى الأغنياء وإله الآلهة ومالك الملك وملك الملوك أو يحلف بالنبي أو بعلي أو بأحد أولاده الذين يسميهم الشيعة الأئمة الاثنى عشر أو بشيخ أو بقبره كل ذلك يتحقق منه الشرك ويسمى الإشراك في العبادة يعني أن يعظم غير الله في الأعمال التي اعتادها تعظيما لا يليق إلا بالله.

وهذه الأنواع الأربعة للشرك قد جاء ذكرها صريحا في القرآن والحديث لذلك قسمنا هذا الباب في خمسة فصول وهي كما يلي:

الفصل الأول: في التحذير عن الشرك

قال اللَّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً} [النساء: 116].

الفرق بين الشرك وسائر الذنوب:

أعلم أن هنالك أنواعا من الذنوب والآثام يقترفها الناس إذا جمحت بهم النفوس وغلبهم الهوى فمنهم من لا يميز بين حلال وحرام ومنهم من يقترف سرقة أو عملا من أعمل الفسوق أو يترك الصلاة والصيام أو لا يأتي بما فرض الله عليه من حقوق الأهل والعيال أو يسيء إلى والديه ويغلظ القول لهما ولكن الذي تورط في الشرك فقد أسرف وظلم نفسه ظلما مبينا لأنه قد جناية لا يغفرها الله أما الذنوب والآثام الأخرى فربما يغفرها الله ويتجاوز عنها ولكن الشرك لا بد أن يوفى حسابه.

الشرك الجلي ثورة وخروج يحرك الغيرة الإلهية:

الشرك الجلي الذي هو من آخر درجات الشرك ويكفر به الإنسان يبقى صاحبه في النار خالدا مخلدا لا يخرج منها أما أنواع الشرك التي هي دون هذا الشرك فسيلقى صاحبها ما أعد الله لها من العقوبات في الآخرة إن شاء عفا عنها وإن شاء أخذ بها ومثل ذلك أن الملك قد يعفو عن أناس من رعيته يرتكبون سرقة وعن أناس يقطعون الطريق على قوافل أو يشنون غارة ومنهم من يتكاسل عن الحراسة أو الخفارة فينام عنها ومنهم من يتخلف عن حضور مجلس الملك والمثول بين يديه عندما يجلس للناس ويتهاون بذلك ومنهم من يتولى عن الزحف ويتسلل عن الحرب ومنهم من يقصر في أداء الضرائب و واجبات الحكومة ولكل جناية من هذه الجنايات عقوبات محددة عند الملك إن شاء أخذ بها وإن شاء عفا عنها.

وتقابل هذه الجنايات جنايات تنم عن الثورة على الملك والخروج عليه مثلا يبايع بالملك لأمير أو وزير أو دهقان أو مرزبان أو عمدة قرية أو موظف حكومي من أصحاب النباهة وأهل النبل أو لكناس أو إسكاف من أهل المهن الوضيعة والطبقات السافلة فيصنع له تاجا وإكليلا ويهيء له عرشا وسريرا أو يخلع عليه الألقاب الملوكية ويخاطبه بجلالة الملك وظل الله في الأرض أو يأتي له بالتحيات التي يؤتي بها للملوك وبالآداب التي جرت بها العادة عند الملوك أو يحتفل بيوم جلوسه كما يحتفل الرعية بيوم جلس فيه ملكها على العرش وجرى تتويجه فيه أو يقدم له نذرا كما يقدم للملوك فهذه الجناية أكبر من كل جناية وصاحبها لا محالة لاق جزاءه وكل ملك يستهين بشأن هذه الجنايات ويغفل عن معاقبة هؤلاء المجرمين كان في ملكه وهن ونسبه العقلاء إلى قلة الغيرة وضعف الرأي وسقوط الهمة أما مالك الملك تبارك وتعالى فهو أغير من كل غيور و أقوى من كل قوي فيجب أن يخشى بأسه وتتقى سطوته فكيف يعقل أن يتغافل عن المشركين وكيف لا يوفيهم حسابهم لطف الله بالمسلمين ووقاهم آفات الشرك.

الشرك ظلم و وضع للشيء في غير محله:

قال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقد هدت لقمان الحكمة العميقة التي أكرمه الله وخصه بها إلى أن أفحش الظلم أن يجود الإنسان على أحد بحق غيره فمن أعطى حق الله لأحد خلقه فقد عمد إلى حق أكبر كبير فأعطاه أذل ذليل وكان كرجل وضع تاج الملك على مفرق إسكاف وأي جور أكبر من هذا الجور وأي ظلم أفحش من هذا الظلم؟

وليعلم يقينا أن كل مخلوق كبيرا كان أو صغيرا هو أذل من إسكاف أمام عظمة الله وجلالته وقد دلت الآية وشهد به الشرع والعقل السليم أن الشرك أقبح العيوب وما زال الناس يعتبرون إساءة الأدب مع كبرائهم وساداتهم أكبر من كل كبير كانت إساءة الأدب إليه ولا شراك معه عيبا ليس فوقه عيب وخرقا لا يفوقه خرق وقد اتفقت جميع الشرائع على المنع من الشرك والأمر بالتوحيد وهو الصراط المستقيم وطريق النجاة وكل ما عداها من طرق وسبل فهي طرق الضلال والسبل المردية قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

إن الله لا يقبل إلا خالصا ليس لأحد فيه نصيب:

أخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه وأنا منه بريء».

وقد دل هذا الحديث على أن الله تعالى لا يقبل عملا أشرك فيه معه غيره فلا يقبل عبادة المشرك بل يتبرأ منها وليس شأنه شأن الذين يأخذون نصيبهم من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم فأنه أغنى من كل غني وأغبر من كل غيور فلا ييقبل إلا خالصا مخلصا ليس لأحد فيه سهم أو نصب.

عهد سبق في عالم الأرواح:

أخرج أحمد عن أبي بن كعب رضي اللَّه عنه في تفسير قول اللَّه عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172]، قال جمعهم فجعلهم أزواجا، صورهم، فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا إني سأرسل إليكم يذكرونكم عهدي وميثاق وأنزل عليكم كتبي قالوا شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك.

وقد فسر أبي بن كعب رضي الله عنه الآية تفسيرا واضحا وذكر أن الله سبحانه وتعالى قد صنف أولاد آدم أصنافا فكانت طائفة من الأنبياء وطائفة من الأولياء وطائفة من الشهداء وطائفة من الشهداء وطائفة ن المطيعين وطائفة من العصاة والفاسقين وطائفة من الكفار كاليهود والنصارى والمجوس والمشركين وأبرز هذه الطوائف في الصور والأجسام التي أراد خلقها منها الوسيم ومنها الدميم ومنها الأصم ومنها الأعور ومنها الأعمى ثم وهبها النطق ثم قال لها ألست بربكم فأقرت جميعا وقالت بلى أنت ربنا ثم أخذ منها العهد والميثاق أن لا تشرك في ملكه وحكمه أحدا وأن لا تتخذ غيره ربا وإلها فقبلته جميعا وأعطت العهد والميثاق وأشهد الله على ذلك السماوات والأرض وأباهم آدم وقل سيبعث الأنبياء ليذكروا بهذا العهد والميثاق وسيحملون الكتب السماوية وأقرت كل طائفة على حدة على حده بالتوحيد وتبرأت من الشرك فظهر من ذلك أنه لا مسوغ للاحتجاج بكلام عالم أو شيخ أو كلام آباء وأجداد أو ملوك وسلاطين.

وإن قال قائل لقد نسينا في هذه الحياة كل ما جرى في عالم الأرواح فلا معول على شيء منسي ولا يصح الاحتجاج به وهذا لا يصح لأن الإنسان كثيرا ما ينسى شيئا ثم يؤمن به إذا أخبره به الثقات فكلنا ولد من بطن أمه ولكنه لا يذكر هذه الساعة ولا هذا الحادث فإنه كان لا يعي ذلك ولم يكن يعقل في ذلك الحين ولكن لما استفاض ذلك الخبر وتواترت به الأنباء وتناقلته الألسن آمن به ولم يشك في أمه أنها له أم وهو لها ابن لا يعدل عنها عدولا ولا يبغي لها بديلا فمن عق أمه ولم يبر بها واتخذ له أما أخرى كثرت القالة فيه وأصبح شامة في الناس فإن تعلل بأنه لا يذكر هذا الحادث وأنه لا يعتمد على مجرد الإشاعة ضعف الناس عقله وسفهوا حلمه واعتبروه قليل الحياء قليل الأدب فإذا كان الناس يعتمدون على حديث العامة وآمنوا بسببه بحقائق كان الأنبياء أولى بهذه الثقة وأجدر بالاحتجاج.

وقد تبين من هذا الحديث أنه قد سبق أمر الله بالتوحيد والنهي عن الشرك لكل نسمة في عالم الأرواح وما بعث الرسل ونزلت الصحف إلا لتبين ذلك وتؤكده وقد تلخص كلام الأنبياء الذين يبلغ عددهم إلى مائة ألف واربعة وعشرين ألفا وعلم الصحف السماوية التي يبلغ عددها إلى مائة وأربعة كتب في هذه النكتة وهو الاعتصام بالتوحيد وإخلاص الدين لله والابتعاد عن الشرك واتخاذ غير الله حاكما يتصرف في الكون واتخاذه ربا يطلب منه تحقيق مطالبه وإسعاف حاجته.

الضن بعقيدة التوحيد والاستقامة:

واخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت».

فيجب على المسلم أن يصبر على ما يصيبه من الأذى من الجن أو العفاريت كما يجب عليه أن يصبر على ما يصيبه من محنة أو مكروه من بشر في حياته ولا ينبغي أن تحمله هذه الفتنة على وهن في الدين أو فساد في العقيدة فيحبط بذلك عمله ويخسر بذلك دينه الذي هو ملاك أمره ورأس ماله فيجب عليه أن يعتقد أن الأمر كله بيد الله ولكنه قد يمتحن عباده وينال الأخيار أذى من الأشرار ليميز الله الخبيث من الطيب ويميز بين المؤمن والمنافق وكما أن المسلمين يكونون عرضة لأذى الكفار والفساق فلا يسعهم على ذلك إلا الصبر ولا يرضون أن يتطرق إلى دينهم وهن أو يتسرب إلى عقيدتهم فساد كذلك قد يصيب بعض الصالحين مس من الجن أو خبل من الشياطين فلا يكون ذلك إلا بإذن الله وعلمه فينبغي لهم أن يصبروا على ذلك الأذى ولا يخضعوا لهذه القوى بالاستسلام أو التعظيم.

وقد دل هذا الحديث على أن من مقت الشرك ونبذ الآلهة وكره تقيم النذور والقرابين إليها وحارب العادات الجاهلية والنقاليد الباطلة فأصابته خسارة في المال أو رزية في الأولاد أو آذاه شيطان باسم شيخ أو شهيد يجب عليه أن يصبر على ذلك ويستقيم على دينه ويعتقد أن الله ممتحنه في دينه وكما أن الله قد يمهل الظالمين ولا يهملهم ويخلص المظلومين منهم كذلك لا محالة هو معاقب للظلمة من الجن ومخلص للصالحين من أذاهم.

إقبال المملوك على غير مالكه وولى نعمته قلة غيره وعدم وفاء:

وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله قال أن تدعو لله ندا وهو خلقك وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحدا لله تعالى في علمه المحيط وقربه من كل أحد وقدرته على كل شي ء فيستغيث به ويستصرخه أكبر الكبائر لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعف بحاجته مثله وأن يكون في كل مكان لا يغيب عنه شيء.

ثم إنه إذا كان الواقع أن اللهتعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا ونحن نقر بذلك وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه ولا نستعين إلا به وما لنا ولغيره فمن كان من جملة عبيد ملك وصنائعه انقطع إليه كليا وأطبق عينه عن كل ملك ورئيس فضلا عن وضيع أو خسيس أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة وأضعف وفاءا من الملوك لمولاه المجازي.

الموحد المذنب حري بأن يتوب وتدركه رحمة الله ولطفه بخلاف المشرك العابد:

وأخرج الترمذي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا إلا آتيتك بقرابها مغفرة».

