افتح القائمة الرئيسية

ويكي_مصدر β

رسالة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص حول فتح مصر ورده عليها

بعد تمام فتح مصر، كتب عُمر بن الخطَّاب إلى واليه عمرو بن العاص، يسألهُ عن أوضاع البلاد قائلًا:

بسم الله الرحمن الرحيم
«أمَّا بعد يا عمرو. إذا أتاك كتابي فابعث إليَّ جوابه، تصف لي مصر ونيلها وأوضاعها، وما هي عليه حتَّى كأنني حاضرها».

فكتب عمرو بن العاص يشرح أحوال مصر قائلًا:

بسم الله الرحمن الرحيم

«أمَّا بعدُ، يا أمير المُؤمنين. فإنَّها تُربةٌ غبراء، وحشيشةٌ خضراء، بين جبلين، جبلُ رملٍ كأنَّهُ بطنٌ أقبّ وطهرٌ أجبّ. ورزقُها ما بين أسوان إلى منشأ من البر. يخطُّ وسطها نهرٌ مُبارك الغدوات، ميمونُ الروحات، يجري بالزيادةُ والنُقصان، كمجاري الشمس والقمر. لهُ أوان تظهر إليه عُيونُ الأرض ومنابعها، مُسخِّرةً له بذلك ومأمورةٌ له. حتَّى أطلخمَّ عجاجه، وقفطفطت أمواجُه، واغلولوت لُججه، لم يبقَ الخَلاصُ إلى القُرى بعضها إلى بعضٍ، إلَّا في خفاف القوارب، أو صغارُ المراكب، التي كأنَّها في الجبائل ورق الأبابيل. ثُمَّ أعاد بعد انتهاء أجله نكص على عقبه، كأوَّل ما بدا، في دربه وطما في سربه. ثُمَّ استبان مكنونها ومخزونها. ثُمَّ انتشرت بعد ذلك أُمَّةٌ مخفورة، وذمَّةٌ مغفورة لِغيرهم ما سعوا به من كدِّهم وما ينالوا بِجُهدهم، شعثوا بُطون الأرض وروابيها. ورموا فيها من الحبِّ ما يرجعون به من التمام من الربّ، حتَّى إذا أحدق فاستبق وأسبل قنواته. سقى الله من فوقه الندى، ورواه من تحت بالثرى. ورُبما كان سحابٌ مُكفهر ورُبَّما لم يكن.

وفي زماننا ذلك، يا أمير المُؤمنين، ما يُغنِّي ذُبابه ويُدبِّرُ حلابه. فبينما هي بريَّةٌ غبراء، إذ هي لُجَّةٌ زرقاء، إذ هي سُندُسيَّةٌ خضراء، إذ هي ديباجةٌ رقشاء، إذ هي دُرَّةٌ بيضاء، إذ هي حلَّةٌ سوداء. فتبارك الله أحسنُ الخالقين. والذي يُصلحُ هذه البلاد ويُقرُّ قاطنها فيها ثلاث أشياء: أوَّلها لا تقبل قول رئيسها على خسيسها، والثاني يؤخذ ثُلث ارتفاعها يُصرف في عمارة ترعها وجُسورها، والثالث لا يُستأدى خراج كُلُّ صنفٍ إلَّا منه عند استهلاله. فإذا تقرَّر الحال مع العُمَّال على هذه الأحوال تضاعف ارتقاعُ المال، واللهُ المُوفِّقُ إلى حُسن المآل.

والسَّلام.»