وقد دل هذا الحديث على أن الإنسان مهما أتى به من ذنوب واقترف من آثام وإن كانت تعدل ذنوب أكثر العصاة والمجرمين كفرعون وهامان ولكنه سلم عن الإشراك يدل الله سيئاته حسنات وآتاه بقراب هذه الذنوب مغفرة فظهر أن الذنوب تتضاءل أمام عقيدة التوحيد وأن بركتها تغشي المذنب فتمحو خطاياه كما أن للشرك شؤما وظلمة تطغى على جميع الحسنات وتحبط جميع العبادات فإنه إذا وقر في قلب المؤمن واستقر أنه لا إله إلا هو لا رب سواه ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه وأنه لا معقب لأمره ولا راد لقضائه وليس له وكيل ولا شفيع إلا بإذنه فقد تطهر من أوضار الشرك فما صدر عنه من ذنب فهو من مقتضى البشرية ونتيجة النسيان والسهو ويستولي على قلبه الخوف من هذه الذنوب وينال منه كل منال ومن الطبيعي أن يعاف هذه الذنوب ويستوحش منها حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه فلا تصفو له الحياة ولا يطيب له طعام وشراب وكل من كان هذا شأنه أظلته رحمة الله ولطفه وكلما أكثر من الذنوب اشتدت به الكآبة وأحاطت به الوحشة فمن رسخت قدمه في التوحيد عملت ذنوبه ما لا تعمل عبادة غيره فكان الفاسق الموحد خيرا من المتقي المشرك ألف مرة كما أن الوفي المقصر من الرعية كان خيرا من الثائر المتملق لأن الأول نادم على تقصيره والثاني معجب بخديعته ونفاقه مدل بنفسه يحسب أنه يحسن صنعاً.

الفصل الثاني: في رد الإشراك في العلم

الحواس الخمس الظاهرة والعقل منحة إلهية عامة للبشر:

قال الله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو اعلم أن الله تعالى قد وهب عباده قوى ووسائل للإطلاع على أمور ظاهرة فرزقهم العين ليبصروا والأذن ليسمعوا والأنف ليشموا واللسان ليذوقوا واليد ليجسوا والعقل ليفهموا ويتبصروا وقد مكنهم من هذه الطرق والوسائل وملكهم إياها ليستخدموها في مآربهم وحاجاتهم فكلما أراد الإنسان أن يبصر فتح عينه وإلا أطبقها وإذا أراد أن يتذوق شيئا وضعه في فمه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فكأنما أعطاهم مفاتيح لاكتشاف هذه الأشياء والإطلاع عليها ومن كان عنده مفتاح كان القفل خاضعا له تابعا لإرادته إن شاء فتح وإن لم يشأ لم يفتح الإطلاع على الأمور الظاهرة في تصرف الناس وكانوا أحرارا فيه يتصرفون فيه كما يشاءون.

علم الغيب خاص بالله تعالى ووراء طور البشر:

وهذا شأن الإطلاع على الغيب فيما يختص بالله تعالى فهو يملكه ويتصرف فيه كما لو يشاء وهي صفته الدائمة ولم يجعل لولي أو نبي أو جني أو ملك أو شيخ أو شهيد أو إمام ولا لعفريت ولا لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا إن الله قد يطلع من يشاء على ما يشاء متى يشاء لا يجاوز علمه ما أراد الله إطلاعه عليه مثقال ذرة وكان ذلك خاضعا لإرادته الله تعالى لا لهواهم وقد وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا أنه رغب في الإطلاع على شيء ولم يتيسر له ذلك فلما أراد الله ذلك أطلعه عليه في طرفة عين وقصة الافك مشهورة معلومة للجميع وقد أشاع المنافقون عن سيدتنا عائشة ما هي عنه بريئة وقد كبر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ منه كل مبلغ وقضى أياما يفحص فيها عن الأمر فلم تنكشف عليه الحقيقة وبقى أياما مشغول الخاطر فلما أراد الله أن تنجلي عنه هذه الغمة وتنكشف له الحقيقة أخبره بأن المنافقين هم الكاذبون وأن عائشة رضي الله عنها بريئة من هذه التهمة فعلم من ذلك يقينا أن مفتاح الغيب بيد الله تعالى لم يمكن منه أحدا ولم يملكه إياه وليس له خازن بل هو الذي يفتح هذا القفل بيده فيهب من يشاء لا يمسك يده أحد ولا يمنعه ن ذلك أحد.

من ادعى لنفسه أو اعتقد في أحد علم الغيب بالاستقلال والدوام كان كاذبا آثما:

وقد تبين من هذه الآية أن من أدعى علما يعرف به الغيب متى شاء وأن الإطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له وتحت تصرفه كان كذابا مدعيا للألوهية ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي أو جني أو ملك أو إمام أو ابن إمام أو شيخ أو شهيد أو منجم أو رمال أو جفار أو من يبحث عن الفال في كتاب وغير ذلك أو كاهن أو سادن أو عفريت أو جنية كان مشركا منكرا لهذه الآية.

ومن وسوست له نفسه وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم أو رمال أو كاهن أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس فيدل ذلك على علمه للغيب كل ذلك باطل فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها فثبت من ذلك لا صلة له بعلم الغيب وأنه ليس في تصرفهم وإنما يتكلمون رجما بالغيب وقد يصيبون وقد يخطئون وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف ومن يبحث عن الفال في المصحف.

وبالعكس من ذلك فإنه لا خطأ في الوحي والوحي لا يملكون من أمره شيئا وإنما ذلك إلى الله إذا شاء أوحى إليهم بما شاء وإذا لم يشأ لم يوح إليهم لا أثر لرغبتهم في ذلك يقول الله تعالى قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون فعلم أنه لا سلطان لأحد على الغيب ودليله أن جميع المؤمنين يؤمنون بأن الساعة آتية لا ريب فيها ولكنهم لا يعلمون موعدها بالتحديد يقول الله تعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير.

الأمور المستقبلة التي لا تعلم بالقطع:

فإذا كان هذا من شأن الساعة التي هي من الأمور القطيعة ومن ضروريات الدين لا يعلمها أحد فما ظنك بغيرها من الأخبار والحوادث كالفتح والهزيمة والمرض والصحة فإنها لم تشتهر اشتهار القيامة ولم تكن منزلتها من القطع واليقين كمنزلة القيامة كذلك لا يعرف أحد متى ينزل المطر مع أن الفصول معينة وللأمطار فصل وإبان يجيء فيه الأمطار في غالب الأحيان وقد تشتد إليه حاجة البشر ويتمناه الأنبياء والأولياء والملوك والحكماء في بعض الأحيان ويرغبون فيها أشد الرغبة فإن كان إلى العلم به سبيل اهتدى إليه بعض الأفراد أما الأشياء التي ليس لها فصل معين ولا يتفق الناس على الحاجة إليه أو الرغبة فيه كأن يموت رجل أو يعيش أو أن يرزق أحد ولدا أو يغني الإنسان أو يفتقر أو أن ينتصر أحد في حرب أو ينهزم أحد فلا سبيل إلى علمها لأحد وكذلك ما كان في الأرحام من نطفة فلا يعلم أحد هل هي واحدة أو تؤام ذكر أو أنثى كاملة أو ناقصة دميمة أو وسيمة مع أن الأطباء قد أفاضوا في ذكر أسبابها ولكنهم لا يعلمون شيئا بالاختصاص.

العلم بمكنونات الضمائر وهواجس الخواطر ليس بميسور دائما:

وإذا كان هذا شأن أمور تظهر أمارتها وتعرف مقدماتها فكيف بما يضمره الإنسان من أفكار وخواطر وإرادات ونيات وإيمان ونفاق وهي في بطون الضمائر وطيات الصدور وإذا لم يعلم أحد ما مصيره غدا فكيف يعلم حال غيره وإذا لم يعلم مكان موته وما تدري نفس بأي أرض تموت فكيف يعلم أن يموت فلان ومتى يموت.

المدعون المحترفون بالأخبار عن الأمور الغيبية

وجملة القول إن الذين يدعون الغيب أو يدعون الكشف المطلق الدائم ومنهم من يعلم طريق الاستخارة التي لا تخطئ قط ومنهم م يستخرج الأخبار من تقويم النجوم أو الرمل ومنهم من يستفتح بعلم الرمل ومنهم من يطوف في الناس وفي يده كتاب للبحث عن الفال فإن كلهم كاذبون مزورون ويجب على المسلم الادق أن يبتعد عنهم ولا يقع في شباكهم.

أما من لم يدع علم الغيب ولا يزعم أن له سلطانا عليه بل يقول إن جل الأمر أنه قد يطلع على بعض الأشياء بحول الله تعالى وليس ذلك في يدي ومكنتي وليس لي أن أعلم ما أريده ومتى أريده إنما هي لمحات ونفحات يجود الله بها علي فإنما يمكن ذلك ومن الناس من يكون صادقا في قوله ومنهم من يكون مزورا أو محترفاً.

نداء الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم:

وقال الله تعالى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5]، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس لا يسمعون دعاءهم ون سمعوا ما استجابوا وهم لا يقدرون على شيء فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد وقد يكتفي بعض الناس فيقولون يا سيدنا أدع الله لنا يقض حاجتنا ويظنون أنهم ما أشركوا فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة وإنما طلبوا منهم الدعاء وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة فإنهم أشركوا عن طريق النداء فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب وكان ذلك سواءً في حقهم ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله سبحانه وتعالى قال وهم عن دعائهم غافلون.

نفى القدرة المطلقة والاستقلال بعلم الغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم:

وقال الله تعالى {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأعراف.

وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم وهو الذي بهرت معجزاته ومنه تعلم الناس أسرار الدين وغوامض الأمور وباتباعه واقتفاء آثار نال من نال الشرف عند الناس والمنزلة عند الله فأمره بأن يخبر الناس بخبره حتى يقيس به الناس غيره فإذا كان هو لا يقدر على شيء ولا يعلم الغيب فلا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وإذا كان يعلم الغيب عرف عواقب الأمور فإذا عرف عن أمر أنه يؤول إلى نجاح أقدم إليه وأقبل عليه وإذا عرف أنه لا خير فيه أمسك عنه وزهد فيه.

وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه الشريفة القدرة المطلقة والعلم بالغيب إنما أكرمه الله بالرسالة وشرفه بالنبوة والنبي مكلف بالإنذار والتبشير لا غير ينذر على السيئات من سخط الله وعذابه ويبشر الذين يعملون الصالحات أن لهم من الله أجرا حسنا ولا ينفع الإنذار والتبشير إلا أهل الإيمان وليس من شأن النبي أن يخلق الإيمان في قلوب الناس إنما هو فعل الله.

سر شرف الأنبياء وكرامة الأولياء ليس في التصرف المطلق والعلم المستقل بالغيب:

وقد دلت هذه الآية على أن الأنبياء والأولياء إنما شرفهم الله على الخلق وعلت منزلتهم عند الله لأنهم يدعون الناس إلى الله ويرشدون إلى طرائق الحق ولأنهم يعرفون ما هو صالح الأعمال وما هو فاسدها فيعلمون الناس ذلك وينفع الله بكلامهم فينفذ في القلب ويهتدي الناس إلى الصراط المستقيم وليس شرفهم لأن الله سبحانه وتعالى منحهم قدرة التصرف في العالم فيميتون من يشاءون أو يرزقون من يشاءون الأولاد أو يفرجون الكرب ويكشفون الغم ويحققون أماني الناس ويقضون حاجاتهم ويجعلون من يشاءون منتصرا أو منهزما أو غنيا أو فقيرا أو ملكا أو أميرا أو وزيرا وينتزعون ممن يشاءون ملكا أو إمارة أو يخلقون في قلب من يشاءون الإيمان أو ينزعونه منه أو يشفون المريض أو يسلبون منه الصحة قد تساوى في ذلك جميع العباد فكلهم عاجزون ضعفاء لا يقدرون على شيء.

وكذلك ليس شرفهم ولا يمتازون عن الناس بأن الله سبحانه وتعالى مكنهم من علم الغيب وبسط لهم فيه فيطلعون على خواطر النفوس متى شاءوا ويطلعون على شؤون من غاب إذا شاءوا فيعرفون هل هو حي أم مات وفي أي مدينة هو وما تكتنفه من أحوال وما يتقلب فيه من نعيم أو بؤس ويعرفون ما هو كائن غدا فيعرفون أن فلانا سيرزق ولدا وفلانا لا يولد له وفلانا يربح في التجارة أو يخسر وهل يقدر لفلان الانتصار في الحرب أو سيلقى الهزيمة فقد تساوى في ذلك جميع العباد كبارهم وصغارهم هم عن ذلك في عمى إلا ما ينقل عن بعض العقلاء شيء من الحدس أو تقدير مصدره قرائن أو العقل السليم فينفق ذلك مع الواقع كذلك هؤلاء السادة والعظماء قد يحكمون على شيء بعقل أو قرينه فيتحقق في بعض الأحيان ويتخلف في بعض الأحيان أما ما كان عن طريق الوحي والإلهام فهو لا يقاس على ذلك ولا يتطرق إليه خطأ ولا ترتقي إليه شبهة.

استنكار النبي صلى الله عليه وسلم لنسبة علم الغيب إليه حتى في الشعر:

أخرج البخاري عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: «جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين».

وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يعتقد ا لإنسان في نبي أو ولي وإمام أو شهيد أنه يعلم الغيب حتى لا يصح هذا الاعتقاد في حضرة الرسول صلوات الله و سلامه عليه ولا يصح أن يمدح بذلك في شعر أو كلام أو خطبة أما ما اعتاده الشعراء من المبالغة والإسراف في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبياء والأولياء والصلحاء والمشايخ أو الأساتذة فتخطوا في ذلك حدود الشرع ونعتوهم في بعض الأحيان بما يليق بالله تعالى فإذا عورضوا قالوا إن الشعر جماله المبالغة وكل شعر يجرد عن المبالغة فهو بالنثر أشبه منه بالشعر ولكن لا يصح هذا الاعتذار فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى جواري الأنصار عن أن ينشدن شعرا نسب إليه في علم الغيب فما ظنك بعاقل يقول مثل هذا الشعر أو يستحسنه؟

أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «من أخبرك أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم الخمس التي قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] فقد اعظم الفرية».

وهذه الخمس هي التي ذكرها الله في آخر سورة لقمان فقال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].

وأخرج البخاري عن أم العلاء قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم ». ودل الحديث على أن النبي أو الولي لا يعرفان من حالهما ومن أحوال غيرهما الغيبية إلا ما أطلعهما الله عليه من طريق الوحي أو الإلهام وأخبرهما بأن الأمر الفلاني سيؤول إلى نجاح وأن الأمر الفلاني سيؤول إلى إخفاق وهذا شيء مجمل ليس بيدهما أن يطلعوا على أكثر من ذلك أو يعرفوه مفصلاً.

الفصل الثالث: في رد الإشراك في التصرف

إطباق أهل كل عصر على إثبات القدرة المطلقة والقوة القاهرة لله تعالى:

قال الله تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون} المؤمنون.

فإذا ثبت كما نطقت به الآية أن العقول السليمة والفطر المستقيمة قد أجمعت على إثبات القدرة المطلقة التي ليست فوقها قدرة والتصرف الحر الذي لا يزاحمه تصرف والأمر القاهر الذي لا ينسخه أمر وليس له استئناف ولا مرافعة ولا تعديل ولا معارضة لله تعالى فمن والاه وتولاه فليس لأحد في الدنيا أن يعتدي عليه أو يمسه بسوء ومن عاداه وسخط عليه فليس لأحد في الدنيا أن يحميه أو يدافع عنه وإذا سئل أشد الناس إمعانا في الجهالة أو الجاهلية عن ذلك كان جوابه كما ذكره القرآن بالحرف الواحد ولم يسعه إلا أن يجيب بأن الله هو المتفرد بهذه القدرة المطلقة والتصرف المطلق والأمر القاهر الذي ليس فوقه أمر فإذا كان الأمر كذلك كان طلب قضاء الحاجات من غير الله ضربا من الخيال وطلبا للمحال.

عقيدة أهل الجاهلية في الله وحقيقة شركهم:

وقد تحقق من هذه الآية الكريمة أن الكفار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يرون لله عديلا يساويه في الألوهية والقدرة وفي الخلق ولكنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم والأصنام التي كانوا يعبدونها هم وكلاؤهم عند الله وبذلك كفروا فمن أثبت في عصرنا هذا لمخلوق التصرف في العالم واعتقد أنه وكيله عند الله ثبت عليه الشرك ولو لم يعدله بالله ولم يثبت له قدرة تساوي قدرة الله.

تحذير المسلمين عن تقليد المشركين في نبيهم وأولياء أمته

قال اللَّه تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}{قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21 - 22].

وقد حذر الله في هذه الآية المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أن تغرهم نفوسهم فيقولوا إن نبينا صلى الله عليه وسلم له دالة عند الله يضر وينفع ويدفع ويمنع ويفعل ما يشاء ونحن في أمته فنحن نأوى إلى ركن شديد وحرز حريز فإن وكيلنا عند الله وشفيعنا إليه من الله بمكان ليس لأحد فلا خوف علينا ولا خطر وبذلك يسترسلون في الخيال ويتوسعون في الأماني ويستخفون بالعمل ولذلك أمر الله نبيه بأن يخبر الناس أنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا وأنه وهو سيد الأنبياء لن يجيره من الله أحد فكيف يستطيع أن يجيرهم من الله ويمنعهم من عذاب الله وعقابه.

وبذلك ظهر ضلال أولئك العامة والغوغاء من الناس الذين ينسون الله ويستخفون بأحكامه معتمدين على نصره المشايخ والشهداء فإذا كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يخاف الله ولا يرى له ملجأ إلا رحمة الله فكيف بمن دونه ون أفراد أمته وأتباعه؟

عجز الأنبياء وخواص الأمة عن التصرف في العالم:

وقال اللَّه تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73].

يقول بعض العامة أن الأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء يقدرون على التصرف في العالم ولكنهم راضون بقضاء الله وقدره قد أدبوا نفوسهم وألجموها فتواضعوا لعظمة الله تعالى و إلا إذا شاءوا قلبوا هذا العالم رأسا على عقب ولكنهم أمسكوا عن ذلك تعظيما للشرع وأدبا معه وقد نفت هذه الآية هذا الزعم فبينت عجزهم وضعفهم وأنهم لا يملكون للناس رزقا من السماوات والأرض فليس لهم سلطان على الأمطار ولا على السحاب والربح وليس لهم سلطان على الأرض فتخرج زهرتها وتلفظ خزانتها وإن كل ذلك في قدرة الله وقبضته.

وقال اللَّه تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106].

ومن السفاهة والظلم أن يعطى الإنسان العاجز الضعيف ما كان من حق القادر القوي ويعاملهما معاملة سواء.

عادات الملوك والأمراء في قبول الشفاعة وأنواع الشفعاء وأهل الوجاهة

وقال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}{وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22-23].

قد جرت العادة أن من يقضي حاجة من يستصرخه ويغيثه إما أن يكون سيدا وصاحب الأمر وإما أن يكون شريكا له سلطان عليه أو دالة عنده فملوك الأرض ينزلون عند رغبة أمرائهم ويحققون طلبهم فإنهم أعوانهم ودعائهم ملكهم فإذا سخطوا أو حقدوا عليهم تزلزل ملكهم واضطرب أمرهم وإما أن يشفع إلى الملك أحد المقربين إليه والذين لهم حظوة عنده فيحقق رغبتهم طوعا وكرها وقد يفعل ذلك من غير رضا وطواعية نفس شأن بنت من بنات الملك المدللة أو إحدى زوجاته الحظيات فلا يستطيع الملك أن يرفض شفاعتها فيقبلها.

لا يقاس الله سبحانه وتعالى على ملوك الدنيا في قبول الشفاعات وإرضاء أهل الوجاهة والنفوذ:

أما أولئك الذن يستغيث بهم هؤلاء الجهال ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم فلا يملكون حبة من شعير ولا شيئا من نقير أو قطمير في السماوات والأرض وما لهم فيهما من شرك وليسوا من دعائم ملك الله ولا عضده الأيمن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا حتى يقبل شفاعتهم اضطرارا واستسلاما إنهم لا يملكون أن يشفعوا إلا بإذنه ولا يستطيعون أن يحققوا رغبات المستشفعين بقوة أو قهر بل بالعكس من ذلك قد بلغ بهم العجز والفقر إلى أنه إذا توجه إليهم أمر من الله أخذتهم المهابة وفقدوا رشدهم ويمنعهم الأدب والفزع عن مراجعة الله واستيضاح ما خوطبوا به وأمروا بل أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الحقيقة فإذا تبين لهم الأمر ما زادوا على أن يقولوا آمنا وصدقنا فضلا عن معارضة الملك القاهر وعن الدفاع عن أحد أو الادلاء بدليل أو برهان.

أنواع الشفاعة التي لا مجال لها عند الله:

وهنا يحسن التفطن لنكتة دقيقة والتأمل فيها وهي أن كثيرا من الناس قد اعتمدوا على شفاعة الأنبياء والأولياء اعتمادا زائدا وقد أساؤا فهم معنى الشفاعة فأدى ذلك إلى تناسي الله تعالى والتشاغل عنه بخلقه فلتعرف حقيقة الشفاعة في ضوء نصوص الكتاب والسنة وما أثبتته الشريعة الإسلامية.

لقد تعود الملوك والأمراء ورجال الدنيا أنواعا من الشفاعة يلجئون إليها عند الضرورة لمصالحهم الشخصية أو مصلحة من مصالح البلاد والرعية نذكرها أولا حتى يعرف القارئ الفطن الفرق بين هذه الأنواع من الشفاعة وبين الشفاعة التي أثبتها القران وبضدها تتبين الأشياء.

منها أن رجلا تحققت عليه السرقة فشفع له أمير أو وزير إلى الملك فأطلقه الملك وصفح عنه ولذلك أسباب:

منها أن الملك يريد أن يعاقب السارق والقانون يأمر بذلك وهو يستحق العقوبة ولكن الملك عدل عن رغبته وصفح عن جريمة هذا المجرم لأن هذا الأمير هو دعامة قوية من دعائم ملكه وهو جمال مملكته وزينة بلاده فيعرف الملك أن الأفضل في هذا المقام أن يملك نفسه ويقهر غضبه ويصفح عن فرد ارتكب جريمة السرقة فإنه إذا أسخط هذا الأمير ورفض طلبه اختلت الأمور واستشرى الفساد في مملكته وفقدت الشيء الكثير من بهائها ومهابتها وهذا النوع من الشفاعة يسمى شفاعة الوجاهة ومعلوم أنه لا مساغ لهذا النوع من الشفاعة عند الله ولا مجال له فمن رجا من نبي أو ولي أو إمام أو شهيد أو ملك أو شيخ مثل هذه الشفاعة ونظر إليه كشفيع تقبل شفاعته لا محالة لعظم جاهه وعلو منزلته فقد أوغل في الشرك والجهالة فإنه لم يقدر الله قدره وما شم رائحة العلم والمعرفة فإن الله هو رب الأرباب وملك الملوك قد وسع كرسيه السماوات والأرض وإنه يقدر أن يخلق بمجرد الأمر وكلمة كن آلافا مؤلفة من الأنبياء والأولياء والجن والملائكة كأول ملك وأول نبي فلا أفضل في الملائكة من جبريل ولا أفضل من الأنبياء من محمد صلى الله عليه وسلم وإذا شاء قلب هذا العالم رأسا على عقب ومن الثريا إلى الثرى وأنشأ عالما جديدا مكان هذا العالم لأن كل شيء يظهر إلى الوجود بمجرد أمره لا يحتاج في إيجاد شيء أو تحقيق أمر إلى الأسباب والوسائل أو المواد الأولية وإذا كان جميع الخلق أولهم وآخرهم وإنسهم وجنيهم على قلب أفضل ملك أو أفضل نبي ما زاد ذلك في ملكه وبهائه وإذا كانوا كلهم على هيئة شيطان أو دجال لم ينقص ذلك من بهاء ملكه فهو في كل حال أعظم من كل عظيم و قاهر الملوك و السلاطين لا يصيبه أحد بنفع ولا ضرر أو زيادة ونقص.

والنوع الثاني: أن يقوم أحد من أبناء الملك أو عقيلاته أو زوجاته أو من أولع بحبه الملك بشفاعة هذا السارق ويحول دونه ودون تنفيذ العقوبة إرهاقا أو إجلالا فيضطر الملك إلى العفو عن هذا المجرم بدافع من حب هذا الشافع وغرامه وهذا يسمى شفاعة المحبة فإن هذا الملك رأى أن كظم الغيظ في هذا المحل والعفو عن مجرم واحد خير مما يصيبه من الكمد والكآبة التي تحيط به وتكدر صفو حياته إذا سخط عليه هذا المحبوب أو الحظي وعاتبه وأعرض عنه. ففضل هذا الاستثناء وغض الطرف عن هذا الجاني الناقض للقانون على تنغص الحياة وكدر العيش وقلق النفس.

ومن المعلوم أنه لا مجال لهذا النوع كذلك في جنابه ومن ظن بأحد أنه شفيع عند الله من هذا النوع فقد أشبه الأول في الشرك والجهالة فإن الله سبحانه وتعالى مهما خص عبدا من عباده بنعمه وحبه واجتبائه ولقب أحدا بالحبيب وآخر بالخليل وثالثا بالكليم ورابعا بروح الله والوجيه ووصف بعض الملائكة بأنه رسول كريم ومكين وروح القدس أو الروح الأمين ولكن السيد هو السيد والعبد هو العبد ولا يستطيع عبد أن يتخطى العبودية ويتعالى على ما قدر له و وسم به من ذل الرق وسيما العبودية فكما أنه يخضع لسيده طائعا مسرورا وهو يعطف عليه ويغمره برحمته كذلك ينخلع قلبه وتفطر مرارة كبده من هيبته وجلاله

الشفاعة الثابتة في الإسلام:

والنوع الثالث: أن السارق تحققت عليه الجريمة ولكنه ليس مجرما عاديا ولم يتخذ السرقة ديدنا وحرفه ولكنه ارتكب هذه الجريمه بنزوة من نزوات النفس فهو نادم على فعلته وهو وجل خجل يجل قانون ملكه ويعتبر نفسه مخطئا يستحق العقوبة إنه لا يلوذ بكنف أمير ووزير هربا من ملك ولا يدل بنصره أحد ولا يعتمد عليها إن عينه شاخصة إلى الملك وإن آماله منوطة ما يأمر به فلما رآه الملك بهذه الحال من القلق وانقطاع الآمال والتقلب بين الخوف والرجاء رق له قلبه ورثى لحاله ولنكه يعرف أنه إذا صفح عن جريمته من غير سبب تطرق الوهن إلى قانونه ونظام مملكته واستخف الناس بهذا القانون وزالت عنهم مهابته فأوعز إلى أمير أو وزير فقام بشفاعته عنده وأبدى الملك أنه يريد أن يكرم هذا الأمير بقبول شفاعته فعفا عن هذا السارق متمسكا بشفاعة هذا الأمير والظاهر أن هذا الأمير لم يشفع لهذا السارق لأنه يتصل به بنسب أو صداقة أو أنه تكفل بنصرته ولكنه شفع له لأنه اطلع على رغبة الملك وهو أمير من أمراء هذا الملك ليس خدنا للصوص حتى يتولى نصرتهم ويستقل بشفاعنهم فإنه إذا فعل ذلك دخل في زمرتهم وشكك في نزاهته وشرفه وأساه إلى نفسه وهذا النوع من الشفاعة يسمى الشفاعة بالإذن.

فليعلم أنها هي الشفاعة المأذونة الممكنة وكل شفاعة يتحدث عنها القرآن والحديث فهي الشفاعة المأذون لها فيجب على الإنسان أن يظل داعيا لله تعالى مشفقا منه مستغيثا به مقرا بذنوبه بين يديه مؤمنا بأنه ربه وناصره لا يعرف له إذا سرح طرفه وأرسل خياله ملجأ ولا ملاذا إلا الله فلا يعتمد على نصره سواه فإنه غفور رحيم سيفرج الكرب ويكشف الغمم بفضله ويغفر الذنوب جميعا برحمته ويأمر من يشاء بشفاعته فكما أنه يجب أن يكل إليه جميع حاجاته ومآربه يتحتم عليه أن يكل إليه أمر بنصرته وشفاعته يختار لها من يشاء ويأمر بها من يشاء عوضا عن أن يبحث له عن شفيع ومدافع وذاب ومانع فيعتمد عليه اعتمادا ينسيه الاعتماد على الله ويشغله عنه ويستهين بأحكام الشريعة ويتخذ ما يدعو إليه هذا الشفيع أو الوكيل من طريق وما يسلكه من سبيل شرعة ومنهاجا ويفضلها على دين الله وشريعة رسوله وسنة نبيه فإنها سبة وعار تبرأ منه جميع الأنبياء والأولياء ومقتوها وهم لا يشفعون لمن تلبس بهذا بل يسخطون عليه ويعادونه لأن سر كرامتهم ومناط شرفهم أنهم كانوا يؤثرون مرضاة الله على مرضاة أزواجهم وأولادهم وتلاميذهم وأتباعهم من عبيد وخدم وأحبة وأصحاب فإذا عارض منهم أحد أمرا من أوامر الله تعالى أو حارب الله ورسوله عادوه وحاربوه وما ظنك بهؤلاء العامة الذين لا يتصلون بنسب أو صداقة أو حب حتى يقوم هؤلاء بنصرهم ويحاجوا الله فيهم ويكونوا للخائنين خصيما بل الأمر بالضد فالحب لله والبغض لله قد أصبح لهم شعارا ودثارا فإذا قضى الله بإدخال هؤلاء المجرمين في النار وافقوا الله في أمره وسعوا في سرعة وصولهم إلى قعر جهنم وتنافسوا في الإعانة على ذلك.

لا داعي إلى الاعتصام بغير الله وطلب حمايته خلافا للملوك والأمراء:

أخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف».

ومعنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى وإن كان ملك الملوك ليس شأنه شأن الملوك الذين يأخذهم السفه ويميل بهم النية فلا يرقون لمملوك ولا يعطفون عليه وإن بالغ في التضرع والاستغاثة لذلك لجأ كثير من رعية الملوك وتمسكوا بأهدابهم ولاذوا بحماهم ليميلوا إليهم ويشملوهم بعطفهم ويعغوا عن خطاياهم تحقيقا لرغبة هؤلاء الشفعاء أو وجاهة أولئك الأمراء والعظماء بل هو في منتهى الكرم والرحمة لا ينسى أحدا ولا يغفل عن أحد شفع شفيع أو لم يشفع وليس له مجلس كمجالس الملوك أو ملأ كملأ السلاطين ليس ليس لأحد من السوقة والرعية قدم في مجالسهم أو مجال لنفوذه فيباشر الحكم على هؤلاء المحكومين أمير أو وزير في غالب الأحيان ويضطر الدهماء إلى الخضوع لهم وحضور مجالسهم والتودد إليهم.

بل إن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد فمن أقبل عليه بقلبه أقبل عليه بعطفه ووجده تجاه نفسه ليس بينه وبين ربه حجاب إلا الغفلة والجهالة فمن بعد عنه بغفلته ومن حرم رحمته حرم بجهالته ومعصيته وهو أقرب من كل قريب ألا يعرف من دعا شيخا أو نبيا وناداهما لنصرته وليقرباه إلى الله زلفى أن الشيخ والنبي بعيدان عنه والله قريب منه ومثله مثل رجل جالس وحده عند الملك وقد أقبل عليه الملك يسمع طلبه وما يبديه من حاجة أو رغبة فانصرف هذا الرجل الجاهل عن الملك وبدأ ينادي أميرا و وزيرا وهما بعيدان وسألهما أن يبلغا حاجة هذا الرجل إلى هذا الملك العظيم وهو لا يخلو عن حالين إما هو أعمى وإما مجنون.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأنه إذا سنحت له حاجة اضطر إلى السؤال فليسأل الله وأنه إذا كان في حاجة إلى إعانة أو إغاثة فليستعن بالله وأنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف فلا ماحي لما أثبته الله ولا مثبت لما محاه الله وأن القضاء واقع والأمر محتوم وإن اجتمع الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم على أن ينفعوا أحدا أو يضروه لم يجاوز ذلك قدر الله.

الصالحون من عباد الله لا يملكون إلا الدعاء والسؤال من الله

وقد ثبت من هذا الحديث أن ما يعتقده كثير من الجهلة الغوغاء أن الله سبحانه وتعالى قد أذن للأولياء أن يغيروا قضاء الله وقدره فرب رجل لم يرزقه الله ولدا يرزقه هؤلاء الأولياء أولادا ورب رجل انتهى أجله وحضرته الوفاة زادوا في عمره وهذا كله باطل إن الحقيقة أن الله قد يقبل دعاء عباده وقد لا يقبل ويمتاز الأنبياء و الأولياء عن عامة الناس بأن أكثر دعواتهم مقبولة وهم مستجابون في الدعاء ولكن التوفيق بيد الله فيلهمهم الدعاء ويتقبل منهم والدعاء والاستجابة كلاهما مقدران قد جرى بهما قلم القضاء ولا يقع في العالم شيء إلا ومضى به علم الله وجرى به القلم فلا يخرج شيء من دائرة القضاء والقدر ولا يقدر أحد على عمل إلا ما قدر في علم الله ولا يملك نبي أو ولي إلا أن يسأل الله ويدعوه لا حيلة له ولا سبيل إلا هذا السؤال والدعاء وإذا شاء أجاب سؤله وقضى حاجته وإذا شاء منعه لحكمة يعلمها.

المؤمن الموحد رابط الجأش ناعم البال وضعيف العقيدة مشتت الفكر موزع النفس:

أخرج ابن ماجة عن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لقلب ابن آدم لكل واد شعبة فمن أتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي واد أهلكه ومن توكل على الله كفاه الشعب».

ومن المشاهد أن الإنسان إذا تعلق قلبه بشئ واستحوذ عليه أو ألمت به ملمة فلم تنفرج تشتت فكره وذهب في طلب الغوث كل مذهب وهام في كل واد وقد تسول له نفسه أن يستصرخ النبي الفلاني وقد تزين له أن ينادي فلانا من الأئمة وقد يجول بخاطره أن ينذر لفلان من المشايخ وكذا من الشهداء أو يخضع لجنية فلانية أو يرجع إلى المنجم الفلاني أو الرمال الفلاني وقد تحدثه نفسه بأن يراجع سادنا أو إماما من أئمة المساجد الذين اتخذوا هذه الأمور حرفة فيطلبون أن يبحث عن الفال في كتاب ومن هام في كل واد واتبع كل ناعق صرف الله عنه عنايته وأخرجه من عباده الصادقين وأخطأ طريق التربية والهداية الربانية وظل يهيم في هذه الأودية ويتيه في مهامه الأوهام والأحلام إلى أن يتلف ويهلك فمنهم من تمذهب بمذهب الدهريين ومنهم من سلك مسلك الملحدين ومنهم من دخل في غمار المشركين ومنهم من ابتلى بالسفسطة.

وأما من توكل على الله ولم تنشغب به المذاهب عده الله في عباده المقبولين وفتح الله عليه طريق الهداية وهدى قلبه فأذاقه حلاوة الإيمان وغشيته غاشية من السكينة ورزق من اجتماع الخاطر ورباطة الجأش وبرد اليقين وهدوء النفس مالا سبيل إليه لمن تشتت فكره وتفرق هواه ثم إنه لا يخطئه ما قدر له وقسم ولكن ضعيف العقيدة متشتت البال يعاني الحزن والقلق من غير جدوى والمؤمن المتوكل الموحد ينعم بالهدوء والطمأنينة والسكينة.

إن الله يرجع إليه في صغير وكبير وإنه ليس كملوك الدنيا في تدبير المملكة والاستعانة بالحاشية:

أخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع».

ومعنى ذلك أن الله تعالى وعلا لا يقاس على ملوك الدنيا فإنهم يباشرون الأمور الخطيرة ويتولونها بأنفسهم أما الأمور التافهة فيكلونها إلى الخدم الموظفين فيلجأ الناس إليهم في هذه الأمور التي ليست ذات خطر وشأن وليس الأمر كذلك فيما يختص بالله تعالى فإنه هو القادر المطلق الذي يقدر على أن يصلح ما دق وجل من الأمور وإن كانت في عددها وانتشارها كنجوم السماء ورمال الدهناء وليس لأحد تصرف في مملكته فيحب أن يطلب منه التافه كما يجب أن يطلب منه الأمر الجليل والعظاء الجزيل لأن أحدا لا يملك شيئا سواءا الصغير منه والكبير والدقيق والجليل.

تحذير النبي لأهل قرابته من الاعتماد على نسب وقرابة والاستغناء بهما عن العمل:

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، دعا النبي صلى اللَّه عليه وسلم قرابته ، فعم وخص ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً، أو قال فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئا ويا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، ويا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، ويا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، ويا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، ويا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، ويا فاطمة أنقذي نفسك من النار، سليني ما شئت من مالي فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئاً».

ومن المشاهد المجرب أن الذين يتصلون بأحد الصالحين أو المشايخ بنسب يعتمدون على نصرته وقد يأمنون مكر الله ثقة بهذا النسب وتيها ودلالا بهذه الزلفى لذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحذر من يتصل به بنسب أو قرابة عن هذا الغرور والاسترسال إلى الأماني والأحلام وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعم وخص ولم يترك في هذا التحذير بنته التي هي بضعة منه وأحب الخلق إليه وقد أوضح صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يوفي حتى قريبه ويصله فيما يملكه فحكمهم في ماله وخيرهم أن يسألوه ما شاؤا أما أمور الآخرة أو الحساب والكتاب فإنه لا يملك منها شيئا ولا يستطيع أن يدافع عن أحد أو يحتج لأحد فيجب على كل واحد أن يعني بإصلاح شئونه ويسعى في الخلاص من النار وقد دل هذا الحديث على أن القرابة أو النسب لا يغنيان عن الإنسان شيئا ولا ينفعان عند الله.

الفصل الرابع: في رد الإشراك في العبادة

الدعوة إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك قديمة ومتصلة:

قال اللَّه تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25-26].

فقد دلت هذه الآية على أن الصراع بين المسلمين والكفار بدأ من عهد نوح عليه السلام فما زال الصادقون من عباد الله ينهون عن أن يعظم أحد من الخلق تعظيما يليق بالله تعالى وعن أن تصرف إليه أعمال تقصد منها غاية التعظيم والذل والتواضع وهي مختصة بالله تعالى وظلت الحرب قائمة بين الفريقين على قدم وساق لم تضع أوزارها.

السجود بجميع أنواعه لا يجوز إلا لله تعالى:

وقال اللَّه تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37].

فقد دلت هذه الآية على أن السجدة من أعظم شعائر العبادة وهي مختصة بالخالق جل وعلا فلا تجوز لمخلوق وقد تساوى في هذه الصفة القمر والشمس والنبي والولي ومن قال إنه قد جاز السجود في الأديان القديمة لبعض المخلوقات ونقل ذلك بالخبر الصحيح فصح سجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب ليوسف فلا بأس أن نسجد لشيخ أو ولي وهذا باطل فقد جازت أشياء في الأديان السابقة وحرمت في ديننا وقد أبيح النكاح بالأخوات الشقيقات في عهد آدم فهل يبيح هؤلاء المحتجون بهذه الدلائل أن يتزوج الاخوة أخواتهم؟

و الأصل أن العبد مكلف بامتثال أمر ربه فعليه أن يمثل أمره عن رضا وطواعية نفس لا يجد في نفسه حرجا مما أمر به ولا يحاج ولا يتشبث بأمور الأولين وأخبارهم وبأن هذا الأمر بدع لم يسبق له نظير أو معارض للشرائع القديمة لأن هذا يؤدي إلى الكفر ومثل ذلك أن ملكا أصدر مرسوما في مملكته وبقى هذا المرسوم مدة ثم نسخ وأبدل بمرسوم آخر فمن قال إني سأظل متمسكا بالمرسوم الأول ولا أقبل المرسوم الجديد اعتبر خارجا على الملك محاربا له.

ضلال الناس في من يعتقدون فيهم الصلاح والفضل:

وقال اللَّه تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} [الجن: 18-20].

والعادة أن الإنسان إذا أخلص في الدعاء والنداء وصح ما بينه وبين الله اعتقد الناس أنه قد بلغ في الولاية والروحانية منزلة يقدر فيهما على أن يعطي من شاء ما شاء وينزع ممن شاء ما شاء فيتهافتون عليه تهافت الفراش على النور ويكادون يكونون عليه لبدا فينبغي لهذا العبد الصالح أن يبين الحقيقة ويميز الحق من الباطل فينهي عن دعاء غير الله وينفى عن الخلق القدرة على النفع والضرر ويوضح أن من دعا غير الله ورجا منه النفع والضرر فقد أشرك ويعلن أنه بريء من هذا الشرك غير راض عن هذا العمل.

وقد دلت هذه الآية على أن المثول بغاية الأدب والتواضع كما كان الشأن في مجالس ملوك فارس وكما كان الشأن في معابد الوثنيين عند الأصنام والهياكل والسدنة والكهان أمام شيخ صالح أو عظيم النزلة في الروحانية والربانية كأنه في الصلاة ونداؤه من قريب وبعيد واللهج باسمه باستمرار كأنه اسم من أسماء الله الحسنى من الأعمال التي خصها الله لتعظيمه ومن أشرك فيها غيره فقد أشرك بالله.

المناسك ومظاهر التعظيم الأقصى وشعائر الحب والتفاني خاصة بالبيت والحرم:

وقال اللَّه تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 27-29].

ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصص أمكنة لتعظيمه كالكعبة وعرفات والمزدلفة ومنى والصفا والمروة ومقام إبراهيم والمسجد الحرام كله ومكة كلها والحرم كله وألهم الناس شوقا لزيارتها والحنان إليهما فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالا وركبانا ويأتون إليهما من كل واد عميق ومرمى سحيق ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر وعناء التنقل يصلون إليها غبرا شعثا متبذلين في الثياب زاهدين في الشارات والمظاهر فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت ويقضون لنانتهم من تعظيم الله تعالى الذي غمر نفوسهم وقلوبهم ويرضون هنالك عاطفة الحب والحنان التي ملكتهم.

ويذهبون في ذلك مذاهب شتى ويتفننون فيه فمنهم من يستلم عتبة البيت ويقبلها ومنهم من يقف داعيا أمام الباب ومنهم يتضرع متشبثا بكسوة الكعبة ومنهم من يعتكف عنده فيصل بياض النهار بسواد الليل عاكفا على عبادة الله منصرفا إلى ذكره فمنهم من شخص بصره إلى البيت فهو يتمتع بجماله إلى غير ذلك من مظاهر التعظيم وشعائر الحب والتفاني والله يرتضيها ويثيبهم عليها في الدين والدنيا فلا تجوز هذه الأعمال المختصة بهذه الأمكنة لتعظيم شيء آخر شخصا كان أو قبرا ومكان عبادة لرجل صالح أو نصبا لصنم.

الحج وأعماله لا تجوز إلا للبيت:

ومن الشرك أن يقصد الإنسان هذه الأمكنة من أنحاء بعيدة ويشد إليها الرحال ويتجشم في سبيلها المشاق والمصاعب يصل إليها متبذلا متوسخا أغبر أشعث ويذبح هنالك الأنعام ويوفي النذور أو يطوف حول قبر أو بيت ويتأدب مع الغابة التي تحيط بهذا المكان ولا يصطاد هناك صيدا ولا يعضد شجرة ولا يقتطع عشبا ويرجو من ذلك الثواب والنفع في الدنيا والآخرة لأن هذه الأعمال كلها مختصة بالخالق جل وعلا.

تخصيص الحيوانات للصالحين والتقرب باحترامها ونذرها وذبحها إليهم حرام:

قال اللَّه تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].

والمراد به دابة أو حيوان خصص لغير الله فلا يمس بسوء ويعيش مدللا محترما وإذا ذبح ذبح إرضاءا لمن خصص به وتقربا إليه فائه حرام ونجس كالخنزير والدم والميتة لا فرق بينها وبين هذا الحيوان لم تقيده الآية بأن يذكر عليه اسم مخلوق عند الذبح بل إنها اقتصرت على أن كل حيوان نسب إلى مخلوق واشتهر به حرام ونجس كالبقرة المنسوبة إلى السيد أحمد الكبير أو التيس المنسوب للشيخ سدو. فكل حيوان دجاجة كانت أو بعيرا نسب إلى مخلوق تقربا إلى الله واشتهر بهذه النسبة كان حراما ونجسا سواءا نسب إلى ولي أو نبي أو أب أو جد أو عفريت أو جنية ومن فعل ذلك تحقق عليه الشرك.

شركاء متشاكسون وأسماء من غير مسميات:

قال اللَّه تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39-40].

من المقرر أن العبد الذي كان فيه شركاء متشاكسون في نصب وعذاب إن العبد هو الذي كان له سيد قاهر يتكفل بقضاء حاجاته وإصلاح شؤونه.

وبصرف النظر عن ذلك فأنه لا وجود لهؤلاء السادة الأرباب الذين يشركهم الجهال في ملك الله وملكوته إنا هم من نسج الخيال فمن الجهال من يتخيل أن فلانا بيده إنزال الأمطار وإرسال السحاب وفلانا بيده الإنبات وإخراج الحب ومنهم من يرزق الأولاد ومنهم من يمنح الصحة والشفاء ثم يخرقون لها أسماءا فيسمون بعضها ببعض الأسماء التي يخترعونها ثم يعكفون عليها عبادة ودعاءا ونداءا ثم يمضي على ذلك زمان فينتشر في الناس ويتمسكون بهذه العقائد والعادات وما هي إلا تخيلات لا وجود لها في الخارج فليس لهذه المسميات وجود في العالم وإذا وجد أحد بهذا الاسم فإنه لا سلطان له في هذا الكون ومجاري الأمور والذي يملك أزمة الأمور هو الله وحده وليس من أسمائه محمد أو علي أما الذين سموا بهذه الأسماء فهم لا يملكون من هذا العالم شيئا أما الذي ينادي بمحمد أو بعلي ثم يملك هذا العالم فلا وجود له البتة إنما هي أسماء سماها الجهال وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان ومن عارض أمر الله بأمره رفض ولم تكن له قيمة وقد نهى الله عن الاسترسال إلى أمثال هذه الأوهام والأحلام وإن لب الدين وجوهره هو أن يمتثل العبد أوامر الله ويؤثرون على كل أمر وعلى كل ما شاع في الناس من الأساطير والتقاليد ولكن أكثر الناس مع الأسف لا يسلكون هذا الطريق ويؤثرون تقاليد مشايخهم وأعرافهم على أمر الله تعالى.

وقد ظهر من هذه الآية أن التمسك بشرعة ومنهاج واللجوء إلى أمر يستند إليه هو من الأمور التي خصصها الله لتعظيمه فمن عامل مخلوقا بذلك تحقق عليه الشرك ولا طريق للعباد للاهتداء إلى سريعة الله وأحكامه إلا إخبار الرسول فمن آثر كلام إمام أو مجتهد أو غوث أ قطب أو عالم أ شيخ أو أب أو جد أو ملك أو وزير أو قس أو سادن وطريقتهم على قول الرسول واحتج بقول شيخ أو أستاذ معارضا الآية أو حديث أو اعتقد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو الشارع الأصلي وأنه كان يتكلم عن الهوى وما توحي إليه نفسه فيفرض ذلك على أمته فقد أشرك إن الحكم إلا لله والرسول هو المخبر الصادق فما وافق إخباره من كلام الناس قبل وما خالفه رد.

غاية التعظيم في التذلل والخشوع من حق الله تعالى:

أخرج الترمذي عن معاوية قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار».

وهذه وعيد شديد لمن أحب أن يقف الناس أمامه واضعي أيمانهم على شمائلهم في غاية الأدب والتواضع كتماثيل لا تتحرك ولا تتكلم ولا تنظر يمينا وشمالا وقد أوعده الرسول صلى الله عليه وسلم بجهنم فإنه أحب أن يعظمه الناس بما يعظمون به الله إذا وقفوا للصلاة واضعي يمناهم على يسراهم في أدب وخشوع فكأنه ادعى الألوهية وتشبه بالله وقد ظهر من هذا الحديث أن المثول أمام عظيم أو كبير في أدب وتواضع لا يقصد به إلا التعظيم من الأمور التي خصصها الله تعالى لتعظيمه.

أتعبدون ما تنحتون؟:

أخرج الترمذي عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان».

ويفهم من هذا الحديث أن الشرك نوعان النوع الأول أن يجعل لأحد تمثال ويعبد ويقال له في اللغة العربية صنم والنوع الثاني أن يخصص بيت أو شجرة أو حجر أو خشب أو قرطاس وينسب إلى أحد ثم يعبد ويجل ويعظم ويقال له في العربية وثن ويدخل فيه القبر ومكان جلس فيه أحد الصالحين وأعتكف للأربعين أو عكف على العبادة والرياضة ويدخل فيه اللحد أو عود ينسب إلى أحد الصالحين والأولياء أ ضريح مصنوع من القرطاس منسوب إلى سيدنا حسين بن علي والعلم وشدة ومينهدي الذي ينسب إلى الإمام قاسم والشيخ عبد القادر الكيلاني ومصطبة توضع عليها الضرائح القرطاسية المنسوبة إلى سيدنا الحسين ومكان تعود الأساتذة والمشايخ الجلوس فيه للإفادة والإرشاد فيعظمون كل ذلك ويقدمون إليه النذور والقرابين ويصنعون لبعض الشهداء طاقا وعلما ومدفعا ويقربون إليه الأنعام ويحلفون به ويدعون بعض البيوت بأسماء بعض الأمراض فبيت يشتهر الجدري وينسبون بعض البيوت إلى بعض الاءلاهات الهنديه البرهمية فهذه كلها أوثان.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين الذين يصبحون فريسة الشرك والوثنية عند دنو الساعة وفي آخر الزمان يكون شركهم من نوع العكوف على أشياء تنسب إلى السابقين فيعتقدون في هذه الأشياء النفع والضرر ويغلون في في تقديسها وتعظيمها خلافا للمشركين من مشركي الهند ومشركي العرب فانهم عباد صنام يعبدون التماثيل ويتمسكون بها وكلتا الطائفتين مشركه قد أعرضت عن الله وعارضت الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه.

الذبح تقربا وتعظيما من حق الله تعالى:

أخرج مسلم عن أبي الطفيل أن عليا رضي اللَّه عنه أخرج صحيفة فيها: «لعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه».

وقد دل هذا الحديث على أن الذبح لغير الله من الأعمال التي خصصها الله لتعظيمه ومن ذبح لغير الله فقد أشرك.

عودة الجاهلية وعاداتها وعقائدها في آخر الزمان: أخرج مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: «لا يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول اللَّه: إن كنت لأظن حين أنزل اللَّه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يبعث اللَّه ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم».

وقد دل هذا الحديث على أن للشرك القديم والوثنية البائدة عودة وانتشارا في آخر الزمان قد تحقق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد بدأ الشرك القديم الذي ظن كثير من الناس أنه قد انقرض ينتشر بجوار ما يفعله المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء والأئمة والشهداء من الأعمال الشركية فمنهم من يؤمن بتماثيل الكفار فيقلدونهم في عاداتهم وتقاليدهم مثل السؤال من سدنة الهياكل وبيوت الأصنام واللجوء إليهم في المعضلات والميهمات والإيمان بالسعد والنحس وتأثير الأنواء والنجوم والخضوع للاءلاهات التي خصصت لبعض الأمراض والتقرب إليها بالنذور والاحتفال بأيام ومواسم جاهلية يحتفل بها الوثنيون في الهند والمجوس في إيران واتخاذها أعيادا و أيام فرح وسرور وأكل وشرب وإنارة بيوت وتزيينها مثل ديوالى في الهند والنوروز والمهرجان من أيام الفرس والمجوس والاعتقاد في القمر والعقرب تحت الشعاع وإن هذه كلها من عادات الهنادك والمجوس التي انتشرت في المسلمين وقد تبين من ذلك أن الشرك يتسرب إلى المسلمين إذا هجروا القرآن والحديث وتمسكوا بعادات الآباء والأجداد وتقاليدهم.

فتنة الشيطان في آخر الزمان:

أخرج مسلم عن عبد اللَّه بن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «يخرج الدجال فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يرسل اللَّه ريحا باردة من قبل الشام، لا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون فيقولون ماذا تأمرنا؟، فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم».

وقد دل هذا الحديث على أنه ينقرض الجيل المؤمن الراسخ في العلم ويخلفه السفهاء الذين طاشت أحلامهم وخفت أجسامهم وقويت ضراوتهم وأسفوا إلى مستوى الحيوانات وفقدوا صلاحية التمييز بين الخير والشر فلا هم لهم إلا ابتزاز الأموال والتهام الحرام فيأتيهم الشيطان ويقول لهم إنه من العار أن يعيش الإنسان بلا دين وطريق فيقبلون على الدين ويبحثون عنه ولكنهم لا يصدرون عن كلام الله ورسوله بل يحكمون عقولهم الحيوانية الصبيانية فيخترعون طرقا في الدين ويتردون في مستنقع الشرك فيوسع لهم في الرزق ويطيب عيشهم فيزدادون بذلك إيغالا في الشرك وبعدا عن الهدى اغترارا بأنهم كلما ازدادوا هياما بهذه الأنصاب والأوثان ازدادوا سعة في الرزق ونجاحا في المآرب.

فيجب أن يحذر الإنسان مكر الله لأن العبد قد يكون مشركا طالبا من غير الله تحقيق أمانيه وقضاء مآربه فيقضي الله حاجاته ويعطيه سؤله امتحانا وإمهالا ويحسب أنه يحسن صنعا فلا يثق الإنسان بالنجاح ولا بالخيبة في الأماني والرغبات ولا يجعلهما ميزانا لخير أو شر وحق وباطل ولا يترك دين الحق دين التوحيد لعدم تحقق بعض الرغبات والخيبة في بعض الآمال.

وقد دل الحديث على أن الإنسان مهما غاص في المعاصي وطرح الحشمة والحياء ولم يقصر في أكل أموال الناس بالباطل ولم يميز بين الخير والشر كان أفضل من المشرك وممن يعبد غير الله لأن الشيطان يرضى بأن يقلعه الإنسان عن هذه السيئات ويكف عن الذنوب ويتمسك بالشرك.

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وقد دل هذا الحديث على حرمة الطواف حول كل بيت إلا حول البيت العتيق الذي هو بيت الله وضع مباركا وهدى للناس.

الفصل الخامس: في رد الإشراك في العادات

ولوح الفلسفات الوثنية والعقول الضعيفة بالإناث وتقليد المسلمين للمشركين في ذلك:

قال الله تبارك وتعالى {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)} النساء.

ومفهوم الآية أن المشركين قصارى جهدهم مراقبة الإناث وصرف الهمة إليهن بجميع القوى وتمثلهن واللهج بأسمائهن لجلب المنافع ودفع المضار فمنهن من يختار اسم السيدة فاطمة ومنهم من يختار اسم آسية ومنهم من تمسك بأسماء إناث أخرى وجنيات ذات ألوان مختلفة وإلاهات من إلاهات الوثنيين تعزى إليها قدرة وتصرف في الكون وصلة خاصة ببعض الأمراض والأوباء وتأثير في الوقاية عنها وما هي إلا تخيلات وتوهمات وليس هناك أنثى ولا ذكر إنما هو تحليق في عالم الخيال وتسيل من تسويلات الشيطان.

وهذا الذي قد يتسلط على الإنسان وقد يأتي بعجائب ومخاريق ليس إلا شيطانا وإليه تصل نذورهم وقرابيهم وهؤلاء يقدمونها إلى هذه الإناث المتخيلة ويتلقفها الشيطان فلا ينتفعون بها لأن الشيطان رجيم قد طرده الله وخذله فلا يستفاد منه في الدنيا فضلا عن الدين ومتى نفع العدو عدوه.

تغيير خلق الله بأمر الشيطان:

وقد أعلن الشيطان أمام الله أنه لابد أن يتخذ من عباده نصيبا مفروضا ويضلهم ويمنيهم ويأمرهم فيبتكون آذان الأنعام تقربا إليه وإشعارا له ويأمرهم فيقلدونها ويضعون لها علامات مثل صبغ وجوههن بالحناء وتقليدهن أقاليد الظهور كما يفعل بالعريس في الهند ويوضع النقد في أفواههن ويدخل في ذلك كل إشعار لحيوان تقربا إلى إله أو إلهة وقد وعدهم الشيطان بأنه يأمرهم فيغيرون خلق الله الذي خلقهم عليه فبعضهم يرسل ضفيرة باسم آلهتم ومعظميهم ومنهم من يثقب أنفه وأذنه إظهارا للخضوع والاستكانة والرق والعبودية ومنهم من يحلق لحيته تجملا وتزينا ومنهم من يتظاهر بالفقر بحلق الحاجبين وشعر اللحية والرأس وهذه كلها من وساوس الشيطان ومعارضة لله ولرسوله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا فإن الشيطان لا يملك إلا النزعة والنفثة في القلب وقد يعد ويمنى ويسترسل الإنسان إلى هذه الأماني والأحلام ويغرق في التخيل ويبعد النجعة وكله بناء منهار وقصة جحا وبذلك يضل الإنسان عن طريق الهدى ويبعد عن الله ويجري وراء الخلق فلا يتحقق إلا ما قدره الله وجرى به قلم القضاء لا تنفع فيه هذه الاعتقادات وكلها وساوس شيطانية لا يكاد الإنسان يخرج منها فيخسر دينه ويخلد في النار.

جحد المشركين بنعمة الله وتفنن في تعظيم غير الله وشكره:

وقال الله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)} الأعراف.

وقد دلت الآية على قلة وفاء الإنسان و كنوده وكفره بالنعمة فقد خلقه الله ورزقه زوجا يأنس بها ويتعاون معها على قضاء الحياة السعيدة الهنيئة وجعل بينهما مودة ورحمة فلما قرب المخاض وبدت آثار الولادة دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما رزقا الولد أقبلا على غير الله بالخضوع والنذر وتقديم القرابين فمنهم من يأخذ الولد إلى قبر ومنهم من يحمله إلى نصب ومنهم من يرسل في رأسه ضفيرة باسم أحد الصالحين أو الأولياء المقربين ومنهم من يقلده قلادة ومنهم من يقيد رجله بقيد ومنهم من يرسله عافيا ليستجدى الناس ويكدي ولا يشتغل بشيء من أمور الدنيا يقال هذا صعلوك فلان من الصالحين ومنهم من يسمي ولده نبي بخش هبة نبي أو بعلي بخش عطاء علي أو بير بخش رزق الشيخ أو سيتلا بخش أي منحة سيتلا وهي الآلهة التي بها من الجدري أو بكنكا بخش هدية نهر الكنج المقدس عند الهنادك والله غي عن عبادتهم ونذورهم فلا يضرونه ولا ينقضون من ملكه شيئا ولكن على أنفسهم يجنون ويستحقون سخط الله ولعنته.

تطفيف الكيل مع الله وإيثار عليه:

وقال الله تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام 136].

وهذا شأنهم في الزروع فهم يطففون الكيل مع الله ويكفرون نعمة الله فهم أكثر أدبا وأشد دقة في استيفاء ما قسموا لشركائهم فلا يتساهلون فيه ولا يسمحون بأن تعبث به يد أو يعتدي عليه معتد أما ما كان لله فمعرض للخطر والتلف والزيادة والنقصان ينقص ولا يزداد وما ضم منه إلى قسط الشركاء فلا بأس به.

شرع ما لم يشرع والتزام ما لا يلزم:

وقال تعالى {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} الأنعام 138.

والمقصود أن الناس يشرعون شرائع ويلتزمون التزامات ليس مصدرها وحي أو إلهام أو تشريع إليهي إنما هي مجرد الأواء والظنون فيقولون الطعام الفلاني محظور مقدس يتناوله فلان ولا يمسه فلان وقد يسيبون أنعاما ويحرمون ظهورها فلا يركبها أحد ولا يحمل عليها حمل فإنها خصصت لفلان وقصد بها التقرب إليه فيجب تعظيمها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها وإنما ينوون بها التقرب إلى غير الله والذبح باسمه ثم يعتقدون أنهم بذلك ينالون رضا الله ويقضي الله بذلك حاجاتهم وكله افتراء سيلقون جزاءه.

وقال الله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة 103].

وقد ذكر الله أن شيئا من ذلك لم يشرعه الله إنما هو افتراء منهم وقد دلت الآية على أن تخصيص دابة باسم رجل ممن يعتقد فيهم القدرة على النفع والضرر والحماية والنصر وإشعارها بذلك وتعيين أن لا يتقرب إلى فلان إلا ببقرة ولا إلى فلان إلا بشاة ولا إلى فلان إلا بدجاجة كلها تشريعات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان والتزامات ليس مصدرها إلا السفاهة والهذيان ومعارضة أحكام الله وشريعته.

وقال الله تعالى {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل 116].

والمقصود النهي عن الاستبداد في التحليل والتحريم والإباحة والمنع اعتمادا على الأهواء والأعراف والتقاليد والعادات فإن هذا من التشريع في الدين والتشريع من حتى الله سبحانه وحده أما ما يعتقده بعض الناس أن من فعل كذا تحققت مطالبه وإلا أصيب بالإخفاق وتطرق إليه الفساد فهذا لا أصل له فإنه لا يفلح المفترى على الله

ويدخل في هذا التحذير ما شاع في الناس من النهي عن أكل التنبول ولبس الثوب الأحمر في شهر محرم وخوفهم من ارتكاب هذين الأمرين ومن تاول الرجال لطعام يطبخ للسيدة فاطمة وما يلتزمه الناس من خضر في تهيئة هذا الطعام وأن تتجمل النساء الاتي يتناولن هذا الطعام بكذا وكذا من أسباب الزينة ولا تأكله جارية وامرأة من الطبقة الوضيعة على عرف أهل الهند ولا فاجرة وما تعارفه الناس من تخصيص الخبيص بزاد الشيخ عبد الحق وما يوصون به من الأخذ بالاحتياط والتزام الأدب في تهيئته ويمنع منه من يستعمل النارجيلة وما خصص لشاة مدار والشيخ أبي علي القلندر ولأصحاب الكهف من أطعمة لها أنواع خاصة وأوزان محدودة وما اعتاده الناس وتمسكوا به من تقاليد وعادات في الأعراس والزواج وعلى إثر موت رجل من الأقارب وفي المآتم وما يحرم من الزواج بعد موت رجل من الأقارب والعظماء ويمنع هؤلاء عن حضور هذه الأعراس وما يكره من أعمال وصنع بعض الأطعمة وصنع بعض أنواع الكامخ والمخللات في البيوت ولبس ملابس من اللون الأزرق لبعض الناس ومن اللون الأحمر لبعض الناس وبعض أنواع القماش لبعض الطبقات فكل ذلك من اختراع الناس وتفننهم في الضلال والحكم بغير ما أنزل الله ومن أنواع الشرك والتدخل في ملكه وملكوته ومعارضة شرعه بشرع يشترعونه.

اعتقاد التأثير في الأنواء والكواكب في العالم إشراك بالله:

أخرج الشيخان عن زيذ بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي

وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي ومؤمن بي ومؤمن بالكواكب

ومغزى الحديث أن من اعتقد للنجوم تأثيرا في العالم وما يحدث فيه من الحوادث كان عند الله ممن كفر به وعبد النجوم ومن عزا كل ما يحدث في العالم من خير وشر ومن حوادث وأمور إلى الله وحده كان عند الله من عباده المقبولين الذين تبرأوا من عبادة النجوم والكواكب.

وقد دل الحديث على أن الإيمان بأن من الساعات ما تأتي بالسعد ومنها ما تأتي بالنحس وسؤال المنجمين عن ساعة سعد ونحس والاعتماد الكلي على ما يخبرون به من الشرك فان لها صلة بالنجوم والإيمان بالنجوم وتأثيرها من خصائص عباد الكواكب.

الاعتماد على العرافة والكهانة والمخبرين بالمغيبات كفر وجبت:

أخرج رزين عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقتبس بابا من علم النجوم بغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر المنجم الكاهن والكاهن ساحر والساحر كافر ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد ذكر النجوم والكواكب في كلامه فإنها آية من آيات الله وتنطق بقدرته وحكمته وقد زين الله بها السماوات الدنيا وهي رجوم للشياطين ولم يذكر أن لها دخلا في ملكوت السماوات والأرض ولها صلة بسعادة البشر وشقائهم فمن عدل عما ذكره الله من فوائدها إلى ما لم تخلق له هذه النجوم ويستدل بها على الغيب كما يفعل البراهمة من تلقف بعض الأخبار من الجن وإخبار الناس بها ويقال لها بالعربية الكهان فطريق المنجم والكاهن سواء والكهان يتوددون إلى الجن كما يفعل السحرة بالإيمان بهم وندائهم وتقديم النذور والقرابين إليهم فهذا كله من الكفر.

أخرج مسلم عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا فسأله عن شيء لا يقبل صلاته أربعين يوما.

وقد عرفنا من هذا الحديث أن من أتى العراف الذي يدعي الأخبار بالغيب لم تقبل عبادته أربعين يوما لأنه قد أشرك والشرك يطمس نور العبادات كلها ويدخل في هذا الحكم المنجمون والرمالون والمشتغلون بعلم الجفر ومن يدعي الكشف المطلق الذي لا يخطئ ولا يقع خلافه أبدا ومن يدعي الإطلاع على الغيب والأخبار به عن طريق الاستخارة بالقطع والبت.

مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية ومقلديهم من المسلمين

ويؤيد هذا الحديث أحاديث أخرى صحيحة منها ما أخرج أبو داود عن قبيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت».

وما أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك.

وقد اعتاد العرب التطير وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد أخرى ليقلع الناس عن هذه العادة.

ومنها ما أخرج أبو داود عن سعد بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا هامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة

وقد اشتهر في جهال العرب أن من قتل وطل دمه ولم يؤخذ بثأره خرج من هامته طائر يقال له الهامة وهي كالبومة فما تزال تستغيث وتهيم على وجهها حتى يؤخذ بثأره.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه باطل فمن زعم أن الإنسان يتمثل بعد موته بحيوان فقد كذب على الله وكان من الاعتقادات الشائعة في العرب أن بعض الأمراض كالجرب والجذام تتعدى وتنتقل من إنسان إلى آخر وهي كلها اعتقادات باطلة وشائعات لا أصل لها.

وظهر من هذا أنه ما اعتاده الناس من الابتعاد عن ولد يصاب بالجدري ومنعهم الأولاد عن أن يقتربوه مخافة أن يصابوا بهذا المرض قطعا فهو من عادات الجاهلية كذلك.

وقد اشتهر عندهم أن الأمر الفلاني لم يوافق فلانا وأنه لم يوفق فيه ولم يكن النجاح حليفه وإن كان لليمن والشؤم أصل فهنا في الدار والفرس والمرأة فقد تكون ميمونة مباركة وقد تكون تعسة مشئومة ولكن لسان النوة لم يحدد السبيل إلى معرفة ذلك حتى يحكم الإنسان بيمنها وشؤمها وما عينه الناس من أمارات لذلك مثل الدار التي يصور الناس على بابها وعلى ميزابها فم الأسد ومثل أن يكون على جبين الفرس مثل نجم وأن تكون المرأة سوداء اللسان فهي مشئومة فلا أصل له بل يجب على المسلمين أن لا يحتفلوا بأمثال هذه الترهات ويجب عليهم إذا اشتروا بيتا جديدا أو استأجروه أو ظفروا بجواد أو تزوجوا عقيلة أو جارية أن يدعوا الله أن يقدر فيها الخير ويبارك فيها ويتعوذوا بالله من شرها وشر ما جبلت عليه ولا يشغلوا نفوسهم بالحكم على أمور قد مضت فيقولوا وافقنا الأمر الفلاني ولم يوافقنا الأمر الفلاني.

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا هامة ولا صفر.

وقد اشتهر في الجهال أن الذي أصيب بالنهامة فيأكل ولا يشبع ويسميه الأطباء بجوع الكلب والعامة بجوع البقر فقد دخل في بطنه عفريت أو شيطان يأكل كل ما يتناوله الإنسان فلا يشبع وكانوا يسمونه بصفر وهو الذي جاء نفيه في هذا الحديث ومعنى ذلك أن ما يعتقده الناس في بعض الأمراض أنها من تأثير الشياطين والعفاريت وأنها من تصرفاتهم باطل لا أصل له مثل ما ذكرنا عن مرض الجدري وغيره من الأمراض التي يربطها المشركون في الهند ببعض الالاهات والقوى المتصرفة في العالم.

وقد اشتهر في الجهال أن شهر صفر نحس يجب أن يكف الناس فيه عن أعمال ذات قيمة وخطر مثل الزواج والأسفار والتجارات والمعاملات ويدخل في ذلك ما يعتقده جهال الهند أن الأيام الثلاثة عشر الأولى من شهر صفر مشئومة نحسة بصفة خاصة ينزل فيها البلاء ويسمونها ب تيره تيزي فتفسد الأعمال وتحبط المساعي وكذلك يخصصون بعض الأيام من الشهر بالنحس فيتوقفون عن مباشرة بعض الأعمال المهمة فيها بل يجب أن يكون جل الاعتماد على الله تعالى والإيمان بأنه هو الضار النافع والمعطي المانع والؤثر الحقيقي في الأشياء.

وقد أخرج ابن ماجة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة فقال كل ثقة بالله وتوكلا عليه.

كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها

أخرج أبو داود عن جبير بن مطعم قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال جهدت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سماواته هكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.

وقد علمنا من هذا الحديث شدة استنكار النبي صلى الله عليه سلم للأعرابي الذي قال إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك وكيف فزع لذلك واستشعر الخشية وهيبة الله وجعل يسبح الله ويكثر من التسبيح والتنزيه وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة وأوضح أن من يستشفع به على أحد يكون عادة أحط شأنا من الذي يشفع عنده وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلا يستشفع به عند أحد وقد جرت العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر ببعض خاصته وأهل المنزلة عنده فيحقق الرغبة ويعطي السؤل إرضاءا لهذا الشفيع وتشريفا لقدره والله هو الذي يملك زمام الأمور وغيره ضعيف عاجز مفتقر إلى الله فكيف يستشفع به على أحد من خلقه فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة الله وجبروته كانوا أقل من ذرة وإن العرش الذي أحاط بالسماوات والأرضين كالقبة ليئط به أطيط الرحل بالراكب فليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته وينفذ فيها أمره إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يحتاج في ذلك إلى وزير أو مشير يصرف أمورا لا يأتي عليها الإحصاء ولا يبلغها الاستقصاء في أقل من طرفة عين فكيف يشفع عند غيره ومن يستبد بالأمور دونه.

يا للعجب إن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي شرفه الله تعالى على جميع خلقه لا يكاد يسمع من أعرابي جلف كلمة تدل على جهله بالله وقصور عقله أن يملأه الخوف والمهابة فيفيض في بيان عظمة الله التي ملأت العالم من العرش إلى الفرش وما بال أقوام طالت ألسنتهم وحملهم الطيش والجراءة فتشدقوا بكلام تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا وبدأوا يتكلمون عن الله جلت عظمته كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة فقال بعضهم إني اشتريت ربي بدانق ومنهم من يقول أنا أكبر من ربي بسنتين ويقول الثالث إذا تجلى ربي في صورة غير صورة شيخي لم أرفع إليه بصري ويقول شاعر إني أحمل قلبا قد جرح بحب محمد صلى الله عليه وسلم وعطفه فأنا منافس لله تعالى أغار منه على حبيبي وقال بعضهم قل عن الله ما شئت متفننا واذهب في الجنون مذاهب ولكن إياك إياك أن تدخل في حمى محمد وأن تغلب فيه على أمرك ويقول بعضهم إن الحقيقة المحمدية أفضل من الحقيقة الآلهية أعاذنا الله عن أمثال هذه الشطحات والافتراءات وقد أحسن شاعر فارسي إذ قال نسأل الله التوفيق للأدب فإن قليل الأدب بعيد عن فضل الله.

وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة أو ألمت بهم ملمة أن يقرأوا ورد يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله في عدد مخصوص ومدة مخصوصة ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته فإنه سؤال من الشيخ عبد القادر الجيلاني وتوسل بالله تعالى إليه والعكس أصح فيجوز التوسل بالشيخ إلى الله لا التوسل بالله إليه.

والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك أو إساءة مع الله فإن الله هو المتعالي الغني القادر الملك الجبار لا يبالي بأحد إذا شاء بطش على شيء دق وصغر وإذا شاء عفا عن كبير لو كان مثل جبل ولا يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب وباطنه الإجلال والتعظيم ويقول المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها فإن الألغاز والمعميات لها مجالات كثيرة وهي لا تليق بالله تعالى ولا نعرف عاقلا يهزأ بملكه أو بأبيه ولا يستعمل معهما الصنائع البديعية والكنايات الأدبية التي اخترعها الأدباء بل يكون كلامه واضحا يصدر عن وعي يدل على أدب إن مجال هذه الأساليب الأدبية هي مجالس الاخوان والنوادي الأدبية.

الحث على إظهار شعار التوحيد في الأسماء والتحذير من الكلام الموهم

أخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحب أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن

ويدل هذا الحديث على أن أحب الأسماء إلى الله ما دلت دلالة واضحة على عبودية العبد وذله وعجزه أمام الله وما كانت شعارا وعلما للتوحيد ومنها الأسماء التي ذكرت في هذا الحديث كنموذج ويدخل فيها أسماء أخرى كعبد القدوس وعبد الجليل وعبد الخالق وهبة الله وعطاء الله وجاد المولى وغيره أخرج أبو داود والنسائي عن تشريح بن هانئ عن أبيه أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومهم سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إ ن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم.

وقد دل هذا الحديث على أن الكلمة التي لا تليق إلا بالله تعالى والصفة التي هي خاصة به لا يجوز أن يوصف بها غيره كما ملك الملوك وملك العالم ويفعل ما يشاء وأحكم الحاكمين والحكيم المطلق وأغنى الأغنياء ويؤيده ما اخرج في شرح السنة عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد وقولوا ما شاء الله وحده.

فقد جاء فيه تحريم إشراك مخلوق في فعل يختص بالله تعالى ووصفه بصفة لا تليق إلا بالله تعالى مهما بلغ هذا المخلوق من جلالة الشأن وقرب المكان فيقول مثلا ما شاء الله وشاء رسوله لأن الله وحده هو يملك هذا العالم ويتصرف فيه بما شاء لا يشاركه في ذلك الرسول أو يسأل أحد رجلا أخبرني بما يهجس في ضمير فلان أو يدور بخلده ومتى يتم الأمر الفلاني وما عدد الأوراق التي تحملها هذه الشجرة وما هو عدد النجوم فيقول جوابا الله ورسوله أعلم لأن الله وحده يعلم الغيب أما إذا سئل أحد عن شيء في الدين فلا بأس أن يقول الله ورسوله أعلم أو يقول إن الله ورسوله أمرا بكذا لأن الله قد أطلع رسوله على أمور الدين والله أمر عباده بطاعته.

الحلف بغير الله إشراك بالله:

أخرج الترمذي عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد أشرك وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله وقد دلت هذه الأحاديث على أن الحلف بمن كان يحلف به المشركون في الجاهلية يضر بالإيمان والعقيدة فإذا صدر هذا من مسلم فليقل لا إله إلا الله.

لا يجوز النذر لغير الله والذبح في مكان كان فيه وثن أو عيد من أعياد الجاهلية:

أخرج أبو داود عن ثابت بن ضحاك قال نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله وقد دل هذا الحديث على تحريم النذر لغير الله فلا يحل هذا النذر ابتداءا فإن أخطأ أحد لجهله للدين فلا وفاء عليه ولا يجوز التمادي في خطأ أو الإلحاح والتشبث بذنب بل هو ذنب أكبر وقد دل الحديث كذلك على أنه لا يجوز سوق دابة تذبح لله إلى مكان تقرب فيه القرابين لغير الله أو يعبد فيه غيره ويجتمع الناس هناك على شرك وإن صحت النية وصلحت العقيدة.

النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم:

أخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه يا رسول الله يسجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك فقال اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم.

ويفهم من هذا الحديث أن الناس إخوان فمن فاق منهم في فضل وعلت منزلته وكبرت سته كان بمنزلة الأخ الأكبر واستحق الإكرام الزائد والله رب الجميع وهو الذي يستحق العبادة.

وقد دل هذا الحديث على أن الأولياء والأنبياء والأئمة وأبناءهم والمشايخ والشهداء كلهم بشر وكلهم عباد خاضعون وهم لنا إخوان ولكن الله نضلهم فمنهم بمنزلة الاخوة الكبار الذين تقدموا في السن ونحن مأمورون بطاعتهم ونحن بالنسبة إليهم صغار ويجب أن نعظمهم كبشر لا كإله.

ودل الحديث كذلك على أن بعض الأشجار وبعض الحيوانات قد تحترم بعض الصالحين وهنا أمكنة تنسب إلى بعض الصالحين ومقابر يأتي إليها بعض الأسود ومنها ما يأتي إليها ببعض الأفيال ومنها ما يأتي إليها بعض الذئاب ولكن لا يصح الاحتجاج بها بل يجب على الإنسان أن يعظم من يستحق التعظيم بما أمر الله به وجاء به الشرع ولم يأمر الشرع بالعكوف على قبر وسدانته فإن ربض أسد على قبر لا يتحول عنه فلا يصح التمسك بذلك فإنه يحسن بالإنسان العاقل فضلا عن المسلم الواعي أن يقلد الحيوانات أخرج أبو داود عن قيس بن سعد قال أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يسجد له فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني رأيت الحيرة فرأتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت أحق أن نسجد لك فقال لي أرأيت لو مررت بقبرى أكنت تسجد له فقلت لا فقال لا تفعلوا وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد رضي الله عنه على أن من كان مآله الموت ومصيره إلى القبر يموت فيدفن لا يستحق السجدة إن السجود للحي الدائم الذي لا يموت وعرف من هذا أنه لا يجوز السجود لحي ولا لميت ولا لقبر ولا لنصب فإن كل نفس ذائقة الموت والحي لا يتجرد عن البشرية وخصائصها فكيف يصير إلها يسجد له إذا فارق الحياة فالعبد عبد حيا وميتا.

التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك:

أخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ولا يقل العبد لسيده مولاي فإن مولاكم الله.

وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يخاطب السيد عبده فيقول يا عبدي وأن يضيف ذلك إلى نفسه وإن كان في الحقيقة رقيقا له أو أن يقول أحد فلان عبد لفلان أو أن يقول العبد لسيده مولاي وهذا فيمن كانوا عبيدا وسادة فكيف بمن يدعي العبودية زورا ويلقب نفسه بعبد النبي وعبد علي وعبد صاحب الجلالة والعبد الخاص وما اعتاده الشعراء والأدباء والغلاة في الحب والغرام والاعتقاد من إطلاق كلمة عبد الغلام الأمرد وعانى الحبيب وعابد الشيخ الجليل والافتخار بذلك أما السخاء بألقاب رب الأرباب والجواد المطلق فلا محل له البتة ولا مبرر وهو غاية في إساءة الأدب مع الله وما تعوده بعض الناس من أن يقولوا لبعض الناس أنت تملك حياتي ومالي ونحن في تصرفك تفعل ما تشاء فهو كذب ومين وشرك.

النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيهم وغلوهم فيه:

أخرج الشيخان عن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد اله ورسوله.

ومقصود الحديث أن منصب الرسالة يتضمن جميع المحاسن والفضائل التي أكرمني الله بها فإذا أطلقت على هذه الصفة وقيل رسول الله فلا مزيد على ذلك فإن الرسالة هي الغاية القصوى التي يصل إليها بشر وكل ما عدا ذلك من المنازل فهو دونها لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا عبد الله ورسوله ولكن لا يعزبن عن البال أن البشر إذا أكرم بالرسالة لا يتجرد عن البشرية وحسبه فخرا أ يكون عبدا لله تعالى لا يتلبس بذلك بالألوهية ولا يذوب في ذات الله تعالى فلا يحل القول بذلك لعبد من عباد الله وكفر النصارى بهذا الاعتقاد في المسيح E وبعدوا عن الله تعالى ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيهم وغلوهم فيه فاستحقوا غضب الله ولعنه.

ولكن الغلاة من هذه الأمة مع الأسف لم يمتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحكوا النصارى في أقاويلهم وما زاد النصارى على أن قالوا إن الله سبحانه وتعالى قد ظهر في صورة عيسى بن مريم وكسوته فهو بشر من جهة وإله من جهة أخرى. وقد قال بعض غلاة المسلمين مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفننوا فيه فقال بعضهم لقد كان الله في ذهاب وإياب في كل قرن حتى ظهر في صورة عربي أخيرا وملك العالم وقال بعضهم إن القضاء قد أركب على ناقة واحدة ظعينتين إحداهما سلمى الحدوث وأخراهما ليلى الفدم وما لم يكتب قلم القضاء في لوح العالم الإمكان الوجوب لم يتعين مورد للإطلاق المطلق.

وقد تطرف بعض من لا يخشون الله فنسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فزعموا أنه قال أنا أحمد بلا ميم وقد زوروا عبارة عربية طويلة جمعوا فيها خرافات كثيرة وسموها بخطبة الافتحار وعزوها إلى سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه سبحانك هذا بهتان عظيم خذل الله الكذابين وفضحهم وكما أن النصارى يزعمون أن المسيح عليه السلام يملك الدنيا والآخرة فيدبر الأمر كما يشاء فمن آمن به وتضرع إليه لم يحتج إلى شيء من العبودية والعبادة وما ضره ذنب ولا فرق له بين حلال وحرام فيكون لله كسائبة حبلها على غاربها ويخلصه عيسى بن مريم في الآخرة بشفاعته عن النار وعن العذاب.

ومثل هذا يعتقد بعض الجهلة المسلمين في النبي صلى الله عليه وسلم وتنزلوا فاعتقدوا في أئمة أهل البيت وأولياء الأمة بل وفي المشايخ مثل هذا الاعتقاد نسأل الله لنا ولهم الهداية.

أخرج أبو داود عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد اللَّه، فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم فلا يجترئنكم الشيطان».

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط وتحري الدقة في مدح من يعتقد فيهم الفصل وأن لا يتخطى في ذلك حدود البشرية فيلحقه بالله وأن لا يكون المادح كفرس جموح لا يمسكه فارس ولا يضبطه زمام فيسيء بذلك الأدب مع الله ويتورط فيما لا يحمد عقباه.

وليعلم أن السيد له معنيان فقد يراد به السيد الذي يملك الأمر بالإطلاع ولا يخضع لأحد فيفعل ما يشاء شأن الملوك في الدنيا وهذا يختص بالله تعالى فلا سيد بهذا المعنى إلا الله وقد يراد به أحد أفراد الرعية يمتاز عن سائر الأفراد بأن أمر الحاكم يتوجه إليه أولا ثم يبلغ الآخرين عن طريقه كرئيس قبيلة أو عمدة قرية أو مرزبان وبهذا المعنى كل نبي سيد في أمته وكل إمام مقدم على أتباعه وكل مجتهد قائد لمن يقتدي به وكل شيخ أو أستاذ له الرئاسة في الأتباع والتلاميذ بأنهم يقومون بإمتثال أوامر الله تعالى في نفوسهم ثم يعلمونها من دونهم وهكذا فإن نبينا صلى الله عليه وسلم هو سيد العالمين ومنزلته عند الله فوق كل منزلة وهو أشد الناس امتثالا لأوامر الله تعالى والخلق كلهم عيال عليه في الاهتداء إلى الله ومعرفة أحكامه ومرضياته وبهذا المعنى يصح أن نسميه بسيد العالمين بل يجب هذا الاعتقاد أما بالمعنى الأول وهو السيطرة على العالم والتصرف بمطلق الإرادة كما يتصرف الملوك القاهرون فلا يصح ولا يجوز فإنه لا يتصرف في أضعف مخلوق تضرف السيد في ملكه والملك في ملكه فضلا عن جسام الأمور وكبار المخلوقات

النهي عن تعظيم صور الصالحين:

أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب ولم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة قالت قلت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال هذه النمرقة قالت قلت اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

وقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله بعض الجهال من تعظيم صور للأنبياء أو الأئمة أو الأولياء أو المشايخ ويحفظونها عندهم ليتبركوا بها ضلال محض وإغراق في الشرك والنبي والملائكة منه براء بل يجب على المسلم أن يبعدها عن البيت ويعتقد نجاستها فينال بذلك رضا الرسول صلى الله عليه وسلم وتدخل الملائكة هذا البيت وتحل البركة بدخولها.

أخرج البيهقي عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي أو قتل أحد والديه والمصورون وعالم لا ينتفع بعلمه.

وبذلك تعرف شناعة عمل التصوير فإن فاعله قد قرن في هذا الحديث بقاتل نبي فإذن هو أقبح وأشقى من يزيد وشمر اللذين توليا كبر قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ولم يكن نبيا من الأنبياء إنما كان سبط الرسول صلى الله عليه وسلم.

أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة.

تأذى النبي صلى الله عليه وسلم بالغلو في شخصه والزيادة على ما وصفه الله به:

وأخرج رزين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أريد أن ترفعوني فوق المنزلة التي أنزلنيها الله تعالى أنا محمد بن عبد الله ورسوله.

ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسره أن يبالغ فيه الناس ويطروه شأن الأمراء والملوك الذين يحبون المبالغة والملق فإنهم لا شأن لهم بدين هؤلاء الندماء والشعراء واعتقادهم فلا عليهم إذا فسدت عقيدتهم أو باؤا بالإثم أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان مربيا عطوفا على أمته عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالممؤمنين رؤوف رحيم وكانت عنايته مصروفة إلى إصلاح عقيدتهم وتقويم دينهم.

وقد جرت العادة أن المحبين يبالغون في مدح من يحبونهم ويسرفون في ذلك لينالوا رضاهم ويدخلوا السرور عليهم وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته من أشد الأمم حبا لنبيها وامتنانا له ومعرفة لفضله وقد خاف أن تبالغ أمته في مدحه بدافع هذا الحب فتتخطى الحدود وتسيء الأدب مع الله أحيانا فيتلف بذلك دينها وتهلك وتعادي النبي وتؤذيه لذلك صرح بأنه لا يرضى المبالغة والغلو وأن اسمه ما سماه به أهله وناداه به ربه ليست له من أسماء الله كالخالق والرازق شيء وأنه ولد كما يولد سائر الناس من أب وأم وحسبه فخرا أن يكون عبدا لله ولكنه يمتاز عن سائر عباد الله بعلم أحكام الله ومرضاته والناس عنها في جهل وغفلة لا سبيل لهم إليها إلا عن طريقه فليرجعوا إليه ويلوذوا به في تعلم دين الله وفي معرفة أحكامه وشرائعه.

اللهم فصل وسلم ألف صلاة وألف تسليم على هذا النبي الرحيم الكريم فأجزه عنا على جهاده في تعليم الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور أفضل ما تجزي نبيا عن أمته وكافئه على ذلك أحسن مكافأة فأنت تقدر على ذلك ولا يبلغه علمنا ولا يستوفيه شكرنا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق