افتح القائمة الرئيسية

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوثعدل

لما كان الجِهَاد ذِروةَ سَنَامِ الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرَّفعةُ في الدنيا، فهم الأَعْلَوْنَ في الدنُّيَا والآخِرةِ، كان رسولَ الله ﷺ في الذَّروةِ العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كُلَّها فجاهد في اللهِ حقَّ جهاده بالقلب، والجَنانِ، والدَّعوة، والبيان، والسيفِ، والسِّنَانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العَالَمِينَ ذِكرًا، وأعظمَهم عند الله قدرًا.

وأمره الله تعالى بالجِهاد مِن حينَ بعثه، وقال: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } [1]، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجة، والبيان، وتبليغِ القرآن، وكذلكَ جهادُ المنافقِينَ، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النبي جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ المَصِيرُ } [2]. فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ولما كان مِن أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِضِ، مثلَ أن تتكلم به عند مَن تُخاف سَطوتهُ وأذاه، كان للِرسلِ صلواتُ الله عليهم وسلامُهُ مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبينا صلواتُ الله وسلامُه عليه من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.

ولما كان جهاد أعداءِ الله في الخارج فرعًا على جهادِ العبد نفسه في ذاتِ الله، كما قال النبي ﷺ: "المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ الله، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه". كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جِهَادِ العدوِّ في الخارج، وأصلًا له، فإنه ما لم يُجاهِدْ نفسه أوَّلًا لِتفعل ما أُمِرَتْ به، وتتركَ ما نُهيتْ عنه، ويُحارِبْهَا في الله، لم يُمكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في الله، بل لا يُمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهِدَ نفسَه على الخروج.

فهذان عدوَّانِ قد امْتُحِنَ العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌ ثالث، لا يمكنه جهادُهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثَبِّطُ العبدَ عن جهادهما، ويُخَذِّلُه، ويُرجِفُ به، ولا يزالُ يُخَيِّل له ما في جهادهما مِن المشاق، وتركِ الحظوظ، وفوتِ اللذاتِ، والمشهيات، ولا يُمكنه أن يُجاهِدَ ذَيْنِكَ العدويْنِ إلا بجهاده، فكان جهادُه هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: { إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } [3]. والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوُسع في مُحاربته ومجاهدته، كأنَّهُ عدو لا يَفْتُر، ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أُمِرَ العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلى بمحاربتها في هذه الدار، وسُلِّطَتْ عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فأعطى اللهُ العبدَ مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجِهَادِ، وأعطى أعداءه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسِلاحًا، وبَلا أحدَ الفريقين بالآخر، وجعل بعضَهم لبعض فتنة لِيَبْلُوَ أخبارهم، ويمتحِنَ من يَتولَّاه، ويتولَّى رسُلَهُ ممن يتولَّى الشيطانَ وحِزبه، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } [4]، وقال تعالى: { ذَلِكَ، وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعَضٍ } [5]، وقال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنُكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } [6]. فأعطى عباده الأسماعَ والأبصارَ، والعُقول والقُوَى، وأنزل عليهم كُتُبَه، وأرسلَ إليهم رسُلَه، وأمدَّهم بملائكته، وقال لهم: { إني مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ } [7]، وأمرهم من أمره بما هو مِن أعظم العونِ لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنَّهم إن امتثلوا ما أمرهم به، لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوِّهم، وأنه إن سلَّطه عليهم، فلتركهم بعضَ ما أُمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يُؤُيسهُم، ولم يُقنِّطْهُمْ، بل أمرهم أن يسْتَقْبِلُوا أمرهم، ويُداووا جِرَاحَهُم، ويَعُودوا إلى مُناهضةِ عدوهم فينصَرهم عليهم، ويُظفرَهم بهم، فأخبرهم أنه معَ المتقين مِنهم، ومعَ المحسنينَ، ومعَ الصابرين، ومعَ المؤمنين، وأنه يُدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوِّهم، ولولا دفاعُه عنهم، لتخطّفهم عدوُّهم، واجتاحهم.

وهذه المدافعةُ عنهم بحسب إيمانِهم، وعلى قَدْرِهِ، فإن قَوِيَ الإيمانُ، قويتِ المُدافعة، فمَن وجد خيرًا، فليحمَدِ الله، ومَن وجد غيرَ ذِلكَ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.

وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر، فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه، فإنه يَعِدُ الأمانِيَّ، ويُمَنِّي الغُرورَ، ويَعِدُ الفقَر، ويأمرُ بالفحشاء، وينهى عن التُّقى والهُدى، والعِفة والصبرِ، وأخلاقِ الإيمان كُلِّهَا، فجاهده بتكذِيبِ وعده، ومعصيةِ أمره، فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا.

واختلفت عباراتُ السَلَف في حقِّ الجهاد:

فقال ابن عباس: "هو استفراغُ الطاقة فيه، وألا يَخافَ في اللهِ لومةَ لائم". وقال مقاتل: "اعملوا للهِ حقَّ عمله، واعبدُوه حقَّ عِبادته". وقال عبد الله بنُ المبارك: "هو مجاهدةُ النفس والهوى". ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختِلف باختلافِ أحوال المكلَّفين في القُدرةِ، والعجزِ، والعلمِ، والجهلِ. فحقُّ التقوى، وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالِم شىء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شىء.

وتأمل كيف عقَّب الأمر بذلك بقوله: { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [8] والحَرَج: الضِّيقُ، بل جعله واسعًا يسَعُ كُلّ أحد، كما جعل رِزقه يسع كُلّ حى، وكلَّف العبدَ بما يسعه العبدُ، ورزق العَبدَ ما يسعُ العبد، فهو يسعُ تكليفَه، ويسعه رزقُهُ، وما جعل على عبده في الدين من حَرَج بوجه ما، قال النبي ﷺ: "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" أي: بالمِلَّة، فهي حنيفيَّة في التوحيد، سمحَةٌ في العمل.

وقد وسَّع الله سبحانه وتعالى على عباده غايةَ التَّوسِعة في دينه، ورِزقْه، وعفوه، ومغفرتِهِ، وبسط عليهم التوبةَ ما دامت الروحُ في الجسد، وفتح لهم بابًا لها لا يُغْلِقُهُ عنهم إلى أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغربها، وجعلَ لكلِّ سيئة كفارةً تُكفرها من توبة، أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مُصيبة مُكَفِّرة، وجَعل بكل ما حرَّم عليهم عِوضًا مِن الحلال أنفعَ لهم منه، وأطيَبَ، وألذَّ، فيقومُ مقامه لِيستغنى العبدُ عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يَضيقُ عنه، وجعل لِكل عُسْرٍ يمتحنُهم به يُسرًا قبله، ويُسرًا بعده، "فلن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَيْنِ" فإذَا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده، فكيف يُكلِّفُهم ما لا يسعهم فضلًا عما لا يُطيقونه ولا يقدِرُونَ عليه.

فصل مراتب الجهادعدل

إذَا عُرِفَ هذا، فالجهادُ أربع مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهادُ المنافقين.

فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضًا:

إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين.

الثانية: أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.

الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.

الرابعة: أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانيًا حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علم وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السموات.

فصل

وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان، إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقى إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.

الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ، فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [9]، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات.

فصل

وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللِّسان، والمالِ، والنفسِ، وجهادُ الكفار أخصُّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.

فصل

وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه، فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النَّفَاقِ".

فصل

ولا يَتِمُّ الجهِادُ إلا بالهِجْرةِ، ولا الهِجْرة والجهادُ إلا بالإيمَانِ، والرَّاجُونَ رحمة الله هم الذين قاموا بهذِهِ الثلاثة. قال تعالى: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ، وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [10].

وكما فصلأن الإيمان فرضٌ على كل أحد، ففرضٌ عليهِ هِجرتان في كل وقت: هجرةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ بالتوحيدِ، والإخلاص، والإنابة، والتَّوكُّلِ، والخوفِ، والرَّجاءِ، والمحبةِ، والتوبةِ، وهِجرةٌ إلى رسوله بالمُتابعة، والانقيادِ لأمره، والتَّصدِيق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيرِهِ وخبره: "فمَن كانت هِجرتُهُ إلى الله ورسُولِهِ، فَهِجْرتُهُ إلى الله ورسولِهِ، ومَن كانت هِجْرتُهُ إلى دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُهَا، فَهِجْرته إلى ما هاجر إليه".

وفرضَ عليه جهادَ نفسه في ذات الله، وجِهادَ شيطانه، فهذا كُلُهُ فرضُ عينٍ لا ينوبُ فيه أحدٌ عن أحد.

وأما جِهَادُ الكُفار والمنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعضِ الأمَّةِ إذا حَصَلَ منهم مقصود الجهاد.

فصل

وأكملُ الخَلْقِ عند الله، من كَمَّلَ مراتِبَ الجهاد كُلَّهَا، والخلق متفاوِتونَ في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكملَ الخلقِ وأكرمهم على الله خاتِمُ أنبيائِه ورُسُلِهِ، فإنه كمَّل مراتبَ الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشرع في الجهاد من حِينَ بُعِثَ إلى أن توفَّاهُ الله عزَّ وجلَّ، فإنَّه لما نزل عليه: { يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّر وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [11] شَمَّر عن ساق الدعوة، وقام في ذاتِ الله أتمَّ قيام، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، وسّرًا وجهارًا، ولمَّا نزل عليه: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } [12]، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغيرَ والكبيرَ، والحرَّ والعبدَ، والذكَر والأُنثى، والأحمرَ والأسودَ، والجِنَّ والإنسَ.

ولما صَدَعَ بأمرِ الله، وصرَّحَ لقومه بالدَّعوة، وناداهم بسبِّ آلهتهم، وعَيبِ دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له مِن أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذهِ سُنَّة الله عزَّ وجلَّ في خلقه كما قال تعالى: { مَا يُقَالُ لَكَ إلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } [13]. وقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نبي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ } [14]. وقال: { كَذَلِكَ مَا أتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } [15].

فَعزَّى سبحانه نبيّه بذلك، وأن له أُسوةً بمن تقدَّمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوْا الجَنَّةَ وَلَمَّا يأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم، مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } [16].

وقوله: { آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَليَعْلَمَنَّ الْكَّاذِبِينَ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَن يَسْبِقُونَا، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ اللهِ فَإنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌ عَنِ العَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، وَإن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصَّالِحِينَ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللِّهِ فَإذَا أُوذِيَ في اللهِ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ، أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا في صُدُورِ العَالَمِينَ } [17].

فليتأملِ العبدُ سياقَ هذِهِ الآياتِ، وما تضمنَّته من العِبَرِ وكُنُوز الحِكَم، فإنَّ الناسَ إذَا أُرسِلَ إليهم الرُّسُلُ بين أمرين: إما أن يقولَ أحدهُم: آمنا، وإما ألا يقولَ ذلك، بل يستمرَّ على السيَّئاتِ والكُفر، فمَن قال: آمنا، امتحنه ربُّه، وابتلاه، وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبينَ الصادِقُ مِن الكاذِب، ومَن لم يقل: آمنا، فلا يَحْسَبْ أنه يُعْجِزُ الله ويفوتُه ويَسبِقُه، فإنه.

إنما يطوى المراحِلَ في يديه ** وكَيفَ يَفِرُّ المرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ

إِذَا كَانَ تُطْوى في يَدَيْهِ المرَاحِلُ

فمَن آمن بالرُّسُلِ وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتُلى بما يُؤلِمه، وإن لم يُؤمن بهم ولم يُطعهم، عُوقِبَ في الدنيا والآخرة، فَحَصَلَ له ما يُؤلمه، وكان هذا المؤلمُ له أعظَمَ ألمًا وأدومَ مِن ألم اتِّباعهم، فلا بد من حصول الألم لكل نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، والمُعرِضُ عن الإيمان تحصلُ له اللَّذةُ ابتداءً، ثم يَصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعي رحمه الله أيُّما أفضلُ للرجل، أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يُبتلى. والله تعالى ابتلى أُولى العَزْمِ مِن الرسل فلما صَبَرُوا مكَّنهم،

فلا يَظُنَّ أحد أنه يخلص من الألم البتة، وإنما يتفاوتُ أهلُ الآلام في العُقُول، فأعقلُهم مَنْ باع ألمًا مستمِرًا عظيمًا، بألم منقطع يسير، وأشقاهُم مَنْ باع الألَمَ المنقطِعَ اليسير، بالألم العظيم المستمر.

فإن قيل: كيف يختار العاقلُ هذا؟ قيل: الحاملُ له على هذا النَّقْدُ، والنَّسيئة.

والنَّفْسُ مُوكلةٌ بِحُبِّ العَاجِلِ { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ } [18]، { إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا } [19].

وهذا يحصُل لكل أحد، فإن الإنسان مدني بالطَّبع، لا بُد له أن يعيشَ مع الناس، والناسُ لهم إرادات وتصورات، فيطلبُون منه أن يُوافِقهم عليها، فإن لم يوافقهم، آذوْه وعذَّبوه، وإن وافقهم، حَصَلَ له الأذى والعذابُ، تارةً منهم، وتارةً مِن غيرهم، كمن عنده دِينٌ وتُقى حلَّ بين قوم فُجَّارٍ ظَلَمَةٍ، ولا يتمكنون مِن فجورهم وظُلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوتِه عنهم، فإن وافقهم، أو سكت عنْهم، سَلِمَ مِن شرهم في الابتداء، ثم يتسلَّطُونَ عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافهُ ابتداء، لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سَلِمَ منهم، فلا بد أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم، فالحزمُ كُلُّ الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: "مَنْ أَرْضَى الله بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ الله لم يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ الله شَيْئًا".

ومَنْ تأمل أحوالَ العالَم، رأى هذا كثيرًا فيمن يُعينُ الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يُعينُ أهلَ البِدَعِ على بِدعهم هَرَبًا من عُقوبتهم، فمَنْ هداه الله، وألهمه رُشده، ووقاه شرَّ نفسه، امتنع مِن الموافقة على فِعل المحرَّم، وصَبَرَ على عُدوانهم، ثم تكونُ له العاقبةُ في الدنيا والآخرة، كما كانت لِلرُّسل وأتباعهِم، كالمهاجرين، والأنصار، ومَن ابتُلى مِن العلماء، والعُبَّاد، وصالحي الوُلاة، والتجار، وغيرهم.

ولما كان الألم لا محيص منه البتة، عزى الله سبحانع من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [20]. فضرب لمدة هذا الألم أجلا، لابد أن يأتي، وهو يوم لقائه، فليتذ العبد أعظم اللذة بما تحمل من الألم من أجله، وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله والله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه، ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل، بل ربما غيبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبي ﷺ ربه الشوق إلى لقائه، فقال في الدعاء الذي روا أحمد وابن حبان: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحييني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

فالشوق يحمل المشتاق على الجد في السير إلى محبوبه، ويقرب عليه الطريق، ويطوي لع البعيد، ويهون عليه الآلام والمشاق، وهو من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال، هما السبب الذي تنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة، ويشكرها، ويعرف قدرها، ويحب المنعم عليه، فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [21]، فإذا فاتت العبد نعمة من نعم ربه، قليقرأ على نفسه: { أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }.

ثمَّ عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر، وهو أن جِهادهم فيه، إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غنى عن العالمين، ومصلحةُ هذا الجهاد، ترجعُ إليهم، لا إليه سُبحانه، ثم أخبر أنَّه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زُمرة الصالحين.

ثم أخبر عن حال الدَّاخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أُوذي في الله جعل فتنةَ الناسِ له كعذاب الله، وهي أذاهم له، ونيلُهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منهم، وتركِهِ السبب الذي ناله، كعذابِ الله الذي فرَّ منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لِكمال بصيرتهم، فرُّوا مِن ألم عذاب الله إلى الإيمانِ، وتحمَّلُوا ما فيهِ من الألم الزائل المُفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته، فرَّ من ألم عذاب أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ مِن ألمِ عذابهم إلى ألمِ عذاب الله، فجعل ألمَ فتنة الناس في الفِرار منه، بمنزلة ألم عذاب الله، وغُبِنَ كُلَّ الغَبن إذ استجار مِن الرَّمضاء بالنار، وفرَّ مِن ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جُنده وأولياءه، قال: إني كنتُ معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدرُه من النفاق.

والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمتهُ أنه لا بد أن يمتحن النفوسَ ويبتَليها، فُيظْهِرَ بالامتحان طِّيبَها مِن خبيثها، ومَنْ يصلُح لموالاته وكراماته، ومَنْ لا يصلُح، وليُمحِّص النفوسَ التي تصلُح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذَّهب الذي لا يخلُص ولا يصفو مِن غِشه، إلا بالامتحان، إذ النفسُ في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم مِن الخُبث ما يحتاجُ خروجه إلى السَّبكِ والتصفية، فإن خرج في هذه الدار، وإلا ففي كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّيَ، أُذِنَ له في دخولِ الجنة.

فصل

ولما دعا ﷺ إلى الله عزَّ وجَلَّ، استجاب له عِبادُ الله مِن كل قبيلة، فَكَانَ حائِزَ قصبِ سَبْقِهِم، صِدَّيقُ الأُمة، وأسبقُها إلى الإسلام، أبو بكر رضي الله عنه، فآزره في دين الله، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجابَ لأبي بكر: عثمانُ بن عفان، وطلحةُ بن عُبيد الله، وسعدُ بن أبي وقاص.

وبادر إلى الاستجابة له ﷺ صِدَّيقَةُ النِّساءِ: خديجةُ بنت خُويلد، وقامت بأعباء الصِّدِّيقيَّةِ، وقال لها: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نفسي". فَقَالَتْ لَهُ: "أَبْشِرْ فَوَاللهِ لا يُخْزِيكَ الله أبَدًا"، ثم استَدَلَّت بما فيه من الصفات الفاضلة، والأخلاق والشيم، على أن مَنْ كان كذلك لا يُخزَى أبَدًا، فعلمت بكمال عقلها وفِطرتها، أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، والشِّيم الشريفة، تُناسِبُ أشكالها من كرامة الله، وتأييده، وإحسانه، ولا تُناسِبُ الخزيَ والخِذلان، وإنما يُناسبه أضدادُها، فمَن ركَّبه الله على أحسنِ الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليقُ به كرامتهُ وإتمامُ نعمته عليه، ومَنْ ركَّبه على أقبح الصفاتِ وأَسْوَإِ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبُها، وبهذا العقل والصدِّيقية استحقَّت أن يُرْسِلَ إِلَيْهَا رَبُّها بالسَّلامِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيل وَمُحَمَّدٍ ﷺ.

فصل

وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ابنَ ثمان سنين، وقيل: أكثرَ من ذلك، وكان في كفالةِ رسول الله ﷺ، أخذه من عمهِ أبى طالب إعانةً له في سَنَةِ مَحْلٍ.

وبادر زيدُ بنُ حارثة حِبُّ رسولِ الله ﷺ، وكان غُلامًا لخديجة، فوهبته لرسول الله ﷺ لما تزوَّجَها، وقَدِمَ أبوه وعمُّه في فِدائه، فسألا عن النبي ﷺ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقال: يا ابنَ عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدِ قومه، أنتُم أهلُ حَرَم الله وجيرانه، تفكُّون العانى وتُطعِمُونَ الأسير، جئناكَ في ابننا عِندك، فامنُن علينا، وأَحْسِنْ إلينا في فِدائِه، قال: "ومَن هو"؟ قالوا: زيدُ بنُ حارثة، فقال رسولُ الله ﷺ: "فَهَلَّا غَيْرَ ذلِك"؟ قالوا: ما هو؟ قال: "أَدْعُوهُ فأُخيِّرُه، فَإن اخْتارَكُم، فَهُوَ لَكُم، وَإِن اخْتَارَنى، فَوَاللهِ مَا أَنَا بالذي أَخْتَارُ عَلَى مَن اخْتَارَنى أحَدًا" قالا: قد رددتنا على النَّصَفِ، وأحسنتَ، فدعاه فقال: "هل تعرِفُ هؤلاء"؟ قال: نعم، قال: "مَن هذَا"؟ قال: هذا أبى، وهذا عمى، قال: "فأنا مَن قد علمتَ ورأيتَ، وعرفتَ صحبتى لك، فاخترنى أو اخترهما" قال: ما أنا بالذي أختارُ عليك أحدًا أبدًا، أنتَ منى مكان الأب والعم، فقالا: ويحكَ يا زيد، أتختارُ العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك؟، قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختارُ عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسولُ الله ﷺ ذلك، أخرجه إلى الحِجرْ، فقال: "أُشْهِدُكُم أنَّ زَيْدًا ابنى، يَرِثُنى وأرِثُه" فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه، طابت نفوسُهما، فانصرفا، ودعي زيدَ بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام، فنزلت: { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ } [22]، فَدُعِيَ من يَومئذ: زيدَ بن حارثة. قال معمر في جامعه عن الزهري: "ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه، وأنعم عليه رسوله، وسماه باسمه". وأسلم القسُّ ورقةُ بنُ نوفل، وتمنَّى أَنْ يَكُونَ جَذَعًا إذ يُخرِجُ رسولَ الله ﷺ قومُه، وفى جامع الترمذي أن رسول الله ﷺ رآه في المنام في هيئة حسنة، وفى حديث آخر: "أنه رآه في ثياب بياض".

ودخل الناسُ في الدين واحدًا بعد واحد، وقريشٌ لا تُنكِرُ ذلك، حتى بادأهم بعيب دِينهم، وسبِّ آلهتهم، وأنها لا تَضُرُّ ولا تنفعُ، فحينئذ شمَّروا له ولأصحابه عن سَاقِ العداوة، فحمى الله رسولَهُ بعمِّه أبى طالب، لأنه كان شريفًا معظَّمًا في قريش، مُطاعًا في أهله، وأهل مكة لا يتجاسَرونَ على مُكاشفته بشىءٍ من الأذى.

وكان مِن حكمةِ أحكم الحاكمين بقاؤُه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها.

وأما أصحابُه، فمَن كان له عشيرةٌ تحميه، امتنع بعشيرته، وسائرهُم تَصَدَّوْا له بالأذى والعذاب، منهم عمَّار بن ياسر، وأمُّه سُمَيَّة، وأهلُ بيته، عُذِّبوا في الله، وكان رسولُ الله ﷺ إذا مرَّ بهم وهم يُعذَّبون يقول: "صَبْرًا يا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ".

ومنهم بلالُ بنُ رباح، فإنه عُذِّبَ في الله أشدَّ العذاب، فهانَ على قومه، وهانت عليه نَفْسُهُ في الله، وكان كلما اشتدَّ عليه العذابُ يقول: "أحدٌ أحدٌ. فيمرُّ به ورقةُ بن نوفل. فيقول: أي واللهِ يا بلال أحدٌ أحدٌ، أما واللهِ لَئِن قتلُتُموهُ، لأتَّخِذَنَّه حَنَانًا".

فصل: (في هجرة المسلمين إلى الحبشة حين اشتد الأذى عليهم)عدل

ولما اشتدَّ أذى المشركين على مَن أسلم، وفُتِنَ منهم مَن فُتِنَ، حتى يقولوا لأحدهم: اللاتُ والعُزَّى إلهُكَ مِن دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَلَ ليمُرُّ بهم، فيقولونَ: وهذا إلهُكَ مِن دون الله، فيقول: نعم. ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُمَيَّة أم عمار بن ياسر، وهي تُعذَّبُ، وزوجُهَا وابنها، فطعنها بَحَرْبَةٍ في فَرْجها حتى قتلها.

كان الصِّدَّيقُ إذا مَّر بأحدٍ من العبيد يُعذَّب، اشتراهُ منهم، وأعتقه، منهم بلالُ، وعامِرُ بن فُهَيْرَةَ، وأم عُبيس، وزِنِّيرَة، والنهدية وابنتها، وجارية لبنى عدى كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه، وقال له أبوه: يا بنيَّ أراك تَعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا، فلو أنك إذ فعلتَ ما فعلتَ أعتقتَ قومًا جُلْدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: إني أُرِيدُ ما أُرِيدُ.

فلما اشتد البلاءُ، أذِنَ الله سبحانه لهم بالهِجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أوَّلَ مَن هاجر إليها عثمانُ بن عفان، ومعه زوجتهُ رُقيَّةُ بنتُ رسول الله ﷺ، وكان أهلُ هذه الهجرة الأولى اثني عشَرَ رجلًا، وأربع نسوة: عثمانُ، وامرأته، وأبو حذيفة، وامرأتهُ سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة، وامرأتُهُ أم سلمة هند بنت أبي أمية، والزبير بن العّوام، ومصعب بن عمير، وعبدُ الرحمن بن عوف، وعثمانُ بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأتُهُ ليلى بنت أبي حَثمة، وأبو سَبْرَةَ بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو،، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. وخرجوا متسللين سرًا، فوفَّق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملُوهم فيهما إلى أرضِ الحبشة، وكان مخرجُهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث.

وخرجت قريشٌ في آثارهم حتى جاؤوا البحرَ، فلم يُدرِكُوا منهم أحدًا، ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي ﷺ، فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار، بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانُوا عداوةً لرسول الله ﷺ، فدخلَ مَنْ دخل بجوار، وفى تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلَّم على النبي ﷺ وهو في الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه، فتعاظَمَ ذلك على ابن مسعود، حتى قال له النبي ﷺ: " إنَّ اللهَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أن لا تَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ" هذا هو الصوابُ، وزعم ابنُ سعد وجماعةُ أن ابن مسعود لم يدخُلْ، وأنه رجع إلى الحبشةِ حتى قَدِمَ في المرة الثانية إلى المدينةِ معَ مَنْ قَدِمَ، ورُدَّ هذَا بأن ابن مسعود شهد بدرًا، وأجهز على أبي جهل، وأصحابُ هذهِ الهِجْرة إنما قَدِمُوا المدينة مع جعفر بن أبي طالب وأصحَابِهِ بعد بدر بأربع سنين أو خمس.

قالوا: فإن قيل: بل هَذَا الذي ذكره ابنُ سعد يُوافق قولَ زيدِ ابن أرقم: كنَّا نتكلَّم في الصَّلاة، يُكلِّم الرَّجُلُ صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: { وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ } [23]، فأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ"، وزيدُ بن أرقم من الأنصار، والسُّورة مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما قدمَ وهو في الصلاة، فلم يَرُدَّ عليه حتى سلَّم، وأعلمه بتحريمِ الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم.

قيل: يُبطِلُ هذا شهود ابن مسعود بدرًا، وأهلُ الهِجرة الثانية إنما قَدِمُوا عامَ خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابنُ مسعود ممن قَدِمَ قبل بدر، لكان لِقدومه ذِكر، ولم يذكر أحد قدومَ مهاجري الحبشة إلا في القَدْمَةِ الأولى بمكة، والثانية عامَ خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال: وبلغ أصحابَ رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى الحبشة إسلامُ أهل مكة، فأقبلُوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دَنَوْا من مكة، بلغهم أن إسلامَ أهلِ مكة كان باطلًا، فلم يدخل مِنهم أحدٌ إلا بجوار، أو مستخفيًا. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدرًا وأُحُدًا فذكر منهم عبد الله بن مسعود.

فإن قيل: فما تصنعون بحديثِ زيد بن أرقم؟ قيل: قد أُجيب عنه بجوابين، أحدهما: أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة، ثم أُذِنَ فيه بالمدينة، ثم نُهِيَ عنه. والثاني: أن زيدَ بنْ أرقم كان مِن صغار الصحابة، وكان هو وجماعةٌ يتكلَّمون في الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتَهَوْا، وزيد لم يُخبر عن جماعة المسلمين كُلِّهم بأنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قُدِّرَ أنه أخبر بذلك لكان وهمًا منه.

ثم اشتد البلاءُ مِن قريش على مَن قَدِمَ من مهاجري الحبشة وغيرِهم، وسطت بهم عشائِرُهم، ولَقُوا منهم أذىً شديدًا، فأَذِنَ لهم رسولُ الله ﷺ في الخروج إلى أرضِ الحبشة مرَّة ثانية، وكان خروجهم الثاني أشقَّ عليهم وأصعبَ، ولَقُوا من قريش تعنيفًا شديدًا، ونالوهم بالأذى، وصَعُب عليهم ما بلغهم عن النجاشي مِن حسن جواره لهم، وكان عِدَّةُ مَن خرج في هذه المرة ثلاثةً وثمانين رجلًا، إن كان فيهم عمَّارُ بن ياسر، فإنه يُشك فيه، قاله ابن إسحاق، ومِن النساء تِسعَ عشرة امرأة.

قلتُ: قد ذُكرَ في هذه الهجرة الثانية عثمانُ بن عفان وجماعةٌ ممن شهد بدرًا، فإما أن يكونَ هذا وهمًا، وإما أن يكونَ لهم قدمةٌ أخرى قبل بدر، فيكون لهم ثلاثُ قدمات: قَدمة قبل الهِجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عامَ خيبر، ولذلك قال ابنُ سعد وغيرُه: إنهم لما سَمِعُوا مُهَاجَرَ رسولِ الله ﷺ إلى المدينة، رجع منهم ثلاثةٌ وثلاثون رجلًا، ومن النساء ثمانُ نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِسَ بمكة سبعة، وشَهِدَ بدرًا منهم أربعةٌ وعشرون رجلًا.

فلما كان شهرُ ربيع الأول سنة سبعٍ من هِجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، كتبَ رسولُ الله ﷺ كتابًا إلى النَّجاشيِّ يدعوه إلى الإسلامِ، وبعث به مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِي، فلما قُرِيء عليه الكتابُ، أسلمَ، وقال: "لَئِنْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَه لآتِيَنَّهُ".

وكتب إليه أن يُزَوِّجَه أمِّ حبيبة بنت أبي سُفيان، وكانت فيمن هاجَرَ إلى أرضِ الحبَشَةِ مع زوجها عُبيدِ الله بنِ جحش، فَتنصَّر هُنَاك وماتَ، فزوَّجَهُ النجاشيُّ إياها، وأصدقها عنه أَربعَمائِة دِينارٍ، وكان الذي وَلى تزويجَها خالد بنُ سعيد بن العاص.

وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يَبْعَثَ إليهِ مَنْ بقى عِندَه من أصحابه، ويحمِلَهم، ففعل، وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِي، فَقَدِمُوا على رَسُولِ الله ﷺ بخَيْبَر، فوجدُوه قد فَتَحَهَا، فكلَّم رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمينَ أن يُدخِلُوهم في سِهَامِهم، فَفَعَلُوا.

وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بينَ حديثِ ابنِ مسعود وزيدِ بن أرقم، ويكون ابنُ مسعود قَدِمَ في المرة الوسطى بعد الهِجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّمَ عليه حينئذ، فلم يردَّ عليه، وكان العهدُ حديثًا بتحريم الكلام، كما قال زيدُ بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلامِ بالمدينةِ، لا بمكة، وهذا أنسبُ بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين، ووجوب الاجتماع لها.

فإن قيل: ما أحسنه مِن جمع وأثبته لولا أن محمد بن إسحاق قد قال: ما حكيتُم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه مِن الحبشة حتى هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وهذا يدفع ما ذكر.

قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في "طبقاته": إن ابنَ مسعود مكث يسيرًا بعد مقدمه، ثم رجع إلى أرض الحبشة، وهذا هو الأظهر، لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة مَن يَحميه، وما حكاه ابنُ سعد قد تضمَّن زيادة أمر خفي على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق لم يذكر مَن حدَّثه، ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب، فاتفقت الأحاديثُ، وصدَّق بعضها بعضًا، وزالَ عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة.

وقد ذكر ابنُ إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعرى عبد الله بن قيس، وقد أَنْكَرَ عليه ذلك أهل السِّيَر، منهم محمد بن عمر الواقدي وغيرُه، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على مَن دونه؟

قلتُ: وليس ذلك مما يخفى على مَنْ دون محمد بن إسحاق فضلًا عنه، وإنما نشأ الوهمُ أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر وأصحابه لما سمع بهم، ثم قَدِمَ معهم إلى رسول الله ﷺ بخيبر، كما جاء مصرَّحًا به في الصحيح فعد ذلك ابن إسحاق لأبي موسى هِجرة، ولم يقل إنه هاجر من مكة إلى أرض الحبشة لينكر عليه.

فصل

فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمِنِين، فلما عَلِمَتْ قريشٌ بذلك، بعثت في أثرهم عبدَ الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، بهدايَا وتُحَفٍ مِن بلدهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وشَفَعُوا إليه بعظماء بطارقته، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فَوَشَوْا إليه: أن هؤلاء يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومُقَدَّمُهم جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخولَ عليه، قال جعفر: يستأذِنُ عليك حِزْبُ الله، فقال للآذِنِ: قل له يُعيد استئذانه، فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرًا من سورة "كهيعص" فأخذ النجاشي عُودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى عَلَى هذا ولا هذَا العود، فتناخرت بطارقتهُ عنده، فقال: وإن نخرتم، قال: اذهبوا فأنتم سَيوم بأرضى، من سبَّكم غُرِّم والسيوم: الآمنون في لسانهم، ثم قال للرسولين: لو أعطيتمونى دَبْرًا من ذهب يقول: جبلًا من ذهب ما أسلمتهم إليكما، ثم أمَر فَرُدَّت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين.

فصل

ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون، وفشا الإسلام، فلما رأت قريشٌ أمرَ رسولِ الله ﷺ يعلو، والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبنى عبد المطلب، وبنى عبد مناف، أن لا يُبايعوهم، ولا يُناكِحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يُجالِسُوهُم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله ﷺ، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلَّقوها في سقفِ الكعبةِ، يقال: كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال: النَّضرُ بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسولُ الله ﷺ فَشَلَّتْ يَدُهُ، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرهم، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشًا على رسول الله ﷺ وبني هاشم، وبني المطلب، وحُبِسَ رسولُ الله ﷺ ومَنْ معه في الشِّعب شِعْب أبى طالب لَيْلَةَ هِلال المحرَّم، سنةَ سبع مِنَ البِعثة، وعُلِّقَتِ الصحيفةُ في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسينَ ومحصورينَ، مضيَّقًا عليهم جدًا، مقطوعًا عنهم المِيرةُ والمادةُ، نحوَ ثلاثِ سنين، حتى بلغهم الجَهْدُ، وسُمِعَ أصواتُ صِبيانِهم بالبُكاء مِن وراء الشِّعب، وهناك عَمِلَ أبو طالب قصيدته اللاميةَ المشهورة أولها:

جَزَى الله عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ** عُقُوبَةَ شَرٍّ عَاجلًا غَيْرَ آجِلِ

وكانت قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقضِ الصحيفةِ مَنْ كان كارِهًا لها، وكان القائمُ بذلك هشامَ بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدى وجماعة من قريش، فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلعَ اللهُ رسولَه على أمر صحيفتهم، وأنه أرسل عليها الأرَضَةَ فأكلت جميع ما فيها من جَوْرِ وقطيعةٍ وظُلمٍ، إلا ذكر الله عَزَّ وجَلَّ، فأخبر بذلك عمَّه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كانَ كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا، رجعتُم عن قطيعتنا وظُلمِنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلُوا الصَّحِيفةَ، فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسولُ الله ﷺ، ازدادوا كُفرًا إلى كُفرهم.

وخرج رسولُ الله ﷺ ومَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّعب. قال ابن عبد البر: بعد عشرة أعوام من المبعث، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجةُ بعده بثلاثة أيام، وقيل: غير ذلك.

فصل

فلما نُقِضَتِ الصحيفةُ، وافق موتُ أبى طالب وموت خديجة، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسولِ الله ﷺ من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه، فكاشفُوه بالأذى، فخرج رسولُ الله ﷺ إلى الطائفِ رجاءَ أن يُؤووه ويَنصروه على قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فلم يَرَ مَن يُؤوى، ولم ير ناصِرًا، وآذَوه مع ذلك أشدَّ الأذى، ونالُوا منه ما لم ينله قومُه، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخُرج مِن بلدنا، وأغرَوْا به سُفهاءهم، فوقفوا له سمَاطَيْن، وجعلوا يرمُونه بالحِجَارَةِ حتى دمِيَتْ قَدَماه، وزيدُ بن حارثة يَقيهِ بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرفَ راجعًا من الطائفِ إلى مكة محزونًا، وفى مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهورِ دُعاء الطَّائِفِ: "اللهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وهَوَانى عَلَى النَّاس، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ، وأَنْتَ رَبَّى، إلَى مَنْ تَكِلَنِي، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أوْ إلى عَدوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيتَكَ هي أَوْسَعُ لي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ، أوْ أَنْ يَنْزِلَ بي سَخَطُك، لك العُتبى حَتَّى تَرْضَى، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ".

فأرسل ربُّه تبارك وتعالى إليه مَلَكَ الجِبَالِ، يستأمِرُهُ أن يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْنِ عَلَى أهْل مَكَّةَ، وهُمَا جبلاها اللذانِ هي بينهما، فقَالَ: "لا، بَلْ أَسْتَأْنى بِهمْ لَعَلَّ اللهَ يُخرِجُ مِنْ أَصْلابِهمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".

فلما نزل بنخلة مَرْجِعَهُ، قام يُصَلِّي مِن الليل، فَصُرِفَ إليهِ نَفَرٌ مِنَ الجن، فاستمَعُوا قراءته، ولم يَشْعُرْ بهم رسولُ الله ﷺ حتى نَزَلَ عَلَيْهِ: { وَإذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ قَالُواْ يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيُبواْ دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ، أُوْلَئِكَ في ضَلالٍ مُّبِينٍ } [24].

وأقام بنخلة أيامًا، فقال له زيدُ بنُ حارثة: كيف تدخلُ عليهم، وقد أخرجوك؟ يعني قريشًا فقال: "يا زيدُ؛ إن الله جاعِلٌ لما ترى فَرَجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دِينَه ومظهر نبيه".

ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلًا مِن خُزاعة إلى مُطعم بن عدى: أَدْخُلُ في جِوَارِكَ؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: البِسُوا السِّلاح، وكونوا عِنْدَ أركانِ البيت، فإني قد أجرتُ محمدًا، فدخلَ رسولُ الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة، حتى انتهى إلى المسجد الحَرامَ، فقام المطعمُ بن عدى على راحلته، فنادى: يا معشرَ قريش؛ إني قد أجرتُ محمدًا، فَلا يَهِجْهُ أَحَدٌ مِنْكم، فانتهى رسولُ الله ﷺ إلى الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، وصلَّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعمُ بن عدى وولده محدِقون به بالسِّلاح حتى دخل بيته.

فصل (الإسراء والمعراج)عدل

ثم أُسرِيَ برسول الله ﷺ بِجَسَدِهِ على الصحيح، مِن المسجد الحرامِ إلى بيتِ المقدس، راكبًا على البُراقِ، صُحبة جبريل عليهما الصلاةُ والسَّلام، فنزل هُناكَ، وصَلَّى بالأنبياء إِمامًا، وربط البُراقَ بحَلْقَةِ بابِ المسجد.

وقد قيل: إنه نزل ببيتِ لحمٍ، وصلَّى فيه، ولم يَصِحَّ ذَلكَ عَنْهُ البتة.

ثمَّ عُرِجَ بِهِ تِلكَ الليلةَ مِنْ بَيْتِ المقدسِ إِلى السَّمَاءِ الدُّنيا، فاستفتح لَهُ جِبْريلُ، فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأَى هُنَالِكَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ورحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبوَّتِه، وَأَرَاهُ الله أرْوَاحَ السُّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأى فِيهَا يَحْيَى بن زَكَرِيَّا وَعِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُمَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَردَّا عليه، وَرَحَّبَا بِه، وَأَقَرَّا بِنُبُوَّتِهِ.

ثُمَّ عُرج بهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة، فَرأى فيها يوسف، فسلَّمَ عليه، فردَّ عليه، ورحَّبَ به، وأقرّ بنبوتِه، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَى فِيهَا إِدْريسَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنبوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَرَأَى فِيهَا هَارون بْنَ عِمْرَان، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيهَا مُوسَى بْن عِمْرَان، فَسَلَّمَ عَلَيهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ، بَكَى مُوسَى، فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي، لأَنَّ غُلامًا بُعِثَ مِنْ بَعْدِي، يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَلَقِيَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِع إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الجبَّارِ جَلَّ جَلالُه، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أوْحَى، وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً.

فَرَجِعَ حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجعْ إِليَ رَبِّكَ، فَاسْأْلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فالْتَفَتَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذلِكَ، فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ الجَبَّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وهُوَ في مَكَانِهِ هذا لفظُ البخاري في بعض الطرق فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أُنْزِلَ حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى، وَبَيْنَ الله عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَمَرَهُ مُوسَى بالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: "قَدِ اسْتَحْييْتُ مِنْ رَبِّي، وَلكِنْ أَرْضَى وَأُسلِّمُ"، فَلَمَّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي.

واختلف الصحابةُ: هل رأى ربَّهُ تلك الليلةَ، أم لا؟ فصحَّ عن ابن عَبَّاس أنه رأى ربَّهُ، وصحَّ عنه أنه قال: "رَآهُ بِفُؤَادِهِ".

وصحَّ عَنْ عَائِشَةَ وابْن مًَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذلِكَ، وقَالا إِنَّ قَوْلَه: { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى } [25] إِنَّمَا هُوَ جِبْريلُ.

وَصَحَّ عَنْ أبى ذَرَّ أَنَّه سَأَلَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فقالَ: "نُورُ أَنَّى أرَاهُ" أي: حال بينى وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: "رَأَيْتُ نُورًا".

وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدارمي اتفاقَ الصَّحَابة على أنه لم يره.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قولُ ابن عباس "إنه رآه" مناقِضًا لهذا، ولا قولُه "رآهُ بفُؤاده"، وقد صحَّ عنه أنه قال: "رأيتُ ربِّي تَبَارَكَ وتَعَالَى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتُبِسَ عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤيةِ رَبِّه تبارك وتعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في منامه، وعلى هذا بنى الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى، وقال: "نعم رآه حقًا، فإنَّ رؤيا الأنبياء حق، ولا بُدَّ"، ولكن لم يَقُلْ أحمد رحمه الله تعالى إنَّه رآهُ بِعَيْنَيْ رأسِهِ يقظةً، ومَن حكى عنه ذلك فقد وَهِمَ عليه، ولكن قال مرّة: "رآه"، ومرَّة قال: "رآه بفؤاده"، فَحُكِيَتْ عنه رِوايتان، وحُكِيَت عنه الثالثة مِن تصُّرفِ بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصُ أحمد موجودة، ليس فيها ذلك.

وأمَّا قولُ ابنِ عباس: "إنَّه رآهُ بفُؤادِهِ مرتين"، فإن كان استنادُه إلى قوله تعالى: { مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى } [26]، ثم قال: { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } [27] والظاهر أنه مستندُه، فقد صحَّ عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريلُ، رآهُ مرَّتَيْنِ في صُورته التي خُلِقَ عَلَيْهَا، وقول ابن عباس هذا هو مُسْتَنَدُ الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.

وأما قولُهُ تعالى في سورة النجم: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } [28] فهو غير الدُّنو والتَّدلى في قصة الإسراء، فإنَّ الذي في "سورة النجم" هو دنُّو جبريل وتدلِّيه، كما قالت عائشةُ وابنُ مسعود، والسياقُ يَدُلُّ عليه، فإنه قال: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [29] وهو جبريل { ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } [30]، فالضمائر كُلُّها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديد القوى، وهو ذُو المِرَّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنى فتدلَّى، فكان من محمد ﷺ قَدْرَ قوسين أو أدنى، فأما الدُّنُوُّ والتدَّلى الذي في حديث الإسراء، فذلك صريحٌ في أنه دنوُّ الربِّ تبارك وتدلِّيه ولا تَعَرُّض في "سورة النجم" لِذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً أُخرى عِند سِدرةِ المنتهى، وهذا هو جبريلُ، رآهُ محمد ﷺ على صُورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم.

فصل

فلما أصبحَ رسولُ الله ﷺ في قومِه، أخبرهم بما أراه اللهُ عَزَّ وجَلَّ من آياتهِ الكبرى، فاْشْتَدَّ تكذيبُهم له، وأذاهُم وضراوتُهم عليه، وسألوه أن يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فجلَّاهُ الله له حَتَّى عَايَنَهُ، فَطَفِقَ يُخِبُرهم عَنْ آياتِهِ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَن يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا.

وأخبَرَهُم عَنْ عِيرهم في مَسْرَاهُ ورجوعِهِ، وأخبَرَهُم عن وقتِ قُدومِهَا، وأخبَرَهُم عن البعير الذي يَقْدُمُها، وكان الأمرُ كما قال، فلم يِزَدْهُم ذلك إلا نفورًا، وأبى الظالمون إلا كُفورًا.

فصل

وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: "إنما كان الإسراء بروحه، ولم يَفْقِد جسدَه"، ونُقِلَ عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يُعلم الفرقُ بين أن يُقال: كان الإسراءُ منامًا، وبين أن يُقال: كان بروحه دونَ جسده، وبينهما فرقٌ عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقُولا: كان منامًا، وإنما قالا: "أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ولم يَفْقِدْ جَسَدَهُ"، وَفَرْقٌ بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبة للمعلوم في الصُّور المحسوسة، فيرى كأنَّه قد عُرِجَ به إلى السماء، أو ذُهِبَ به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحُه لم تصعَد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ الرؤيا ضَرَبَ له المِثَال، والَّذِينَ قالوا: عُرِجَ برسولِ الله ﷺ طائفتان: طائفةٌ قالت: عُرِجَ بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عُرِجَ بروحه ولم يَفْقِدْ بدَنه، وهؤلاء لم يُرِيدُوا أن المِعراجَ كان منامًا، وإنما أرادوا أن الرُّوحَ ذاتَها أُسْرِيَ بها، وعُرِجَ بِهَا حقيقةً، وباشرت مِنْ جِنس ما تُباشِرُ بعد المفارقة، وكان حالُهَا في ذلك كحالها بعد المفارقة في صُعودها إلى السَّموات سماءً سماءً حتى يُنْتهى بها إلى السماء السابعة، فَتَقِفُ بَيْنَ يدي الله عَزَّ وجَلَّ، فيأمرُ فيها بمَا يَشَاءُ، ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لِرسولِ الله ﷺ ليلةَ الإسراء أكملُ مما يحصُلُ للروح عند المفارقة.

ومعلوم أن هذا أمرٌ فوقَ ما يراهُ النائمُ، لكن لما كان رسولُ الله ﷺ في مقام خَرْقِ العَوائِدِ، حتى شُقَّ بطنُهُ، وهو حى لا يتألم بذلك، عُرِجَ بذاتِ روحه المقدسة حقيقةً من غير إماتة، ومَنْ سِوَاهُ لا ينالُ بذاتِ روحِهِ الصُّعودَ إلى السماءِ إلا بَعْدَ الموتِ والمُفارقة، فالأنبياءُ إنما استقرَّت أرواحُهُم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروحُ رسولِ الله ﷺ صَعِدَت إلى هُنَاكَ في حال الحياة ثم عادَت، وبعد وفاته استقرَّت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومع هذا، فلها إشراف على البَدَنِ وإشراقٌ وتعلُّق به، بحيث يَرُدُّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ، وبهذا التعلق رأى موسى قائمًا يُصَلِّي في قبره، ورآهُ في السماء السادسة. ومعلوم أنه لم يُعْرَجْ بموسَى مِن قبره، ثم رُدَّ إليه، وإنما ذلك مقامُ رُوحِه واستقرارُها، وقبرُه مقامُ بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآهُ يُصَلِّي في قبره، ورآه في السماء السَّادِسَةِ، كما أنه ﷺ في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقِرًا هناك، وبَدَنُه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلَّم عليه المسلِّم ردَّ الله عليه روحه حتى يَرُدَّ عليه السلام، ولم يفارق الملأ الأعلى، ومن كَثُفَ إدراكُهُ، وغلظت طباعه عن إدراك هذا، فلينظرْ إلى الشَّمسِ في عُلُوِّ محلها، وتعلُّقِهَا، وتأثيرهَا في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها، هذا وشأنُ الروح فوق هذا، فلها شأنٌ، وللأبدان شأن، وهذه النارُ تكون في محلها، وحرارتُها تؤثِّر في الجسم البعيد عنها، مع أنَّ الارتباط والتعلُّقَ الذي بَيْنَ الروحِ والبدنِ أقوى وأكملُ مِن ذلك وأتم، فشأنُ الروح أعلى من ذلك وألطف.

فَقُلْ للعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَىْ ** سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلامَ اللَّيَالِيَا

فصل

قال موسى بن عُقبة عن الزهري: "عُرِجَ بُروحِ رسولِ الله ﷺ إلى بيتِ المقدس وإلى الساء قبلَ خروجه إلى المدينة بسنة"، وقال ابن عبد البر وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. انتهى.

وكان الإسراءُ مرَّةً واحدة. وقيل: مَرَّتين: مرة يقظةً، ومرة منامًا، وأربابُ هذا القول كأنَّهُم أرادوا أن يجمعوا بين حديثِ شريك، وقوله: ثم استيقظتُ، وبين سائرِ الروايات، ومنهم مَنْ قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: "وذلك قبل أن يُوحَى إليه"، ومرة بعد الوحي، كما دلَّت عليه سائر الأحاديث، ومنهم مَن قال: بل ثلاثُ مرات: مرة قبل الوحي، ومرَّتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقةُ ضعفاء الظاهرية مِنْ أرباب النَّقْلِ الذين إذا رأوا في القصة لفظة تُخالِفُ سياقَ بعضِ الروايات، جعلُوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الرواياتُ، عدَّدوا الوقائع، والصوابُ الذي عليه أئمةُ النقل أن الإسراء كان مرةً واحِدةً بمكَّة بعد البِعثة.

ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنُّوا أنه في كل مرة تُفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردَّد بين ربه وبين موسى حتى تصيرَ خمسًا، ثم يقول: "أمضيتُ فريضتى، وخففتُ عن عبادى" ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا، وقد غلَّط الحُفَّاظُ شريكًا في ألفاظ مِن حديث الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدَّم وأخَّر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد رحمه الله.

فصل (مبدأ الهجرة إلى المدينة)عدل

في مبدأ الهجرة التي فرَّق اللهُ فيها بين أعدائه وأوليائه، وجعلها مبدأً لإعزاز دينه ونصر عبده ورسُوله:

قال الواقدي: حدثني محمدُ بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله ﷺ بِمَكَّةَ ثلاثَ سِنِينَ مِن أوَّلِ نُبوته مُستخفيًا، ثم أعلنَ في الرَّابِعة، فدعا النَّاسَ إلى الإسلام عَشْرَ سِنِينَ، يُوافى المَوْسِمَ كُلَّ عام، يتَّبعُ الحاجَّ في منازلهم، وفى المواسم بعُكاظ، ومَجَنَّة، وذي المَجَاز، يدعوهم إلى أن يمنَعُوهُ حتى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ ربِّه ولهم الجنةُ، فلا يَجِدُ أحدًا ينصُره ولا يُجيبه، حتى إنه ليسألُ عن القبائل ومنازِلهَا قبيلةً قبيلةً، ويقول: "يا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لا إِلهَ إِلا الله تُفْلِحُوا، وَتمْلِكُوا بِهَا العَرَبَ، وتَذِلَّ لَكُم بِهَا العَجَمُ، فَإذَا آمَنْتُم، كُنْتُم مُلُوكًا في الجَنَّةِ"، وأبو لَهَبٍ وراءَه يقولُ: لا تُطِيعُوهُ فإنَّهُ صَابِيء كَذَّاب، فيردُّونَ على رسول الله ﷺ أقبحَ الرَّدِّ، ويُؤذونه، ويقولون: أُسرتُك وعشيرتُكَ أعلمُ بِكَ حيثُ لم يَتَّبِعُوك، وهُوَ يدعُوهم إلى الله، ويقول: "اللهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هكَذَا" قال: وكان ممن يسمَّى لنا مِن القبائِلِ الَّذِينَ أتاهُم رسولُ الله ﷺ ودعاهم، وعَرَضَ نفسَه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَةَ، ومحارب بن حَصَفة، وفَزَارَة، وغسَّان، ومُرَّة، وحنيفة، وسُلَيم، وعَبْس، وبنو النَّضر، وبنو البكاء، وكِندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذرة، والحضَارِمة، فلم يستجب منهم أحد.

فصل

وكان مِما صنع الله لِرسوله أن الأوسَ والخزرجَ كانُوا يسمعُونَ مِن حُلفائهم مِن يهودِ المدينةِ أن نبيًا من الأنبياء مبعوثٌ في هذا الزمانِ سَيَخْرُج، فَنَتَّبِعُهُ ونقتُلكُم معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمٍ، وكانت الأنصارُ يحجُّونَ البيتَ كما كانتِ العربُ تحجُّه دونَ اليهود، فلما رأى الأنصارُ رسولَ الله ﷺ يدعو الناسَ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ، وتأمَّلُوا أحوَاله، قال بعضُهم لبعض: تَعْلَمُونَ واللهِ يا قَوْمُ أَنَّ هذا الذي تَوَعَّدُكُم بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقُنَّكُم إِلَيْهِ. وكانَ سُويدُ بنُ الصَّامِت من الأوسِ قد قَدِمَ مَكَّةَ، فدعاه رسولُ الله ﷺ، فلم يُبْعِدْ وَلَم يُجِبْ حتَّى قَدِمَ أنس بن رافع أبو الحيسر في فِتيةٍ مِن قومهِ من بنى عَبْدِ الأَشْهَلِ يطلُبُون الحِلف، فدعاهم رسولُ الله ﷺ إلى الإسْلام، فقال إياسُ بنُ معاذ وكان شابًا حَدَثًا: يا قومُ؛ هذا واللهِ خَيْرٌ مِما جئِنَا له، فضربَه أبو الحيسر وانتهره، فسكتَ، ثم لم يَتِمَّ لهم الحِلْفُ، فانصرَفُوا إلى المدينةِ.

فصل

ثم إنَّ رسولَ الله ﷺ لَقِيَ عِنْدَ العَقَبَةِ في المَوْسِمِ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الأنصارِ كُلُّهم مِن الخزرج، وهم: أبو أُمامة أسعدُ بنُ زُرَارَة، وعوفُ بن الحارث، ورافِعُ بن مالك، وقُطبةُ بن عامر، وعُقبة بن عامر، وجابرُ بن عبد الله بن رئاب، فَدَعَاهُم رسولُ الله ﷺ إلى الإسْلامِ فأسلمُوا.

ثم رجعوا إلى المدينةِ، فَدَعَوْهُم إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها حتَّى لم يبق دارٌ إلا وقد دخلها الإسلامُ، فلما كان العامُ المقبلُ، جاء مِنهم اثنا عشَرَ رَجُلًا، الستة الأُوَل خلا جابر بن عبد الله، ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدِّم، وذكوان بنُ عبد القيس، وقد أقامَ ذَكوان بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري، وعُبادة بن الصامت، ويزيدُ بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيهان، وعُويمر بن مالك هم اثنا عشر.

وقال أبو الزبير عن جابر: "إن النبي ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عشرَ سنين يَتَّبعُ الناسَ في منازلهم في المواسم، وَمَجَنَّة، وعُكَاظ، يقول: "مَنْ يُؤْوينى؟ مَنْ يَنْصُرُنى؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي، ولَهُ الجَنَّةُ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلا يُؤْوِيِهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مُضَرَ أَوْ اليَمَنِ إِلى ذي رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمهُ فَيَقُولُونَ له: "احْذَرْ غُلامَ قُريْشٍ لا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِم يَدْعُوهُمْ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وَهْم يشيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ به ويُقْرِئُهُ القُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بإِسْلامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دورِ الأنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يُظْهُرونَ الإسْلامَ، وَبَعَثَنَا اللهُ إلَيْهِ، فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وقلنا: حتَّى مَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُطرَّد في جِبَال مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحْلَنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ في المَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ العَقَبَة، فَقَالَ لَهُ عَمُّه العَبَّاسُ، يَا ابنَ أَخِي مَا أدري مَا هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ جَاؤوكَ، إني ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العَبَّاسُ في وُجُوهِنَا، قَالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا نَعْرِفُهُم، هَؤُلاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله؛ عَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلى السَّمع وَالطَّاعَةِ، في النَّشَاطِ والكَسَلِ. وَعلَى النَّفَقَةِ في العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنهي عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا في اللهِ لا تَأْخُذُكُم لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعلَى أَنْ تَنْصُرونى إِذا قَدِمْتُ عَلَيْكُم، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُم وَأَبْنَاءَكُم وَلَكُمُ الجَنَّةُ"، فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْربْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ المَطِيِّ إلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وأنَّ إِخْرَاجَهُ اليَوْمَ مُفَارَقَةُ العَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُم، وأَنْ تَعَضَّكُم السُّيوفُ، فإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذلِكَ، فَخُذُوهُ، وَأَجْرُكُم عَلَى اللهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُم خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُم عِنْدَ اللهِ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ؛ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللهِ لا نَذَرُ هَذِهِ البَيْعَةَ، ولا نَسْتَقِيلُها، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فأَخَذَ عَلَيْنَا وشرط، يُعْطِينَا بِذَلِكَ الجَنَّةَ".

ثمَّ انصرفوا إلى المدينةِ، وبعثَ معهم رسولُ الله ﷺ عمروُ بنَ أُمَّ مكتوم، ومُصْعَبَ بْن عُمير يُعَلَّمان مَن أسلم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله عزَّ وجلَّ، فنزلا على أبى أمامة أسعدَ بن زُرارة، وكان مُصعبُ بنَ عمير يَؤمُّهم، وجمَّع بهم لما بلغوا أربعين فأسلم على يديهما بَشرٌ كثيرٌ، منهم أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ، وسعدُ بن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بنى عبد الأشهل الرجالُ والنساء، إلا أُصيرم عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخَّر إسلامه إلى يوم أُحُد، وأسلم حينئذ، وقاتل فقُتِل قبل أن يَسجد للهِ سجدة، فأُخبر عنه النبي ﷺ فقال: "عَمِلَ قَليلًا، وَأُجِرَ كَثِيرًا".

وكثر الإسلامُ بالمدينة، وظهر، ثم رَجَعَ مُصعبُ إلى مكة، ووافى الموسِمَ ذلك العامَ خلقٌ كثير من الأنصار مِن المسلمين والمشركين، وزعيمُ القومِ البَراءُ بنُ معرور، فلما كانت لَيْلَةُ العقبةِ الثلثَ الأول مِن الليل تسلَّل إلى رَسُولِ الله ﷺ ثلاثةُ وسبعونَ رَجُلًا وامرأتانِ، فبايعُوا رسولَ الله ﷺ خِفية مِن قومهم، ومِن كُفَّارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعونَ مِنه نساءهم وأبناءهم وأزُرَهم، فكانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ ليلتئذٍ البَرَاءُ بن معرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذ أكَّدَ العقدَ، وبادر إليه، وحضرَ العباسُ عمُّ رسولِ الله ﷺ مؤكدًا لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دينِ قومه، واختارَ رسولُ الله ﷺ منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبًا، وهم: أسعدُ بن زرارة، وسعدُ بنُ الربيع، وعبدُ الله بن رواحة، ورافِعُ بن مالك، والبَراءُ بن مَعرور، وعبد الله ابن عمرو بن حرام والد جابر، وكان إسلامُه تِلك الليلة، وسعدُ بنُ عبادة، والمنذرُ بن عمرو، وعبادةُ بن الصامت، فهؤلاء تِسعةٌ من الخزرجِ، وثلاثةٌ من الأوس: أُسَيْدُ بنُ الحضير، وسعدُ بن خيثمة، ورِفاعةُ بن عبد المنذر. وقيل: بل أبو الهيثم بن التيهان مكانه.

وأما المرأتان: فأُم عُمارة نُسيبة بنتُ كعبِ بنِ عمرو، وهي التي قَتَل مُسَيْلِمةُ ابنَهَا حبيبَ بْنَ زيد، وأسماء بنت عمرو بن عدي.

فلما تمت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله ﷺ أن يميلوا على أهل العقبةِ بأسيافهم، فلم يأذَنْ لهم في ذلك، وصرخَ الشيطانُ عَلَى العَقَبَةِ بأنفَذِ صوت سُمِع: يا أهلَ الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّبَاةُ معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ: "هذا أَزَبُّ العقبة، هذا ابنُ أزيْب، أما واللهِ يا عدُوَّ الله لأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ".

ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم، فلما أصبحَ القومُ، غدَتْ عليهم جِلَّةُ قريش وأشرافهُم حتى دخلوا شِعب الأنصار، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ؛ إنه بلغنا أنكم لَقِيتُم صاحِبَنَا البارحة، وواعدتمُوه أن تُبايعُوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حيٌ مِن العرب أبغضَ إلينا من أن يَنْشَبَ بيننا وبينه الحربُ مِنكم، فانبعثَ مَن كان هُناك من الخزرج مِن المشركين، يحلِفُونَ لهم بالله: ما كان هذا وما عَلِمْنا، وجعل عبدُ الله بن أبي بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي لِيفتاتُوا عَلَيّ مِثل هذا، لو كنتُ بيثربَ ما صنع قومي هذا حتى يُؤامرونى، فرجعتْ قريش مِن عندهم، ورحل البراءُ بن معرور، فتقدَّم إلى بطنِ يَأْجَج، وتلاحق أصحابُه مِن المسلمين، وتطلَّبتهُم قريشٌ، فأدركوا سعدَ بْنَ عُبادة، فربطوا يديهِ إلى عُنقهِ بِنسْعِ رَحْلِه، وجعلوا يضرِبُونه، ويَجرُّونه، ويَجْذِبونَهُ بِجُمَّتِهِ حتى أدخلُوه مكَّة، فجاء مُطْعِمُ بنُ عدى والحارث بن حرب بن أُمية، فخلصَّاه من أيديهم، وتشاوَرَتِ الأنصارُ حين فقدُوه أَن يَكِرُّوا إليه، فإذا سَعْدُ قد طَلَعَ عليهم، فوصلَ القومُ جميعًا إلى المدينةِ.

فأذِنَ رسولُ الله ﷺ للمسلمين بالهِجْرةِ إلى المدينة، فبادرَ الناسُ إلى ذلك، فكان أوَّلَ مَنْ خرج إلى المدينة أبُو سلمة بن عبد الأسد، وامرأتُهُ أُمُّ سلمة، ولكنها احتُبِسَت دونه، ومُنِعَت من اللَّحَاق به سنة، وحِيلَ بينها وبين ولدِها سلمة، ثم خرجت بعد السَّنة بولدها إلى المدينة، وشيَّعها عثمانُ بن أبي طلحة.

ثم خَرجَ الناسُ أرسالًا يتبعُ بعضُهم بعضًا، ولم يبق بمكة مِن المسلمين إلا رسولُ الله ﷺ، وأبو بكر، وعليّ، أقاما بأمره لهما، وإلا مَن احتبسه المشرِكُونَ كرهًا، وقد أعدَّ رسولُ الله ﷺ جهَازَه ينتظر متى يُؤمر بالخروج، وأعدَّ أبو بكر جَهَازَهُ.

فصل

فلما رأى المشركُون أصحابَ رسول الله ﷺ قد تجهَّزُوا، وخرجُوا، وحملُوا، وساقوا الذَّرارِي والأطفالَ والأموالَ إلى الأوسِ والخزرَج، وعرفُوا أن الدارَ دارُ مَنَعَةٍ، وأَن القومَ أَهلُ حَلْقَةٍ وَشَوْكَةٍ وبأسٍ، فخافوا خروجَ رسولِ الله ﷺ إليهم ولحوقَه بهم، فيشتدَّ عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلَّفْ أحدٌ من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم وشيخُهم إبليسُ في صُورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصَّمَّاء في كِسائه، فتذاكَرُوا أمرَ رسول الله ﷺ فأشار كُلُّ أحد منهم برأى، والشيخُ يردُّهُ ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فُرِقَ لي فيه رأي ما أراكم قد وقعتُم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا نَهْدًا جَلْدًا، ثمَّ نعطيِه سَيْفًا صارمًا، فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحد، فيتفرَّقُ دمه في القبائل، فلا تدرى بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنعُ، ولا يُمكِنُهَا معاداة القبائل كلها، ونسوقُ إليهم ديته، فقال الشيخ: للهِ دَرُّ الفتى، هذا واللهِ الرأيُ، قال: فتفرَّقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، فجاءه جبريلُ بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مَضجعِه تلكَ الليلة.

وجاء رسولُ الله ﷺ إلى أبي بكر نِصفَ النهار في ساعةٍ لم يكن يأتيه فيها مُتَقَنَّعًا، فقالَ له: "أخْرِجْ مَنْ عِنْدَك" فقَالَ: إنما هُم أهُلكَ يا رسولَ الله، فقال: "إنَّ الله قَدْ أَذِنَ لي في الخُرُوجِ" فقال أبُو بكر: الصحبة يا رسولَ الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ: "نعم" فقال أبو بكر: فخذ بأبى وأمي إحدَى راحلتيَّ هاتين، فقال رسولُ الله ﷺ: "بالثمن".

وأمر عليًا أن يبيت في مَضْجَعِهِ تلكَ الليلة، واجتمعَ أُولئكَ النفرُ مِن قريش يتطلعون من صِيْرِ الباب ويرصُدُونه، ويُرِيدون بياتَه، ويأتمرونَ أيهم يكونُ أشقاها، فخرج رسول الله ﷺ عليهم فأخذ حَفنةً من البطحاء، فجعل يَذُرُّهُ على رؤوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو: { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } [31]، ومضى رسولُ الله ﷺ إلى بيت أبي بكر، فخرجا مِن خَوْخَةٍ في دار أبي بكر ليلًا، وجاء رجلٌ، ورأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا، قال: خِبْتُم وخَسِرْتُم، قد واللهِ مرَّ بِكُمْ وذرّ على رؤوسكم الترابَ، قالوا: واللهِ ما أبصرناه، وقاموا ينفضُون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكمُ بنُ العاص، وعُقْبَةُ بن أبي مُعيط، والنَّضرُ بن الحارث، وأُميَّةُ بن خلف، وزمعةُ بن الأسود، وطُعيمة بن عدى، وأبو لهب، وأُبَيُّ بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا، قام عليٌ عن الفراش، فسألُوه عن رسول الله ﷺ، فقال: لا عِلم لي به.

ثم مضى رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثورٍ، فدخلاه، وضربَ العنكبوتُ على بابه.

وكانا قد استأجرَا عبدَ الله بن أُرَيْقِطٍ الليثى، وكان هادِيًا ماهِرًا بالطريق، وكان على دِين قومه من قريش، وأمناه على ذلك، وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاث، وجدَّت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافَة، حتى انتهوا إلى بابِ الغار، فوقفوا عليه.

ففي الصحيحين أن أبا بكر قال: يا رسول اللهِ؛ لو أنَّ أحَدَهُم نظر إلى ما تحت قَدَمَيْهِ لأبصرنا فقال: "يَا أَبَا بَكُرٍ؛ مَا ظَنُّكَ بِاثنين اللهُ ثَالِثُهُمَا، لا تَحْزَنْ فإنَّ الله مَعَنَا" وكان النبي ﷺ وأبو بكر يسمعانِ كلامَهم فوقَ رؤوسهما، ولكن الله سُبحانه عمَّى عليهم أمَرهما، وكان عامِر بن فُهيرة يرعى عليهما غنمًا لأبي بكر، ويتسمَّع ما يُقالُ بمكة، ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السَحَر سَرَحَ مع الناسِ.

قالت عائشة: وجهَّزناهُما أحث الجِهاز، ووضَعْنَا لهمَا سُفرة في جِرابٍ، فَقَطَعَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً مِنْ نِطاقها، فأوْكَتْ بهِ الجِراب، وقطعتِ الأُخرى فصيرَّتها عِصامًا لِفم القِربة، فلذلك لُقِّبتْ ذاتَ النطاقين.

وذكر الحاكم في مستدركه عن عمر قال: "خرج رسولُ الله ﷺ إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشى ساعة بين يديه، وساعة خلفَه، حتى فَطِنَ له رسولُ الله ﷺ، فسأله، فقال له: يا رسول الله؛ أذكُر الطلبَ، فأمشى خلفك، ثم أذكُر الرصَدَ، فأمشى بين يديك فقال: "يا أبا بكر؛ لو كان شىء أحببتَ أن يكون بِكَ دونى؟" قال: نعم والذي بعثك بالحقِّ، فلما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: مكانَكَ يا رسول الله حتى أستبرىءَ لك الغارَ، فدخل، فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرىء الجِحَرَةَ، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء الجِحَرَةَ ثم قال: انزلْ يا رسولَ الله، فنزل، فمكثا في الغار ثلاثَ ليالٍ حتى خمدت عنهما نارُ الطلب، فجاءهما عبد اللهِ بن أُريقط بالراحلتين، فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهيرة، وسار الدليلُ أمامهما، وعينُ الله تكلؤهما، وتأييدُه يصحبُهما، وإسعاده يرحلُهما ويُنزلهما.

ولما يئس المشركون مِن الظَّفرِ بهما، جعلُوا لمن جاء بهما دِيةَ كل واحد منهما، فجدَّ الناسُ في الطَّلب، واللهُ غالبٌ على أمره، فلما مرُّوا بحى بنى مُدُلجٍ مُصعدِين من قُديد، بَصُرَ بهم رجلُ من الحيِّ، فوقف على الحيِّ فقال: لقد رأيتُ آنِفًا بالساحل أَسْوِدَةً ما أُراها إلا محمدًا وأصحابَه، فَفَطِنَ بالأمر سُراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفرُ له خاصة، وقد سبق له من الظَّفَرِ ما لم يكن في حسابه، فقال: بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلًا، ثم قام فدخل خِباءه وقال لخادمه: اخْرُجْ بالفرس من وراءِ الخِباء، وموعِدُك وراء الأكمة، ثم أخذ رُمحه، وخفض عَالِيه يَخُطُّ به الأرضَ حتى رَكِبَ فرسه، فلما قَرُبَ منهم وسمع قِراءة رسولِ الله ﷺ، وأبو بكر يُكْثِرُ الالتفات، ورسول الله ﷺ لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله؛ هذا سُراقة بن مالك قد رَهَقَنَا، فدعا عليه رسولُ الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرضِ، فقال: قد علمتُ أن الذي أصابنى بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما عليّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسول الله ﷺ، فأُطلق، وسأل رسولَ الله ﷺ أن يكتُب له كتابًا، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم وكان الكتابُ معه إلى يوم فتح مكة، فجاءه بالكتِاب، فوفَّاه له رسولُ الله ﷺ، وقال: "يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ"، وعرض عليهما الزاد والحِملان، فقالا: لا حاجة لنا به، ولكن عَمِّ عنَّا الطلبَ، فقالَ: قد كُفيتم، ورجع فوجَدَ الناسَ في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأتُ لكم الخبر، وقد كُفيتم ما ههنا، وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما.

فصل

ثُمَّ مَرَّ رسول الله ﷺ في مسيره ذلك حتى مرَّ بخيمتى أُمَّ مَعْبَدٍ الخُزَاعية، وكانت امرأة بَرْزَةً جَلْدَةً تحتبى بفناء الخيمة، ثم تُطعِمُ وتَسقى مَنْ مَرَّ بها، فسألاها: هل عندها شىء؟ فقالت: واللهِ لو كان عندنا شىء ما أعْوَزَكُم القِرَى، والشَّاءُ عازِب، وكانت سنة شهباء، فنظَر رسولُ الله ﷺ إلى شاة في كِسْرِ الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أُمّ مَعْبَد"؟ قالت: شاة خلفها الجَهْدُ عن الغنم، فقال: "هل بِهَا مِنْ لبن"؟ قالت: هي أجهدُ مِن ذلك، فقال: "أتأذنين لي أن أَحلِبهَا"؟ قالت: نعم، بأبى وأمي، إن رأيتَ بها حَلْبًا فاحلُبها، فمسحَ رسول الله ﷺ بِيدِهِ ضَرْعَها، وسمَّى الله ودعا، فتفاجَّت عليه، ودرَّت، فدعا بإناء لها يُربِضُ الرَّهطَ، فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها فشربت حتى رَوِيَت، وسقى أصحابه حتى رَووْا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، فارتحلُوا، فقلَّما لَبِثتْ أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنزًا عِجافًا، يتساوكن هُزالًا لا نِقى بهن، فلما رأى اللَّبن، عَجِبَ، فقال: مِن أين لكِ هذا، والشاةُ عازب؟ ولا حَلُوبةَ في البيت؟ فقالت: لا واللهِ إلا أنَّه مرَّ بنا رجلٌ مبارَكٌ كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا. قال: واللهِ إني لأُراه صاحِبَ قريش الذي تطلُبه، صِفيه لي يا أُمّ مَعْبَد، قالت: "ظاهِرُ الوَضَاءة، أبلجُ الوجه، حَسَنُ الخَلْقِ، لم تعبه ثُجْلَة، ولم تُزْر به صُعْلَة، وسيم قَسِيم، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وفى أَشْفَارهِ وطَفٌ، وفى صْوته صَحَل، وفى عُنُقِهِ سَطَعٌ، أحورُ، أكحلُ، أزجُّ، أقرنُ، شديدُ سواد الشَعْر، إذا صمت علاه الوقارُ، وإن تكلم علاه البهاءُ، أجملُ الناس وأبهاهُم مِن بعيد، وأحسنُه وأحلاه من قريب، حُلْوُ المنطق، فَصْلٌ، لا نَزْر ولا هَذْر، كأنَّ منطقه خرزاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، ربعةٌ، لا تقحمُه عينٌ مِن قصر، ولا تشنؤُه مِن طول، غصنٌ بين غُصنين، فهو أنضرُ الثلاثة منظرًا، وأحسنُهم قَدْرًا، له رُفقاء يحفُّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادرُوا إلى أمره، محفودٌ محشودٌ، لا عابسٌ ولا مُفْنِدٌ"، فقال أبو مَعْبَد: "واللهِ هذا صاحبُ قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممتُ أن أصحَبه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا"، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعُونه ولا يرون القائل:

جَزَى اللهُ ربُّ العَرْشِ خَيْر جَزَائِهِ ** رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَىْ أُمَّ مَعْبَدِ

هُمَا نَزلا بِالبِرِّ وَارْتَحَلا بِهِ ** وَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى الله عَنْكُمُ ** بِهِ مِنْ فَعَال لا يُجَازَى وَسُودَدِ

لِيَهْن بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهمْ ** وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤمِنينَ بِمَرْصَدِ

سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ** فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاءَ تَشْهَدِ

قالت أسماء بنت أبي بكر: ما دَرَيْنَا أين توجه رسولُ الله ﷺ، إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والنَّاس يتَّبعونه ويسمعونَ صوته، ولا يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سَمِعْنَا قولَه، عرفنا حيثُ توجه رسولُ الله ﷺ، وأن وجههُ إلى المدينة.

فصل

وبلغ الأنصارَ مخرجُ رسولِ الله ﷺ مِن مكَّةَ، وقصدُه المدينة. وكانوا يخرجونَ كُلَّ يوم إلى الحرَّة ينتظِرونه أول النهار، فإذا اشتد حرُّ الشمس، رجعُوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يومُ الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنةً مِن النبوة، خرجُوا على عادتهم، فلما حَمِيَ حَرُّ الشمس رجعوا، وصَعِدَ رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسولَ الله ﷺ وأصحابه مُبيِّضِينَ، يزولُ بهم السرابُ، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قَيْلَةَ؛ هذا صَاحِبُكم قد جاء، هذا جَدُّكُم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقَّوْا رسولَ الله ﷺ، وسُمِعَتِ الرَّجَّةُ والتَّكْبِيرُ في بنى عمرو بن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقُدومه، وخرجوا للقائه، فتلقَّوْه وحيَّوْه بتحية النبوة. فأحدقوا به مطيفين حوله، والسَّكينة تغشاه، والوحي ينزِل عليه { فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } [32]، فسار حتى نزل بقُباء في بنى عمرو بن عوف، فنزل على كُلْثُومِ بْنِ الهِدْمِ. وقيل: بل على سَعْدِ بن خَيْثَمَةَ، والأول أثبت، فأقام في بنى عمرو بن عوف أربع عشرةَ ليلةً وأسَّس مسجِدَ قُباء، وهو أوَّلُ مسجد، أُسِّسَ بعد النبوة.

فلما كان يوم الجمعة رَكِبَ بأمر الله له، فأدركته الجمعةُ في بنى سالم بن عوف، فجمَّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي.

ثم رَكِبَ، فأخذوا بِخِطَام راحلته، هَلُمَّ إلى العدد والعُدَّة والسلاح والمنعة، فقال: "خَلُّوْا سَبِيلَهَا، فَإنَّهَا مَأْمُورَةٌ" فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبُوا إليه في النزول عليهم، ويقول: "دَعُوهَا فإنَّهَا مَأْمُورَةٌ" فسارت حتَّى وصلت إلى موضع مسجده اليومَ، وبركت، ولم ينزل عنها حتى نَهَضَتْ وسَارَتْ قليلًا، ثم التفتت، فرجعت، فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بنى النجار أخوالِهِ ﷺ. وكان من توفيق الله لها، فإنه أحبَّ أن ينزِل على أخواله، يُكرمهم بذلك، فجعل الناس يُكلِّمون رسولَ الله ﷺ في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيتَه، فجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ" وجاء أسعدُ بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده وأصبح كما قال أبو قيس صِرمة الأنصاري، وكان ابن عباس يختلِف إليه يتحفَّظُ منه هذه الأبيات:

ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ** يُذَكَّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيبًا مُوَاتِيَا

وَيَعْرِضُ في أهْلِ المَوَاسِمِ نَفْسَهُ ** فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا

فَلَمَّا أَتَانَا وَاسْتَقَرَتْ بِهِ النَّوَى ** وأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْببَةَ رَاضِيَا

وَأصْبَحَ لا يَخْشَى ظُلامَةَ ظَالمٍ ** بَعِيدٍ وَلا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا

بَذَلْنَا لَهُ الأَمْوَالَ مِنْ حِلِّ مَالِنا ** وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الوَغَى والتآسِيَا

نُعَادِي الذي عَادَى مِنَ النَّاس كُلِّهِمْ ** جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الحَبِيبَ المُصَافِيَا

وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ** وَأَنَّ كِتَابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا

قال ابنُ عباس: "كان رسولُ الله ﷺ بمكة، فأُمِرَ بالهِجْرَةِ وأُنزلَ عَلَيْهِ: { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا } [33]".

قال قتادة: "أخرجه الله مِن مكَّة إلى المدينة مخْرَجَ صدق ونبيُّ الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سُلطانًا نصيرا، وأراه اللهُ عَزَّ وجَلَّ دار الهِجرة، وهو بمكَّة فَقَالَ: "أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ بِسَبْخَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ".

وذكر الحاكم في مستدركه عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال لجبريل: "مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي؟ قال: أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ".

قال البراءُ: "أَوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أصحَابِ رسولِ الله ﷺ مُصْعَبُ بنُ عُمير وابنُ أُمِّ مكتومٍ، فجعلا يُقْرِئانِ النَّاسَ القرآنَ، ثم جاء عمارُ وبِلالُ وسعدٌ، ثم جاء عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه في عشرين راكبًا، ثُمَّ جاء رَسُولُ اللهِ ﷺ، فما رأيتُ النَّاسَ فَرِحُوا بشىءٍ كَفَرحِهِمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ والصِّبْيَانَ والإِمَاءَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ الله قَدْ جَاءَ".

وقال أنس: "شهدتُه يومَ دخلَ المدينة فما رأيتُ يومًا قطُّ، كان أحسنَ ولا أضوأَ مِن يوم دخلَ المدينة علينا، وشهدتُه يَوْمَ ماتَ، فما رأيتُ يومًا قطُّ، كان أقبحَ ولا أظلمَ مِن يومِ مات".

فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حُجَرَه ومسجدَه، وبعثَ رسولُ الله ﷺ وهو في منزل أبي أيوب زيدَ بْنَ حارِثة وأبا رافع، وأعطاهما بَعِيَريْنِ وخمسمائة درهم إلى مكة فَقَدِمَا عليه بفاطمة وأُمِّ كلثوم ابنتيه، وسَوَدةَ بنتِ زمعة زوجتهِ، وأُسامةَ بنِ زيد، وأُمَّه أُم أيمن، وأما زينبُ بنت رسول الله ﷺ فلم يُمَكِّنْهَا زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج، وخَرج عبدُ الله بن أبي بكر معهم بِعيال أبي بكر، ومنهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.

فصل في بناء المسجدعدل

قال الزهري: "بَرَكَتْ ناقةُ النبي ﷺ مَوْضِع مسجده وهو يومئذ يُصلِّي فيه رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حَجْرِ أسعد بنِ زُرارة، فساوم رسولُ الله ﷺ الغلامَيْنِ بالمِرْبَدِ، لِيتخذَهُ مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ، وكانَ جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، وقِبلتهُ إِلى بَيْتِ المقدِسِ، وكانَ يُصلِّي فِيهِ ويُجَمِّعُ أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ، وكان فيهِ شَجَرَةُ غَرْقَدٍ وخِرَبٌ ونَخْلٌ وَقُبورٌ لِلمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رسولُ الله ﷺ بالقبور فنُبِشَتْ، وبالخرب فَسُوِّيت وبالنَّخلِ والشَّجَرِ فقطعت وصُفَّت في قِبلة المسجد، وجعلَ طولَه مما يلى القِبْلةَ إلى مؤخره مائةَ ذراع، والجانبين مثلَ ذلك أو دونَهُ، وجعلَ أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللَّبنِ، وجعل رسولُ الله ﷺ يبنى معهم، وَيَنْقُلُ اللَّبِنَ والحِجَارَةَ بنفسه ويقول:

اللهم لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخِرةْ ** فَاغْفِرْ للأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةْ

وكان يقول:

هَذَا الحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَر ** هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرُ

وجعلوا يرتَجِزُونَ، وهم ينقلُونَ اللَّبِنَ، ويقول بعضهم في رجزه:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمل ** لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ

وجعل قِبلته إلى بيتِ المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسولُ الله ﷺ، وجعل عمده الجذوع، وسَقَفَه بالجريد، وقيل له: ألا تُسَقِّفه، فقال: "لا، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى" وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللَّبِن، وسقَّفها بالجريدِ والجذوع، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناهُ لها شرقى المسجد قبليه، وهو مكان حُجرته اليوم، وجعل لسَوَدة بنتِ زمعة بيتًا آخر.

فصل

ثمَّ آخى رسولُ الله ﷺ بين المهاجِرينَ والأنصار في دار أنسِ بن مالك، وكانُوا تسعين رجلًا، نِصفهم مِن المهاجرينَ، ونِصفُهم مِن الأنصارِ، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعدَ الموتِ دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: { وَأُوْلُوْا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ } [34] رد التوارث إلى الرَّحِم دون عقد الأُخوة.

وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضِهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها عليًا أخًا لنفسه والثابت الأول، والمهاجِرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام، وأخوة الدار، وقرابةِ النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ولو آخى بَيْنَ المهاجرينَ، كان أحقَّ الناسِ بأُخوته أحبُّ الخلق إليه ورفيقُه في الهِجرةِ، وأنيسُه في الغارِ، وأفضلُ الصحابة وأكرمُهم عليهِ أبو بكر الصِّدِّيق، وقد قال: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلًا لاتخَّذْتُ أَبَا بَكْر خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخْوَّةُ الإسْلامِ أَفْضَلُ" وفي لفظ: "وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي" وهذه الأُخوة في الإسلام وإن كانت عامة، كما قال: "وَدِدْتُ أن قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا" قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصحابي، وإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنونَ بي وَلَمْ يَرَوْنِي " فَلِلصِّدِّيق من هذه الأُخوة أعلى مراتبها، كما له من الصُّحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأُخوة، ومزيةُ الصحبة، ولأتباعه بعدهم الأخوة دون الصحبة.

فصل

ووادع رسولُ الله ﷺ مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر حَبْرُهم وعالمُهم عبدُ اللهِ بنُ سلام، فدخل في الإسلام، وأبى عامَّتُهم إلا الكفرَ.

وكانوا ثلاثَ قبائل: بنو قَيْنُقَاع، وبنو النَّضير، وبنو قُرَيْظَة، وحاربه الثلاثة، فمنَّ على بنى قَيْنُقَاع، وأجلى بني النضير، وقتل بنى فُريظة، وسبى ذُرِّيَّتهم، ونزلت "سورة الحشر" في بني النضير، و"سورة الأحزاب" في بنى قُريظة.

فصل (في تحويل القبلة)عدل

وكان يُصلِّي إلى قِبلة بيت المقدس، ويُحِبُّ أن يُصرَفَ إلى الكعبة، وقال لجبريل: "وَدِدْتُ أَنْ يَصْرِفَ الله وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ" فقال: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبَّكَ، واسْأَلْهُ" فَجَعَلَ يُقَلِّبُ وجهه في السماء يرجُو ذَلِكَ حتى أنزل الله عليه: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ } [35]، وذلك بعد ستةَ عشر شهرًا مِن مَقْدَمِهِ المدينةَ قبل وقعةِ بدر بشهرين.

قال محمد بن سعد: أخبرنا هاشمُ بنُ القاسم، قال: أنبأنا أبو معشر عن محمد بْنِ كعبٍ القُرَظيِّ قال: "ما خَالَفَ نبي نَبِيا قطُّ في قِبْلَةٍ، وَلا في سُنَّةٍ إلا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ استَقْبلَ بَيْتَ المَقْدِسِ حِينَ قَدِمَ المَدِينةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم قَرَأَ: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [36]".

وكان للهِ في جعل القِبلة إلى بيت المقدس، ثم تحويلِها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومِحْنَةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.

فأما المسلمون، فقالوا: سَمِعْنَا وأطعنا وقالُوا: { آمَنَّا بِهِ كُلٌ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا } [37] وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرةً عليهم.

وأما المشرِكُونَ، فقالُوا: كما رجع إلى قبلتنا يُوشِكُ أن يَرْجعَ إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحقُّ.

وأما اليهودُ، فقالوا: خالف قِبْلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيًا، لكان يُصلِّي إلى قِبْلة الأنبياء.

وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقًا، فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على باطل.

وكثرت أقاويلُ السفهاء مِن الناس، وكانت كما قال الله تعالى: { وَإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ } [38]، وكانت مِحنة من الله امتحن بها عبادَهُ، ليرى مَن يتَّبعُ الرسول منهم ممن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيه.

ولما كان أمرُ القِبلة وشأنُها عظيمًا، وَطَّأَ سبحانه قبلها أمرَ النسخ وقُدرته عليه، وأنَّه يأتي بخيرٍ مِن المنسوخ أو مثلِه، ثم عقَّب ذلك بالتوبيخ لمن تعنَّت رسول الله ﷺ، ولم يَنْقَدْ له، ثم ذكر بعده اختلافَ اليهود والنصارى، وشهادةَ بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شىء، وحذَّر عباده المؤمنين من موافقتهم، واتباعِ أهوائهم، ثم ذكر كُفرهم وشِركَهم به، وقولهم: إن له ولدًا، سبحانه وتعالى عما يقولون عُلوًا، ثم أخبر أن له المشرِقَ والمغرب، وأينما يُوَلِّي عِبَادُه وجوهَهُم، فثمَّ وجهُه، وهو الواسِع العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما يُوجِّهُ العبدُ، فثمَّ وجهُ الله.

ثم أخبرَ أنه لا يَسألُ رسولَه عن أصحاب الجحيم الذين لا يُتَابِعونه ولا يُصدقونه، ثم أعلمه أن أهل الكِتاب من اليهود والنصارى لن يَرْضَوْا عنه حتى يَتَّبعَ ملتهم، وأنه إن فعل، وقد أعاذه اللهُ مِن ذلك، فما له مِن الله مِن ولى ولا نصير، ثم ذَكَّرَ أهل الكتاب بنعمته عليهم، وخوَّفَهُمْ مِن بأسه يومَ القيامة، ثم ذكر خَلِيلَه بانى بيته الحرام، وأثنى عليه ومدحه وأخبر أنه جعله إمامًا للناس، يأتَمُّ به أهلُ الأرض، ثم ذكر بيتَه الحرام، وبناءَ خليله له، وفى ضمن هذا أن بانى البيت كما هو إمامٌ للناس، فكذلك البيتُ الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يَرْغَبُ عن مِلَّة هذا الإمام إلا أسفهُ الناسِ، ثم أمر عبادَه أن يأتمُّوا برسوله الخاتم، ويُؤمنوا بما أُنْزِلَ إليه وإلى إبراهيم، وإلى سائر النبيين، ثم ردَّ على مَن قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودًا أو نصارى، وجعل هذا كلَّهُ توطئة ومُقدِّمة بين يدي تحويل القِبْلة، ومع هذا كله، فقد كَبُر ذَلِكَ على الناسِ إلا مَنْ هدى الله مِنهم، وأكَّد سُبحانه هذا الأمر مَّرةً بعد مرَّةٍ، بعد ثالثة، وأمر به رسوله حيثما كان، ومِن حيث خرج، وأخبر أن الذي يَهدى من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم إلى هذه القِبْلة، وأنها هي القِبْلة التي تليق بهم، وهم أهلُها، لأنها أوسط القِبَل وأفضلُها، وهم أوسطُ الأمم وخيارُهم، فاختار أفضلَ القِبل لأفضل الأُمم، كما اختار لهم أفضلَ الرسل، وأفضلَ الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصَّهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم في الجنة خيرَ المنازل، وموقفهم في القيامة خيرَ المواقف، فهم على تلٍّ عالٍ، والناسُ تحتهم، فسبحان مَن يختصُّ برحمته مَن يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون لِلناس عليهم حُجَّةٌ، ولكِنِ الظالِمون الباغون يحتجُّونَ عليهم بتلك الحجج التي ذُكِرَتْ، ولا يُعارِضُ الملحدون الرسلَ إلا بها وبأمثالها مِن الحجج الداحضة، وكُلُّ مَن قدَّم على أقوال الرسول سِواها، فحُجَّتُه مِن جنس حُجج هؤلاء.

وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لِيُتِمَّ نعمتَه عليهم، ولِيهديَهم، ثم ذَكَّرهم نعمه عليهم بإرسال رسوله إليهم، وإنزال كتابه عليهم، ليزكيهم ويُعلِّمَهم الكتابَ والحِكمةَ، ويُعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمون، ثم أمرهم بذكره وبشكره، إذ بهذين الأمرين يستوجِبُونَ إِتمامَ نعمه، والمزيدَ من كرامته، ويستجلبون ذكره لهم، ومحبته لهم، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبُر والصلاة، وأخبرهم أنه مع الصابرين.

فصل

وأتمَّ نعمتَه عليهم مع القِبْلة بأن شرع لهم الأذانَ في اليوم والليلة خمسَ مرات، وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أُخريين بعد أن كانت ثنائية، فكل هذا كان بعد مَقْدَمِه المدينة.

فصل

فلما استقرَّ رسولُ الله ﷺ بالمدينة، وأيَّده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألَّفَّ بين قلوبهم بعد العداوة والإحَنِ التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلُوا نفوسهم دونه وقدَّموا محبتَه على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم مِن أنفسهم، رمتهُمُ العربُ واليهودُ عن قوس واحدة، وشمَّروا لهم عن سَاقِ العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم مِن كُلِّ جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبرِ والعفو والصفح حتى قويت الشوكةُ، واشتد الجناحُ، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرِضه عليهم، فقال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لقَدِيرٌ } [39].

وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسُّورة مكية، وهذا غلط لوجوه:

أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شَوْكة يتمكنون بها من القتال بمكة.

الثاني: أن سِياقَ الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ } [40] وَهؤُلاء هم المهاجرون.

الثالث: قوله تعالى: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ في رَبِّهِمْ } [41] نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَبارَزُوا يومَ بدر من الفريقين.

الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }، والخطابُ بذلك كله مدني، فأما الخطاب: { يَا أيُّهَا النَّاسُ } فمشترك.

الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يَعُمُّ الجهادَ باليد وغيره، ولا ريبَ أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأمَّا جهادُ الحُجَّة، فأمر به في مكة بقوله: { فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ } [42] أي: بالقرآن { جِهَادًا كَبِيرًا } [43]، فهذه سورة مكية والجهاد فيها هو التبليغُ، وجهادُ الحُجَّة، وأما الجهادُ المأمور به في "سورة الحج" فيدخل فيه الجهادُ بالسيف.

السادس: أن الحاكم روى في مستدركه من حديث الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس قال: "لما خَرَجَ رسول الله ﷺ مِنْ مكَّة قال أبو بكر: أخرجُوا نبيَّهم، إنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُونَ لَيهْلِكُنَّ، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } [44] وهى أول آية نزلت في القتال". وإسناده على شرط الصحيحين وسياق السورة يدل على أن فيها المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول مكية، والله أعلم.

فصل (الترغيب في الجهاد وما ورد من الأحاديث في فضله)عدل

ثم فرضَ عليهم القِتَالَ بعدَ ذلك لمن قاتلهم دون مَن لم يُقاتِلْهم فقال: { وَقَاتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } [45].

ثم فرض عليهم قتالَ المشركِينَ كافَّة، وكان محرَّمًا، ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين إما فرضَ عَيْنٍ على أحد القولين، أو فرضَ كِفاية على المشهور.

والتحقيق أن جنسَ الجهادِ فرضُ عَيْن إما بالقلب، وإما باللِّسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كُلِّ مسلم أن يُجاهد بنوع مِن هذه الأنواع.

أما الجهاد بالنفس، ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال، ففي وجوبهِ قولانِ، والصحيح وجوبه لأن الأمرَ بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: { انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ، ذَلِكُم خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [46].

وعلَّق النجاةَ من النار به، ومغفرةَ الذنب، ودخولَ الجنة، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُم عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُم، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ، ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ } [47].

وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك، أعطاهم ما يُحبون مِن النصر والفتحِ القريب فقال: { وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا } [48] أي: ولكم خصلة أخرى تُحِبُّونها في الجهَادِ، وهي { نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } [49].

وأخبر سبحانه أنه { اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } [50] وأعاضهم عليها الجنةَ، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزَّلة مِن السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمَرَهُم بأن يستبشِروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوزُ العظيمُ.

فليتأملِ العاقِد مع ربه عقد هذا التبايعِ ما أعظمَ خطَرَه وأجلَّه، فإن الله عَزَّ وجَلَّ هو المشترى، والثمن جنَّاتُ النعيم، والفوزُ برضاه، والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقدُ أشرفُ رسله وأكرمُهم عليه مِن الملائكة والبَشر، وإن سِلْعَةً هذا شأْنُها لقد هُيِّئَتْ لأَمرٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ:

قَدْ هَيَّؤوكَ لأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ ** فَارْبأ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرعَى مَعَ الهَمَلِ

مَهْرُ المحبةِ والجَنَّةِ بذلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للِجبان المُعرِضِ المُفْلِس وسَوْمِ هذه السلعة، باللهِ ما هُزِلَتْ فيستامها المفلسون، ولا كَسَدَت، فيبيعَهَا بالنسيئة المُعْسِرُونَ، لقد أقيمت للعرض في سوق مَن يُرِيد، فلم يرضَ رَبُّهَا لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطَّالون، وقام المحبُّونَ ينتظرون أيُّهُم يصلُح أن يكون نفسُه الثمن، فدارت السِّلعة بينهم، ووقعت في يد { أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ } [51].

لما كَثُرَ المدَّعون للمحبة، طُولِبُوا بإقامة البيِّنة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى الخَلِيُّ حِرْفَةَ الشَّجِيِّ، فتنوع المدعون في الشهودِ، فقيل: لا تثبُت هذه الدعوى إلا بِبينَّةٍ { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ } [52]، فتأخر الخلقُ كُلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعالهِ وأقوالهِ وهديه وأخلاقِه، فطُولِبُوا بعدالة البَيِّنة، وقيل: لا تُقَبلُ العدالةُ إلا بتزكية { يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } [53]، فتأخر أكثرُ المدعين للمحبة، وقام المجاهِدونَ، فقيل لهم: إن نفوسُ المحبِّين وأموالهم ليست لهم، فسلَّموا ما وقع عليه العقد، فإن الله اشترى مِن المؤمنين أنفسَهم وأموالَهُم بأن لهم الجنَّةَ، وعقدُ التبايع يُوجِبُ التسليمُ مِن الجانبين، فلما رأى التجارُ عظمةَ المشترى وقَدْرَ الثمن وجَلالةَ قَدْرِ مَن جرى عقدُ التبايع على يديه ومِقدارَ الكتاب الذي أُثْبِتَ فيه هذا العقدُ، عرفُوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لِغيرها من السِّلع، فرأوا مِن الخُسران البَيِّن والغَبْنِ الفاحش أن يبيعوها بثمن بَخْسٍ دَرَاهِمَ معدودة، تذهب لذَّتُهَا وشهوتُهَا، وتبقى تَبِعَتُهَا وحسرَتُها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشترى بيعةَ الرِّضوان رضىً واختيارًا مِن غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نَقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، فلما تمَّ العقدُ، وسلَّموا المبيعَ، قيل لهم: قد صارت أنفُسكم وأموالُكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالكم معها { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [54]، لم نبتع منكم نفوسَكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم، بل لِيظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمَّنِ. تأمل قصةَ جابر بن عبد الله "وقد اشترى منه ﷺ بعيرَه، ثمَّ وفَّاهُ الثَمَنَ وزادَهُ، ورَدَّ عليه البعير" وكان أبوه قد قُتِلَ مع النبي ﷺ في وقعةِ أُحُد، فذكَّره بهذا الفعلِ حالَ أبيه مع الله، وأخبره "أنَّ الله أحياه، وكلَّمهُ كِفَاحًا وقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ"، فسبحان مَنْ عَظُمَ جودُه وكرمُه أن يُحيط به علمُ الخلائق، فقد أعطى السلعةَ، وأعطى الثمنَ، ووفَّقَ لتكميلِ العقد، وقبل المبيعَ على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمانَ، واشترى عبدهَ من نفسه بماله، وجمع له بين الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ، وأثنى عليه، ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفَّقه لهُ، وشاءه منه.

فَحيَّهَلا إِنْ كُنْتَ ذَا هِمَّةٍ فَقَدْ ** حَدَا بِكَ حادي الشَّوْقِ فَاطْوِ المَرَاحِلا

وقل لمنادي جبهم ورضاهم ** إِذَا مَا دَعَا لبَّيْكَ أَلْفًا كَوَامِلا

ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ** نَظَرْتَ إِليَ الأَطْلالِ عُدْنَ حَوَائِلا

ولا تنظر بالسير رفقة قاعد ** وَدَعْهُ فإن الشَّوْقَ يَكْفِيكَ حَامِلا

وخذ منهم زادًا إليهم وسر على ** طَرِيقَ الهُدَى وَالحُبِّ تُصْبِحُ وَاصِلا

وأحي بذكراهم شراك إذا دنت ** رِكَابُكَ فَالذِّكْرَى تُعِيدُك عَامِلا

وَإِمَّا تَخَافَنَّ الكَلالَ فَقُلْ لَهَا ** أَمَامَكِ وِرْدُ الوَصْلَ فَابْغِي المَنَاهِلا

وَخُذْ قَبَسًا مِنْ نُورِهمْ ثُمَّ سِرْ بِهِ ** فَنُورُهُم يَهْدِيكَ لَيْسَ المَشَاعِلا

وَحَيِّ عَلَى وَادِي الأَرَاكِ فَقِلْ بِهِ ** عَسَاكَ تَرَاهُم ثَمَّ إِنْ كُنْتَ قَائِلا

وَإِلا ففي نَعْمَانَ عندي مُعَرِّفُ الـ ** ـأحِبَّةِ فَاطْلُبْهُمْ إِذَا كُنْتَ سَائِلا

وَإِلا ففي جَمْعٍِ بِلَيْلَتِهِ فَإِنْ ** تَفُتْ فَمِنىً يَا وَيْحَ مَنْ كَانَ غَافِلا

وَحَيِّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها ** مَنَازِلُكَ الأُولَى بِهَا كُنْتَ نَازِلا

وَلكِن سَبَاكَ الكَاشِحُونَ لأَجْلِ ذا ** وَقَفْتَ عَلَى الأَطْلالِ تَبْكِي المَنَازِلا

وَحيِّ عَلَى يَوْمِ المَزِيدِ بِجَنَّةِ الـ ** ـخُلُودِ فَجُدْ بِالنَّفْسِ إِنْ كُنْتَ بَاذِلا

فَدَعْهَا رُسُومًا دَارِسَاتٍ فَمَا بِهَا ** مَقِيلٌ وَجَاوِزْهَا فَلَيْسَتْ مَنَازِلا

رُسُومًا عَفَتْ يَنْتَابُهَا الخَلْقُ كَمْ بِهَا ** قَتِيلٌ وَكَمْ فِيهَا لِذَا الخَلْقِ قَاتِلا

وَخُذْ يَمْنَةً عَنْهَا عَلَى المَنْهَجِ الذي ** عَلَيْهِ سَرَى وَفْدُ الأَحِبَّةِ آهِلا

وَقُلْ سَاعِدِي يَا نَفْسُ بِالصَّبْرِ سَاعَةً ** فَعِنْدَ اللِّقَا ذَا الكَدُّ يُصبْحُ زَائِلا

فَمَا هي إِلا سَاعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ** وَيُصْبِحُ ذُو الأَحْزَانِ فَرْحَانَ جَاذِلا

لقد حرَّك الداعي إلى الله، وإلى دار السلام النفوسَ الأبيَّة، والهِممَ العالية، وأسمع منادي الإيمان مَن كانت له أُذُنٌ واعية، وأسمع الله مَن كان حيًا، فهزَّه السماعُ إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطَّت به رِحالُه إلا بدار القَرَارِ فَقَالَ: "انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي، وتَصْدِيقٌ بِرُسُلى أَن أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ منْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجنَّةَ، وَلوْلا أَنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَودِدْتُ إني أُقْتَلُ في سَبِيلِ الله، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل".

وقال: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلا صَلاة حَتَّى يَرْجعَ المُجَاهِدُ في سَبيل الله، وتوكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَو غَنِيمةٍ".

وقال: "غَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فيها".

وقال فيما يَروى عن ربِّه تبارك وتعالى: "أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا في سبيلي ابْتِغاءَ مرضاتي، ضَمِنْتُ لهُ أَنْ أُرْجعه إِنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أصابَ مِنْ أَجْرٍ أو غَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضْتُهُ أَنْ أَغْفِرَ له وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الجَنَّةَ".

وقال: "جَاهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ، فإنَّ الجِهَادَ في سَبِيلِ الله بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُنْجِي اللهُ به مِنَ الهمِّ والغَمِّ".

وقال: "أَنَا زَعيمٌ والزَّعيمُ الحَميلُ لِمَنْ آمَنَ بي، وأَسْلَمَ وهَاجَرَ بَبيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ، وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ في أَعَلَى غُرَفِ الجَنَّةِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَم يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، ولا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يموت".

وقال: "مَنْ قَاتَلَ في سَبيلِ الله من رَجُل مُسْلِمٍ فُواقَ نَاقةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة".

وقالَ: "إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجةٍ أعَدَّهَا اللهُ للمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، فَإذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنهَارُ الجَنَّةِ".

وقال لأبي سعيد: "مَنْ رَضيَ باللهِ ربًا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة"، فعجب لها أبُو سعيدٍ، فقال: أَعِدْهَا عليَّ يا رسُولَ اللهِ، فَفَعَل، ثم قالَ رَسُولُ الله ﷺ: " وأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بهَا العَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ"، قال: وما هي يا رسول اللهِ؟ قال: "الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ".

وقال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيِلِ الله، دَعَاهُ خَزَنَةُ الجنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ، أي فُلُ هَلُمَّ، فمنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمنْ كَانَ مِنْ أهل الجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَاد، ومَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ"، فقال أبو بكر: بأبى أَنْتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوابِ كُلِّهَا؟ قال: "نَعَمْ وأرجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُم".

وقالَ: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً في سَبيِلِ الله، فَبِسَبْعمائةٍ، وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَعَادَ مَرِيضًا أَوْ أَمَاطَ الأذَى عَنْ طَرِيقٍ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا، ومَنِ ابْتَلاه الله في جَسَدِهِ فَهُوَ لَهُ حِطَّةُ".

وذكر ابنُ ماجه عنه: "مَنْ أَرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَأَقَامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْفَقَ في وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ" ثم تلا هذه الآية: { وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ } [55].

وقال: "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَارِمًا في غُرْمِهِ أَوْ مُكَاتَبًا في رَقَبتِهِ أَظَلَّهُ اللهُ في ظِلَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ".

وقال: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار".

وقالَ: "لا يَجْتَمِعُ شُحٌ وَإِيمَانٌ في قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهنَّمَ في وَجْهِ عَبْدٍ"، وفي لفظ: "فى قَلْبِ عَبْدٍ"، وفي لفظ: "فى جَوْفِ امْرِئ"، وفي لفظ: "فى مَنْخَرَىْ مُسْلِمٍ".

وذكر الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى: "مَنِ اغْبَرَّت قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ".

وذكر عنه أيضًا أنَّهُ قال: "لا يَجْمَعُ اللهُ في جَوْفِ رَجُلٍ غُبَارًا في سَبِيلِ الله ودخان جَهَنَّمَ، وَمَنِ اغْبَّرتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ سَائِر جَسَدِهِ عَلى النَّارِ، ومَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ عَنْهُ النَّارَ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ لِلرَّاكِبِ المُسْتَعْجِلِ، وَمَنْ جُرِحَ جِرَاحَةً في سَبِيلِ الله، خُتِمَ لَهُ بِخَاتَمِ الشُّهَدَاءِ، لَهُ نُورٌ يَوْمَ القِيَامَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْك يَعْرِفُه بِهَا الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ عَلَيْهِ طَابعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ".

وذكر ابن ماجه عنه: "مَنْ رَاحَ رَوْحَةً في سَبِيلِ اللهِ، كَانَ لَهُ بِمِثُلِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الغُبَارِ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ".

وذكر أحمد رحمه الله عنه: "مَا خَالَطَ قَلْبَ امْرِيءٍ رَهَجٌ في سَبِيلِ اللهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ".

وقال: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيل الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا عَلَيْهَا".

وقال: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ، جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذي كان يَعْمَلُهُ، وَأُجْريَ عَلَيْهِ رِزْقُه وَأَمِنَ الفَتَّان".

وقالَ: "كُلُّ مَيَّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلا الذي مَاتَ مُرَابِطًا في سَبِيل الله فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُؤمَّنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ".

وقال: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ".

وذكر ابنُ ماجه عنه: "مَنْ رَابَطَ ليْلَةً في سَبِيلِ الله، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا".

وقال: "مُقَامُ أَحَدِكُم في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَحَدِكُمْ في أَهْلِهِ سِتَّينَ سَنَةً، أَمَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَتَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، جَاهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ، مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ".

وذكر أحمد عنه: "مَنْ رَابَطَ في شَىءٍ مِنْ سَوَاحِلِ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أَيَّام، أَجْزَأَتْ عَنْهُ رِبَاطَ سَنَةٍ".

وذُكِرَ عنه أيضًا: "حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ الله أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا، ويُصَامُ نَهَارُهَا".

وقال: "حَرُمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَحَرُمتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ في سَبِيلِ الله".

وذكر أحمد عنه: "مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللهِ مُتَطَوَّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ، لَمْ يَرَ النَّارَ بعَيْنَيْهِ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم، فَإنَّ الله يَقُولُ: { وَإنْ مِنْكُمْ إلا وارِدُهَا } [56]".

وقالَ لِرجلٍ حَرَسَ المسلمين ليلةً في سفرهم مِنْ أوَّلِها إلى الصباح عَلَى ظَهْرِ فرسه لم يَنِزلْ إلا لصلاةٍ أو قَضَاءِ حَاجَةٍ: "قَدْ أَوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألا تَعْمَلَ بَعْدَهَا".

وقال: "مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله، فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ".

وقَالَ: "مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً في سَبِيلِ الله، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ".

وعند النسائي تفسير الدرجة بمائة عام.

وقَالَ: "إِنَّ اللهً يُدْخِلُ بالسَّهْمِ الوَاحِدِ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، والمُمِدَّ بِهِ، والرَّامِيَ بِهِ، وارْمُوا وَارْكَبُوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وكُلُّ شَىءٍ يَلْهُو به الرجلُ فباطلٌ إلا رَمْيَهُ بقوسه، أو تَأْدِيبَه فرسَه، وملاعبتَه امرأته، ومَنْ علَّمهُ الله الرمي، فتركه رغبةً عنه، فنِعْمَةٌ كفرها" رواه أحمد وأهل السنن.

وعند ابن ماجه: "مَنْ تَعَلَّمَ الرمي ثم تَركَهُ، فَقَدْ عَصَانِي".

وذكر أحمد عنه أنّ رجلًا قال له: أوصِنى فَقَالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله، فإنَّهُ رَأْسُ كُلَّ شَىءٍ، وعَلَيْكَ بِالجِهَادِ، فَإنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإسْلام، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ الله وَتِلاوَةِ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوحُكَ في السَّمَاءِ، وَذِكْرٌ لَكَ في الأرْض".

وقال: "ذِرْوَةُ سَنَامِ الإسْلام الجِهَادُ".

وقال: "ثَلاثَةٌ حَقٌ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: المُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله، وَالمُكَاتَبُ الذي يريدُ الأَدَاءَ، والنَّاكِحُ الذي يُرِيدُ العَفَافَ".

وقال: "مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ".

وذكر أبو داود عنه: "مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَوْ يُخَلِّفْ غَازِيًا في أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ".

وَقَالَ: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَار والدِّرْهَم، وَتَبَايَعُوا بالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنَابَ البَقَرِ، وَترَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ الله، أنْزَلَ الله بِهِمْ بَلاءً، فلم يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهُم".

وذكر ابن ماجه عنه: "مَنْ لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ في سَبِيلِ اللهِ، لَقِيَ اللهَ، وَفِيهِ ثُلْمَة".

وقال تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } [57]، وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلُكةِ بِتَركِ الجِهَادِ.

وصحَّ عنه ﷺ: "إِنَ أبْوَابَ الجنّةِ تَحْتَ ظِلال السيُّوفِ".

وصحَّ عنه: " مَنْ قَاتَل لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيَا، فَهُوَ في سبيل اللهِ ".

وصحَّ عنه: "إنَّ النَّارَ أَوَّلُ ما تُسَعَّرُ بالْعَالِمِ والمَنْفِقِ وَالمقْتُولِ في الجِهَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقَال ".

وصَحَّ عنه: "أَنَّ مَنْ جَاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنيَا، فَلا أَجْرَ لَهُ".

وصحَّ عنه أنه قال لعبدِ الله بن عمرو: "إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، بَعَثَكَ اللهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، بَعَثَكَ اللهُ مُرَائِيَّا مُكَاثِرًا، يا عَبْدَ اللهِ بن عَمْرو عَلَى أي وَجْهٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللهُ عَلَى تِلْكَ الحَالِ".

فصل

وَكَانَ يَسْتَحِبُّ القِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ، كَمَا يَسْتَحِبُّ الخُرُوجَ لِلسَّفَرِ أَوَّلَه، فَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ، أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ.

فصل (ما ورد في فضل الشهيد وكيفية تقسيم الغنائم)عدل

قَال: "والذي نفسي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِةِ إِلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والَّريحُ رِيحُ الْمِسْكِ".

وفي الترمذي عنه: "لَيْس شَىْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ أَوْ أَثَرَيْنِ، قَطْرةِ دَمْعَةٍ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ في سَبِيل اللهِ، وَأَمَّا الأَثرانِ، فَأَثَرٌ في سَبيلِ الله، وَأَثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرائِضِ اللهِ".

وصحَّ عنه أنه قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لا يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلا الشَّهيدَ لما يَريَ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخُرى".

وفي لفظ: "فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرامَة".

وقالَ لأُمِّ حَارِثَةَ بن النُّعْمَانِ، وَقَدْ قُتِل ابْنُهَا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَألَتْهُ أَيْنَ هُوَ؟ قال: "إِنَّهُ في الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى".

وقال: "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْر، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثمَّ تأْوى إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ، فاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطَّلاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أي شَىْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعلَ بِهِمْ ذلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْركُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَردَّ أَرْواحَنَا في أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ في سَبِيلكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا".

وقال: "إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله خِصَالًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، ويُرَى مَقْعَده مِنَ الجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حِلْيَةَ الإِيْمَانِ، وَيُزَوَّجَ مِنَ الحُورِ العيْنِ، وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَيُزوَّجَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْحُورِ الْعينِ، وَيُشفعَ في سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبهِ" ذكره أحمد وصححه الترمذي.

وقال لجابر: "أَلا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ الله لأَبِيكَ"؟ قال: بَلَى، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَارَبِّ تُحيِيِنى فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قال: إِنَّهُ سَبَقَ مِنَّى "أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجعُونَ" قالَ: يَارَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالى هذه الآية: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [58].

وقَالَ: "لَمَّا أُصِيبَ إِخُوانُكُمْ بأُحُدٍ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في أَجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ في ظِلً الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللهُ لَنَا لِئلا يَزْهَدُوا في الجِهَادِ، وَلا يَنْكُلوا عَن الْحَرْب، فَقَالَ اللهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُم، فَأَنزل اللهُ على رسولِه هذه الآيات: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا } [59].

وفي المسند مرفوعًا: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْرَاء، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقهُمْ مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيَّة".

وقال: "لا تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ، كَأَنَّهُمَا طَيْرَانِ أَضَلَّتَا فَصيلَيْهِمَا بِبَرَاحٍ مِنَ الأَرْضِ بِيدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا".

وفي المستدرك والنسائي مرفوعًا: "لأَنْ أُقْتَلَ في سَبيلِ الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لي أَهْلُ المَدَرِ وَالْوَبَر".

وفيهما: "ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ القَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ".

وفي السنن: "يَشْفَعُ الشَّهِيدُ في سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِه".

وفي المسند: "أَفْضلُ الشُّهَدَاء الَّذِينَ إِنْ يَلْقَوْا في الصَّفِ لا يَلْفِتُونَ وجوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الْغُرَفِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ في الدُّنْيَا، فَلا حِسَابَ عَلَيْه".

وفيهِ: "الشُّهَدَاءُ أَرْبَعةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيَّدُ الإِيْمَانِ لَقِيَ العَدُوَّ، فصدَقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذلِكَ الذي يَرْفَعُ إِلَيْهِ النَّاسُ أَعْنَاقَهُمْ ورفع رَسُولُ الله ﷺ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيَّدُ الإِيْمَانِ، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا يُضْرَبُ جِلدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ، فَقَتَلَهُ، هُوَ في الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤمِنٌ جَيَّدُ الإِيْمَانِ، خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيَّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَاكَ في الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ إِسْرافًا كَثِيرًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذلِكَ في الدَّرَجَةِ الَّرابِعَةِ".

وفي المسند وصحيح ابن حبان: "القَتْلَى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ حَتَّى إذا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَاكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلا بِدَرَجَةِ النُّبْوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ على نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، جاهد بِنفسِهِ وَمَالِهِ في سَبيِلِ اللهِ حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءُ الخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أي أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، فَإِنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّم سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، وَبْعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ العَدُوَّ، قَاتَلَ في سَبيلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنَّ ذَلِكَ في النَّار، وإِنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفَاقَ".

وصحَّ عنه: "أَنَّهُ لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلَهَ في النَّارِ أَبَدًا".

وسُئل أي الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ"، قيل: فَأيّ القَتْلِ أَفْضَلُ؟ قال: "مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوَادُهُ في سَبِيلِ الله".

وفي سنن ابن ماجه: "إِنَّ مِنْ أَعْظَم الجِهَادِ كَلَمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر" وهو لأحمد والنسائي مرسلًا.

وصحَّ عنه: "أَنَّهُ لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".

وفي لفظ: "حتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَالَ".

فصل

وكان النبي ﷺ يُبايعُ أصحَابَه في الحربِ على ألا يَفِرُّوا، وربَّما بايعهم على الموتِ، وبايعهم على الجهادِ كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهِجرةِ قبل الفتح، وبايَعُهُم على التوحيد، والتزامِ طاعةِ الله ورسوله، وبايع نفرًا من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا.

وكانَ السَّوطُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِهِم، فينزلُ عن دابته، فيأخُذُهُ، ولا يَقُولُ لأَحدِ: نَاولْنى إيَّاهُ.

وكان يُشاوِر أصحابه في أمر الجهاد، وأمر العدو، وتخير المنازل، وفى المستدرك عن أبي هريرة: "ما رأيتُ أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه مِن رسول الله ﷺ ".

وكان يتخلَّفُ في ساقَتِهم في المسير، فيُزجى الضعيفَ، ويُردِفُ المنقطِعَ، وكان أرفق النَّاسِ بهم في المسير.

وكان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، فيقول مثلًا إذا أراد غزوة حنين: كيف طريقُ نجد، ومياهُها، ومَن بها من العدوَّ ونحو ذلك.

وكان يقولُ: "الحَرْبُ خَدْعَةٌ".

وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطلِعُ الطلائعَ، ويبِّيتُ الحرسَ.

وكان إذا لقي عدوَّه، وقف ودعا، واستنصرَ الله، وأكثر هو وأصحابُه مِن ذكر الله، وخفضوا أصواتهم.

وكان يرتِّبُ الجيش والمقاتلة، ويجعلُ في كل جنبةٍ كُفْئًا لها، وكان يُبارَزُ بين يديه بأمرِهِ، وكانَ يَلُبَسُ لِلحرب عُدَّتَه، ورُبَّمَا ظاهر بين دِرْعَيْنِ، وكان له الألويةُ والرايات.

وكان إذا ظهر على قوم، أقام بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا، ثم قفل.

وكان إذا أراد يُغير، انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذنًا، لم يُغِرْ وإلا أغارَ، وكان ربما بيَّت عدوَّهُ، وربَّما فاجأهم نهارًا.

وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرةَ النهار، وكان العسكرُ إذا نزل انضمَّ بعضه إلى بعض حتى لو بُسطَ عليهم كساء لعمَّهم.

وكان يرتب الصفوف ويُعَبِّئُهُم عند القتال بيده، ويقول: "تقدَّم يا فلان، تأخَّر يا فلان".

وكان يستحب للرجُلِ منهم أن يُقاتل تحت راية قومِه.

وكان إِذا لَقِيَ العدوَّ، قال: "اللهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَاب، ومُجْريَ السَّحَاب، وهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وانصُرْنَا عَلَيْهم"، وربما قال: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأمَرُّ } [60].

وكان يقُولُ: "اللهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ".

وكان يقولُ: "اللهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وأَنتَ نَصِيرِي، وَبِكَ أُقَاتِلُ".

وكان إذا اشتد له بأسٌ، وَحَمِيَ الحربُ، وقصده العدوُّ، يُعِلمُ بنفسه ويقولُ:

أَنَا النبي لا كَذِب ** أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ

وكانَ الناسُ إذا اشتدَّ الحَرْبُ اتَّقَوْا به ﷺ وكانَ أقربَهم إلى العدوِّ.

وكان يجعلُ لأصحابه شِعَارًا في الحرب يُعْرَفُونَ به إذا تكلَّموا، وكَانَ شِعَارُهُمْ مَرَّة: "أَمِتْ أَمِتْ"، ومرةً: "يَا مَنْصْورُ"، ومرة: "حَم لا يُنْصَرُونَ".

وكان يلَبسُ الدَّرعَ والخُوذَةَ، ويتقلَّدُ السيفَ، ويَحْمِلُ الرّمح والقوسَ العربية، وكان يتترَّسُ بالتُّرسِ، وكان يُحِبُّ الخُيلاء في الحربِ، وقال: "إِنَّ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللهُ، فأَمَّا الخُيَلاءُ التي يُحبُّهَا اللهُ، فاخْتيالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، واخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا التي يُبْغِضُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَاخْتِيَالُهُ في البَغي وَالفَخْرِ".

وقاتل مرة بالمنجنيق نصبَه على أهل الطائفِ. وكان ينهى عن قتلِ النساءِ والولدانِ، وكان ينظُرُ في المقاتِلَةِ، فمن رآهُ أَنْبَتَ قَتَلَهُ، ومَن لم يُنْبِتْ استحياه.

وكان إذا بعث سريَّة يُوصيهم بتقوى الله، ويقول: "سيرُوا بِسْم اللهِ وفى سَبِيلِ اللهِ، وقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللهِ، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا".

وكان ينهى عن السَّفَرِ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدوِّ.

وكان يأمر أميرَ سريَّته أن يدعوَ عدوَّه قبل القِتال إمَّا إلى الإسلامِ والهِجرةِ، أو الإسلامِ دون الهِجرة، ويكونون كأعرابِ المسلمين، ليس لهم في الفيء نصيب، أو بذل الجِزية، فإن هُمْ أجابُوا إليه، قَبِلَ منهم، وإلا استعان باللهِ وقاتلهم.

وكان إذا ظفر بعدوِّه، أمر مناديًا، فجمع الغنائمَ كلَّها، فبدأ بالأسلابِ فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خُمُسَ الباقى، فوضعه حيث أراه الله، وأمره به مِن مصالح الإسلام، ثم يَرْضَخُ من الباقى لمن لا سهم له مِن النساءِ والصِّبيانِ والعبيدِ، ثم قسم الباقى بالسَّويَّة بين الجيش، للفارسِ ثلاثةُ أسهم: سهمٌ له، وسهمانِ لفرسه، وللراجل سهم هذا هو الصحيح الثابت عنه.

وكان يُنَفِّلُ مِن صُلْب الغنيمةِ بحسب ما يراه مِن المصلحةِ، وقيل: بل كان النَّفَلُ مِن الخُمُس، وقيل وهو أضعف الأقوال: بل كان من خُمُسِ الخُمُسِ. وجمع لِسلمةَ بن الأكوع في بعض مغازيه بين سهمِ الراجل والفارس، فأعطاه أربعةَ أسهم لِعظم غَنائِهِ في تلك الغزوة.

وكان يُسَوِّي الضعيف والقوى في القِسمة ما عدا النفل.

وكان إذا أغار في أرض العدوِّ، بعثَ سَرِيَّة بين يديه، فما غَنِمتْ، أخرج خُمُسَهُ، وَنَفَّلَهَا رُبُعَ الباقى، وقسم الباقى بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع، فعل ذلك، ونفَّلها الثلث ومع ذلك، فكان يكرهُ النَّفَلَ،

ويقولُ: "لِيَرُدَّ قَوِيُّ المْؤْمِنِينَ عَلَى ضَعِيفِهِمْ".

وكانَ له ﷺ سَهْمٌ من الغنيمة يُدْعَى الصَّفِيَّ، إن شاء عبدًا، وإن شاء أمةً، وإن شاءَ فرسًا يختارُه قبل الخُمُس.

قالت عائشةُ: "وكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصّفِيِّ" رواه أبو داود. ولهذا جَاءَ في كتابه إلى بني زهير بن أُقَيْش: "إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُم أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وأَنَّ محَمَّدًا رسُولُ اللهِ، وأَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ وَسَهْم النبي ﷺ، وَسَهْمَ الصَّفِيَّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بأَمَانِ الله وَرَسُولِهِ".

وكان سيفُهُ ذُو الفَقَارِ مِن الصَّفِيِّ.

وكان يُسهِمُ لمن غاب عن الوقعةِ لمصلحةِ المُسلمِينَ، كما أسهم لِعثمان سهمَه مِن بدر، ولم يحضُرْهَا لِمكان تمريضه لامرأتِهِ رُقيَّةَ ابنة رسولِ الله ﷺ فقالَ: "إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ في حَاجَةِ الله وحاجة رَسُولِهِ"، فَضَربَ لَهُ سَهْمَه وَأَجْرَهُ.

وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعونَ، وهو يراهم ولا ينهاهم، وأخبره رجل أَنَّهُ رَبحَ ربحًا لم يَرْبحْ أحَدٌ مِثلَهُ، فقال: "ما هو"؟ قال: ما زِلتُ أبيعُ وأبتاعُ حتى رَبِحْتُ ثلاثَمائةِ أُوقيَّة، فقالَ: "أَنَا أُنَبَئُكَ بِخَيْرِ رَجُلٍ رَبِحَ" قَالَ: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصَّلاة".

وكانوا يستأجرون الأُجراء للغزو على نوعين، أحدُهما: أن يخرُج الرجلُ، ويستأجِرَ مَنْ يَخْدِمه في سفرِهِ. والثاني: أن يستأجرَ من ماله مَن يخرج في الجهاد، ويسمون ذلك الجعائل، وفيها قال النبي ﷺ: "للغازي أجرُه، وللجاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الغَازِي".

وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضًا، أحدهما: شركة الأبدان، والثاني: أن يدفع الرَّجلُ بعيرَه إلى الرجل أو فرسه يغزُو عليه على النصف مما يغنمُ حتى ربما اقتسما السَّهْمَ، فأصابَ أحدُهُما قِدْحَهُ، والآخر نصلَه ورِيشَه.

وقال ابنُ مسعود: "اشتركتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وسَعْدٌ فيما نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ أَجِيءْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَىءٍ".

وكان يبعثُ بالسريَّة فُرسانًا تارةً، ورِجَالًا أُخْرَى، وكان لا يُسْهِمُ لِمن قَدِمَ مِن المَدَدِ بعدَ الفتح.

فصل

وكان يُعطى سهمَ ذي القُربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتِهم من بنى عبدِ شمس وبنى نوفل، وقال: "إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَىْءٌ وَاحِدٌ" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وقَالَ: "إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا في جَاهِلِيةٍ ولا إِسْلام".

فصل

وكان المسلمون يُصيبُونَ معه في مغازِيهم العَسَلَ والعِنَبَ والطَّعَامَ فيأكلونه، ولا يرفعُونه في المغانم، قال ابنُ عمر: "إِنَّ جَيْشًا غَنِمُوا في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا، ولم يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الخُمُسُ" ذكره أبو داود.

وانفرد عبدُ الله بنُ المغفَّل يَوْمَ خَيبَر بِجِرَابِ شَحْمٍ، وقال: "لا أُعْطِي اليومَ أحدًا مِنْ هذا شيئًا، فسمِعَهُ رسولُ الله ﷺ، فتبسَّم ولم يَقُلْ له شيئًا".

وقيل لابن أبي أوفى: كُنُتم تُخمِّسُونَ الطعامَ في عهد رسول الله ﷺ؟ فقال: "أصبنا طعامًا يومَ خيبر، وكان الرجلُ يجىء، فيأخذُ منه مِقدَارَ ما يكفيه، ثم ينصرفُ".

وقال بعضُ الصحابةِ: "كنا نأكُلُ الجَوْزَ في الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه حتى إنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إلى رِحالِنَا وأَجْرِبَتُنَا منه مملوءة".

فصل

وكان ينهى في مغازيه عن النُّهْبَة والمُثْلَةِ وقال: "مَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا".

"وأمرَ بالقُدُورِ التي طُبِخَتْ مِنَ النُّهبَى فَأُكْفِئَتْ".

وذكر أبو داود عَنْ رجلٍ من الأنصار قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ، فأصَابَ النَّاسَ حاجَةٌ شديدةٌ وجَهْدٌ، وأصابُوا غنمًا، فانتَهبُوها وإنَّ قُدورنَا لتغلى إذ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يمشى على قوسه، فَأَكْفَأَ قُدورَنَا بقوسِهِ، ثُمَّ جعلَ يُرْمِلُ اللَّحمَ بالترابِ، ثمَّ قال: "إنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ المَيْتَةِ، أو إِنَّ المَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ".

وكان ينهى أن يركبَ الرجلُ دابةً مِن الفيء حتَّى إذا أعجفَهَا، ردَّهَا فيه، وأن يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثوبًا مِن الفيء حتى إذا أخلقَه، ردَّه فيه، ولم يمنع من الانتفاع به حال الحرب.

فصل

وكان يُشدِّدُ في الغُلُولِ جدًا، ويقول: "هُوَ عارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ".

ولما أُصيبَ غلامهُ مِدْعَمٌ قالوا: هنيئًا لَهُ الجَنَّةُ قال: "كَلا وَالذي نفسي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ التي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَر مِنَ الغَنَائِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا" فجاء رجل بِشرَاكٍ أو شِرَاكَيْنِ لما سمِع ذَلِكَ، فقال: "شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِن نارٍ".

وقال أبو هريرة: "قَامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ فَذَكَرَ الغُلُولَ وعَظَّمهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، فَقَالَ: "لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ الله أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى رَقَبَتِهِ صَامتٌ، فَيَقُولُ: يَارَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ الله أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ".

وقال لمن كانَ عَلَى ثَقَلِهِ وقد مَات: "هُوَ في النَّارِ" فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا.

وقالوا في بعضِ غَزَواتِهم: "فُلانٌ شَهِيدٌ، وفُلانٌ شَهِيدٌ حتَّى مرُّوا على رجُلٍ، فَقَالُوا: وفُلانٌ شَهِيدٌ، فقال: "كَلا إِنَّي رَأَيْتُهُ في النَّارِ في بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَة" ثمَّ قالَ رسولُ الله ﷺ: "اذْهَبْ يَا ابنَ الخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ في النَّاسِ: إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا المُؤْمِنُونَ ".

وتُوفي رجلٌ يومَ خيبر، فذكُروا ذلكَ لرسول الله ﷺ فقال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُم" فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لذلِكَ، فَقَالَ: "إنَّ صَاحِبَكُم غَلَّ في سَبِيلِ الله شَيْئًا"، ففتَّشُوا متاعَه، فوجدُوا خَرزًا مِن خرزِ يَهودٍ لا يُساوى دِرْهَمَيْنِ".

وكَانَ إذا أصابَ غَنِيمَةً أمرَ بِلالًا، فنادَى في الناسِ، فيجيؤونَ بِغَنَائِمِهِم، فَيُخَمِّسُه، ويَقْسمُه، فجاء رجلٌ بعد ذلك بِزِمَامٍ مِن شَعر، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "سَمِعْتَ بِلالًا نَاديَ ثَلاثًا؟" قالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟" فاعتذر، فقالَ: "كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ".

فصل

وأمر بتحريقِ متاعِ الغَالِّ وضرِبهِ، وحَرَقَهُ الخليفتانِ الراشِدانِ بعده.

فقيل: هذا منسوخٌ بسائِرِ الأحاديثِ التي ذَكَرْتُ، فإنه لم يَجىء التحريقُ في شىءٍ منها، وقيل - وهو الصواب - إِنَّ هذَا مِن باب التعزِيرِ والعقوباتِ المالية الراجعةِ إلى اجتهاد الأئمة بحسَبِ المصلحة، فإنه حَرَقَ وتَرَكَ، وكذلِكَ خلفاؤهُ مِن بعده، ونظيرُ هذا قتلُ شارِب الخمر في الثَّالثة أو الرَّابعة فليسَ بِحَدٍّ ولا منسوخ، وإنما هو تعزيرٌ يتعلَّق باجتهادِ الإمام.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارىعدل

كان يَمُنُّ على بعضهم، ويقتُلُ بعضَهُم، ويُفادِي بعضَهم بالمال، وبعضَهم بأسرى المسلمينَ، وقد فعل ذلك كلَّه بِحَسَبِ المصلحة، ففادَى أسارى بدرٍ بمالٍ، وقَالَ: "لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًا، ثُمَّ كَلَّمَنى في هؤلاءِ النَّتْنَى، لَترَكْتُهُم له".

وهبطَ عليه في صُلحِ الحديبية ثمانون متسلِّحُونَ يُرِيدون غِرَّته، فأسرهم ثمَّ مَنَّ عليهم.

"وأسرَ ثُمامةَ بن أثال سيِّدَ بني حَنيفَةَ، فرَبَطَه بِسَارِيَةِ المَسْجِدِ، ثم أطلقه فأسلم".

واستشار الصحابة في أسارى بدر، فأشار عليه الصِّدِّيقُ أن يأخُذَ منهم فِديةً تكونُ لهم قوةً على عَدوِّهم ويُطلِقَهم، لعلَّ الله أن يَهدِيهم إلى الإسلام، وقال عمر: "لا والله، ما أرى الذي رأى أبُو بكر، ولكن أَرى أن تُمَكِّنَنَا فَنضرِبَ أعناقَهم، فإنَّ هؤلاء أئمةُ الكفرِ وصناديدُها"، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبُو بكر، ولم يَهْوَ ما قال عُمَرُ، فلما كان مِن الغد، أقبلَ عُمَرُ، فإذا رسولُ الله ﷺ يَبكى هو وأبُو بكر، فقال: "يا رَسُولَ الله؛ مِن أي شىءٍ تبكى أنتَ وصاحِبُكَ، فإن وجدتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإن لم أَجِدْ بكاءً تباكَيْتُ لبكائكما؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَّى أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهمِ الفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُم أدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرة، وَأَنْزَلَ الله: { مَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرضِ } [61]".

وقد تكلَّمَ النَّاسُ، في أي الرأيينِ كان أصوَب، فرجَّحتْ طائِفةٌ، قولَ عُمَرَ لهذا الحديث، ورجَّحت طَائِفةٌ قولَ أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقتِهِ الكِتابَ الذي سَبَقَ مِن اللهِ بإحلالِ ذلك لهم، ولِموافقته الرحمة التي غلبتِ الغضب، ولتشبيه النبي ﷺ له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى ولِحصول الخيرِ العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئكَ الأسْرى، ولخروجِ مَن خرج مِن أصلابهم مِن المسلمين، ولِحصولِ القوة التي حصلت لِلمسلمين بالِفداء، ولموافقةِ رَسولِ الله ﷺ لأبي بكر أوَّلًا، ولِموافقةِ الله له آخرًا حيثُ استقر الأمرُ على رأيه، ولِكمال نظر الصِّدِّيق، فإنه رأى ما يستقِرُّ عليه حُكْمُ اللهِ آخِرًا، وغلَّب جانبَ الرحمةِ على جانبِ العُقُوبة.

قالوا: وأما بكاءُ النبي ﷺ، فإنَّمَا كان رحمةً لِنزول العذابِ لمن أراد بذلك عرضَ الدنيا، ولم يُرِدْ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ، ولا أبو بكر، وإن أرادَه بعضُ الصحابة، فالفتنةُ كانت تَعُمُّ ولا تُصيبُ مَن أرادَ ذلك خاصة، كما هُزِمَ العسكرُ يومَ حُنَين بقول أحدهم: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ" وبإعجاب كثرتهم لِمن أعجبته منهم، فهزم الجَيْشُ بذلك فِتنة ومحنة، ثم استقر الأمرُ على النصر والظفر. والله أعلم.

واستأذنه الأنصارُ أن يترُكُوا لِلعباس عَمِّهِ فِدَاءَه، فَقَالَ: "لا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا".

واستوهب مِن سلمة بنِ الأكوع جارية نَفَلَه إيَّاها أبو بكر في بعض مغازيه، فوهبها له، فبعثَ بها إلى مكَّة، ففدى بها ناسًا مِن المسلمين، وفدى رجلين من المسلمين برجل من عقيل، ورد سبى هوازن عليهم بعد القِسْمَةِ، واستطابَ قلوبَ الغانمين، فطيبَّوا له، وعوَّض مَن لم يُطيب من ذلك بِكُلِّ إنسانٍ سِتَّ فرائض، وقتل عُقبةَ بن أبي مُعيط مِن الأسرى، وقتل النَّضرَ بنَ الحارث لشدة عداوتِهما لله ورسوله.

وذكر الإمامُ أحمد عن ابن عباس قال: "كانَ ناسُ مِن الأسرى لم يَكُنْ لهم مال، فجعلَ رسولُ الله ﷺ فِداءَهم أن يُعلِّمُوا أولادَ الأنصارِ الكِتَابة"، وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل، كما يجوز بالمال.

وكان هديُه أن مَن أسلم قبل الأسر لم يُسترق، وكانَ يسترق سَبْيَ العربِ كما يَسْتَرِقُّ غيَرَهم مِن أهل الكتاب، وكان عند عائشة سبِيَّةٌ منهم فقال: "أعْتِقيها فَإنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعيلَ".

وفي الطبراني مرفوعًا: "مَنْ كَانَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسماعيلَ، فَلْيَعْتِقْ مِنْ بَلْعَنْبَر".

ولما قسم سبايا بنى المُصْطَلِقِ، وقعت جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارث في السبي لثابتِ بنِ قَيْس بن شمَّاس، فكاتبتْهُ على نفسها، فَقَضَى رسُولُ الله ﷺ كِتَابَتَهَا وَتَزَوَّجَها، فأُعتَقَ بِتَزَوُّجِهِ إِياها مائةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ بنى المُصْطَلِقِ إِكرامًا لصهرِ رسولِ الله ﷺ وهى من صريح العرب، ولم يكونوا يتوقَّفُون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطؤونهن بعد الاستبراء، وأباحَ الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: { وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النَّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [62]، فأباح وَطْءَ مُلكِ اليمين، وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتُها بالاستبراء. وقال له سلمة بن الأكوع، لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي: "واللهِ يا رسول الله؛ لقد أعجبتنى، وما كشفتُ لها ثوبًا"، ولو كان وطؤها حرامًا قبل الإسلام عندهم، لم يكن لهذا القول معنى، ولم تكن قد أسلمت، لأنه قد فَدَى بها ناسًا مِن المسلمين بمكة، والمسلِمُ لا يُفادى به، وبالجملةِ فلا نَعرِفُ في أثرٍ واحِدٍ قطُّ اشتراط الإسلام منهم قولًا أو فعلًا في وطء المسبية، فالصوابُ الذي كان عليه هديهُ وهديُ أصحابه استرقاقُ العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام.

فصل

وكان ﷺ يمنعُ التفريقَ في السبي بين الوالدة وولدها، ويقول: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَة" وكان يؤتى بالسبي، فيعطى أهلَ البيت جميعًا كراهية أن يُفرَّق بينهم.

فصل في هديه فيمن جس عليهعدل

ثبت عنه أنه قتل جاسوسًا مِن المشركين. وثبت عنه أنه لم يقتُل حاطبًا، وقد جَسَّ عليه، واستأذنه عمرُ في قتله فقال: " وما يُدْريكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم " فاستدلَّ به مَن لا يرى قتل المسلم الجاسوس، كالشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله، واستدل به مَنْ يرى قتله، كمالك، وابن عقيل مِن أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهما قالوا: لأنه عُلِّل بِعلَّة مانعة مِن القتل منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإسلامُ مانعًا من قتله، لم يُعلَّل بأخصَّ منه، لأن الحكم إذا عُلِّلَ بالأعم، كان الأخص عديمَ التأثير، وهذا أقوى. والله أعلم.

فصل

وكان هديه ﷺ عِتقَ عبيدِ المشركين إذا خرجُوا إلى المسلمين وأسلموا، ويقول: "هُمْ عُتَقَاءُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ". وكان هديُه أنَّ مَن أسلم على شىء في يده، فهو له، ولم ينظُرْ إلى سببه قبل الإسلام، بل يُقِرُّه في يدِهِ كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يُضَمِّنُ المشركينَ إذا أسلموا ما أتلفُوه على المسلمين مِن نفس، أو مال حالَ الحرب ولا قبلَه، وعزم الصِّدِّيقُ على تضمينِ المحاربينَ مِن أهل الرِّدة دياتِ المسلمينَ وأموالهم، فقال عمر: "تلك دماءٌ أُصيبت في سبيل الله، وأُجورُهم على الله، ولا ديةَ لشهيد"، فاتفق الصحابةُ على ما قالَ عمر، ولم يكن أيضًا يَرُدُّ على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها مِنهم الكفارُ قهرًا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم، ولا يتعرَّضُون لها سواء في ذلك العقار والمنقول، هذا هديُه الذي لا شك فيه.

ولما فتح مكة، قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم التي استولى عليها المشركون، فلم يردَّ على واحد منهم داره، وذلك لأنهم تركوها لله، وخرجوا عنها ابتغاءَ مرضاته، فأعاضهم عنها دورًا خيرًا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجِعُوا فيما تركوه لله، بل أبلغُ من ذلك أنه لم يُرخِّصْ للمهاجر أن يُقيم بمكة بعد نُسُكِه أكثرَ مِن ثلاثِ، لأنه قد ترك بلده لله، وهاجر منه، فليس له أن يعودَ يستوطِنهُ، ولهذا رثى لسعد بن خولة، وسمَّاه بائسًا أن ماتَ بمكة، ودُفِنَ بها بعد هجرته منها.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأرض المغنومةعدل

ثبت عنه أنه قسم أرضَ بنى قُريظة وبني النَّضير وخيبر بينَ الغانمين، وأما المدينة، ففُتِحت بالقرآن، وأسلم عليها أهلُها، فأُقِرَّت بحالها. وأما مكة، ففتحها عَنْوَةً، ولم يقسمها، فأشكل على كُلِّ طائفةٍ من العلماء الجمعُ بين فتحها عنوة، وتركِ قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دارُ المناسِكِ، وهي وقفٌ على المسلمين كلِّهم، وهم فيها سواء، فلا يُمْكِنُ قسمتُها، ثم مِن هؤلاء مَن منع بيعهَا وإجارَتها، ومنهم مَن جوَّز بيع رِباعها، ومنع إجارَتها، والشافعي لما لم يجمع بين العَنوةِ، وبين عدم القسمة، قال: إنها فُتِحتْ صُلحًا، فلذلك لم تُقْسم. قال: ولو فُتِحَتْ عَنوة، لكانت غنيمة، فيجبُ قسمتها كما تجب قسمةُ الحيوان والمنقول، ولم يرَ بأسًا من بيع رباع مكة، وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تُورث عنهم وتُوهب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافةَ الملك إلى مالكه، واشترى عمرُ بن الخطاب دارًا مِن صفوان بن أمية، وقيل للنبي ﷺ: أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أو دُورٍ " وكان عقيلُ ورثَ أبا طالب، فلمّا كان أصل الشافعي أن الأرضَ من الغنائم، وأن الغنائم تجبُ قسمتُها، وأن مكَّةَ تُملك وتُباع، ورِباعها ودُورها لم تقسم، لم يجد بُدًا من القولِ بأنها فُتِحَتْ صُلْحًا.

لكن من تأمل الأحاديثَ الصحيحةَ، وجدها كلَّها دالة على قول الجمهور، أنها فتحت عَنوة. ثم اختلفوا لأي شىء لم يقسمها؟ فقالت طائفة: لأنها دار النُّسُك ومحلُّ العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين. وقالت طائفة: الإمام مُخَيّرٌ في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبي ﷺ قسم خيبرَ، ولم يقسم مكة، فدل على جواز الأمرين. قالوا: والأرضُ لا تدخلُ في الغنائمِ المأمورِ بقسمتها، بَل الغنائمُ هي الحيوانُ والمنقولُ، لأن الله تعالى لم يُحِلَّ الغنائم لأمة غير هذه الأُمة، وأحل لهم ديارَ الكفر وأرضهم كما قال تعالى: { وَإِذْ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم } إلى قوله: { يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ التي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ } [63]، وقال في ديارِ فرعون وقومِهِ وأرضهم: { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [64]، فعُلِم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمامُ مخيَّر فيها بحسب المصلحة، وقَد قَسَمَ رسولُ الله ﷺ وترك، وعُمَرُ لم يقسم، بل أقرَّها على حالها وضرب عليها خراجًا مستمرًا في رقبتها يكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع مِن نقل الملك في الرقبة، بل يجوزُ بيعُ هذهِ الأرض كما هو عملُ الأُمة، وقد أجمعوا على أنها تورث، والوقف لا يُورث، وقد نص الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى على أنها يجوزُ أن تُجعل صداقًا، والوقفُ لا يجوز أن يكون مهرًا في النكاح، ولأن الوقفَ إنما امتنع بيعهُ ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حقِّ البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت عنده خراجية، كما كانت عند البائع سواءً، فلا يبطُلُ حق أحدٍ من المسلمين بهذا البيع، كما لم يبطل بالميراث والهبة والصَّداق، ونظيرُ هذا بيعُ رقبة المكاتب، وقد انعقد فيه سببُ الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبًا كما كان عند البائع، ولا يبطل ما انعقد في حقِّه من سبب العتق ببيعه. والله أعلم.

ومما يدلُّ على ذلك أن النبي ﷺ قسم نِصفَ أرضِ خيبر خاصة، ولو كان حكمُها حكمَ الغنيمة، لقسمها كلها بعد الخُمُس، ففي السنن والمستدرك: "أن رسولَ الله ﷺ لما ظهر على خيبر قسمَها على ستةِ وثلاثين سهمًا، جَمَعَ كُلُّ سَهْم مِائَةَ سَهْمٍ، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النِّصفُ من ذلك، وعَزَلَ النِّصفَ الباقى لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائبِ الناسِ". هذا لفظ أبي داود، وفي لفظ: "عزلَ رسولُ الله ﷺ ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، وهو الشطرُ لِنوائبِهِ، وما ينزلُ بهِ من أمر المسلمين، وكان ذَلِكَ الوَطِيحَ والكُتَيْبَةَ، والسُّلالِمَ وتوَابِعَهَا". وفي لفظ له أيضًا: "عزلَ نِصفها لنوائبه وما نزل له: الوَطيحة والكُتيبة، وما أُحيزَ مَعَهُمَا، وعزل النصفَ الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشِّقَّ والنَّطَاةَ، وما أُحيزَ معهما، وكان سهمُ رسول الله ﷺ فيما أُحيز معهما".

فصل

والذي يدل على أن مكة فتحت عَنوة وجوه:

أحدها: أنه لم ينقُلْ أحدٌ قطُّ أن النبي ﷺ صالح أهلها زمنَ الفتح، ولا جاءه أحدٌ مِنهم صالحه على البلدِ، وإنما جاءَهُ أبو سفيان، فأعطاه الأمانَ لِمن دخلَ دارَهُ، أو أغلقَ بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه. ولو كانت قد فتحت صُلحًا، لم يقل: مَن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن، فإن الصلح يقتضى الأمان العام.

الثاني: أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإِنَّهُ أَذِنَ لي فيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَار".

وفي لفظ: "إِنَّهَا لا تَحِلُّ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نهارٍ".

وفي لفظ: " فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَال رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُولْوا: إِنّ الله أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَن لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذنَ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمسِ ". وهذا صريح في أَنَّهَا فتحت عَنوة.

وأيضًا فإنه ثبتَ في الصحيح: أنه جعلَ يومَ الفتحِ خالدَ بْنَ الوليدِ على المُجَنَّبَةِ اليُمْنَى، وجعل الزُّبَيْرَ على المُجَنَّبة اليسرى، وجعَلَ أبا عُبيدة على الحُسَّرِ وبَطْنِ الوَادِي، فَقَالَ: "يَا أبَا هُريَرْة ادْعُ لي الأَنْصار" فجاؤوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْش"؟ قالُوا: نعم، قال: "انْظُرُوا إذا لَقِيتُمُوهُم غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُم حَصْدًا"، وَأَخْفَى بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ على شِمَالِهِ، وقال: "مَوْعِدُكُم الصَّفا"، قال: فما أَشرفَ يَوْمَئِذٍ لهم أحدٌ إلا أناموه، وصَعِدَ رسولُ الله ﷺ الصَّفا، وجَاءَتِ الأَنْصَارُ، فأطافُوا بالصَّفَا، فجاء أبُو سفيانَ فقال: "يا رَسُولَ الله؛ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قريشٍ، لا قُرَيْشٍ بَعْدَ اليَوْمِ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: "مَنْ دَخًلَ دَارَ أبى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ".

وأيضًا فإنَّ أُمَّ هانئ أجارَتْ رجُلًا، فأراد علي بن أبي طالب قتله، فقالَ رسولُ الله ﷺ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانئ".

وفي لفظ عنها: "لمَّا كان يومُ فتحِ مكة، أجرتُ رجلين مِن أحمائي، فأدخلتُهما بيتًا، وأغلقتُ عليهما بابًا، فجاء ابنُ أمي عليٌ فَتَفَلَّتَ عليهما بالسَّيْفِ، فذكرت حديثَ الأمانِ، وقول النبي ﷺ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانىء" وذلك ضُحى بجوف مكة بعد الفتح، فإجارتُها له، وإرادةُ علي رضي الله عنه قتله، وإمضاءُ النبي ﷺ إجارتَهَا صريحٌ في أنها فُتِحَتْ عنوةً.

وأيضًا فإنه أمر بقتل مَقِيسِ بْنِ صُبابة، وابنِ خطل، وجاريتين، ولو كانت فُتِحَتْ صُلْحًا، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكرُ هؤلاء مستثنى من عقد الصلحِ، وأيضًا ففي السنن بإسناد صحيح: "أن النبي ﷺ لمَّا كان يَوْمُ فتحِ مكة، قال: "أَمِّنُوا النَّاسَ إلا امْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ، اقْتُلُوهُم وإنَ وَجَدتْموهُم مُتَعَلِّقينَ بأَسْتَارِ الكَعْبَة " والله أعلم.

فصل

ومنع رسولُ الله ﷺ من إِقَامَةِ المُسْلِم بين المُشْرِكِينَ إِذَا قَدَرَ على الهِجْرَةِ مِن بينهم، وقال: "أنا بَرىءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ". قيل: يَا رسُول الله؛ وَلِمَ؟ قَالَ: "لا تَراءى نَاراهُمَا"، وقال: "مَنْ جامع المُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ"، وقال: "لا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبها"، وقال: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ، بَعْدَ هِجْرَة، فَخِيَارُ أَهْلِ الأرْضِ أَلْزَمُهُم مُهَاجَرَ إِبْرَاهيمَ، وَيَبْقَى في الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُم. تَقْذَرُهُم نَفْسُ الله، وتَحْشُرُهُم النّارُ مَعَ القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ".

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار وأخذ الجزية ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين وإجارة من جاءه من الكفار حتى يسمع كلام الله ورده إلى مأمنه ووفائه بالعهد وبراءته من الغدرعدل

ثبت عنه أنه قال: " ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والملائِكَةِ، والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ الله مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا".

وقال: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم، وَهُمْ يَدٌ على مَنْ سِواهُمْ، ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أَدْناهُم، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعلى نَفْسِهِ، ومَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

وثبت عنه أنه قال: "مَنْ كَانَ بَيْنَه وبَيْنَ قَومٍ عَهْدٌ فَلا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلا يَشُدَّهَا حتَّى يَمْضِي أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ".

وقال: "مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فأَنَا بَرِيءٌ مِنَ القَاتِل".

وفي لفظ: "أُعْطِي لِوَاءَ غَدْر".

وقال: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ عِندَ إسْتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقال: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ ".

ويُذكر عنه أنه قال: "مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلَّا أُديلَ عَلَيْهمُ العَدُوُّ".

فصل

ولما قَدِمَ النبي ﷺ المدينَة، صارَ الكفارُ معه ثلاثة أقسام: قِسم صالَحهم ووادعهم على ألا يُحاربوه، ولا يُظاهِروا عليه، ولا يُوالوا عليه عدوَّه، وهم على كُفرهم آمُنِونَ على دمائهم، وأموالهم. وقسم: حاربوه ونصبوا له العَدَاوة. وقسم: تاركُوه، فلم يُصالِحوه، ولم يُحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمُره، وأمرُ أعدائه، ثم مِن هؤلاء: مَن كان يُحِبُّ ظهورَه، وانتصاره في الباطن، ومنهم: مَن كان يُحِبُّ ظهورَ عدوه عليه وانتصارَهم، ومنهم: مَن دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوِّه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المُنافقون، فعامَلَ كُلَّ طائِفةٍ مِن هذه الطوائف بما أمره به ربُّه تبارك وتعالى.

فصالح يهودَ المدينةِ، وكتب بينهم وبينه كتابَ أمن، وكانوا ثلاثَ طوائفَ حولَ المدينة: بنى قَيْنُقَاع، وبني النَّضير، وبنى قُريظة، فحاربته بنو قَيْنُقَاع بعد ذلك بعدَ بدرٍ، وشَرَقُوا بوقعة بدرٍ، وأظهروا البغيَ والحَسَدَ فسارت إليهم جُنود اللهِ، يَقْدَمُهم عبدُ الله ورسولُه يومَ السبت للنصف من شوَّال على رأس عشرين شهرًا مِن مُهاجَرِه، وكانوا حُلَفاءَ عبدِ الله بن أبي بن سَلول رئيسِ المنافقين، وكانوا أشجعَ يهودِ المدينة، وحامِلُ لواء المسلمين يومئذٍ حمزةُ بنُ عبد المطلب، واستخلف على المدينة أبا لُبابة بنَ عبد المنذر، وحاصرهم خمسة عشر ليلةً إلى هلال ذي القَعْدَةِ، وهم أَوَّلُ مَنْ حارب مِن اليهود، وتحصَّنُوا في حصونهم، فحاصرهم أشدَّ الحِصار، وقذفَ الله في قلوبهم الرُّعبَ الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم، وقذفَه في قلوبهم، فنزلوا على حُكمِ رسولِ الله ﷺ في رِقابهم وأموالِهم، ونِسائهم وذُرِّيَّتِهم، فأمر بهم فكُتِّفُوا، وكلَّمَ عبدُ الله بن أبي فيهِم رسولَ الله ﷺ، وألحَّ عليه، فوهبَهم له، وأمرهم أن يَخرجوا مِن المدينة، ولا يُجاوِرُوه بها، فخرجوا إلى أَذْرِعَاتٍ من أرض الشام، فقلَّ أن لَبِثُوا فيها حتى هَلَكَ أكثرهُم، وكانوا صَاغة وتُجارًا، وكانوا نحَو الستمائة مقاتل، وكانت دارُهم في طرفِ المدينة، وقَبَض مِنهم أموالَهم، فأخذ منها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ قِسيٍّ ودِرعين، وثلاثةَ أسياف، وثلاثَةَ رماح، وخَمَّسَ غَنَائِمهم، وكان الذي تولَّى جمع الغنائم محمدُ بن مسلمة.

فصل

ثم نقض العهد بنُو النضير، قال البخاري: وكان ذَلِكَ بعد بدرٍ بستَّةِ أشهر، قاله عروة: وسببُ ذلكَ أنه ﷺ خرج إليهم في نَفَرٍ من أَصْحَابه، وكلَّمهم أن يُعينُوهُ في دِية الكِلابِيَيْنِ اللَّذَيْنِ قتلَهُمَا عمرُو بنُ أُميَّة الضَّمْرِي، فقالوا: نفعلُ يا أبا القاسم، اجلِس ههنا حتى نَقْضِيَ حاجَتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسوَّلَ لهُم الشيطانُ الشقاء الذي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله ﷺ، وقالوا: أيُّكُم يأخذ هذه الرَّحا ويصعَدُ، فيُلقيها على رأسه يَشْدَخُه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بْنُ جِحَاشٍ: أنا. فقال لهم سلامُ بْنُ مِشْكم: لا تفعلوا؛ فواللهِ ليُخَبَّرَنَّ بما هممتُم به، وإنه لنقضُ العهدِ الذي بيننا وبينَه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما همُّوا به، فنهض مسرعًا، وتوجَّه إلى المدينة، ولَحِقَهُ أصحاُبه، فقالُوا: نهضْتَ ولم نَشْعُرْ بِكَ، فأخبرهم بما همَّتْ يهود به، وبعث إليهم رسولُ الله ﷺ: أن اخرجُوا مِن المدِينةِ، ولا تساكِنُونى بها، وقد أجَّلتُكم عشرًا، فمن وجدتُ بعد ذلك بها، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فأقاموا أيامًا يتجهَّزُونَ، وأرسل إليهم المنافِقُ عبدُ الله بن أُبَيّ: أن لا تَخْرُجُوا مِنْ دياركم، فإن معيَ ألفين يدخلُونَ معكم حِصنكم، فيموتون دُونكم، وتنصُرُكم قُريظةُ وحلفاؤكم مِن غَطَفَان، وطَمِعَ رئيسُهم حُيَيّ بنُ أخطَب فيما قال له، وبعثَ إلى رسول الله ﷺ يقول: إنَّا لا نَخْرُجُ مِن دِيَارِنَا، فاصْنَعْ ما بَدَا لك، فكبَّر رسولُ الله ﷺ وأصحابُه، ونهضُوا إليه، وعليُّ بن أبي طالب يحمِل اللِّواء، فلما انتهى إليهم، قامُوا على حُصونهم يرمُون بالنَّبل والحِجارة، واعتزلتهم قُريظة، وخانهم ابن أبي وحُلفاؤُهم مِن غَطَفَان، ولهذا شبَّه سبحانه وتعالى قِصتهم، وجعل مثلَهم { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ للإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إني بَرِيءٌ مِّنكَ } [65]، فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير، وفيها مبدأ قِصتهم ونِهَايتها، فحاصرَهُم رسولُ الله ﷺ، وقطَعَ نخلهم، وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأَنزلَهم على أن يخرجوا عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلا السلاح، وقبض النبي ﷺ الأموالَ والحَلْقَةَ، وهي السلاح، وكانتْ بنو النضير خالِصةً لرسول الله ﷺ لِنوائبه ومصالحِ المُسلمين، ولم يُخمِّسها لأن الله أفاءها عليه، ولم يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ. وخَمَّسَ قُرَيْظَةَ.

قال مالك: خمَّس رسولُ الله ﷺ قُريظة، ولم يُخَمِّسْ بني النضير، لأن المسلمين لم يُوجِفُوا بخيلهم ولا رِكابهم على بني النضير، كما أوجفوا على قُريظة وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُييَ بنُ أَخْطَب كبيرُهم، وقبضَ السِّلاح، واستولى على أرضهم وديارِهم وأموالهِم، فوجد من السِّلاح خمسينَ دِرعًا، وخمسينَ بَيْضةً، وثلاثَمِائةٍ وأربعين سيفًا، وقالَ: "هؤلاء في قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بنى المُغِيرَةِ في قُرَيْشٍ" وكانت قصتُهم في ربيع الأول سنة أربعٍ مِن الهجرة.

فصل

وأما قُريظة، فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله ﷺ، وأغلظَهم كُفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.

وكان سببُ غزوهم أنَّ رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صُلْحٌ، جاء حُيَيّ بن أخطَب إلى بنى قُريظة في ديارهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها، وأنتم أهلُ الشَّوْكَة والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمدًا ونفرُغ منه، فقالَ لهُ رئيسُهم: بل جئتنى والله بذُلِّ الدهر، جئتنى بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُيَيّ يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حِصنه، يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله ﷺ، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله ﷺ الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: "أبْشِرُوا يا مَعْشرَ المسلمين".

فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ إلى المدينة، لم يكن إلا أن وضع سِلاحه، فجاءه جبريلُ، فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بنى قُريظة، فإني سائرٌ أمامك أُزلزل بهم حصونَهم، وأقذِف في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة، ورسولُ الله ﷺ على أثره في موكبه مِن المهاجرِين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ: "لا يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُم العَصْرَ إِلا في بنى قُرَيْظَةَ"، فبادروا إلى امتثال أمرِه، ونهضُوا مِن فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بنى قُريظة كما أمرنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك، وإنما أراد سُرعة الخروج، فَصَلَّوْهَا في الطريق، فلم يُعنِّفْ واحدة من الطائفتين.

واختلف الفقهاء أَيُّهمَا كان أصوَب؟ فقالت طائفةٌ: الذين أخَّروها هم المُصيبُون، ولو كُنَّا معهم، لأخَّرناها كما أخَّرُوها، ولما صلَّيْنَاها إلا في بنى قُريظة امتثالًا لأمره، وتركًا للتأويل المخالف للظاهر.

وقالت طائفة أخرى: بل الذين صَلَّوْها في الطريق في وقتها حازوا قَصَبَ السَّبْقِ، وكانوا أسعدَ بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج، وبادرُوا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادرُوا إلى اللِّحاق بالقوم، فحازوا فضيلةَ الجهاد، وفضيلةَ الصلاة في وقتها، وفهِمُوا ما يُراد منهم، وكانوا أفقهَ من الآخرين، ولا سيما تلك الصلاةَ، فإنها كانت صلاة العصر، وهي الصلاةُ الوسطى بنصِ رسول الله ﷺ الصحيح الصريح الذي لا مدفعَ له ولا مطعن فيه، ومجىء السُّنَّة بالمحافظة عليها، والمبادرة إليها، والتبكير بها، وأن مَن فاتته، فقد وُتِرَ أهله وماله، أو قد حَبِطَ عملُه، فالذي جاء فيها أمرٌ لم يجىء مثلُه في غيرها، وأما المؤخِّرون لها، فغايتهم أنهم معذورون، بل مأجورون أجرًا واحدًا لتمسُّكِهم بظاهر النص، وقصدهم امتِثَال الأمر، وأما أن يكونوا هم المصيبين في نفس الأمر، ومَن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئًا، فحاشا وكلا، والَّذِينَ صلَّوْا في الطريق، جمعوا بين الأدلة، وحصَّلُوا الفضيلتين، فلهم أجران، والآخرون مأجورون أيضًا رضي الله عنهم.

فإن قيل: كان تأخيرُ الصلاة للجهاد حينئذ جائزًا مشروعًا، ولهذا كان عَقِبَ تأخير النبي ﷺ العصر يوم الخندق إلى الليل، فتأخيرُهم صلاة العصر إلى الليل، كتأخيره ﷺ لها يَوم الخندق إلى الليل سواء، ولا سيما أن ذلك كان قبل شروع صلاة الخوف.

قيل: هذا سؤال قوى، وجوابه من وجهين.

أحدهما: أن يقال: لم يَثبُت أن تأخيرَ الصلاةِ عن وقتها كان جائزًا بعد بيانِ المواقيت، ولا دليلَ على ذلِكَ إلا قصةُ الخندق، فإنها هي التي استدلّ بها مَنْ قال ذلك، ولا حُجَّةَ فيها لأنه ليس فيها بيانُ أن التأخير من النبي ﷺ كان عن عمد، بل لعله كان نسيانًا، وفي القصة ما يُشْعِرُ بذلك، فإن عمر لما قال له: يا رسول الله، ما كِدْتُ أُصَلِّي العصر حتى كادت الشمس تغُربُ، قال رسول الله ﷺ: "واللهِ مَا صَلَّيْتُه" ثم قام، فصلاها. وهذا مشعر بأنه ﷺ كان ناسيًا بما هو فيه مِن الشغل، والاهتمام بأمر العدو المحيطِ به، وعلى هذا يكون قد أخَّرَها بعذر النسيان، كما أخَّرها بعُذر النوم في سفره، وصلاها بعد استيقاظه، وبعد ذكره لِتَتَأَسَّى أُمَّتُه به.

والجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوفِ والمُسايفة عند الدَّهش عن تعقُّلِ أفعالِ الصلاة، والإتيان بها، والصحابةُ في مسيرهم إلى بنى قُريظة، لم يكونوا كذلك، بل كان حكمُهم حكمَ أسفارهم إلى العدو قبل ذلك وبعدهُ، ومعلومٌ أنهم لم يكونوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، ولم تكن قُريظة ممن يخاف فوتهم، فإنهم كانوا مقيمين بدارهم، فهذا منتهى أقدام الفريقين في هذا الموضع.

فصل

وأعطى رسول الله ﷺ الرايةَ علي بن أبي طالب، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بنى قُريظة، وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد عليهم الحِصَارُ، عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريَهم، ويخرجوا إليه بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بِه، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا على رسول الله ﷺ وأصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت، لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم فيه، فأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن، فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لُبابة بنَ عبد المنذر نستشيرُه، فلما رأوه، قاموا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لُبابة؛ كيف ترى لنا أن ننزِل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشارَ بيده إلى حلقه يقول: إنه الذَّبح، ثم عَلِمَ مِن فوره أنه قد خان الله ورسولَه، فمضى على وجهه، ولم يَرْجعْ إلى رسولِ الله ﷺ حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارِيَة المسجد، وحلف ألا يحلَّه إلا رسولُ الله ﷺ بيده، وأنه لا يدخلُ أرضَ بنى قُريظة أبدًا، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك، قال: "دَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ اللهَ عَلَيْهِ" ثم تاب الله عليه، وحلَّه رسولُ الله ﷺ بيده، ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسول الله ﷺ فقامَت إليه الأوسُ، فقالوا: يا رَسُولَ الله؛ قد فعلتَ في بنى قَيْنُقَاع ما قد عَلِمْتَ وهم حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسِنْ فيهم، فقال: "ألا تَرْضوَْنَ أَنْ يَحْكُم فِيِهمْ رَجُلٌ مِنْكُم"؟ قالوا: بلى. قال: "فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذ". قالوا: قد رضينا، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرُج معهم لجُرح كان به، فأُرْكِبَ حمارًا وجاء إلى رسولِ الله ﷺ، فجعلُوا يقولون له وهم كَنَفتاهُ: يا سَعْدُ؛ أجمل إلى مواليَك، فأحْسِن فيهم، فإن رسولَ الله ﷺ قد حكَّمك فِيهم لِتُحْسِنَ فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئًا، فلما أكثرُوا عليه، قال: لقد آن لِسعد ألا تأخذه في اللهِ لومةُ لائم، فلما سَمِعُوا ذلِكَ منه، رجعَ بعضُهم إلى المدينة، فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى سعد إلى النبي ﷺ، قال للصحابة: "قُومُوا إلَى سَيِّدكُم" فلما أنزلُوهُ، قالوا: يا سعدُ؛ إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حُكمك، قال: وحكمى نافِذٌ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَن هاهنا وأعرض بوجهِهِ، وأشار إلى ناحية رسولِ الله ﷺ إجلالًا له وتعظيمًا؟ قال: "نعم، وعليَّ". قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبيَ الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله ﷺ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات" وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن سُعْدَى، فانطلق فلمْ يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخُول معهم في نقض العهد، فلما حكم فيهم بذلك، أمرَ رسولُ الله ﷺ بقتل كُلِّ مَن جرت عليه الموسى منهم، ومَن لم يُنْبتْ أُلحِقَ بالذُرِّية، فحفر لهم خنادِقَ في سوق المدينة، وضُرِبَتْ أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يُقتل مِن النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طَرحَتْ على رأس سويد بن الصامت رحى، فقتلته، وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعبُ؛ ما تراه يصنَعُ بنا؟ فقال: أفى كل موطن لا تعقِلُونَ؟ أما ترون الداعي لا يَنْزعُ، والذاهِبُ منكم لا يرجعُ، هو واللهِ القتلُ.

قال مالك في رواية بن القاسم: قال عبد الله بن أبي لِسعد بن معاذ في أمرهم: إنهم أحد جناحَيَّ، وهم ثلاثُمائَةِ دارع وستمائة حاسر، فقال: قد آن لسعد ألا تأخذه في اللهِ لومة لائم، ولما جىء بحُيَيّ بن أخطب إلى بين يديه، ووقع بصُره عليه، قال: أما والله ما لُمتُ نفسي في معاداتك، ولكن مَنْ يُغَالِب اللهَ يُغلبْ، ثم قال: يا أيُّها الناس؛ لا بأسَ قدر الله وملحمةٌ كتبت على بنى إسرائيل، ثم حبس، فضربتْ عنقُه. واستوهب ثابت بن قيس الزبيرَ بن باطا وأهلهُ ومالَهُ من رسول الله، فوهبهم له، فقال له ثابت بن قيس: قد وهبك لي رسولُ الله ﷺ ووهب لي مالك وأهلك، فهم لك. فقال: سألتُكَ بيدى عندك يا ثابتُ إلا ألحقتنى بالأحبَّةِ، فضرب عنقه، وألحقه بالأحبة من اليهود، فهذا كُلُّهُ في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِبَ كُلِّ غزوة من الغزوات الكبار.

فغزوة بنى قَيْنُقَاع عقب بدر، وغزوة بني النَّضير عقب غزوة أُحُد، وغزوة بنى قُريظة عقب الخندق.

وأما يهود خيبر، فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى.

فصل

وكان هَدْيُه ﷺ أنه إذا صالح قومًا فَنَقَضَ بعضُهم عهده، وصُلْحه، وأقرَّهم البَاقُونَ، ورضُوا به، غزا الجميعَ، وجعلهم كُلَّهُم ناقضين، كما فعل بِقُريظة، والنَّضير، وبنى قَيْنُقَاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سُنَّته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يَجرِيَ الحُكْمُ في أهل الذِّمة كما صرَّح به الفقهاءُ من أصحاب أحمد وغيرهم، وخالفهم أصحابُ الشافعي فخصُّوا نقضَ العهد بمن نقضه خاصةً دون من رَضِيَ به، وأقرَّ عليه، وفرَّقُوا بينهما بأن عقد الذِّمة أقوى وآكدُ، ولهذا كان موضوعًا على التأبيد، بخلافِ عقد الهدنة والصلح.

والأوَّلون يقولون: لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وعقد الذِّمة لم يُوضع للتأبيد، بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه، فهو كعقدِ الصُّلح الذي وضع للهُدنة بشرط التزامِهم أحكامَ ما وقع عليه العقدُ، قالوا: والنبي ﷺ لم يُوَقِّتْ عقدَ الصلح والهُدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة، بل أطلقه ما داموا كافِّين عنه، غيرَ محاربين له، فكانت تِلك ذمَّتهم، غير أن الجِزيةَ لم يكن نزل فرضُها بعدُ، فلما نزل فرضُها، ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد، ولم يغير حكمه، وصار مقتضاها التأبيد، فإذا نقض بعضهُم العهد، وأقرَّهم الباقُون، ورضُوا بذلك، ولم يُعلِموا به المسلمين، صارُوا في ذلك كنقض أهل الصلح، وأهل العهد والصلح سواء في هذا المعنى، ولا فرْق بينهما فيه، وإن افترقا من وجه آخر.

يُوضِّحُ هذا أن المقرَّ الراضي الساكت إن كان باقيًا على عهده وصُلحه، لم يجز قِتالُه ولا قتلُه في الموضعين، وإن كان بذلك خارجًا عن عهده وصلحه راجعًا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح، لم يفترِقِ الحالُ بين عقد الهُدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف يكون عائدًا إلى حاله في موضع دون موضع، هذا أمر غيرُ معقول. توضيحُه: أن تجدد أخذِ الجزيةِ منه، لا يُوجب له أن يكونُ مُوفيًا بعهده مع رضاه، وممالأته ومواطأته لمن نقض، وعدم الجزية يُوجب له أن يكون ناقضًا غادرًا غيرَ موفٍ بعهده، هذا بيِّن الامتناع.

فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين، وهو الذي دلَّت عليه سُنَّة رسول الله ﷺ في الكفار، وعدم النقض في الصورتين، وهو أبعدُ الأقوالِ عن السُّنَّة، والتفريق بين الصورتين، والأُولى أصوبها وبالله التوفيق.

وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمرِ لما أحرقت النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودورَهم، ورامُوا إحراقَ جامِعهم الأعظم حتَّى أحرقوا منارته، وكاد لولا دفعُ الله أن يحترِقَ كُلُّهُ، وعلم بذلك مَن علم من النصارى، وواطؤوا عليه وأقروه، ورضوا به، ولم يُعلِمُوا وليَّ الأمر، فاستفتى فيهم وليُّ الأَمرِ مَن حضره من الفقهاء، فأَفتيناه بانتقاض عهد مَن فعل ذلك، وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضى به، وأقر عليه، وأن حدَّه القتلُ حتمًا، لا تخيير للإمام فيه، كالأسير، بل صار القتل له حَدًّا، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حَدًّا ممن هو تحت الذِّمة، ملتزمًا لأحكام الله بخلاف الحربى إذا أسلم، فإن الإسلام يعصم دمه وماله، ولا يُقْتَلُ بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حُكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوصُ الإمام أحمد وأُصوله، ونص عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، وأفتى به في غير موضع.

فصل

وكان هَدْيُه وسُنَّته إذا صالح قومًا وعاهدهم، فانضاف إليهم عدوٌ له سواهم، فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون، فدخلوا معه في عقده، صار حُكم مَن حارب مَن دخل معه في عقده من الكفار حكم مَن حاربه، وبهذا السبب غزا أهل مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشرَ سنين، تواثبتْ بنو بكر بن وائل، فدخلت في عهد قريش، وعقدها، وتواثبت خُزاعة، فدخلت في عهد رسول الله ﷺ وعقده، ثم عدت بنو بكر على خُزاعة فبيتتهم، وقتلت منهم، وأعانتهم قريشٌ في الباطن بالسلاح، فعدَّ رسول الله ﷺ قريشًا ناقضين للعهد بذلك، واستجاز غزو بني بكر بن وائل لِتعدِّيهم على حُلفائه، وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.

وبهذا أفتى شيخُ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانُوا عدوَّ المُسلمين على قتالهم فأمدُّوهم بالمالِ والسلاح، وإن كانوا لم يَغزونا ولم يُحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريشٌ عهد النبي ﷺ بإعانتهم بني بكر ابن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهلُ الذمة المشركينَ على حرب المسلمين. والله أعلم.

فصل

وكانت تَقْدَمُ عليه رُسُلُ أعدائه، وهم على عداوته، فلا يَهيجُهم، ولا يقتُلُهُم، ولما قَدِمَ عليه رسولا مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب: وهما عبد الله بن النواحة وابنُ أُثال، قال لهما: "فَمَا تَقُولانِ أَنْتُمَا"؟ قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ: "لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقكُمَا" فجرت سُنَّته أَلَّا يُقتلَ رسولٌ.

وكان هَديه أيضًا ألا يُحبس الرسولَ عنده إذا اختار دِينه، فلا يمنعه مِن اللحاق بقومه، بل يردُّه إليهم، كما قال أبو رافعٌ: بعثتنى قُريشٌ إلى النبي ﷺ، فلما أتيتُهُ، وقع في قلبى الإسلام، فقلت: يا رَسولَ الله؛ لا أرجع إليهم. فقال: "إني لا أَخِيسُ بِالعَهْدِ، ولا أحْبِسُ البُرُدَ، ارْجعْ إليهم، فَإِنْ كَانَ في قَلْبِكَ الذي فيهِ الآن، فارْجع".

قال أبو داود: وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسولُ الله ﷺ أن يردَّ إليهم مَن جاء منهم، وإن كان مسلمًا، وأما اليومَ، فلا يصلُح هذا. انتهى.

وفي قوله: "لا أحْبِسُ البُرُد" إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسُل مطلقًا، وأما ردُّه لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط، كما قال أبو داود، وأما الرسلُ، فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله.

وكان من هَديه، أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهد لا يضُرُّ بالمسلمين من غير رضاه، أمضاه لهم، كما عاهَدُوا حُذَيْفَةَ وَأَبَاه الحُسَيلَ أن لا يُقَاتِلاهم مَعَه ﷺ، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: "انْصَرِفا، نَفِي لَهُم بعهدهم، ونَسْتَعينُ اللهَ عَلَيهم".

فصل

وصالح قريشًا على وضع الحرب بينَه وبينَهم عشرَ سنين، على أن مَن جاءه منهم مسلمًا ردَّهُ إليهم، ومَنْ جاءَهُم مِن عنده لا يردُّونه إليه، وكان اللفظُ عامًا في الرجال والنساء، فنسخَ الله ذلك في حقِّ النساء، وأبقاه في حقِّ الرجال، وأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يمتحنُوا مَن جاءهم مِن النساء، فإن عَلِمُوهَا مؤمِنةً، لم يردُّوها إلى الكُفَّار، وأمرهم بردِّ مهرها إليهم لما فات على زوجها مِن منفعة بُضعها، وأمر المسلمين أن يردُّوا على مَن ارتدَّتِ امرأتُهُ إليهم مهرَها إذا عاقبوا، بأن يجبَ عليهم ردُّ مهرِ المهاجرةِ، فيردونه إلى مَن ارتدَّت امرأتُهُ، ولا يردونها إلى زوجها المشرك، فهذا هو العِقابُ، وليس مِن العذاب في شىء، وكان في هذا دليل على أن خروج البُضع مِن ملك الزوج متقوَّم، وأنه متقوَّمٌ بالمسمَّى الذي هو ما أنفق الزوجُ لا بمهرِ المثل، وأن أنكحة الكفار لها حُكم الصحة، لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردُّ المسلمة المهاجرة إلى الكفَّارِ ولو شرط ذلك، وأن المسلمة لا يَحِلُّ لها نكاحُ الكافر، وأن المسلم له أن يتزوَّجَ المرأة المهاجرة إذا انقضت عدَّتُها، وآتاها مهرَها، وفى هذا أبينُ دلالة على خروج بُضعها مِن ملك الزوج، وانفساخِ نكاحها منه بالهجرة والإسلام.

وفيه دليلٌ على تحريمِ نكاحِ المشركة على المسلم، كما حرم نكاحُ المسلمة على الكافر.

وهذه أحكامُ استفيدت من هاتين الآيتين، وبعضُها مجمع عليه، وبعضُها مختلف فيه، وليس مع مَن ادعى نسخَها حُجَّةٌ البتة، فإن الشرطَ الذي وقع بين النبي ﷺ وبين الكفار في ردِّ مَن جاءه مسلمًا إليهم، إن كان مختصًا بالرجال، لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًا للرجال والنساء، فالله سبحانه وتعالى خصّص منه ردَّ النساء ونهاهم عن ردِّهن، وأمرهم بِرَدِّ مهورِهنّ، وأن يردوا منها على مَن ارتدَّت امرأتُه إليهم من المسلمين المهرَ الذي أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمُه الذي يحكُمُ به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحِكمته، ولم يأت عنه ما يُنافى هذا الحكم، ويكونُ بعده حتى يكون ناسخًا.

ولما صالحهم على ردِّ الرجالِ، كان يُمكِّنهم أن يأخذوا مَن أتى إليه منهم، ولا يُكْرِهُهُ على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالًا، وقد فصل عن يده، ولما يلحق بهم، لم يُنْكِرْ عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره، ولا في قبضته، ولا أمرَه بذلك، ولم يقتضِ عقدُ الصلح الأمانَ على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره، وفى قبضته، كما ضَمِنَ لبنى جُذَيْمَةَ ما أتلفه عليهم خالدٌ مِن نفوسهم وأموالهم، وأنكره، وتبرأ منه. ولما كان إصابُته لهم عن نوع شُبهة، إذْ لم يقولُوا: أسلمنا، وإنما قالوا: صبأنَا، فلم يَكُنْ إسلامًا صريحًا، ضَمِنهم بنصف دياتِهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين قد عصمُوا نفوسَهم وأموالهم بعقدِ الذمة ولم يدخلوا في الإسلام، ولم يقتض عهدُ الصلح أن ينصُرَهم عَلى مَن حاربهم ممن ليس في قبضة النبي ﷺ وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعَاهَدِينَ إذا غزاهُم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفى يده، وإن كانوا من المسلمين أنه لا يجِبُ على الإمام ردُّهم عنهم، ولا منعُهم من ذلك، ولا ضمانُ ما أتلفوه عليهم.

وأخذُ الأحكام المتعلقةِ بالحرب، ومصالح الإسلام، وأهلِه، وأمره، وأمورِ السياسات الشرعية من سيره، ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال، فهذا لون، وتلك لون. وبالله التوفيق.

فصل

وكذلك صالحَ أهلَ خيبرَ لما ظهر عليهم على أن يُجْلِيَهُمْ منها، ولَهُمْ ما حملَتْ رِكَابُهم، ولرسولِ الله ﷺ الصَّفراءُ والبيضَاءُ، والحَلْقَةُ، وهي السلاح. واشترط في عقد الصلح ألا يكتُموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلُوا، فلا ذِمة لهم، ولا عهد، فغيَّبُوا مَسْكًا فيه مال وَحُلِيٌ لِحُيَيّ بنِ أَخْطَب كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت النضيرُ، فقال رسولُ الله ﷺ لعم حُيَيّ ابنِ أَخطب، واسمه سَعْيةُ: "مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جَاءَ بهِ مِنَ النَّضير"؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: "العَهْدُ قَرِيبٌ، والمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ". وقد كان حُيَيّ قُتِلَ مع بنى قُريظة لمَّا دخل معهم، فدفع رسولُ الله ﷺ عمَّه إلى الزُّبير ليستقِرَّه، فَمَسَّهُ بعذاب، فقال: "قَدْ رَأَيْتُ حُييًّا يَطُوفُ في خَربَةٍ ههنا. فذهبوا فطافُوا، فوجدوا المَسك في الخَرِبَةَ، فقتلَ رسولُ الله ﷺ ابنى أبى الحُقَيْقِ، وأحدهما زوج صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا، وأرادَ أن يُجليهم مِن خيبر، فقالوا: دعنا نكون في هذه الأرض نُصلِحُهَا ونقومُ عليها، فنحنُ أعلمُ بها منكم، ولم يكن لِرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غِلمان يكفونهم مؤنتها، فدفعها إليهم على أن لِرسُولِ الله ﷺ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ شىءٍ يخرُج منها مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَلَهُمُ الشَّطْرُ، وعَلَى أَنْ يُقِرَّهُم فِيهَا مَا شَاء.

ولم يعمَّهم بالقتل كما عمَّ قُريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد، وأما هؤلاء فالذين عَلِمُوا بالمَسك وغيَّبُوه وشرطوا له إن ظهر فلا ذِمة لهم ولا عهد، فإنه قتلَهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعدَّ ذلك إلى سائر أهلِ خيبر، فإنه معلوم قطعًا أن جميعَهم لم يعلمُوا بمَسك حُيَيّ، وأنه مدفون في خَرِبَةٍ، فهذا نظيرُ الذِّميِّ والمعاهَدِ إذا نقض العهدَ، ولم يُمالِثه عليه غيرُه، فإن حكم النقض مختصٌ به.

ثم في دفعه إليهم الأرضَ على النصف دليل ظاهر على جواز المساقاة والمزارعة، وكون الشجر نخلًا لا أثر له البتة، فحكم الشىء حكم نظيره، فَبَلَدٌ شجرُهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم بلد شجرُهُمْ النخل سواء، ولا فرق.

وفي ذلك دليل على أنه لا يُشترط كونُ البذر من ربِّ الأرضِ، فإنَّ رسول الله ﷺ صالحهم عن الشطر، ولم يُعْطِهم بذرًا البتة، ولا كان يُرسِلُ إليهم بِبِذر، وهذا مقطوع به مِن سِيرته، حتى قال بعضُ أهل العلم: إنه لو قِيل باشتراط كونه مِن العامل، لكان أقوى من القول باشتراط كونِه من ربِّ الأرض، لموافقته لِسُنَّة رسولِ الله ﷺ في أهل خيبر.

والصحيح: أنه يجوز أن يكون من العامل، وأن يكونَ مِن ربِّ الأرض، ولا يُشترط أن يختصّ به أحدُهما، والذين شرطُوه من ربِّ الأرض، ليس معهم حُجةٌ أصلًا أكثرَ من قياسهم المزارعة على المُضاربة، قالوا: كما يُشترط في المضاربة أن يكون رأسُ المالِ مِن المالك، والعملُ من المضارب، فهكذا في المزارعة، وكذلك في المساقاة يكون الشَّجرُ مِن أحدهما، والعملُ عليها من الآخر، وهذا القياسُ إلى أن يكون حجةً عليهم أقربُ من أن يكون حجةً لهم، فإن في المضاربة يعودُ رأسُ المال إلى المالك، ويقتسمان الباقى، ولو شرط ذلك في المزارعة، فسدت عندهم، فلم يُجْرُوا البِذْرَ مجرى رأس المال، بل أجَروْهُ مجرى سائر البقل، فبطل إلحاق المزارعة بالمضاربة على أصلهم.

وأيضًا فإن البذر جارٍ مجرى الماء، ومجرى المنافع، فإن الزرعَ لا يتكون وينمُو به وحده، بل لا بُد من السقي والعملِ، والبِذرُ يموتُ في الأرض، ويُنشىء الله الزرعَ مِن أجزاء أُخر تكون معه من الماء والريح، والشمسِ والتراب والعمل، فحكم البذرِ حكمُ هذه الأجزاء.

وأيضًا فإن الأرض نظيرُ رأس المال في القِراض، وقد دفعها مالكُها إلى المُزارع، وبِذرُها وحرثُهَا وسقيُهَا نظيرُ عمل المضارب، وهذا يقتضى أن يكون المزارع أولى بالبِذر مِن ربِّ الأرض تشبيهًا له بالمضارب، فالذي جاءت به السُّنَّة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأُصوله.

وفي القصةِ دليل على جواز عقدِ الهُدنة مطلقًا مِن غير توقيت، بل ما شاء الإمامُ، ولم يجىء بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصوابُ جوازه وصحته، وقد نصَّ عليه الشافعي في رِواية المزنى، ونص عليه غيرُه من الأئمة، ولكن لا ينهضُ إليهم ويُحاربهم حتى يُعْلِمَهُمْ على سواء ليستووا هُمْ وهُوَ في العلم بنقض العهد.

وفيها دليل على جواز تعزيرِ المتهم بالعُقُوبة، وأن ذلك مِن السياسات الشرعية، فإنَّ الله سبحانه كان قادرًا على أن يَدُلَّ رسول الله ﷺ على موضع الكنز بطريق الوحي، ولكن أراد أن يَسُنَّ لِلأُمَّةِ عقوبةَ المتهمين، ويُوسِّعَ لهم طُرُقَ الأحكام رحمة بهم، وتيسيرًا لهم.

وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صِحةِ الدَّعوى وفسادها، لقوله ﷺ لِسِعْيَةَ لما ادَّعى نفادَ المال: "العَهْدُ قَرِيبٌ، والمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ".

وكذلك فعل نبي الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أم الطفل الذي ذهب به الذئب، وادَّعت كل واحدة من المرأتين أنه ابنُها، واختصمتا في الآخر، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا إلى سُليمان، فقال: بِم قَضَى بَيْنَكُمَا نبي الله؟ فأخبرتاه. فقال: ائتوني بالسِّكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعلْ رحمك الله، هو ابنُهَا، فقضى به للصغرى فاستدل بقرينةِ الرحمة والرأفة التي في قلبها، وعدم سماحتها بقتله وسماحة الأخرى بذلك، لتصير أُسوتها في فقد الولد على أنه ابن الصغرى.

فلو اتفقت مثلُ هذه القضية في شريعتنا، لقال أصحابُ أحمد والشافعي ومالك رحمهم الله: عمل فيها بالقافة، وجعلوا القافة سببًا لترجيح المدعى للنسب رجلًا كان أو امرأةً.

قال أصحابُنا: وكذلك لو ولدت مسلمةُ وكافرةُ وَلَدَيْنِ، وادَّعَتِ الكافرةُ ولد المسلمة، وقد سُئل عنها أحمد، فتوقف فيها. فقيل له: ترى القافة؟ فقال: ما أحْسَنَهَا، فإن لم تُوجد قافةٌ، وحكم بينهما حاكم بمثل حُكم سليمان، لكان صوابًا، وكان أولى من القُرعة، فإنَّ القُرعة إنما يُصار إليها إذا تساوى المدعيانِ من كل وجه، ولم يترجَّحْ أحدُهما على الآخر، فلو ترجَّح بيد أو شاهد واحد، أو قرينة ظاهرة مِن لَوْثٍ، أو نُكولِ خصمه عن اليمين، أو موافقةِ شاهد الحال لصدقه، كدعوى كل واحد من الزوجين ما يصلُح له من قماش البيت والآنية، ودعوى كل واحد من الصانعين آلات صنعته، ودعوى حاسِر الرأس عن العمامة عمامة مَن بيده عمامة، وهو يشتد عدوًا، وعلى رأسه أخرى، ونظائر ذلك، قُدِّمَ ذلِكَ كله على القُرْعة.

ومن تراجم أبى عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان: "هذا باب، الحكم يُوهم خِلافَ الحق، ليستعلم به الحقَّ"، والنبي ﷺ لم يقص علينا هذه القصة لنتخذها سمرًا، بل لنعتبرَ بها في الأحكام، بل الحكم بالقَسامة وتقديم أيمان مدعى القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجمُ الملاعنة إذا التعنَ الزوجُ ونكَلَتْ عن الالتعان. فالشافعي ومالك رحمهما الله، يقتلانِها بمجرد التعان الزوج، ونكولها استنادًا إلى اللَّوْثِ الظاهر الذي حصل بالتعانه، ونكولها.

ومن هذا ما شرعه الله سبحانه وتعالى لنا مِن قبول شهادة أهلِ الكتاب على المسلمين في الوصيةِ في السفر، وأن وليي الميت إذا اطَّلعا على خِيانة من الوصيين، جاز لهما أن يحلفا ويستحقا ما حلفا عليه، وهذا لوثٌ في الأموال، وهذا نظير اللَّوثِ في الدماء، وأولى بالجواز منه، وعلى هذا إذا اطلع الرجلُ المسروقُ مالُه على بعضه في يد خائِنٍ معروفٍ بذلك، ولم يتبين أنه اشتراه من غيره، جاز له أن يَحْلِفَ أن بقية ماله عنده، وأنه صاحبُ السرقة استنادًا إلى اللَّوث الظاهر، والقرائن التي تكشف الأمر وتوضحه، وهو نظيرُ حَلفِ أولياءِ المقتولِ في القَسَامَةِ أَن فلانًا قتله: سواء، بل أمرُ الأموالِ أسهلُ وأخفُّ، ولذلك ثبت بشاهدٍ ويمينٍ، وشاهدٍ وامرأتين، ودعوى ونكولٍ، بخلاف الدماء. فإذا جاز إِثْباتُهَا باللَّوثِ، فإثباتُ الأموال به بالطريق الأولى والأحرى.

والقرآن والسُّنَّة يدلان على هذا وهذا، وليس مع مَن ادَّعى نسخَ ما دلَّ عليه القرآن من ذلك حُجَّةُ أصلًا، فإن هذا الحكم في سورة "المائدة"، وهي مِن آخر ما نَزَلَ مِن القرآن، وقد حكم بموجبِهَا أصحابُ رسول الله ﷺ بعدَه، كأبي موسى الأشعرى، وأقرَّه الصحابةُ.

ومن هذا أيضًا ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف مِن استدلال الشاهد بِقرينةِ قَدِّ القميصِ مِنْ دُبُرٍ على صِدقه، وكذبِ المرأة، وأنه كان هاربًا مُوَلِّيًا، فأدركته المرأةُ مِن ورائه، فجبذته، فقدَّت قميصه مِنْ دُبُرٍ، فعلم بعلُها والحاضرونَ صدقه، وقبلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ ذنبها، وأمروها بالتوبة، وحكاه الله سبحانه وتعالى حكاية مقرِّرٍ له غيرِ منكر، والتَّأَسِّي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرَّدِ حكايته، فإنه إذا أخبر به مقرًا عليه، ومُثنيًا على فاعله، ومادحًا له، دل على رضاه به، وأنه موافق لحكمه ومرضاته، فليُتَدَبَّر هذا الموضعُ، فإنه نافع جدًا، ولو تتبعنا ما في القرآن والسُّنَّة، وعمل رسول الله ﷺ وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن نُفْرِدَ فيهِ مصنفًا شافيًا إن شاء الله تعالى. والمقصود: التنبيه على هَديه، واقتباس الأحكام من سيرته، ومغازِيهِ، ووقائعه صلواتُ الله عليه وسلامه.

ولما أَقَرَّ رسولُ الله ﷺ أهل خيبر في الأرض، كان يبعثُ كلَّ عام مَن يَخْرُصُ عليهم الثمارَ، فينظُرُ: كَمْ يُجنى منها، فَيُضمنهم نصيبَ المسلمين، ويتصرفون فيها.

وكان يكتفى بخارص واحد. ففي هذا دليل على جواز خَرْصِ الثمار البادى صلاحُها كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رؤوس النخل، ويصيرُ نصيبُ أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعد لمصلحة النماء، وعلى أن القسمة إفراز لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد، وقاسمٍ واحد، وعلى أنَّ لِمن الثمارُ في يده أن يتصرَّف فيها بعد الخرص، ويَضْمَن نصيبَ شريكه الذي خرص عليه.

فلما كان في زمن عمر، ذهب عبدُ الله ابنه إلى ماله بخيبر، فَعَدَوْا عليه، فألقوه من فوق بيت، ففكُّوا يده فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين مَن كان شهد خيبر من أهل الحُديبية.

فصل

وأما هَديه في عَقد الذِّمة وأخذِ الجزية، فإنَّهُ لم يأخذ مِن أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول سورة "براءة" في السنة الثامنةِ مِن الهجرة، فلما نزلت آية الجِزية، أخذها مِن المجوس، وأخذها مِن أهل الكتاب، وأخذها مِن النصارى، وبعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذِّمة، وضرب عليهم الجزيةَ، ولم يأخذها من يهودِ خيبر، فظن بعض الغالِطين المخطئين أن هذا حكم مختصٌ بأهل خيبر، وأنه لا يؤخذ منهم جزيةٌ وإن أُخِذَتْ منِ سائر أهل الكتاب، وهذا مِن عدم فقهه في السير والمغازي، فإن رسولَ الله ﷺ قاتلهم وصالحهم على أن يُقِرَّهم في الأرض ما شاء، ولم تكن الجزيةُ نزلت بعد، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارُهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمره الله سبحانه وتعالى أن يُقاتِلَ أهلَ الكِتاب حتى يُعطوا الجزية، فلم يدخل في هذا يهودُ خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قديمًا بينه وبينهم على إقرارهم، وأن يكونوا عمالًا في الأرض بالشطر، فلم يُطالبهم بشىء غيرِ ذلك، وطالبَ سواهم من أهل الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقدٌ كعقدهم بالجزية، كنصارى نجرانَ، ويهودِ اليمن، وغيرِهم، فلما أجلاهم عمرُ إلى الشام، تغيّر ذلك العقدُ الذي تضمن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكمُ غيرهم مِن أهل الكتاب.

ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السُّنَّة وأعلامها، أظهر طائفة منهم كتابًا قد عَتَّقُوهُ وزوَّرُوهُ، وفيه: أن النبي ﷺ أسقط عن يَهودِ خيبر الجزية، وفيه: شهادةُ علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، وجماعة مِن الصحابة رضي الله عنهم، فراج ذلك على مَنْ جَهِلَ سُنَّة رسولِ الله ﷺ ومغازيَه وسِيَرَه، وتوهَّموا، بل ظنوا صِحته، فَجَروْا على حُكم هذا الكتاب المزور، حتى أُلقى إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه وطُلِبَ منه أن يُعين على تنفيذه، والعملِ عليه، فبصق عليه، واستدلّ على كذبه بعشرة أوجه:

منها: أن فيه شهادةَ سعد بن معاذ، وسعد توفى قبل خيبر قطعًا.

ومنها: أن في الكتاب، أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا يعرِفها الصحابة حينئذ، فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام.

ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَفَ والسُّخَرَ، وهذا محال، فلم يكن في زمانه كُلَفٌ ولا سُخَرٌ تُؤخذ منهم، ولا مِن غيرهم، وقد أعاذه الله، وأعاذ أصحابَه مِن أخذ الكُلَفِ والسُّخَرِ، وإنما هي من وضع الملوكِ الظَّلمة، واستمر الأمر عليها.

ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير، ولا أحدٌ من أهل الحديث والسُّنَّة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحدٌ من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السَلَف، لعلمهم أنهم إن زوَّروا مثلَ ذلك، عرفوا كذبَه وبُطلانه، فلما استخفُّوا بعضَ الدول في وقت فتنةٍ وخفاء بعض السُّنَّة، زوَّروا ذلك، وعتَّقوهُ وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمعُ بعضِ الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمرَّ لهم ذلك حتى كشف الله أمره، وبيَّن خلفاءُ الرسل بطلانه وكذبَه.

فصل

فلما نزلت آيةُ الجزية، أخذها ﷺ مِن ثلاث طوائف: مِن المجوسِ، واليهود، والنصارى، ولم يأخذها من عُبَّادِ الأصنام. فقيل: لا يجوزُ أخذُها مِن كافر غير هؤلاء، ومَن دان بدينهم، اقتداءً بأخذه وتركه. وقيل: بل تُؤخذ من أهل الكتاب وغيرِهم من الكفار كعبدة الأصنام من العجم دون العرب، والأول: قول الشافعي رحمه الله، وأحمد في إحدى روايتيه. والثاني: قولُ أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله في الرواية الأخرى.

وأصحاب القول الثاني يقولون: إنما لم يأخذها مِنْ مشركي العربِ، لأنها إنما نزَلَ فرضُها بعد أن أسلمت دَارَةُ العرب، ولم يبق فيها مُشِركٌ، فإنها نزلت بعد فتح مكة، ودخولِ العربِ في دين الله أفواجًا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوكَ، وكانُوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون، لكانُوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين.

ومن تأمَّل السِّيَرَ، وأيامَ الإسلام، علم أن الأمرَ كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزيةُ لعدم مَن يُؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا مِن أهلها، قالوا: وقد أخذها من المجوس، وليسوا بأهلِ كتاب، ولا يَصح أنه كان لهم كتاب، ورفع وهو حديث لا يثبُت مثلُه، ولا يصح سنده.

ولا فرق بين عُبَّادِ النَّار، وعُبَّاد الأصنام، بل أهلُ الأوثانِ أقربُ حالًا من عُبَّادِ النار، وكان فيهم مِن التمسك بدين إبراهيم ما لم يكُن في عُبَّاد النار، بل عُبَّاد النار أعداءُ إبراهيم الخليل، فإذا أُخِذَتْ منهم الجزية، فأخذها من عُبَّاد الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سُنَّة رسول الله ﷺ، كما ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: "إذا لَقيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعهُم إلى إِحْدَى خِلالٍ ثَلاثٍ، فَأيَّتهنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا، فاقْبَلْ مِنْهُم، وكُفَّ عنهم". ثم أمرَه أن يَدْعُوَهُم إلى الإِسْلامِ، أَو الجِزْيَةِ، أو يُقَاتِلَهم.

وقال المغيرة لعاملِ كسرى: "أمرنا نبيُّنَا أن نُقاتِلَكم حتى تعبُدوا الله، أو تؤدُّوا الجزية".

وقال رسولُ الله ﷺ لِقريش: "هَلْ لَكُمْ في كَلِمةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤدَّى العَجَمُ إِلَيْكُمُ بِهَا الجِزْيَةَ"؟ قالُوا: ما هي؟ قال: "لا إِلَهَ إِلَّا الله".

فصل

"ولما كان في مرجعه من تبوك، أخذت خَيْلُه أُكْيدِرَ دُوْمَةَ، فصالحه على الجزية، وحقن له دمه".

"وصالحَ أهلَ نجران مِن النصارى على ألفى حُلَّةٍ. النِّصْفُ في صفر، والبقيةُ في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعاريَّة ثلاثين دِرعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين مِن كُلِّ صِنف من أصناف السلاح، يغزُون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم إن كان باليمن كَيْدٌ أو غَدْرَةٌ، على ألا تُهدم لهم بَيْعة، ولا يُخرج لهم قَسٌ، ولا يُفتنوا عن دينهم ما لم يُحْدِثُوا حَدَثًا أَو يَأْكُلُوا الرَّبا".

وفي هذا دليل على انتقاض عهد الذِّمة بإحداث الحَدَث، وأكلِ الرِّبا إذا كان مشروطًا عليهم.

ولما وجه معاذًا إلى اليمن، "أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنَ المَعَافِرِيِّ، وهي ثيابٌ تكون باليمن".

وفي هذا دليل على أن الجزية غيرُ مقدَّرة الجنس، ولا القدرِ، بل يجوز أن تكونَ ثيابًا وذهبًا وحُللًا، وتزيدُ وتنقُصُ بحسب حاجة المسلمين، واحتمال مَن تؤخذ منه، وحاله في الميسرة، وما عنده من المال.

ولم يفرِّق رسول الله ﷺ، ولا خلفاؤه في الجزية بين العربِ والعجم، بل أخذها رسولُ الله ﷺ من نصارى العرب، وأخذها مِن مجوس هجر، وكانوا عربًا، فإن العرب أمةٌ ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة منهم تدين بدين مَن جاورها من الأُمم، فكانت عربُ البحرين مجوسًا لمجاورتها فارِسَ، وتنوخَ، وبُهْرَة، وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائلُ من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسولُ الله ﷺ أحكامَ الجِزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلُوا في دينِ أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده، ومن أين يعرِفُونَ ذلك، وكيف ينضبط وما الذي دلَّ عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار مَن تهوَّد أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: { لا إكْرَاهَ في الدِّينِ } [66]، وفي قوله لمعاذ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حالم دينارًا" دليل على أنها لا تُؤخذ من صبى ولا امرأة.

فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في مصنفه وأبو عبيد في "الأموال" أن النبي ﷺ أمَرَ معاذَ بن جبل: أن يأخذ مِن اليمن الجزية مِن كل حالم أو حالمة، زاد أبو عبيد: "عبدًا أو أمةً، دينارًا أو قيمته من المعافرِي" فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة، والحر والرقيق؟ قيل: هذا لا يصح وصله، وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة.

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه وغيرهم هذا الحديث، فاقتصروا على قوله: أمره "أن يأخذ من كل حالم دينارًا" ولم يذكروا هذه الزيادة، وأكثر مَنْ أخذ منهم النبي ﷺ الجزية العرب مِنَ النصارى، واليهود، والمجوس، ولم يكشف عن أحد منهم متى دخل في دينه، وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم.

فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجلعدل

أوَّل ما أوحى إليه ربُّه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسمِ ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمرْه إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: { يَا أيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ } [67] فنبأه بقوله: { اقْرَأْ }، وأرسله ب { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } ثم أمره أن يُنذِرَ عشيرتَه الأقربِينَ، ثم أنذر قومَه، ثم أنذرَ مَنْ حَوْلَهُم مِن العرب، ثم أنذر العربَ قاطبة، ثم أنذر العالَمِين، فأقام بِضْعَ عشرة سنة بعد نبوته يُنْذِرُ بالدعوة بغير قتال ولا جِزية، ويُؤمر بالكفِّ والصبرِ والصَّفح.

ثم أُذِنَ له في الهجرة، وأُذِنَ له في القتال، ثم أمره أن يُقاتِلَ مَن قاتله، ويَكُفَّ عمن اعتزله ولم يُقاتله، ثم أمره بِقتالِ المشركين حتى يكونَ الدِّينُ كُلُّه لله، ثم كان الكفارُ معه بعد الأمرِ بالجهاد ثلاثة أقسام: أهلُ صُلح وهُدنة، وأهلُ حرب، وأهلُ ذِّمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يُوفى لهم به ما استقامُوا على العهد، فإن خاف منهم خِيانة، نبذَ إليهم عهدهم، ولم يُقاتِلْهم حتى يُعْلِمَهم بِنَقْضِ العهد، وأُمِرَ أن يقاتل مَن نقض عهده. ولما نزلت سورة "براءة" نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يُقاتِلَ عدوَّه مِن أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزيَةَ، أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجِهَادِ الكُفَّارِ والمنافقين والغِلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيفِ والسنانِ، والمنافقين بالحُجَّةِ واللِّسان.

وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عُهودهم إليهم، وجعلَ أهلَ العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسمًا أمره بقتالهم، وهُم الذين نقضُوا عهده، ولم يستقِيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسمًا لهم عهد مُؤقَّت لم ينقضُوه، ولم يُظاهِروا عليه، فأمره أن يُتِمَّ لهم عهدَهم إلى مدتهم. وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يُحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يُؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: { فَسِيحُواْ في الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [68] وهى الحُرُمُ المذكورة في قوله: { فإذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتلُواْ الْمُشرِكيِنَ } [69]. فالحُرُم ههنا: هي أشهر التسيير، أولها يومُ الأذان.

وهو اليومُ العاشر من ذي الحِجة، وهو يومُ الحجِّ الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخِرُها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } [70] فإن تلك واحِد فرد، وثلاثة سرد: رجبٌ، وذُو القَعدة، وذو الحِجة، والمحَرَّمُ، ولم يسير المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يُمكن، لأنها غيرُ متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يُقاتلهم، فقتل الناقض لعهده، وأجَّل مَنْ لا عهد له، أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يُتمَّ للموفى بعهده عهدَه إلى مدته، فأسلم هؤلاء كُلُّهم، ولم يُقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضَرَبَ على أهل الذِّمة الجِزية.

فاستقر أمرُ الكفار معه بعد نزول "براءة" على ثلاثة أقسام: محاربينَ له، وأهلِ عهد، وأهلِ ذِمة، ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذِمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهلُ الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمِن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.

وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمِرَ أن يَقبل مِنهم علانيتَهم، ويَكِلَ سرائِرَهم إلى الله، وأن يُجاهِدَهم بالعِلم والحُجَّة، وأمره أن يُعرِضَ عنهم، ويُغلِظَ عليهم، وأن يَبْلُغَ بالقولِ البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يُصلِّيَ عليهم، وأن يقومَ على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، فهذه سيرتُه في أعدائه مِن الكفار والمنافقين.

فصل

وأما سيرتُه في أوليائه وحِزبه، فأمرهُ أن يَصْبِرَ نفسَه مع الذين يدعون ربَّهم بالغداةِ والعشى يُريدون وجهه، وألا تعدُوَ عيناه عنهم، وأمره أن يعفوَ عنهم، ويستغفِرَ لهم، ويُشَاوِرَهم في الأمر، وأن يُصلِّي عليهم.

وأمره بهجر مَن عصاهُ، وتخلَّف عنه، حتى يتوبَ، ويُراجِعَ طاعته، كما هجر الثلاثة الذين خُلِّفُوا.

وأمره أن يُقيمَ الحدودَ على مَن أتى موجباتِها منهم، وأن يكونُوا عنده في ذلك سواء شَريفُهم ودنيئُهم.

وأمره في دفع عدوِّه مِن شياطينِ الإنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن، فيُقابل إساءة مَن أساء إليه بالإحسان، وجهلَه بالحِلم، وظلمَه بالعفو، وقطيعتَه بالصلة، وأخبره أنه إن فعل ذلك، عاد عدوُّه كأنه ولى حميم.

وأمره في دفعه عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة باللهِ منهم، وجمع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع مِن القرآن: في سورة "الأعراف" و"المؤمنين" وسورة "حم فصلت" فقال في سورة الأعراف: { خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرَضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللهِ إنَّهُ سَمًيعٌ عَلِيمٌ } [71]. فأمره باتقاء شر الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآيةِ مكارِمَ الأخلاق والشيم كلها، فإن وليَّ الأمر مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بدَّ له مِن حقٍّ عليهم يلزمهم القيامُ به، وأمرٍ يأمرُهم به، ولا بُدَّ مِن تفريط وعُدوان يقع منهم في حقه، فأُمِرَ بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوَّعَتْ به أنفسُهم وسمحت به، وسَهُلَ عليهم، ولم يَشُقَّ، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضررٌ ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعُرْف، وهو المعروف الذي تَعرفُه العقولُ السليمة، والفِطَرُ المستقيمة، وتُقر بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضًا لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يُقابِلَ جهلَ الجاهلين منهم بالإعراض عنه، دون أن يُقابلَه بمثله، فبِذلك يكتفى شرهم.

وقال تعالى في سورة المؤمنين: { قُل رَّبِّ إمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلِنْى في القَوْمِ الظَّالمينَ وَإنَّا عَلَى أَنْ نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ادْفَعْ بِالتي هي أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [72].

وقال تعالى في سورة حم فُصِّلت: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالتي هي أَحْسَنُ فإذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [73]، فهذه سيرته مع أهل الأرض إنسهم، وجنهم، مُؤمنهم، وكافرهم.

فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصارعدل

وكان أوَّل لواء عقده رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مُهَاجَرِه، وكان لواءً أبيضَ، وكان حامِله أبو مَرْثَد كَنَّاز بن الحُصين الغَنَوي حليف حمزة، وبعثه في ثلاثين رَجُلًا مِن المهاجرين خاصّة، يعترِضُ عِيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبُو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سِيْفَ البحرِ من ناحية العِيصِ، فالتَقَوْا واصطفُّوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجُهني، وكان حليفًا للفريقين جميعًا، بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حَجَزَ بينهم ولم يقتتِلوا.

فصل

ثم بعث عُبَيْدَةَ بنَ الحارث بن المطلب في سريَّة إلى بَطنِ رَابغ في شوَّال على رأسِ ثمانية أشهر من الهجرة، وعقد له لواءً أبيضَ، وحمله مِسْطَحُ بن أُثَاثَة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكانوا في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، فلقي أبا سفيان بنَ حرب، وهو في مائتين على بَطن رابغ، على عشرة أميالٍ من الجُحْفَةِ، وكان بينهم الرمي، ولم يَسُلُّوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت مناوشة، وكان سعدُ بن أبي وقاص فيهم، وهو أوَّلُ مَن رمى بسهم في سبيل الله، ثم انصرف الفريقانِ على حاميتهم.

قال ابن إسحاق: وكان على القوم عِكرمة بن أبي جهل، وقدم سريَّة عُبيدة على سريَّة حمزة.

فصل

ثم بعثَ سعدَ بن أبي وقاصٍ إلى الخرَّارِ في ذي القَعدة على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواءً أبيضَ، وحمله المقدادُ بنُ عمرو، وكانوا عشرين راكبًا يعترِضُونَ عِيرًا لقريش، وعَهِدَ أن لا يُجاوِزَ الخَرَّار، فخرجوا على أقدامهم، فكانوا يكمُنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى صبَّحوا المكان صَبِيحةَ خمس، فوجدوا العِير قد مرَّت بالأمس.

فصل

ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها: وَدَّان، وهي أولُ غزوة غزاها بنفسه، وكانت في صَفَر على رأس اثني عشر شهرًا مِن مُهَاجَرِهِ، وحمل لواءه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعدَ بن عبادة، وخرج في المهاجرين خاصة بعترِض عِيرًا لقريش، فلم يلق كيدًا، وفى هذه الغزوة وادع مخشيَّ بن عمرو الضَّمْرِي وكان سيِّدَ بنى ضَمْرة في زمانه على ألا يغزو بنى ضَمْرَة، ولا يغزوه، ولا أن يُكثِّروا عليه جمعًا، ولا يُعِينُوا عليه عدوًا، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وكانت غيبتُه خمسَ عشرة ليلة.

فصل

ثم غزا رسولُ الله ﷺ بُوَاطَ في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثةَ عشرَ شهرًا مِن مُهَاجَرِهِ، وحمل لواءَه سعدُ بن أبي وقاص، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة سعدَ بن معاذ، وخرج في مائتين مِن أصحابه يعترِض عِيرًا لقُريش، فيها أميةُ بنُ خلف الجُمحى، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بُواطًا، وهما جبلان فرعان، أصلهما واحد من جبالِ جُهينة، مما يلى طريقَ الشام، وبين بُواط والمدينة نحُوُ أربعةِ بُرُد، فلم يلق كيدًا فرجع.

فصل

ثم خرج على رأسِ ثلاثة عشر شهرًا مِن مُهَاجَرِه يطلب كُرْز بن جابر الفهرى، وحمل لِواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كُرز قد أغار على سرح المدينة، فاستاقه، وكان يرعى بالحِمى، فطلبه رسولُ الله ﷺ حتى بلغ واديًا يقال له: "سَفَوان" مِن ناحية بدر، وفاته كُرز ولم يلحقه، فرجع إلى المدينة.

فصل

ثم خرج رسول الله ﷺ في جُمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومى، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين مِن المهاجرين، ولم يُكْرِهْ أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يَعْتَقِبُونَها يَعْترِضُون عيرًا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد كان جاءه الخبرُ بفصولها مِن مكة فيها أموالٌ لقريش، فبلغ ذَا العُشيرَةِ وقيل: العُشيراء بالمد. وقيل: العُسيرة بالمهملة وهى بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة بُرُد، فوجد العِيرَ قد فاتته بأيام، وهذه هي العيرُ التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهي التي وعده الله إياها، أو المقاتلة، وذات الشَوْكة، ووفَّى له بوعده.

وفي هذه الغزوة، وادع بنى مُدْلِج وحُلفاءهم من بني ضَمْرَة.

قال عبد المؤمن بن خلف الحافظ: وفى هذه الغزوة كنى رسولُ الله ﷺ عليًا أبا تُراب. وليس كما قال، فإن النبي ﷺ إنما كَنَّاهُ أبا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نِكاحُها بعد بدر، فإنه لما دخل عليها وقال: "أيْنَ ابْنُ عَمِّكِ"؟ قالت: خَرَجَ مُغاضِبًا، فجاءَ إلى المسجد، فوجده مضطجعًا فيه وقد لصق به التراب، فجعل ينفُضه عنه ويقول: "اجْلِسْ أبا تُرابٍ، اجْلِسْ أبا تُرابٍ " وهو أول يوم كُنى فيه أبا تراب.

فصل

ثمَّ بعثَ عبدَ الله بن جَحْشٍ الأسَدِيَّ إلى نَخْلَةَ في رجب، على رأْسِ سبعةَ عشرَ شهرًا مِن الهِجْرة، في اثني عشر رجلًا مِن المهاجرين، كُلُّ اثنين يعتقبان علَى بعير، فوصلُوا إلى بطن نخلة يرصُدُون عِيرًا لقريش، وفى هذِهِ السَّرِيَّة سمَّى عبدَ الله بن جحش أميرَ المؤمنين، وكان رسولُ الله ﷺ كتب له كِتابًا، وأمره أن لا ينظُرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظُرَ فيه، ولما فَتحَ الكِتاب، وجد فيه: "إذَا نَظَرْتَ في كتابي هذا، فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والطَّائِفِ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا، وتَعْلَمَ لنا مِنْ أَخْبَارِهم" فقال: سمعًا وطاعةً، وأخبر أصحابَه بذلكَ، وبأنه لا يستكرِهُهم، فمن أحبَّ الشهادةَ، فلينهض، ومن كرِهَ الموت، فليرجِعْ، وأما أنا فناهض، فَمَضَوْا كُلُّهم، فلما كان في أثناء الطريق، أضلَّ سعدُ بن أبي وقاص، وعتبةُ بنُ غزوان بعيرًا لهما كانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فتخلفا في طلبه، وبَعُدَ عبدُ الله بنُ جحش حتى نزل بِنخلة، فمرَّت به عِيرٌ لقريش تَحْمِلُ زبيبًا وأَدَمًا وتِجارةً فيها عَمْرو بن الحضرمي، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكمُ بنُ كيسان مولى بنى المغيرة.

فتشاور المسلمُون وقالوا: نحن في آخر يومٍ من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهرَ الحرام، وإن تركناهم الليلةَ، دخلوا الحَرَم، ثم أجمعوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عَمْرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفْلَتَ نوفل، ثم قَدِمُوا بالعِير والأسيرين، وقد عزلوا مِن ذلك الخُمس، وهو أول خُمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام، وأنكر رسُول الله ﷺ عليهم ما فعلوه، واشتدَّ تعنُّتُ قريش وإنكارُهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالًا، فقالوا: قد أحلَّ محمد الشهرَ الحرَامَ، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ، والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } [74].

يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم، وإن كان كبيرًا، فما ارتكبتموه أنتم مِن الكفر بالله، والصدِّ عن سبيله، وعن بيتهِ، وإخراجِ المسلمين الذين هم أهلُه منه، والشِرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به أكبرُ عند اللهِ مِن قِتالهم في الشهر الحرام، وأكثرُ السَلَف فسَّروا الفتنة ههنا بالشرك، كقوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } [75] ويدل عليه قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أنْ قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [76] أي: لم يكن مآلُ شركهم، وعاقبته وآخرُ أمرهم، إلا أن تبرّؤوا منه وأنكروه.

وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه، ويُقاتِل عليه، ويُعاقب مَن لم يَفَتِتنْ به، ولهذا يُقال لهم وقتَ عذابهم بالنار وفتنتهم بها: { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } [77] قال ابن عباس: "تكذيبَكم"، وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم، وغايَتَها، ومصيرَ أمرها، كقولهِ: { ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } [78]، وكما فتنوا عباده على الشرك، فُتِنُوا على النار، وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم، ومنه قوله تعالى: { إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } [79] فُسِّرت الفتنةُ ههنا بتعذيبهم المؤمنين، وإحراقهم إياهم بالنار، واللَّفظُ أعمُّ من ذلك، وحقيقته: عذَّبُوا المؤمنين ليفتَتِنُوا عن دينهم، فهذه الفتنةُ المضافةُ إلى المشركين.

وأما الفتنة التي يُضيفها اللهُ سبحانه إلى نفسه أو يُضيفها رسولُه إليه، كقوله: { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } [80] وقول موسى: { إنْ هي إلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ } [81]، فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان، والاختبار، والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم والمصائب، فهذه لون، وفتنةُ المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليّ ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين، حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر، وهي الفتنة التي قال فيها النبي ﷺ: "سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القَاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، والقائِمُ فِيهَا خَيْرٌ منَ المَاشى، والماشى فيها خَيْرٌ من السَّاعِي" وأحاديثُ الفتنة التي أمر رسولُ الله ﷺ فيها باعتزال الطائفتين، هي هذه الفتنة.

وقد تأتي الفتنة مرادًا بها المعصية كقوله تعالى: { وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَنْ لي وَلا تَفْتِنِّي } [82] يقوله الجدُّ بنُ قيس، لما ندبه رسولُ الله ﷺ إلى تبوكَ، يقول: ائذن لي في القُعود، ولا تفتنى بتعرضى لبنات بنى الأصفر، فإني لا أَصْبِرُ عنهن، قال تعالى: { أَلا في الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } [83]، أي: وقعوا في فتنة النفاق، وفروا إليها مِن فتنة بناتِ الأصفر.

والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم في جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهِجرة مع رسوله، وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ ** جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع

فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن.

فصل

ولما كان في شعبان من هذه السنة، حُوِّلت القِبْلة، وقد تقدم ذكرُ ذلك.

فصل في غزوة بدر الكبرىعدل

فلما كان في رمضانَ مِن هذه السنة، بلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ العِير المقبلة من الشام لقريش صُحبةَ أبى سفيان، وهي العِير التي خرجوا في طلبها لما خرجت مِن مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموالٌ عظيمة لٍقريش، فندب رسولُ الله ﷺ الناسَ للخروج إليها، وأمر مَن كان ظهرُه حاضرًا بالنهوض، ولم يحْتَفِلْ لها احتفالًا بليغًا، لأنه خرج مُسْرِعًا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرسٌ للمِقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يَعْتَقِبُ الرجلان والثلاثةُ على البعير الواحد، فكان رسولُ الله ﷺ، وعليّ، ومَرْثَدُ ابن أبي مَرْثَدٍ الغَنوى، يعتقِبُون بعيرًا، وزيدُ بن حارثة، وابنُه، وكبشةُ موالى رسول الله ﷺ، يعتَقِبُونَ بعيرًا، وأبو بكر، وعمر، وعبدُ الرحمن ابن عوف، يعتقِبُونَ بعيرًا، واستخلف على المدينةِ وعلى الصلاة ابنَ أمِّ مكتوم، فلما كان بالرَّوحاءِ رد أبا لُبابة بنَ عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع اللِّواء إلى مُصعبِ بنِ عُمَير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيسَ بن أبي صَعْصَعَةَ، وسار، فلما قَرُبَ مِن الصَّفْرَاء، بعث بَسْبَسَ بنَ عمرو الجهنى، وعدى ابن أبي الزغباء إلى بدر يتجسَّسان أخبارَ العِير، وأما أبو سفيان، فإنه بلغه مخرجَ رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضَمْضَمَ بنَ عَمْرو الغِفارى إلى مكة، مُستصْرخًا لقريش بالنَّفير إلى عِيرهم، ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخُ أهلَ مكة، فنهضوا مُسرِعين، وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّفْ من أشرافهم أحدٌ سوى أبى لهب، فإنَّه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدُوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بنى عدى، فلم يخرُجْ معهم منهم أحد، وخرجوا مِن ديارهم كما قال تعالى: { بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ } [84]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: "بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه"، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ،

وغضبٍ، وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه، لما يُريدون مِن أخذ عيرهم، وقتل مَن فيها، وقد أصابُوا بالأمسِ عَمْرو بن الحضرمي، والعِير التي كانت معه، فجمعهم اللهُ على غير ميعاد كما قال الله تعالى: { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ، وَلَكِنْ لِّيَقْضِيَ الله أمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } [85].

ولما بلغَ رسولَ اللهِ ﷺ خروجُ قريش، استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصارُ أنه يَعنيهم، فبادر سعدُ بنُ معاذ، فقال: "يا رسول الله، كَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بنا؟" وكان إنما يَعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخُروج، استشارهم لِيعلم ما عندهم، فقال له سعد: "لَعَلَّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُون الأَنصارُ تَرَى حقًا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار، وأُجِيب عنهم: فاظْعَنْ حَيْثُ شِئْت، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، واقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وخُذْ مِنْ أمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأَعطِنَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّا كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، ومَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعٌ لأَمْرِكَ، فَواللهِ لَئِن سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغ البَرْكَ مِنْ غمدَان، لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَوَاللهِ لَئِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هذَا البَحْرَ خُضْنَاهُ مَعَكَ"، وقَالَ لَهُ المِقْدَادُ: "لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فقاتِلا إنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ، وَمِنْ خَلْفِكَ". فأشرق وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وسُرَّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أصحابِه، وقالَ: "سِيرُوا وأَبْشروا، فإنَّ الله قَدْ وَعَدَنى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وإني قَدْ رَأَيْتُ مَصارعَ القَوْمِ".

فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخَفَضَ أبو سفيان فَلَحِقَ بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا، وأحرز العير، كتب إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتُم لِتُحْرِزُوا عيركم. فأتاهم الخبرُ، وهم بالجُحْفَةِ، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نَقْدَمَ بدرًا، فنقيمَ بها، ونُطعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِن العرب، وتخافُنَا العربُ بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شُريق عليهم بالرجوع، فَعَصَوْه، فرجع هو وبنو زُهرة،

فلم يشهد بدرًا زهري، فاغتبطت بنو زُهرة بعدُ برأى الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل، وقال: لا تُفَارِقُنَا هذه العِصابة حتى نَرْجِعَ فساروا، وسارَ رسولُ الله ﷺ حتى نزل عشيًا أدنى ماء مِن مياه بدر، فقال: "أَشيرُوا عَلَيَّ في المَنْزِل". فقال الحُبَابُ بنُ المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبِقُلُبِهَا، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزِلَ عليها ونَسبِقَ القوم إليها ونُغوِّر ما سواها مِن المياه.

وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمِسُون الخبر، فَقَدِمُوا بعبدين لقريش، ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّي، فسألهما أصحابُه: مَنْ أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لِقريش، فكره ذلك أصحابه، وودُّوا لو كانا لِعير أبى سفيان، فلما سلَّم رسولُ الله ﷺ قال لهما: "أخْبِرَانِي أيْنَ قُرَيْشٌ"؟ قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: "كم القومُ"؟ فقالا: لا عِلم لنا، فقال: "كم ينحرونَ كُلَّ يوم"؟ فقالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا، فقال رسولُ الله ﷺ: "القومُ ما بينَ تسعمائة إلى الألف"، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًا طهَّرهم به، وأذهب عنهم رجْسَ الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ الأقدام، ومهَّدَ به المنزل، وربطَ به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض. وبُنِيَ لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يُشرِفُ على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يُشير بيده، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته.

فلما طلع المشركون، وتراءى الجمعانِ، قال رسول الله ﷺ: "اللهُمَّ هذه قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخيلائِها وفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحادُّك، وَتَكَذِّبُ رَسُولَكَ". وقام، ورفع يديه، واستنصر ربَّه وقال: "اللهُمَّ أنْجِزْ لي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ"، فالتزمه الصِّدِّيق من ورائه، وقال: "يا رسول الله؛ أبشر، فوالذي نفسي بيده، لَيُنجِزَنَّ الله لكَ ما وَعَدَكَ".

واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرَّعُوا إليهِ، فَأَوْحَى الله إلى مَلائِكَتِهِ: { إني مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ، سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ } [86].

وأَوْحَى الله إلى رسوله: { إني مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } [87] قرئ بكسر الدال وفتحها فقيل: المعنى إنهم رِدْفٌ لكم. وقيل: يُرْدِفُ بعضُهم بعضًا أرسالًا لم يأتوا دَفعةً واحدة.

فإن قيل: ههنا ذكر أنه أمدَّهم بألفٍ، وفى سورة "آل عمران" قال: { إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى، إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [88]، فكيف الجمع بينهما؟

قيل: قد اختُلِفَ في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين:

أحدهما: أنه كان يومَ أُحُد، وكان إمدادًا معلَّقًا على شرط، فلما فات شرطُه، فات الإمدادُ، وهذا قولُ الضحاك ومقاتِل، وإحدى الروايتين عن عِكرمة.

والثاني: أنه كان يومَ بدر، وهذا قولُ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.

والرواية الأخرى عن عِكرمة، اختاره جماعة من المفسِّرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُم تَشْكُرونَ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤمِنينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } إلى أن قال: { وما جَعَلَهُ اللهُ } [89] أي: هذا الإمداد { إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ } [90]. قال هؤلاء: فلما استغاثوا، أمدَّهم بتمام ثلاثةِ آلاف، ثم أمدَّهم بتمامِ خمسة آلافٍ لما صبرُوا واتقوا، فكان هذا التدريجُ، ومتابعة الإمداد، أحسن موقعًا، وأقوى لِنفوسهم، وأسرَّ لها من أن يأتي به مرةً واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة.

وقالت الفرقةُ الأولى: القصة في سياق أُحُد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها، فإنه سبحانه قال: { وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ، وَاللهُ سَِميعٌ عَلِيمٌ إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أن تَفْشَلا واللهُ وَليُّهُما، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون } [91]، ثم قال: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهِ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون } [92] فذكَّرهم نعمتَه عليهم لمَّا نصرهم ببدر، وهم أذلة، ثم عاد إلى قصةِ أُحُد، وأخبر عن قول رسوله لهم: { ألَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ } [93]، ثم وعدهم أنهم إن صبرُوا واتَّقُوا، أمدَّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسولِهِ، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف، وإمدَادُ بدر بألف، وهذا معلَّق على شرط، وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحُد مستوفاة مطوَّلة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة "الأنفال" قصة بدر مستوفاة مطوَّلة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال.

يوضح هذا أن قوله: { وَيَأْتُوكُم مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا } [94]، قد قال مجاهد: إنه يومُ أُحد، وهذا يستلزِمُ أن يكون الإمدادُ المذكور فيه، فلا يَصِحُّ قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يومَ بدر، وإتيانُهم من فورهم هذا يومَ أُحُد. والله أعلم.

فصل (في بدء القتال بالمبارزة)عدل

وباتَ رسولُ الله ﷺ يصلى إلى جِذْع شجرة هُناك، وكانت ليلةَ الجمعة السابع عشرَ من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا، أقبلتْ قريشٌ في كتائبها، واصطَف الفريقانِ، فمشى حكيمُ بنُ حِزام، وعُتبةُ بن ربيعة في قريش، أن يرْجِعُوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل، وجرى بينه وبين عتبة كلامٌ أَحْفَظَهُ، وأمر أبو جهل أخا عَمْرو بن الحضرمي أن يطلب دَمَ أخيه عَمْرو، فكشف عن اسْتِهِ، وصرخ: واعَمْراهُ، فحمى القومُ، ونشَبتِ الحربُ، وعَدَّلَ رسولُ الله ﷺ الصفوفَ، ثم رجع إلى العَريشِ هو وأبو بكر خاصة، وقام سعدُ بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريشِ، يحمون رسولَ الله ﷺ.

وخرج عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، والوليدُ بن عُتبة، يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار: عبدُ الله بن رواحة، وعوفٌ، ومُعَوٍّذٌ ابنا عفراء، فقالوا لهم: مَن أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفَاءٌ كِرام، وإنما نُريد بنى عمنا، فبرز إليهم عليٌ وعُبيدة بن الحارث وحمزةُ، فقتل عليُّ قِرْنَه الوليد، وقتل حمزة قِرنه عُتبة وقيل: شيبةُ واختلف عُبيدة وقِرنُه ضربتين، فكَّر عليُّ وحمزةُ على قِرن عُبيدة، فقتلاه واحتملا عُبيدة وقد قُطِعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا، حتى مات بالصَّفْراءِ.

وكان عليُّ يُقسِمُ بالله: لنزلت هذه الآيةُ فيهم: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ } [95] الآية.

ثم حمي الوطيسُ، واستدارت رَحى الحربِ، واشتدَّ القِتال، وأخذ رسولُ الله ﷺ في الدعاء والابتهالِ، ومناشدة ربِّه عَزَّ وجَلَّ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فردَّه عليه الصِّدِّيق، وقال: بعضَ مُناشَدَتِكَ ربَّكَ، فإنَّهُ منجزٌ لَكَ ما وَعَدَكَ.

فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحربِ، ثم رفعَ رسولُ الله ﷺ رأسَه فقال: "أَبْشِرْ يا أَبَا بَكْر، هذا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاه النَّقْع".

وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيَّد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتافَ المُشركِينَ أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين، وأَسرُوا سبعينَ.

فصل

ولما عزموا على الخروج، ذكروا ما بينهم وبينَ بني كنانة مِن الحرب، فتبدَّى لهم إبليسُ في صورة سُراقة بن مالك المدلجي، وكان مِن أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غَالِبَ لكم اليومَ من الناس، وإني جارٌ لكم من أن تأتيكم كِنانة بشىءٍ تكرهُونه، فخرجوا والشيطانُ جارٌ لهم لا يُفارقهم، فلما تعبَّؤوا للقتال، ورأى عدوُّ الله جندَ اللهِ قد نزلت مِن السماء، فرَّ، ونَكَصَ على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سُراقة؟ ألم تكن قُلْتَ: إنك جار لنا لا تُفَارِقُنَا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف اللهَ، واللهُ شديدُ العِقَاب، وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف اللهَ. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يَهْلِكَ معهم، وهذا أظهر.

ولما رأى المنافقون ومَن في قلبه مرض قِلَّة حزبِ الله وكثرةَ أعدائه، ظنُّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: { غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ } [96]، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة، ولا بالعدد، والله عزيز لا يُغالَب، حكيم ينصر مَن يستحق النصر، وإن كان ضعيفًا، فعزتُه وحكمتُه أوجبت نصرَ الفئةِ المتوكِّلَةِ عليه.

ولما دنا العدو وتواجه القومُ، قام رسول الله ﷺ في الناس، فوعظهم، وذكَّرهم بما لهم في الصبر والثباتِ مِن النصرِ، والظفرِ العاجِلِ، وثوابِ اللهِ الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجبَ الجنة لمن استشهد في سبيلِهِ،

فقام عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ، فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ؛ جَنَّةٌ عَرْضُهَا سَّماواتُ والأَرْضُ؟ قال: "نَعَمْ". قال: بَخٍ بَخٍ يَا رَسولَ اللهِ. قالَ: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ"؟ قال: لا واللهِ يا رَسُولَ اللهِ إلَّا رَجَاءَ أنْ أكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: "فَإنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا" قال: فأَخرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يأكُلُ مِنْهُنَّ، ثم قال: لَئِنْ حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فكان أول قتيل.

وأخذ رسول الله ﷺ مِلءَ كَفِّهِ مِنَ الحصباءِ، فَرَمَى بِهَا وجوهَ العَدُوِّ، فلم تترك رَجُلًا مِنهم إلَّا ملأَتْ عينيه، وشُغِلُوا بالتراب في أعينهم، وشُغِلَ المسلمُونَ بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله { وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } [97].

وقد ظن طائفة أن الآية دلَّت على نفى الفعل عن العبد، وإثباتهِ لله، وأنه هو الفاعلُ حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لِرسوله ابتداءَ الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يُرادُ به الحذفُ والإيصال، فأثبت لنبيه الحذفَ، ونفى عنه الإيصال.

وكانت الملائكة يومئذ تُبادِرُ المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: "بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذّ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَه، وَصَوْتُ الفَارِسِ فَوْقَهُ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُوم، إذْ نَظَرَ إلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ مُسَتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَإذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذلِكَ أجْمَعُ، فَجَاءَ الأنصاري، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثالث".

وقال أبو داود المَازِني: "إني لأتْبَعُ رَجُلًا مِن المُشْرِكِينَ لأَضْرِبَه، إذْ وَقَع رَأْسُه قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي".

وجاء رجلٌ مِن الأنصار بالعبَّاسِ بنِ عبد المطلب أسيرًا، فقال العباسُ: إنَّ هذا واللهِ ما أسرنى، لقد أسرنى رجل أجلح، مِن أحسن النَّاسِ وجهًا، على فرسٍ أبْلَق، ما أراه في القومِ، فقال الأنصاري: أنا أسرتُه يا رسول اللهِ، فقال: "اسْكُتْ فَقَدْ أيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ". وأُسِر من بنى عبد المطلب ثلاثة: العباسُ، وعقيلٌ، ونوفل بن الحارث.

وذكر الطبراني في "معجمه الكبير" عن رِفاعة بن رافع، قال: "لما رأى إبليسُ ما تفعَلُ الملائكةُ بالمشرِكِينَ يومَ بدر، أشفق أن يَخْلُصَ القتلَ إليه، فتشبَّثَ بِهِ الحارث بن هشام، وهو يظنُّه سُراقَةَ بِنَ مالك، فوكز في صَدْرِ الحارث فألقاه، ثم خَرَجَ هاربًا حتى ألقى نفسَه في البحر، ورفع يديه وقال: اللهُمَّ إني أَسْأَلُكَ نَظِرَتَكَ إيَّاى، وخاف أن يخلُصَ إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام، فقال: يا معشر النَّاسِ؛ لا يَهْزِمَنَّكُم خِذْلانُ سُرَاقَةَ إيَّاكُم، فإنَّهُ كَانَ عَلَى مِيعاد مِنْ مُحَمَّدِ، ولا يَهولَنَّكُم قَتْلُ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدِ، فإنَّهُم قد عجلوا، فواللَّاتِ والعُزَّى، لا نرجِعُ حتى نَقْرِنَهُم بالحِبال، ولا أُلفِيَنَّ رَجُلًا مِنْكُم قَتَلَ رجلًا مِنهم، ولكن خُذوهم أخذًا حتى نُعرِّفَهم سوء صنيعهم.

واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم، فقال: اللهُمَّ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه فأَحِنْهُ الغداة، اللهُمَ أيُّنَا كان أحبَّ إليكَ، وأرضى عِنْدَكَ، فانصره اليومَ، فأنزل الله عَزَّ وجَلّ: { إن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإن تَنْتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤمِنِينَ } [98].

ولما وضع المسلمون أيدَيهم في العدو يقتلون ويأسِرون، وسعدُ بن معاذ واقفٌ على باب الخيمة التي فيها رسولُ الله ﷺ وهى العَرِيشُ متوشِّحًا بالسيف في ناسٍ مِن الأنصار، رأى رسولُ الله ﷺ في وجهِ سعدِ بنِ معاذ الكراهية لما يصنَعُ الناسُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ: "كأنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ "؟ قال: أجَلْ واللهِ، كانت أولَ وقعةٍ أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخانُ في القتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال.

ولما بردت الحربُ، وولَّى القومُ منهزمينَ، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ"؟ فانطلق ابنُ مسعودٍ، فوجَدَهُ قد ضَرَبَهُ ابنا عَفْراء حتَّى بَرَدَ، وأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فقال: أنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: لِمَن الدَّائِرةُ اليوم؟ فقال: للهِ وَلِرَسوله، وهَلْ أَخْزَاكَ اللهُ يَا عَدُوَّ اللهِ؟ فقال: وهل فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ فَقَتَلَهُ عبدُ اللهِ، ثم أتى النبي ﷺ، فقال: قتلتُه، فقال: "اللهِ الذي لا إله إلا هُو" فردَّدَهَا ثلاثًا، ثم قال: "الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه" فانطلقنا فأريته إياه، فقال: "هذا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ".

وأسر عبدُ الرحمن بنُ عوف أُميَّةَ بن خلف، وابنَه عليًا، فأبصره بلالٌ، وكان أُميَّةُ يُعذِّبُه بمكة، فقال: رأسُ الكفر أُمية بن خلف، لا نَجَوْتُ إن نَجَا، ثم اسْتَوْخَى جماعةً مِنَ الأنْصَارِ، واشتد عبد الرحمن بهما يُحرِزهما مِنهم، فأدركُوهم، فشغَلَهم عَنْ أُميَّة بابنه، ففَرَغُوا مِنْه، ثم لَحِقُوهما، فقالَ لَهُ عَبْدُ الرحمن: ابرُك، فَبَرَكَ فأَلْقَى نَفْسَه عَلَيْهِ، فَضَربُوهُ بالسُّيُوفِ مِنْ تَحتِه حَتَّى قَتَلُوهُ، وأصابَ بعضُ السيوف رِجْلَ عبد الرحمن بن عوف، قال له أُمية قبل ذلك: مَن الرَّجُلُ المُعَلَّمُ في صَدْرهِ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ حمزةُ بنُ عبد المطلب. فقال: ذَاكَ الذي فَعَلَ بِنَا الأفاعِيلَ، وَكانَ مع عبد الرحمن أدراعٌ قد استلبها، فلما رآه أُميَّةُ قال له: أنا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هذه الأدراع، فألقَاهَا وأخذه، فَلَمَّا قتله الأنْصَارُ، كَانَ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللهُ بِلالًا، فَجَعَنِي، بأدْرَاعِي وبِأَسِيري.

وانقطع يومئذ سيفُ عُكَّاشةَ بنِ مِحْصَنٍ، فأعطاهُ النبي ﷺ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ، فَقَالَ: "دُونَكَ هذَا"، فلما أخذه عُكَّاشَةُ وهزَّه، عاد في يده سيفًا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يُقاتِلُ به حتَّى قُتِلَ في الرِّدة أيامَ أبي بكر.

ولقى الزبيرُ عُبيدةَ بن سعيد بنِ العاص، وهو مُدَجَّجٌ في السلاح لا يُرَى مِنه إلا الحَدَقُ، فحمل عليه الزبيرُ بحربته، فطعنه في عَينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطَّى، فكان الجَهْدُ أن نزعها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسولُ الله ﷺ، فأعطاه إياها، فلما قُبِضَ رسولُ الله ﷺ، أخذَها، ثم طَلَبها أبُو بكر، فأَعطَاه إياها، فلما قُبِض أبو بكر، سأله إيَّاها عمر، فأعطاه إياها، فلما قُبِض عُمرُ، أخذها، ثم طلبها عثمان، فأعطاه إياها، فلما قُبضَ عثمانُ، وقعت عِند آلِ عليّ، فطلبها عبدُ الله بن الزبير، وكانت عنده حتى قُتِلَ.

وقال رِفاعةُ بنُ رافع: "رُمِيتُ بسهمٍ يومَ بدر، فَفُقِئَتْ عينىِ، فَبَصَقَ فيها رَسولُ الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شئ".

ولما انقضتِ الحربُ، أقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ حَتَّى وقَفَ عَلَى القَتْلَى فقال: "بِئْسَ عَشيرةُ النبي كُنْتُم لِنَبِّيكُم، كَذَّبْتُمُونى، وصَدَّقَنى النَّاسُ، وخَذَلْتَمونى ونَصَرَنى النَّاسُ، وأَخْرَجْتمُونى وآوانى النَّاسُ".

ثم أمر بهم، فسُحِبوا إلى قَلِيبٍ مِن قُلُب بدر، فطُرِحُوا فيه، ثم وقف عليهم، فقال: "يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ويا شَيْبَةَ بْنَ رَبيعَةَ، ويا فلانُ، ويا فُلانُ، هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ ربُّكم حَقًّا، فَإني وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا"، فقال عُمَرُ بنُ الخطاب: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما تُخَاطِبُ مِنْ أقوام قَدْ جَيَّفُوا؟ فقالَ: "والذي نفسي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُم، وَلَكِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الجَوَابَ"، ثم أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بِالعَرْصَةِ ثَلاثًا، وكان إذا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِعَرْصَتِهِم ثلاثًا.

ثم ارتحل مؤيَّدًا منصورًا، قريرَ العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانمُ، فلما كان بالصَّفراء، قسمَ الغنائم، وضرب عُنُقَ النَّضْرِ بن الحارث بن كلدة، ثُمَّ لما نَزَلَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ، ضرب عُنُقَ عُقبةَ بن أبي مُعَيْطٍ.

ودخل النبي ﷺ المدينةَ مؤيَّدًا مظفَّرًا منصورًا قد خافه كُلُّ عدوٍ له بالمدينة وحولَها، فأسلم بَشَر كثير مِن أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي المنافقُ وأصحابُه في الإسلام ظاهرًا.

وجملة مَن حضر بدرًا من المسلمين ثلاثمائة وبضعةَ عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحدٌ وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون، وإنما قَلّ عَدَد الأوسِ عن الخزرج، وإن كانوا أشدَّ منهم، وأقوى شوكَةً، وأصبرَ عند اللِّقاء، لأن منازِلهم كانت في عوالى المدينة، وجاء النفيرُ بغتةً، وقال النبي ﷺ: " لا يَتْبَعُنَا إلَّا مَنْ كان ظَهْرُهُ حَاضِرًا"، فاستأذنه رِجالٌ ظُهورُهم في عُلو المدينة أن يستأنيَ بهم حتى يذهبُوا إلى ظهورهم، فأبى ولم يَكُن عَزْمُهُم عَلَى اللِّقَاءِ، ولا أعدُّوا لهُ عدته، ولا تأهبوا له أهبتَه، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.

واستشهد من المسلمين يومئذ أربعةَ عشرَ رجلًا: ستةٌ من المهاجرينَ، وستة من الخزرج، واثنانِ من الأوس، وفرغ رسولُ الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوَّال.

فصل

ثم نهض بنفسه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه بعد فراغه بسبعةِ أيَّامٍ إلى غَزو بنى سُليم، واستعمل على المدينةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ. وقيل: ابنَ أُمِّ مكتومٌ، فبلغ ماءً يقال له: الكُدْرُ، فأقام عليه ثلاثًا، ثم انصرف، ولم يلق كيدًا.

فصل

ولما رجع فَلُّ المشرِكِينَ إلى مكَّةَ موتُورين، محزونين، نَذَرَ أبو سفيان أن لا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ حتى يغزوَ رسولَ الله ﷺ، فخرج في مائتي راكِبٍ، حتى أتى العُرَيْضَ في طرفِ المدينة، وبات ليلةً واحدة عند سلام بن مِشْكَم اليهودي، فسقاه الخمرَ، وبَطَنَ له مِن خبر الناس، فلما أصبح، قطع أصْوارًا مِنَ النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له، ثم كرَّ راجعًا، ونَذِرَ به رسولُ الله ﷺ، فخرج في طلبه، فبلغ قَرْقَرَةَ الكُدْرِ، وفاته أبو سفيان، وطرحَ الكفارُ سويقًا كثيرًا مِن أزوادِهم يتخفَّفُونَ به، فأخذها المسلمون، فَسُمِّيِتْ غزوةَ السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين.

فأقامَ رسولُ الله ﷺ بالمدينةِ بَقيَّةَ ذي الحِجَّة، ثم غزا نجدًا يُرِيدُ غطفان، واستعملَ على المدينةِ عُثمانَ بنَ عفان رضي الله عنه، فأقام هُناك صَفَرًا كُلَّهَ مِن السنة الثالثة، ثم انصرف، ولم يلق حربًا.

فصل

أقامَ بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرجَ يُريدُ قريشًا، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتوم، فبلغ بُحرَانَ مَعْدِنًا بالحِجَازِ من ناحية الفُرْع، ولم يَلْقَ حَربًا، فأقَام هُنَالك ربيعًا الآخر، وجُمادَى الأولى، ثم انصرف إلى المدينة.

فصل

ثم غزا بنى قَيْنُقَاع، وكانُوا مِن يهودِ المدينة، فنقضُوا عهدَه، فحاصرهم خمسة عشرَ ليلةً حتى نزلُوا على حُكمه، فَشَفَعَ فيهم عبدُ اللهِ بن أُبَيّ، وألحَّ عليه، فأطلقهم له، وهم قومُ عبدِ الله بن سلام، وكانوا سَبعمائة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا.

فصل في قتل كعب بن الأشرفعدل

وكان رجلًا مِن اليهود، وأُمُّه مِن بني النضير، وكان شديدَ الأذى لرسول الله ﷺ، وكان يُشَبِّبُ في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعةُ بدر، ذهب إلى مكة، وجعل يُؤَلِّبُ على رسولُ الله ﷺ، وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فإنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ ورَسُولَهُ"، فانتدب له محمدُ بنُ مَسْلَمَة، وعَبَّادُ بْنُ بِشْر، وأبو نَائِلة واسمه سِلْكَانُ بْنُ سلامة، وهو أخو كعبٍ من الرضاع، والحارث بن أوس، وأَبُو عَبْسِ بنُ جَبر، وأذن لهم رسولُ الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا مِنْ كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مُقْمِرَةٍ، وشيَّعهم رسولُ الله ﷺ إلى بَقيع الغَرْقَدِ، فلما انْتَهوا إليه، قدَّموا سِلْكَانَ بْنَ سَلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحرافِ عن رسولِ الله ﷺ، وشَكا إليه ضِيقَ حاله، فكلَّمَهُ في أن يَبيعه وأصحابَه طعامًا، ويَرْهَنُونَه سِلاحَهم، فأجابَهم إلى ذلك.

وَرَجَع سِلْكَان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوْه، فخرج إليه مِن حِصنه، فَتَماشَوْا، فوضَعُوا عليه سُيُوفَهم، ووضع محمدُّ بن مَسْلَمَة مِغْولًا كان معه في ثُنَّتِهٍ، فقتله، وصاحَ عدوُّ الله صيحةً شديدة أفزعت مَنْ حوله. وأوقدوا النيرانَ، وجاء الوفدُ حتى قَدِمُوا على رسول الله ﷺ من آخر الليل، وهو قائم يُصلى، وجُرِحَ الحارث بن أوس ببعض سيوفِ أصحابه، فتفل عليه رسولُ الله ﷺ، فبرئ، فَأَذِنَ رسولُ الله ﷺ في قتل مَنْ وجد مِن اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله.

فصل في غزوة أحدعدل

ولما قتل الله أشرافَ قريشٍ ببدر، وأُصيبُوا بمصيبةٍ لم يُصابُوا بمثلها، ورَأَسَ فيهم أبو سفيانَ بنُ حربٍ لِذهاب أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطرافِ المدينة في غزوة السَّويق، ولم يَنَلْ ما في نفسه، أخذ يُؤلِّبُ على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمِّع الجموعَ، فجمع قريبًا مِن ثلاثةِ آلافٍ من قريش، والحلفاء، والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئِلا يَفِرُّوا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحوَ المدينة، فنزل قريبًا من جبل أُحُد بمكان يقال لهُ: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوَّال مِن السنة الثالثةِ.

واستشار رسولُ الله ﷺ أصحابًَه أَيخرُج إليهم، أم يمكثُ في المدينة؟ وكان رأُيُه ألا يخرجُوا من المدينة، وأن يتحصَّنُوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنِّساء مِن فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبدُ الله بن أُبَيّ، وكان هو الرأيَ، فبادر جماعةٌ مِن فُضلاء الصحابة ممن فاته الخروجُ يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وأَلحُّوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسول الله ﷺ، فنهض ودخل بيته، ولَبِسَ لأْمَتَهُ، وخرج عليهم، وقد انثنى عزمُ أُولئك، وقالوا: أكْرَهْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ على الخُروج، فقالوا: يا رسولَ الله؛ إن أحببتَ أن تَمْكُثَ في المدينة فافعَلْ، فقال رسول الله ﷺ: "مَا يَنبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عدوِّه".

فخرج رسولُ اللهِ ﷺ في ألف من الصحابة، واستعمل ابنَ أُمِّ مكتُوم على الصلاة بمن بقى في المدينة، وكان رسولُ الله رأى رؤيا، وهو بالمدينةِ، رأى أن في سيفِه ثُلْمَةً، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حَصِينةٍ، فتأوَّل الثُّلمة في سيفه برجل يُصاب مِن أهل بيته، وتأوَّل البقرَ بِنَفَرٍ من أصحابه يُقتلون، وتأوَّل الدِّرع بالمدينة.

فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشَّوْط بَيْنَ المدينةِ وأُحُد، انخزَلَ عبدُ الله ابن أبي بنحو ثُلثِ العسكر، وقال: تُخالفني وتسمَعُ مِن غيرى، فتبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يوبِّخهم ويحضُّهم على الرجوع، ويقول: تعَالَوْا قاتِلُوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نَعلَمُ أنكم تُقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبَّهم، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحُلفائهم مِن يهود، فأبى، وسلك حرَّة بنى حارثة، وقال: "مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ"؟، فخرج به بعضُ الأنصارِ حتى سلَك في حائط لِبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو الترابَ في وجوه المسلمين ويقول: لا أُحِلُّ لكَ أن تدخُلَ في حائطى إن كنتَ رسولَ اللهِ، فابتدره القومُ لِيقتلوه، فقال: "لا تقتُلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصرِ".

ونفذ رسولُ الله ﷺ حتى نزلَ الشِّعبَ مِن أُحُد في عُدْوَةِ الوَادِي، وجعلَ ظهرَه إلى أُحُد، ونهى الناسَ عَنِ القِتَال حتى يأمرهمْ، فلما أصبحَ يومَ السبت، تَعَبَّى للقتال، وهو في سبعِمائة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرُّماة وكانوا خمسين عبدَ الله بن جُبير، وأمره وأصحابَه أن يَلزمُوا مركزهم، وألا يُفارقُوه، ولو رأى الطيرَ تتخطفُ العسكر، وكانوا خلفَ الجيش، وأمرَهُم أنْ يَنْضَحُوا المُشرِكِينَ بالنَّبْلِ، لِئَلا يأتُوا المُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِم.

فظاهر رسولُ الله ﷺ بَيْنَ دِرعَيْن يومئِذٍ، وأعطى اللِّواء مُصْعَبَ بنَ عُمير، وجعل على إحدى المجَنِّبَتَيْنِ الزبيرَ بنَ العوام، وعلى الأخرى المُنذرَ بنَ عمرو، واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فردَّ مَن استصغره عن القتال، وكان منهم عبدُ الله بنُ عمر، وأُسامَة بن زيد، وأُسَيْدُ بن ظَهِيرٍ، والبراءُ بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيدُ بن ثابت، وعَرَابةُ بن أوس، وعمرو بنُ حَزْمٍ، وأجازَ مَن رآهُ مُطِيقًا، وكان مِنهم سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ، ورافعُ بن خَديج، ولهما خمسَ عشْرة سنة. فقيل: أجاز مَن أجاز لبلوغه بالسِّنِّ خمس عشرة سنةً، وردَّ مَن رَدَّ لِصغره عن سِنِّ البُلُوغ، وقالت طائفة: إنما أجازَ مَنْ أجاز لإطاقته، وردَّ مَن رَدَّ لِعدم إطاقته، ولا تأثيرَ للبلوغ وعدمِه في ذلك قالوا: وفى بعض ألفاظ حديث ابن عمر: "فلمَّا رَآنى مُطِيقًا أَجَازَني".

وتعبَّتْ قريشٌ للقتال، وهم في ثلاثةِ آلافٍ، وفيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالدَ بن الوليد، وعلى الميسرةِ عِكرمةَ بن أبي جهل، ودفعَ رسولُ الله ﷺ سيفَه إلى أبى دُجَانَة سِمَاكِ بن خَرَشَةَ، وكان شُجاعًا بطلًا يَخْتَالُ عِند الحرب.

وكان أوَّلَ مَنْ بَدَر مِن المشركين أبو عامر الفاسِقُ، واسمه عبد عَمْرِو بن صَيْفِي، وكان يُسمَّى "الرَّاهبَ"، فسمَّاه رسول الله ﷺ الفاسِقَ، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ، شَرِقَ به، وجاهَرَ رسولَ الله ﷺ بالعَدَاوة، فخرج مِنَ المدينة، وذهب إلى قُريش يُوَلِّبُهُم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ويحضُّهم على قِتاله، ووعدَهم بأن قومَه إذا رأوه أطاعُوه، ومالُوا معه، فكان أوَّل مَنْ لَقِيَ المسلمينَ، فنادى قومَه، وتعرَّف إليهم، فَقَالُوا له: لا أنعم اللهُ بكَ عينًا يَا فَاسِقُ، فقال: لقد أصابَ قومي بعدي شرٌ، ثم قاتل المسلمين قِتالًا شديدًا، وكان شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ: أَمِتْ.

وأبلى يومئذ أبو دُجَانَةَ الأنصاري، وطلحةُ بنُ عبيد الله، وأسدُ الله وأسدُ رسوله حمزةُ بنُ عبد المطَّلب، وعليُّ بن أبي طالب، وأنسُ بن النضر، وسعدُ بنُ الربيع.

وكانت الدولةُ أوَّلَ النهارِ للمسلمين على الكفَّار، فانهزم عدوُّ اللهِ، وولَّوا مُدْبِرينَ حتى انتَهَوْا إلى نِسائهم، فلما رأى الرُمَاةُ هزيمتَهم، تركوا مركَزَهم الذي أمرهم رسولُ الله ﷺ بحفظه، وقالوا: يا قومُ الغنيمةَ، فذكَّرهم أميرُهم عهدَ رسول الله ﷺ، فلم يسمعُوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعةٌ، فذهبُوا في طلب الغنيمةِ، وأخْلُوا الثَّغْرَ، وكرَّ فُرسَانُ المشركين، فوجدوا الثَّغْر خاليًا، قد خلا مِن الرُّماة، فجازُوا منه، وتَمكَّنُوا حتى أقبل آخِرهُم، فأحاطُوا بالمسلمين، فأكرم اللهُ مَنْ أكرمَ منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولَّى الصَّحَابة،

وخلَصَ المشركون إلى رسولِ الله ﷺ فجرحُوا وجهَه، وكسروا رَباعِيَّتَه اليُمْنى، وكانت السُّفلى، وهَشَمُوا البيضة على رأسه ورمَوْهُ بالحِجَارة حتى وقع لِشقه، وسقط في حُفرة مِن الحُفَرِ التي كان أبو عامر الفاسِقُ يَكيدُ بها المسلمين، فأخذ عليُّ بيده، واحتضنه طلحةُ بنُ عُبيد الله، وكان الذي تولَّى أذاه ﷺ عَمْرُو بنُ قَمِئَةَ، وعُتُبَةُ بن أبي وقاص، وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عمّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجَّهُ.

وقُتِلَ مصعبُ بن عمير بين يديه، فدفع اللِّواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حَلَقَتَانِ مِن حلق المِغْفَرِ في وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرَّاح، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه مِن شدَّةِ غوصِهِمَا في وجْهِهِ.

وامتصَّ مَالكُ بنُ سنان والد أبي سعيد الخدري الدَّمَ مِن وجنته، وأدركه المشركون يُريدُونَ ما اللهُ حائلٌ بينَهُم وبينَه، فحال دُونَه نفرٌ مِن المسلمين نحو عشرة حتى قُتِلُوا، ثم جالدهم طلحةُ حتى أجهضهم عنه، وترَّسَ أبو دُجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرَّك، وأصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان، فأتى بها رسولَ الله ﷺ، فردَّها عليه بيده، وكانَتْ أصحَّ عينيه وأحسنَهما، وصرخ الشيطانُ بأعلى صوتِهِ: إنَّ محمدًا قَد قُتِلَ، ووقع ذلك في قلوب كثيرٍ من المسلمين، وفرَّ أكثرُهم، وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا.

ومر أنسُ بنُ النَّضر بقوم من المسلمين قد ألقَوا بأيديهم، فقال: ما تنتظِرُونَ؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: ما تَصْنَعُونَ في الحياة بعده؟ قومُوا فموتُوا على ما مَاتَ عليه، ثم استقبلَ الناسَ، ولقى سعدَ بنَ معاذ فقال: يَا سَعْدُ؛ إني لأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ مِنْ دُونِ أُحُد، فقاتل حتى قُتِلَ، ووُجِدَ به سبعونَ ضَربة.

وجُرِحَ يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوًا من عشرينَ جِراحة.

وأقبل رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ المسلمين، وكان أوَّل مَن عرفه تحتَ المِغْفَرِ كعبُ بن مالك، فصاحَ بأعلى صوته: يا معشرَ المسلمين؛ أَبْشِرُوا هذا رسولُ اللهِ ﷺ، فأشار إليه أن اسْكُت، واجتمع إليه المسلمونَ ونهضُوا معه إلى الشِّعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلى، والحارث بنُ الصِّمَّة الأنصاري وغيرُهم، فلما استندوا إلى الجبل، أدركَ رسولَ الله ﷺ أُبيُّ بنُ خَلَف على جواد له يُقال له: العَوْذ، زعم عدوُّ اللهِ أنه يقتُل عليه رسولَ الله ﷺ، فلما اقترب منه، تناول رسولُ الله ﷺ الحربةَ مِن الحارث بنً الصِّمَّةِ، فطعنَه بها فجاءت في تَرْقُوتِهِ، فكرَّ عدوُّ الله منهزِمًا، فقال له المشركون: واللهِ ما بك من بأسٍ، فقال: واللهِ لو كان ما بي بأهلِ ذي المَجَازِ، لماتُوا أجمعُون، وكانَ يَعْلِفُ فرسَه بمكةَ ويقولُ: أقْتُلُ عليه محمدًا، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال: "بَلْ أنَا أَقْتُلُه إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى" فلما طعنَه، تَذكَّر عدوُّ الله قوله: "أنا قاتِلهُ"، فأيقن بأنه مقتول مِن ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بِسَرِفَ مَرْجِعَهُ إلى مكَّةَ.

وجاءَ عليّ إلى رسول الله ﷺ بماء ليشرب منه، فوجده آجنًا، فرده، وغسل عن وجهه الدم، وصبَّ على رأسه، فأراد رسولُ الله ﷺ أن يعلُوَ صخرةً هُنالك، فلم يَسْتَطِع لِما به، فجلس طلحةُ تحتَه حتى صَعِدَهَا، وحانتِ الصلاةُ، فصلَّى بهم جالسًا، وصار رسولُ اللهِ ﷺ في ذلك اليوم تحتَ لِواء الأنصار.

وشدَّ حنظلةُ الغسيل وهو حنظلةُ بن أبي عامر على أبى سفيان، فلما تمكَّن منه، حَمَلَ على حنظلة شَدَّادُ بنُ الأسود فقتله، وكان جُنُبًا، فإنه سَمِعَ الصَّيْحَةَ، وهو على امرأته، فقَامَ مِن فَوره إلى الجهاد، فأخبرَ رسولُ اللهِ ﷺ أصْحَابَهُ: "أنَّ المَلائِكَةَ تُغَسِّلُهُ" ثم قال: "سَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ"؟ فسألُوا امرأته، فَأَخْبَرَتْهُمُ الخَبَرَ. وجعل الفقهاءُ هذا حُجة، أن الشهيدَ إذا قُتِلَ جُنبًا، يُغسَّل اقتداءً بالملائكة.

وقتل المسلمون حامِلَ لواءِ المشركينَ، فرفَعَتْهُ لهم عَمْرَةُ بنتُ علقمةَ الحارِثِيَّة، حتى اجتمعوا إليه، وقاتلت أُمُّ عُمارة، وهي نُسيبة بنتُ كعب المازنية قِتالًا شديدًا، وَضَرَبَتْ عمرَو بن قَمِئَةَ بالسَّيْفِ ضَرَبَاتٍ فَوَقَتْهُ دِرعانِ كانتا عليه، وضربها عمرو بالسِّيْفِ، فجرحها جُرحًا شديدًا على عاتقها.

وكان عمرو بن ثابتِ المعروفُ بالأُصَيْرم من بنى عبد الأشهل يأبى الإسلامَ، فلما كان يَوْمَ أُحُدٍ، قذف اللهُ الإسلامَ في قلبه للحُسْنى التي سبقت له منه، فأسلم وأخذ سيفَه، ولَحِقَ بالنبي ﷺ، فقَاتل فأُثْبِتَ بالجِرَاحِ، ولم يعلم أحدٌ بأمره، فلما انجلت الحرب، طاف بنو عبد الأشهل في القتلى، يلتمِسُون قتلاهم، فوجَدوا الأُصَيْرمَ وبهِ رَمَقٌ يسير، فقالوا: واللهِ إن هذا الأصيرمَ، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لَمُنْكِرٌ لهذا الأمر، ثم سألوه ما الذي جاء بك؟ أَحَدَبٌ عَلى قَوْمِكَ، أم رغبةٌ في الإسلام؟ فقال: بل رغبةٌ في الإسلام، آمنتُ باللهِ ورسوله، ثم قاتلتُ مع رسول الله ﷺ حتى أصابنى ما تَرَوْنَ، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله ﷺ، فقال: "هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ". قال أبو هريرة: ولم يُصَلِّ للهِ صَلاةً قَطُّ.

ولما انقضَتِ الحربُ، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: أفيكُم محمد؟ فلم يُجيبُوهُ، فقال: أفيكُمُ ابن أبي قُحَافة؟ فلم يُجيبوه. فقال: أفيكُم عُمرُ بنُ الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يَسْأَلْ إلَّا عن هؤلاء الثلاثة لِعلمه وعِلم قومه أن قِوَامَ الإسلام بهم، فقال: أمَّا هَؤلاء، فقد كُفيتُموهم، فلم يَملِكُ عُمَر نفسَه أن قال: يَا عَدُوَّ اللهِ؛ إنَّ الَّذِينَ ذكرتَهُمْ أحياءٌ، وقد أبقى اللهُ لَكَ ما يَسُوءُكَ، فقال: قَدْ كان في القوم مُثْلَةٌ لم آمُر بها، ولم تسؤْنى، ثم قال: أعْلُ هُبَلُ. فقال النبي ﷺ: "ألا تُجِيبُونَه"؟ فَقَالُوا: ما نقُولُ؟ قال: "قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وأَجَلُّ"، ثم قال: لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال: "ألا تُجِيبُونَه"؟ قالُوا: ما نقول؟ قال: "قولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكم". فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته، وبِشرْكِهِ تعظيمًا للتوحيد، وإعلامًا بعزة مَنْ عبده المسلمون، وقوةِ جانبه، وأنه لا يُغلب، ونحن حزبُه وجُنده، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قُحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد رُوي أنه نهاهم عن إجابته، وقال: "لا تُجيبوه"، لأن كَلْمَهُمْ لم يكن بَرَدَ بَعْدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعد متوقِّدة، فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كُفيتموهم، حميَ عمر بنُ الخطاب، واشتد غضبُه وقال: كذبْت يا عدوَّ الله، فكان في هذا الإعلام من الإذلال، والشجاعة، وعدمِ الجُبن، والتعرفِ إلى العدو في تلك الحال، ما يُوذِنُهم بقوة القوم وبَسالتهم، وأنهم لم يَهِنُوا ولم يَضْعُفُوا، وأنه وقومَه جديرون بعدم الخوفِ منهم، وقد أبقى اللهُ لهم ما يسوؤهُم منهم، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنَّهِ وظنِّ قومه أنهم قد أُصيبوا من المصلحة، وغيظ العدو وحِزبِهِ، والفتِّ في عَضُدِهِ ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا، فكان سؤالُه عنهم، ونعيُهم لِقومه آخِر سهام العدو وكيده، فصبر له النبي ﷺ حتى استوفى كيده، ثم انتدب له عُمَرُ، فرد سِهَام كيدِهِ عليه، وكان تركُ الجوابِ أولًا عليه أحسن، وذكره ثانيًا أحسن، وأيضًا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانةً له، وتصغيرًا لشأنه، فلما منَّته نفسُه موتَهم، وظنَّ أنهم قد قتِلُوا، وحصل بذلك من الكِبر والأشر ما حصل، كان في جوابه إهانةٌ له، وتحقيرٌ، وإذلالٌ، ولم يكن هذا مخالفًا لقول النبي ﷺ: "لا تُجِيبُوه"، فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمّدٌ؟ أفيكم فلانٌ؟ أفيكم فلانٌ؟ ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء، فقَد قُتِلُوا، وبكل حال، فلا أحسنَ من ترك إجابته أولًا، ولا أحسنَ من إجابته ثانيًا.

ثمَّ قال أبو سفيان: يَوْمٌ بِيوم بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، فأجابه عُمَرُ فقال: لا سَوَاء، قَتْلانَا في الجَنَّةِ، وَقَتْلاكُمْ في النَّارِ.

وقال ابن عباس: ما نُصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَوْطِنٍ نَصْرَه يَوْمَ أُحُد، فأُنْكِرَ ذلِكَ عليه، فَقَالَ: بيني وبَيْنَ من يُنكِرُ كِتابُ الله، إنَّ الله يَقُولُ: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ } [99]، قال ابنُ عباس: والحَسُّ القتلُ، ولقد كان لِرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابه أوَّلُ النهار حَتَّى قُتِلَ مِن أصحابِ المشركينَ سبعةٌ أو تسعةٌ. وذكر الحديث.

وأنزل اللهُ عليهم النُّعاسَ أمنةً مِنْهُ في غَزاةِ بدرٍ وأُحُدٍ، والنعاسُ في الحرب وعند الخوفِ دليل على الأمنِ، وهو من الله، وفى الصَّلاة ومجالِس الذكر والعِلم مِن الشيطان.

وقاتلت الملائكةُ يومَ أُحُدٍ عن رسول الله ﷺ، ففي الصحيحين: عن سعدِ بن أبي وقاص، قال: "رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلانِ يُقَاتِلانِ عَنْهُ، عليهمَا ثِيَابٌ بِيْضٌ كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ".

وفي صحيح مسلم: أنه ﷺ، أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأنصارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فلما رَهِقُوه، قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهمْ عَنَّا، وَلَهُ الجَنَّة"، أو "هُوَ رفيقي في الجَنَّةِ"؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثم رَهِقُوهُ، فقال: "مَنْ يَرُدُّهُم عنَّا، ولهُ الجَنَّةُ"، أَو "هُوَ رفيقي في الجنَّة"، فَتَقَدّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: "ما أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا"، وهذا يُروى على وجهين: بسكون الفاء ونصبِ "أصحابنا" على المفعولية، وفتح الفاء ورفع "أصحابنا" على الفاعلية.

ووجه النصب: أن الأنصار لما خرجُوا للقتال واحدًا بعد واحد حتى قُتِلُوا، ولم يخرج القرشيان، قال ذلك، أي: ما أنصفت قريشٌ الأنصار.

ووجه الرفع: أن يكون المراد بالأصحاب، الذين فرُّوا عن رسول الله ﷺ حتى أُفْرِدَ في النفر القليل، فَقُتِلُوا واحدًا بعد واحد، فلم يُنْصِفُوا رسول الله ﷺ ومَنْ ثبت معه.

وفي صحيح ابن حبان عن عائشة، قالت: قال أبو بكر الصِّديقُ: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ، انصرفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنِ النبي ﷺ، فكنتُ أوَّلَ مَنْ فَاءَ إلى النبي ﷺ، فرأيتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلًا يُقَاتِلُ عنه ويَحْمِيه، قلتُ: كُنْ طَلْحَةَ فداك أبي وأُمِّي، كُنْ طَلْحَةَ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي. فلم أَنْشَبْ، أَنْ أَدْرَكَنِي أبو عُبَيْدَة بنُ الجرَّاحِ، وإذَا هُوَ يشتَدُّ كأنه طيرٌ حتى لحقنى، فدفعنا إلى النبي ﷺ، فإذا طلحةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعًا، فقال النبي ﷺ: "دُونَكُمْ أَخَاكُم فقد أَوْجَبَ "، وقد رُميَ النبي ﷺ في جبينه، وروى: في وَجْنَتِهِ حتَّى غَابَتْ حَلَقَةٌ مِنَ حَلَقِ المِغْفَرِ في وَجْنَتِهِ، فَذَهَبْتُ لأنْزِعَهَا عَن النبي ﷺ، فقال أَبُو عبيدة: نَشَدْتُك باللهِ يا أبا بكر إلَّا تَرَكْتَنى؟ قال: فَأَخَذَ أبو عبيدة السَّهْمَ بفِيه، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ثُمَّ استلَّ السَّهْمَ بفِيه، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عُبيدة، قال أبو بكر: ثم ذَهَبْتُ لآخُذَ الآخَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نَشَدْتُكَ باللهِ يا أبا بَكْرٍ، إلا تَركْتَنِي؟ قال: فَأَخَذَهُ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتَّى اسْتَلَّهُ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة الأُخْرَى، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "دُونكُمْ أخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ"، قال: فأقبلنا عَلَى طلحة نُعالِجُه، وقد أصابته بضعة عَشَر ضربة.

وفي مغازي الأموي: أن المشرِكِينَ صَعِدُوا على الجبل، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدٍ: "اجنُبْهُمْ" يقول: اردُدْهم. فقال: كيف أَجْنُبُهُمْ وَحْدِي؟ فقال ذلك ثلاثًا، فأخذ سعدٌ سهمًا مِن كِنانته، فرمى به رجلًا فقتله، قال: ثم أخذتُ سهمى أَعْرِفُهُ، فرميتُ بِهِ آخر فقتلتُه، ثم أخذتُه أعْرِفُه، فرميتُ به آخر فقتلتُه، فهبطُوا مِن مَكَانِهم، فقلتُ: هذا سهمٌ مبارك، فجعلته في كِنانتى، فكان عند سعد حتى مات، ثمَّ كان عند بنيه.

وفي الصحيحين عن أبى حازم، أنه سئلَ عن جُرح رسول الله ﷺ، فقال: "واللهِ إني لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ الله ﷺ، ومَنْ كَانَ يَسْكُبُ المَاءَ، وبِمَا دُووى، كَانَتْ فَاطِمَةُ ابنتهُ تَغْسِلُه، وعليُّ بن أبي طَالِبٍ يَسْكُبُ المَاءَ بِالمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أنَّ المَاءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إلا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قطعة مِنْ حَصيرٍ، فَأَحْرَقٌتَها فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ".

وفي الصحيح: أنه كُسِرَت رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدمَّ عنه، ويقُول: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نبيِّهمْ، وكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَه، وهُوَ يَدْعُوهم" فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإنَّهُمْ ظَالِمُونَ } [100].

ولمَّا انهزم الناسُ، لم ينهزِمْ أنسُ بنُ النضر. وقال: اللهُمَّ إني أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤلاءِ، يعني المُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤلاءِ، يعني المُشْرِكِينَ، ثم تقدَّم، فَلَقِيَه سعدُ بن معاذ، فقال: أينَ يا أبا عُمَرُ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ يَا سَعْدُ، إني أجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، ثُمَّ مَضَى، فَقَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، فَمَا عُرفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُه بِبَنَانِهِ، وَبِهِ بِضْعٌ وثَمَانُونَ، مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بًسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.

وانهزم المشركون أوَّل النهارِ كما تقدَّم، فصرخ فيهم إبليسُ: أي عِبادَ الله، أخزاكم اللهُ، فارجِعُوا مِن الهزيمة، فاجتلدوا.

ونظر حُذيفة إلى أبيهِ، والمُسْلِمُونَ يريدون قتله، وهم يظنُّونه مِن المُشْرِكِينَ، فقال: أي عِبَادَ اللهِ؛ أبى، فَلَمْ يَفْهَمُوا قولَه حتَّى قتلُوه، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ، فأرادَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَدِيَه، فَقَالَ: قَدْ تَصَدَّقْتُ بديته عَلَى المُسْلِمِينَ، فزادَ ذَلِكَ حُذَيْفَةَ خَيْرًا عِنْدَ النبي ﷺ.

وقال زيدُ بنُ ثابت: بعثني رسُولُ اللهِ ﷺ يوم أُحُدٍ أطلُب سعدَ بنَ الرَّبيعِ، فقال لي: "إنْ رَأَيْتَهُ فأقرئه منِّي السَّلامَ، وقُلْ لهُ: يقولُ لَكَ رسُولُ الله ﷺ: كَيْفَ تَجِدُكَ"؟ قالَ: فجعلتُ أطوفُ بَيْنَ القَتْلَى، فأتيتُه، وهو بآخِرِ رَمَق، وفيه سبعونَ ضربةً، ما بين طعنةٍ برُمح، وضربةٍ بسيف، ورميةٍ بسهم، فقلت: يا سعدُ؛ إنَّ رسولَ الله ﷺ يقرأ عليكَ السَّلامَ، ويقول لك: أخبرني كيف تَجِدُكَ؟ فقال: وعلى رسولِ الله ﷺ السلامُ، قل له: يا رسُولَ اللهِ؛ أَجِدُ ريحَ الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذْرَ لكم عند الله إن خُلِصَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وفيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نفسُهُ من وقته.

ومرَّ رجل مِن المهاجرين برجُل مِن الأنصار، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فقال: يا فلانُ؛ أشعرتَ أن محمَّدًا قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتلَ، فقد بلَّغ، فقاتِلُوا عَنْ دِينكم، فنزل: { وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } [101] الآية.

وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيتُ في النَّومِ قَبْلَ أُحُد، مبشِّرَ بنَ عبدِ المنذر يقول لي: أنت قادِمٌ علينا في أيَّام، فقلتُ: وأين أنتَ؟ فقال: في الجنة نَسْرَحُ فيها كَيْفَ نشاء، قلت له: ألم تُقتَلْ يومَ بدرٍ؟ قال: بلى، ثم أُحْيِيْتُ، فذكر ذَلِكَ لِرسول الله ﷺ فقال: "هَذِهِ الشَّهَادَةُ يَا أبا جَابِر".

وقال خيثمة أبو سعد، وكان ابنُه استُشْهِدَ مع رسولِ الله ﷺ يومَ بدر: "لَقَدْ أَخْطَأًَتْنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ، وكُنْتُ واللهِ عليها حَرِيصًا، حتى سَاهَمْتُ ابنى في الخُرُوجِ، فخرجَ سهمُه، فَرُزِقَ الشَّهَادَةَ، وقد رأيتُ البَارِحَةَ ابنى في النوم في أَحْسَنِ صُورةٍ يَسْرَحُ في ثِمارِ الجَنَّةِ وأَنْهَارِهَا، ويقولُ: الْحَقْ بِنَا تُرافِقْنَا في الجَنَّةِ، فَقَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حقًا، وقد واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَصْبَحْتُ مُشْتَاقًا إلى مُرَافَقَتِهِ في الجَنَّةِ، وقَد كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وأحبَبْتُ لِقَاءَ رَبِّي، فَادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَرْزُقَنى الشَّهَادَة، ومُرافقة سَعْدٍ في الجنَّةِ، فَدَعَا له رسولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا".

وقال عبدُ الله بنُ جَحْشٍ في ذلك اليوم: اللهُمَّ إني أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ ألْقى العَدُوَّ غَدًا، فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، ويَجْدعُوا أَنْفِي، وَأُذُنِي، ثُمَّ تَسْأَلُنِي: فيمَ ذلِكَ، فَأَقُولُ فيكَ.

وَكَانَ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وكانَ له أربَعَةُ بَنينَ شَبَاب، يَغْزُونَ مَعَ رسولِ الله ﷺ إذَا غَزَا، فَلمَّا تَوَجَّهَ إلى أُحُدٍ، أرادَ أن يَتَوجَّهَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: إنَّ اللهَ قد جعلَ لك رخصةً، فلو قَعَدْتَ ونحنُ نَكْفِيكَ، وقد وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الجِهَادَ، فأتى عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ رسُولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسُولَ اللهِ؛ إنَ بَنِيَّ هؤلاء يمنعُوني أن أخْرُجَ مَعَكَ، وواللهِ إني لأَرْجُو أن أُسْتَشْهدَ فأطأَ بعَرْجَتِي هذِهِ في الجَنَّةِ، فَقَال له رسول الله ﷺ: "أمَّا أَنْتَ، فَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الجِهَادَ" وَقَالَ لِبَنِيهِ: " ومَا عَلَيْكُم أَنْ تَدَعُوهُ، لَعَلَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ"، فخرجَ مَعَ رسولِ الله ﷺ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شهيدًا.

وانتهى أنسُ بنُ النَّضرِ إلى عُمَرَ بنِ الخطاب، وطلحةَ بن عبيد الله في رِجالٍ من المهاجرين والأنصار، وقد ألقَوْا بأيديهِم، فقال: ما يُجْلِسُكم؟ فَقَالُوا: قُتِلَ رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: فما تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثمَّ استقبلَ القَوْمَ، فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ.

وأقبل أُبيُّ بنُ خَلَفٍ عَدُوُّ اللهِ، وهو مُقَنَّعٌ في الحديد، يقول: لا نجوتُ إنْ نجا محمَّد، وكان حَلَفَ بمكة أن يقتُل رسولَ اللهِ ﷺ، فاستقبلهُ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، فَقُتِلَ مُصْعَبٌ، وأبصَرَ رسُولُ اللهِ ﷺ تَرْقُوَةَ أُبيِّ بْنِ خَلَف مِنْ فُرْجةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْع والبَيْضَةِ، فطعنَه بِحَرْبتِهِ، فوقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فاحتمله أصحابُه، وهو يخُور خُوارَ الثَّورِ، فقالُوا: ما أجزعَكَ؟ إنمَا هو خَدْشٌ، فذَكر لهم قول النبي ﷺ: "بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى" فمات برابغ.

قال ابن عمر: "إني لأسيرُ ببطنِ رَابغ بعد هُويٍّ من الليل، إذا نارٌ تأجَّجُ لي، فيممتُها، وإذا رجل يخرج منها في سِلْسِلَة يجتذبُها يصيحُ: العطش، وإذا رجلٌ يقول: لا تَسْقِهِ، هذا قتيلُ رسولِ الله ﷺ، هذا أُبيُّ بنُ خلف".

وقال نافعُ بن جُبير: سمعتُ رجلًا من المهاجرين يقولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فنظرتُ إلى النَّبل يأتي من كُلِّ ناحيةٍ، ورسولُ الله ﷺ وسَطَهَا، كُلُّ ذَلِكَ يُصرفُ عنه، ولقد رأيتُ عبدَ اللهِ بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دُلُّونى على محمد، لا نجوتُ إن نَجا، ورسولُ الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزهُ، فعاتبه في ذلك صَفوان، فقال: واللهِ ما رأيتُهُ، أَحْلِفُ باللهِ، إنه مِنَّا ممنوعٌ، فخرجنا أربعةً، فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلُص إلى ذلك.

ولما مصَّ مالك أبو أبي سعيد الخدري جرحَ رسولِ الله ﷺ حتى أنقاهُ، قال له: "مُجَّهُ" قال: واللهِ لا أَمُجُّهُ أبدًا، ثم أدبر، فقال النبي ﷺ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ منْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى هذَا".

قالَ الزهري وعاصم بن عمر ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرُهم: كان يومُ أحد يومَ بلاء وتَمحِيص، اختبر اللهُ عَزَّ وجَلَّ به المؤمنين، وأظهر به المنافقين ممن كان يُظْهِرُ الإسلام بلسانِهِ، وهو مُستخفٍ بالكُفر، فأَكْرَمَ اللهُ فيه مَن أراد كرامتَه بالشهادةِ من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم أُحُد ستون آية مِن آل عمران، أولها: { وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [102] إلى آخر القصة.

فصل فيما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام والفقهعدل

منها: أن الجهادَ يلزمُ الشُّروع فيه، حتى إن مَنْ لَبِسَ لأْمَتَه وَشَرَعَ في أسْبَابِهِ، وتأَهَّبَ لِلخُروج، ليس له أن يَرْجِعَ عن الخروج حتى يُقاتِلَ عدوَّه.

ومنها: أنه لا يَجِبُ على المسلمين إذا طَرَقَهُمْ عدوُّهم في ديارهم الخروجُ إليه، بل يجوزُ لهم أن يلزمُوا دِيارهم، ويُقاتلوهم فيها إذا كانَ ذلك أنصرَ لهم على عدوِّهم، كما أشار به رسولُ الله ﷺ عليهم يومَ أُحُد.

ومنها: جوازُ سُلُوكِ الإمام بالعسكرِ في بعض أملاك رعيَّته إذا صادفَ ذلك طريقَه، وإن لم يرضَ المالكُ.

ومنها: أنه لا يأذنُ لِمن لا يُطيق القِتَالَ من الصبيان غيرِ البالغين، بل يردُّهم إذا خرجوا، كما رد رسولُ الله ﷺ ابنَ عمر ومَن معه.

ومنها: جوازُ الغزوِ بالنساء، والاستعانةُ بِهِنَّ في الجهاد.

ومنها: جوازُ الانغماس في العدو، كما انغمسَ أنسُ بنُ النضر وغيرُه.

ومنها: أن الإمَامَ إذا أصابته جِراحة صلَّى بهم قاعدًا، وصلُّوا وراءه قعودًا، كما فَعَلَ رسولُ الله ﷺ في هذِهِ الغزوة، واستمرت على ذلك سُنَّته إلى حين وفاته.

ومنها: جوازُ دعاءِ الرجل أن يُقتَلَ في سَبيل الله، وتمنيه ذلك، وليس هذا من تمنى الموت عنه، كما قال عبد الله بن جحش: اللهُم لقِّنى من المشركين رجلًا عظيمًا كفره، شديدًا حَردُه، فأقاتله، فيقتلنى فيك، ويسلبنى، ثم يجدَع أنفى وأُذنى، فإذا لقيتُكَ، فقلتَ: يا عبدَ اللهِ بن جحش، فيم جُدِعْتَ؟ قلت: فيك يا رَبِّ.

ومنها: أن المسلِمَ إذا قتل نفسه، فهو من أهل النار، لقوله ﷺ في قُزْمَانَ الذي أبلى يومَ أُحُدٍ بلاءً شديدًا، فلما اشتدَّت بِهِ الجِراحُ، نَحَرَ نفسه، فقال ﷺ: "هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ".

ومنها: أن السُّنَّةَ في الشهيدِ أنه لا يُغَسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُكَفَّن في غير ثيابه، بل يُدفَن فيها بدمه وكُلومه، إلا أن يُسْلَبَهَا، فيكفَّنَ في غيرها.

ومنها: أنه إذا كان جُنبًا، غُسِّلَ كما غسَّلَتِ الملائكةُ حنظلةَ بن أبي عامر.

ومنها: أن السُّنَّة في الشهداء أن يُدفنوا في مصَارِعهم، ولا يُنقلوا إلى مكان آخر، فإن قومًا من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فنادى منادى رسول اللهِ ﷺ بالأمرِ بَردِّ القتلى إلى مصارعهم، قال جابر: بينا أنا في النَّظَّارَةِ، إذ جاءت عمَّتى بأبى وخالى عَادَلَتْهُمَا على ناضِح، فدخَلَتْ بهما المدينة، لنَدْفِنَهُمَا في مقابرنا، وجاء رجل يُنادى: ألا إنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَأْمُرُكُم أن تَرْجِعُوا بِالقَتْلَى، فَتَدْفِنُوهَا في مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ. قال: فرجعنَا بِهِمَا، فدفنَّاهما في القتلى حيثُ قُتِلا، فبينا أنا في خلافةِ معاويةَ بن أبي سُفيان، إذ جاءنى رجلٌ، فقال: يا جابرُ؛ واللهِ لقد أثار أَبَاكَ عُمَّالُ معاويَة فبدا، فخَرجَ طائفة منه، قال: فأتيتُه، فوجدتُه على النحو الذي تركتُه لم يتَغيَّرْ منهُ شئ. قال: فواريتُه، فصارت سُنَّة في الشهداء أن يُدْفَنُوا في مصارِعهم.

ومنها: جوازُ دفن الرجلينِ أو الثلاثة في القبر الواحد، فإنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَدْفِنُ الرجلين والثلاثة في القبر، ويقول: "أيُّهم أكْثَرُ أخذًا لِلقُرآنِ، فإذا أشارُوا إلى رَجُلٍ، قَدَّمه في اللحد ".

ودفن عبدَ الله بنَ عَمْرِو بن حرام، وعمرَو بنَ الجموح في قبر واحد، لِمَا كان بينهُمَا مِن المحبة فقال: "ادْفِنُوا هَذَيْنِ المُتَحَابّيْنِ في الدُّنْيَا في قَبْرٍ واحد".

ثمَّ حُفِرَ عنهما بعد زمنٍ طويل، ويدُ عبدِ اللهِ بن عمرو بن حرام على جرحه كما وضعها حين جُرِحَ، فأُمِيطَتْ يدُه عن جرحه، فانبعثَ الدَّمُ، فَرُدَّت إلى مكانهَا، فسكن الدم.

وقال جابر: رأيتُ أبى في حُفرته حين حُفِرَ عليه، كأنَّه نائم، وما تغيَّر مِن حاله قليلٌ ولا كثير. قيل له: أفرأيتَ أكفانَه؟ فقال: إنما دُفن في نمرة خُمِرَّ وجْهُه، وعلى رجليه الحَرْمَلُ، فوجدنا النَّمِرَةَ كما هي، والحرملَ على رجليه علَى هَيْئَتِهِ، وبين ذلك ست وأربعون سنة.

وقد اختلف الفقهاء في أمرِ النبي ﷺ أن يُدفن شهداءُ أُحُد في ثيابهم، هل هو على وجه الاستحبابِ والأولويَّة، أو على وجه الوجوب؟ على قولين. الثاني: أظهرُهما وهو المعروفُ عن أبي حنيفة، والأول: هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد، فإن قيل: فقد روى يعقوبُ بن شيبة وغيرُه بإسناد جيد، أن صفيَّةَ أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبَيْنِ لِيكفِّن فيهما حمزة، فكفَّنه في أحدهما، وكفَّن في الآخر رجلًا آخر. قيل: حمزةُ، كان الكفارُ قد سلبوه، ومثَّلُوا به، وبقَرُوا عن بَطنِه، واستخرجوا كَبدَه، فَلِذلِكَ كُفِّنَ في كَفَنٍ آخر. وهذا القولُ في الضعف نظيرُ قول مَن قال: يُغسَّلُ الشهِيدُ، وسُنَّةُ رسول الله ﷺ أوْلى بالاتباع.

ومنها: أن شهيدَ المعركة لا يُصلَّى عليه، لأن رسول الله ﷺ لم يُصَلِّ على شُهدَاء أُحُد، ولم يُعرف عنه أنه صلَّى على أحد ممن استشهد معه في مغازيه، وكذلك خلفاؤُه الراشِدُون، ونوابُهم مِن بعدهم.

فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عُقبة بنِ عامر، أن النبي ﷺ خرج يومًا، فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر.

وقال ابنُ عباس: "صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على قتلى أُحُد".

قيل: أما صلاتُه عليهم، فكانت بعد ثمانِ سنين مِن قتلهم قُرْبَ موته، كالمودِّع لهم، ويُشبِهُ هذا خروجُه إلى البقيع قبل موته، يستغفِرُ لهم كالمودِّع للأحياء والأموات، فهذه كانت توديعًا منه لهم، لا أنها سُنَّةُ الصلاة على الميت، ولو كان ذلك كذلك، لم يُؤخِّرها ثمان سنين، لا سيما عند مَنْ يقول: لا يُصلَّى على القبر، أو يصلَّى عليه إلى شهر.

ومنها: أن مَن عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج، يجوز له الخروجُ إليه، وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرُو بن الجموح، وهو أعرج.

ومنها: أن المسلمين إذا قَتَلُوا واحدًا منهم في الجهاد يظنُّونه كافرًا، فعلى الإمام ديتُه مِن بيتِ المالِ، لأن رسولَ الله ﷺ أراد أن يَدِيَ اليمانَ أبا حُذيفة، فامتنع حُذيفَةُ من أخذ الدية، وتصدَّقَ بها على المسلمين.

فصل في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحدعدل

وقد أشار اللهُ سبحانه وتعالى إلى أُمهاتِها وأُصولها في سورة "آل عمران" حيث افتتح القصة بقوله: { وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [103] إلى تمام ستين آية.

فمنها: تعريفُهم سوءَ عاقبة المعصية، والفَشَل، والتنازُعِ، وأن الذي أصابَهم إنما هو بِشُؤمِ ذلِكَ، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ، حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ في الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [104].

فلما ذاقُوا عاقبةَ معصيتهِم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانُوا بعد ذلك أشدَّ حذرًا ويقظة، وتحرُّزًا مِن أسبابِ الخِذلان.

ومنها: أن حِكمة الله وسُنَّته في رُسله، وأتباعِهم، جرت بأن يُدَالوا مَرَّةً، ويُدَالَ عليهم أُخرى، لكن تكونُ لهم العاقبةُ، فإنهم لو انتصرُوا دائمًا، دخلَ معهم المؤمنون وغيرُهم، ولم يتميَّز الصَّادِقُ مِن غيره، ولو انتُصِرَ عليهم دائمًا، لم يحصل المقصودُ من البعثة والرسالة، فاقتضت حِكمة الله أن جمع لهم بينَ الأمرين ليتميز مَن يتبعُهم ويُطيعهُم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعُهم على الظهور والغلبة خاصة.

ومنها: أن هذا مِن أعلام الرسل، كما قال هِرَقْلُ لأبي سفيان: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قال: نعم. قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُم وبَيْنَه؟ قالَ: سِجَال، يُدالُ علينا المرة، ونُدالُ عليه الأخرى. قال: كَذلِكَ الرُّسُل تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَة.

ومنها: أن يتميَّز المؤمنُ الصَّادِقُ مِن المنافقِ الكاذبِ، فإنَّ المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يومَ بدر، وطار لهم الصِّيتُ، دخل معهم في الإسلام ظاهرًا مَنْ ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حِكمةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أن سَبَّبَ لعباده مِحْنَةً ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأَطْلَعَ المنافقون رُؤوسَهم في هذه الغزوة، وتكلَّموا بما كانوا يكتُمونه، وظهرت مُخَبَّآتُهم، وعاد تلويحُهم تصريحًا، وانقسم الناسُ إلى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقسامًا ظاهرًا، وعَرَفَ المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس دُورهم، وهم معهم لا يُفارقونهم، فاستعدُّوا لهم، وتحرَّزوا منهم. قال تعالى: { مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ } [105]. أي: ما كان اللهُ ليذركم على ما أنتم عليه من التباسِ المؤمنين بالمنافقين، حتى يميزَ أهلَ الإيمانِ مِن أهل النفاق، كما ميَّزهم بالمحنة يومَ أُحُد، وما كان الله لِيُطلعكم على الغيب الذي يَمِيزُ به بينَ هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميِّزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يُريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا، فيقع معلومهُ الذي هو غيبٌ شهادةً. وقوله: { وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ } [106] استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، سوى الرسلِ، فإنه يُطلعهم على ما يشاء مِن غيبه، كما قال: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } [107] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيبِ الذي يُطْلِعُ عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم، فلكم أعظمُ الأجر والكرامة.

ومنها: استخراجُ عبوديةِ أوليائه وحزبِه في السَّراء والضرَّاء، وفيما يُحبُّون وما يكرهون، وفى حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتُوا على الطاعة والعبودية فيما يُحبون وما يكرهون، فهم عبيدهُ حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد مِن السَّراء والنعمة والعافية.

ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا، وأظفرهم بعدوِّهم في كُلِّ موطن، وجعل لهم التَّمْكِينَ والقهرَ لأعدائهم أبدًا، لطغتْ نفوسُهم، وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصرَ والظفرَ، لكانُوا في الحال التي يكونون فيها لو بَسَطَ لهم الرِّزْقَ، فلا يُصْلِحُ عِباده إلا السَّراءُ والضَّراءُ، والشدةُ والرخاءُ، والقبضُ والبسطُ، فهو المدبِّرُ لأمر عباده كما يليقُ بحكمته، إنه بهم خبير بصير.

ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغَلَبَةِ، والكَسْرَةِ، والهزيمة، ذلُّوا وانكسَروا، وخضعُوا، فاستوجبوا منه العِزَّ والنَّصْرَ، فإن خِلعة النصر إنما تكونُ مع ولاية الذُّلِّ والانكسارِ، قال تعالى: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } [108]، وقال: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُم شَيْئًا } [109]، فهو سبحانه إذا أراد أن يُعِزَّ عبدَه، ويجبُرَه، وينصُرَه، كسره أوَّلًا، ويكونُ جبرُه له ونصره، على مِقدار ذُلِّه وانكساره.

ومنها: أنه سبحانه هيَّأ لعباده المؤمنين منازِلَ في دار كرامته، لم تبلُغْها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنةِ، فقيَّض لهم الأسبابَ التي تُوصِلُهُم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.

ومنها: أن النفوسَ تكتسِبُ من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا ورُكونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يَعُوقُها عن جِدِّها في سيرها إلى الله والدارِ الآخرة، فإذا أراد بها ربُّهَا ومالِكُهَا وراحِمُهَا كرامته، قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقى العليلَ الدواءَ الكريه، ويقطع منه العروقَ المؤلمةَ لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه، لَغَلَبَتْهُ الأدواءُ حتى يكون فيها هلاكه.

ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقرَّبون من عباده، وليس بعد درجة الصِّدِّيقيَّة إلا الشهادةُ، وهو سبحانه يُحب أن يتّخِذَ مِن عباده شهداءَ، تُراقُ دماؤهم في محبته ومرضاته، ويُؤْثرونَ رضاه ومحابَّه على نفوسهم، ولا سبيلَ إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.

ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم، وطغيانهم، ومبالغتهم في أذي أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم.

وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: { وَلا تَهِنُواْ وَلا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ، وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمينَ ولِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [110]، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم وهِممهم، وبينَ حُسنِ التسلية، وذكر الحِكمِ الباهِرَة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: { إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } [111]، فقد استويتُم في القرح والألَمِ، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: { إِن تَكُونُواْ تَأَلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ } [112]، فما بالكم تَهِنُونَ وتضعُفُون عند القرحِ والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيلِ الشيطان، وأنتم أُصِبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.

ثم أخبرَ أنه يُدَاوِلُ أيامَ هذه الحياة الدنيا بين الناسِ، وأنها عَرَضٌ حاضِر، يقسمها دُوَلًا بين أوليائه وأعدائِهِ بخلاف الآخِرةِ، فإن عزَّها ونصرَها ورجاءَها خالصٌ للذين آمنُوا.

ثم ذكر حِكمة أُخرى، وهي أن يتميَّزَ المؤمنون من المنافقين، فيعلمُهم عِلْمَ رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومِين في غيبه، وذلك العلم الغيبى لا يترتَّب عليه ثوابٌ ولا عقاب، وإنمَّا يترتب الثوابُ والعقابُ على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِ.

ثم ذكر حكمة أُخرى، وهي اتخاذُه سبحانه منهم شهداء، فإنه يُحبُّ الشهداء من عباده، وقد أعَدَّ لهم أعلى المنازل وأفضلَها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بدَّ أن يُنِيلَهم درجة الشهادة.

وقوله: { واللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [113]، تنبيه لطيفٌ الموقِع جدًا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخَذَلُوا عن نبيه يومَ أُحُد، فلم يشهدوه، ولم يَتَّخِذْ منهم شهداء، لأنه لم يُحبهم، فأركَسَهم وردَّهُم لِيَحْرِمَهُم ما خصَّ به المؤمنين في ذلكَ اليوم، وما أعطاهُ مَن استُشهِدَ منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءَهُ وحِزبه.

ثم ذكر حِكمة أُخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتُهم وتخليصُهم من الذنوب، ومن آفاتِ النفوس، وأيضًا فإنه خلَّصهم ومحَّصهم من المنافقين، فتَمَيَّزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يُظهِرُ أنه منهم، وهو عدوُّهم.

ثم ذكر حكمة أخرى، وهي محقُّ الكافرين بطغيانهم، وبغيهم، وعُدوانهم، ثم أنكر عليهم حُسبانَهم، وظنَّهُم أن يدخلُوا الجنَّة بدون الجهاد في سبيله، والصبرِ على أذى أعدائه، وإن هذا ممتنع بحيثُ يُنْكَرُ على مَن ظنه وحَسِبَه.

فقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [114]، أي: ولما يَقَعْ ذلِكَ منكم، فيعلمه، فإنه لو وقع، لعلمه، فجازاكم عليه بالجنة، فيكونَ الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزى العبدَ على مجرد علمه فيه دون أن يقعَ معلومُه، ثم وبَّخهم على هزيمتهم مِن أمر كانوا يتمنَّونه ويودُّون لِقاءه. فقال: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [115].

قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالًا يستشهِدُونَ فيه، فيلحقُونَ إخوانَهم، فأراهم الله ذلك يوم أُحُد، وسبّبه لهم، فلم يَلْبَثُوا أن انهزموا إلا مَن شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: { ولَقَدْ كُنْتُم تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [116].

ومنها: أن وقعةَ أُحُدٍ كانت مُقَدِّمَةً وإرهاصًا بين يدي موتِ رسول الله ﷺ، فثبَّتهم، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم أَنْ ماتَ رسولُ الله ﷺ، أو قُتِلَ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه وتوحِيدهِ ويموتوا عليه، أو يُقتلُوا، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد، وهو حيٌ لا يموت، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ، لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه، وما جاء به، فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت، وما بُعِثَ محمد ﷺ لِيخلَّد لا هُوَ ولا هُم، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ والتَّوحيدِ، فإن الموت لا بُدَّ منه، سواء ماتَ رسول الله ﷺ أو بَقِيَ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ: إنَّ محمدًا قد قُتِلَ، فقال: { وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [117]، والشاكرون: هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قُتِلُوا، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله ﷺ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه، وثبت الشاكِرُون على دينهم، فنصرهم الله وأعزَّهم وظفَّرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم،

ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلًا لا بُدَّ أن تستوفيه، ثم تلحَقَ به، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِدًا واحِدًا، وإن تنوَّعت أسبابه، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير،

ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله، وما ضَعُفُوا، وما استكانُوا، وما وَهَنُوا عندَ القتل، ولا ضعفُوا، ولا استكانوا، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ، والعزِيمةِ، والإقْدَامِ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ مستكينين أذلةً، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً كِرامًا مقبلينَ غير مدبرين، والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين كليهما.

ثم أخبر سُبحانه عما استنصرت به الأنبياءُ وأُممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم، أن يُثَبِّت أقدامَهم، وأن ينصُرَهم على أعدائهم فقال: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلَّا أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا في أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } [118]. لما علم القومُ أن العدو إنما يُدَالُ عليهم بذنوبهم، وأن الشيطانَ إنما يستزِلُّهم ويهزِمُهم بها، وأنها نوعان: تقصيرٌ في حق أو تجاوزٌ لحد، وأن النصرةَ منوطة بالطاعة، قالُوا: ربنا اغفِرْ لنا ذنوبَنا وإسرافَنَا في أمرنا، ثم عَلِمُوا أن ربَّهم تبارك وتعالى إن لم يُثبِّتْ أقدامَهم ويَنْصُرْهم، لم يَقْدِرُوا هُم على تثبيتِ أقدامِ أنفسهم، ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنَّهُ بيده دُونهم، وأنه إن لم يُثبِّتْ أقدامَهم وينصرهم لم يثبتُوا ولم ينتصِرُوا، فَوَفَّوا المقَامَيْنِ حقَّهما: مقامَ المقتضى، وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقامَ إزالةِ المانع من النصرة، وهو الذنوبُ والإسرافُ، ثم حذَّرهم سبحانه مِن طاعة عدوِّهم، وأخبر أنَّهم إن أطاعوهم خَسِرُوا الدنيا والآخِرَة، وفى ذلك تعريضٌ بالمنافقينَ الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفِروا يومَ أُحُد.

ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين، فمَن والاه فهو المنصور.

ثم أخبرهم أنه سيُلقى في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهُجُومِ عليهم، والإقدام على حربهم، وأنَّه يُؤيِّد حزبَه بجند مِن الرعب ينتصِرونَ به على أعدائهم، وذلك الرعبُ بسبب ما في قلوبهم مِن الشركِ باللهِ، وعلى قدرِ الشركِ يكون الرعبُ، فالمشركُ باللهِ أشدُّ شىءٍ خوفًا ورُعبًا، والذين آمنوا ولم يَلْبِسُوا إيمانَهم بالشِّرْكِ، لهم الأمنُ والهُدى والفلاحُ، والمشركُ له الخوفُ والضلالُ والشقاءُ.

ثم أخبرهم أنه صَدَقَهُمْ وعدَه في نُصرتهم على عدوهم، وهو الصادقُ الوعد، وأنهم لو استمرُّوا على الطاعةِ، ولزوم أمر الرسول لاستمرَّت نُصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقُوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصْرَةُ، فصرفهم عن عدوهم عقوبةً وابتلاءً، وتعريفًا لهم بسوء عواقِب المعصيةِ، وحُسنِ عاقبة الطاعة.

ثم أخبر أنه عَفَا عنهم بعد ذلك كُلِّه، وأنه ذو فضلٍ على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم، وقد سلَّط عليهم أعداءَهم حتى قتلُوا منهم مَن قتلوا، ومثَّلُوا بهم، ونالُوا منهم مَا نالوه؟ فقال: لولا عفوُه عنهم، لاستأصلَهم، ولكن بعفوه عنهم دَفَعَ عنهم عدوَّهم بعد أن كانوا مُجمعين على استئصالهم.

ثمَّ ذكَّرهم بحالهم وقتَ الفرارِ مُصعدينَ، أي: جادِّين في الهربِ والذهاب في الأرضِ، أو صاعدين في الجبلِ لا يَلْوونَ على أحدٍ من نبيهم ولا أصحابهم، والرسولُ يدعوهم في أُخراهم: "إليَّ عِبَادَ اللهِ، أَنَا رسُولُ اللهِ"، فأثابهم بهذا الهرب والفرارِ، غمًّا بعدَ غَمٍّ: غمَّ الهزيمة والكسرةِ، وغمَّ صرخةِ الشيطان فيهم بأن محمدًا قد قُتل. وقيل: جازاكم غمًّا بما غممتُم رسولَه بفراركم عنه، وأسلمتمُوه إلى عدوِّهِ، فالغمُّ الذي حصل لكم جزاءً على الغمِّ الذي أوقعتموه بنبيه، والقولُ الأولُ أظهر لوجوه:

أحدها: أن قوله: { لِكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلى مَا فَاتَكُم وَلا مَا أَصَابَكُمْ } [119] تنبيهٌ على حِكمة هذا الغم بعدَ الغمِّ، وهو أن يُنسيَهم الحزنَ على ما فاتهم مِن الظفر، وعلى ما أصابهم مِن الهزيمةِ والجِراحِ، فنسُوا بذلك السبب، وهذا إنما يحصُل بالغمِّ الذي يعقُبُه غمٌ آخر.

الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنَّه حَصَلَ لهم غمُّ فواتِ الغنيمة، ثم أعقبه غمُّ الهزيمةِ، ثم غمُّ الجراح التي أصابتهم، ثم غَمُّ القتلِ، ثم غَمُّ سماعِهم أن رسولَ الله ﷺ قد قُتِلَ، ثم غَمُّ ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس المراد غمَّين اثنين خاصة، بل غمًّا متتابعًا لتمام الابتلاء والامتحان.

الثالث: أن قوله: { بِغَمٍّ } [120]، من تمام الثوابِ، لا أنه سببُ جزاء الثواب، والمعنى: أثابكم غمًّا متَّصِلًا بغمٍّ، جزاءً على ما وقع منهم من الهروب وإسلامهم نبيَّهم ﷺ وأصحابه، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزومِ مركزهم، وتنازعهِم في الأمر، وفشلهم، وكُلُّ واحد من هذه الأمور يُوجب غمًّا يخصُّه، فترادفت عليهم الغمومُ كما ترادفت منهم أسبابُها وموجباتُها، ولولا أن تداركهم بعفوِه، لكان أمرًا آخَرَ.

وَمِن لطفه بهم، ورأفته، ورحمته، أن هذه الأمور التي صدرت منهم، كانت من موجبات الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيَّض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتَّب عليها آثارُها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبةَ منها والاحترازَ مِن أمثالها، ودفعها بأضدادها أمرٌ متعيَّنٌ، لا يتم لهم الفلاحُ والنصرةُ الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشدَّ حذرًا بعدها، ومعرفة بالأبوابِ التي دخل عليهم منها.

ورُبَّمَا صَحَّتِ الأَجْسَامُ بِالعِلَلِ.

ثم إنه تداركهم سُبحانه برحمته، وخفَّف عنهم ذلك الغَمَّ، وغيَّبه عنهم بالنُّعاسِ الذي أنزله عليهم أمنًا منه ورحمة، والنعاسُ في الحرب علامةُ النصرة والأمنِ، كما أنزله عليهم يومَ بدر، وأخبر أن مَن لم يُصبْه ذلك النعاسُ، فهو ممن أهمته نفسُه لا دِينُه ولا نبيُّه ولا أصحابُه، وأنهم يظنون باللهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية.

وقد فُسِّرَ هذا الظنُّ الذي لا يليقُ باللهِ، بأنه سبحانه لا ينصُرُ رسولَه، وأن أمْرَهُ سيضمحِلُّ، وأنه يُسلِمُه للقتل، وقد فُسِّرَ بظنهم أن ما أصابَهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حِكمة له فيه، ففسر بإنكارِ الحِكمة، وإنكارِ القدر، وإنكارِ أن يُتمَّ أمرَ رسوله ويُظْهِرَه على الدِّين كُلِّه، وهذا هو ظنُّ السَّوْءِ الذي ظَنَّهُ المنافقُونَ والمشرِكُونَ به سبحانه وتعالى في "سورة الفتح" حيث يقول: { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [121]،

وإنما كان هذا ظنَّ السَّوْءِ، وظنَّ الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظنَّ غير الحق، لأنه ظنَّ غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاتِهِ العُليا، وذاتِه المبَّرأة من كُلِّ عيبٍ وسوء، بخلافِ ما يليقُ يحكمته وحمدِه، وتفرُّدِهِ بالربوبية والإلهيَّة، وما يَليق بوعده الصادِق الذي لا يُخلفُهُ، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصُرُهم ولا يخذُلُهم، ولجنده بأنهم هُمُ الغالبون، فمَن ظنَّ بأنه لا ينصرُ رسولَه، ولا يُتِمُّ أمرَه، ولا يؤيِّده، ويؤيدُ حزبه، ويُعليهم، ويُظفرهم بأعدائه، ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصرُ دينه وكتابه، وأنه يُديل الشركَ على التوحيدِ، والباطلَ على الحقِّ إدالة مستقرة يضمحِلّ معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا، فقد ظنَّ بالله ظن السَّوْءِ، ونسبه إلى خلاف ما يليقُ بكماله وجلاله، وصفاته ونعوته، فإنَّ حمدَه وعزًَّته، وحِكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يَذِلَّ حزبُه وجندُه، وأن تكون النصرةُ المستقرة، والظفرُ الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به، فَمن ظنَّ به ذلك، فما عرفه، ولا عرف أسماءَه، ولا عرف صفاتِه وكماله، وكذلك مَن أنكر أن يكونَ ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه، ولا عرف ربوبيَته، وملكه وعظمتَه، وكذلك مَن أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره من ذلك وغيره لِحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردةٍ عن حكمة، وغايةٍ مطلوبة هي أحبُّ إليه من فوتها، وأن تلك الأسبابَ المكروهةَ المفضية إليها لا يخرج تقديرُها عن الحكمةِ لإفضائِهَا إلى ما يُحِبُّ، وإن كانت مكروهة له، فما قدَّرها سُدى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلًا، { ذَلِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ } [122] وأكثرُ النَّاسِ يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوءِ فيما يختصُّ بهم وفيما يفعلُه بغيرهم، ولا يسلَمُ عن ذلك إلا مَن عرف الله، وعرف أسماءَه وصفاتِهِ، وعرفَ موجبَ حمدِهِ وحكمته، فمَن قَنِطَ مِن رحمته، وأيسَ مِن رَوحه، فقد ظن به ظنَّ السَّوء.

ومَن جوَّز عليه أن يعذِّبَ أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه، فقد ظَنَّ به ظَنَّ السوءِ.

ومَن ظنَّ به أن يترُكَ خلقه سُدى، معطَّلينَ عن الأمر والنهي، ولا يُرسل إليهم رسله، ولا ينزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلًا كالأنعام، فقد ظَنَّ به ظنَّ السَّوء.

ومَن ظن أنه لن يجمع عبيدَه بعد موتِهم للثوابِ والعِقاب في دار يُجازى المحسنَ فيها بإحسانه، والمسىءَ بإساءته، ويبيِّنُ لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهرُ للعالمين كلِّهم صدقَه وصدقَ رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظنَّ به ظن السَّوءِ.

ومن ظنَّ أنه يُضَيِّعُ عليه عملَه الصالحَ الذي عملَه خالصًا لوجهه الكريمِ على امتثال أمره، ويُبطِلَه عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يُعاقِبُه بما لا صُنعَ فيه، ولا اختيار له، ولا قدرةَ، ولا إرادة في حصوله، بل يُعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظنَّ به أنه يجوزُ عليه أن يؤيِّدَ أعداءَه الكاذبين عليه بالمعجزاتِ التي يؤيِّدُ بها أنبياءه ورسله، ويُجرِيها على أيديهم يُضِلُّونَ بها عباده، وأنه يحسُن منه كُلُّ شئ حتى تعذيبُ مَن أفنى عمره في طاعته، فيخلدُه في الجحيم أسفلَ السافلينَ، ويُنعِمُ مَن استنفد عُمُرَه في عداوته وعداوة رسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء، ولا يُعرف امتناعُ أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضى بقُبح أحدهما وحُسنِ الآخر، فقد ظَنَّ به ظَنَّ السَّوْء.

ومَن ظن به أنه أخبرَ عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه، وتمثيل، وترك الحقَّ، لم يُخبر به، وإنما رَمزَ إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشاراتٍ مُلْغِزةً لم يُصرِّح به، وصرَّح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد مِن خلقه أن يُتعِبُوا أذهانَهم وقُواهم وأفكارَهم في تحريفِ كلامه عن مواضعه، وتأويلهِ على غير تأويله، ويتطلَّبوا له وجوهَ الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجى أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائِه وصفاتِه على عقولهم وآرائهم، لا على كتابِه، بل أراد منهم أن لا يحمِلوا كلامَه على ما يعرِفُون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يُصَرِّحَ لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويُريحَهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلافَ طريق الهدى والبيان، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ، فإنه إن قال: إنه غيرُ قادر على التعبير عن الحقِّ باللَّفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفُه، فقد ظن بقُدرته العجز، وإن قال: إنه قادِرٌ ولم يُبَيِّن، وعدَلَ عن البيان، وعن التصريح بالحقِّ إلى ما يُوهم، بل يُوقِعُ في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد، فقد ظنَّ بحكمته ورحمته ظَنَّ السَّوءِ، وظنَّ أنه، هو وسلفُه عبَّروا عن الحقِّ بصريحه دُونَ الله ورسوله، وأن الهُدى والحقَّ في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله، فإنما يؤخذ مِن ظاهره التشبيه، والتمثيل، والضلال، وظاهِر كلام المتهوِّكين الحيارى، هو الهُدى والحق، وهذا من أسوإ الظن بالله، فَكُلُّ هؤلاء من الظانين بالله ظن السَّوْءِ، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية.

ومَن ظن به أن يكونَ في ملكه ما لا يشاء ولا يَقْدِرُ على إيجاده وتكوينه، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظن به أنه كان مُعَطَّلًا مِن الأزل إلى الأبدِ عن أن يفعلَ، ولا يُوصفُ حينئذ بالقُدرة على الفعل، ثم صارَ قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ به أنه لا يَسمع ولا يُبصِرُ، ولا يعلم الموجودات، ولا عَدد السماواتِ والأرضِ، ولا النجوم، ولا بنى آدمَ وحركاتهِم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ أنه لا سمعَ له، ولا بصرَ، ولا عِلم له، ولا إرادة، ولا كلامَ يقولُ به، وأنه لم يُكلِّم أحدًا من الخلق، ولا يتكلَّمُ أبدًا، ولا قال ولا يقولُ، ولا له أمرٌ ولا نهى يقومُ به، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ به أنه فوقَ سماواتِه على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نِسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنِسبتها إلى أسفلِ السافلين، وإلى الأمكنة التي يُرغب عن ذكرها، وأنه أسفلُ، كما أنه أعلى، فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأه.

ومَن ظنَّ به أنه يُحِبُّ الكفر، والفسوقَ، والعِصيانَ، ويحبُّ الفسادَ كما يُحبُّ الإيمان، والبر، والطاعة، والإصلاح، فقد ظنَّ به ظن السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ به أنه لا يُحبُّ ولا يَرضى، ولا يَغضب ولا يَسخط، ولا يُوالى ولا يُعادى، ولا يقرب من أحد من خلقه، ولا يقرُب منه أحد، وأن ذواتِ الشياطين في القُرب مِن ذاته كذوات الملائكة المقرَّبين وأوليائه المفلحين، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ أنه يُسوى بين المتضادَّيْن، أو يفرِّق بين المتساويين من كل وجه، أو يُحْبِطُ طاعاتِ العمر المديد الخالصةَ الصوابَ بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبدَ الآبدين بتلك الكبيرة، ويُحبطُ بها جميع طاعاته ويُخَلِّدُه في العذاب، كما يخلد مَن لا يؤمن به طرفة عين، وقد استنفد ساعاتِ عمره في مساخِطه ومعاداة رسله ودينه، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

وبالجملة فمَن ظنَّ به خِلافَ ما وصف به نَفسه ووصفه به رسله، أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسه، ووصفته به رُسله، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْءِ.

ومَن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا أو أن أحدًا يشفعُ عنده بدون إذنه، أو أن بينَه وبين خلقه وسائطَ يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نَصَبَ لعباده أولياء مِن دونه يتقرَّبون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم، فقد ظنَّ به أقبحَ الظن وأسوأه.

ومَن ظن به أنه ينالُ ما عنده بمعصيته ومخالفته، كما يناله بطاعته والتقربِ إليه، فقد ظنَّ به خلافَ حِكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته، وهو من ظن السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يُعوِّضه خيرًا منه، أو مَن فعل لأجله شيئًا لم يُعطه أفضلَ منه، فقد ظنَّ به ظن السَّوْءِ.

ومَن ظنَّ به أنه يغضبُ على عبده، ويُعاقبه ويحرمه بغير جُرم، ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة، ومحض الإرادة، فقد ظنَّ به ظن السَّوْءِ.

ومن ظنَّ به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه، وسأله، واستعان به، وتوكَّل عليه أنه يُخيِّبُه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوءِ، وظنَّ به خلافَ ما هو أهلُه.

ومن ظنَّ به أنهُ يُثيبه إذا عصاه بما يُثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظنَّ به خلافَ ما تقتضيه حِكمتُه وحمده، وخلافَ ما هو أهلُه وما لا يفعله.

ومن ظن به أنه إذا أغضبه، وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًا، ودعا مِن دونه مَلَكًا أو بَشَرًا حَيًا، أو ميتًا يرجُو بذلك أن ينفَعَه عند ربِّه، ويُخَلِّصَه مِن عذابه، فقد ظنَّ به ظَنَّ السَّوْءِ، وذلك زيادة في بُعْدِه من الله، وفى عذابه.

ومَن ظنَّ به أنه يُسلِّطُ على رسولِهِ محمّد ﷺ أعداءَهُ تسليطًا مستَقِرًّا دائمًا في حياته وفى مماته، وابتلاه بهم لا يُفارقونه، فلما مات استبدُّوا بالأمر دون وَصِيَّه، وظلمُوا أهلَ بيتِهِ، وسلبُوهم حقَّهُم، وأذلُّوهم، وكانت العزَّةُ والغلبةُ والقهرُ لأعدائِه وأعدائِهم دائمًا مِن غير جرم ولا ذنب لأوليائه، وأهل الحق، وهو يرى قهرَهم لهم، وغصبهم إياهم حقَّهم، وتبديلَهم دِينَ نبيهم، وهو يقدر على نُصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصُرُهم ولا يُديلهم، بل يُديل أعداءهم عليهم أبدًا، أو أنَّه لا يقدِرُ على ذلكَ، بل حصل هذا بغير قُدرته ولا مشيئته، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته، تُسَلِّمُ أُمتُه عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضةُ، فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأه، سواءً قالوا: إنه قادرٌ على أن ينصرَهم، ويجعل لهم الدولةَ والظفرَ، أو أنه غيرُ قادر على ذلك، فهم قادِحون في قُدرته، أو في حِكمته وحمده، وذلك مِن ظنِّ السَّوْءِ به، ولا ريب أن الربَّ الذي فعل هذا بغيضٌ إلى مَن ظ نَّ به ذلك غير محمود عندهم، وكان الواجبُ أن يفعل خلافَ ذلك، لكن رَفَوْا هذا الظنَّ الفاسِدَ بخرق أعظمَ منه، واستجاروا من الرَّمضاءِ بالنار، فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرةٌ على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يَقْدِرُ على أفعال عباده، ولا هي داخلةٌ تحت قدرته، فظنُّوا به ظَنَّ إخوانهم المجوس والثَّنَوِيةِ بربهم، وكلٌ مبطل، وكافر، ومبتدِع مقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن، وأنه أولى بالنصر والظفر، والعلو من خصومه، فأكثر الخلق، بل كلهم إلا مَن شاء الله يظنون باللهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوْءِ، فإن غالبَ بنى آدم يعتقد أنه مبخوسُ الحق، ناقصُ الحظ وأنه يستحق فوقَ ما أعطاهُ اللهُ، ولِسان حاله يقول: ظلمنى ربِّي، ومنعنى ما أستحقُه، ونفسُه تشهدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكره ولا يتجاسرُ على التصريح به، ومَن فتَّش نفسَه، وتغلغل في معرفة دفائِنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامِنًا كُمونَ النار في الزِّناد، فاقدح زنادَ مَن شئت يُنبئك شَرَارُه عما في زِناده، ولو فتَّشت مَن فتشته، لرأيت عنده تعتُّبًا على القدر وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقِلٌ ومستكثِر، وفَتِّشْ نفسَك هل أنت سالم مِن ذلك؟

فَإنْ تَنجُ مِنْهَا تنج مِنْ ذي عَظِيمَةٍ ** وَإلَّا فَإني لا إخَالُكَ نَاجِيًا

فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا الموضعِ، وليتُبْ إلى الله تعالى وليستغفِرْه كلَّ وقت من ظنه بربه ظن السَّوْءِ، وليظنَّ السَّوْءَ بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبعُ كل شر، المركَّبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السَّوْءِ من أحكم الحاكمين، وأعدلِ العادلين، وأرحمِ الراحمين، الغنيِّ الحميد، الذي له الغنى التام، والحمدُ التام، والحكمةُ التامة، المنزّهُ عن كل سوءٍ في ذاته وصفاتِهِ، وأفعالِه وأسمائه، فذاتُه لها الكمالُ المطلقُ مِن كل وجه، وصفاتُه كذلك، وأفعالُه كذلك، كُلُّها حِكمة ومصلحة، ورحمة وعدل، وأسماؤه كُلُّها حُسْنَى.

فَلا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنّ سَؤْءِ ** فَإنَّ اللهَ أَوْلَى بِالجَمِيلِ

وَلا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْرًا ** وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ

وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُوءِ ** أَيُرجَى الخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخيلِ

وظُنَّ بِنَفّسِكَ السُّوآى تَجِدْهَا ** كَذَاكَ وخَيْرُهَا كَالمُسْتَحِيلِ

وَمَا بِكَ مِنْ تُقىً فِيهَا وَخَيْرٍ ** فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ

وَلَيْسَ بِهَا وَلا مِنْهَا وَلَكِنْ ** مِنَ الرَّحْمن فَاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ

والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام مِن قوله: { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } [123]، ثم أخبر عن الكلام الذي صدَر عن ظنهم الباطل، وهو قولهم: { هَل لَّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَىْءٍ } [124]، وقولهم: { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا } [125]، فليس مقصودُهم بالكلمةِ الأولى والثانية إثباتَ القدر، ورد الأمرِ كُلِّه إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى، لما ذُمُّوا عليه، ولما حَسُنَ الردُّ عليه بقوله: { قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ } [126]، ولا كان مصدرُ هذا الكلام ظَنَّ الجاهلية، ولهذا قال غيرُ واحد من المفسِّرين: إن ظنَّهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمرَ لو كان إليهم، وكان رسولُ الله ﷺ وأصحابُه تبعًا لهم يسمعُون منهم، لما أصابهم القتلُ، ولكان النصرُ والظفرُ لهم، فأكذبهم اللهُ عَزَّ وجَلَّ في هذا الظنِّ الباطل الذي هو ظنُّ الجاهلية، وهو الظنُّ المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذِ القضاء والقدر الذي لم يكن بُدٌ من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمرَ لو كان إليهم، لما نفذ القضاءُ، فأكذَبَهُم اللهُ بقوله: { قُلْ إنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ } [127]، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدرُه، وجرى به عِلمه وكتابه السابق، وما شاء اللهُ كان ولا بُدَّ، شاءَ الناسُ أم أبَوْا، وما لم يَشَأ لم يكن، شاءه الناسُ أم لم يَشاؤوه، وما جرى عليكم من الهزيمةِ والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيلَ إلى دفعه، سواء أكان لكم من الأمر شئ، أو لم يكن لكم، وأنَّكُم لو كنتم في بيوتكم، وقد كُتِبَ القتلُ على بعضكم لخرج الذين كُتِب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بُد، سواء أكان لهم من الأمر شئ، أو لم يكن، وهذا مِن أظهر الأشياء إبطالًا لقول القَدَرِيَّةِ النفاة، الذين يُجوِّزون أن يقع ما لا يشاؤُه اللهُ، وأن يشاء ما لا يقع.

فصل

ثم أخبر سبحانه عن حِكمة أُخرى في هذا التقديرِ، هي ابتلاءُ ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمانِ والنفاق، فالمؤمنُ لا يزدادُ بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافقُ ومَن في قلبه مرضٌ، لا بد أن أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه.

ثم ذكر حِكمة أُخرى: وهو تمحيصُ ما في قلوب المؤمنين، وهو تخليصهُ وتنقيتُه وتهذيبه، فإن القلوبَ يُخالطها بِغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكمِ العادة، وتزيينِ الشيطانِ، واستيلاءِ الغفلة ما يُضادُّ ما أُودعَ فيها من الإيمانِ والإسلام والبر والتقوى، فلو تُرِكت في عافية دائمة مستمرة، لم تَتخَلَّص من هذه المخالطة، ولم تتمحَّص منه، فاقتضت حِكمةُ العزيزِ أن قَيَّض لها مِن المِحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خِيف عليه منه الفسادُ والهلاكُ، فكانت نعمتُه سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل مَن قُتِل منهم، تُعادِلُ نعمتَه عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمةُ التامةُ في هذا وهذا.

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن توَلِّي مَنْ تَولَّى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاسْتَزَلَّهُمُ الشيطان بتلك الأعمال حتى تولَّوْا، فكانت أعمالهم جندًا عليهم، ازداد بها عدوُّهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجندٌ عليه، ولا بُدَّ فللعبد كلَّ وقت سَرِيَّةٌ مِن نفسه تَهْزِمُه، أو تنصره، فهو يمُدُّ عدوَّه بأعماله من حيث يظن أنه يُقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه، فأعمالُ العبد تسوقُهُ قسرًا إلى مقتضاها مِن الخير والشر، والعبدُ لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرارُ الإنسان من عدوه، وهو يُطيقه إنما هو بجُند مِن عمله، بعثه له الشيطان واستزلَّه به.

ثم أخبر سبحانه: أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرارَ لم يكن عن نفاق ولا شكٍ، وإنما كان عارضًا، عفا الله عنه، فعادت شجاعةُ الإيمانِ وثباتُه إلى مركزها ونصابِها.

ثم كرَّر عليهم سُبحانه: أن هذا الذي أصابهم إنما أُتوا فيه مِن قِبَل أنفسهم، وَبِسبب أعمالهم، فقال: { أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قَلْتُمْ أَنَّى هَذَا، قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ، إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } [128]، وذكر هذا بعينه فيما هو أعمُّ من ذلك في السور المكِّية فقال: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [129]، وقال: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ } [130]، فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبةُ، فالنعمةُ مِن الله مَنَّ بها عليك، والمصيبةُ إنما نشأت مِن قِبَل نفسِك وعملِك، فالأول فضلُه، والثاني عدلُه، والعبد يتقلَّب بين فضلِه وعدله، جارٍ عليه فضلُهُ، ماضٍ فيه حكمه، عدلٌ فيه قضاؤه.

وختم الآية الأولى بقوله: { إنّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } بعد قوله: { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ }، إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادلٌ قادر، وفى ذلك إثباتُ القدرِ والسببِ، فذكر السببَ، وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عمومَ القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفى الجَبْرَ، والثاني ينفى القولَ بإبطال القدر، فهو يشاكل قوله: { لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [131].

وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرتِهِ، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبُوا كشفَ أمثاله من غيره، ولا تتَّكِلُوا على سواه، وَكَشَفَ هذا المعنى وأوضَحَه كُلَّ الإيضاح بقوله: { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللهً } [132]. وهو الإذن الكوني القدرى، لا الشرعي الديني، كقوله في السحر: { وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإذْنِ اللهِ } [133].

ثم أخبر عن حِكمة هذا التقدير، وهي أن يعلَمَ المؤمنين مِن المنافقين عِلمَ عَيان ورؤية يتميز فيه أحدُ الفريقين من الآخر تمييزًا ظاهرًا، وكان مِن حكمة هذا التقديرِ تكلُّمُ المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا ردَّ اللهِ عليهم وجوابه لهم، وعرفوا مؤدَّى النفاق وما يؤول إليه، وكيف يُحرم صاحبُه سعادةَ الدنيا والآخرة، فيعودُ عليه بفساد الدنيا والآخرة، فللَّهِ كم من حكمة في ضِمن هذه القِصة بالغةٍ، ونعمة على المؤمنين سابغةٍ، وكم فيها من تحذيرٍ وتخويفٍ وإرشاد وتنبيه، وتعريفٍ بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما.

ثم عزَّى نبيه وأولياءه عمن قُتل منهم في سبيله أحسنَ تعزية، وألطفَها وأدعَاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [134]، فجمع لهم إلى الحياة الدائمةِ منزلةَ القُربِ منه، وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحَهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضى، بل هو كمال الرضى واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يَتمُّ سُرورُهم ونعيمُهم، واستبشارهم بما يُجدِّدُ لهم كُلَّ وقت مِن نعمته وكرامته، وذَكَّرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو مِن أعظمِ مننه ونعمه عليهم التي إن قابلوا بها كُلَّ محنة تنالهم وبلية، تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، وهي مِنَّتُه عليهم بإرسال رسولٍ من أنفسهم إليهم، يتلُو عليهم آياتِه، ويُزكيهم، ويُعلمهم الكتابَ والحِكمة، ويُنقذُهم مِن الضلال الذي كانُوا فيه قبل إرساله إلى الهدى، ومِن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظُّلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، فكُلُّ بليةٍ ومحنةٍ تنالُ العبد بعد حصول هذا الخيرِ العظيم له أمرٌ يسيرٌ جدًا في جنب الخير الكثير، كما ينالُ الناس بأذى المطرِ في جنب ما يحصل لهم به من الخير، فأعلمهم أن سببَ المُصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره لِيوحِّدوا ويتَّكِلُوا، ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها مِن الحكم لئلا يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرَّف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلَّاهم بما أعطاهم مما هو أجلُّ قدرًا، وأعظمُ خطرًا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزَّاهم عن قتلاهم بما نالُوه من ثوابه وكرامته، لينافِسوهم فيه، ولا يحزنُوا عليهم، فله الحمدُ كما هو أهلُه، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعزِّ جلاله.

فصل (في انقضاء الحرب ورجوع المشركين)عدل

ولما انقضت الحربُ، انكفأ المشركون، فظنَّ المسلمون أنهم قَصَدُوا المدينةَ لإحراز الذرارى والأموال، فَشَقَّ ذلك عليهم، فقال النبي ﷺ لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه: "اخْرُجْ في آثارِ القَوْمِ فانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإنْ هُمْ جَنَّبُوا الخَيْلَ وامْتَطَوُا الإِبلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وسَاقُوا الإِبلَ فَإنَّهُمْ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، فوالذي نفسي بِيَدِهِ لِئَنْ أرادُوهَا، لأَسِيرَنَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لأَنَاجِزَنَّهُم فِيهَا".

قال علي: فخرجتُ في آثارهم انظرُ ماذا يصنعون، فجنَّبوا الخيلَ، وامتطوا الإبل، ووجَّهوا إلى مكة، ولما عزمُوا على الرجوع إلى مكة، أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: مَوْعِدُكم المَوْسِمُ ببدر، فقال النبي ﷺ: "قولوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا" قال أبو سفيان: "فَذلِكُم المًَوْعِد" ثم انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعُوا شيئًا، أصبتُم شوكتَهم وحدَّهم، ثم تركتُموهم، وقد بقى منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجِعُوا حتى نستأصِل شأفَتَهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فنادى في الناس، وندبَهم إلى المسيرِ إلى لقاء عدوهم، وقال: "لا يَخْرُجْ مَعَنَا إلَّا مَنْ شَهِدَ القِتَالَ"، فقال له عبد الله بن أُبَيّ: أركبُ معك؟ قال: "لا"، فاستجاب له المسلمون على ما بِهم من القرح الشديدِ والخوفِ، وقالُوا: سمعًا وطاعةً، واستأذنه جابرُ بنُ عبد الله، وقال: يا رَسُولَ الله؛ إني أُحب ألَّا تشهدَ مشهدًا إلا كنتُ معك، وإنما خلَّفنى أبى على بناتِهِ، فأذَنْ لي أسيرُ معك، فأذِن له، فسارَ رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بَلَغُوا حمراء الأسد"، وأقبل معبدُ بن أبي معبد الخُزاعي إلى رسول اللهِ ﷺ، فأسلم، فأمره أن يلحقَ بأبى سفيان، فيخذِّله، فلحقه بالروحاء، ولم يعلم بإسلامه، فقال: ما وراءكَ يا معبدُ؟ فقال: محمدٌ وأصحابه، قد تحرَّقوا عليكم، وخرجُوا في جمع لم يخرجُوا في مثله، وقد نَدِم مَن كان تخلَّف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقولُ؟ فقال: ما أرى أن ترتَحِلَ حتى يطلع أولُ الجيش من وراء هذه الأَكَمَة. فقال أبو سفيان: واللهِ لقد أجمعنا الكرَّةَ عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقى أبو سفيان بعضَ المشركين يريد المدينة، فقال: هل لك أن تُبَلِّغَ محمدًا رسالة، وأُوقِرَ لك راحلتَكَ زبيبًا إذا أتيتَ إلى مكة؟ قال: نعم، قال: أبلغْ محمدًا أنَّا قد أجمعنا الكَرَّةَ لِنَستأصِلَه ونَسْتَأْصِلَ أصحابَه، فلما بلغهم قولُه، قالُوا: { حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ، وَاللهُ ذو فَضْلٍ عَظِيمٍ }.

فصل

كانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فاقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلال المحرم، بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ، فبعث أبا سلمة، وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلًا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلًا، وشاء، ولم يلقوا كيدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.

فصل

فلما كان خامِسُ المحرَّم، بلغه أنَّ خالدَ بنَ سُفيان بن نُبَيْح الهُذَلى قد جمع له الجموعَ، فبعث إليه عبدَ اللهِ أُنَيس فقتله، قال عبدُ المؤمن بن خلف: وجاءَه برأسه، فوضعه بين يديه، فأعطاه عصًا، فقال: "هَذِهِ آيَةُ بَيْنِي وبَيْنَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ"، فلما حضرته الوفاةُ أوصى أن تُجعل معه في أكفانه، وكانت غيبتهُ ثمانَ عشرةَ لَيلة، وَقَدِمَ يومَ السبت لسبع بَقين مِن المحرَّم.

فلمَّا كان صفر، قًدِمَ عليه قَوْمٌ مِن عَضَلٍ والقَارةِ، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألُوهُ أن يَبْعثَ معهم مَن يُعَلِّمُهم الدِّينَ، ويُقرئهُمُ القُرآن، فبعث معهم سِتَّة نَفَرٍ في قول ابن إسحاق، وقال البخاري: كانُوا عشرة، وأَمَّر عليهم مَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِي، وفيهم خُبيب بنُ عدى، فذهبوا معَهم، فلما كانُوا بالرَّجِيع، وهو ماءٌ لهُذَيْلٍ بناحيةِ الحِجاز غدرُوا بهم، واستصرخُوا عليهم هُذيلًا، فجاؤوا حتَّى أحاطُوا بهم، فقتلُوا عامَّتَهُم، واستأسرُوا خُبَيْبَ بْنَ عدِيٍّ، وزَيْدَ ابن الدّثِنَةِ، فذهبُوا بهما، وباعُوهما بمكة، وكانا قَتلا مِن رؤوسهم يَوْمَ بدر فأما خُبيب، فمكث عندهم مسجونًا، ثم أجمعُوا قتله، فخرجُوا به مِن الحَرَمِ إلى التنعيم، فلما أجمعُوا على صَلبه، قال: دعوني حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فتركُوهُ فصلاهما، فلمَّا سَلَّمَ قال: واللهِ، لَوْلا أنْ تَقُولُوا إنَّ مَا بي جَزَعٌ، لَزِدْتُ، ثُمَّ قال: "اللهُمَّ أَحْصِهمْ عَدَدًا، واقْتُلْهُمْ بِدَدًا، ولا تُبْقِ مِنْهُم أحدًا، " ثم قال:

لَقَدْ أَجْمَعَ الأَحْزَابُ حَوْلى، وَأَلّبُوا ** قَبَائِلَهُم واسْتَجْمَعُوا كُلَّ مجْمَعِ

وكلُّهُمُ مبدي العداوةِ جاهدٌ ** عَلَيَّ لأني في وِثاقٍ بِمَضْيَعِ

وقَدْ قَرَّبُوا أَبْنَاءَهُم ونسَاءَهُم ** وقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طوِيلٍ مُمَنَّعِ

إلَى اللهِ أَشْكُوا غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي ** وَمَا أَرْصَدَ الأَحْزَابُ لي عِنْدَ مَصْرَعِي

فَذَا العَرْشِ صَبِّرْني عَلَى ما يُرادُ بي ** فَقَدْ بَضَّعُوا لحْمى وَقَد يَاسَ مَطْمَعِي

وَقَدْ خَيَّرُونى الكُفْرَ، والمَوْتُ دُونهُ ** فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ

وَمَا بِي حِذَارُ المَوْت إني لَمَيِّتٌ ** وإنَّ إلى ربِّي إيَابي ومَرْجِعي

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِما ** عَلَى أي شِقٍّ كان في اللهِ مَضْعَجِي

وَذلِكَ في ذَاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ ** يُبارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شلْوٍ مُمَزَّعِ

فَلَسْتُ بمبدٍ للعدوِّ تَخَشُّعًا ** ولا جَزَعًا، إني إلى الله مَرجعي

فقال له أبو سفيان: أيسرُّك أنَّ محمدًا عندنا تُضْرَبُ عنقُه وإنك في أهلك، فقال: لا واللهِ، ما يسرُّني أني في أهلي، وأنَّ محمدًا في مكانهِ الذي هُوَ فيه تُصيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤذِيه.

وفي الصحيح: أن خبيبًا أوَّلُ مَنْ سنَّ الركعتين عِند القتل. وقد نقل أبو عمر بن عبدِ البر عن اللَّيثِ بن سعد أنه بلغه عن زيدِ بن حارثة أنه صلاهما في قصةٍ ذكرها، وكذلك صلاهما حُجْرُ بنُ عدي حين أمر معاويةُ بقتله بأرضِ عذراء من أعمالِ دمشق.

ثم صَلبوا خُبَيْبًا، ووكَّلوا به مَن يَحْرُسُ جُثَّته، فجاء عمرو بنُ أُمية الضَّمْرِي، فاحتمله بجذعه ليلًا، فذهب به، فدفنه.

ورؤي خُبيبٌ وهو أسيرٌ يأكل قِطْفًا مِن العِنَبِ، وما بمكة ثَمَرَةٌ، وأما زيدُ بن الدَّثِنَةِ، فابتاعه صفوانُ بنُ أُمية، فقتله بأبيه.

وأما موسى بن عقبة، فذكر سبب هذه الوقعة، أن رسولَ الله ﷺ بعث هؤلاء الرهط يتحسَّسُون له أخبار قُريش، فاعترضهم بنو لَحيان.

فصل

وفي هذا الشهر بعينه، وهو صفر من السنة الرابعة، كانت وقعة بِئر مَعُونة، وملخَّصُها أن أبا براء عامِرَ بنَ مالك المدعو ملاعبَ الأسِنَّة، قَدِمَ على رسول الله ﷺ المدينةَ، فدعاه إلى الإسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، فقال: يا رسولَ اللهِ؛ لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نَجْدٍ يدعونهُم إلى دِينك، لرجوتُ أن يُجيبُوهم. فقال: "إني أخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ"، فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم، فبعث معه أربعينَ رجلًا في قول ابن إسحاق. وفي الصحيح: "أنَّهم كانُوا سبعينَ" والذي في الصحيح: هو الصحيح. وأمَّر عليهم المنذر بن عمرو أحد بنى ساعِدة الملقب بالمُعْنِقِ ليموت وكانوا من خِيارِ المسلمينَ، وفُضلائهم، وساداتِهم، وقرائِهم، فسارُوا حتى نزلوا بئر مَعُونة، وهي بين أرض بني عامر، وحرَّة بنى سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حَرامَ بنَ ملحان أخا أُمِّ سليم بكتابِ رسول الله ﷺ إلى عدوِّ الله عامِر بن الطفيل، فلم ينظُرْ فيه، وأمرَ رجلًا، فطعنه بالحربةِ من خلفه، فلما أنفذها فيه، ورأى الدَّمَ، قال: "فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ". ثم استَنفَرَ عدوُّ اللهِ لِفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يُجيبُوهُ لأجل جِوار أبى بَراء، فاستنفر بنى سليم، فأجابته عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وذَكْوَانُ، فجاؤوا حتى أحاطُوا بأصحابِ رسول الله ﷺ، فقاتلُوا حتى قُتِلُوا عن آخرهم إلا كعبَ بنَ زيدِ بن النجار، فإنه أرتُثَّ بين القتلى، فعاش حتَّى قُتِل يومَ الخندق، وكان عمرو بن أُمية الضمرى، والمنذرُ بن عقبة بن عامر في سَرْح المسلمينَ، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتلَ المشركين حتى قُتِلَ مع أصحابه، وأُسِرَ عَمرُو بن أُمية الضَّمْرِي، فلما أخبر أنه من مُضَر، جَزَّ عامِرٌ ناصيتَه، وأعتقه عن رقبة كانت على أُمِّه، ورجع عمرُو بن أمية، فلما كان بالقَرْقَرَةِ مِن صدرِ قناة نزل في ظِلِّ شجرة، وجاء رجلان من بنى كِلاب، فنزلا معه، فلما ناما، فتكَ بهما عمرُو، وهُو يرى أنه قد أصاب ثأرًا من أصحابه، وإذا معهما عهدٌ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ لم يشعُرْ به، فلما قَدِمَ، أخبرَ رسولَ الله ﷺ بما فعلَ، فقال: "لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلينِ لأَدِيَنَّهُمَا".

فكان هذا سببَ غزوة بني النضير، فإنه خرج إليهم لِيعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم، وجلَس هو وأبو بكر وعمر وعلى، وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا، وقالوا: مَن رجلٌ يُلقِي على محمَّدٍ هذه الرَّحى فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جِحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ مِن عند رب العالمين على رسولِهِ يُعلمه بما همُّوا به، فنهض رسولُ الله ﷺ مِن وقته راجعًا إلى المدينة، ثم تجهَّز، وخرج بنفسه لِحربهم، فحاصرهم سِتَّ ليال، واستعمل على المدينة ابنَ أُمِّ مكتوم، وذلك في ربيع الأول.

قال ابن حزم: وحينئذ حُرِّمَتِ الخمرُ، ونزلوا على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح، ويرحلُون مِن ديارهم، فترحَّل أكابِرُهم كحُيَيّ بن أخْطَبَ، وسلامِ بن أبي الحُقَيْق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلانِ فقط، يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما، وقسم رسولُ الله ﷺ أموالَ بني النضير بين المهاجرينَ الأوَّلين خاصة، لأنها كانت مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه بخيل ولا رِكاب، إلا أنه أعطى أبا دُجانة، وسهَل بنَ حُنَيْفٍ الأنصاريين لِفقرهما.

وفي هذه الغزوة، نزلت سورةُ الحشر، هذا الذي ذكرناه، هو الصحيح عند أهل المغازي والسير.

وزعم محمد بن شهاب الزهري، أن غزوة بني النضير كانت بعد بدرٍ بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعدَ أُحُد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بنى قَيْنُقَاع، وقُريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الْحُدَيْبية، وكان له مع اليهود أربعُ غزوات، أولها: غزوة بنى قَيْنُقَاع بعد بدر، والثانية: بني النضير بعد أُحُد، والثالثة: قُريظة بعد الخندقِ، والرابعة: خيبر بعد الحُديبية.

فصل (في قنوته صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على الذين قتلوا القراء)عدل

وقنت رسول الله ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا القُرَّاءَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، ثم تَركَهُ، لَمَّا جَاؤوا تَائِبِينَ مُسْلِمِينَ.

فصل (في غزوة ذات الرقاع)عدل

ثُمَّ غزا رسولُ اللهِ ﷺ بنفسه غزوةَ ذاتِ الرِّقاعِ، وهي غزوةُ نجدٍ، فخرج في جُمادى الأولى مِن السنة الرابعة، وقيل: في المحرَّم، يُريدُ مُحَارِبَ، وبنى ثعلبة بن سَعْدِ بن غَطَفَان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاريَّ، وقيل: عثمانَ بن عفان، وخرج في أربعمائة من أصحابه. وقيل: سبعمائة، فلقي جمعًا مِن غَطَفَان، فتواقفُوا، ولم يكن بينهم قِتال، إلا أنه صلَّى بهم يومئذ صلاة الخوف، هكذا قال ابن إسحاق، وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة، وصلاة الخوف بها وتلقَّاه الناسُ عنهم، وهو مُشْكِلٌ جدًا، فإنه قد صحَّ أن المشركين حَبَسُوا رسولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ العصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ.

وفي السنن ومسند أحمد، والشافعي رحمهما الله، أنَّهُم حَبَسُوهُ عن صَلاةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، والمغْرِبِ، والعَشَاء، فصلاهُنَّ جميعًا. وذلك قبلَ نزولِ صلاةِ الخوفِ، والخندقُ بعدَ ذاتِ الرِّقاع سنةَ خمس.

والظاهرُ أنَّ النبي ﷺ أول صلاة صلاها للخوف بعُسْفَان، كما قال أبو عيَّاش الزُّرَقِي: كنَّا مع النبي ﷺ بعُسْفان، فَصَلَّى بنا الظُّهْرَ، وعَلَى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالدُ بنُ الوَلِيدِ، فَقَالُوا: لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً، ثُمَّ قَالُوا: إنَّ لَهُمْ صَلاةً بَعْدَ هَذِهِ هي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ، فَفَرقَنَا فِرْقَتَيْنِ، وذكر الحديث رواه أحمد وأهلُ السنن.

وقال أبُو هُريرة: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ نَازلًا بَيْنَ ضَجْنَانَ وعُسْفَانَ مُحاصِرًا للمُشْرِكِينَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ لِهؤُلاءِ صَلاةً هي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَجْمِعُوا أَمْرَكُم، ثُمَّ مِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَه نِصْفَيْنِ، وذكر الحديث، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح.

ولا خِلافَ بينهم أن غزوةَ عُسْفَانَ كانت بعدَ الخندق، وقد صحَّ عنه أنه صلَّى صلاة الخوفِ بِذَاتِ الرِّقاع، فعُلِمَ أنها بعد الخندقِ وبعد عُسْفَان، ويؤيِّدُ هذا أنَّ أبا هُرَيرة، وأبا موسى الأشعرى شهدا ذاتَ الرِّقاع، كما في الصحيحين عن أبي موسى، أنه شهد غزوة ذات الرِّقاع، وأنَّهُمْ كَانُوا يَلفُّونَ عَلَى أرْجُلِهِمُ الخِرَقَ لَمَّا نَقِبَتْ.

وأمَّا أبو هُريرَة، ففي المسند والسنن أن مروانَ بنَ الحكم سأله: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رسولِ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ.

وهذا يَدُلُّ على أن غزوة ذاتِ الرِّقاع بعد خيبر، وأنَّ من جعلها قبل الخندق، فقدْ وهمَ وهمًا ظاهرًا، ولمَّا لَمْ يَفْطَن بعضُهم لهذا، ادَّعى أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع كانت مرَّتين، فمرةً قبلَ الخندق، ومرةً بعدها على عادتهم في تعديدِ الوقائع إذا اختلفت ألفاظَهَا أو تاريخُهَا.

ولو صحَّ لهذا القائل ما ذكره، ولا يَصِحُّ، لم يمكن أن يكونَ قد صلَّى بهم صلاةَ الخوف في المرة الأولى لما تقدم مِن قصة عُسْفَان، وكونها بعد الخندق، ولهم أن يُجيبوا عن هذا بأن تأخيرَ يومِ الخندق جائزٌ غيرُ منسوخ، وأن في حال المسايفة يجوزُ تأخيرُ الصلاة إلى أن يتمكَّن من فعلها، وهذا أحدُ القولين في مذهب أحمد رحمه الله وغيره، لكن لا حِيلة لهم في قصة عُسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق.

فالصواب تحويل غزوةِ ذات الرِّقاع مِن هذا الموضع إلى ما بعدَ الخندق، بل بعدَ خَيبر، وإنما ذكرناها هاهنا تقليدًا لأهل المغازي والسير، ثم تبيَّن لنا وهمُهم. وبالله التوفيق.

ومما يدلُّ على أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع بعد الخندق، ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: أقبلْنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ، حتّى إذا كُنَّا بذات الرِّقاعِ، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله ﷺ، فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله ﷺ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فاخْتَرَطَهُ، فذكر القِصَّةَ، وقال: فُنودى بالصَّلاة، فصلَّى بطائفةٍ رَكعتينِ، ثمَّ تأخَّرُوا، وصلَّى بالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكعتينِ، فكانت لِرسولِ اللهِ ﷺ أرْبَعُ رَكَعَاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ.

وصلاة الخوف، إنما شُرِعَتْ بعدَ الخندقِ، بل هذا يدُلُّ على أنها بعد عُسْفَان. والله أعلم.

وقد ذكروا أن قصَّةَ بَيْعِ جَابِرٍ جَمَلَه مِن النبي ﷺ كانت في غزوة ذَاتِ الرِّقاع. وقيل: في مرجعه مِن تبوك، ولكن في إخباره للنبي ﷺ في تلك القضية، أنَّه تزوج امرأة ثيبًا تقومُ على أخواتِهِ، وتكفُلهن، إشعارٌ بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه، ولم يؤخِّرْ إلى عام تبوك. والله أعلم.

وفي مرجعهم مِن غزوةِ ذات الرِّقاع، سَبَوُا امرأةً من المشركين، فنذَرَ زوجُهَا ألاّ يَرْجِعَ حتَّى يُهْرِيقَ دمًا في أصحابِ محمَّدٍ ﷺ، فجاء ليلًا، وقد أرصدَ رسولُ الله ﷺ رَجُلَيْنِ رَبِيئَةً لِلمسلمين مِن العدو، وهما عبَّادُ بنُ بِشر، وعمَّارُ بنُ ياسر، فضرب عبادًا، وهو قائمٌ يُصلِّي بسهمٍ، فنزعه، ولم يُبطل صلاته، حتى رَشَقَه بثلاثة أسهم، فلم ينْصَرِفْ منها حَتَّى سَلَّمَ، فَأَيْقَظَ صاحِبَه فقال: سبحان الله. هلَّا أنبهتنى؟ فقال: إني كُنْتُ في سُورةٍ، فكرِهْتُ أن أقطَعَهَا.

وقال موسى بن عقبة في مغازيه: ولا يُدرى متى كانت هذه الغزوةُ قَبْلَ بدرٍ، أو بعدَهَا، أو فيما بَيْنَ بدرٍ وأُحُد أو بعد أُحُد. ولقد أبعَدَ جدًّا إذ جوَّز أن تكون قبْلَ بدرٍ، وهذا ظاهِرُ الإحالة، ولا قَبْلَ أُحُدٍ، ولا قَبْلَ الخندق كما تقدم بيانُه.

فصل

وقد تقدّم أن أبا سُفيانَ قال عِند انصرافِهِ من أُحُد: مَوْعِدُكُم وإيانا العامُ القابلُ ببدر، فلما كان شعبانُ وقيل: ذو القَعدةِ مِن العامِ القابِلِ، خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ لِموعِده في ألفٍ وخمسمائة، وكانتِ الخيلُ عشرةَ أفراس، وحَمَلَ لِواءَهُ علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينةِ عبدَ الله بنَ رواحة، فانتهى إلى بدر، فأقام بها ثمانيةَ أيامٍ ينتظرُ المشركين، وخرجَ أبو سفيان بالمشركين مِن مكَّةَ، وهم ألفانِ، ومعهم خمسون فرسًا، فلما انْتَهَوْا إلى مَرِّ الظَّهْرَانِ على مَرْحَلَة مِنْ مكَّة قال لهم أبو سفيان: إن العامَ عامُ جَدْبٍ، وقد رأيتُ أنى أرجِعُ بكم، فانصرَفُوا راجعين، وأخلفوا الموعِدَ، فسُمِّيت هذهِ بدرَ الموعد، وتسمى بدرَ الثانية.

فصل في غزوة دومة الجندلعدل

وهي بضم الدَّال، وأما دَومة بالفتحِ فمكانٌ آخر. خرج إليها رسولُ الله ﷺ في ربيع الأول سنة خمسٍ، وذلك أنه بلغه أن بها جمعًا كثيرًا يُريدُونَ أن يَدْنُوا مِن المدينةِ، وبينها وبينَ المدينة خَمْسَ عشرةَ ليلة، وهي مِن دمشق على خمس ليال، فاستعمل علَى المَدينةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفارى، وخرج في ألفٍ من المسلمين، ومعه دليلٌ من بنى عُذرة، يقال له "مذكور"، فلما دنا مِنهم، إذا هُم مُغرِّبُونَ، وإذا آثار النعم والشاءِ، فهجَمَ على ماشيتهم ورُعاتهم، فأصابَ مَن أصابَ، وهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وجاء الخبرُ أهلَ دُومَة الجَنْدَلِ، فتفرَّقُوا، ونزل رسولُ الله ﷺ بِسَاحَتِهِم، فلم يَجِدْ فيها أحدًا، فأقامَ بها أيامًا، وبثَّ السرايا، وفرَّق الجيوشَ، فلم يصِبْ منهم أحدًا، فرجَعَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عُيينةَ بْنُ حصن.

فصل في غزوة المريسيععدل

وكانت في شعبانَ سنَةَ خَمسٍ، وسببُها: أنه لما بلغه ﷺ أن الحارث ابن أبي ضِرار سيِّدَ بنى المُصْطَلِق سار في قومه ومن قَدَرَ عليه مِن العرب، يُريدونَ حربَ رسول الله ﷺ، فبعثَ بُريْدَةَ بنَ الحُصيب الأسلمي يَعْلَمُ له ذلك فأتاهم، ولقى الحارث بن أبي ضِرار، وكلَّمه، ورجَعَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأخبره خبرَهم، فندب رسولُ اللهِ ﷺ الناسَ فأسرعوا في الخروج، وخرج معهم جماعةٌ مِن المنافقين، لم يخرُجوا في غَزاةٍ قبلَهَا، واستعمل على المدينة زيدَ بنَ حارِثَة، وقيل: أبا ذر، وقيل: نُمَيْلَةَ بن عبد الله اللَّيثى، وخرج يومَ الاثنين لليلتين خَلتَا من شعبان، وبلغ الحارثَ بن أبي ضرار ومَنْ معه مسيرُ رسولِ الله ﷺ، وقَتْلُه عينَه الذي كان وجَّهه لِيأتِيَه بخبرِهِ وخبرِ المسلمين، فخافُوا خوفًا شديدًا، وتفرَّق عنهم مَنْ كان معهم مِن العرب، وانتهى رسولُ الله ﷺ إلى المُرَيْسِيعِ، وهو مكانُ الماءِ، فضرب عليه قُبَّتَه، ومعه عائشةُ وأمُّ سَلَمة، فتهيؤوا لِلقتال، وصفَّ رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه، ورايةُ المهاجِرِينَ مع أبي بكر الصِّدِّيق، ورايةُ الأنصارِ مع سعد بن عُبادة، فترامَوْا بالنَّبْلِ ساعةً، ثم أمَر رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه، فحملوا حملةَ رجلٍ واحد، فكانت النُّصرةُ، وانهزم المشركون، وقُتِلَ مَنْ قُتِلَ منهم، وسَبَى رسولُ الله ﷺ النساءَ والذَّرارى، والنَّعَمَ والشَّاءَ، ولم يُقْتَلْ مِن المسلمين إلا رجلٌ واحد، هكذا قال عبدُ المؤمن ابن خلف في "سيرته" وغيرُه، وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قِتال، وإنما أغارَ عليهم على الماء، فَسَبى ذَرَارِيَهم، وأموالَهم، كما في الصحيح: أغارَ رسولُ الله ﷺ على بَنى المُصْطَلِقِ، وهُمْ غَارُّونَ."، وذكر الحديث.

وكان مِن جُملة السبي جُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارث سَيِّدِ القومِ، وقعت في سَهْم ثابتِ بنِ قيس، فكاتبها، فأدَّى عنها رسُولُ الله ﷺ، وتزوَّجَها، فأعتقَ المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهْلِ بيتٍ من بنى المُصْطَلِق قد أسلموا، وقالُوا: أصهارُ رَسُولِ الله ﷺ.

قال ابنُ سعد: وفى هذه الغزوةِ سقط عِقْدٌ لعائِشَة، فاحتبسُوا على طَلَبهِ، فنزلت آيةُ التيمم.

وذكر الطبراني في معجمه من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ولمَّا كانَ مِن أَمْرِ عِقْدى ما كان، قال أهلُ الإفك ما قالُوا، فخرجتُ مع النبي ﷺ في غَزاةٍ أُخرى، فسقطَ أيضًا عِقدى حتَّى حَبَسَ التماسُه الناس، ولقيتُ مِن أبي بكر ما شاء اللهُ، وقال لي: يا بُنيَّةُ؛ في كُلِّ سفرٍ تكونين عَناءً وبلاءً، وليس مع الناس ماء، فأنزل اللهُ الرُّخصةَ في التيَّمُّمِ".

وهذا يدل على أن قِصة العقد التي نزل التيممُ لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهرُ، ولكن فيها كانت قِصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فالتبسَ على بعضِهم إحدى القِصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة الإفك.

وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خَرَجَ بها رسولُ اللهِ ﷺ معه في هذه الغَزوةِ بقُرعة أصابَتْهَا، وكانَت تِلكَ عادته مع نسائه، فلما رجعُوا مِن الغزوة، نزلُوا في بعض المنازل، فخرجَتْ عائشةُ لِحاجتها، ثمَّ رجعت، ففقَدَتْ عِقْدًا لأُختها كانت أعارتها إياه، فرجَعَتْ تلتمسُه في الموضع الذي فَقَدَتْهُ فيه، فجاء النَّفَرُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا، فظنُّوها فيه، فحملوا الهودجَ، ولا يُنكرون خِفته، لأنها رضي الله عنها كانت فَتِيَّةَ السِّن، لم يغشها اللَّحْمُ الذي كان يُثْقِلُهَا، وأيضًا، فإن النفرَ لما تساعدوا على حمل الهودج، لم يُنكِرُوا خِفَّته، ولو كان الذي حمله واحدًا أو اثنين، لم يَخْفَ عليهما الحالُ، فرجعت عائشةُ إلى منازلهم، وقد أصابتِ العِقد، فإذا ليس بها داعٍ ولا مُجيب، فقعدت في المنزل، وظنَّت أنهم سيفقدونها، فيرجِعُون في طلبها، واللهُ غالِبٌ على أمرهِ، يُدبِّرُ الأمرَ فَوقَ عرشه كما يشاءُ، فغلبتها عيناهَا، فنامَتْ، فلم تستيقِظْ إلا بِقَوْل صَفْوَانَ بنِ المُعَطِّل: إنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُونَ، زوجةُ رسول الله ﷺ. وكان صفوان قد عرَّسَ في أُخريات الجيش، لأنه كان كثيرَ النوم، كما جاء عنه في "صحيح أبى حاتم" وفي السنن: فلما رآها عَرفها، وكانَ يَراها قبلَ نزولِ الحِجَابِ، فاسترجع، وأناخَ راحِلَته، فقرَّبها إليهَا، فركِبَتْهَا، وما كلَّمَها كلمةً واحدة، ولم تَسْمَعْ منه إلا استرجاعَه، ثم سار بها يَقُودُهَا حتَّى قَدِمَ بها، وقد نزل الجيشُ في نحرِ الظهيرة، فلما رأى ذلك الناسُ، تكلَّم كُلٌ منهم بِشاكِلته، وما يَليقُ به، ووجد الخبيثُ عدوُّ اللهِ ابن أبي متنفَّسًا، فتنفَّس مِن كَرْبِ النفاق والحسدِ الذي بين ضُلوعه، فجعل يَستحكى الإفكَ، ويَستوشِيه، ويُشِيعه، ويُذِيعه، ويَجمعُه، ويُفرِّقه، وكان أصحابُه يتقرَّبُونَ به إليه، فلما قَدِمُوا المدينةَ، أفاضَ أهلُ الإفكِ في الحديثِ، ورسولُ اللهِ ﷺ ساكِتٌ لا يتكلَّم ثم استشار أصحابَه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يُفارقَهَا، ويأخُذَ غيرها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أُسامةُ وغيرُه بإمساكِها، وألا يلتفِتَ إلى كلام الأعداء، فعليُّ لما رأى أن ما قِيل مشكوكٌ فيه، أشار بترك الشَّكِّ والرِّيبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ اللهِ ﷺ من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه مِن كلام الناس، فأشار بحسم الداء، وأُسامة لما عَلِمَ حُبَّ رسولِ اللهِ ﷺ لها ولأبيها، وعَلِمَ مِن عِفتها وبراءتها، وحَصانتها ودِيانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظمُ منه، وعرفَ مِن كرامةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعِه عنه، أنه لا يجعلُ ربةَ بيته وحبيبته من النساء، وبنتَ صِدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها بهِ أربابُ الإفك، وأن رسولَ الله ﷺ أكرمُ على ربه، وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأة بَغيًّا، وعلم أنَّ الصِّدِّيقةَ حبيبةَ رسول الله ﷺ أكرمُ على ربها مِن أن يَبْتَلِيهَا بالفَاحِشَةِ، وهيَ تحتَ رسوله، ومَنْ قَوِيَتْ معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عندَ اللهِ في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره مِن سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك: { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [النور: 16</ref>.

وتأمل ما في تسبيحهم للهِ وتنزيههم له في هذا المقامِ مِن المعرفةِ به وتنزيهه عما لا يليقُ به أن يجعلَ لِرسوله وخليلِه وأكرمِ الخلق عليه امرأةً خبيثةً بغيَّا، فمن ظنَّ به سُبحانه هذا الظَّنَّ، فقد ظَنَّ به ظنَّ السَّوْءِ، وعرف أهلُ المعرفة باللهِ ورسوله أن المرأة الخبيثةَ لا تليقُ إلا بمثلها، كما قال تعالى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } [135]، فقطعوا قطعًا لا يشُكُّونَ فيهِ أن هذا بُهتان عظيم، وفِريةٌ ظاهرة.

فإن قيل: فما بالُ رسولِ الله ﷺ توقَّفَ في أمرها وسألَ عنها وبحَثَ واستشارَ، وهو أعرفُ باللهِ وبمنزلتِهِ عِندهُ وبما يليقُ به، وهَلَّا قال: { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [136]، كما قاله فضلاءُ الصحابة؟

فالجوابُ أن هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرةِ التي جعل اللهُ هذهِ القِصةَ سببًا لها وامتحانًا وابتلاءً لرسولهِ ﷺ، ولجميع الأمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا، ويضعَ بها آخرينَ، ويزيدَ اللهُ الذين اهتَدَوْا هُدىً وإيمانًا، ولا يزيدُ الظالمين إلا خَسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله ﷺ الوحي شهرًا في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شئ لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ باللهِ ورسولهِ، وأهلِ بيتهِ، والصِّدِّقينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويُظْهِرَ لِرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبوديةُ المرادة مِن الصِّدِّيقةِ وأبويها، وتتمَ نعمةُ اللهِ عليهم، ولِتشتد الفاقةُ والرغبةُ مِنها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى اللهِ والذلُّ له، وحُسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول النُّصرةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّت هذا المقَام حقًَّه، لما قال لها أبواها: قومي إليه، وقد أنزلَ اللهُ عليه براءتَها، فقالت: واللهِ لا أقُومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلَّا اللهَ، هُو الذي أنْزَلَ بَرَاءَتِي.

وأيضًا فكان مِن حكمةِ حَبْس الوحي شهرًا، أن القضية مُحِّصَتْ وتمحَّضتْ، واستشرفَتْ قلوبُ المؤمنين أعظَم استشرافٍ إلى ما يُوحيه اللهُ إلى رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطلُّع، فوافى الوحي أحوجَ ما كان إليه رسولُ الله ﷺ وأهلُ بيته، والصِّدِّيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيثِ على الأرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وأَلطَفَه، وسُرُّوا به أتمَّ السُّرورِ، وحصل لهم به غايةُ الهناء، فلو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ وأضعافُها بل أضعافُ أضعافها.

وأيضًا فإن الله سُبحانه أحبَّ أن يُظْهِرَ منزلَةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يُخرِجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحَة عنه، والردَّ على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل، ولا يُنسب إليه، بل يكونُ هو وحدَه المتوليَ لذلك، الثائرَ لرسوله وأهل بيته.

وأيضًا فإن رسولَ اللهِ ﷺ كان هو المقصودَ بالأذى، والتي رُمِيَتْ زوجتُه، فلم يكن يليقُ به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظنَّ المقاربَ للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سُوءًا قطُّ، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر مِن أهل الإفك، قال: "مَنْ يَعْذِرُنى في رَجُلٍ بلغني أذَاهُ في أهلي، واللهِ مَا عَلِمْتُ عَلى أهلي إلَّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهلي إلَّا مَعى"، فكان عنده مِنَ القرائن التي تشهدُ ببراءة الصِّدِّيقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لِكمال صبره وثباته، ورِفقه، وحُسنِ ظنه بربه، وثِقته به، وفّى مقامَ الصبر والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحي بما أقرَّ عينَه، وسرَّ قلبَه، وعظَّمَ قدرَه، وظهر لأُمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه.

ولما جاء الوحي ببراءتها، أمرَ رسولُ الله ﷺ بمن صرَّح بالإفك، فَحُدُّوا ثمانين ثمانين، ولم يُحد الخبيثُ عبد الله بن أُبَيّ، مع أنه رأسُ أهل الإفك، فقيل: لأن الحدودَ تخفيفٌ عن أهلها وكفَّارة، والخبيثُ ليس أهلًا لذلك، وقد وَعَدَهُ الله بالعذابِ العظيمِ في الآخرةِ، فيكفيهِ ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشى الحديثَ ويجمعُه ويحكيه، ويُخرجه في قوالب مَن لا يُنسب إليه، وقيل: الحدُّ لا يثبتُ إلا بالإقرار، أو ببيِّنة، وهو لم يُقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكُره بين أصحابه، ولم يشهدُوا عليه، ولم يكن يذكُره بين المؤمنين.

وقيل: حدُّ القذف حقُّ الآدمي، لا يُستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٌ لله، فلا بُدَّ مِن مطالبة المقذوف، وعائشةُ لم تُطالب به ابنَ أُبَيَّ.

وقيل: بل تَرَك حدَّه لمصلحة هي أعظمُ مِن إقامته، كما ترك قتله مع ظهورِ نفاقه، وتكلمِه بما يُوجب قتله مرارًا، وهي تأليفُ قومه، وعدمُ تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تُؤمن إثارةُ الفتنة في حدِّه، ولعله تُرِكَ لهذِهِ الوجوهِ كُلِّهَا.

فجلد مِسْطَحَ بنَ أثاثة وحسانَ بن ثابت وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وهؤلاء مِن المؤمنين الصَّادقين تطهيرًا لهم وتكفيرًا، وترك عبد الله بن أبي، إذًا، فليس هو من أهل ذاك.

فصل

ومَن تأمَّل قولَ الصِّدِّيقةِ وقد نزلت براءتُهَا، فقال لها أبواها: قومي إلى رسول اللهِ ﷺ، فقالت: "واللهِ لا أقومُ إلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلا اللهَ"، علم معرفَتها، وقوةَ إيمانها، وتوليتها النعمة لربِّها، وإفرادَه بالحمد في ذلك المقَام، وتجريدَها التوحيد، وقوةَ جأشها، وإدلالَها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يُوجب قيامَها في مقام الراغب في الصُّلح، الطالب له، وثقتها بمحبة رسولِ اللهِ ﷺ لها قالت ما قالت، إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسنُ مقامات الإدلال، فوضعتهُ موضِعَه، وللهِ ما كان أحبَّها إليه حين قالت: "لا أحْمَدُ إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتى"، ولله ذلك الثباتُ والرزانةُ منها، وهو أحبُّ شئ إليها، ولا صبرَ لها عنه، وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهرًا، ثم صادفَتِ الرِّضى منه والإقبال، فلم تُبادِرْ إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غايةُ الثبات والقوة.

فصل

وفي هذه القضية أنَّ النبي ﷺ لما قال: "مَنْ يَعْذِرُنِي في رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ في أَهْلِي "؟ قام سعدُ بن معاذ أخو بنى عبد الأشهل، فقال: أنا أعذِرُكَ مِنْهُ يا رسولَ اللهِ، وقد أشكلَ هذا على كثيرٍ من أهلِ العلم، فَإنَّ سعد بن معاذ لا يختلِفُ أحدٌ من أهل العلم، أنه تُوفى عقيبَ حُكمه في بنى قُريظة عقيبَ الخندق، وذلك سنةَ خمس على الصحيح، وحديث الإفك لا شك أنه في غزوة بنى المُصْطَلِق هذه، وهي غزوةُ المُريسيع، والجمهُورُ عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست، فاختلفت طرقُ الناسِ في الجوابِ عن هذا الإشكال، فقال موسى بن عقبة: غزوة المُريسيع كانت سنةَ أربعٍ قبلَ الخندق، حكاه عنه البخاري. وقال الواقدي: كانت سنة خمس. قال: وكانت قريظة والخندق بعدها. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق، وعلى هذا، فلا إشكال، ولكن الناس على خلافه، وفى حديث الإفك، ما يدل على خلاف ذلك أيضًا، لأن عائشة قالت: إن القضية، كانت بعدما أُنزل الحجاب، وآيةُ الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزينبّ إذ ذاك كانت تحتَه، فإنه ﷺ سألها عن عائشة، فقالت: "أحمى سَمْعِي وَبَصَرِي" قالت عائِشَةُ: وهى التي كانت تُسامينى مِن أزواج النبي ﷺ.

وقَد ذكر أربابُ التواريخ أن تزويجَه بزينب كان في ذي القَعدة سنة خمس، وعلى هذا فلا يصح قولُ موسى بن عقبة. وقال مُحمد بن إسحاق: إن غزوة بنى المُصْطَلِق كانت في سنة ست بعد الخندق، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، فذكر الحديث. فقال: فقام أُسيدُ بن الحضير، فقال: أنا أعذِرُكَ منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة، ولم يذكر سعد بن معاذ، قال أبو محمد بنُ حزم: وهذا هو الصحيحُ الذي لا شك فيه، وذكر سعد بن معاذ وهم، لأنَّ سعدَ بن معاذ مات إثر فتح بنى قريظة بلا شك، وكانت في آخِر ذي القَعدةِ مِن السنة الرابعة، وغزوة بنى المصطلِق في شعبان من السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بنى المُصطَلِق بأزيدَ من خمسين ليلة.

قلت: الصحيح: أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتي.

فصل

ومما وقع في حديث الإفك، أن في بعض طُرق البخاري، عن أبى وائل عن مسروق، قال: سألتُ أمَّ رُومان عن حديثِ الإفك، فحدَّثتنى. قال غيرُ واحد: وهذا غلط ظاهر، فإن أمَّ رُومان ماتت على عهدِ رسولِ الله ﷺ، ونزل رسولُ الله ﷺ في قبرها، وقال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى امْرَأَةٍ مِنَ الحُورِ العينِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذه " قَالُوا: ولو كان مسروقٌ قَدِمَ المدينةَ في حياتها وسألها، للقى رسولَ الله ﷺ وسمع منه، ومسروق إنما قَدِمَ المدينة بعد موتِ رسولِ الله ﷺ. قالوا: وقد روى مسروق، عن أمِّ رومان حديثًا غير هذا، فأرسلَ الروايةَ عنها، فظنَّ بعضُ الرواة، أنه سمع منها، فحمل هذا الحَديث على السماع، قالوا: ولَعل مسروقًا قال: "سُئلت أم رومانَ" فتصَّحفت على بعضهم: "سألت"، لأن من الناس مَن يكتب الهمزة بالألف على كل حال، وقال آخرون: كل هذا لا يَرُدُّ الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في صحيحه وقد قال ابراهيم الحربى وغيره: إن مسروقًا سألها، وله خمسَ عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأمُّ رومان أقدمُ مَنْ حدَّثَ عنه، قالوا: وأما حديثُ موتها في حياة رسول الله ﷺ، ونزوله في قبرها، فحديثٌ لا يَصِحُّ، وفيه علتان تمنعان صِحته، إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيفُ الحديث لا يُحتجُّ بحديثه، والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد، عن النبي ﷺ، والقاسم لم يُدرك زمنَ رسول الله ﷺ، فكيف يُقدَّم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه البخاري في صحيحه ويقول فيه مسروق: سألتُ أمَّ رومان، فحدثتنى، وهذا يرد أن يكون اللَّفظ: "سئلت". وقد قال أبو نعيم في كتاب "معرفة الصحابة": قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله ﷺ، وهو وهم.

فصل

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه: أن عليًا قال للنبي ﷺ لما استشاره: سل الجَارِيَةَ تصدقَكَ، فدعا بَرِيرَة، فسألها، فقالَتْ: ما عَلِمْتُ عليها إلا ما يَعْلَمُ الصائغُ على التِّبْرِ، أو كما قالت، وقد استُشْكِلَ هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعَتَقَتْ بعد هذا بمدَّةِ طوبلة، وكان العباسُ عمُّ رسول الله ﷺ إذ ذاك في المدينة، والعباسُ إنما قَدِمَ المدينةَ بعد الفتح، ولهذا قال له النبي ﷺ، وقد شَفِعَ إلى بَريرة: أن تُراجعَ زوجَها، فأبت أن تُراجعه: "يا عبَّاسُ؛ ألا تَعْجَبُ مِنْ بغض بَرِيرَةَ مُغِيثًا وحُبِّهِ لَهَا".

ففي قصة الإفك، لم تكن بريرةُ عند عائشة، وهذا الذي ذكروه، إن كان لازِمًا فيكون الوهمُ مِن تسميته الجارية بريرة، ولم يَقْل له عليُّ: سَلْ بريرَة، وإنما قال: فسل الجارية تصدُقك، فظن بعضُ الرواة أنها بريرة، فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح، ولم ييأس منها، زال الإشكال. والله أعلم.

فصل

وفي مرجعهم مِن هذه الغزوة، قال رأسُ المنافقين ابنُ أُبَيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغها زيد بن أرقم رسول الله ﷺ، وجاء ابن أبي يعتذر ويحلف ما قال، فسكت عنه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين، فأخذ النبي ﷺ بأذنه، فقال: " أبشر فقد صدقك الله "، ثم قال: " هذا الذي وفى لله بأذنه "، فقال له عمر: يا رسول الله! مر عباد بن بشر، فليضرب عنقه، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ".

فصل في غزوة الخندقعدل

وكانت في سنةِ خمسٍ مِن الهجرةِ في شوَّال على أصحِّ القولين، إذ لا خِلافَ أن أُحُدًا كانت في شوَّال سنةَ ثلاثٍ، وواعدَ المشركُون رسولَ اللهِ ﷺ في العام المُقبلِ، وهو سنةُ أربع، ثم أخلفُوه لأجل جَدْبِ تلك السنةِ، فرجعُوا، فلما كانت سنة خمس، جاؤوا لِحربه، هذا قولُ أهلِ السِّيَرِ والمغازي.

وخالفهم موسى بنُ عقبة وقال: بل كانت سنةَ أربع، قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيحُ الذي لا شَكَّ فيه، واحتج عليه بحديثِ ابنِ عُمَرَ في الصحيحين أنه عُرِضَ على النبي ﷺ يومَ أُحُدٍ، وهو ابنُ أربع عشرةَ سنة، فلم يُجِزْهُ، ثم عُرِضَ عليه يومَ الخندقِ، وهو ابنُ خَمسَ عشرةَ سنة، فأجازه.

قال: فصحَّ أنه لم يكن بينهما إلا سنةٌ واحدة.

وأجيب عن هذا بجوابين، أحدهما: أن ابنَ عمر أخبرَ أن النبي ﷺ، ردَّهُ لما استصغَرَهُ عَنِ القِتال، وأجازه لمَّا وصَلَ إلى السِّنِّ التي رآه فيها مطيقًا، وليس في هذا ما ينفى تجاوُزَها بسنةٍ أو نحوها.

الثاني: أنه لعلَّه كان يومَ أُحُدٍ في أوَّلِ الرابعة عشرة ويومَ الخندق في آخرِ الخامسة عشرة.

فصل

وكان سبب غزوة الخندق أن اليهودَ لما رَأُوا انتصارَ المشركين على المسلمين يَوْمَ أُحُد، وعلِمُوا بميعادِ أبى سفيان لِغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للِعام المُقْبِلِ، خرج أشرافُهم، كسلَّام بن أبي الحُقيق، وسلَّام بن مِشْكَم، وكِنَانة بن الرَّبيع وغيرِهم إلى قريش بمكة يُحرِّضُونهم عَلَى غَزوِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عَليه وسلم، ويؤلِّبُونهم عليه، ووعدوهم مِن أنفسهم بالنَّصرِ لهم، فأجابَتْهُم قريشٌ، ثم خرجُوا إلى غَطَفَان فدعَوْهُم، فاستجابُوا لهم، ثمَّ طافُوا في قبائل العربِ، يدعونَهم إلى ذلك، فاستجابَ لهم مَن استجاب، فخرجت قُريشٌ وقائدهم أبو سفيان في أربعةِ آلافٍ، ووافَتْهُم بنو سليم بِمَرِّ الظَّهْرَان، وخرجت بنُو أسد، وفَزَارَة، وأشجع، وبنو مُرَّةَ، وجاءت غَطَفَانُ وقائدُهم عُيينةُ بنُ حِصْنٍ. وكان مَن وافى الخندقَ مِن الكفار عشرة آلاف.

فلما سَمِعَ رسولُ اللهِ ﷺ بمسيرهم إليه، استشار الصحابةَ، فأشار عليه سلمانُ الفارسى بحفر خندقٍ يحُول بين العدوِّ وبينَ المدينة، فأمر به رسولُ اللهِ ﷺ، فبادر إليه المسلمون، وعَمِلَ بنفسه فيه، وبادروا هجومَ الكُفّارِ عليهم، وكان في حَفرِه من آياتِ نُبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبرُ به، وكان حفرُ الخندق أمامَ سَلْعٍ، وسَلْعٌ: جبل خلفَ ظهورِ المسلمين، والخندقُ بينهم وبين الكفار.

وخرج رسولُ الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصَّن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم.

وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة، وهذا غلط مِن خروجه يوم أُحُدٍ.

وأمر النبي ﷺ بالنِّسَاءِ والذرارى، فَجُعِلُوا في آطامِ المدينةِ، واستخلف عليها ابنَ أُمِّ مكتوم.

وانطلق حُيَيُّ بنُ أخْطَب إلى بنى قُريظة، فدنا مِن حصنهم، فأبى كعبُ بن أسد أن يفتَح له، فلم يَزَلْ يُكلِّمُهُ حتى فتح له، فلما دخل عليه، قال: لقد جئتُكَ بعزِّ الدهر، جئتُكَ بقريش وغَطَفَان وأَسَدٍ على قادتها لِحرب محمد، قال كعب: جِئْتَنى واللهِ بذُلِّ الدهرِ، وبِجَهَامٍ قد هراقَ مَاؤُه، فهو يَرْعُد ويَبْرُق ليس فيه شىء. فلم يزل به حتَّى نقضَ العَهد الذي بينَه وبينَ رسول الله ﷺ، ودخل مع المشركين في مُحاربته، فَسُرَّ بذلك المشركون، وشرط كعب على حُيَيِّ أنه إن لم يظفُروا بمحمد أن يجئ حتى يدخُلَ معه في حِصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك، ووفَّى له به.

وبلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ بنى قُريظة ونقضهم للعهد، فبعث إليهم السَّعْديْنِ، وخوَّاتَ بن جُبير، وعبدَ اللهِ بن رواحة لِيَعْرِفُوا: هل هم على عهدهم، أو قد نقضُوه؟ فلما دَنوْا منهم، فوجدُوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ والعداوة، ونالُوا مِن رسول الله ﷺ، فانصرفُوا عنهم، ولحنُوا إلى رسول الله ﷺ لحنًا يُخبرونه أنهم قد نقضُوا العَهد، وغدَرُوا، فعظُمَ ذلك على المسلمين، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ عند ذلك: "اللهُ أكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ"، واشتدَّ البلاءُ، ونَجَمَ النِّفَاقُ، واستأذن بعضُ بنى حارثة رسولَ الله ﷺ في الذهاب إلى المدينة وقَالُوا: { إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ومَا هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا } [137]، وهمَّ بنو سلمَةَ بالفَشَلِ، ثم ثبَّت اللهُ الطائفتين.

وأقام المشركُون محاصِرِينَ رسولَ الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قِتال لأجل ما حال اللهُ به مِن الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فَوارِسَ مِن قُريش، منهم عمُرو بن عبد وُدٍّ وجماعة معه أقبلُوا نحوَ الخندق، فلما وقفُوا عليه، قالوا: إن هذه مَكيدةٌ ما كانت العربُ تعرِفُها، ثم تيمَّمُوا مكانًا ضيِّقًا من الخندق، فاقتحمُوه، وجالت بهم خيلُهم في السّبخة بين الخندقِ وسَلْعٍ، وَدَعَوْا إلى البِرَاز، فانتدب لِعمرو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فبارزهُ، فقتله اللهُ على يديه، وكان مِن شُجعان المشركين وأبطالِهم، وانهزمَ الباقون إلى أصحابهم، وكان شِعارُ المسلمين يومئذ "حم لا يُنْصَرُونَ".

ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين، أراد رسولُ الله ﷺ أن يُصالح عُيينةَ بنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسى غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك، فقالا: يا رسولَ اللهِ؛ إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا؟، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال: "إنَّمَا هُوَ شَىءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ".

ثم إنَّ الله عزَّ وجلَّ وله الحمدُ صنع أمرًا مِنْ عنده، خَذَلَ به العدوَّ، وهزم جموعَهم، وفلَّ حدَّهم، فكان مما هيَّأَ مِن ذلك، أن رجلًا مِن غَطَفَانَ يُقَال له: نُعَيْمُ بنُ مسعود بنِ عامر رضي الله عنه، جاء إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسول اللهِ؛ إني قد أسلمتُ، فمُرنى بما شئت، فقالَ رسولُ الله ﷺ: "إنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإنَّ الحَرْبَ خَدْعَة"، فذهب مِن فوره ذلك إلى بنى قُريظة، وكان عشيرًا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بنى قُريظة؛ إنكم قد حاربتُم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابُوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمَرُوا إلى بلادهم راجعين، وتركُوكُم ومحمدًا، فانتقم منكم. قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تُقاتِلُوا معهم حتى يُعطوكم رهائِن، قالوا: لقد أشرتَ بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قُريش، فقال لهم: تعلمون وُدِّي لكم، ونُصحى لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهودَ قد نَدِمُوا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلُوه أنهم يأخذون منكم رَهائِنَ يدفعونَها إليه، ثمَ يُمالِئُونه عليكم، فإن سألوكم رهائِنَ، فلا تُعطوهم، ثم ذهب إلى غَطَفَان، فقال لهم مِثْلَ ذلِكَ، فلما كان ليلةُ السبت من شوَّال، بعثوا إلى اليهود: إنَّا لسنا بأرض مُقام، وقد هلك الكُراعُ والخُفُّ، فانهضُوا بنا حتى نُنَاجِزَ محمَّدًا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليومَ يومُ السبت، وقد علمتم ما أصاب مَنْ قبلنا أحدثُوا فيه، ومع هذا فإنَّا لا نُقاتِلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رَهائِنَ، فلما جاءتهم رُسُلُهُم بذلك، قالت قُريش: صدقَكُم واللهِ نُعيم، فبعثوا إلى يهود: إنَّا واللهِ لا نُرسِلُ إليكم أحدًا، فاخرجُوا معنا حتى نُناجِزَ محمدًا، فقالت قُريظة: صدقكم والله نُعيم، فتخاذلَ الفريقانِ، وأرسلَ اللهُ على المشركين جُندًا من الريح، فجعلتْ تُقوِّضُ خِيامَهم، ولا تَدَعُ لهم قِدرًا إلا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا، إلا قَلَعَتْه، ولا يَقِرُّ لهم قرار، وجندُ اللهِ مِن الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرُّعْبَ والخوفَ، وأرسل رسولُ اللهِ ﷺ حُذيفةَ بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسولُ الله ﷺ، وقد ردَّ اللهُ عدوَّهُ بغيظه، لم ينالُوا خيرًا، وكفاهُ الله قِتالهم، فصدق وعدَه، وأعزَّ جندَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، فدخل المدينةَ ووضعَ السلاحَ، فجاءه جبريلُ عليه السلامُ، وهو يغتسِلُ في بيت أُمِّ سلمة، فقال: أَوَضَعْتُمُ السِّلاحَ؟ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَهَا، انْهَضْ إلَى غَزْوَةِ هؤلاءِ، يعني بنى قُرَيْظَةَ، فَنادَى رسُولُ الله ﷺ: "مَن كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلا في بنى قُرَيْظَة"، فخرج المسلمون سِراعًا، وكان من أمره وأمر بنى قُريظة ما قدَّمناه، واستشهد يومَ الخندق ويومَ قريظة نحُوُ عشرةٍ مِن المسلمين.

فصل

وقد قدَّمنا أن أبا رافع كان مِمَّنْ أَلَّبَ الأحزابَ على رسول اللهِ ﷺ، ولم يُقتلْ مع بنى قُريظة كما قُتِلَ صاحبُه حُيَيّ بن أخطب، ورغبتِ الخزرجُ في قتله مساواةً للأوس في قتل كعبِ بنِ الأشرف، وكان اللهُ سُبحانه وتعالى قد جعل هذين الحيَّيْنِ يتصاولان بينَ يدي رسول الله ﷺ في الخيراتِ، فاستأذنُوه في قتله، فَأَذِنَ لهم، فانتدب له رِجالٌ كُلُّهُم مِن بنى سلمة، وهم عبدُ الله بن عَتيكٍ، وهو أميرُ القوم، وعبدُ اللهِ بنُ أُنيس، وأبو قتادة، الحارث بن رِبْعي، ومسعود بن سنان، وخُزَاعيُّ بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دار له، فنزلُوا عليه ليلًا، فقتلُوه، ورجعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وكُلُّهُمُ ادَّعى قتله، فقال: "أَرُونى أَسْيَافَكُم"، فلما أَرَوْهُ إيَّاهَا، قال لِسيفِ عبدِ اللهِ بن أُنيس: "هذَا الذي قَتَلَهُ أرى فيهِ أثَرَ الطَّعَام".

فصل

ثم خرج رسولُ الله ﷺ إلى بنى لِحْيَان بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِيغزوهم، فخرج رسولُ الله ﷺ في مائتي رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَانَ، وادٍ من أودية بلادهم، وهُوَ بين أمَج وعُسفان حيث كان مُصابُ أصحابه، فترحَّم عليهم ودعا لهم، وسَمِعَتْ بنو لِحْيَان، فهربُوا في رؤوسِ الجبال، فلم يقدر مِنهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يَقْدِرُوا عليهم، فسار إلى عُسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم لِتسمعَ به قُريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبتُه عنها أربعَ عشرة ليلة.

فصل في سرية نجدعدل

ثم بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت بثُمَامَةَ بنِ أُثال الحنيفى سيِّد بني حنيفة، فربطه رسولُ اللهِ ﷺ إلى ساريةٍ من سوارى المسجد، ومَرَّ به، فقال: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"؟ فقال: يا مُحَمَّدُ؛ إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإن تَنْعِمْ تَنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ المال، فَسَلْ تُعطَ منه ما شئتَ، فتركه، ثم مرَّ به مرة أخرى، فقال له مِثْلَ ذلكَ، فردَّ عليه كما رَدَّ عليه أولًا، ثم مرَّ مرةً ثالثة، فقال: "أطْلِقُوا ثُمَامَة"، فأطلقُوه، فذهب إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم جاءه، فأسلم وقال: واللهِ ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوُجوه إليَّ، واللهِ ما كان على وجه الأرض دِينٌ أبغَضَ عليَّ مِن دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الأديانِ إليَّ، وإنَّ خيلك أخذتنى، وأنا أُريدُ العُمرة، فبشَّره رسولُ الله ﷺ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم على قريشٍ، قالوا: صَبَوْتَ يا ثُمَامةُ؟ قال: لا واللهِ، ولكنى أسلمتُ مع محمد ﷺ، ولا واللهِ لا يأتيكم من اليمَامَةِ حَبَّةُ حِنطَةٍ حَتَّى يأذَنَ فيها رسولُ الله ﷺ، وكانت اليمامةُ ريفَ مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحملَ إلى مكة حتى جَهِدَتْ قريش، فكتبوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ يسألُونه بأرحامهم أن يكتُب إلى ثُمامةَ يُخلِّي إليهم حملَ الطعام، ففعل رسولُ الله ﷺ.

فصل في غزوة الغابةعدل

ثم أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ في بنى عبد اللهِ بن غَطَفَانَ على لِقَاحِ النبي ﷺ التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعِيَهَا وهو رجلٌ من عُسفان، واحتملوا امرأته، قال عبدُ المؤمن بن خلف: وهو ابن أبي ذر، وهو غَرِيبٌ جدًا، فجاء الصريخُ، ونودى: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبى، وكان أول ما نُودى بها، ورَكِبَ رسولُ اللهِ ﷺ مُقنَّعًا في الحديد، فكان أول مَنْ قدم إليه المقدادُ بن عمرو في الدِّرع والمِغْفَرِ، فَعَقَدَ له رسولُ الله ﷺ اللِّواءَ في رُمحه، وقال: " امْضِ حتَّى تلحقك الخيولُ، إنَّا عَلَى أَثَرِكَ"، واستخلفَ رسولُ الله ﷺ ابنَ أُمِّ مكتوم، وأدركَ سلمةُ بنُ الأكوع القومَ، وهو على رِجليه، فجعلَ يرميهم بالنَّبْلِ ويَقُول:

خُذْهَا وَأنَا ابْنُ الأَكْوَع ** والْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع

حتى انتهى إلى ذي قَرَدٍ وقد استنقذَ مِنهم جميعَ اللِّقَاح وثلاثين بُردة، قال سلمة: فَلَحِقَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ والخيلُ عِشاءً، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ إن القومَ عِطاش، فلو بعثتنى في مائة رجل استنقذتُ ما في أيديهم من السَّرْح، وأخذتُ بأَعناق القوم، فقال رسولُ الله ﷺ: "مَلَكْتَ فَأسْجِحْ" ثم قالَ: "إنَّهُم الآنَ لَيُقْرَوْنَ في غَطَفَان".

وذهب الصريخُ بالمدينة إلى بنى عَمْرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ولم تزلِ الخيلُ تأتي، والرجالُ على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انْتَهَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ بِذِي قَرَدٍ.

قال عبد المؤمن بن خلف: فاستنقذوا عَشْرَ لِقاح، وأُفلِتَ القومُ بما بقى، وهو عشر.

قلت: وهذا غلط بيِّن، والذي في الصحيحين: أنهم استنقذوا اللِّقَاحَ كُلَّها، ولفظ مسلم في صحيحه عن سلمة: "حتى ما خلق اللهُ مِن شىءٍ مِن لِقاح رسولِ اللهِ ﷺ إلا خلَّفتُه وراء ظهري، واستلبتُ مٍنهم ثلاثِينَ بُردةً".

فصل

وهذه الغزوةُ كانت بعدَ الحُديبية، وقد وَهِمَ فيها جماعةٌ مِن أهلِ المغازي والسِّيرِ، فذكُروا أنها كانت قَبْلَ الحُدَيْبِيَة، والدليلُ على صِحةِ ما قُلناه: ما رواه الإمام أحمد، والحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا هاشمُ بنُ القاسم، قال: حدثنا عِكرمة بنُ عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قَدِمْتُ المدينةَ زَمَنَ الحُديبيةِ مَعَ رَسولِ الله ﷺ، قال: "خَرَجْتُ أنا ورَبَاح بفرس لطلحة أُنَدِّيهِ مع الإبل، فلما كان بِغَلَسٍ، أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عيينة على إبل رسولِ الله ﷺ فَقَتَلَ رَاعِيَهَا"، وساقَ القصة، رواها مسلم في صحيحه بطولها.

ووهم عبدُ المؤمن بن خَلَف في "سيرته" في ذلك وهمًا بيِّنًا، فذكر غَزاة بنى لِحيان بعد قُريظة بستة أشهر، ثم قال: لما قَدمَ رسولُ الله ﷺ المدينة، لم يمكُث إلا ليالى حتى أغار عبد الرحمن بن عُيينة، وذكر القصة. والذي أغار عبدُ الرحمن، وقيل: أبوهُ عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأين هذا مِن قول سلمة: قدمتُ المدينة زمن الحُديبية؟

وقد ذكر الواقدي عِدة سرايا في سنة ستٍ من الهجرة قبل الحُديبية.

فقال: بعث رسولُ الله ﷺ في ربيع الأول أو قال: الآخر سنةَ سِتٍّ مِن قدومه المدينة عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصن الأسدي في أربعين رجلًا إلى الغَمْرِ، وفيهم ثابت ابن أقرم، وسِباع بن وهب، فأجَدَّ السير، ونَذِرَ القَومُ بهم، فهربوا، فنزل على مياههم، وبعث الطلائِعَ فأصابُوا مَن دلَّهُم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعير، فساقُوها إلى المدينة.

وبعثَ سرية أبي عُبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة، فساروا ليلتَهم مُشاةً، ووافَوْهَا مع الصُّبْح، فأغَارُوا عليهم، فأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصابُوا رجلًا واحدًا فأسلم.

وبعث محمد بنَ مسلمة في ربيع الأولِ في عشرة نفر سَريَّة، فَكَمَنَ القَوْمُ لَهُم حتى ناموا، فما شَعَرُوا إلا بالقوم، فَقُتِلَ أصحابُ محمد بن مسلمة، وأفلتَ محمد جريحًا.

وفي هذه السنة وهى سنةُ ست كانت سريَّةُ زيد بن حارثة بالجَمُومِ، فأصاب امرأة مِن مُزينة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلَّة من محالِّ بنى سُليم، فأصابُوا نَعَمًا وشَاءً وأسرى، وكان في الأسرى زوجُ حَليمة، فلما قَفَلَ زيد بن حارثة بما أصابَ، وهَبَ رسولُ الله ﷺ للمُزنية نفسَها وزوجها.

وفيها - يعني سنة ست - كانت سريَّةُ زيد بن حارثة إلى الطَّرِفِ في جُمادى الأولى إلى بنى ثعلبة في خمسة عشر رجلًا، فهربت الأعرابُ، وخافُوا أن يكونَ رَسولُ اللهِ ﷺ سارَ إليهم، فأصاب مِنْ نَعَمِهِم عِشرينَ بعيرًا، وغاب أربَع ليال.

وفيها كانت سريَّةُ زيدِ بنِ حارثة إلى العيص في جُمادى الأولى.

وفيها: أُخِذَتِ الأموالُ التي كانت مع أبى العاص بن الربيع زوجِ زينبَ مَرجِعَه مِنَ الشَامِ، وكانت أموالَ قريش، قال بن إسحاق: حدثني عبدُ الله بن محمد بن حزم، قال: خرج أبو العاص بنُ الربيع تاجرًا إلى الشام، وكان رجلًا مأمونًا، وكانت معه بضائعُ لقريش، فأقبل قافلًا فلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ، فاستاقُوا عِيره، وأُفلِت، وقَدِمُوا على رَسُولِ اللهِ ﷺ بما أصابُوا، فَقَسَمه بينهم، وأتى أبو العاص المدينةَ، فدخلَ على زينبَ بنت رسولِ الله ﷺ، فاستجار بها، وسألها أن تطلُبَ له مِن رسولِ اللهِ ﷺ ردَّ ماله عليه، وما كان معهُ مِنْ أموال الناس، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ السَّرِيَّة، فقال: " إنَّ هذا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُم، وَقَدْ أَصَبْتُم لَهُ مَالًا وَلِغَيْرِهِ، وهُوَ فيءُ اللهِ الذي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ، فَافْعَلُوا، وَإنْ كَرِهْتُم، فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُم"، فقالُوا: بل نردُّه عليه يا رسولَ الله، فردوا عليه ما أصابُوا، حتى إن الرجلَ ليأتي بالشَّنِّ، والرجلَ بالإداوة، والرجلَ بالحبل، فما تركوا قليلًا أصابوه ولا كثيرًا إلا ردُّوه عليه، ثم خرج حتى قَدِمَ مكة، فأدَّى إلى الناس بضائِعَهم، حتى إذا فرغ، قال: يا معشرَ قريش؛ هل بقى لأحدٍ منكم معى مالٌ لم أردَّهُ عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا، قد وجدناك وفيًّا كريمًا، فقال: أما واللهِ ما منعنى أن أُسْلِمَ قبل أن أَقْدَمَ عليكم إلا تخوفًا أن تَظنُّوا أنى إنما أسلمتُ لأَذهبَ بأموالِكم، فإني أشهدُ أنْ لا إلَه إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

وهذا القولُ من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبى العاص كانت قَبْلَ الحُدَيبية، وإلا فبعدَ الهُدنة لم تتعرَّضْ سرايا رسولِ الله ﷺ لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة، أن قصة أبى العاص كانت بعد الهُدنة، وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله ﷺ، لأنهم كانوا مُنحازين بِسِيفِ البحر، وكانت لا تمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها، هذا قولُ الزهري.

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبى بصير: ولم يزل أبو جندل، وأبو بَصير وأصحابُهما الذين اجتمعوا إليهما هُنالك، حتَّى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع، وكانت تحتَه زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في نفر من قريش، فأخذوهم وما معهم، وأسرُوهم، ولم يقتلُوا منهم أحدًا لِصهر رسولِ اللهِ ﷺ من أبى العاص، وأبو العاص يومئذ مشركٌ، وهو ابنُ أخت خديجة بنتِ خُويلد لأبيها وأُمها، وخَلَّوْا سبيل أبى العاص، فَقَدِمَ المدينةَ على امرأته زينب، فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير، وما أخذوا لهم، فكلَّمت زينبُ رسولَ الله ﷺ في ذلك، فزعموا أنَّ رسول الله ﷺ قام، فخطب الناسَ، فقال: "إنَّا صَاهَرْنَا أُنَاسًا، وَصَاهَرْنَا أبا العَاصِ، فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْناهُ، وإنَّهُ أَقَبَلَ مِنَ الشَّامِ في أَصْحابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ، وأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، وإنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَأَلَتْنِي أَنْ أُجيِرَهُم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أبَا العَاصِ وَأَصْحَابَه"؟ فقال الناسُ: نعم، فلما بلغَ أبا جندل وأصحابَه قَوْلُ رسول اللهِ ﷺ في أبى العاص وأصحابِه الذين كانوا عنده مِن الأسرى، ردَّ إليهم كُلَّ شئ أخذ منهم، حتى العقالَ، وكتب رسولُ الله ﷺ إلى أبى جندل وأبى بصير، يأمرهم أن يَقْدَمُوا عليه، ويأمُرُ مَن معهما مِن المسلمين أن يَرْجِعُوا إلى بلادهم وأهليهم، وألا يتعرَّضُوا لأحد مِن قريش وعِيرها، فَقَدِمَ كتابُ رسول الله ﷺ على أبى بصير، وهو في الموت، فمات وهو على صدره، ودفنه أبو جندل مكانَه، وأقبل أبو جندل على رسول الله ﷺ، وأَمِنَتْ عِيرُ قريش وذكر باقى الحديث.

وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمنَ الهُدنة، وقُريش إنما انبسطت عِيرُها إلى الشام زَمَنَ الهُدنة، وسياقُ الزهري للقصة بيِّنٌ ظاهر أنها كانت في زمن الهُدنة.

قال الواقدي: وفيها أقبل دِحْيَةُ بن خليفة الكَلبى مِن عند قيصر، وقد أجازه بمالٍ وكُسوة، فلما كان بِحِسْمى، لقِيه ناسٌ مِن جُذَام، فقطعُوا عليه الطريقَ، فلم يتركُوا معه شيئًا، فجاء رسولَ الله ﷺ قبل أن يدخُلَ بيته فأخبره، فبعثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثة إلى "حِسْمى". قلت: وهذا بعد الحُديبية بلا شك.

قال الواقدي: وخرج عليُّ في مائة رجل إلى فَدَك إلى حيٍّ مِن بني سعد بنِ بكر، وذلك أنه بلَغَ رسول الله ﷺ أن بها جمعًا يُريدون أن يَمُدُّوا يهودَ خيبر، فسار إليهم، يسيرُ اللَّيل، ويَكْمُنُ النهارَ، فأصاب عينًا لهم، فأقرَّ له أنهم بعثُوه إلى خيبر، فعرضُوا عليهم نُصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمرَ خيبر.

قال: وفيها سريَّةُ عبدِ الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل في شعبان، فقال له رسولُ الله ﷺ: "إن أطاعوك، فتزوَّج ابنةَ ملكهم" فأسلم القومُ، وتزوَّج عبد الرحمن تُماضِرَ بنتَ الأصْبَغِ، وهي أم أبى سلمة، وكان أبوها رأسَهم ومَلِكَهم.

قال: وكانت سرَّيةُ كُرز بن جابر الفِهْرِي إلى العُرَنِيِّينَ الذين قَتَلُوا راعيَ رسولِ الله ﷺ، واستاقُوا الإبلَ في شوَّال سنةَ سِتٍّ، وكانت السَّرِيَّةُ عشرين فارسًا.

قلت: وهذا يدُلُّ على أنها كانت قبلَ الحُديبية كانت في ذي القَعدة كما سيأتي، وقصة العُرَنِيِّينَ في الصحيحين من حديث أنس، أن رهطًا من عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّا أَهْلَُ ضَرْع، ولم نَكُنْ أَهْلَ ريف، فَاسْتَوْخَمْنَا المَدِينَة، فَأَمَرَ لهم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ، وأَمَرَهُم أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا راعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، واسْتَّاقُوا الذَّوْدَ، وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِم.

وفي لفظ لمسلم: سَمَلُوا عَيْنَ الراعي، فبعثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في طَلَبِهمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم، وَتَرَكَهُم في ناحِيَةِ الحَرَّةِ حتَّى ماتُوا.

وفي حديث أبي الزُّبير، عن جابر: فقَال رسولُ الله ﷺ: " اللهُمَّ عَمِّ عَلَيْهِم الطَّرِيقَ، واجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ جَمَل"، فعمَّى الله عليهم السبيلَ، فأُدْرِكُوا، وذكر القِصَّة.

وفيها من الفقه جوازُ شُربِ أبوالِ الإبل، وطهارةُ بول مأكول اللَّحم، والجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قَطْع يَدِهِ ورِجْلِهِ وقتله، وأنه يُفعل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سَمَلُوا عَيْنَ الراعي، سملَ أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القِصة محكمةٌ ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزِلَ الحدودُ، والحدودُ نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم.

فصل في قصة صلح الحديبيةعدل

قال نافع: كانت سنةَ سِتٍّ في ذي القَعدة، وهذا هو الصحيحُ، وهو قولُ الزهري، وقتادةَ، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن إسحاق، وغيرهم. قال هشام بن عروة، عن أبيه: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى الحُديبيةِ في رمضان، وكانت في شوَّال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاةُ الفتح في رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القَعدة على الصواب.

وفي الصحيحين عن أنس، أن النبي ﷺ اعتمر أربَعَ عُمَر، كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ، فذكر منها عُمرة الحديبية.

وكان معهُ ألفٌ وخمسُمائة، هكذا في الصحيحين عن جابر، وعنه فيهما: "كانوا ألفا وأربعمائة" وفيهما: عن عبد الله بن أبي أوفى: "كُنَّا أَلْفًا وثَلاثمائة"، قال قتادة: قلتُ لِسعيد بن المسيِّب: كم كان الذينَ شَهِدُوا بيعةَ الرِّضوان؟ قال: خمسَ عشرةَ مائة. قال: قلتُ: فإن جابرَ بنَ عبد الله قال: كانُوا أربعَ عشرةَ مائة، قال: يرحمُه الله أوْهَمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمسَ عشرة مائة. قلت: وقد صح عن جابر القولانِ، وصح عنه أنَّهُم نحرُوا عام الحُديبية سبعينَ بَدَنةً، البدنةُ عن سبعةٍ، فقيل له: كم كنتُم؟ قال: ألفًا وأربعمائة بخيلنا ورَجِلنا، يعني فَارِسَهم وراجلهم، والقلبُ إلى هذا أميل، وهو قولُ البراء بن عازب، ومَعْقِلِ بنِ يسار، وسلمة ابنِ الأكوعِ في أصحِّ الروايتين، وقولُ المسيِّب بن حَزْن، قال شعبةُ: عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه: كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ تحتَ الشجرةِ ألفًا وأربَعمائة.

وغلط غلطًا بيِّنًا مَن قال: كانوا سبعمائة، وعُذْرُه أنهم نحرُوا يومئذ سبعينَ بَدَنَةً، والبدنةُ قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدُلُّ على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرَّح بأن البدنَة كانت في هذه العُمْرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانُوا أربعمائة وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنَّهم كانُوا ألفًا وأربعمائة.

فصل

فلما كانوا بذي الحُليفة، قلَّد رسولُ الله ﷺ الهَدْيَ وأشعَرَه، وأحرمَ بالعُمرة، وبعث بينَ يديه عَيْنًا له مِن خُزَاعَةَ يُخبِرُه عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان، أتاه عَيْنُه، فقال: إني تركتُ كعبَ بنَ لؤي قد جمعوا لك الأحَابِيشَ، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت ومانعوك، واستشار النبي ﷺ أصحابَه، وقال: "أترون أن نمِيلَ إلى ذَراري هؤلاء الذين أعانُوهم فَنُصِيبَهم، فإن قعدُوا، قعدُوا موتُورين محروبين، وإن يجيؤوا تَكُنْ عُنقًا قطعها اللهُ، أم ترون أن نَؤُمَّ البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلناه"؟ فقالَ أبو بكر: اللهُ ورسولُه أعلم، إنما جِئنا معتمرِين ولم نجئ لِقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبينَ البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ: "فَرُوحُوا إذًا"، فراحوا حتى إذا كانوا بِبعضِ الطريق، قال النبي ﷺ: "إنَّ خَالِدَ بْنَ الوَليدِ بالغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْش طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ"، فواللهِ ما شعر بهم خالد حتى إذا هُمْ بِقَتَرَةِ الجيش، فانطلق يركُض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم مِنْهَا بركَتْ بهِ رَاحِلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالُوا: خَلأتِ القَصْوَاء، خَلأتِ القَصْواءُ، فقال النبي ﷺ: "ما خَلأَتِ القَصْوَاء، ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلكِنْ حَبَسَهَا حَابسُ الفِيل "، ثم قال: "والذي نفسي بِيَدِهِ، لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فيها حُرُماتِ الله، إلَّا أعطيتُهم إيَّاها"، ثم زجرها، فوثَبَتْ به، فَعَدَلَ حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَدٍ قليل الماء، إنما يتبرّضُهُ النَّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلْبِثْهُ النَّاسُ أن نَزحُوه، فَشَكَوْا إلى رسول الله ﷺ العَطَشَ، فانتزع سهمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثمَّ أمرهم أن يَجْعلُوه فيه، قال: فواللهِ ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ، حتى صدرُوا عنه.

وفَزِعَتْ قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعَثَ إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بنَ الخطَّاب لِيبعثه إليهم، فقال: يا رسولَ اللهِ، ليس لي بمكة أحدٌ من بنى كعب يغضَبُ لي إن أوذيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بن عفان، فإن عشيرَتَه بها، وإنه مبلِّغٌ ما أردتَ، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ عثمانَ بنَ عفان، فأرسله إلى قريش، وقال: "أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهُم إلى الإسلام"، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ، فيدخُلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح، ويخبِرَهم أن الله عزَّ وجلَّ مظهِرٌ دينَه بمكة، حتى لا يُسْتَخْفي فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمرَّ على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسولُ الله ﷺ أدعوكُم إلى الله وإلى الإسلام، وأُخبِركُم أنَّا لم نأتِ لِقتال وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقُولُ، فانفُذْ لِحاجتك، وقام إليه أبانُ بنُ سعيد بن العاص، فرحَّب به، وأسرج فرسَه، فحمل عُثمانَ على الفرس، وأجاره، وأردفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يَرْجِعَ عثمانُ: خَلَص عثمان قبلنا إلى البيت وطافَ به، فقال رسولُ الله ﷺ: "مَا أَظنُّه طَافَ بالبَيْتِ ونَحنُ مَحْصُورُونَ"، فقالُوا: وما يمنعُه يا رسول اللهِ وقد خَلَصَ؟ قال: "ذَاكَ ظَنِّي به، ألَّا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ مَعَهُ".

واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجلٌ من أحد الفريقين رجلًا مِن الفريق الآخر، وكانت معركة، وترامَوْا بالنَّبلِ والحِجارة. وصاح الفريقانِ كلاهما، وارتهن كُلُّ واحدٍ مِن الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسُولَ اللهِ ﷺ أن عثمانَ قد قُتِلَ، فدعا إلى البَيْعة، فثار المسلمون إلى رسول اللهِ ﷺ وهو تحتَ الشجرة، فبايعُوه على ألَّا يَفِرُّوا، فأخذ رسولُ الله ﷺ بيد نفسه، وقال: "هذِهِ عَنْ عُثْمَان ".

ولما تَمَّتِ البيعة، رجع عُثمان، فقال له المسلمون: اشتفيتَ يا أبا عبد الله مِن الطواف بالبيت، فقال: بئس ما ظننتُم بي، والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنةً، ورسولُ الله ﷺ مقيمٌ بالحُدَيْبِيَةِ، ما طُفْتُ بِها حتى يَطُوفَ بها رَسُولُ اللهِ ﷺ، ولقد دعتنى قريشٌ إلى الطوافِ بالبيت، فأبيتُ، فقال المسلمون: رسولُ اللهِ ﷺ كان أعلمنَا باللهِ، وأحسننا ظَنا، وكان عمر آخِذًا بِيدِ رسول الله ﷺ لِلبَيْعةِ تحتَ الشجرة، فبايعه المسلمون كُلُّهُم إلا الجدَّ بْنَ قَيْسٍ.

وكانَ مَعْقِلُ بنُ يسار آخذًا بِغصنها يرفَعهُ عن رسول الله ﷺ، وكان أوَّلَ من بايعه أبو سِنان الأسَدِي.

وبايعه سلمةُ بنُ الأكوع ثلاثَ مرات، في أول الناس، وأوسطِهم، وآخِرِهم.

فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعي في نَفرٍ مِن خُزاعة، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله ﷺ مِن أهل تِهامَة، فقال: إني تركتُ كعبَ بنَ لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعدَادَ مِياه الحُدَيْبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ، وهم مقاتِلُوكَ، وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله ﷺ: "إنَّا لَمْ نِجِئْ لِقِتَالِ أحَدٍ، ولَكِنْ جِئْتَنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُم، ويُخَلُّوا بيْنى وبَيْنَ النًَّاسِ، وَإنْ شَاؤوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دخل فيهِ الناس، فَعَلُوا وإلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أَبَوْا إلَّا القِتَالَ، فَوَالذي نفسي بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُم عَلَى أَمْرِي هذَا حَتَّى تَنْفَردَ سَالِفَتِي، أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ".

قال بُديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشًا، فقال: إني قد جئتُكم مِن عند هذا الرجل، وقد سمعتُه يقول قولًا، فإن شئتم عرضتُه عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تُحدِّثنا عنه بشىء. وقال ذوو الرأي منهم: هاتِ ما سمعته، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبي ﷺ.

فقال عُروةُ بنُ مسعود الثقفي: إن هذَا قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلوها، ودعوني آتِه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يُكلمه، فقال له النبي ﷺ نحوًا من قوله لِبُديل، فقال له عروةُ عند ذلك: أي محمد؛ أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحدٍ مِن العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فواللهِ إني لأرى وجوهًا، وأرى أوشَابًا من الناس خليقًا أن يَفِرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه وندعه. قال: مَن ذا؟ قالُوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أَجْزِكَ بها، لأجبتُك، وجعل يُكلِّم النبي ﷺ، وكلما كلَّمه أخذَ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبة عِند رأسِ النبي ﷺ، ومعه السيفُ، وعليه المِغفرُ، فكلما أهوى عُروةُ إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يَده بِنَعْلِ السيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحية رسول اللهِ ﷺ، فرفع عروة رأسه وقال: مَن ذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبة. فقال: أي غُدَرُ، أوَلستُ أسعى في غَدرتك؟ وكان المغيرةُ صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ: "أمَّا الإسْلامُ فأقْبَلُ، وأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَىء".

ثم إن عروة جعلَ يَرْمُق أصحابَ رسول اللهِ ﷺ بعينيه، فواللهِ مَا تَنَخَّمَ النبي ﷺ نُخامة إلا وقعت في كفِّ رَجُلٍ منهم، فَدَلَكَ بها جِلدَه ووجهَه، وإذا أمرهم، ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ، كادُوا يقتتِلُون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابه، فقال: أي قوم؛ واللهِ لقد وفدتُ على الملوكِ: على كسرى، وقيصرَ، والنجاشيِّ، واللهِ ما رأيتُ ملكًا يُعظمه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمد محمدًا، واللهِ إن تنخَّم نُخامة إلا وَقَعتْ في كفِّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ، كادُوا يقتتِلُون على وضوئه، وإذا تكلَّم، خفضُوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلُوها، فقال رجل من بني كِنانة: دعوني آتِهِ، فقالوا: ائْتِهِ، فلما أشرفَ على النبي ﷺ وأصحابه. قال رسولُ الله ﷺ: "هذا فُلانٌ"، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْنَ، فابعثُوها له، فبعثوها له، واستقبله القومُ يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: "سُبْحَانَ اللهِ، مَا ينبغي لِهَؤُلاء أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ"، فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيتُ البُدن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ. وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت.

فقام مِكْرَزُ بنُ حَفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائتهِ. فلما أشرف عليهم، قال النبي ﷺ: "هذا مِكْرَزُ بن حَفْصٍ، وهو رجل فاجر"، فجعل يُكَلِّم رسول الله ﷺ، فبينا هُوَ يكلمه، إذ جاء سُهيلُ بنُ عمرو، فقال النبي ﷺ: "قَدْ سُهِّلَ لَكُمْ من أمْركُم"، فقال: هاتِ، اكتُب بيننا وبينكم كِتابًا، فدعا الكاتب، فقال: "اكتُب بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ". فقال سهيل: أما الرحمنُ، فواللهِ ما ندري ما هُو، ولكن اكتب: باسمِكَ اللهُمَّ كما كنتَ تكتبُ، فقال المسلمون: واللهِ لا نكتُبها إلا بسمِ اللهِ الرَّحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ: "اكْتُبْ باسْمِكَ اللهُمَّ"، ثم قال: "اكْتُبْ: هذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رسُولُ اللهِ"، فقال سُهيل: فواللهِ لو كنَّا نعلمُ أنك رسولُ اللهِ، ما صددناكَ عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ: "إني رَسُولُ اللهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونى، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله" فَقَال النبي ﷺ: "على أَنْ تخَلُّوا بَيْنَنَا وبَيْن البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ"، فقال سهيل: واللهِ لا تتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً، ولكن ذلك مِن العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: على أن لا يأتِيك مِنَّا رجل وإن كان على دِينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون: سُبْحَانَ اللهِ، كيف يُردُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلمًا.

فبينا هُم كذلك، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده قَدْ خَرَج من أسفل مكة حتى رَمَى بنفسه بين ظُهورِ المُسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمدُ أول ما أقاضيكَ عليه أن تَرُدَّهُ إليَّ، فقال النبي ﷺ: "إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعد"، فقال: فواللهِ إذًا لا أُصَالحك على شىء أبدًا، فقال النبي ﷺ: "فَأَجِزْهُ لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل. قال مِكرز: بلى قد أجزناه. فقال أبو جندل: يا معشرَ المسلمين؛ أُرَدُّ إلى المشركين، وقد جِئتُ مسلمًا، ألا ترون ما لقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ في اللهِ عذابًا شديدًا، قال عُمَرُ بنُ الخطاب: واللهِ ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ. فأتيتُ النبي ﷺ، فقلت: يا رسولَ الله؛ ألستَ نبي الله حقًا؟ قال: "بلى"، قلتُ: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: "بلى"، فقلتُ: علامَ نُعطى الدَّنيَّةَ في ديننا إذًا، ونَرْجِعَ ولما يَحْكُم اللهُ بيننا وبينَ أعدائنا؟ فقال: "إني رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، وَلَسْتُ أعْصِيهِ"، قلتُ: أوَ لستَ كنتَ تُحدثنا أنَّا سنأتى البيتَ ونطوفُ به؟ قال: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَام"؟، قلتُ: لا. قالَ: "فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ به ". قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لِرسول اللهِ ﷺ، وردَّ عليَّ أبو بكر كما ردَّ عليّ رسول الله ﷺ سواء، وزاد: فاستَمْسِك بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى الحَقِّ. قال عُمر: فعملت لذلك أعمالًا.

فلمَّا فرغ مِن قضية الكتاب، قال رسولُ الله ﷺ: "قُومُوا فَانْحَرُوا، ثم احْلِقُوا" فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحد حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يَقُمْ مِنْهم أحد، قام فدخل على أُمِّ سلمة، فذكر لها مَا لَقِيَ مِنَ الناس، فقالت أُمُّ سلمة: يا رسُول الله؛ أَتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ ثم لا تكلِّم أحدًا منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتدعو حَالِقَكَ فيحلقَكَ، فقام، فخرج، فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنة، ودعا حَالِقه فحلقه، فلما رأى الناسُ ذلك، قامُوا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضًا غمًا، ثم جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } حتى بلغ: { بِعِصَمِ الكَوَافِرِ } [138]فطلَّق عُمَرُ يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشِرْك، فتزوَّج إحداهُمَا معاوية، والأُخرى صفوان بن أُمية، ثم رجع إلى المدينة، وفى مرجعه أنزل الله عليه: { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا } [139]، فقال عمر: أوَ فتحٌ هُوَ يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقال الصحابةُ: هنيئًا لكَ يا رَسُولَ اللهِ، فما لَنَا؟ فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: { هُوَ الذي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } [140]الآية.

ولما رجع إلى المَدِينة، جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلمًا، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرَّجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزلوا يأكُلون مِن تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللهِ إني لأرى سيفَكَ هذا جيدًا، فاستلَّه الآخرُ، فقال: أَجَلْ واللهِ إنه لجيد، لقد جربتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرنى أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد، وفرَّ الآخرُ بعدو حتى بلغ المدينة، فدخل المسجدَ، فقال رسولُ الله ﷺ حين رآهُ: "لَقَدْ رَأى هذَا ذُعْرًا"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ، قال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللهِ؛ قد واللهِ أوفى الله ذِمَّتك، قد رددتنى إليهم، فأنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ: "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَر حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ"، فلما سمِعَ ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البَحرِ، وينفلتُ منهم أبو جندل بنُ سهيل، فلحق بأبى بصير، فلا يخرُجُ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير، حتى اجتمعت منهم عِصابة، فواللهِ لا يسمعُونَ بعيرٍ لقُريش خرجت إلى الشام إلا اعترضُوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي ﷺ تُنَاشِدُهُ الله والرحم لمَا أرسل إليهم، فمَن أتاه منهم، فهو آمن، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: { وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } حتى بلغ: { حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةِ } [141]، وكانت حميتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبي الله، ولم يُقروا بِبِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم، وحالُوا بينهم وبين البيت.

قلتُ: في الصحيح: أن النبي ﷺ "توضأ، ومجَّ في بئر الحديبية من فمه، فجاشتْ بالماءِ" كذلك قال البراء بنُ عازب، وسلمةُ بنُ الأكوع في الصحيحين.

وقال عروة: عن مروان بن الحكم، والمِسور بن مَخْرَمَة، أنه غرز فيها سهمًا مِن كنانته، وهو في الصحيحين أيضًا.

وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: توضأ في الدَّلْوِ، ومضمض فاه، ثم مَجَّ فيه، وأمر أن يُصَبَّ في البئر، ونزع سهمًا من كِنانته، وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى، فَغَارَتْ بالماء حتى جعلُوا يغترِفُونَ بأيديهم منها، وهم جلوس على شقِّها، فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه والله أعلم.

وفي صحيح البخاري: عن جابر، قال: عَطِشَ الناسُ يومَ الحُديبية، ورسولُ اللهِ ﷺ بين يديه رَكْوَة يتوضأ منها، إذ جَهَشَ الناسُ نحوه، فقال: "ما لكم"؟ قالوا: يا رسُولَ اللهِ؛ ما عندنا ماء نشرب، ولا ما نتوضأ إلا ما بينَ يديكَ، "فوضع يده في الرَّكوة، فجعل الماءُ يفورُ من بين أصابعه أمثال العيون، فشربوا، وتوضؤوا، وكانوا خمسَ عشرة مائة". وهذِهِ غيرُ قصة البئر.

وفي هذه الغزوة أصابهم ليلة مطر، فلما صلَّى النبي ﷺ الصُّبحَ، قال: " أَتَدْرُونَ مَاذا قالَ رَبُّكُم اللَّيْلَةَ"؟ قالوا: اللهُ ورسُوله أعلم. قال: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتهِ، فَذلِكَ مُؤْمنٌ بي، كَافرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذَا وكَذَا، فَذلِكَ كَافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكوكب".

فصل

وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهلِ مكة على وضعِ الحربِ عشرَ سنين، وأن يأمنَ الناسُ بعضهم من بعض، وأن يَرجعَ عنهم عامَهُ ذلك، حتى إذا كان العامُ المقبل، قَدِمهَا، وخَلّوْا بينَه وبين مكَّة، فأقام بها ثلاثًا، وأن لا يدخُلَهَا إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القِرَب، وأنَّ مَن أتانا مِن أصحابكَ لم نرده عليك، ومَن أتاكَ من أصحابنا رددتَه علينا، وأنَّ بيننا وبينَك عَيْبَةً مكفوفةً، وأنه لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، فقالوا: يا رسولَ الله؛ نُعطيهم هذا؟ فقال: "مَنْ أتاهم منا فأبعَدَهُ اللهُ، ومَن أتانا مِنهم فرددناه إليهم، جَعَلَ اللهُ له فَرَجًا ومخرجًا".

وفي قِصة الحُديبية، أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ فِديةَ الأذى لمن حلق رأسَه بالصيام، أو الصَّدقة، أو النُّسك في شأن كعب بن عُجرة.

وفيها دعا رسولُ اللهِ ﷺ للمُحَلِّقِينَ بالمَغْفِرَة ثلاثًا، ولِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.

وفيها نحرُوا البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

وفيها أهدى رسولُ اللهِ ﷺ في جملة هَدْيهِ جملًا كان لأبي جهل كان في أنفه بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ لِيغيظَ بهِ المشركين.

وفيها أُنزِلَتْ سورة الفتح، ودخلت خُزاعة في عَقْدِ رسولِ اللهِ ﷺ وعهده، ودخلَتْ بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن مَن شاء أن يدخل في عقده ﷺ دخل، ومَن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل.

ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمناتٌ، مِنهن أُمُّ كُلثُوم بنتُ عقبة ابن أبي معيط، فجاء أهلُهَا يسألونها رسولَ اللهِ ﷺ بالشرطِ الذي كانَ بينهم، فلم يَرْجِعْها إليهم، ونهاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك، فقيل: هذا نسخ للشرط في النساء. وقيل تخصيص للسُّنَّة بالقرآن، وهو عزيزٌ جدًا. وقيل: لم يقع الشرطُ إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون أن يُعَمِّمُوهُ في الصنفين، فأبى الله ذلك.

فصل بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهيةعدل

فمنها: اعتمارُ النبي ﷺ في أشهر الحجِّ، فإنه خرج إليها في ذي القعدة.

ومنها: أن الإحرامَ بالعُمرة من الميقات أفضلُ، كما أن الإحرامَ بالحجِّ كذلك، فإنه أحرم بهما مِن ذي الحُليفة، وبينها وبينَ المدينة ميلٌ أو نحوُه، وأما حديث: " مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ " وفي لفظ: "كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ" فحديث لا يثبُت، وقد اضطرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا.

ومنها: أن سَوْقَ الهَدى مسنونٌ في العُمرة المفرَدَة، كما هو مسنون في القِران.

ومنها: أن إشْعَارَ الهَدى سُنَّة لا مُثلَةٌ منهى عنها.

ومنها: استحبابُ مُغايظة أعداءِ اللهِ، فإن النبي ﷺ أهدى في جُملة هَدْيه جملًا لأبي جهل في أَنْفِهِ بُرَةٌ مِن فضةٍ يَغيظُ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة النبي ﷺ وأصحابه: { وَمَثَلُهُمْ في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } [142]، وقال عَزَّ وجلَّ: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَيْلًا إلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [143].

ومنها: أن أميرَ الجيشِ ينبغي له أن يبعثَ العُيونَ أمامه نحوَ العدو.

ومنها: أن الاستعانَةَ بالمُشرِكِ المأمونِ في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عَيْنه الخزاعيَّ كَانَ كافرًا إذ ذاك، وفيه مِن المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ، وأخذه أخبارهم.

ومنها: استحبابُ مشورةِ الإمام رعيَّته وجيشه، استخراجًا لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمنًا لِعَتْبِهِم، وتعرفًا لمصلحةٍ يختصُّ بعلمها بعضُهم دون بعض، وامتثالًا لأمر الربِّ في قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ } [144]، وقد مدَحَ سبحانه وتعالى عباده بقوله: { وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [145].

ومنها: جواز سبي ذرارى المشركينَ إذا انفردُوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال.

ومنها: ردُّ الكَلامِ الباطِل ولو نُسِبَ إلى غير مُكَلَّفٍ، فإنهم لما قالوا: خلأتِ القَصْوَاءُ، يعني حَرَنَتْ وألحَّتْ، فلَمْ تَسِرْ، والخِلاء في الابل بكسر الخاء والمدِّ نظير الحِران في الخيل، فلما نسبُوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقِهَا وطبعها، ردَّهُ عليهم، وقال: "ما خَلأَتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق"، ثم أخبر ﷺ عن سبب بروكها، وأن الذي حَبَسَ الفيلَ عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده.

ومنها: أن تسميةَ ما يُلابسه الرجلُ مِن مراكبه ونحوها سُنَّة.

ومنها: جوازُ الحَلِف، بل استحبابُه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حُفِظَ عن النبي ﷺ الحَلِف في أكثر من ثَمَانِينَ موضعًا، وأمره الله تعالى بالحَلِفِ على تصدِيقِ ما أخبر به في ثلاثة مواضِعَ: في "سورة يونس"، و"سبأ"، و"التغابن".

ومنها: أن المُشْرِكين، وأهلَ البِدَع والفجور، والبُغَاة والظَّلَمة، إذا طَلَبُوا أمرًا يُعَظِّمُونَ فيه حُرمةً مِن حُرُماتِ الله تعالى، أُجيبُوا إليه وأُعطوه، وأُعينوا عليه، وإن مُنِعوا غيره، فيُعاوَنون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبَغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكُلُّ مَن التمس المعاونةَ على محبوب للهِ تعالى مُرْضٍ له، أُجيبَ إلى ذلك كائِنًا مَن كان، ما لم يترتَّب على إعانته على ذلك المحبوبِ مبغوضٌ للهِ أعظمُ منه، وهذا مِن أدقِّ المواضع وأصعبِهَا، وأشقِّهَا على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة مَن ضاق، وقال عمر ما قال، حتَّى عَمِلَ له أعمالًا بعده، والصِّدِّيقُ تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبُه فيه على قلبِ رسولِ الله ﷺ، وأجاب عُمَرَ عما سأل عنه من ذلك بعَيْن جوابِ رسول الله ﷺ، وذلك يدل على أن الصِّدِّيق رضي الله عنه أفضلُ الصحابة وأكملُهم، وأعرفُهم باللهِ تعالى ورسوله ﷺ، وأعلمُهم بدينه، وأقومُهم بمحابِّه، وأشدُّهم موافقةً له، ولذلك لم يسأل عمر عما عَرَضَ له إلا رسولَ اللهِ ﷺ وصِدِّيقَه خاصة دونَ سائر أصحابه.

ومنها: أن النبي ﷺ عَدَلَ ذاتَ اليمين إلى الحُديبية. قال الشافعي: بعضُهَا مِن الحِل، وبعضُها مِن الحَرَم.

وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي ﷺ كان يُصلِّي في الحرم، وهو مضطرب في الحِل، وفى هذا كالدّلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخصُّ بها المسجد الذي هو مكانُ الطواف، وأن قوله: "صَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرَام أَفْضَلُ مِنْ مِائة صَلاةٍ في مَسْجِدي"، كقوله تعالى: { فَلا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } [146]، وقوله تعالى: { سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [147]، وكان الإسراء مِن بيت أُم هانئ.

ومنها: أن مَن نزل قريبًا مِن مكة، فإنَّهُ ينبغي له أن ينزل في الحِلِّ، ويصلى في الحَرم، وكذلك كان ابنُ عمر يصنعُ.

ومنها: جوازُ ابتداءِ الإمام بطلب صلح العَدُوِّ إذا رأى المصلحةَ للمسلمين فيه، ولا يَتوقَّفُ ذلكَ على أن يكون ابتداءُ الطلب منهم.

وفي قِيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، ولم يكن عادته أن يُقام على رأسه، وهو قاعد، سُنَّةٌ يُقتدى بها عند قدومِ رسل العدو من إظهار العزِّ والفخر، وتعظيم الإمام، وطاعته، ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمَّه النبي ﷺ بقوله: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّار"، كما أن الفخرَ والخُيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره، وفى بعث البُدْنِ في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهارِ شعائر الإسلام لرسل الكفار.

وفي قول النبي ﷺ للمغيرة: "أمَّا الإسْلامُ فَأَقْبلُ، وَأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شىء"، دليل على أن مال المشرك المعاهَد معصوم، وأنه لا يملكُ، بل يُرد عليه، فإن المغيرةَ كان قد صحبهم على الأمان، ثم غدر بهم، وأخذ أموالهم، فلم يتعرَّض النبي ﷺ لأموالهم، ولا ذبَّ عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة.

وفي قول الصِّدِّيق لعروة: امصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ﷺ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: اعضُضْ أيْرَ أبيك، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال.

ومنها: احتمالُ قِلَّةِ أدبِ رسولِ الكُفار، وجهلِه وجفوته، ولا يقابَل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة، ولم يُقابل النبي ﷺ عُروةَ على أخذهِ بلحيته وقتَ خطابه، وإن كانت تلك عادَة العرب، لكن الوقارَ والتعظيمَ خلافُ ذلك.

وكذلك لم يُقابل رسولُ الله ﷺ رسولي مسيلمةَ حين قالا: نشهدُ أنه رسول الله، وقال: "لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا".

ومنها: طهارة النُّخَامَةِ، سواء أكانت من رأسٍ أو صدر.

ومنها: طهارةُ الماءِ المستعمل.

ومنها: استحبابُ التفاؤُل، وأنَّهُ ليس مِن الطِّيَرةِ المكْرُوهَة، لقوله لما جاء سهيل: "سَهُلَ أَمْرُكُم".

ومنها: أن المشهودَ عليه إذا عُرِفَ باسمه واسمِ أبيه، أغنى ذلك عن ذِكر الجَدِّ، لأن النبي ﷺ لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِعَ مِن سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصة، واشتراطُ ذِكر الجد لا أصل له، ولما اشترى العَدَّاءُ بْنُ خالد منه ﷺ الغلامَ فكتب له: "هذا مَا اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بن هَوْذَةَ" فذكر جده، فهو زيادةُ بيان تَدُلُّ على أنه جائز لا بأس به، ولا تَدُلُّ على اشتراطه، ولما لم يكُنْ في الشهرة بحيث يُكتفى باسمه واسم أبيه ذكر جده، فيُشترط ذِكْرُ الجد عند الاشتراك في الاسم واسم الأب، وعند عدمِ الاشتراك، واكتُفى بذكر الاسم واسمِ الأب. والله أعلم.

ومنها: أن مصالحةَ المشركين ببعض ما فيه ضَيْمٌ على المُسلمينَ جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتينِ باحتمالِ أدناهما.

ومنها: أن مَن حَلَفَ على فِعْل شىء، أو نَذَره، أو وَعَدَ غيرَه به ولم يُعيِّن وقتًا، لا بلفظه، ولا بنيته، لم يكن على الفور، بل على التراخى.

ومنها: أن الحلاقَ نُسُكٌ، وأنه أفضلُ من التقصير، وأنه نُسُكٌ في العُمرةِ، كما هو نُسُكٌ في الحجِّ، وأنه نُسُكٌ في عُمرة المحصور، كما هو نُسُك في عُمرة غيره.

ومنها: أن المُحْصَرَ ينحرُ هَدْيَه حيث أُحْصِرَ من الحِلِّ أو الحَرَم، وأنه لا يجب عليه أن يُواعِدَ مَن ينحرُهُ في الحرم إذا لم يَصِل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى: { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [148].

ومنها: أن الموضِعَ الذي نحر فيه الهَدْي، كان من الحِلِّ لا من الحرم، لأن الحَرَمَ كُلَّهُ محلُّ الهَدْي.

ومنها: أن المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه ﷺ أمرَهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، والعُمْرةُ من العام القابل لم تكن واجبةً، ولا قضاءً عن عُمرة الإحصار، فإنهم كانُوا في عُمرة الإحصار ألفًا وأربعمائة، وكانوا في عُمرة القضيةِ دُون ذلك، وإنما سُمِّيت عُمرةَ القضية والقضاء، لأنها العُمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله.

ومنها: أن الأمر المطلقَ على الفور وإلا لم يَغْضَبْ لِتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر، وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنَّهُم كانوا يَرْجُون النسخ، فأخَّروا متأوِّلين لذلك، وهذا الاعتذارُ أولى أن يُعتذر عنه، وهو باطل، فإنه ﷺ لو فَهِمَ منهم ذلك، لم يشتَدَّ غضبُه لتأخير أمره، ويقول: "مالي لا أغْضَبُ، وأَنَا آمُرُ بالأَمْر فلا أُتَّبعُ"، وإنما كان تأخيرُهم مِن السعى المغفور لا المشكور، وقد رضي الله عنهم، وغفر لهم، وأوجب لهم الجنَّة.

ومنها: أن الأصل مشارَكَةُ أُمَّتِه له في الأحكام، إلا ما خصَّه الدليلُ، ولذلك قالت أُمُّ سلمة: "اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدًا حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك"، وعلمت أن الناس سيتابعونه.

فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله، ولم يمتثِلُوه حين أمرهم به؟ قيل: هذا هو السببُ الذي لأجله ظنَّ مَن ظنَّ أنهم أخَّروا الامتثال طمعًا في النسخ، فلما فعلَ النبي ﷺ ذلك، عَلِمُوا حينئذ أنه حكم مُسْتَقِرٌ غيرُ منسوخ، وقد تقدم فسادُ هذا الظن، ولكن لما تغيَّظَ عليهم، وخرج ولم يُكلمهم، وأراهُم أنه بادر إلى امتثال ما أمر به، وأنه لم يُؤخِّر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له وطاعتَهم تُوجِبُ اقتداءهم به، بادرُوا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثالِ أمره.

ومنها: جوازُ صُلحِ الكُفَّارِ على ردِّ مَن جاء منهم إلى المسلمين، وألا يُرد مَنْ ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء، فلا يجوزُ اشتراطُ رَدِّهن إلى الكفار، وهذا موضعُ النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيلَ إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب.

ومنها: أن خُروجَ البُضع من ملك الزوج متقوَّم، ولذلك أوجبَ اللهُ سبحانه ردَّ المهر على مَن هاجرت امرأتُه، وحِيل بينَه وبينها، وعلى مَن ارتدَّت امرأتُه مِن المسلمين إذا استحق الكفارُ عليهم ردَّ مهورِ مَن هاجر إليهم مِن أزواجهم، وأخبر أن ذلك حُكمُه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شىءٌ، وفى إيجابِه ردَّ ما أعطى الأزواجُ من ذلك دليلٌ على تقوُّمه بالمسمَّى، لا بمهر المثل.

ومنها: أن ردَّ مَن جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول مَن خرج منهم مسلمًا إلى غيرِ بلدِ الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام، لا يجبُ عليه ردُّه بدون الطلب، فإن النبي ﷺ لم يَرُدَّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاؤوا في طلبه، مكَّنهم من أخذه ولم يكرهْهُ على الرجوع.

ومنها: أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنُوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حُكمَ قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصيرٍ قتل أحد الرجلين المعاهَدَيْنِ بذي الحُلَيْفَةِ، وهي مِن حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه، وفُصِلَ عن يد الإمام وحكمه.

ومنها: أن المعاهَدِينَ إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغَنِمَتْ أموالهم، ولم يَتَحَيَّزُوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم، ومنعُهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عَقدِ الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهدُ الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين، لم يكن عهدًا بين أبى بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعضِ ملوكِ المسلمين وبعضِ أهل الذِّمةِ من النصارى وغيرِهم عهد، جاز لملك آخر مِن ملوك المسلمين أن يَغْزُوَهُم، ويغنَم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخُ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ وسبيهم، مستدلًا بقصة أبى بصير مع المشركين.

فصل في الإشارة إلى بعضِ الحِكمِ التي تضمنتها هذه الهدنةعدل

وهي أكبرُ وأجَلُّ مِن أن يُحيط بها إلا اللهُ الذي أحكم أسبابهَا، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمدُه.

فمنها: أنها كانت مُقَدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ اللهُ بهِ رسولَه وجندَه، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهُدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومؤذِنًا بين يديه، وهذه عادةُ الله سبحانه في الأُمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يُوطِّئَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تُؤذِنُ بها، وتدُلُّ عليها.

ومنها: أن هذه الهُدنة كانت من أعظم الفُتوح، فإن الناسَ أمِنَ بعضُهم بعضًا، واختلطَ المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القُرآن، وناظرُوهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر مَن كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مُدة الهُدنة مَن شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله "فَتْحًا مُّبِينًا". قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحُديبية.

وحقيقة الأمر: أن الفتح في اللُّغة فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا مُغلقًا حتى فتحه الله، وكان مِن أسباب فتحه صدُّ رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفى الباطن عزَّا وفتحًا ونصرًا، وكان رسولُ الله ﷺ ينظر إلى ما وراءَهُ مِن الفتح العظيم والعزِّ والنصرِ من وراء ستر رقيق، وكان يُعطي المشركين كلَّ ما سألوه مِن الشروط، التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو ﷺ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [149].

وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إلى ** مَحْبوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُه سَبَبُ

فكان يَدْخُلُ على تلك الشروط دخولَ واثِق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقِبةَ له، وأن تلك الشروطَ واحتمالها هو عَيْنُ النصرة، وهو مِن أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبُوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلُّوا مِن حيث طلبوا العز، وقُهِرُوا من حيثُ أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله ﷺ وعساكِرُ الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملُوا الضَّيْم له وفيهِ، فدار الدَّورُ، وانعكس الأمرُ، وانقلب العِّزُّ بالباطل ذُلًا بحقٍ، وانقلبت الكَسرة لله عزًا باللهِ، وظهرت حِكمة اللهِ وآياتُه، وتصديقُ وعده، ونصرةُ رسوله على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها التي لا اقتراح للعقول وراءها.

ومنها: ما سبَّبه سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعانِ، والانقيادِ على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله، وتصديقِ موعوده، وانتظارِ ما وُعِدُوا به، وشهودِ مِنَّة الله ونِعْمتهِ عليهم بالسَّكِينةِ التي أنزلها في قُلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزَعْزَعُ لها الجبالُ، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبُهم، وقويت به نفُوسُهم، وازدادوا به إيمانًا.

ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لِرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره مِن المغفرة لرسوله ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، ولإتمام نِعمتهِ عليه، ولهدايته الصِّراطَ المستقيم، ونصره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به مع ما فيهِ من الضيم، وإعطاءِ ما سألوه، كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابُه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جَزَاءً وغاية، وإنما يكون ذلك على فِعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالى، وفتحه.

وتأمل كيف وصفَ سبحانه النصرَ بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر إنزالَ السكينة في قلوبِ المؤمنين في هذا الموطنِ الذي اضطربت فيهِ القلوبُ، وقَلِقَتْ أشدَّ القلق، فهي أحوجُ ما كانت إلى السكينةِ، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم، ثم ذكر سُبحانه بَيْعتَهم لِرسوله، وأكَّدها بكونها بَيْعةً له سبحانه، وأن يَده تعالى كانت فوقَ أيديهم إذ كانت يدُ رسول الله ﷺ كذلك، وهو رسولُه ونبيُّه، فالعقدُ معه عقدٌ مع مُرْسِلِهِ، وبَيْعته بيعته، فمن بايعه، فكأنما بايع الله، ويدُ الله فوقَ يده، وإذا كان الحجرُ الأسودُ يمينَ الله في الأرض، فمَن صافحه وقبَّله، فكأنما صافح الله، وقبَّل يمينه، فيدُ رسول الله ﷺ أولى بهذا مِن الحَجَر الأسود، ثم أخبر أن ناكِثَ هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوَفِّي بها أجرًا عظيمًا فَكُلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بَيْعة على الإسلام وحقوقه، فناكِث ومُوفٍ.

ثم ذكرَ حالَ مَن تخلَّفَ عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظَّنِّ باللهِ: أنَّهُ يخذُل رسولَه وأولياءَه، وجندَه، ويُظْفِرُ بهم عدوَّهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك مِن جهلهم بالله وأسمائِهِ وصِفاتِه، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هُوَ أهل أن يُعامِلَه به ربُّه ومولاه.

ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البَيْعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ مِن الصِّدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسولِهِ على ما سواهُ، فأنزل الله السكينةَ والطُّمَأْنِينة، والرِّضى في قلوبهم، وأثابهم على الرِّضى بحُكمه، والصبرِ لأمره فتحًا قريبًا، ومغانِمَ كثيرة يأخذونها، وكان أوَّلُ الفتح والمغانم فتحَ خَيْبَرَ، ومغانمها، ثم استمرت الفتوحُ والمغانمُ إلى انقضاء الدهر.

ووعدهم سبحانه مغانِمَ كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عجَّل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان. أحدهما: أنه الصلحُ الذي جرى بينهم وبين عدوهم، والثاني: أنها فتحُ خيبر وغنائمُها، ثم قال: { وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ } [150]، فقيل: أيدى أهلِ مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدى اليهود حين همُّوا بأن يغتالُوا مَنْ بالمدينة بعد خروج رسول الله ﷺ بمن معه من الصحابة منها، وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسَد وغطفان. والصحيح تناول الآية للجميع.

وقوله: { وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } [151]. قيل: هذه الفعلة التي فعلها بكم، وهي كفُّ أيدى أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنَّهُم حينئذٍ كان أهل مكة ومَن حولها، وأهلُ خيبر ومَنْ حولها، وأسَدٌ وغَطَفَان، وجمهورُ قبائل العرب أعداء لهم، وهم بينَهم كالشَّامَةِ، فلم يَصِلُوا إليهم بسوء، فمِن آياتِ الله سبحانه كفُّ أيدى أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم، وشدةِ عداوتهم، وتولى حراستهم، وحفظهم في مشهدهم ومغيبِهم.

وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين، وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن اللهَ سبحانه وعدهم مغانِم كثيرة، وفتوحًا عظيمة، فعجَّل لهم فتحَ خيبر، وجعلها آية لما بعدها، وجزاءًا لِصبرهم ورضَاهم يومَ الحديبية وشكرانًا، ولهذا خصَّ بها وبغنائمها مَنْ شهد الحديبية. ثم قال: { وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [152]، فجمع لهم إلى النصرِ والظَّفَرِ والغنائم الهداية، فجعلهم مهديِّين منصُورين غانمين، ثم وعدهم مغانِمَ كثيرة وفُتوحًا أُخرى، لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكَّةُ، وقيل: هي فارِس والروم، وقيل: الفتوحُ التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها. ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءَه، لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه سُنَّته في عباده قبلَهم، ولا تبديلَ لسُنَّته.

فإن قيل: فقد قاتلُوهم يوم أُحُد، وانتصروا عليهم، ولم يولُّوا الأدبار؟

قيل: هذا وعد معلَّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرط يومَ أُحُد بِفَشَلِهم المنافي للصبر وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصُل الوعدُ لانتفاء شرطه.

ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كفَّ أيدى بعضِهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما لَه في ذلك من الحِكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجالٌ ونساء قد آمنوا، وهم يكتُمون إيمانَهم، لم يعلمْ بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم، لأصبتم أُولئك بمعرَّة الجيش، وكان يُصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرَّةِ بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفِّين بهم، لأنها موجبُ المعرَّة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم، لعذَّب أعداءه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتلِ والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذَابَ لوجود هؤلاء المؤمنين بَيْنَ أظهرهم، كما كان يدفعُ عنهم عذابَ الاستئصال، ورسولُه بين أظهرهم.

ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفارُ في قلوبهم مِن حَمِية الجاهليةِ التي مصدرها الجهلُ والظُّلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعِبادَه عن بيته، ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يُقِرُّوا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنِهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذَا الجَعْلَ إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقُدرتهم وإرادتهم.

ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلبِ رسوله وأوليائه مِن السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه مِن حَمِيَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله وحِزبه، وحَميةُ الجاهلية حظَّ المشركين وجندهم، ثم ألزم عِبادَه المؤمنين كلمة التقوى، وهي جِنس يَعُمُّ كُلَّ كلمةٍ يُتقى الله بها، وأعلى نوعِها كلمةُ الإخلاص، وقد فُسِّرَتْ ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمةُ التي أبت قريش أن تلتزِمها، فألزمها اللهُ أولياءَهُ وحزبه، وإنما حَرَمَهَا أعداءَهُ صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها مَن هو أحقُّ بهَا وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يُضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحالِّ تخصيصه ومواضعه.

ثم أخبر سبحانه أنه صدَقَ رسُولَه رؤياه في دخولهم المسجدَ آمنين، وأنه سيكون ولا بُدَّ، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العامِ، واللهُ سبحانه عَلِمَ مِن مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتُم استعجالَ ذلك، والربُّ تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلمُوه، فقدَّم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا، توطئة له وتمهيدًا.

ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودينِ الحقِّ لِيُظهره على الدِّين كُلِّه، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهلِ الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم، وبِشارة لهم وتثبيتٌ، وأن يكونوا على ثقة مِن هذا الوعد الذي لا بُدَّ أن ينجزه، فلا تظنُّوا أن ما وقع من الإغماض والقهرِ يومَ الحُديبية نُصرة لعدوه، ولا تخليًا عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحقِّ، ووعده أن يُظهِرَه على كل دِينٍ سواه.

ثم ذكر سبحانه رسولَه وحزبَه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتِهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظمُ البراهين على صدق مَن جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلِّبون طالبُو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هَدْيَهم وسيرتَهم، وعدلهم وعلمهم، ورحمَتهم وزهدَهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صَحِبُوا المسيحَ بأفضلَ مِن هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرفَ بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفِهُم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها، { ومَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [153].

فصل في غزوة خيبرعدل

قال موسى بنُ عقبة: ولما قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ مِن الحُديبية، مَكَثَ بها عشرين ليلةً أو قريبًا منها، ثم خرج غازيًا إلى خيبر، وكان اللهُ عزَّ وجلَّ وعده إياها، وهو بالحُديبية.

وقال مالك: كان فتحُ خيبرَ في السنة السادسة، والجمهور: على أنها في السابعة. وقطع أبو محمد بنُ حزم: بأنها كانت في السادسةِ بلا شك، ولعل الخلافَ مبنيٌ على أوَّلِ التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهرُ مَقدَمِه المدينة، أو مِن المحرَّم في أوَّل السنة؟ وللناس في هذا طريقانِ: فالجمهورُ على أن التاريخَ وقع مِن المحرَّم، وأبو محمد بن حزم: يرى أنه مِن شهر ربيع الأول حين قَدِمَ، وكان أوَّلَ مَن أرَّخ بالهجرة يَعلى بن أُمية باليمن، كما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وقيل: عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، سنةَ ست عشرة مِن الهجرة.

وقال ابنُ إسحاق: حدثني الزهري، عن عُروة، عن مروانَ بن الحكم، والمِسور بنِ مَخْرَمَة، أنهما حدَّثاه جميعًا، قالا: انصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الحُديبية، فنزلت عليه سورةُ الفتح فيما بينَ مكة والمدينة، فأعطاه اللهُ عزَّ وجلَّ فيها خيبرَ: { وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تأخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } [154]: خيبر، فقدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرَّم، فنزلَ رسولُ الله ﷺ بالرَّجيعِ: وادٍ بين خيبرَ وغَطَفَان، فتخوَّف أن تمدهم غَطَفَانُ، فبات به حتَّى أصبح، فغدا إليهم، انتهى. واستخلف على المدينة سِباعَ بنَ عُرْفُطَةَ، وقَدِمَ أبو هريرة حينئذ المدينة، فوافى سِباعَ بنَ عُرفُطة في صلاة الصُّبح، فسمِعه يقرأ في الركعة الأولى: { كهيعص } [155]، وفى الثانية: { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } [156]، فقال في نفسه: ويل لأبي فلان، له مِكيالان، إذا اكتال اكتالَ بالوافى، وإذا كال كال بالناقِص، فلما فرغ من صلاته، أتى سباعًا، فزوَّده حتى قَدِمَ على رسول الله ﷺ وكلَّم المسلمينَ، فأشْركُوه وأصحابه في سُهمانهم.

وقال سلمةُ بنُ الأكوع: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فسِرْنا ليلًا، فقال رجلٌ مِن القَومِ لعامر بنِ الأكوع: ألا تُسمِعُنَا مِن هُنَيْهَاتِك، وكان عامر رجلًا شاعرًا؟ فنزل يحدُو بالقوم يقول:

اللًَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ** وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا

فاغْفِر فِدَاءً لَكَ ما اقْتَفَيْنَا ** وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا

وَأَنْزِلَنْ سَكِينةً عَلَيْنا ** إنَّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا

وبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ** وإنْ أرَادُوا فتْنَةً أَبَيْنا

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ هَذَا السّائِقُ"؟ قالوا: عامر. فقال: "رَحِمَهُ اللهُ"، فقال رجلٌ مِن القوم: وجبت يا رسولَ اللهِ لولا أمتعتَنَا به. قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصةٌ شديدة، ثم إنَّ الله تعالى فتح عليهم، فلما أَمْسَوْا، أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسولُ الله ﷺ: "مَا هَذِهِ النِّيرانُ، عَلَى أي شَىءٍ تُوقِدُونَ"؟ قالوا: على لحم. قال: "عَلَى أي لَحْمٍ"؟ قالوا: على لحم حُمُر أنسية. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أهْريقُوها واكْسِرُوها"، فقال رجل: يا رسول الله؛ أو نُهْرِيقُها ونغسِلُها؟ فقال: "أو ذَاكَ"، فلما تصافّ القومُ، خرج مَرْحَب يخطُر بسيفه وهو يقول:

قَد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنى مَرْحَبُ ** شَاكى السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

إذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ

فنزل إليه عامر وهو يقول:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ إني عَامِرُ ** شاكِي السِّلاح بَطَلٌ مُغامِرُ

فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مَرْحَب في ترس عامر، فذهب عامر يَسْفُلُ له، وكان سيفُ عامر فيه قِصر، فرجع عليه ذُباب سيفه، فأصابَ عينَ ركبته، فمات منه، فقال سلمة للنبي ﷺ: زعمُوا أن عامرًا حَبِطَ عملُه، فقال: "كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ وجمع بين أصبعيه إنه لَجَاهِدٌ مُجاهِدٌ، قلَّ عربيٌ مشى بها مِثْلَه".

فصل

ولما قَدمَ رسولُ الله ﷺ خيبر، صلَّى بها الصُّبحَ، وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبر بمساحِيهم ومكاتِلهم، ولا يَشْعُرونَ، بل خرجُوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش، قالوا: محمَّدٌ واللهِ، محمَّدٌ والخميسُ، ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم، فقال النبي ﷺ: "اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم، فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِين".

ولما دنا النبي ﷺ وأشرف عليها، قال: "قفوا" فوقف الجيشُ، فقال: "اللهُمَّ رَبَّ السَّمواتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، ورَبَّ الأَرَضينَ السَّبْعِ ومَا أَقْلَلْنَ، وربَّ الشَّيَاطِين وَمَا أَضْلَلْنَ، فإنَّا نَسْألُكَ خَيْرَ هذِهِ القرْيَةِ وخَيْرَ أَهْلِها وَخَيْرَ مَا فِيهَا، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هذِهِ القَرْيَةِ وشَرِّ أَهْلِهَا وشَرِّ مَا فيها، أقْدِمُوا بِسْم اللهِ".

ولما كانت ليلة الدخول، قال: "لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ"، فبات الناسُ يدوكون أيهُّم يُعطاها، فلما أصبح الناسُ، غَدَوْا على رسول الله ﷺ كُلُّهم يَرْجُو أن يُعطاها، فقال: "أَيْنَ علي بن أبي طَالب"؟ فقالُوا: يا رسُولَ الله؛ هو يَشتكى عينيه. قال: "فأرْسِلُوا إلَيْهِ"، فأُتى به، فبصق رسولُ الله ﷺ في عينيه، ودعا لهُ، فَبَرَأ حتَّى كأنْ لم يَكُنْ به وَجَعٌ، فأعطاهُ الرايَةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ؛ أُقاتِلهم حتى يكُونوا مثلنا؟ قال: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلامِ، وأَخْبِرْهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فيهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ".

فخرج مَرْحَبٌ وهو يقول:

أنَا الذي سَمَّتْني أُمِّي مَرْحَبُ ** شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

إذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ

فبرز إليه عليٌ وهو يقول:

أَنَا الذي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَهْ ** كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ

أوفيهمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

فضرب مَرْحَبًا، ففلَق هامتَه، وكان الفتح.

ولما دنا علي رضي الله عنه من حُصونهم، اطلع يهودي مِن رأس الحصن، فقال: مَنْ أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتُم وما أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. هكذا في صحيح مسلم: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قتل مَرْحَبَا.

وقال موسى بن عُقبة، عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة ويونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل أحد بنى حارثة عن جابر بن عبد الله، أن محمَّد بن مسلمة هو الذي قتله، قال جابر في حديثه: خرج مَرْحبُ اليهوديُّ مِن حصن خيبر قد جمع سِلاحه، وهو يرتجزُ ويقول: مَن يُبارِزُ؟ فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ لِهذَا"؟ فقال محمَّدُ بنُ مسلمة: أنا له يا رسولَ الله، أنا واللهِ المَوْتُورُ الثائرُ، قتلوا أخي بالأمسِ، يعني محمودَ بن مسلمة، وكان قُتِل بخيبر، فقال: "قُمْ إلَيْهِ، اللهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ"، فلما دنا أحدُهما مِن صاحبه، دخلَتْ بينهما شجرةٌ، فجعل كُلُّ واحد منهما يلوذُ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كُلُّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجُل القائم، ما فيها فَنَن، ثُمَّ حملَ على محمد فضربه، فاتقاه بالدَّرقة، فوقع سيفُه فيها، فعضَّتْ به، فَأَمْسَكَتْهُ، وضربه محمَّدُ بن مسلمة فقتله، وكذلك قال سلمة بن سلَّامة، ومجمع بن حارثة: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا.

قال الواقدي: وقيل: إن محمَّد بن مسلمة ضرب ساقى مَرْحب فقطعهما، فقال مرحب: أَجْهِز عليَّ يا محمد. فقال محمد: ذُقِ الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه، ومرَّ به علي رضي الله عنه، فضرب عُنقه، وأخذ سلَبه، فاختصما إلى رسول الله ﷺ في سَلَبِهِ، فقال محمَّدُ بن مسلمة: يا رسولَ الله؛ ما قطعتُ رجليه ثم تركتُه إلا لِيذوقَ الموتَ، وكنت قادرًا أن أُجْهِزَ عليه. فقال علي رضي الله عنه: صَدَقَ، ضربتُ عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسولُ اللهِ ﷺ محمَّد بن مسلمة سيفَه ورمحه، ومِغفره وبَيْضَته، وكان عند آلِ محمد بن مسلمة سيفُه فيه كتاب لا يُدرى ما فيه، حتى قرأه يهودي، فإذا فيه:

هذَا سَيْفُ مَرْحَبْ ** مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ

ثم خرج[157] ياسر، فبرز إليه الزبير، فقالت صفيَّةُ أُمه: يا رسولَ اللهِ؛ يقتلُ ابني؟ قال: "بَلْ ابنُكِ يَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ الله"، فقتله الزبير.

قال موسى بن عقبة: ثم دخل اليهودُ حِصنًا لهم منيعًا يقال له: القَمُوص، فحاصرهم رسولُ الله ﷺ قريبًا مِن عشرينَ ليلة، وكانت أرضًا وَخْمَةً شَدِيدَةَ الحرِّ، فجُهِدَ المسلمون جَهْدًا شديدًا، فذبحوا الحُمُرَ فنهاهم رسول الله ﷺ عن أكلها، وجاء عبدٌ أسود حبشى من أهل خيبر، كان في غنم لسيده، فلما رأى أهلَ خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم ما تُريدون؟ قالوا: نُقاتل هذا الذي يزعم أنه نبيٌ، فوقع في نفسه ذكر النبي ﷺ، فأقبل بغنمه إلى رسول الله ﷺ، فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه؟ قال: "أَدْعُو إلى الإسْلام، وأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إلا الله، وإني رَسُولُ الله، وأَنْ لا تَعْبُدَ إلا الله". قال العبدُ: فمالي إن شهدتُ وآمنتُ باللهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قال: "لَكَ الجَنَّةُ إنْ مِتَّ على ذلكَ"، فأسلم، ثم قال: يا نبي اللهِ؛ إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال له رسول الله ﷺ: "أخْرِجْها مِنْ عِنْدِكَ وارْمِها بالحَصْباءِ، فإنَّ اللهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ"، ففعل، فرجعت الغنم إلى سيِّدها، فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسولُ الله ﷺ في الناس، فوَعَظهم، وحضَّهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهودُ، قُتِلَ فيمن قُتِلَ العبدُ الأسود، فاحتمله المسلمون إلى معسكرهم، فأُدخل في الفُسْطَاطِ، فزعموا أن رسول اللهِ ﷺ اطلع في الفُسطاط، ثم أقبل على أصحابه وقال: "لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ هذا العَبْدَ، وسَاقَهُ إلى خَيْرٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الحُور العين، وَلَمْ يُصَلِّ للهِ سَجْدَةً قَطُّ".

قال حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ؛ إني رجل أسودُ اللَّون، قبيحُ الوجه، مُنْتِنُ الرِّيح، لا مالَ لي، فإن قاتلتُ هؤلاء حتى أُقْتَلَ، أأدخلُ الجنَّة؟ قال: "نعم"، فتقدَّم، فقاتلَ حتَّى قُتِلَ، فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول، فقال: "لَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَكَثَّرَ مَالَكَ"، ثم قال: "لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الحُورِ العينِ يَنْزِعَان جُبَّتَهُ عَنْهُ، يدْخُلانِ فِيما بَيْنَ جِلْدِهِ وجُبَّته".

وقال شدَّادُ بنُ الهاد: جاء رجل من الأعرابِ إلى النبي ﷺ، فآمنَ به واتَّبعه، فقَالَ: أُهاجِرُ معكَ، فأوصى به بعضَ أصحابه، فلما كانت غزوةُ خيبر، غَنِمَ رسولُ الله ﷺ شيئًا، فقسمه، وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسمه له، وكان يَرعى ظهرَهم، فلما جاء، دفعُوهُ إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ الله ﷺ، فأخذهُ، فجاء به إلى النبي ﷺ، فقال: ما هَذَا يا رسول اللهِ؟ قال: "قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ"، قال: ما على هذا اتبعتُك، ولكن اتبعتُك على أن أُرمى هاهنا وأشار إلى حَلْقِه بسهم، فأموتَ فأدخل الجنَّة، فقال: "إنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ"، ثم نهض إلى قتال العدو، فأُتِي به إلى النبي ﷺ وهو مقتول، فقال: "أهو هو"؟ قالوا: نعم. قال: "صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ"، فكفَّنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدَّمه، فصلَّى عليه، وكان مِن دعائه له: "اللهُمَّ هذا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهاجِرًا في سَبِيلِكَ، قُتِلَ شَهِيدًا، وأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ".

قال الواقدي: وتحوَّلت اليهود إلى قلعة الزبير: حصنٍ منيع في رأس قُلّةٍ، فأقام رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثةَ أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له "عزال" فقال: يا أبا القاسم؛ إنك لو أقمتَ شهرًا ما بَالوا، إن لهم شرابًا وعُيونًا، تحتَ الأرض، يخرجُون بالليل، فيشربُون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم، فيمتنعُون منك، فإن قطعْت مشربَهم عليهم أصحَرُوا لك، فسار رسول اللهِ ﷺ إلى مائهم، فقطعه عليهم، فلما قُطِع عليهم، خرجوا، فقاتلُوا أشد القتال، وقُتِلَ مِن المسلمين نَفَرٌ، وأُصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ﷺ، ثم تحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى أهل الكُتَيْبَةِ والوَطِيح والسُّلالِم حصنِ ابن أبي الحُقيق، فتحصَّن أهلُه أشد التحصن، وجاءهم كُل فَلٍّ كان انهزم مِن النَّطاة والشَّق، فإن خيبر كانت جانبين: الأول: الشَّق والنَّطاة، وهو الذي افتتحه أولًا، والجانب الثاني: الكُتيبة والوطيح والسُّلالم، فجعلوا لا يخرجُون مِن حُصونهم حتى همَّ رسولُ الله ﷺ أن ينصبَ عليهم المَنجنيق، فلما أيقنُوا بالهَلَكَةِ، وقد حصرهم رسولُ اللهِ ﷺ أربعةَ عشر يومًا، سألُوا رسولَ الله ﷺ الصُّلْحَ، وأرسل ابن أبي الحُقيق إلى رسولِ الله ﷺ: أنْزِلُ فَأُكَلِّمك؟ فقال رسولُ الله ﷺ: "نعم"، فنزل ابن أبي الحُقيق، فصالَحَ رسول الله ﷺ على حقن دِماء مَنْ في حُصونهم من المقاتلة وتركِ الذُّرِّيَّة لهم، ويخرجُون من خيبر وأرضِها بذراريهم، ويُخلُّون بين رسول الله ﷺ وبينَ ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء، والكُراع والحلقة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسولُ الله ﷺ: " وَبَرِئَتْ مِنْكُم ذَِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إنْ كَتَمْتُمونى شَيْئًا"، فصالحوه على ذلك.

قال حمَّادُ بن سلمة: أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسولَ الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلبَ على الزرعِ والنخل والأرض، فصالحُوه على أن يُجلوا منها، ولهم ما حملت ركابُهم ولِرسول الله ﷺ الصفراءُ والبيضاءُ، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغَيِّبُوا شيئًا، فإن فعلُوا فلا ذِمَّةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحُلى لحُيَيّ بن أَخْطَب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت النضيرُ، فقال رسول الله ﷺ لِعم حُيى ابن أخطب: "ما فَعَلَ مَسْكُ حُيَيّ الذي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِير"؟ قال: أذهبته النفقاتُ والحروب، فقال: "العَهْدُ قَريبٌ، والمَالُ أكْثَرُ مِنْ ذلِكَ"، فدفعه رسولُ الله ﷺ إلى الزُّبير، فمسَّه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال: "قَدْ رأيْتُ حُيَيًّا، يَطُوفُ في خربة هاهنا"، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المَسْكَ في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابنى أبى الحُقيق، وأحدُهما زوج صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وسبى رسولُ الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالَهم بالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد؛ دعنا نكُون في هذه الأرض نُصلِحُها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغُون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطرَ مِن كل زَرعٍ وكل ثمرٍ ما بدا لرسول الله ﷺ أن يقرهم. وكان عبد الله بن رواحة يخرصُه عليهم كما تقدم. ولم يقتل رسول الله ﷺ بعد الصلح إلا ابنى أبى الحُقيق للنكث الذي نكثوا، فإنهم شرطوا إن غيَّبوا، أو كتموا، فقد برئت منهم ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله، فغيَّبوا، فقال لهم: "أين المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجليناكم"؟ قالوا: ذهب فحلفوا على ذلك، فاعترف ابن عم كنانة عليهما بالمال حين دفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير يعذبه، فدفع رسول الله ﷺ كنانه إلى محمد بن مسلمة فقتله. ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة.

وسبى رسول الله ﷺ صفيه بنت حيي بن أخطب وابنة عمتها، وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول، فأمر بلالًا أن يذهب بها إلى رحله، فمر بها بلال وسط القتلى، فكره ذلك رسول الله ﷺ، وقال: أذهبت الرحمة منك يا بلال.

وعرض عليها رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلمت، فاصطفاها لنفسه، وأعتقها، وجعل عِتْقَهَا صَدَاقها، وبنى بها في الطريق، وأولم عليها، ورأى بوجهها خُضرةً، فقال: "ما هذا"؟ قالت: يا رسولَ اللهِ؛ رأيتُ قبل قدومك علينا، كأن القَمرَ زال من مكانه، فسقط في حَجري، ولا واللهِ ما أذكرُ مِن شأنك شيئًا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي، وقال: تمنين هذَا المَلِكَ الذي بالمدينة.

وشك الصحابة: هل اتخذها سُرِّيَّة أو زوجة؟ فقالوا: انظروا إن حجبها، فهي إحدى نِسائه، وإلا فهي مما ملكتْ يمينُه، فلما رَكِب، جعل ثَوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها، ثم شدَّ طرفه تحته، فتأخَّرُوا عنه في المسير، وعَلِمُوا أنها إحدى نسائه، ولما قدم لِيحملها على الرَحْل أجلَّته أن تضع قدمها على فخذه، فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت.

ولما بنى بها، بات أبو أيوب ليلَته قائمًا قريبًا من قُبته، آخذًا بقائم السيف حتى أصبح، فلما رأى رسولَ الله ﷺ، كبَّرَ أبو أيوب حين رآه قد خرج، فسأله رسولُ الله ﷺ: "ما لك يا أبا أيوب"؟ فقال له: أَرِقْتُ ليلتي هذِهِ يا رسولَ اللهِ لما دخلتَ بهذه المرأة، ذكرتُ أنك قتلتَ أباها وأخاها، وزوجَها وعامةَ عشيرتها، فخِفْتُ أن تغتالك. فضحِكَ رسولُ الله ﷺ وقال له معروفًا.

فصل

وقسم رسولُ الله ﷺ خيبرَ على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كُلُّ سهم مائةَ سهمٍ، فكانت ثلاثةَ آلافٍ وستَّمائة سَهْمٍ، فكان لِرسولِ الله ﷺ وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله ﷺ سهمٌ كسهمِ أحدِ المسلمين، وعَزَلَ النِّصفَ الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهمٍ لنوائبه وما ينزلُ به من أُمور المسلمين، قال البيهقي: وهذا لأن خيبر فُتحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً، وشطرُها صُلحًا، فقسم ما فتح عَنوةً بين أهلِ الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحًا لِنوائبه وما يحتاجُ إليه من أُمور المسلمين.

قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي رحمه الله، أنه يجب قسم الأرض المفتتحةِ عَنوة كما تُقسم سائرُ المغانم، فلما لم يجده قسم النصفَ مِن خيبر، قال: إنه فُتِح صلحًا. ومَن تأمّل السيرَ والمغازيَ حقَّ التأمل، تبيَّن له أن خيبر إنما فُتحت عَنوة، وأن رسولَ الله ﷺ استولى على أرضها كُلِّهَا بالسيفِ عَنوة، ولو فُتِح شئ منها صُلحًا، لَم يُجلهم رسولُ الله ﷺ منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها، قالوا: نحن أعلمُ بالأرض منكم، دعونا نكون فيها، ونعمرها لكم بشرط ما يخرج منها، وهذا صريح جدا في أنها إنما فتحت عنوة، وقد حصل بين اليهود والمسلمين بها من الحراب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم، ولكن لما أُلجئُوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي بذلوه، أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء، والحَلْقَةَ والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم، ويجلوا من الأرض، فهذا كان الصلح، ولم يقع بينهم صلح أن شيئًا من أرض خيبر لليهود، ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك، لم يقل: نقركم ما شئنا، فكيف يقرهم في أرضهم ما شاء؟ ولم كان عمر أجلاهم كُلَّهم مِن الأرضِ، ولم يُصالحهم أيضًا على أن الأرضَ للمسلمين، وعليها خراجٌ يؤخذ منهم، هذا لم يقع، فإنه لم يضرب على خيبر خراجًا البتة.

فالصوابُ الذي لا شكَّ فيه: أنها فُتِحت عَنوة، والإمام مُخيَّر في أرض العَنوة بين قَسْمها ووقفها، أو قَسْمِ بعضها ووقفِ البعض، وقد فعل رسولُ الله ﷺ الأنواع الثلاثة، فقسم قُريظة والنضير، ولم يَقْسِمْ مكة، وقسم شَطْرَ خيبر، وترك شطرها، وقد تقدَّم تقريرُ كون مكة فُتِحت عَنوة بما لا مدفع له.

وإنما قُسِمَتْ على ألف وثمانمائة سهم، لأنها كانت طُعمة مِن الله لأهل الحُديبية مَن شهد منهم، ومَن غاب، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمانِ، فَقُسِمَتْ على ألف وثمانمائة سهم، ولم يغب عن خيبرمن أهل الحُديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسولُ الله ﷺ كسهم مَنْ حضرها. وقسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمًا، وكانوا ألفًا وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحيحُ الذي لا ريبَ فيه.

وروى عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أعطى الفارس سهمين والراجلَ سهمًا.

قال الشافعي رحمه الله: كأنه سمع نافعًا يقول: للفرس سهمين، وللراجل سهمًا، فقال: للفارس، وليس يَشُكُّ أحد مِن أهل العلم في تقدُّم عُبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقد أنبأنا الثقة من أصحابنا، عن إسحاق الأزرق الواسطى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسولَ الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم.

ثم روى من حديث أبي معاوية، عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسولَ الله ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وهو في الصحيحين، وكذلك رواه الثوري، وأبو أسامة عن عُبيد الله.

قال الشافعي رحمه الله: وروى مجمع بن جارية أن النبي ﷺ قسم سهام خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارسَ سهمين، والراجل سهمًا.

قال الشافعي رحمه الله: ومجمع بن يعقوب يعني راوى هذا الحديث عن أبيه، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية شيخ لا يُعرف فأخذنا في ذلك بحديث عُبيد الله، ولم نر له مثله خبرًا يُعارضه، ولا يجوز ردُّ خبر إلا بخبر مثله.

قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان، قد خُولِفَ فيه، ففي رواية جابر، وأهل المغازي: أنّهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهم أهلُ الحُديبية، وفى رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبشير بن يسار، وأهلِ المغازي: أن الخيل كانت مائتي فرس، وكان لِلفرس سهمان، ولصاحبه سهم، ولكل راجل سهم.

وقال أبو داود: حديث أبي معاوية أصحُّ، والعملُ عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس.

وقد روى أبو داود أيضًا من حديث أبي عمرة، عن أبيه، قال: "أتينا رَسُولَ الله ﷺ أربعة نَفَرٍ، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين". وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وهو المسعودى، وفيه ضعف. وقد رُوى الحديثُ عنه على وجهٍ آخر، فقال: أتينا رسول اللهِ ﷺ ثلاثة نَفَرٍ، معَنَا فرس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، ذكره أبو داود أيضًا.

فصل

وفي هذه الغزوة، قدم عليه ﷺ ابن عمه جعفرُ ابن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون: عبدُ الله بنُ قيس أبو موسى، وأصحابُه، وكان فيمن قَدِمَ معهم أسماءٍ بنت عميس.

قال أبو موسى: بلغنا مَخْرَجُ النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مُهاجرين أنا وأخوانِ لي: أنا أصغرُهما، أحدهُما أبو رُهْم، والآخر أبو بُردة، في بِضع وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينةً، فألقتنا سفينتُنا إلى النجاشيِّ بالحبشة، فوافَقْنَا جَعْفَرَ بن أبي طالب وأصحابَه عنده، فقال جعفر: إنَّ رسولَ الله ﷺ بعثنا، وأَمَرَنَا بالإقامة، فأقيمُوا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فَوَافَقْنَا رَسُولَ الله ﷺ حينَ افتَتَحَ خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحدٍ غابَ عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه، إلا لأصحابِ سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم، وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهِجرة، قال: ودَخَلَتْ أسماءُ بِنتُ عميس على حفصة، فدخل عليها عمر، فقال: مَنْ هذِهِ؟ قالت: أسماءُ. فقال عُمَرُ: سبقناكم بالهجرة، نحن أحقُّ برسول الله ﷺ مِنكم، فَغَضِبَتْ، وقالت: يا عُمَرُ؛ كلا واللهِ، لقد كنتم مع رسول الله ﷺ، يُطعِمُ جائعكم، ويَعِظُ جاهِلَكُم، وكنا في أرض البُعداء البُغضاء، وذلك في اللهِ، وفى رسوله، وايمُ اللهِ، لا أطعَمُ طَعَامًا، ولا أشربُ شرابًا حتى أذكر ما قلتَ لِرسول الله ﷺ، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيدُ على ذلك، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا رسول الله؛ إن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ: "ما قلتِ له"؟ قالت: قلت له كذا وكذا. فقال: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بي مِنْكُم، ولَهُ ولأَصْحابه هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، ولَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَان"، وكان أبو موسى وأصحابُ السفينة يأتون أسماء أرسالًا يسألونها عن هذا الحديث، ما مِن الدنيا شىء، هم به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسولُ الله ﷺ ".

ولما قَدِمَ جعفرٌ على النبي ﷺ، تلقاه وقبَّل جبهته، وقال: "واللهِ ما أدري بأَيِّهما أفْرَحُ، بِفَتْحِ خَيْبَر أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَر"؟

وأما ما رُوى في هذه القِصة، أن جعفرًا لما نظر إلى النبي ﷺ، حجَل يعني: مشى على رِجل واحدةٍ إعظامًا لرسول الله ﷺ، وجعله أشباهُ الدِّباب الرَّقَّاصُون أصلًا لهم في الرقص، فقال البيهقي وقد رواه مِن طريق الثوري عن أبى الزبير، عن جابر: وفى إسناده إلى الثوري مَن لا يُعرف.

قلت: ولو صح، لم يكن في هذا حُجة على جواز التشبُّه بالدّباب، والتكسر والتخَنُّث في المشي المنافى لهَدْي رسول الله ﷺ، فإن هذا لعله كان من عادة الحبشة تعظيمًا لِكبرائها، كضرب الجُوك عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرة، ثم تركها لِسُّنَّة الإسلام،

فأين هذا من القفز والتكسر، والتثني والتخنُّث. وبالله التوفيق.

قال موسى بن عقبة: كانت بنو فَزارة ممن قدم على أهلِ خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسولُ الله ﷺ ألا يُعينوهم، وأن يخرجوا عنهم، ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبَوْا عليه، فلما فتح اللهُ عليه خيبَر، أتاهُ مَن كان ثَمَّ من بنى فزارة، فقالوا: وعدك الذي وعدتنا، فقال: "لكم ذو الرُّقيبة جبل من جبال خيبر" فقالوا: إذًا نُقاتلك. فقال: "مَوْعِدُكم كذا"، فلما سَمِعُوا ذلك مِن رسول الله ﷺ، خرجوا هاربين.

وقال الواقدي: قال أبو شُييم المزنى وكان قد أسلم فحسن إسلامه: لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن، رجع بنا عُيينة، فلما كان دون خيبر، عرَّسنا من اللَّيل، ففزِعنا، فقال عُيينة: أبشروا، إني أرى الليلة في النوم أننى أُعطيت ذا الرُّقيبة جبلًا بخيبر قد واللهِ أخذتُ برقبة محمد، فلما قدمنا خيبر، قدم عُيينة، فوجد رسولَ الله ﷺ قد فتح خيبر. فقال: يا محمد؛ أعطنى ما غنمتَ من حُلفائى، فإني انصرفتُ عنك، وقد فرغنا لك، فقال رسول الله ﷺ: "كَذَبْتَ ولكِنَّ الصِّيَاحَ الذي سَمِعْتَ نَفَّرَكَ إلى أهْلِكَ". قال: أجزني يا محمد؟ قال: "لك ذو الرقيبة". قال: وما ذو الرقيبة؟ قال: "الجبلُ الذي رأيتَ في النوم أنك أخذته". فانصرف عُيينة، فلما رجع إلى أهله، جاءه الحارث بن عوف، فقال: ألم أقل لك: إنك تُوضِع في غير شىء، واللهِ لَيَظْهَرَنَّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يُخبروننا بهذا، أشَهد لسمِعْتُ أبا رافع سلام بن أبي الحُقيق يقول: إنَّا نحسُد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بنى هارون، وهو نبي مرسل، ويهود لا تُطاوعنى على هذا، ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر، قال الحارث: قلت لسلام: يملِكُ الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراةِ التي أنزلت على موسى، وما أُحِبُّ أن تعلم يهودَ بقولي فيه.

فصل

وفي هذه الغزاةِ، سُمَّ رسولُ اللهِ ﷺ، أهدت له زينبُ بنتُ الحارث اليهوديةُ امرأةُ سلام بن مِشْكَم شاةً مشويَّةً قد سمَّتها، وسألت: أي اللَّحم أحبُّ إليه؟ فقالوا: الذِّراعُ، فأكثرت من السُّمِّ في الذراع، فلما انتهش من ذِراعها، أخبره الذِّراعُ بأنه مسموم، فلفظ الأكلة، ثم قال: "اجْمَعُوا لي مَنْ هاهنا من اليَهُودِ"، فجُمِعوا له، فقالَ لهم: "إني سَائِلُكُم عَن شَىءٍ، فَهَلْ أنتمْ صَادِقِيَّ فيه"؟ قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ: "مَنْ أَبُوكُم"؟ قالوا: أبونا فلان. قال: "كَذَبْتُمْ، أبُوكُم فُلان". قالوا: صدقتَ وبَررْتَ، قال: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقيَّ عَنْ شىءٍ إنْ سَأَلْتُكُم عَنْهُ"؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذَبْنَاكَ، عرفتَ كذبنا كما عرفتَه في أبينا، فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَهْلُ النَّار"؟ فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلُفُوننا فيها. فقال لهم رسولُ الله ﷺ: "اخْسَؤوا فيها، فَواللهِ لا نَخْلُفُكُم فيها أَبَدًا"، ثم قال: "هَلْ أَنْتُم صَادِقِيَّ عَن شَىءٍ إن سأَلْتُكُم عَنْهُ"؟ قالوا: نعم. قال: "أجَعَلْتُمْ في هذِهِ الشَّاةِ سُمًّا"؟ قالوا: نعم. قال: "فَمَا حَمَلَكُم على ذلكَ"؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذِبًا نستريحُ منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك".

وجئ بالمرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: أردتُ قتلَكَ. فقال: "ما كان اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ "، قالوا: ألا نقتُلها؟ قال: "لا"، وَلم يتعرض لها، ولم يُعاقبها، واحتجم على الكاهِلِ، وأمرَ مَن أكل منها فاحتجم، فمات بعضُهم. واختُلِف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت فتركها، ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه؛ ثم قال معمر: والناسُ تقول قتلها النبي ﷺ.

قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة: أن رسولَ الله ﷺ أهدت له يهوديةٌ بخيبرَ شاةً مَصْلِيَّةً، وذكر القصة، وقال: فمات بشرُ بن البراء بن مَعرور، فأرسل إلى اليهودية: "ما حملكِ على الذي صنعتِ"؟ قال جابر: فأمر بها رسولُ الله ﷺ فَقُتِلَتْ.

قلت: كلاهما مرسل، ورواه حمَّاد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة متصلًا: "أنه قتلها لما مات بشر بن البراء".

وقد وُفِّقَ بين الروايتين، بأنه لم يقتُلْها أولًا، فلما مات بشر، قتلها.

وقد اختُلِف: هل أكل النبي ﷺ منها أو لم يأكل؟ وأكثرُ الروايات، أنه أكل منها، وبقى بعد ذلك ثلاثَ سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه: "مَا زِلْتُ أَجِدُ مِن الأُكْلَةِ التي أَكَلْتُ مِنَ الشَّاةِ يَوْمَ خَيْبَر، فهذَا أوانُ انْقِطَاع الأبْهَرِ منِّي".

قال الزهري: فتوفي رسول الله ﷺ شهيدًا.

قال موسى بن عقبة وغيره: وكان بينَ قريش حين سمعوا بخروج رسول الله ﷺ إلى خيبرَ تَرَاهُنٌ عظيم، وتبايع، فمنهم مَن يقول: يظهر محمدٌ وأصحابُه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهودُ خيبر، وكان الحجَّاج بن عِلاط السُّلمي قد أسلم وشَهِدَ فتح خيبر، وكانت تحتَهُ أُمُّ شيبة أختُ بنى عبد الدار بن قُصَيّ، وكان الحجاجُ مُكثِرًا مِن المال، كانت له معادِن بأرضِ بنى سُليم، فلما ظهر النبي ﷺ على خيبر، قال الحجاج بن عِلاط: إن لي ذهبًا عِند امرأتى، وإن تعلم هي وأهلُها بإسلامى، فلا مال لي، فَأْذَنْ لي، فلأسرع السَّيرَ وأسْبقِ الخبر، ولأخبِرَنَّ أخبارًا إذا قدمت أدرأُ بها عن مالي ونفسي، فأَذِنَ له رسولُ الله ﷺ، فَلما قَدِمَ مكة، قال لامرأته: أخفى عليَّ واجمعى ما كان لي عندكِ مِن مال، فإني أريد أن أشتريَ مِن غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استُبيحُوا، وأُصيبت أموالُهم، وإن محمدًا قد أُسِرَ، وتفرَّق عنه أصحابُه، وإن اليهودَ قد أقسموا: لَتَبْعَثَنَّ به إلى مكة ثم لتقتُلَنَّه بقتلاهم بالمدينة، وفشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين، وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرحَ والسرورَ، فبلغ العباسَ عمَّ رسول الله ﷺ زَجَلَةُ النَّاس وجَلَبَتُهم، وإظهارُهم السُّرور، فأراد أن يقوم ويخرج، فانخزل ظهرُه، فلم يقدر على القيام، فدعا ابنًا له يقال له: "قُثَمُ". وكان يُشبه رسولَ الله ﷺ، فجعل العباس يرتَجِزُ، ويرفع صوته لئلا يشمتَ به أعداءُ الله:

حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثم ** شَبيهُ ذي الأَنْفِ الأَشمْ

نَبِيُّ ربِّي ذي النِّعَمْ ** برَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغمْ

وحشر إلى باب داره رجالٌ كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المظهِرُ للفرح والسرور، ومنهم الشامِتُ المغرى، ومنهم مَنْ به مثلُ الموت من الحُزْن والبلاء، فلما سمع المسلمون رجزَ العباس وتجلُّدَه، طابت نفوسُهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم، ثم أرسلَ العباسُ غلامًا له إلى الحجاج، وقال له: اخلُ به، وقل له: ويلَك ما جئتَ به، وما تقول، فالذي وعَد الله خيرٌ مما جئتَ به؟ فلما كلَّمه الغلامُ قال له: اقرأ على أبى الفضل السلام، وقل له: فَلْيَخْلُ بي في بعض بيوته حتى آتيَه، فإن الخبرَ على ما يَسُرُّه، فلما بلغ العبدُ باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباسُ فرحًا كأنه لم يُصبه بلاءٌ قطُّ، حتى جاءه وقبَّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه، ثم قال: أخبرني. قال: يقولُ لك الحجاج: أُخْلُ بِهِ في بعض بيوتِك حتى يأتيكَ ظهرًا، فلما جاءه الحجاج، وخلا به، أخذ عليه لتكتمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح رسولُ الله ﷺ خيبر، وغنم أموالهم، وجرت فيها سهامُ الله، وإنَّ رسولَ الله ﷺ قد اصطفى صفيَّةَ بِنت حُيَيّ لنفسه، وأعرسَ بها، ولكن جئتُ لمالي، أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنتُ رسول الله ﷺ أن أقول، فَأَذِنَ لي أن أقول ما شئت، فأخْفِ عليَّ ثلاثًا، ثم اذكرْ ما شئت. قال: فجمعت له امرأتُه متاعه، ثم انشمر راجعًا، فلما كان بعدَ ثلاث، أتى العباسُ امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجُكِ؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يَحْزُنْك اللهُ يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك. فقال: أجل، لا يَحْزُنُنى الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحِبُّ، فتح اللهُ على رسوله خيبرَ، وجرت فيها سهامُ الله، واصطفى رسولُ الله ﷺ صفيَّة لنفسه، فإن كان لكِ في زوجك حاجة، فالحقى به. قالت: أظنُّك واللهِ صادقًا. قال: فإني واللهِ صادق، والأمرُ على ما أقول لك. قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبركِ، ثم ذهب حتَّى أتى مجالسَ قريش، فلما رأوه، قالوا: هذا واللهِ التجلُّدُ با أبا الفضل، ولا يصيبُك إلا خير. قال: أجل لم يُصبنى إلا خيرٌ، والحمد لله، أخبرني الحجَّاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتُمَ عليه ثلاثًا لحاجة، فردَّ الله ما كان للمسلمين مِن كآبة وجَزَع على المشركين، وخرج المسلمون مِن مواضعهم حتى دخلوا على العباس، فأخبرهم الخبرَ، فأشرقت وجوهُ المسلمين.

فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهيةعدل

فمنها محاربةُ الكفار ومقاتلتُهم في الأشهر الحُرُم، فإن رسولَ الله ﷺ رجع مِن الحُديبية في ذي الحِجَّة، فمكث بها أيَّامًا، ثم سار إلى خَيْبَرَ في المحرَّم، كذلك قال الزهري عن عُروة، عن مروان والمِسور بن مخرمة، وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهِجرة، ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خُروجَه كان في أواخر المحرَّم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صَفَر، وأقوى من هذا الاستدلال بيعةُ النبي ﷺ أصحابَه عند الشجرة بَيْعةَ الرضوان على القتال، وألا يَفِرُّوا، وكانت في ذي القَعْدَة، ولكن لا دليلَ في ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يُريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يُقاتل فيه ابتداءً، فالجمهور: جوَّزوه، وقالوا: تحريمُ القِتَال فيه منسوخٌ، وهو مذهبُ الأئمة الأربعة، رحمهم الله.

وذهب عطاء وغيرُه إلى أنه ثابتٌ غيرُ منسوخ، وكان عطاء يحلِفُ بالله: ما يَحِلُّ القِتَالُ في الشهر الحرام، ولا نسَخَ تحريمَه شىءٌ.

وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلالُ بحصار النبي ﷺ للطائف، فإنه خرج إليها في أواخِر شوَّال، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، فبعضُها كان في ذي القَعَدة، فإنه فتح مكة لِعَشرٍ بقينَ مِن رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرةَ يقصُرُ الصلاة، فخرج إلى هَوازن وقد بقى من شوَّال عشرون يومًا، ففتح الله عليه هَوازِنَ، وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف، فحاصرها بضعًا وعشرين ليلة، وهذا يقتضى أن بعضها في ذي القَعَدة بلا شك.

وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك، وهذا عجيب منه، فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟ وفي الصحيحين عن أنس بن مالك في قصة الطائف، قال: "فحاصرناهُم أربعينَ يومًا، فاستعصوا وتمنعوا" وذكر الحديث فهذا الحصار وقع في ذي القَعدة بلا ريب، ومع هذا فلا دليل في القصة، لأن غزو الطائف كان مِن تمام غزوة هَوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله ﷺ بالقتال، ولما انهزموا، دخل ملكُهم، وهو مالكُ بنُ عوف النَّضري مع ثقيف في حِصن الطائف محاربينَ رسول الله ﷺ، فكان غزوُهُم مِن تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم.

وقال الله تعالى في (سورة المائدة) وهي من آخر القرآن نزولا، وليس فيها منسوخ: { يَا أيُها الَذِينَ آمَنُوا لا تُحلُوا شَعَائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ، ولا الهَدْي ولا القَلائِدَ } [158].

وقال في سورة البقرة: { ويسأَلُونَكَ عَنِ الشَهرِ الحَرامِ قِتالٍ فيه قُل: قِتَالٌ فيهِ كَبير وصدٌ عَنْ سَبيلِ اللهِ } [159]، فهاتان آيتان مدنيتان، بينهما في النزول نحوُ ثمانيةِ أعوام، وليس في كتاب الله ولا سنةِ رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعتِ الأمةُ على نسخه، ومن استدل على نسخه بقوله تعالى: { وقاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَةَ } [160] ونحوِها من العمومات، فقد استدلَّ على النسخ بما لا يدُلُ عليه، ومن استدل عليه بان النبي ﷺ بعث أبا عامر في سريةٍ إلى أوطاس في ذي القَعدة، فقد استدل بغير دليل، لأن ذلك كان مِن تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام.

فصل

ومنها: قِسمة الغنائم، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره.

ومنها: أنه يجوز لآحادِ الجيش إذا وجد طعاما أن يأكلَه ولا يُخمسَه، كما أخذ عبد الله بن المغفل جِراب الشحْمِ الذي دُلي يومَ خيبر، واختص به بمحضر النبي ﷺ.

ومنها: أنه إذا لحق مددٌ بالجيش بعد تَقضّي الحرب، فلا سهمَ له إلا بإذن الجيش ورضاهم، فإن النبي ﷺ كلَم أصحابَه في أهل السفينة حينَ قَدِمُوا عليه بخيبر - جعفرٍ وأصحابه -أن يُسهِمَ لهم، فأسهم لهم.

فصل

ومنها تحريمُ لحوم الحُمُرِ الإِنسية، صح عنه تحريمُها يومَ خيبر، وصح عنه تعليلُ التحريم بأنها رِجسٌ، وهذا مقدَّمٌ على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها، لأنها كانت ظهرَ القوم وحَمُولَتهم، فلما قيل له: فنيَ الظهرُ وأكلت الحمر، حرمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها، لأنها لم تُخمس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية، وكانت تأكُلُ العَذِرَةَ، وكل هذا في الصحيح، لكن قولُ رسول الله ﷺ: "إنها رِجْسٌ" مقدَّم على هذا كلَه، لأنه مِن ظن الراوي، وقولِه بخلاف التعليل بكونها رجسًا.

ولا تعارضُ بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: { قُل لا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطعَمُه إِلَّا أَن يَكُونَ مَيتَةً أو دَمًا مَسْفُوحا، أَو لَحْمَ خَنْزِيرٍ فإِنَهُ رجس أَو فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللهِ به } [161]، فإنه لم يكن قد حُرِّمَ حينَ نزول هذه الآية مِن المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريمُ كانَ يتجدَدُ شيئًا فشيئًا، فتحريمُ الحُمُر بعد ذلك تحريمٌ مبتدأ لما سكت عنه النصُّ، لا أنه رافع لما أباحه القرآن، ولا مُخصص لعمومه، فضلًا عن أن يكون ناسخا. والله أعلم.

فصل

ولم تُحرم المتعةُ يومَ خيبر، وإنما كان تحريمُها عامَ الفتحِ هذا هو الصوابُ، وقد ظنَّ طائفة مِن أهل العلم أنه حرمها يومَ خيبر، واحتجوا بما في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أن رسولَ الله نَهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعَن أكل لحوم الحمر الإِنسية".

وفي الصحيحين أيضًا: أن عليًا رضي الله عنه، سمع ابن عباس يُلينُ في مُتعة النساء، فقال: مهلًا يا ابنَ عباس، فإن رسولَ الله ﷺ " نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية"، وفي لفظ للبخاري عنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإِنسية.

ولما رأى هؤلاء أن رسولَ الله ﷺ أباحها عامَ الفتح، ثم حرَمها، قالوا: حُرمَت، ثُم أبيحت، ثم حُرِّمَت.

قال الشافعي: لا أعلمُ شيئا حُرم، ثم أبيح، ثم حُرمَ إلا المتعة، قالُوا: نُسِخَتْ مرتين، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لم تُحرم إلا عامَ الفتح، وقبل ذلك كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الإخبار بتحريمها، وتحريمِ الحُمُر الأهلية، لأن ابن عباس كان يُبيحهما، فروى له علي تحرِيمَهما عن النبي ﷺ ردًا عليه، وكان تحريمُ الحُمُرِ يومَ خيبر بلا شك، وقد ذكر يومَ خيبر ظرفًا لتحريم الحُمُرِ، وأطلَقَ تحريمَ المتعة، ولمٌ يقيده بزمن، كما جاء ذلك في "مسند" الإمام أحمد بإسناد صحيح: أن رسول الله ﷺ "حرَّم لحومَ الحُمُرِ الأهلية يومَ خَيْبَر، وحرَّم مُتعة النساء" وفي لفظ: "حرَّم مُتعة النساء، وحرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية يومَ خَيْبَر"، هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلًا مميزًا، فظن بعضُ الرواة أن يومَ خَيْبَر زمنٌ للتحريمين، فقيَّدهما به، ثم جاء بعضُهم، فاقتصر على أحد المحرَّمين وهو تحريمُ الحُمُر، وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم.

وقصة خَيْبَر لم يكن فيها الصحابةُ يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله ﷺ، ولا نقلَه أحدٌ قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمُتعة فيها ذِكرٌ البتة، لا فِعلًا ولا تحريمًا، بخِلاف غزاة الفتح، فإن قصةَ المتعة كانت فيها فِعلًا وتحريمًا مشهورة، وهذه الطريقة أصحُّ الطريقتين.

وفيها طريقة ثالثة: وهى أن رسولَ الله ﷺ لم يُحرِّمها تحريمًا عامًا البتة، بل حرَّمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقةَ ابن عباس حتى كان يُفتى بها ويقولُ: هي كالميتةِ والدمّ ولحمِ الخنزير، تُباح عند الضرورة وخشيةِ العنت، فلم يفهم عنه أكثرُ الناسِ ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبَّبوا في ذلك بالأشعار، فلما رأى ابنُ عباس ذلك، رجع إلى القول بالتحريم.

فصل (في جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض وكيف عامل الرسول صلى الله عليه وسلم أهل خيبر)عدل

ومنها: جوازُ المساقاة والمزارعة بجُزء مما يخرُج مِن الأرض مِن ثمر أو زرع، كما عامل رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيْبَر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شىء، بل مِن باب المشاركة، وهو نظيرُ المضاربة سواء، فمَن أباح المضاربةَ، وحرَّم ذلك، فقد فرَّق بين متماثلين.

فصل

ومنها: أنه دفع إليهم الأرضَ على أن يعملُوها مِن أموالهم، ولم يدفع إليهم البِذْرَ، ولا كان يَحمِلُ إليهم البِذرَ من المدينة قطعًا، فدل على أن هَدْيَه عدمُ اشتراط كونِ البِذر مِن ربِّ الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هَدْيَ خلفائه الراشدينَ مِن بعده، وكما أنه هو المنقولُ، فهو الموافقُ للقياس، فإن الأرضَ بمنزلة رأس المال في القِراض، والبِذر يجرى مجرى سقى الماء، ولهذا يموتُ في الأرض، ولا يرجعُ إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشْتُرِطَ عودُه إلى صاحبه، وهذا يُفسِدُ المزارعة، فعُلِمَ أن القياسَ الصحيح هو الموافق لهَدْي رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم.

فصل

ومنها: خَرْصُ الثمار على رؤوس النخل وقِسمتها كذلك، وأن القسمة ليست بيعًا.

ومنها: الاكتفاءُ بخارِصٍ واحد، وقاسِمٍ واحد.

ومنها: جواز عقدِ المُهادنة عقدًا جائزًا للإمام فسخُه متى شاء.

ومنها: جوازُ تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عَقَدَ لهم رسولُ الله ﷺ بشرط أن لا يُغيِّبوا ولا يَكْتُموا.

ومنها: جوازُ تقريرِ أربابِ التُّهم بالعُقوبة، وأن ذلك من الشريعة العادلة لا مِن السياسة الظالمة.

ومنها: الأخذُ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي ﷺ لِكنانة: "المَالُ كَثيرٌ، والعَهْدُ قَرِيبٌ"، فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبته الحروبُ والنفقة.

ومنها: أن مَن كان القولُ قولَه إذا قامت قرينةٌ على كذبه، لم يُلتفت إلى قوله، ونُزِّلَ منزلة الخائن.

ومنها: أن أهلَ الذِّمة إذا خالفوا شيئًا مما شُرِطَ عليهم، لم يبق لهم ذِمة، وحلَّت دِماؤهم وأموالهم، لأن رسول الله ﷺ عقد لهؤلاء الهُدنة، وشرط عليهم أن لا يُغيِّبوا ولا يَكتُموا، فإن فعلوا حلَّت دِماؤهم وأموالُهم، فلما لم يفُوا بالشرط، استباحَ دماءَهم وأموالَهم، وبهذا اقتدى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب في الشروط التي اشترطها على أهل الذِّمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفُوا شيئًا منها، فقد حلَّ له منهم ما يَحِلُّ مِن أهل الشِّقاق والعَداوة.

ومنها: جوازُ نسخ الأمر قبل فِعله، فإن النبي ﷺ أمرهم بكسرِ القُدور، ثم نسخه عنهم بالأمر بِغَسْلِهَا.

ومنها: أن ما لا يُؤكل لحمُه لا يَطْهُر بالذَّكاة لا جِلدهُ ولا لحمه، وأن ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللَّحم.

ومنها: أن مَن أخذ مِن الغنيمة شيئًا قبل قسمتها لم يملكْه، وإن كان دونَ حقه، وأنه إنما يملِكُه بالقسمة، ولهذا قال في صاحب الشَّملة التي غلَّها: "إنَّها تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا". وقال لصاحب الشِّراك الذي غلَّه: "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ".

ومنها: أن الإمام مخيَّر في أرض العَنوة بين قِسمتها وتركها، وقَسْم بعضها، وتَرْكِ بعضها.

ومنها: جواز التفاؤُل بل استحبابُه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهورِ الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبي ﷺ برؤية المَساحى والفؤوس والمكاتِل مع أهل خَيْبَر، فإن ذلك فألٌ في خرابها.

ومنها: جواز إجلاء أهل الذِّمةِ من دار الإسلام إذا اسْتُغنِيَ عنهم، كما قال النبي ﷺ: "نُقِرُّكُم مَا أَقَرَّكمُ اللهُ"، وقال لكبيرهم: "كَيْفَ بكَ إذا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّام يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا"، وأجلاهم عمرُ بعد موته ﷺ، وهذا مذهبُ محمد بن جرير الطبري، وهو قولٌ قوى يسوغُ العملُ به إذا رأى الإمامُ فيه المصلحةَ.

ولا يُقال: أهل خَيْبَر لم تكن لهم ذِمة، بل كانُوا أهلَ هُدنة، فهذا كلام لا حاصِل تحته، فإنهم كانوا أهلَ ذِمة، قد أمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانًا مستمرًا، نعم لم تكن الجزيةُ قد شُرِعَت، ونزل فرضُها، وكانوا أهلَ ذِمة بغير جزية، فلما نزل فرضُ الجزية، استُؤنِفَ ضربُها على مَن يُعقد له الذِّمة مِن أهل الكِتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم، لكونهم ليسوا أهلَ ذِمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد.

وأما كونُ العقد غيرَ مؤبَّد، فذاك لمدة إقرارهم في أرض خَيْبَر، لا لمدة حقنِ دمائهم، ثم يستبيحها الإمامُ متى شاء، فلهذا قال: "نُقِرُّكُمْ ما أقرَّكمُ اللهُ أَوْ مَا شَئْنَا"، ولم يقل: نحقِنُ دماءكم ما شئنا، وهكذا كان عقدُ الذمة لقُريظة والنَّضير عقدًا مشروطًا، بأن لا يُحاربوه، ولا يُظاهِرُوا عليه، ومتى فعلوا، فلا ذِمة لهم، وكانوا أهلَ ذِمة بلا جزية، إذ لم يكن نزلَ فرضُها إذ ذاك، واستباحَ رسولُ الله ﷺ سَبْيَ نسائهم وذرارِيهم، وجعل نقضَ العهد ساريًا في حق النِّساء والذُرِّية، وجعل حُكم الساكت والمقر حُكمَ الناقِضِ والمحارب، وهذا موجبُ هَدْيه ﷺ في أهل الذِّمة بعد الجزية أيضًا، أن يسريَ نقضُ العهد في ذُرِّيتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقِضُون طائفةً لهم شَوْكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحدًا مِن طائفة لم يُوافقه بقيتهم، فهذا لا يسرى النقضُ إلى زوجته وأولاده، كما أن مَن أهدر النبي ﷺ دماءهم ممن كان يسبُّه، لَمْ يَسْبِ نساءَهم وذُرِّيتهم، فهذا هَدْيُه في هذا، وهو الذي لا محيدَ عنه. وبالله التوفيق.

ومنها: جوازُ عِتق الرجل أَمَتَه، وجعل عِتقها صَداقًا لها، ويجعلها زوجتَه بغير إذنها، ولا شهودٍ، ولا ولى غيره، ولا لفظِ إنكاح ولا تزويجٍ، كما فعل ﷺ بصفيَّة، ولم يقل قطّ: هذا خاصٌ بي، ولا أشار إلى ذلك، مع علمه باقتداء أُمَّته به، ولم يقُلْ أحد من الصحابة: إن هذا لا يصْلُح لغيره، بل رَوَوُا القِصة ونقلُوها إلى الأُمَّة، ولم يمنعوهم، ولا رسولُ الله ﷺ من الاقتداء به في ذلك، والله سبحانه لمَّا خصَّه في النكاح بالموهوبة قال: { خَالِصةً لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } [162]، فلو كانت هذه خالِصة له من دون أُمَّته، لكان هذا التخصيصُ أولى بالذِكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تَهَبُ نفسَها للرجل لنُدرته، وقِلَّته، أو مثله في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأُمَّة له، واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع الاقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز، هذا شبهُ المحال، ولم تجتمع الأُمَّة على عدم الاقتداء به في ذلك، فيجب المصيرُ إلى إجماعهم. وبالله التوفيق.

والقياس الصحيحُ: يقتضى جوازَ ذلك، فإنه يملِكُ رقبتَها، ومنفعة وطئها، وخدمتها، فله أن يُسقِطَ حقَّه مِن مِلك الرقبة، ويستبقى مِلك المنفعةِ، أو نوعًا منها، كما لو أعتق عبدَه، وشرط عليه أن يخدِمَه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبةَ ملكه، واستثنى نوعًا مِن منفعته، لم يُمنع من ذلِكَ في عقد البيع، فكيف يُمنع منه في عقد النكاح، ولما كانت منفعةُ البُضع، لا تُستباح إلا بعقدِ نكاح أو مِلك يمين، وكان إعتاقُها يُزِيلُ ملكَ اليمين عنها، كان مِن ضرورة استباحة هذه المنفعة، جعلُها زوجة، وسيدها كان يلى نكاحها، وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يَملِكُه منها، ولما كان مِن ضرورته عقدُ النكاح ملكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يَتِمُّ إلا به، فهذا محضُ القياس الصحيح الموافق للسُّنَّة الصحيحة. والله أعلم.

ومنها: جوازُ كذب الإنسانِ على نفسه وعلى غيره، إذا لم يتضمَّن ضرَر ذلك الغير إذا كان يُتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجَّاحُ بن عِلاط على المسلمين، حتى أخذَ مالَه مِن مكة مِن غير مضرَّة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين من الأذى والحزن، فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلَ الفرح والسرور، وزيادةَ الإيمان الذي حصل بالخبرِ الصَّادِق بعد هذا الكذب، فكان الكذبُ سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة، ونظيرُ هذا الإمامُ والحاكمُ يوهِمُ الخصمَ خلافَ الحق لِيتوصل بذلك إلى استعلام الحقِّ، كما أوهم سليمانُ بن داود إحدى المرأتين بِشَقِّ الولد نِصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عَيْن الأُم.

ومنها: جوازُ بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبها معه على دابة بين الجيش.

ومنها: أن مَنْ قتل غيره بسُمٍّ يَقْتُلُ مثله، قُتِلَ بِهِ قِصاصًا، كما قُتِلَتِ اليهوديةُ ببشر بن البراء.

ومنها: جوازُ الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وحِلُّ طعامهم.

ومنها: قبولُ هديةِ الكافر. فإن قيل: فلعل المرأةَ قُتِلَتْ لنقض العهد لِحرابها بالسُّمِّ لا قِصاصًا، قيل: لو كان قتلُها لنقض العهد، لقُتِلَت من حين أقرَّت أنها سمَّت الشاة، ولم يتوقف قتلُها على موت الآكل منها.

فإن قيل: فهلَّا قُتِلَتْ بنقضِ العهد؟ قيل: هذا حُجَّةُ مَن قال: إن الإمام مخيَّر في ناقض العهد، كالأسير.

فإن قيل: فأنتم تُوجبون قتله حتمًا كما هو منصوص أحمد، وإنما القاضي أبو يعلى ومَن تبعه قالوا: يُخيَّر الإمامُ فيه، قيل: إن كانت قِصةُ الشاة قبلَ الصُّلح، فلا حُجَّةَ فيها، وإن كانت بعدَ الصلح، فقد اختُلِفَ في نقضِ العهد بقتل المسلم على قولين، فمَن لم ير النقضَ به، فظاهر، ومَن رأى النقضَ به، فهل يتحتمُ قتلُهُ، أو يُخيَّر فيه، أو يفصِلُ بينَ بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتم قتلُه بسبب السبب، ويُخيَّر فيه إذا نقضه بحرابه، ولحوقه بدار الحرب، وإن نقضه بسواهما كالقتل، والزنى بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدو على عَوْراتهم؟ فالمنصوصُ: تَعيُّنُ القتل، وعلى هذا فهذه المرأةُ لما سمَّتِ الشاةَ، صارت بذلك محاربة، وكان قتلُها مُخيَّرًا فيه، فلما مات بعضُ المسلمين من السُّم، قُتِلَتْ حتمًا إما قِصاصًا، وإما لنقض العهد بقتلها المسلم، فهذا محتمل. والله أعلم.

واختُلِف في فتح خَيْبَر: هل كان عَنوة، أو كان بعضُها صلحًا، وبعضُها عَنوة؟

فروى أبو داود من حديث أنس: "أن رسولَ الله ﷺ غزا خَيْبَرَ، فأصبناها عَنوة فَجُمِعَ السبي".

وقال ابنُ إسحاق: سألتُ ابنَ شهاب، فأخبرني أن رسولَ الله صلى الله عليه سلم افتتح خَيْبَرَ عَنوَةً بعد القتال.

وذكر أبو داود، عن ابن شهاب: "بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خَيْبَرَ عَنوةً بعد القتالِ، ونزل مَن نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال".

قال ابنُ عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خَيْبَر، أنها كانت عَنوة كلّها مغلوبًا عليها، بخلافِ فَدَك، فإنَّ رسولَ الله ﷺ قسم جميعَ أرضِها على الغانمين لها، المُوجِفين عليها بالخيلِ والرِّكاب، وهم أهلُ الحُديبية، ولم يختلفِ العلماءُ أن أرض خَيْبَرَ مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تُقسم الأرض إذا غُنِمَتِ البلادُ أو توقَف؟

فقال الكوفيون: الإمام مخيَّرٌ بين قِسمتها كما فعل رسولُ الله ﷺ بأرضِ خَيْبَر، وبين إيقافها كما فعل عُمَرُ بسوادِ العراق.

وقال الشافعي: تُقسم الأرض كُلُّهَا كما قَسَمَ رسولُ الله ﷺ خَيْبَرَ، لأن الأرضَ غنيمةٌ كسائر أموال الكفار.

وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين، وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعتُ عمر يقول: "لَوْلا أنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لا شَىء لَهُمْ ما افْتَتَحَ المُسْلِمُونَ قَرْيَةً إلَّا قَسَمْتُها سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ سُهْمَانًا".

وهذا يدل على أن أرضَ خَيْبَر قُسِمَتْ كُلُّهَا سُهمانًا كما قال ابنُ إسحاق.

وأما مَن قال: إن خَيْبَر كان بعضُها صلحًا، وبعضُها عَنوة، فقد وهم وغَلِطَ، وإنما دخلت عليهم الشبهةُ بالحِصنين اللَّذينِ أسلمهما أهلُهُما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهلُ ذينك الحِصنين مِن الرجال والنساء والذُرِّية مغنومين، ظن أن ذلك لصلح، ولعمرى إن ذلك في الرجال والنساء والذُرِّية، كضربٍ من الصلحِ، ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتالِ، فكان حكمُ أرضهما حكمَ سائر أرضِ خَيْبَر كلِّها عَنوة غنيمةً مقسومةً بين أهلها.

وربما شُبِّهَ على مَن قال: إن نصفَ خَيْبَر صُلحٌ، ونصفها عَنوة، بحديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: "أن رسولَ الله ﷺ قسم خَيْبَرَ نِصفين: نصفًا له، ونِصفًا لِلمسلمين".

قال أبو عمر: ولو صح هذا، لكان معناه أنَّ النِّصْفَ له مع سائر مَن وقع في ذلك النصف معه، لأنها قُسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهمُ للنبي صلى الله عله وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهمًا، ووقع سائرُ الناس في باقيها، وكُلُّهُم ممن شهد الحُديبية ثم خَيْبَرَ، وليست الحصونُ التي أسلمها أهلُها بعد الحصار والقتال صُلحًا، ولو كانت صُلحًا لملكها أهلُها كما يملك أهلُ الصُّلْحِ أرضَهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب، هذا آخر كلام أبى عمر.

قلت: ذكر مالك، عن ابن شهاب، أن خَيْبَرَ كان بعضُها عَنوة، وبعضُها صلحًا، والكُتيبة أكثُرها عَنوةً، وفيها صلح، قال مالك: والكُتيبة أرضُ خَيْبَرَ، وهو أربعون ألف عَذق.

وقال مالك: عن الزهري، عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة".

فصل

ثم انصرف رسولُ اللهِ ﷺ مِن خَيْبَر إلى وادى القُرَى، وكان بها جماعةٌ من اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي، وهم على غير تعبئةٍ، فقُتِلَ مِدْعَمٌ عبدُ رسول اللهِ ﷺ، فقال النَّاس: هنيئًا له الجنَّةُ، فقال النبي ﷺ: " كَلَّا والذي نفسي بِيَدِهِ، إنَّ الشَّمْلَةَ التي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِم، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا "، فلما سمع بذلك الناس، جاء رجل إلى النبي ﷺ بِشِرَاكٍ أو شِرَاكين، فقال النبي ﷺ: "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أوْ شراكان مِنْ نارٍ".

فعبَّأ رسولُ الله ﷺ أصحابه لِلقتال، وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعدِ بْنِ عُبادة، ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سَهل بن حُنيف، وراية إلى عبَّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا، أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءَهم وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبيرُ بن العوَّام، فقتله، ثم برز آخرُ، فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قُتِلَ منهم أحد عشرَ رجلًا، كلما قُتِلَ منهم رجلٌ، دعا مَن بقى إلى الإسلامِ، وكانت الصلاة تحضُر ذلك اليومَ، فيُصلِّي بأصحابه، ثم يعودُ فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أَمْسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطَوْا ما بأيديهم، وفتحها عَنوة، وغنمه اللهُ أموالهم، وأصابُوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا، وأقام رسول الله ﷺ بوادى القُرَى أربعةَ أيًَّام، وقسم ما أصابَ على أصحابه بوادى القُرَى، وترك الأرضَ والنخل بأيدى اليهود، وعامَلهم عليها، فلما بلغ يهودَ تيماءَ ما واطأ عليه رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيْبَر وفَدَك ووادى القُرَى، صالحوا رسولَ الله ﷺ، وأقاموا بأموالهم، فلما كانَ زمنُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، أخرج يهود خَيْبَر وفَدَك، ولم يُخرج أهلَ تيماء ووادى القُرَى، لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادى القُرَى إلى المدينة حِجاز، وأن ما وراء ذلك مِن الشام وانصرف رسولُ الله ﷺ راجعًا إلى المدينة.

فلما كانَ ببعضِ الطريق، سار ليله حتَّى إذا كان ببعض الطريق أدركهم الكَرى، عرَّس، وقال لبلال: "اكلأ لَنا اللَّيْلَ" [163]، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمسُ، فكان رسولُ الله ﷺ أوَّلَهُم استيقاظًا، فَفَزِعَ رسولُ الله ﷺ، فقال: "أىْ بلالُ"؟ فقال: أخذَ بنفسي الذي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، بأبى أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ. فاقتادوا رواحلهم شيئًا حتى خرجُوا مِن ذلك الوادي، ثم قال: "هذا وادٍ به شَيْطَانٌ"، فلما جاوزه، أمرهم أن ينزِلُوا وأن يتوضؤوا، ثم صلَّى سُنَّة الفجر، ثم أمر بلالًا، فأقام الصلاة، وصلَّى بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّ اللهَ قَبضَ أَرْوَاحَنا، ولَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إلَيْنَا في حِين غَيْرِ هذا، فإذا رَقَدَ أَحَدُكُم عَنِ الصَّلاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إليها فَلْيُصَلِّها كمَا كانَ يُصَلِّيهَا في وَقْتِهَا"، ثم التفتَ رسولُ الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: "إنَّ الشَّيْطَانَ أتى بِلالًا، وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فَأضْجَعَه فَلَمْ يَزَلْ يُهدِّئه كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبيُّ حَتَّى نام "، ثم دعا رسول الله ﷺ بلالًا، فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر. وقد رُوى أن هذه القصة كانت في مرجعهم مِن الحدَيبية، ورُوى أنها كانت في مرجعهم مِن غزوة تبوك، وقد روى قِصَّة النومِ عن صلاةِ الصبح عِمرانُ بن حُصين، ولم يُوقِّت مدتَها، ولا ذكر في أي غزوة كانت، وكذلك رواها أبو قتادة كلاهما في قصة طويلة محفوظة.

وروى مالك، عن زيد بن أسلم: أن ذلك كان بطريق مكة، وهذا مرسل.

وقد روى شعبة، عن جامع بن شداد، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحُديبية، فقال النبي ﷺ: "مَنْ يَكْلَؤنا"؟ فقال بلال: أنا، فذكر القصة.

لكن قد اضطربت الرواةُ في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة، عن جامع: إن الحارس فيها كان ابنَ مسعود، وقال غُنْدَرٌ عنه: إن الحارس كان بلالًا، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمِرُ بنُ سليمان: عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيرُه عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحُديبية، فدل على وهمٍ وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة مِن ذلك. وبالله التوفيق.

فصل في فقه هذه القصةعدل

فيها: أن من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتُها حينَ يستيقظ أو يذكرُها.

وفيها: أن السنن الرواتبَ تُقضَى، كما تُقضَى الفرائض، وقد قضى رسولُ الله ﷺ سُنَّةَ الفجر معها، وقضى سُنَّةَ الظهر وحدها، وكان هَديُه ﷺ قضاءَ السنن الرواتب مع الفرائض.

وفيها: أن الفائتة يُؤذَّن لها ويُقام، فإن في بعض طرق هذه القصة، أنه أمر بلالًا، فنادى بالصلاة، وفى بعضها: فأمر بلالًا، فأذَّن وأقام ذكره أبو داود.

وفيها: قضاء الفائتة جماعة.

وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: "فليُصلِّها إذا ذكرها"، وإنما أخَّرها عن مكان مُعرَّسِهم قليلًا، لكونه مكانًا فيه شيطان، فارتحل منه إلى مكان خيرٍ منه، وذلك لا يفُوِّت المبادرة إلى القضاء، فإنهم في شغل الصلاة وشأنها.

وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان. كالحمَّام، والحُشِّ بطريق الأَوْلى، فإن هذه منازِلُه التي يأوى إليها ويسكُنها، فإذا كان النبي ﷺ، ترك المبادرةَ إلى الصلاة في ذلك الوادي، وقال: "إن به شيطانًا"، فما الظن بمأوى الشيطان وبيته.

فصل

ولما رجع رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائِحَهم التي كانوا منحُوهم إياها مِن النخيل حين صار لهم بخَيْبَر مالٌ ونخيلٌ، فكانت أُمُّ سُليم وهى أُم أنس بن مالك أعطت رسولَ الله ﷺ عِذَاقًا، فأعطاهن أُمَّ أيمن مولاته، وهي أُم أُسامة بن زيد، فردَّ رسولُ الله ﷺ على أُم سُليم عِذاقها، وأعطى أُم أيمن مكانهن من حائطه مكانَ كل عَذق عشرة.

فصل

وأقام رسولُ الله ﷺ في المدينة بعد مقدَمه مِن خَيْبَر إلى شوَّال، وبعث في خلال ذلك السرايا.

فمنها: سريةُ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه إلى نجدٍ قِبَلَ بنى فَزارة، ومعه سلمةُ بنُ الأكوع، فوقع في سهمه جاريةٌ حسناء، فاستوهبها مِنه رسولُ الله ﷺ، وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة.

ومنها: سريةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثلاثين راكبًا نحو هوازن، فجاءهم الخبر، فهربوا وجاؤوا محالهم، فلم يَلْقَ منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة، فقال له الدليل: هل لك في جمعٍ من خَثْعَم جاؤوا سائرين، وقد أجدبت بلادُهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسولُ الله ﷺ بهم، ولم يَعْرِضْ لهم.

ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا، فيهم عبد الله بن أنيس إلى يسير بن رِزَام اليهودي، فإنه بلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غَطفان لِيغزوه بهم، فأتوه بخَيْبَر فقالوا: أرسلنا إليك رسولُ الله ﷺ ليستعملك على خَيْبَر، فلم يزالوا حتى تَبِعَهم في ثلاثين رجلًا مع كُلِّ رجل منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بلغوا قَرقرة نِيار وهى من خَيْبَر على ستة أميال ندم يسير، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد الله بن أنيس، فزجر بعيره، ثم اقتحم عن البعير يسوقُ القوم حتى إذا استمكن مِن يسير، ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفى يده مِخرشَ من شوحط، فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومَة، فانكفأ كُلُّ رجل من المسلمين على رديفه، فقتله غيرَ رجل مِن اليهود أعجزهم شدًا، ولم يُصَبْ مِن المسلمين أحدٌ، وقدموا على رسول الله ﷺ، فبصق في شجَّة عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ، ولم تُؤذه حتى مات.

ومنها: سريةُ بشير بن سعد الأنصاري إلى بنى مُرَّة بفدك في ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم، فلقي رِعاء الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعم، ورجع إلى المدينة، فأدركه الطلبُ عند الليل، فباتُوا يرمونهم بالنَبْلِ حتى فنى نَبْلُ بشير وأصحابه، فولَّى منهم مَنْ ولَّى، وأُصيب منهم مَنْ أُصيب، وقاتل بشير قتالًا شديدًا، ورجع القومُ بنَعمهم وشائهم، وتحامل بشيرٌ حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برئت جِراحه، فرجع إلى المدينة.

ثم بعث رسولُ الله ﷺ سرية إلى الحُرَقَةِ من جُهينة، وفيهم أسامةُ بن زيد، فلما دنا منهم، بعث الأميرُ الطلائع، فلما رجعوا بخبرهم، أقبل حتى إذا دنا منهم ليلًا، وقد احتلبوا وهدؤوا، قام فحمدَ الله، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وحدَه لا شريكَ له، وأن تُطيعونى، ولا تعصونى، ولا تُخالفوا أمرى، فإنه لا رأى لمن لا يُطاع، ثم رتبهم وقال: يا فلان، أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يُفارِقْ كلٌ منكما صاحِبَه وزميله، وإياكم أن يَرْجع أحد منكم، فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبَّرتُ، فكبِّروا، وجرَّدوا السيوف، ثم كَبَّروا، وحملوا حملة واحدة، وأحاطُوا بالقوم، وأخذتهم سيوفُ الله، فهم يضعونها منهم حيث شاؤوا، وشعارهم: أَمِتْ أمِتْ، وخرج أُسامة في أثر رجل منهم يقال له مِرداسُ بن نَهِيك، فلما دنا منه، وَلَحَمَهُ بالسيف، قال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم استاقوا الشَّاءَ والنَّعم والذُّرِّيَّة، وكانت سُهمانُهم عشرة أبعرة لكل رجُل أو عِدْلَها من النَّعم، فلما قَدِمُوا على رسول الله ﷺ، أُخبر بما صنع أُسامة، فكَبُر ذلك عليه، وقال: "أقتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ؟" فَقَالَ: إنَّمَا قالها متعوِّذًا، قال: "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه" ثم قال: "مَنْ لَكَ بلا إله إلَّا اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ "، فما زال يُكرر ذلك عليه حتى تمنَّى أن يكون أسلمَ يومئذ وقال: يا رسولَ الله؛ أُعطي الله عهدا ألا أقتُل رجلا يقول: لا إله إلا الله، فقال رسولُ الله ﷺ: "بعدي" فقال أُسامة: بعدك.

فصل

وبعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكَلبى إلى بنى المُلَوَّح بالكَدِيد، وأمره أن يُغير عليهم.

قال ابن إسحاق: فحدثني يعقوبُ بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهنى، عن جندب بن مَكيث الجُهنى، قال: كنتُ في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بِقَدِيد لَقِينَا به الحارث بن مالك بن البَرْصَاء الليثى، فأخذناه، فقال: إنما جئتُ لأسلم، فقال له غالب بن عبد الله: إن كنتَ إنما جئتَ لِتسلم، فلا يضرُّك رِباطُ يوم وليلة، وإن كنتَ على غير ذلك، استوثقنا مِنك، فأوثقه رِباطًا وخلَّف عليه رُويجلًا أسود، وقال له: امكث معه حتى نمر عليك، فإذا عَازَّك، فاحتَّز رأسَه، فمضينا حتى أتينا بطن الكَدِيد، فنزلناه عشيةً بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فَعَمَدْتُ إلى تل يُطلعنى على الحاضر، فانبطحتُ عليه، وذلك قبلَ غروب الشمس، فخرج رجل منهم، فنظر فرآنى منبطِحًا على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سَوادًا على هذا التلِّ ما رأيتُه في أوَّلِ النهار، فانظرى لا تكونُ الكِلابُ اجترَّت بعضَ أوعيتك، فنظرتْ، فقالت: لا واللهِ لا أفقد شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولته، فرمانى بسهم، فوضعه في جنبى، فنزعته فوضعتُه ولم أتحرك، ثم رمانى بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعتُه فوضعتُه ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما واللهِ، لقد خالطه سهامي، ولو كان ربيئةً لتحرَّك، فإذا أصبحتِ، فابتغى سَهْمَيَّ فخُذيهما لا تمضغهما الكلاب عليَّ، قال: فأمهلناهم حتى إذا راحت روائحهم، واحتلبُوا وسكنوا، وذهبت عَتَمَةُ الليل، شننا عليهم الغارة، فقتلنَا مَن قتلنا، واستقنا النَّعم، فوجهنا قافلين به، وخرج صريخُهم إلى قومهم، وخرجنا سِراعًا حتى نمر بالحارث بن مالك وصاحِبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخُ الناس، فجاءنا ما لا قِبَلَ لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطنُ الوادي مِن قُدَيْدٍ، أرسل اللهُ عزَّ وجَلَّ من حيث شاء سيلًا، لا واللهِ ما رأينا قبل ذلك مطرًا، فجاء بما لا يقدر أحد يَقْدَمُ عليه، فلقد رأيتُهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يَقْدِرُ أحد منهم أن يقدَم عليه، ونحن نَحْدوها، فذهبنا سِراعًا حتى أسندناها في المُشلَّل، ثم حدرناها عنه، فأعجزنا القومَ بما في أيدينا.

وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها. والله أعلم.

فصل

ثم قدم حُسيل بن نُويرة، وكان دليلَ النبي ﷺ إلى خَيْبَر، فقال له النبي ﷺ: "ما وراءك"؟ قال: تركتُ جمعًا من يَمَن وغَطَفَان وحيَّان، وقد بعث إليهم عُيينة: إما أن تسيروا إلينا، وإما أن نَسيرَ إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا، وهم يُريدونك، أو بعضَ أطرافك، فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر، فذكر لهما ذلك، فقالا جميعًا: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنُوا النهار، وخرج معهم حُسيل دليلًا، فساروا الليل وكمنوا النَّهارَ، حتى أتوا أسفلَ خَيْبَر، حتى دَنَوْا مِن القوم، فأغاروا على سرحهم وبلغ الخبرُ جمعهم فتفرَّقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالَّهم، فيجدُها ليس بها أحد، فرجع بالنَّعم، فلما كانوا بسلاح، لَقُوا عينًا لعُيينة، فقتلوه، ثم لقُوا جمعَ عُيينة وعُيينة لا يشعُرُ بهم، فناوشوهم، ثم انكشفَ جمع عُيينة، وتبعهم أصحابُ رسول الله ﷺ، فأصابُوا منهم رجلين، فَقَدِمُوا بهما على النبي ﷺ، فأسلما فأرسلهما.

وقال الحارث بن عوف لعُيينة وقد لقيه منهزمًا تعدُو به فرسه: قف. قال: لا أقدِرُ خلفى الطلب، فقال له الحارث: أما آن لك أن تُبصرَ بعضَ ما أنت عليه، وأن محمدًا قد وطأ البلادَ، وأنت تُوضع في غير شىء؟ قال الحارث: فأقمتُ مِن حين زالت الشمسُ إلى الليل وما أرى أحدًا، ولا طلبوه إلا الرعبَ الذي دخله.

فصل

وبعث رسول الله ﷺ ابن أبي حَدْرَدٍ الأسلمي في سَرِيَّة، وكان مِن قصته ما ذكر ابن إسحاق، أن رجلًا من جُشَم بنِ معاوية، يقال له: قيس بن رفاعة، أو رِفاعة بن قيس، أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يُريد أن يجمع قَيْسًا على محاربة رسول الله ﷺ، وكان ذا اسم وشَرَفٍ في جُشَم، قال: فدعانى رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: "اخرُجُوا إلى هذا الرَّجُلِ حَتَّى تَأتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ وعِلْمٍ"، فقدَّم إلينا شارفًا عجفاءَ، فَحُمِلَ عليها أحدُنا، فواللهِ ما قامت به ضعفًا حتى دعمها الرجالُ من خلفها بأيديهم حتى استقلَّت وما كادت، وقال: "تَبَلَّغُوا عَلَى هَذِهِ" فخرجنا ومعنا سِلاحُنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبًا من الحاضر مع غروب الشمس، فكَمَنْتُ في ناحيةٍ، وأمرتُ صاحبيَّ، فكمنا في ناحية أُخرى مِن حاضر القوم، قلت لهما: إذا سمعتمانى قد كبَّرتُ وشددتُ في ناحية العسكر، فكبِّرا وشُدَّا معى، فواللهِ إنَّا كذلك ننتظر أن نرى غِرة أو نرى شيئًا، وقد غَشِيَنَا الليلُ حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم، حتى تخوَّفُوا عليه، فقام صاحبُهم رِفاعة بن قيس، فأخذ سيفَه، فجعله في عنقه، وقال: واللهِ لأتبَعَنَّ أثر راعينا هذا، واللهِ لقد أصابه شرٌ، فقال نفر ممن معه: واللهِ لا تذهبُ، نحنُ نكفيكَ. فقال: واللهِ لا يذهبُ إلا أنا. قالوا: فنحن معك، وقال: واللهِ لا يتبعُنى منكم أحد، وخرج حتى يمرَّ بي، فلما أمكننى، نفحتُه بسهم فوضعتُه في فؤاده، فواللهِ ما تكلَّم، فوثبتُ إليه فاحتززتُ رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر، وكبَّرتُ، وشدَّ صاحبَاى فكبَّرا، فواللهِ ما كان إلا النجاءُ ممن كان فيه: عندك عندك بكلِّ ما قدرُوا عليه من نسائهم وأبنائهم، وما خفَّ معهم من أموالهم، واستقنا إبلًا عظيمة، وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ، وجئتُ برأسه أحمله معى، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرًا في صداقى، فجمعتُ إليَّ أهلي، وكنتُ قد تزوجتُ امرأة من قومي، فأصدقتها مائتي درهم، فجئتُ رسول الله ﷺ أستعينُه على نكاحى، فقال: "والله ما عندي ما أعينك"، فلبثتُ أيامًا، ثم ذكر هذه السرية.

فصل (في بعثه سرية إلى إضم)عدل

وبعث سرية إلى إضَم، وكان فيهم أبو قَتادة، ومُحلِّم بن جَثَّامة في نفر من المسلمين، فمرَّ بهم عامِرُ بن الأضبط الأشجعي على قَعودٍ له معه مُتَيِّعٌ له، ووطَبٌ مِن لَبن، فسلَّم عليهم بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه، وحمل عليه مُحُلِّم بنُ جَثَّامة فقتله لشئ كان بينه وبينه، وأخذ بعيرَه ومُتَيِّعه، فلما قَدِمُوا على رسول الله ﷺ، أخبرُوه الخبر، فنزل فيهم القرآن: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيَرةٌ، كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِّنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتبَيَّنُواْ، إنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [164]، فلما قدموا، أُخْبِرَ رسولُ الله ﷺ بذلكَ، فقال رسولُ الله ﷺ: "أقتلتَه بعد ما قال آمنتُ بالله؟".

ولما كان عامُ خَيْبَر، جاء عُيينةُ بن بدرٍ يطلُب بِدَمِ عامر بن الأضبط الأشجعي وهو سيِّدُ قَيْس، وكان الأقرعُ بنُ حابس يرُدُّ عن مُحَلِّم، وهو سيدُ خِنْدِف، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر: "هَلْ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا الآن مِنَّا خَمْسِينَ بَعيرًا وخَمْسِينَ إذا رَجَعْنَا إلى المدينة"؟ فقال عُيينةُ بنُ بدر: واللهِ لا أدعُه حتى أُذيقَ نساءه من الحُرقة مثل ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتَّى رضُوا بالدية، فجاؤوا بمُحلِّم حتى يستغفر له رسولُ الله ﷺ، فلما قام بين يديه، قال: "اللهُمَّ لا تَغْفِرْ لمحلِّم" وقالها ثلاثًا، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.

قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك، قال ابن إسحاق: وحدثني سالم أبو النضر، قال: لم يقبلوا الديةَ حتى قام الأقرعُ بنُ حابس، فخلا بهم، فقال: يا معشر قَيْس؛ سألكم رسولُ الله ﷺ قتيلًا تترُكُونه لِيُصلحَ به بين النَّاس، فمنعتمُوه إياه. أفأمِنْتُم أن يغضَبَ عليكم رسولُ الله ﷺ، فيغضبَ اللهُ عليكم لِغضبه، أو يلعَنَكُم رسولُ الله ﷺ، فيلعَنَكُم اللهُ بلعنته، واللهِ لتُسْلِمُنَّه إلى رسول الله ﷺ، أو لآتِيَنَّ بخمسين من بنى تميم كُلُّهم يشهدُون أن القتيل ما صلَّى قَط فلأطُلَّنَّ دمه، فلما قال ذلك: أخذُوا الدية.

فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهميعدل

ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: نزلَ قولُه تعالى: { يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } [165]، في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسولُ الله ﷺ في سَرِيَّةٍ.

وثبت في الصحيحين أيضًا من حديث الأعمش، عن سعيد بن عُبيدة، عن أبى عبد الرحمن السُّلَمى، عن علي رضي الله عنه، قال: استعملَ رسولُ الله ﷺ رجُلًا مِنَ الأنصارِ على سَرِيَّةٍ، بعثَهم وأمرهم أن يسمعُوا له ويُطِيعُوا، قال: فأغضبُوه في شىءٍ، فقال: اجمعوا لي حَطَبًا، فجمعوا، فقال: أَوْقِدُوا نارا، فأوقَدُوا، ثم قال: ألم يَأْمُرْكُم رسولُ اللهِ ﷺ أن تسمعُوا لي وتُطيعوا؟ قالُوا: بَلَى، قال: فادْخُلُوهَا، قال: فنظر بعضُهم إلى بعضٍ، وقالُوا: إنما فَرَرْنَا إلى رسولِ اللهِ ﷺ مِن النَّار. فَسَكَن غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النَّارُ، فلما قَدِمُوا على رسول الله ﷺ ذكرُوا ذلك له فقال: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعْرُوف".

وهذا هو عبد الله بن حُذافة السهمي.

فإن قيل: فلو دخلُوها دخلُوها طاعة للهِ ورسُولِه في ظنهم، فكانوا متأوِّلين مخطئين، فكيف يُخَلَّدُون فيها؟ قيل: لما كان إلقاءُ نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتِلي أنفسهم، فهمُّوا بالمُبَادرة إليها من غير اجتهاد منهم: هل هُو طاعةٌ وقُربة أو معصيةٌ؟ كانوا مُقْدِمينَ على ما هو محرَّم عليهم، ولا تَسوغُ طاعةُ ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الخالق، فكانت طاعةُ مَنْ أمرهم بدخول النار معصيةً للهِ ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سببَ العُقوبة، لأنها نفسُ المعصية، فلو دخلُوها، لكانُوا عُصاةً للهِ ورسولِه، وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تدفع طاعتُهم لولي الأمرِ معصيتَهم للهِ ورسوله، لأنهم قد عَلِمُوا أن مَن قتل نفسه، فهو مستحِقٌ للوعيد، واللهُ قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يُقْدِمُوا على هذا النهي طاعة لمن لا تَجِبُ طاعتُه إلا في المعروف.

فإذا كان هذا حُكْمَ مَنْ عذَّب نفسه طاعة لولى الأمر، فكيف مَن عذَّب مسلمًا لا يجوز تعذيبُه طاعة لولى الأمر.

وأيضًا فإذا كان الصحابةُ المذكورون لو دخلُوها لما خرجوا منها مع قصدِهم طاعةَ اللهِ ورسوله بذلك الدخولِ، فكيف بمن حمله على ما لا يجوزُ مِن الطاعة الرغبةُ والرهبةُ الدنيوية.

وإذا كان هؤلاء لو دخلُوها، لما خرجوا منها مع كونهم قصدُوا طاعة الأمير، وظنُّوا أن ذلك طاعةٌ للهِ ورسوله، فكيف بمن دخلها مِن هؤلاء المُلَبِّسين إخوان الشياطين، وأوهمُوا الجُهَّالَ أن ذلك ميراثٌ من إبراهيم الخليل، وأن النار قد تصيرُ عليهم بَرْدًا وسلامًا، كما صارت على إبراهيم، وخيارُ هؤلاء ملبوسٌ عليه يظنُّ أنه دخلها بحال رحمانى، وإنما دخلها بحالِ شيطانى، فإذا كان لا يعلم بذلك، فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به، فهو مُلبِّسٌ على الناس يُوهمهم أنه مِن أولياء الرحمن، وهو مِن أولياء الشيطان، وأكثرُهم يدخلها بحال بُهتانى وتحيُّل إنسانى، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثةُ أصناف: ملبوسٌ عليه، وملبِّس، ومتحيِّل، ونار الآخرة أشد عذابًا وأبقى.

فصل في عمرة القضيةعدل

قال نافع: كانت في ذي القَعدة سنةَ سبع، وقال سليمان التيمي: لما رجعَ رسولُ الله ﷺ من خيبر، بعث السَّرايا، وأقام بالمدينةِ حتى استهل ذو القَعدة، ثم نادى في النَّاس بالخروج.

قال موسى بن عقبة: ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ من العام المقبل مِن عام الحُديبية معتمرًا في ذي القَعدة سنةَ سبع، وهو الشهر الذي صدَّه فيه المشركون عن المسجدِ الحرام، حتى إذا بلغ يَأْجُج، وضع الأداة.

كُلَّهَا: الجَحَف والمِجَانَّ، والنَّبل والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكبِ السيوفِ، وبعث رسولُ الله ﷺ جعفرَ بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنتِ الحارث ابن حَزْنِ العامِرِيَّة، فخطبها إليه، فجعلت أمرَها إلى العبَّاس بن عبد المطلب، وكانت أُختها أُم الفضل تحتَه، فزوَّجَهَا العباسُ رسولَ اللهِ ﷺ، فلما قَدِمَ رسول الله ﷺ، أمر أصحابه فقال: "اكْشِفُوا عَنِ المَنَاكِب، واسْعَوْا في الطَّوَاف"، لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم وقُوَّتَهم. وكان يُكايدُهم بكُلِّ ما استطاع، فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ والصبيانُ، ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبدُ الله بنُ رواحة بين يدي رسول الله ﷺ يرتجز متوشِّحًا بالسيف يقول:

خَلُّوا بَنى الكُفَّارِ عَن سَبيلِهِ ** قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمنُ في تَنْزِيلِهِ

فى صُحُفٍ تُتْلَى عَلى رَسُولِهِ ** يَارَبِّ إني مُؤْمِنٌ بِقيلِهِ

إني رَأَيْتُ الحَقَّ في قبُولِهِ ** اليَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلى تَأْوِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِه ** وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلهِ

وتغيَّب رجال من المشركين كراهية أن ينظُروا إلى رسولِ الله ﷺ حَنَقًا وغيظًا، فأقامَ رسولُ الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فلما أصبحَ مِن اليوم الرابع، أتاه سُهَيْلُ بنُ عمروٍ وحُويطِبُ بنُ عبد العُزَّى، ورسولُ الله ﷺ في مجلسِ الأنصارِ يتحدَّث مع سعدِ بن عُبادة، فصاح حُويطب: نناشدُك الله والعقد لما خرَجْتَ مِنْ أرضِنَا، فقد مضت الثلاثُ، فقال: سعد بن عُبادة: كذبتَ لا أُمَّ لك، ليست بأرضِكَ ولا أرض آبائك، واللهِ لا نخرُج، ثم نادى رسولُ الله ﷺ حُويطِبًا أو سُهيلًا، فقال: "إني قَدْ نَكَحْتُ مِنْكُم امْرَأَةً فما يَضُرُّكُم أَنْ أَمْكُثَ حَتَّى أَدْخُلَ بِهَا، ونَضَعَ الطَعَامَ، فَنَأْكُل، وتَأكُلونَ مَعَنَا"، فقالوا: نُنَاشِدُك الله والعقد إلا خرجتَ عنا، فأمر رسولُ الله ﷺ أبا رافع، فأذَّنَ بالرحيل، وركِبَ رسول الله ﷺ حتى نزلَ بطنَ سَرِف، فأقام بها، وخلَّف أبا رافع لِيحمِلَ ميمونَةَ إليه حين يُمسي، فأقام حتى قَدِمَتْ ميمونةُ ومَنْ معها، وقد لَقُوا أذى وعَناءً مِن سُفهاءِ المشركين وصِبيانهم، فبنى بها بِسَرِف، ثم أدلجَ وسار حتَّى قَدِمَ المدينة، وقدَّر اللهُ أن يكون قبر ميمونَةَ بِسَرِفَ حيث بنى بها.

فصل

وأما قولُ ابنِ عباس: "إن رسولَ الله ﷺ تزوَّجَ مَيْمُونَةَ، وهُوَ مُحْرمٌ، وبَنَى بِهَا وهُوَ حَلالٌ" فمما استدُركَ عليهِ، وعُدَّ من وهمه، قال سعيدُ بنُ المسيِّب: ووهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تَزَوَّجها رسولُ الله ﷺ إلا بعد ما حلَّ. ذكره البخاري.

وقال يزيدُ بن الأصم عن ميمونة: تزوجني رسولُ الله ﷺ ونَحْنُ حَلالانِ بِسَرِفَ. رواه مسلم.

وقال أبو رافع: تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ، وهُوَ حلالٌ، وبَنَى بها وهُوَ حلال، وكُنْتُ الرَّسُولَ بينهما. صحَّ ذلك عنه.

وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: هذا عبدُ الله بن عباس يزعُمُ أن رسولَ الله ﷺ نكح ميمونَة وهو مُحْرمٍ، وإنما قَدِم رسولُ الله ﷺ مكَّةَ، وكان الحِلُّ والنكاحُ جميعًا، فشُبِّهَ ذلك على الناس.

وقد قيل: إنه تزوَّجها قبل أن يُحرم، وفى هذا نظر إلا أن يكونَ وكَّل في العقد عليها قبل إحرامه، وأظنُّ الشافعي ذكر ذلك قولًا، فالأقوال ثلاثة:

أحدها: أنه تزوَّجها بعد حلِّه من العُمرة، وهو قولُ ميمونة نفسها، وقولُ السفير بينها وبين رسول الله ﷺ وهو أبو رافع، وقولُ سعيد بن المسيِّب، وجمهورِ أهل النقل.

والثاني: أنه تزوَّجها وهو مُحرِم، وهو قولُ ابن عباس، وأهلِ الكوفة وجماعة.

والثالث: أنه تزوَّجها قبل أن يُحرم.

وقد حُمِلَ قولُ ابن عباس أنه تزوجها وهو مُحْرمٌ، على أنه تزوجها في الشهر الحرام، لا في حال الإحرام، قالوا: ويُقال: أحرم الرجلُ: إذا عقد الإحرام، وأحرم: إذا دخل في الشهر الحرام، وإن كان حلالًا بدليل قول الشاعر:

قَتلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَليفَةَ مُحْرِماِ ** وَرِعًا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولًا

وإنما قتلُوه في المدينة حلالًا في الشهر الحرام.

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عثمانَ بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ، وَلا يَخْطُبُ".

ولو قُدِّرَ تعارضُ القولِ والفِعل ههنا، لوجب تقديمُ القولِ، لأن الفِعلَ موافق للبراءة الأصلية، والقولُ ناقل عنها، فيكون رافعًا لحكم البراءة الأصلية، وهذا موافق لقاعدة الأحكام، ولو قُدِّمَ الفِعْلُ، لكان رافعًا لموجب القول، والقولُ رافع لموجب البراءة الأصلية، فيلزمُ تغييرُ الحكم مرتين، وهو خلاف قاعدة الأحكام. والله أعلم.

فصل

ولما أراد النبي ﷺ الخروجَ مِن مكة، تبعتهم ابنةُ حمزةَ تُنادي: يا عَمُّ يَا عَمُّ، فتناولها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخذ بيدها، وقال لِفاطمة: دونك ابنةَ عمِّكِ، فحملتها، فاختصم فيها عليٌ وزيدٌ وجعفرٌ، فقال علي: أنا أخذتُها، وهي ابنةُ عمى، وقال جعفرٌ: ابنةُ عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: ابنةُ أخي، فقضى بها رسولُ الله ﷺ لِخالتها، وقال: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وقال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي وأَنَا مِنْكَ"، وقال لجعفر: "أَشْبَهْتَ خَلْقي وخُلُقي"، وقال لزيد: "أَنْتَ أَخُونَا ومَوْلانَا". متفق على صحته.

وفي هذه القصة مِن الفقه: أن الخالةَ مقدَّمة في الحَضانة على سائر الأقارِبِ بعد الأبوين.

وأن تزوُّجَ الحاضِنَة بقريب من الطفل لا يسقط حضانَتَها، نص أحمد رحمه الله تعالى في رواية عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها في الجارية خاصة، واحتج بِقصة بنتِ حمزة هذه، ولما كان ابنُ العم ليس مَحْرَمًا لم يُفرِّق بينه وبين الأجنبي في ذلك، وقال: تَزوُّجُ الحاضنة لا يُسقط حضانتها للجارية، وقال الحسن البصري: لا يكون تزوُّجها مُسقطًا لحضانتها بحال ذَكَرًا كان الولد أو أُنثى، وقد اختُلِف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:

أحدها: تسقط به ذَكَرًا كان أو أُنثى، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه.

والثاني: لا تسقط بحال، وهو قول الحسن، وابن حزم.

والثالث: إن كان الطفل بنتًا، لم تسقط الحضانةُ، وإن كان ذَكَرًا سقطت، وهذه رواية عن أحمد رحمه الله تعالى، وقال في رواية مهنا: إذا تزوجتِ الأمُّ وابنُها صغير، أُخِذَ منها، قيل له: والجارية مِثْلُ الصبيّ؟ قال: لا، الجاريةُ تكون معها إلى سبع سنين، وحكى ابن أبي موسى روايةً أُخرى عنه: أنها أحقُّ بالبنت وإن تزوَّجت إلى أن تبلغ.

والرابع: أنها إذا تزوَّجت بنسيب مِن الطفل، لم تسقط حضانتُها، وإن تزوَّجت بأجنبي، سقطت، ثم اختلف أصحابُ هذا القول على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يكفى كونُه نسيبًا فقط، مَحْرَمًا كان أو غيرَ محرم، وهذا ظاهرُ كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم.

الثاني: أنه يُشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قولُ الحنفية.

الثالث: أنه يُشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل وِلادة، بأن يكون جدا للطفل، وهذا قولُ بعض أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي.

وفي القصة حُجَّة لمن قدَّم الخالة على العمَّة، وقرابةَ الأُم على قرابة الأب، فإنه قضى بها لخالتها، وقد كانت صفيَّةُ عمَّتها موجودةً إذ ذاك، وهذا قولُ الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وعنه رواية ثانية: أن العمَّة مقدَّمة على الخالة، وهي اختيارُ شيخنا.

وكذلك نساءُ الأب يُقدَّمن على نساء الأُم، لأن الولايةَ على الطفل في الأصل للأب، وإنما قُدِّمتْ عليه الأمُّ لمصلحة الطفل وكمال تربيته، وشفقتها وحنوها، والإناثُ أقومُ بذلك من الرجال، فإذا صار الأمر إلى النساء فقط، أو الرجال فقط، كانت قرابةُ الأب أولى من قرابة الأُم، كما يكون الأبُ أولى مِن كل ذَكر سواه، وهذا قوى جدًا.

ويُجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمَّتها بأن العمَّة لم تَطلُبِ الحضانة، والحضانة حق لها يُقضَى لها به بطلبه، بخلاف الخالة، فإن جعفرًا كان نائبًا عنها في طلب الحضانة، ولهذا قضى بها النبي ﷺ لها في غيبتها.

وأيضًا فكما أن لِقرابة الطفل أن يمنع الحاضنة من حضانة الطفل إذا تزوَّجت، فللزوج أن يمنعها مِن أخذه وتفرغها له، فإذا رضيَ الزوج بأخذه حيث لا تسقطُ حضانتُها لِقرابته، أو لكون الطفل أُنثى على رواية، مُكِّنَتْ من أخذه وإن لم يرض، فالحق له، والزوج ههنا قد رضيَ وخاصم في القصة، وصفيَّة لم يكن منها طلب.

وأيضًا فابنُ العم له حضانةُ الجارية التي لا تُشتَهى في أحد الوجهين، بل وإن كانت تُشتهَى، فله حضانتُها أيضًا، وتُسلَّم إلى امرأةٍ ثقة يختارها هو، أو إلى محرمه، وهذا هو المختارُ لأنه قريبٌ من عصباتها، وهو أولى من الأجانب والحاكم، وهذه إن كانت طفلة فلا إشكال، وإن كانت ممن يُشتهَى، فقد سُلِّمتْ إلى خالتها، فهي وزوجها من أهل الحضانة. والله أعلم.

وقول زيد: ابنة أخي، يُريد الإخاء الذي عقده رسولُ الله ﷺ بينه وبين حمزةَ لما واخى بين المهاجرين، فإنه واخى بين أصحابه مرتين، فواخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض قبلَ الهجرة على الحقِّ والمواساة، وآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبى حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله. والمرة.

الثانية: آخى بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك بعد مقدمه المدينة.

فصل

واختُلِفَ في تسمية هذه العُمرة بعُمرة القضاء، هل هو لكونها قضاءً للعُمرة التي صُدُّوا عنها، أو من المقاضاة؟ على قولين تقدَّما، قال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العُمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمِرُوا في الشَّهر الذي حاصرهم فيه المشركون.

واختلف الفقهاءُ في ذلك على أربعة أقوال:

أحدها: أن مَن أُحصر عن العُمرة يلزمه الهَدْي والقضاء، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، بل أشهرُها عنه.

والثاني: لا قضاء عليه، وعليه الهَدْي، وهو قول الشافعي، ومالك في ظاهر مذهبه، ورواية أبى طالب عن أحمد.

والثالث: يلزمه القضاء، ولا هَدْي عليه، وهو قول أبي حنيفة.

والرابع: لا قضاء عليه، ولا هَدْي، وهو إحدى الروايات عن أحمد.

فمَن أوجبَ عليه القضاء والهَدْيَ، احتج بأن النبي ﷺ وأصحابه نحروا الهَدْيَ حين صُدُّوا عن البيت، ثم قَضَوْا مِن قابل، قالوا: والعُمرة تلزم بالشروع فيها، ولا يسقط الوجوبُ إلا بفعلها، ونحر الهَدْي لأجل التحلل قبل تمامها، وقالوا: وظاهِرُ الآية يُوجب الهَدْي، لقوله تعالى: { فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ } [166].

ومَن لم يُوجبهما، قالوا: لم يأمرُ النبي ﷺ الذين أُحصروا معه بالقضاء ولا أحدًا منهم، ولا وقف الحِلُّ على نحرهم الهَدْيَ، بل أمرهم أن يَحْلِقُوا رؤوسهم، وأمر مَن كان معه هَدْي أن ينحر هَدْيه.

ومَن أوجب الهَدْيَ دون القضاء احتج بقوله: { فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ }.

ومَن أوجب القضاء دون الهَدْي، احتج بأن العُمرة تلزم بالشروع، فإذا أُحْصِرَ، جاز له تأخيرُها لعذر الإحصار، فإذا زال الحصر، أتى بها بالوجوب السابق، ولا يُوجب تخلل التحلل بين الإحرام بها أولًا، وبين فعلها في وقت الإمكان شيئًا، وظاهر القرآن يردُّ هذا القول، ويُوجب الهَدْيَ دون القضاء، لأنه جعل الهَدْيَ هو جميعَ ما على المُحْصَرِ، فدلَّ على أنه يُكتفى به منه. والله أعلم.

فصل

وفي نحره ﷺ لما أُحصر بالحديبية، دليلٌ على أن المحصَرَ ينحر هَدْيَه وقتَ حصره، وهذا لا خلاف فيه إذا كان مُحْرِمًا بعُمرة، وإن كان مفردًا أو قارنًا، ففيه قولان:

أحدهما: أن الأمر كذلك، وهو الصحيح لأنه أحد النسكين، فجاز الحل منه، ونحرُ هَدْيه وقت حصره، كالعُمرة، لأن العُمرة لا تفوتُ، وجميعُ الزمان وقتٌ لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونحرُ هَدْيها مِن غير خشية فواتها، فالحجُّ الذي يُخشى فواته أولى، وقد قال أحمد في رواية حنبل: إنه لا يَحلُّ، ولا ينحرُ الهَدْي إلى يوم النحر، ووجه هذا أنَّ للهدى محلَّ زمانٍ ومحلَّ مكانٍ، فإذا عجز عن محل المكان لم يسقُطْ عنه محلُّ الزمان لتمكنه من الإتيان بالواجب في محله الزماني، وعلى هذا القول لا يجوزُ له التحللُ قبلَ يوم النحر، لقوله: { ولا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } [167].

فصل

وفي نحره ﷺ وحِلِّه، دليلٌ على أن المُحصَر بالعُمرة يتحلل، وهذا قولُ الجمهور. وقد رُوى عن مالك رحمه الله: أن المعتمر لا يتحلل، لأنه لا يخاف الفوت، وهذا تبعُدُ صحته عن مالك رحمه الله، لأن الآية إنما نزلت في الحُديبية، وكان النبي ﷺ وأصحابُه كُلُّهم مُحرِمينَ بعُمرة، وحلُّوا كُلُّهم، وهذا مما لا يَشُكُّ فيه أحد مِن أهل العلم.

فصل

وفي ذبحه ﷺ بالحُديبية وهى مِن الحل بالاتفاق، دليلٌ على أن المُحْصَرَ ينحر هَدْيه حيث أُحْصِرَ مِن حِل أو حَرَم، وهذا قولُ الجمهور وأحمد، ومالك، والشافعي.

وعن أحمد رحمه الله رواية أُخرى، أنه ليس له نحرُ هَدْيه إلا في الحرم، فيبعثُه إلى الحرم، ويُواطئ رجلًا على أن ينحرَه في وقت يتحلل فيه، وهذا يُروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة.

وهذا إن صح عنهم فينبغي حملُه على الحصر الخاص، وهو أن يتعرَّضَ ظالِمٌ لجماعة أو لواحد، وأما الحصرُ العام، فالسُنَّة الثابتة عن رسول الله ﷺ تدلُّ على خلافه، والحُديبية من الحل باتفاق الناس، وقد قال الشافعي: بعضُها من الحل، وبعضُها من الحرم، قلت: ومراده أن أطرافها من الحرم وإلا فهي من الحل باتفاقهم.

وقد اختلف أصحابُ أحمد رحمه الله في المُحْصَر إذا قدر على أطراف الحرم، هل يلزمه أن ينحر فيه؟ فيه وجهان لهم.

والصحيحُ: أنه لا يلزمُه، لأن النبي ﷺ نحرَ هَدْيَه في موضعه مع قُدرته على أطراف الحرم، وقد أخبر اللهُ سبحانه أن الهَدْيَ كان محبوسًا عن بلوغِ مَحلِّه، ونصبَ الهَدْي بوقوع فعل الصَّدِّ عليه، أي: صدُّوكم عن المسجد الحرام، وصدُّوا الهَدْي عن بلوغ محله، ومعلوم أن صَدَّهم وصدَّ الهَدْي استمر ذلك العام ولم يزل، فلم يَصِلُوا فيه إلى محل إحرامهم، ولم يَصِلِ الهديُ إلى محل نحره، والله أعلم.

فصل في غزوة مؤتةعدل

وهي بأدنى البلقاءِ من أرض الشام، وكانت في جُمادى الأُولى سنة ثمان، وكان سببُها أنَّ رسولَ الله ﷺ بعث الحارث بن عميرٍ الأَزْدِي أحَد بنى لِهْب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى، فأوثقه رِباطًا، ثم قدَّمه فضرب عنقه، ولم يُقْتَل لِرسول الله ﷺ رسولٌ غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوثَ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إنْ أُصيبَ فَجَعْفَرُ بن أبي طالب عَلى النَّاس، فإنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ الله بْنُ رَواحة". فتجهَّز الناس وهُم ثلاثةُ آلاف، فلما حضر خروجُهم، ودَّع الناسُ أُمراءَ رسولِ الله ﷺ، وسلَّمُوا عليهم، فبكى عبدُ الله بنُ رواحة، فقالوا: ما يُبكيك؟ فقال: أما واللهِ ما بي حُبُّ الدنيا ولا صَبابَةٌ بكم، ولكنى سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ آيةً مِن كتاب الله يذكُر فيها النار: { وَإنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } [168]، فلستُ أدري كيف لي بالصَّدَرِ بَعْدَ الوُرُودِ؟ فقال المسلمون: صحبكم اللهُ بالسلامة، ودفعَ عنكم، وردّكم إلينا صالِحين، فقال عبد الله بن رواحة:

لكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمنَ مَغْفِرَةً ** وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِف الزَّبدَا

أَوْ طَعْنَةً بيَدي حَرَّان مُجْهِزَةً ** بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأَحْشَاءَ والكَبِدا

حَتَّى يُقَالَ إذا مرُّوا عَلى جَدَثي ** يَا أَرْشَدَ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدا

ثم مَضَوْا حتى نزلوا مَعَان، فبلغ الناسَ أن هِرَقْل بالبلقاء في مائة ألفٍ مِن الروم، وانضمَّ إليهم مِن لَخم، وجُذام، وبَلْقَيْن، وبَهْرَاء، وبَلي، مائةُ ألف، فلما بلغ ذلك المسلمين، أقامُوا على مَعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتُبُ إلى رسول الله ﷺ، فنُخبِرُه بعدد عدونا، فإما أن يُمِدَّنا بالرجال، وإما أن يأمُرَنَا بأمره، فنمضى له، فشجع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، فقال: يا قوم؛ واللهِ إنَّ الذي تكرهون للتى خرجتُم تطلبُون: الشهادة، وما نُقاتِلُ الناسَ بعدد ولا قُوَّة ولا كثرة، ما نُقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلِقُوا، فإنما هي إحدى الحُسنيين، إما ظَفَرٌ وإما شَهَادَةٌ.

فمضى الناسُ حتَّى إذا كانوا بتُخُوم البَلقاء، لقيتهم الجموعُ بقرية يقال لها: مَشَارف، فدنا العدوُّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبَّى المسلمون، ثم اقتتلوا والرايةُ في يد زيدِ بن حارثة، فلم يزل يُقاتل بها حتى شَاطَ في رماح القوم وخرَّ صرِيعًا، وأخذها جعفرٌ، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتالُ، اقتحم عن فرسه، فعقرَها، ثم قاتَل حتَّى قُتِلَ، فكان جعفر أوَّل مَن عَقَرَ فرسَه في الإسلامِ عند القتال، فقُطِعَتْ يمينُه، فأخذ الراية بيساره، فَقُطِعَتْ يسارُه، فاحتضن الراية حتى قُتِلَ وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبدُ الله بن رَوَاحةَ، وتقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزِلُ نفسه ويتردد بعض التردد، ثم نزل، فأتاه ابنُ عم له، بعَرق من لحم فقال: شُدّ بها صُلْبَك، فإنك قد لقيتَ في أيَّامِكَ هذِهِ ما لقيت، فأخذها مِن يده، فانتهس منها نهسة، ثم سمع الحَطْمَةَ في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه مِن يده، ثم أخذ سيفه وتقدَّم، فقاتل حتَّى قُتِلَ، ثم أخذ الراية ثابتُ بن أقْرَم أخو بنى عَجلان، فقال: يا معشر المسلمين؛ اصطلحُوا على رجل منكم، قالوا: أنتَ، قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد، فلما أخذ الرايةَ، دافع القومَ، وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين، وانصرف بالناس.

وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في صحيح البخاري أن الهزيمة كانت على الروم.

والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأُخرى.

وأطلع الله سبحانه على ذلك رسولَه مِن يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه، وقال: "لَقَدْ رُفِعُوا إليَّ في الجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَرَأَيْتُ في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْن رواحة ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ، فقلت: عَمَّ هذَا؟ فقيل لي: مَضَيا، وتَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى".

وذكر عبدُ الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيِّب، قال: قال رسول الله ﷺ: "مُثِّلَ لي جَعْفَرٌ وَزَيدٌ وابْنُ رَوَاحةَ في خَيْمَةٍ مِنْ دُرٍّ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَرِيرٍ، فَرَأَيْتُ زَيْدًا وابْنَ رَواحَةَ في أًعْناقهما صُدُود، ورَأَيْتُ جَعْفَرًا مُسْتَقِيمًا لَيْسَ فِيهِ صُدُودٌ قال: فَسَأَلْتُ أوْ قِيلَ لي: إنَّهما حِينَ غَشِيَهُمَا المَوْتُ أَعْرَضَا أَو كَأَنَّهُمَا صَدَّا بِوُجُوهِهما، وأمَّا جَعْفَرٌ فَإنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ".

وقال رسول الله ﷺ في جعفر: "إنَّ الله أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطيرُ بِهِمَا في الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ ".

قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر أنه قال: "وجدنا ما بين صدرِ جعفر ومنكبيه وما أقبلَ منه، تِسعين جِراحةً ما بين ضربةٍ بالسيف وطعنة بالرمح".

وقال موسى بن عقبة: قدم يعلى بن منْية على رسول الله ﷺ بخبر أهلِ مُؤْتة، فقال له رسولُ الله ﷺ: "إنْ شِئْتَ فَأخْبِرْني، وإنْ شِئْتَ أخْبَرْتُكَ"، قال: أخبرني يا رسولَ الله، فأخبره ﷺ خبرَهُم كُلَّهُ، ووصفَهُم له، فقال: والذي بعثَكَ بالحقِّ، ما تركتَ من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكُرْه، وإن أمرهم لكما ذكرتَ، فقال رسولُ الله ﷺ: "إنَّ اللهَ رَفَعَ لي الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مُعْتَرَكَهُمْ".

واستُشهدَ يومئذ: جعفرٌ، وزيدُ بن حارثة، وعبدُ الله بن رواحة، ومسعود ابن الأوس، ووهبُ بن سعد بن أبي سَرْح، وعبَّادُ بن قيس، وحارثةُ بن النعمان، وسُراقة بنُ عمرو بن عطية، وأبو كُليب وجابر ابنا عمرو بن زيد، وعامر وعمرو ابنا سعيد ابن الحارث، وغيرهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن زيد بن أرقم قال: كنتُ يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مُردفى على حَقيبة رَحْلِه، فواللهِ إنه ليسيرُ ليلةً إذ سمعتُه وهو يُنشد:

إذا أَدْنيْتنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ** مَسِيرَةَ أرْبَعٍ بَعْدَ الحِسَاءِ

فَشَأْنكِ فانْعَمِي وخَلاكِ ذَمٌ ** وَلا أرْجِعْ إلى أهلي وَرَائي

وَجَاءَ المُسْلِمُونَ وَغَادَرُونى ** بِأَرْضِ الشَّام مُسْتَنْهَى الثَّواءِ

فصل

وقد وقع في الترمذي وغيره أن رسولَ الله ﷺ دخل مكَّة يومَ الفتح وعبدُ الله ابن رواحة بين يديه ينشد: خَلُّوا بَنِي الكفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الأبيات.

وهذا وهم، فإن ابنَ رواحة قتل في هذه الغزوة، وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان يُنْشَدُ بين يديه شعر ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل.

فصل في غزوة ذات السلاسلعدل

وهي وراء وادى القُرى بضم السين الأُولى وفتحها لغتان وبينها وبينَ المدينة عشرةُ أيام، وكانت في جُمادى الآخرة سنة ثمان.

قال ابن سعد: بلغ رسولَ الله ﷺ أن جمعًا مِن قُضاعة قد تجمَّعُوا يُرِيدُونَ أن يدنُوا إلى أطراف المدينة، فدعا رسولُ الله ﷺ عمرَو بن العاص، فعقد له لواءً أبيض، وجعل معه رايةً سوداءَ، وبعثه في ثلاثمائة مِن سَراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسًا، وأمره أن يستعينَ بمن مرَّ به من بَلِيٍّ، وعُذْرَةَ، وبَلْقَينِ، فسار اللَّيل، وكَمَن النهار، فلما قَرُبَ مِن القوم، بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافعُ بن مَكِيثٍ الجُهَنى إلى رسول الله ﷺ يستمدُّه، فبعث إليه أبا عُبيدة بنَ الجرَّاح في مائتين، وعقد له لِواء، وبعث له سَراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر، وعمرُ، وأمره أن يلحقَ بعمرو، وأن يكونا جميعًا ولا يختلِفا، فلما لحق به، أراد أبو عبيدةَ أن يَؤُمَّ الناسَ، فقال عمرو: إنما قَدِمْتَ عليَّ مددًا وأنا الأميرُ، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو يُصلِّي بالناس، وسار حتى وطئ بلاد قضاعة، فدوّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، ولقى في آخر ذلك جمعًا، فحمل عليهم المسلمون فهربُوا في البلاد، وتفرَّقُوا، وبعث عوفَ بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول ﷺ فأخبره بقُفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.

وذكر ابنُ إسحاق نزولَهم على ماء لِجُذام يقال له: السلسل، قال: وبذلك سميت ذات السلاسل.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدى، عن داود، عن عامر قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ جيشَ ذاتِ السَّلاسِل، فاستعمل أبا عُبيدة على المهاجرينَ، واستعمل عَمْرو بنَ العاص على الأعراب، وقال لهما: "تَطَاوَعا" قال: وكانوا أُمِرُوا أن يُغيرُوا على بَكر، فانطلق عمرو، وأغار على قُضاعة لأن بكرًا أخوالُه، قال: فانطلق المغيرةُ بن شعبة إلى أبي عُبيدة فقال: إنَّ رسول الله ﷺ استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم، فليس لك معه أمرٌ، فقال أبو عبيدة: إنَّ رسولَ الله ﷺ أمرنا أن نَتَطَاوَعَ، فأنا أُطيع رسولَ الله ﷺ وإن عصاه عمرو.

فصل

وفي هذه الغزوة احتلم أميرُ الجيش عَمْرُو بن العاص، وكانت ليلةً باردة، فخاف على نفسه من الماء، فتيمَّمَ وصلَّى بأصحابه الصُّبح، فذكرُوا ذلك للنبي ﷺ، فقال: "يا عمرو؛ صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟". فأخبره بالذي منعه مِن الاغتسال، وقال: إني سمعتُ اللهَ يقول: { وَلا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ، إنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [169]، فضَحِكَ رسولُ الله ﷺ ولم يَقُلْ شيئًا، وقد احتجَّ بهذه القِصَّةِ مَنْ قال: إنَّ التيممَ لا يرفعُ الحَدَث، لأن النبي ﷺ سماهُ جُنبًا بعد تيممه، وأجابَ مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة:

أحدها: أن الصحابة لما شَكَوْه قالوا: صلَّى بنا الصبحَ، وهو جُنُب، فسأله النبي ﷺ عن ذلك وقال: "صَلَّيْتَ بِأَصحابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟"، استفهامًا واستعلامًا، فلما أخبره بعُذره، وأنه تيمَّم للحاجة، أقرَّه على ذلك.

الثاني: أن الرواية اختلفت عنه، فرُوى عنه فيها أنه غسل مغابِنه وتوضَّأ وضوءه للصلاة، ثم صلَّى بهم، ولم يذكر التيممَ، وكأن هذه الرواية أقوى مِن رواية التيمم، قال عبد الحق وقد ذكرها وذكر روايةَ التيمم قبلها، ثم قال: وهذا أوصلُ من الأول، لأنه عن عبد الرحمن بن جُبير المصرى، عن أبى القيس مولى عمرو، عن عمرو. والأُولى التي فيها التيمُم، من رواية عبد الرحمن بن جُبير، عن عمرو بن العاص، لم يذكر بينهما أبا قيس.

الثالث: أن النبي ﷺ أراد أن يستعلِمَ فقهَ عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صَلَّيْتَ بأصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟". فما أخبره أنه تيمَّم للحاجة علم فقهه، فلم يُنكر عليه، ويدل عليه أن ما فعله عمرو من التيمم والله أعلم خَشيةَ الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمم في هذه الحال جائزة غيرُ منكر على فاعلها، فعُلِم أنه أراد استعلام فقهه وعلمه، والله أعلم.

فصل في سرية الخبطعدل

وكان أميرها أبا عُبيدة بن الجرَّاح، وكانت في رجَب سنة ثمانٍ فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيِّد الناس في كتاب "عيون الأثر" له، وهو عندي وهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

قالوا: بعثَ رسولُ الله ﷺ أبا عُبيدة بن الجرَّاح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمرُ بن الخطاب إلى حيٍّ مِن جُهينة بالقِبْلِيَّة مما يلى ساحِلَ البحر، وبينها وبين المدينة خمسُ ليال، فأصابهم في الطَّرِيق جوعٌ شديد، فأكلوا الخَبَطَ، وألقى إليهم البحرُ حوتًا عظيمًا، فأكلوا منه، ثمَّ انصرفوا، ولم يلقَوْا كَيْدًا، وفى هذا نظر، فإن في الصحيحين من حديث جابر قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في ثلاثمائة راكب، أميرُنا أبو عبيدة بن الجرَّاح نَرْصُدُ عِيرًا لقريش، فأصابنا جوعٌ شديد حتى أكلنا الخَبَطَ، فسمى جيشَ الخَبَطِ، فنحر رجلٌ ثلاث جزائر، ثمَّ نحر ثلاث جزائر، ثمَّ نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عُبيدة نهاه، فألقى إلينا البحرُ دابَّةً يقال لها: العنبرُ، فأكلنا منها نصفَ شهر، وادهنا مِن وَدَكها حتى ثَابتْ إلينا أجسامُنا، وصَلُحت، وأخذ أبو عُبيدة ضِلعًا من أضلاعه، فنظر إلى أطولِ رجُل في الجيش، وأطولِ جملٍ، فحُمِلَ عليه ومرَّ تحتَه، وتزودنا من لحمه وَشَائقَ، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسولَ الله ﷺ، فذكرنا له ذلكَ، فقال: "هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَىْءٌ تُطْعِمُونَا"؟، فأرسلنا إلى رسولِ الله ﷺ منه فأكل".

قلتُ: وهذا السياقُ يدل على أن هذه الغزوةَ كانت قبل الهُدنة، وقبلَ عُمرةِ الحُديبية، فإنه مِن حين صالح أهلَ مكة بالحُديبية لم يكن يرصُدُ لهم عِيرًا، بل كان زمنَ أمنٍ وهُدنة إلى حين الفتح، ويبعُدُ أن تكون سرية الخَبَطِ على هذا الوجه مرتين: مرة قبل الصُّلح، ومرَّة بعده. والله أعلم.

فصل في فقه هذه القصةعدل

ففيها جوازُ القِتال في الشَّهرِ الحَرامِ إن كان ذِكْرُ التاريخ فيها برجب محفوظًا، والظاهر والله أعلم أنه وهم غيرُ محفوظ، إذ لم يُحفظ عن النبي ﷺ أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه، ولا بعثَ فيه سريَّة، وقد عيَّرَ المشركون المسلمين بقتالهم في أوَّل رجب في قصة العلاء بن الحضرمي، فقالُوا: استحلَّ محمَّدٌ الشهرَ الحرامَ، وأنزل الله في ذلك: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } [170]، ولم يثبُت نسخُ هذا بنص يجبُ المصيرُ إليه، ولا أجمعتِ الأُمةُ على نسخه، وقد استُدِلَّ على تحريم القِتال في الأشهر الحُرُم بقوله تعالى: { فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [171]، ولا حُجَّة في هذا، لأن الأشهر الحُرُم ههنا هي أشهر التسيير الأربعة التي سيَّر الله فيها المشركين في الأرض يأمنُون فيها، وكان أولها يومَ الحج الأكبر عاشرَ ذي الحِجَّة، وآخِرُها عاشِر ربيع الآخر، هذا هو الصحيحُ في الآية لوجوه عديدةٍ، ليس هذا موضعها.

وفيها: جوازُ أكل ورق الشجر عند المخمَصَةِ، وكذلك عُشْبُ الأرض.

وفيها: جوازُ نهى الإمام وأميرِ الجيش للغُزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجُوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهرهم عِند لقاء عدُوِّهم، ويجب عليهم الطاعةُ إذا نهاهم.

وفيها: جوازُ أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله عَزَّ وجَلَّ: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } [172]، وقد قال تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ } [173]، وقد صحَّ عن أبي بكر الصِّدِّيق، وعبدِ الله بن عباس، وجماعةٍ من الصحابة، أن صيدَ البحر ما صِيد منه، وطعامَه ما مات فيه، وفي السنن: عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ودَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالسَّمَكُ والجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحَالُ"حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع، لأن قولَ الصحابي: "أُحِلَّ لنا كذا، وحُرِّمَ علينا" ينصَرِفُ إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه.

فإن قيل: فالصحابةُ في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما همّوا بأكلها قالُوا: إنها ميتة، وقالوا: نحنُ رسلُ رسولِ الله ﷺ ونحنُ مضطرون، فأكلُوا، وهذا دليلٌ على أنهم لو كانوا مستغنين عنها، لما أكلُوا منها.

قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين، ولكن هيأ الله لهم مِن الرزق أطيَبه وأحلَّه، وقد قال النبي ﷺ لهم بعد أن قَدِمُوا: "هَلْ بَقِيَ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَئ"؟ قالوا: نعم، فأكل منه النبي ﷺ، وقال: "إنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ لَكُم"، ولو كان هذا رِزق مضطر لم يأكل منه رسولُ الله ﷺ في حال الاختيار، ثم لو كان أكلهم منها للضرورة، فكيف ساغَ لهم أن يدَّهِنُوا من وَدَكهَا ويُنجِّسوا به ثيابهم وأبدانَهم، وأيضًا فكثير من الفقهاء لا يُجَوِّز الشبعَ مِن الميتة، إنما يُجَوِّزون منها سدَّ الرمق، والسَّرِيَّة أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمِنُوا، وتزوَّدوا منها.

فإن قيل: إنما يتم لكم الاستدلالُ بهذه القصة إذا كانت تلك الدابَّة قد ماتت في البحر، ثم ألقاها ميتةً، ومن المعلوم، أنه كما يُحتَمَلُ ذلك يُحتمل أن يكون البحرُ قد جَزَرَ عنها، وهيَ حية، فماتت بمُفارقة الماء، وذلك ذكاتُها وذكاةُ حيوان البحر، ولا سبيلَ إلى دفع هذا الاحتمال، كيف وفى بعض طرق الحديث: "فجَزَرَ البَحْرُ عَنْ حُوتٍ كالظَّرِبِ".

قيل: هذا الاحتمالُ مع بُعده جِدًا، فإنه يكاد يكون خرقًا للعادة، فإن مثلَ هذه الدابة إذا كانت حية إنما تكون في لُجَّةِ البحر وثَبَجِهِ دون ساحِلِه، وما رقَّ منه ودنا من البر، وأيضًا فإنه لا يكفى ذلك في الحِلِّ، لأنه إذا شك في السبب الذي مات به الحيوان، هل هو سبب مبيح له أو غير مبيح؟ لم يَحِلَّ الحيوانُ، كما قال النبي ﷺ في الصيد يُرمى بالسهم، ثم يُوجد في الماء: "وإنْ وَجَدْتَّه غَرِيقًا في المَاء، فلا تأكلْهُ فإنَّكَ لا تَدْرِي الماءُ قَتَلَه أَوْ سهمك"، فلو كان الحيوانُ البحريُّ حرامًا إذا مات في البحر، لم يُبَحْ، وهذا مما لا يُعلم فيه خلاف بين الأئمة.

وأيضًا فلو لم تكن هذه النصوصُ مع المبيحين، لكان القياسُ الصحيحُ معهم، فإن الميتة إنما حُرِّمَتْ لاحتقان الرُّطوباتِ والفضلاتِ والدمِ الخبيث فيها، والذكاةُ لما كانت تُزيل ذلك الدم والفضلات، كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموتُ لا يقتضى التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصُلُ بغيرها، وإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلاتٌ تُزيلها الذكاة، لم يَحْرُمْ بالموت، ولم يُشترط لحِلِّه ذكاة كالجراد، ولهذا لا ينجَسُ بالموت ما لا نَفس له سائلة، كالذُّباب والنَّحلة، ونحوهما، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقِن بموته، لم يَحِلَّ لموته بغير ذكاة، ولم يكن فرق بينَ موته في الماء وموتِه خارجَه، إذ من المعلوم أن موتَه في البر لا يُذهِبُ تلك الفضلات التي تُحرِّمُه عند المحرِّمين إذا مات في البحر، ولو لم يكن في المسألة نصوص، لكان هذا القياسُ كافيًا. والله أعلم.

فصل

وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ﷺ، وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدمِ تمكنهم مِن مراجعة النص، وقد اجتهد أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما بينَ يدي رسولِ الله ﷺ في عدةٍ من الوقائع، وأقرَّهُما على ذلك، لكن في قضايا جزئية مُعيَّنة، لا في أحكام عامة وشرائع كلية، فإن هذا لم يَقَعْ منْ أحدٍ من الصحابة في حضوره ﷺ البتة.

فصل في الفتح الأعظمعدل

الذي أعزَّ اللهُ به دينَه، ورسولَه، وجنده، وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيتَه الذي جعله هُدىً للعالمين مِن أيدى الكفار والمشركين، وهو الفتحُ الذي استبشر به أهلُ السماءِ، وضربت أطنابُ عِزِّه على مَناكِبِ الجوزاء، ودخل الناسُ به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجهُ الأرضِ ضِياءً وابتهاجًا، خرج له رسولُ الله ﷺ بكتائِبِ الإسلام، وجُنود الرحمن سنةَ ثمانٍ لعشر مَضَيْنَ مِن رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْمٍ كُلثوم بن حُصين الغِفارى. وقال ابن سعد: بل استعمل عبدَ الله بْنَ أُمِّ مكتوم.

وكان السبب الذي جرَّ إليه، وحدا إليه فيما ذكر إمامُ أهل السير والمغازي والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار، أن بني بَكر بن عبدِ مناة بن كِنانة عَدَتْ على خُزاعة، وهُمْ على ماءٍ يُقال له: الوتير، فبيَّتُوهم وقتلُوا منهم، وكان الذي هاج ذلك أن رجلًا من بنى الحضرمي يقال له: مالكُ بن عبَّاد خرج تاجرًا، فلما توسَّط أرضَ خُزاعة، عَدَوْا عليه فقتلُوه، وأخذُوا مالَه، فعدت بنُو بكر على رجل من بنى خُزاعة فقتلُوه، فعدت خُزاعة على بنى الأسود، وهم سَلْمَى وكُلثوم وذُؤَيْب، فقتلوهُم بِعَرَفة عند أنصاب الحَرَمِ، هذا كُلُّهُ قَبْلَ المبعث، فلما بُعِثَ رسولُ الله ﷺ وجاء الإسلام، حجز بينهم، وتشاغلَ الناسُ بشأنه، فلما كان صُلْحُ الحُديبية بينَ رسول الله ﷺ وبينَ قريش، وقع الشرطُ: أنه مَن أحبَّ أن يدخل في عَقد رسول الله ﷺ وعهدِهِ، فَعَلَ، ومَن أحبَّ أن يدخلُ في عَقد قريش وعَهدهم، فعل، فدخلت بنو بكر في عَقد قُريش وعهدهم، ودخلت خُزاعة في عَقد رسول الله ﷺ وعهده، فلما استمرَّت الهُدنة، اغتنمها بنو بكر من خُزاعة، وأرادوا أن يُصيبُوا منهم الثأرَ القديم، فخرج نوفلُ بنُ معاوية الدِّيلى في جماعة مِن بني بكر، فبيَّت خُزاعة وهم على الوَتير، فأصابُوا منهم رجالًا، وتناوشُوا واقتتلوا، وأعانت قُريش بني بكر بالسِّلاح، وقاتلَ معهم مِن قريش مَن قاتل مستخفيًا ليلًا، ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أُمية، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومِكْرز بن حفص، حتى حازوا خُزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل؛ إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله لَهُ اليوم، يا بني بكر أصيبُوا ثأركم، فلعمرى إنكم لتسرِقُون في الحرم أفلا تُصيبُونَ ثأركُم فيه؟ فلما دَخَلَتْ خُزاعة مكة، لجؤوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخُزاعي ودار مولى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعي حتى قَدِمَ على رسولِ الله ﷺ المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهرانى أصحابه فقال:

يا ربِّ إني نَاشِدٌ مُحَمَّدا ** حِلْفَ أَبينَا وَأبيهِ الأتْلَدا

قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وكُناوَالِدا ** ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدا

فَانْصُرْ هَداكَ اللهُ نَصرًا أَبَدا ** وادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا

فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا ** أَبْيَضَ مِثْلَ البدْرِ يَسْمو صُعُدَا

إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ** في فَيلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدا

إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدا ** ونَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا

وَجَعَلُوا لي في كَدَاءٍ رَصَدَا ** وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعو أَحدَا

وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ** هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا

وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا

يقول: قُتِلْنَا وقَدْ أَسْلَمْنَا، فقال رسولُ الله ﷺ: "نُصِرْتَ يَا عَمْرو بنَ سالم"، ثم عرضَتْ سحابةٌ لرسول الله ﷺ فقال: "إنَّ هذه السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بنى كَعْبٍ"، ثم خرج بُديل بنُ ورقاء في نَفَرٍ من خُزاعة، حتى قَدِمُوا على رسول الله ﷺ، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظَاهَرَةِ قريش بني بكر عليهم، ثم رجعُوا إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ للناس: "كَأَنَّكُم بأَبِي سُفْيانَ، وَقَدْ جَاءَ لِيَشُدَّ العَقْدَ وَيَزِيدَ في المُدَّة".

ومضى بُديل بنُ ورقاء في أصحابه حتى لَقُوا أبا سفيان بنَ حرب بعُسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ لِيَشُدَّ العقدَ، ويزيدَ في المدة، وقد رَهِبُوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديلَ بن ورقاء، قال: من أين أقبلتَ يا بُديل؟ فظنَّ أنه أتى النبي ﷺ فقال: سِرتُ في خُزاعة في هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادي، قال: أَوَ ما جئتَ محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة، لقد علفَ بها النوى، فأتى مَبْرَكَ راحِلته، فأخذ من بعرها، ففتَّه، فرأى فيها النوى، فقال: أحِلفُ باللهِ لقد جاء بُديل محمدًا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قَدِمَ المدينة، فدخل على ابنتِه أُمِّ حبيبة، فلما ذهب لِيجلس على فِراش رسول الله ﷺ، طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بُنية؛ ما أدري أَرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنى؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله ﷺ وأنت مُشرك نَجَسٌ، فقال: واللهِ لقد أصابك بعدي شر.

ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ﷺ، فكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، ثم ذهبَ إلى أبي بكر، فكلَّمه أن يُكَلَّمَ لَهُ رسول الله ﷺ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله ﷺ؟ فواللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمَةُ، وحسنٌ غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا عليُّ؛ إنك أمسُّ القومِ بي رحمًا، وإني قد جئتُ في حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، واللهِ لقد عزم رسولُ الله ﷺ على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: هَلْ لَكِ أَنْ تأمُرى ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس، فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: واللهِ ما يبلغُ ابنى ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله ﷺ، قال: يا أبا الحسن؛ إني أرى الأُمورَ قد اشتدت عليَّ، فانصحنى، قال: واللهِ ما أعلم لك شيئًا يُغنى عنك، ولكنك سَيدُ بني كِنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أَوَ ترى ذلك مغنيا عنى شيئًا، قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّي ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس؛ إني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلَّمتُه، فواللهِ ما ردَّ عليَّ شيئًا، ثم جئتُ ابن أبي قُحافة، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئتُ عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار عليَّ بشئ صنعته، فواللهِ ما أدري، هل يُغنى عنى شيئًا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك، واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا واللهِ ما وجدتُ غير ذلك.

وأمر رسولُ الله ﷺ الناسَ بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يُجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها، وهي تُحَرِّكُ بعضَ جهاز رسول الله ﷺ، فقال: أي بُنيَّة؛ أمركنّ رسول الله ﷺ بتجهيزه؟ قالت: نعم، فتجهز. قال: فأين تَرَيْنَهُ يُريد، قالت: لا والله ما أدري.

ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالجد والتجهيز، وقال: "اللهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَها في بِلادِهَا"، فتجهز الناسُ.

فكتب حاطِبُ بن أبي بَلْتَعَةَ إلى قُريش كتابًا يُخبرهم بمسيرِ رسول الله ﷺ إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلًا على أن تُبلغه قريشًا، فجعلته في قُرون في رأسها، ثم خرجَتْ به، وأتى رسول الله ﷺ الخبرُ مِن السماء بما صنع حاطب، فبعث عليًا والزُبير، وغير ابن إسحاق يقول: بعث عليًا والمقداد والزبير، فقال: انطلقا حتَّى تأتيا رَوْضَةَ خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كِتاب إلى قُريش، فانطلقا تَعَادى بهما خَيْلُهما، حتى وجدا المرأةَ بذلك المكانِ، فاستنزلاها، وقالا: معكِ كتابٌ؟ فقالت: ما معى كتاب، ففتشا رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي رضي الله عنه: أحِلفُ باللهِ ما كذبَ رسولُ اللهِ ﷺ ولا كذبنا، واللهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أو لنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجدَّ منه، قالت: أَعْرِضْ، فأعرض، فحلَّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكِتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله ﷺ، فإذا فيه: مِن حاطب ابن أبي بَلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا، فقال: ما هذا يا حَاطِبُ؟ فقال: لا تَعْجَل عليَّ يا رسولَ الله، واللهِ إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددتُ، ولا بدَّلْتُ، ولكنى كُنْتُ امرءًا مُلْصَقًا في قريش لستُ من أنفسهم، ولى فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة، يحمونهم، وكان مَنْ معكَ لهم قراباتٌ يحمونهم، فأحببتُ إذ فاتنى ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتى، فقال عُمَرُ بنُ الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقَهُ، فإنه قد خان اللهَ ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّهُ قَدْ شَهدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ الله قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْملُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم" فَذَرَفَتْ عَيْنَا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.

ثم مضى رسولُ الله ﷺ وهُوَ صائم، والناسُ صِيامٌ، حتى إذا كانوا بالكُدَيد وهو الذي تسميه النَّاسُ اليومَ قُدَيْدًا أفطرَ وأفطرَ الناسُ معه.

ثم مضى حتى نزلَ مرَّ الظَّهْرَانِ، وهو بطن مَرِّ، ومعه عشرةُ آلاف، وعمَّى اللهُ الأخبارَ عن قريش، فهم على وَجَلِ وارتقاب، وكان أبو سفيان يخرج يتحسَّسُ الأخبار، فخرج هو وحكيمُ بنُ حِزام، وبُدَيْلُ بنُ ورقاء يتحسَّسُونَ الأخبار، وكان العبَّاسُ قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسولَ الله ﷺ بالجُحْفَةِ، وقيل: فوق ذلك، وكان مِمن لقيه في الطريق ابنُ عمه أبو سفيان بن الحارث، وعبدُ الله بن أبي أُميَّة لقياه بالأبواء، وهما ابن عمِّه وابنُ عمَّته، فأعرض عنهما لِما كان يلقاه مِنهما مِن شِدَّةِ الأذى والهَجْوِ، فقالت له أُمُّ سَلَمة: لا يَكُن ابنُ عمِّكَ وابنُ عمَّتك أشقى الناس بك، وقال عليّ لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمر: ائتِ رسول الله ﷺ مِنْ قِبَل وجهه، فقل له ما قال إخوةُ يوسف ليوسف: { تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } [174]. فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله ﷺ: { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [175]، فأنشده أبو سفيان أبياتًا منها:

لَعَمْرُك إني حينَ أَحْمِلُ رايةً ** لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ

لَكا لمُدْلِجِ الحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهفَ ** هذَا أوانى حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي

هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نفسي وَدَلَّنِي ** عَلى اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ

فضرب رسول الله ﷺ صدرَه وقال: "أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ"

وحَسُنَ إسلامُه بعد ذلك.

ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياءً منه، وكان رسول الله ﷺ يُحبه، وشهد له بالجنَّة، وقال: "أرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَة "، ولما حضرته الوفاةُ، قال: لا تَبْكُوا عليَّ، فواللهِ ما نطقتُ بخطيئة منذ أسلمتُ.

فلما نزل رسولُ الله ﷺ مرَّ الظهران، نزله عشاء، فأمر الجيشَ، فأوقدوا النيران، فأُوقِدَت عشرةُ آلاف نار، وجعل رسولُ الله ﷺ على الحَرَس عُمَرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه، وركب العباسُ بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وخرج يلتمِسُ لعله يجد بعضَ الحطَّابة، أو أحدًا يُخبر قريشًا ليخرجوا يستأمنون رسولَ الله ﷺ قبل أن يدخلَها عَنْوَةً، قال: واللهِ إني لأسير عليها إذ سمعتُ كلامَ أبى سفيان، وبُديل بن ورقاء وهُما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيتُ كالليلة نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا، قال: يقولُ بدليل: هذه واللهِ خزاعة حَمَشَتْهَا الحَرْبُ، فيقول أبو سفيان: خُزاعة أقلُّ وأذلُّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكَرها، قال: فعرفتُ صوته، فقلت: أبا حنظلة، فعرف صوتى، فقال: أبا الفضل؟ قلتُ: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي؟ قال: قلتُ: هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباحَ قُريش واللهِ، قال: فما الحيلةُ فداك أبي وأمي؟ قلت: واللهِ لئن ظَفِرَ بك لَيَضْرِبَنَّ عُنقَكَ، فاركب في عجزِ هذه البغلة حتى آتيَ بِكَ رسولَ الله ﷺ، فأستأمنه لك، فركب خَلْفِي ورجع صَاحِبَاه، قال: فجئتُ به، فكلما مررتُ به على نار من نيران المسلمين، قالوا: مَنْ هذَا؟، فإذا رأَوْا بغلةَ رسول الله ﷺ وأنا عليها، قالوا: عمُّ رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررتُ بنارِ عمر بن الخطاب، فقال: مَن هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عَجزِ الدابة، قال: أبو سفيان عَدُوُّ اللهِ، الحمد للهِ الذي أمْكَنَ مِنْكَ بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحوَ رسول الله ﷺ، وركضتُ البغلة، فَسَبَقَتْ، فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلتُ على رسول الله ﷺ، ودخل عليه عُمَرُ، فقال: يا رسولَ الله؛ هذا أبو سفيان، فدعني أَضْرِبْ عنقه، قال: قلتُ: يا رسول الله؛ إني قد أجرته، ثم جلستُ إلى رسول الله ﷺ، فأخذتُ برأسه، فقلتُ: واللهِ لا يُناجيه الليلةَ أحد دونى، فلما أكثر عُمَرُ في شأنه، قلتُ: مهلًا ياعمر، فواللهِ لو كان مِن رجال بنى عدى بْنِ كعب ما قُلْتَ مِثْلَ هذا، قال: مهلًا يا عبَّاسُ، فواللهِ لإسْلامُكَ كَانَ أَحَبَّ إليَّ مِنْ إسْلام الخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، ومَا بي إلا إني قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إسْلامَكَ كَانَ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطَّاب، فقال رسول الله ﷺ: "اذْهَبْ بِهِ يا عبَّاسُ إلى رَحْلِك، فإذا أَصْبَحْتَ فَأتنى به، فذهبتُ فلما أصبحتُ، غدوتُ به إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه رسولُ الله ﷺ قال: "وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَان، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله"؟ قال: بأبى أنتَ وأمي، ما أحلمكَ، وأكرمَكَ، وأوصلَكَ، لقد ظننتُ أن لو كان مع اللهِ إلهٌ غيرُه، لقد أغنى شيئًا بعد، قال: "ويحَكَ يا أبا سفيان، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ إني رَسُولُ الله"؟ قال: بأبى أنتَ وأمي، ما أحلمكَ وأكرمَكَ وأوصلَكَ، أما هذه، فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا، فقال له العباس: ويحكَ أسلم، واشهد أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله قبل أن تُضَرَبَ عُنقُك، فأسلم وشَهِدَ شهادةَ الحق، فقال العباسُ: يا رسولَ اللهِ؛ إن أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: "نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفيان، فهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَه، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، فَهُوَ آمن".

وأمر العباسَ أن يَحبِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبلِ حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها، ففعل، فمرَّتِ القبائلُ على راياتها، كلما مرَّتْ به قبيلةٌ قال: يا عباسُ؛ مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم، قال: فيقول: مالي ولِسُليم، ثم تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباسُ؛ مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالي ولمُزَيْنَة، حتى نَفَدَتِ القبائلُ، ما تَمُرُّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: مالي ولبنى فلان، حتى مرَّ به رسولُ الله ﷺ في كتيبتِه الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق مِن الحديد، قال: سبحان اللهِ با عباس، مَن هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: واللهِ يا أبا الفضل؛ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك الْيَوْمَ عظيمًا، قال: قلتُ: يا أبا سفيان؛ إنها النُّبوة، قال: فنعم إذًا، قال: قلتُ: النَّجاء إلى قومك.

وكانت رايةُ الأنصار مع سعد بن عُبادة، فلما مرَّ بأبى سفيان، قال له: اليَوْم يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليومَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمةُ، اليَوْمَ أذَلَّ اللهُ قُرَيْشًا.

فلما حاذى رسولُ الله ﷺ أبا سفيان، قال: يارسولَ الله؛ ألم تسمعْ ما قال سعد؟ قال: "وما قال"؟، فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عَوْف: يا رسولَ الله؛ ما نأمن أن يكون له في قُريش صَوْلة، فقال رسول الله ﷺ: "بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيهِ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فيه قُرَيْشًا". ثم أرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرُجْ عن سعد إذ صار إلى ابنه، قال أبو عمر: ورُوى أن النبي ﷺ لما نزع منه الراية، دَفَعَها إلى الزبير.

ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قُريشًا، صرخ بأعلى صوته: يا معشرَ قُريش؛ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمَن دخل دارَ أبى سفيان، فهو آمن، فقامت إليه هندُ بنتُ عتبة، فأخذت بشَاربه، فقالت: اقتلُوا الحَميت الدسم، الأحْمَشَ السَّاقين، قُبِّح مِن طَلِيعَةِ قوم، قال: ويلكم، لا تغرَّنَّكُم هذه مِن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به، مَن دخل دار أبى سفيان، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، قالوا: قاتلكَ اللهُ، وما تُغنى عنا دارُك؟ قال: ومَن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومَن دخل المسجد، فهو آمن، فتفرَّق الناسُ إلى دورهم وإلى المسجد.

وسار رسولُ الله ﷺ، فدخل مكة من أعلاها، وضُرِبَتْ له هنالك قُبَّة، وأمر رسول الله ﷺ خالدَ بنَ الوليد أن يدخلها من أسفلها، وكان على المُجَنِّبَةِ اليُمنى، وفيها أسلم، وسُليم، وغِفار، ومُزَيْنَة، وجُهينة، وقبائل مِن قبائل العرب، وكان أبو عُبيدة على الرجالة والحُسًَّرِ، وهم الذين لا سلاح معهم، وقال لخالد ومَن معه: "إن عرضَ لكم أحدٌ من قُريش، فاحصدوهم حصدًا حتى تُوافونى على الصَّفا"، فما عرض لهم أحد إلا أنامُوه، وتجمَّع سفهاء قريش وأخِفَّاؤُها مع عِكرمة بن أبي جهل، وصفوان بنِ أُميَّة، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَةِ لِيقاتِلُوا المسلمين، وكان حِمَاسُ بنُ قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل دخول رسول الله ﷺ، فقالت له امرأتُه: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لِمحمد وأصحابه، قالت: واللهِ ما يقومُ لِمحمد وأصحابه شىء، قال: إني واللهِ لأرجو أنْ أُخْدِمَك بعضهم، ثم قال:

إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَا لي عِلَّهْ ** هذا سِلاحٌ كَاملٌ وألَّهْ

وذُو غِرارَيْنِ سَريعُ السَّلهْ

ثم شهد الخَنْدَمَةَ مع صفوان وعِكرمة وسهيل بن عمرو، فلما لَقِيَهُم المسلمون ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل كُرز بن جابر الفهرى، وخُنَيْس بن خالد ابن ربيعة من المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذَّا عنه، فسلكا طريقًا غيرَ طريقه، فقُتِلا جميعًا، وأُصيبَ من المشركين نحو اثني عشر رجلًا، ثم انهزموا، وانهزم حِماس صاحبُ السلاح حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقى عليَّ بابي، فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمهْ ** إذْ فَرَّ صَفْوانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ

وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيوف المُسْلِمَهْ ** يَقْطَعْنَ كَلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ

ضَرْبًا فلا نَسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَهْ ** لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَمَهْ

لَمْ تَنْطِقِي في اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ

وقال أبو هريرة: أقبل رسولُ الله ﷺ، فدخل مكة، فبعث الزبيرَ على إحدى المجنبتين، وبعث خالدَ بن الوليد على المجنبةِ الأُخرى، وبعث أبا عُبيدة ابنَ الجراح على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي ورسولُ الله ﷺ في كتيبته، قال: وقد وبَّشت قريش أوباشًا لها، فقالوا: نُقَدِّم هؤلاء، فإن كان لِقريش شىء كنا معهم، وإن أُصيبُوا أعطينا الذي سُئِلنا، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة"، فقلتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسعدَيك، فقال: "اهْتِفْ لي بالأنصارِ، ولا يأتيني إلَّا أنصاري"، فهتف بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله ﷺ، فقال: "أَتَروْنَ إلى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِم"؟ ثمَّ قال بيديه إحداهما على الأُخرى: "احْصُدُوهُم حَصْدًا حتَّى تُوافُونِي بالصَّفَا"، فانطلقنا، فما يشاءُ أحد منا أن يقتُلَ منهم إلا شاء، وما أحد منهم وجَّه إلينا شيئًا.

ورُكِزَتْ رايةُ رسول الله ﷺ بالحَجُونِ عند مسجد الفَتْح.

ثم نهض رسولُ الله ﷺ والمهاجرون والأنصار بينَ يديه، وخلفَه وحولَه، حتى دخل المسجِدَ، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طافَ بالبيتِ، وفى يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطْعَنُها بالقوسِ ويقول: { جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [176] { جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِيءُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [177] والأصنامُ تتسَاقَطُ على وجوهها.

وكان طوافُه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذٍ، فاقتصر على الطَّوافِ، فلما أكملهُ، دعا عثمان بنَ طلحة، فأخذ منه مفتاحَ الكعبة، فأمر بها فَفُتحت، فدخلها فرأى فيها الصَّوَرَ، ورأى فيها صورةَ إبراهيم وإسماعيل يستقسمانِ بِالأزْلامِ، فقال: "قَاتَلَهُم اللهُ، واللهِ إن اسْتَقْسما بِها قطُّ".

ورأى في الكعبة حمامة من عِيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصُّوَرِ فمُحيت.

ثم أغلق عليه البابَ، وعلى أُسامة وبلال، فاستقبل الجِدَارَ الذي يُقابل البابَ، حتى إذا كانَ بينَه وبينَه قدرُ ثلاثةِ أذْرُعٍ، وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت، وكبَّر في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتح البابَ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون ماذا يصنَعُ، فأخذَ بعضَادتى الباب، وهم تحتَه، فقال: "لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ له، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، ألا كُلُّ مَأْثُرَةٍ أوْ مَال أوْ دَم، فَهُو تَحْتَ قَدَمَى هاتين إلَّا سِدَانة البيْت وسقَايةَ الحَاجِّ، ألا وَقَتْلُ الخَطَأ شِبْهُ العَمْدِ السَّوطُ والعَصا، ففيهِ الدِّيةُ مُغَلَّظَةً مائة مِنَ الإبلِ، أرْبَعُونَ مِنْهَا في بُطُونِها أوْلادُها، يَا مَعْشَرَ قُرَيْش؛ إنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُم نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وتَعظُّمَها بالآباء، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ"، ثم تلا هذه الآية: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعارَفُواْ، إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [178].

ثم قال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْش؛ مَا تَرَوْنَ إني فَاعِلٌ بكم"؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابنُ أخ كريم، قال: "فإني أقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم اليَوْمَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ".

ثم جلس في المسجد، فقام إليه عليٌرضي الله عنه، ومفتاحُ الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله؛ اجمَعْ لنا الحِجَابَة مع السِّقَاية صلَّى الله عليك، فقال رسُول الله ﷺ: "أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَة"؟ فدُعِيَ له، فقال له: هَاكَ مِفْتَاحَكَ يا عُثْمَانُ، اليَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاء".

وذكر ابن سعد في الطبقات عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتحُ الكعبةَ في الجاهلية يومَ الاثنين، والخميس، فأقبلَ رسولُ الله ﷺ يومًا يُريد أن يدخُلَ الكعبة مع الناس، فأغلظتُ له، ونِلتُ منه، فحلمَ عنِي، ثم قال: "يا عثمانُ؛ لعلَّك سترى هذا المِفتاح يومًا بيدى أضعهُ حيث شِئْتُ"، فقلتُ: لقد هلكت قريشٌ يومئذ وذلَّت، فقال: "بل عَمَرَتْ وعزَّتْ يومئذ"، ودخل الكعبة، فوقعت كلمتُه منى موقِعًا ظننتُ يومئذ أن الأمرَ سيصيرُ إلى ما قال، فلما كان يومُ الفتح، قال: يا عثمان؛ ائتنى بالمفتاح، فأتيتُه به، فأخذه منِّي، ثم دفعه إليَّ وقال: "خُذُوها خَالِدَةً تَالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنْكُم إلَّا ظَالِمٌ، يا عُثمانُ؛ إنَّ اللهَ اسْتَأْمَنَكُم عَلَى بَيْتهِ، فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إلَيْكُم مِنْ هذا البَيْت بالمَعْرُوف"، قال: فلما ولَّيتُ، نادانى، فرجَعْتُ إليه فقال: "أَلَمْ يَكُنِ الذي قُلْتُ لَكَ"؟ قال: فذكرتُ قوله لي بمكة قبل الهجرة: "لعلك سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شِئتُ"، فقلتُ: بلَى أَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الله.

وذكر سعيدُ بن المسيِّب أن العباس تطاولَ يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسولُ الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة.

وأمر رسولُ الله ﷺ بلالًا أن يصعَد فيؤذِّنَ على الكعبة، وأبو سفيان بنُ حرب، وعتَّابُ بنُ أسيد، والحارثُ بنُ هِشام، وأشرافُ قريش جُلوسٌ بِفِناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سَمِعَ هذا، فيسمعَ منه ما يُغِيظُه، فقال الحارث: أما واللهِ لو أعلم أنه حقٌ لاتبعته، فقال أبو سفيان: أما واللهِ لا أقول شيئًا، لو تكلمتُ، لأخبرت عنى هذه الحصباءُ، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال لهم: "قَدْ عَلِمْتُ الذي قُلْتُم"، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتَّاب: نشهد أنكَ رسول الله، واللهِ ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك.

فصل

ثم دخل رسولُ الله ﷺ دارَ أُمِّ هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل، وصلَّى ثمانَ ركعات في بيتها، وكانت ضُحَىً، فظنها مَن ظنها صلاةَ الضحى، وإنما هذه صلاةُ الفتح، وكان أُمراءُ الإسلام إذا فتحوا حِصنًا أو بلدًا، صلَّوْا عَقِيبَ الفتح هذه الصلاةَ اقتداءً برسول الله ﷺ، وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرًا لله عليه، فإنها قالت: ما رأيتُه صلاها قبلَها ولا بعدَها.

وأجارت أُم هانئ حَمَوَيْنِ لهَا، فقال لها رسول الله ﷺ: "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هانئ".

فصل

ولما استقر الفتح، أمَّنَ رسولُ الله ﷺ النَّاسَ كُلَّهُم إلا تسعة نَفَر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وُجِدُوا تحتَ أستارِ الكعبةِ، وهم عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعِكْرِمةُ بن أبي جهل، وعبد العُزَّى بن خَطَل، والحارثُ بنُ نُفيل ابن وهب، ومَقِيس بن صُبابة، وهَبَّار بن الأسود، وقينتان لابن خَطَل، كانتا تُغَنِّيان بهجاءِ رسول الله ﷺ، وسارةُ مولاةٌ لبعض بنى عبد المطلب.

فأما ابن أبي سَرْح فأسلم، فجاء به عثمانُ بن عفان، فاستأمن له رسول الله ﷺ، فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقومَ إليه بعضُ الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك، وهاجر، ثم ارتدَّ، ورجع إلى مكة.

وأما عِكرمةُ بن أبي جهل، فاستأمَنَت له امرأتُه بعد أن فرَّ، فأمَّنه النبي ﷺ، فَقَدِمَ وأسلم وحَسُنَ إسلامه.

وأما ابنُ خَطَل، والحارث، ومَقِيس، وإحدى القَينتين، فقُتِلُوا، وكان مقيسٌ، قد أسلم، ثم ارتدَّ وقَتَلَ، ولَحِقَ بالمشركين، وأما هَبَّار بن الأسود، فهو الذي عرض لزينبَ بنتِ رسول الله ﷺ حين هاجرت، فنخَس بها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينَها، ففرَّ، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه.

واستؤمن رسولُ الله ﷺ لِسارة ولإحدى القَينتين، فأمَّنَهُمَا فأسلمتا.

فلما كان الغدُ مِن يوم الفتح، قامَ رسولُ الله ﷺ في الناس خطيبًا، فَحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ومجَّده بما هُوَ أهلُه، ثم قال: "يا أيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، فهي حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلا يَحِلُّ لامْرِيءٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ أنْ يَسْفِكَ فيها دَمًا أوْ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُول اللهِ ﷺ، فقولوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإنَّمَا حَلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهارٍ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كحُرْمَتِهَا بالأمْس، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائبَ".

ولما فتح اللهُ مكة على رسوله، وهي بلدُه، ووطنُه، ومولدُه، قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسولَ الله ﷺ إذ فتحَ الله عليه أرضَه وبلدَه أن يُقيمَ بها، وهو يدعو على الصفا رافِعًا يديه؟ فلما فرغ من دُعائه، قال: "ماذا قلتم"؟ قالوا: لا شىء يا رسولَ الله، فلم يَزَلْ بهم حتَّى أخبروه، فقال رسولُ الله ﷺ: "مَعَاذَ الله، المحْيَا مَحياكُم، والمَمَاتُ مَمَاتُكم".

وهمَّ فَضَالةُ بن عُمير بن الملِّوح أن يقتُلَ رسولَ الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه، قال له رسولُ الله ﷺ: "أفَضَالة"؟ قال: نعم فَضَالة يا رسولَ الله، قال: "ماذا كنتَ تُحَدِّثُ به نفسَك"؟ قال: لا شىء، كنتُ أذكر الله، فَضَحِكَ النبي ﷺ ثم قال: "اسْتَغْفِرِ الله"، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبُه، وكان فَضَالة يقول: واللهِ ما رَفَعَ يدَه عن صدري حتى ما خَلَقَ اللهُ شيئًا أحبَّ إليَّ منه، قال فَضَالة: فرجعتُ إلى أهلي، فمررتُ بامرأة كنتُ أتحدث إليها، فقالت: هلمَّ إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فَضَالة يقول:

قَالَتْ هَلُمَّ إلى الحَدِيثِ فَقُلْتُ لا ** يأْبَى عَلَيْك اللهُ والإسْلامُ

لَوْ قدْ رَأَيْتِ مُحَمَّدًا وقَبِيلهُ ** بِالفَتْحِ يَوْم تُكَسَّرُ الأصْنَامُ

لَرَأَيْتِ دِينَ اللهِ أَضْحَى بَيِّنًا ** والشِّرْكُ يَغْشِي وَجْهه الإظْلامُ

وفرَّ يومئذ صفوانُ بن أُميَّة، وعِكرمةُ بن أبي جهل، فأما صفوانُ، فاستأمن له عُميرُ بن وهب الجُمَحى رسولَ الله ﷺ، فأمَّنه وأعطاه عِمامته التي دخل بها مكة، فلحقه عميرٌ وهو يُريدُ أن يركب البحر فردَّه، فقال: اجعلنى فيه بالخيار شهرين، فقال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر.

وكانت أُمُّ حكيم بنتُ الحارث بن هشام تحتَ عِكرمة بن أبي جهل، فأسلمت، واستأمنت له رسولَ الله ﷺ، فأمَّنه فَلَحِقَتْ بِهِ باليمن، فأمَّنته فردَّته، وأقرهما رسولُ الله ﷺ هو وصفوان على نكاحهما الأول.

ثم أمرَ رسولُ الله ﷺ تميم بن أسيد الخُزاعي فجدَّد أنصاب الحرم.

وبثَّ رسول الله ﷺ سراياه إلى الأوثان التي كانت حولَ الكعبة، فكُسِّرَتْ كُلُّهَا مِنها اللات والعُزَّى، ومنَاةُ الثالثةُ الأُخرى، ونادى منادِيهِ بمكة: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فلا يَدَعْ في بَيْتِهِ صَنمًا إلا كسَره".

فبعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى لِخمس ليال بقينَ من شهر رمضان ليهدمها، فخرج إليها في ثلاثين فارسًا مِن أصحابِهِ حتَّى انْتَهَوا إليها، فهدمها ثم رجع إلى رسولِ الله ﷺ فأخبره، فقال: "هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا"؟ قال: لا، قال: "فإنَّك لم تَهْدِمْهَا فارْجِعْ إليها فاهدِمْهَا"، فرجع خالد وهو متغيِّظ فجرَّد سيفَه، فخرجت إليه امرأة عجوز عُريانة سوداءُ ناشرة الرأس، فجعل السَّادِنُ يصيحُ بها، فضربها خالد فجزلَها باثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "نَعَمْ تِلْكَ العُزَّى، وقَدْ أَيِسَتْ أنْ تُعْبَدَ في بِلادِكُمْ أَبَدًا" وكانت بنخلة، وكانت لِقريش وجميعِ بني كِنانة، وكانت أعظمَ أصنامِهم، وكان سدنتُها بنى شيبان.

ثم بعثَ عَمْرَو بن العاص إلى سُواع، وهو صنم لهُذَيْل ليهدمه، قال عَمْرو: فانتهيتُ إليه وعنده السَّادِن، فقال: ما تُريد؟ قلتُ: أمرني رسولُ الله ﷺ أن أهْدِمَه، فقال: لا تَقدِرُ على ذلك، قلت: لِمَ؟ قالت: تُمنع. قلتُ: حتَّى الآن أنت عَلى الباطِل، ويحك، فهل يَسْمَعُ أو يُبْصِرُ؟، قال: فدنوتُ منه فكسرتُه، وأمرتُ أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم نجدْ فيه شيئًا، ثم قلتُ للسَّادِن: كيف رأيتَ؟ قال: أسلمتُ لله.

ثم بعثَ سعد بن زيد الأشهلي إلى مَنَاة، وكانت بالمُشَلَّل عند قُديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعندها سادِنٌ، فقال السَّادِنُ: ما تُريدُ؟ قلتُ: هَدْمَ مَنَاة، قال: أنتَ وذاك، فأقبل سعدٌ يمشى إليها، وتخرُج إليه امرأة عُريانة سوداءُ، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتَضْرِبُ صدرَها، فقال لها السَّادِنُ: مَنَاة؛ دونك بعضَ عُصاتك، فضربها سعد فقتلَها، وأقبل إلى الصنم، ومعه أصحابه فهدمه، وكسروه، ولم يجدوا في خزانته شيئًا.

ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمةعدل

قال ابنُ سعد: ولما رجع خالدُ بن الوليد من هَدْم العُزَّى، ورسول الله ﷺ مقيمٌ بمكة، بعثه إلى بنى جُذيمةَ داعيًا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلًا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلًا مِن المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فانتهى إليهم، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلَّينا وصدَّقنا بمحمد وبنينا المساجدَ في ساحتنا، وأذَّنا فيها، قال: فما بالُ السلاح عليكم؟ قالوا: إن بينَنا وبَيْنَ قومٍ من العرب عداوةً، فخِفنا أن تكونُوا هم، وقد قيل: إنهم قالوا صبأنا، ولم يُحسِنُوا أن يقولُوا: أسلمنا، قال: فضعُوا السلاح، فوضعُوه، فقال لهم: استأسِرُوا، فاستأسرَ القومُ، فأمر بعضَهم فكتف بعضًا، وفرَّقهم في أصحابه، فلما كان في السَّحَر، نادى خالدُ بن الوليد: مَن كان معه أسيرٌ، فليضرِبْ عُنُقَه، فأما بنو سُليم فقتلُوا مَن كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أسراهم، فبلغ النبي ﷺ ما صنع خالِدٌ، فقال: "اللهُمَّ إني أبْرأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ"، وبعث عليًا يُودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم.

وكان بين خالدٍ وعبدِ الرحمن بن عَوْف كلامٌ وشرٌ في ذلك، فبلغ النبي ﷺ، فقال: "مَهْلا يَا خَالدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي فَوَاللهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ في سَبِيلِ اللهِ مَا أدْرَكْتَ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلا رَوْحَتَه".

فصل

وكان حسَّانُ بن ثابت رضي الله عنه قد قال في عُمْرة الحُديبية:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابعِ فالجِوَاءُ ** إلى عَذْراءَ مَنْزِلُها خَلاءُ

دِيَارٌ مِنْ بَنِي الحَسْحَاسِ قَفْرٌ ** تُعَفِّيها الرَّوَامِسُ والسَّماءُ

وكَانَتْ لا يَزَالُ بِهَا أنِيسٌ ** خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وشَاءُ

فَدَعْ هذَا ولكِن مَنْ لِطَيفٍ ** يُؤَرِّقُنِي إذَا ذَهَبَ العِشَاءُ

لشَعْثَاءَ التي قَدْ تَيَّمَتْهُ ** فَلَيْسَ لِقَلْبَهِ مِنْهَا شِفَاءُ

كَأنَّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ** يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ

إذَا ما الأشْرِباتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا ** فَهُنَّ لِطَيِّبِ الرَّاحِ الفِداءُ

نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمْنا ** إذَا مَا كَانَمَغْثٌ أَو لحَاءُ

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا مُلُوكًا ** وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنا اللِّقَاءُ

عدِمْنَا خَيْلَنَاإنْ لَمْ تَرَوْهَا ** تُثيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كدَاءُ

يُنَازِعْنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ** عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ

تَظَلُّ جِيادُنَا مُتمَطِّراتٍ ** تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ

فَإمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا ** وَكَانَ الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطَاءُ

وَإلَّا فَاصْبِرُوا لجِلاد يَوْمٍ ** يُعِزُّ اللهُ فِيه مَنْ يَشَاءُ

وَجِبْريلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا ** وَرُوحُ القُدْس لَيْس لَهُكِفَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَدْ أرْسَلْتُ عَبْدًا ** يَقُولُ الحَقَّ إنْ نَفَعَ البلاءُ

شَهِدْتُ بِهِ فَقُوموا صدِّقوهُ ** فَقُلْتُمْ لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا ** هُمُ الأنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ

لَنَا في كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ** سِبَابٌ أوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ

فَنُحْكِمُ بِالقَوَافِي مَنْ هَجَانَا ** وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّماءُ

أَلا أَبْلِغْ أبَا سُفْيانَ عَنِّي ** مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ

بِأَنَّ سَيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدا ** وَعَبْدُ الدَّارِ سادَتُهَا الإمَاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّدا فأَجَبْتُ عَنْهُ ** وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الجَزَاءُ

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ** فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ

هَجَوْتَ مُبَاركًا بَرًّا حَنِيفًا ** أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ

أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ** وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُه سَوَاءُ

فإنَّ أبى وَوَالِدَه وعِرْضِي ** لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ

لِسَانِي صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ ** وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ

فصل في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه واللطائفعدل

كان صلحُ الحديبية مقدِّمةً وتوطئة بينَ يدي هذا الفتح العظيم، أَمِنَ الناسُ به، وكلَّم بعضُهم بعضًا وناظره في الإسلام، وتمكن مَن اختفى مِن المسلمين بمكة من إظهار دينه، والدعوةِ إليه، والمناظرةِ عليه، ودخل بسببه بَشَرٌ كثيرٌ في الإسلام، ولهذا سمَّاه الله فتحًا في قوله: { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } [179]، نزلت في شأن الحُديبية، فقال عمر: يا رسول الله؛ أَوَ فتحٌ هو؟ قال: "نعم". وأعاد سبحانه وتعالى ذكر كونه فتحًا، فقال: { لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } إلى قوله: { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } [180] وهذا شأنه سبحانه أن يُقدِّم بين يدي الأُمور العظيمة مقدِّماتٍ تكونُ كالمدخل إليها، المنبهة عليها، كما قدَّم بين يدي قصة المسيح وخلقه مِن غير أب، قِصة زكريا، وخلقِ الولد له مع كونه كبيرًا لا يُولد لمثله، وكما قدَّم بين يدي نسخ القِبْلة قصةَ البيت وبنائه وتعظيمه، والتنويه بِه، وذِكْر بانيه، وتعظِيمهِ، ومدحه، ووطأ قبل ذلك كُلِّه بذكر النسخ، وحكمته المقتضية له، وقُدرته الشاملة له، وهكذا ما قدَّم بين يدي مبعث رسوله ﷺ، من قصة الفيل، وبِشارات الكُهَّان به، وغير ذلك، وكذلك الرُّؤيا الصالحة لرسول الله ﷺ كانت مقدِّمةً بين يدي الوحي في اليقظة، وكذلك الهِجرة كانت مقدِّمةً بين يدي الأمر بالجهاد، ومَن تأمل أسرار الشرع والقدر، رأى من ذلك ما تَبْهَرُ حِكمتُه الألبابَ.

فصل (في أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده يصيرون حربا له بذلك)عدل

وفيها: أن أهل العهد إذا حاربُوا مَن هم في ذمة الإمام وجواره وعهده، صارُوا حربًا له بذلك، ولم يبق بينهم وبينه عهدٌ، فله أن يُبَيِّتَهم في ديارهم، ولا يحتاجُ أن يُعلِمَهُمْ على سواء، وإنما يكون الإعلامُ إذا خاف منهم الخيانَة، فإذا تحقَّقها، صاروا نابذين لعهده.

فصل

وفيها: انتقاضُ عهد جميعهم بذلك، رِدْئهم ومُباشِرِيهم إذا رضُوا بذلك، وأقرُّوا عليه ولم يُنكروه، فإن الذين أعانُوا بني بكر مِن قُريش بعضُهم، لم يُقاتِلُوا كُلُّهم معهم، ومع هذا فغزاهم رسولُ الله ﷺ كلَّهم، وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعًا، ولم ينفرِدْ كلُّ واحد منهم بصُلح، إذ قد رَضُوا به وأقرُّوا عليه، فكذلك حُكم نقضهم للعهد، هذا هَدْيُ رسول اللهِ ﷺ الذي لا شك فيه كما ترى.

وطردُ هذا جريانُ هذا الحكمِ على ناقضي العهد مِن أهل الذِّمة إذا رضي جماعتُهم به، وإن لم يُباشر كُلُّ واحد منهم ما ينقُضُ عهده، كما أجلى عُمَرُ يهودَ خيبر لما عدا بعضُهم على ابنه ورَمَوْه مِن ظهر دار فَفَدَعُوا يده؛ بل قد قتل رسولُ الله ﷺ جميع مقاتلة بنى قُريظة، ولم يسأل عن كل رجل منهم: هل نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النَّضير كُلَّهم، وإنما كان الذي هَمَّ بالقتل رجلان، وكذلك فعلَ ببنى قَيْنُقَاع حتى استوهبهم منه عبدُ الله ابن أُبَيّ، فهذه سيرتُه وهَدْيُه الذي لا شك فيه، وقد أجمع المسلمون على أن حكم الرِّدء حكمُ المباشِرِ في الجهاد، ولا يُشترط في قسمة الغنيمة، ولا في الثواب مباشرةُ كل واحدٍ واحدٍ القتال.

وهذا حكمُ قُطَّاع الطريق، حكمُ ردئهم حكمُ مباشرهم، لأن المباشِرَ إنما باشر الإفساد بقوة الباقين، ولولاهم ما وصل إلى ما وصل إليه، وهذا هو الصوابُ الذي لا شك فيه، وهو مذهبُ أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم.

فصل

وفيها: جوازُ صلح أهلِ الحرب على وضع القِتال عشرَ سنين، وهل يجوزُ فوق ذلك؟ الصواب: أنه يجوزُ للحاجة والمصلحة الراجِحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعفٌ وعدوُّهم أقوى منهم، وفى العَقد لِما زاد عن العشر مصلحةٌ للإسلام.

فصل

وفيها: أن الإمام وغيرَه إذا سُئل ما لا يجوز بذلُه، أو لا يجبُ، فسكت عن بذله، لم يكن سكوتُه بذلًا له، فإن أبا سفيان سأل رسولَ الله ﷺ تجديدَ العهد، فسكتَ رسولُ الله ﷺ، ولم يجبه بشئ، ولم يكن بهذا السكوتِ معاهِدًا له.

فصل

وفيها: أن رسولَ الكفار لا يُقتل، فإن أبا سفيان كان ممن جَرَى عليه حُكْمُ انتقاضِ العهد، ولم يقتُلْه رسولُ الله ﷺ إذ كان رسولَ قومه إليه.

فصل

وفيها: جوازُ تبييتِ الكفار، ومُغافَضَتُهم في ديارهم إذا كانت قد بلغتهم الدعوةُ، وقد كانت سرايا رسول الله ﷺ يُبيِّتُون الكفَّار، ويُغيرون عليهم بإذنه بعد أن بلغتهم دعوتُه.

فصل

وفيها: جوازُ قتل الجاسوسِ وإن كان مسلمًا لأن عمر رضي الله عنه سأل رسولَ الله ﷺ قتلَ حاطب بن أبي بَلتعةَ لما بعثَ يُخبر أهلَ مكة بالخبر، ولم يقل رسولُ الله ﷺ: لا يَحِلُّ قتله إنه مسلم، بل قال: "ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم" فأجاب بأن فيه مانعًا من قتله، وهو شهودهُ بدرًا، وفى الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوسٍ ليس له مِثْلُ هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح: أن قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ، استبقاه. والله أعلم.

فصل

وفيها: جوازُ تجريدِ المرأة كُلِّها وتكشيفها للحاجة والمصلحةِ العامة، فإن عليًا والمقداد قالا للظعينة: لتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لنكْشِفَنَّك، وإذا جاز تجريدُها لحاجتها إلى حيث تدعو إليها، فتجريدُها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى.

فصل

وفيها: أن الرجل إذا نَسَبَ المسلم إلى النفاقِ والكُفْرِ متأوِّلًا وغضبًا للهِ ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفُر بذلك، بل لا يأثمُ به، بل يُثاب على نيِّته وقصده، وهذا بِخِلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفَّروه وبدَّعوه.

فصل

وفيها: أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفَّرًا بشهوده بدرًا، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنةُ العظيمةُ مِن المصلحة، وتضمنتهُ مِن محبة الله لها ورضاه بها، وفرحِه بها، ومباهاتِه للملائكة بفاعلها، أعظمُ مما اشتملت عليه سيئةُ الجسِّ مِن المفسدة، وتضمَّنَتْهُ مِن بغضِ الله لها، فغلب الأقوى على الأضعفِ، فأزاله، وأبطل مقتضاه، وهذه حكمةُ الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات، الموجبينِ لصحةِ القلب ومرضه، وهي نظيرُ حكمته تعالى في الصحة والمرضِ اللاحِقين للبدن، فإن الأقوى منهما يَقْهَرُ المغلوبَ، ويصير الحكمُ له حتى يذهبَ أثرُ الأضعف، فهذه حِكمتُه في خلقه وقضائه، وتلك حِكمته في شرعه وأمره.

وهذا كما أنه ثابت في محو السيئاتِ بالحسنات، لقوله تعالى: { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [181]. وقوله تعالى: { إن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [182]، وقوله ﷺ: "وأتبع السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها"، فهوثابت في عكسه لقوله تعالى: { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى } [183]، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } [184]. وقول عائشة، عن زيد ابن أرقم أنه لما باع بالعينة: "إنَّه قد أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَّا أَنْ يَتُوبَ".

وكقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ " إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافُع الحسناتِ والسيئات، وإبطالِ بعضها بعضًا، وذهابِ أثر القوى منها بما دونَه، وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط.

وبالجملة فقوة الإحسان ومرضُ العصيان متصاولان ومتحاربان، ولهذا المرض مع هذه القوة حالةُ تزايد وترام إلى الهلاك، وحالةُ انحطاط وتناقص، وهي خيرُ حالات المريض، وحالةُ وقوف وتقابل إلى أن يقهرَ أحدُهما الآخر، وإذا دخل وقتُ البُحران وهو ساعة المناجزة، فحظُّ القلب أحدُ الخطتين: إما السلامةُ وإما العطبُ، وهذا البُحران يكونُ وقتَ فعلِ الواجبات التي تُوجِبُ رِضَى الربِّ تعالى ومغفرتَه، أو تُوجبُ سُخْطَه وعقوبَته، وفى الدعاء النبوي: "أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، وقال عن طلحة يومئذ: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ".

ورُفِع إلى النبي ﷺ رجلٌ وقالوا: يا رسولَ الله؛ إنه قد أوجب، فقال: "أَعْتِقُوا عَنْهُ ". وفى الحديث الصحيح "أَتَدْرُونَ مَا المُوجِبتَان"؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: "مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّة، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار"، يريد أن التوحيد والشِّرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السمِّ القاتِل قطعًا، والترياق المنجى قطعًا.

وكما أن البدن قد تَعْرِضُ له أسبابٌ رديئة لازمة تُوهِنُ قوَّته وتُضعِفُها، فلا ينتفعُ معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تُحيلُها تلك المواد الفاسدة إلى طبعها وقوَّتها، فلا يزدادُ بها إلا مرضًا، وقد تقومُ به موادٌ صالحة وأسبابٌ موافِقة تُوجِبُ قوَّتَه، وتُمَكِّنُه مِن الصحة وأسبابها، فلا تكادُ تضرُّه الأسبابُ الفاسِدةُ، بل تُحيلها تلك الموادُّ الفاضلة إلى طبعها، فهكذا موادُّ صحة القلبِ وفسادِه.

فتأمل قوة إيمانِ حاطب التي حملته على شهودِ بدر، وبذلِه نفسَه مع رسولِ الله ﷺ، وإيثارِهِ اللهَ ورسولَه على قومه وعشيرتهِ وقرابتهِ وهم بين ظهرانى العدُوِّ، وفى بلدهم، ولم يَثْنِ ذلكَ عِنَانَ عزمِه، ولا فَلَّ مِن حَدِّ إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهلُه وعشيرته وأقاربُه عندهم، فلما جاء مرضُ الجسِّ، برزت إليه هذه القوةُ، وكان البُحرانُ صالحًا، فاندفع المرض، وقام المريض، كأن لم يكن به قَلبَةٌ، ولما رأى الطبيبُ قوةَ إيمانه قد استعلت على مرض جَسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاجُ هذا العارض إلى فصاد، "ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أهل بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفرْتُ لَكُم".

وعكس هذا ذو الخُويصِرَة التميمي وأضرابه مِن الخوارج الذين بلغ اجتهادُهم في الصلاةِ والصِّيَامِ والقراءة إلى حد يَحْقِرُ أحدُ الصحابة عملَه معه كيف قال فيهم: "لَئِنْ أدْركْتُهُم لأَقْتَلَنَّهُم قَتْلَ عَادٍ"، وقال: "اقْتُلُوهُم فإنَّ في قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ". وقال: "شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ"، فلم ينتفِعُوا بتلك الأعمال العظيمةِ مع تلك المواد الفاسدة المهلكةِ واستحالت فاسدةً.

وتأمَّل في حال إبليس لما كانت المادةُ المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفعْ معها بما سَلَف مِن طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هُوَ أولى به، وكذلك الذي آتاه اللهُ آياتِه، فانسلخَ مِنها، فأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، فكان مِن الغاوين وأضرابُه وأشكالُه، فالمعوَّلُ على السرائر والمقاصد والنِّياتِ والهِمم، فهي الإكسير الذي يَقْلِبُ نحاسَ الأعمال ذهبًا، أو يرُدُّهَا خَبَثًا. وبالله التوفيق.

ومَن له لُبٌ وعقل، يعلم قَدْرَ هذِهِ المسألة وشِدَّةَ حاجته إليها، وانتفاعه بها، ويطَّلِعُ منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في خلقه، وأمره، وثوابِه، وعِقابه، وأحكامِ الموازنة، وإيصالِ اللَّذة والألم إلى الروح والبدن في المعاش والمعاد، وتفاوتِ المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائمٌ على كُلِّ نفس بما كسبت.

فصل

وفي هذه القصة جوازُ مباغتة المعَاهَدِينَ إذا نقضُوا العهد، والإغارةُ عليهم، وألا يُعلمهم بمسيره إليهم، وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد، فلا يجوزُ ذلك حتى يَنْبِذَ إليهم على سواء.

فصل

وفيها: جواز بل استحباب كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدوِّ إذا جاؤوا إلى الإمام كما يفعل ملوك الإسلام، كما أمر النبي ﷺ بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه حتى عُرِضت عليه عساكر الإسلام وعصابة التوحيد وجند الله، وعُرِضت عليه خاصِكية رسول الله ﷺ وهم في السلاح لا يُرى منهم إلا الحدق، ثم أرسله، فأخبر قريشًا بما رأى.

فصل

وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله ﷺ والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها مَن أراد الحج أو العُمْرة إلا بإحرام، واختُلِفَ فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخولُ لحاجة متكررة، كالحشَّاشِ والحطَّاب، على ثلاثة أقوال:

أحدها: لا يجوزُ دخولُها إلا بإحرام، وهذا مذهبُ ابنِ عباس رضي الله عنه، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه.

والثاني: أنه كالحشَّاشِ والحطَّاب، فيدخُلها بغير إحرام، وهذا القولُ الآخر للشافعي، ورواية عن أحمد.

والثالث: أنه إن كان داخِلَ المواقيت، جاز دخولُه بغير إحرام، وإن كان خارجَ المواقيت، لم يدخُلْ إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة وهَدْيُ رسول الله ﷺ معلومٌ في المجاهد، ومريدِ النُّسك، وأما مَنْ عداهما فلا واجبَ إلا ما أوجبه اللهُ ورسولُه، أو أجمعت عليه الأُمةُ.

فصل

وفيها البيانُ الصريح بأن مكة فُتِحَتْ عَنْوَةً كما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم، ولا يُعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضحُ شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولمَّا استهجن أبو حامد الغزالى القول بأنها فُتِحَتْ صلحًا، حكى قول الشافعي أنها فُتِحَتْ عَنوة في "وسيطه"، وقال: هذا مذهبُه.

قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوة، لقسمها رسولُ الله ﷺ بين الغانمين كما قسم خَيْبَر، وكما قسم سائر الغنائم مِن المنقولات، فكان يُخمسها ويَقْسِمُها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمَّنهم، كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فُتِحَتْ عَنوة، لملكَ الغانمون رباعها ودورَها، وكانوا أحقَّ بها مِن أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيثُ لم يحكم رسولُ الله ﷺ فيها بهذا الحُكم، بل لم يَرُدَّ على المهاجرين دُورَهُم التي أُخْرِجُوا منها، وهي بأيدى الذين أخرجوهم، وأقرَّهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العَنوة، وقد صرَّح بإضافة الدُور إلى أهلها، فقال: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أبى سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ، فَهُوَ آمِنٌ".

قال أرباب العَنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيَّد بدخول كُلِّ واحد داره، وإغلاقِه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يُقاتِلْهم خالدُ بن الوليد حتى قتل منهم جماعة، ولم يُنكر عليه، ولَمَا قَتَلَ مَقيسَ بن صُبابة، وعبدَ الله بن خَطَلٍ ومَن ذُكِرَ معهما، فإن عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثنى فيه هؤلاء قطعًا، ولنقل هذا وهذا، ولو فُتِحَتْ صُلحًا، لم يُقاتِلْهم، وقد قال: "فإنْ أحَدٌ ترخَّصَ بقتال رَسُولِ الله ﷺ، فَقُولُوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ"، ومعلوم أن هذا الإذن المختصَّ برسول الله ﷺ، إنما هو الإذن في القتال لا في الصلح، فإن الإذن في الصلح عام.

وأيضًا فلو كان فتحُها صلحًا، لم يقل: إن الله قد أحلَّها له ساعةً من نهار، فإنها إذا فُتِحَت صُلحًا كانت باقية على حُرْمتها، ولم تخرج بالصُّلْح عن الحُرْمة، وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حرامًا، وأنها بعد انقضاء ساعة الحربِ عادت إلى حُرْمتها الأُولى.

وأيضًا فإنها لو فُتِحَتْ صُلحًا لم يعبئْ جيشه: خيالَتهم ورجالَتهم مَيمنةً ومَيسرة، ومعهم السِّلاح، وقال لأبي هريرة: "اهتِفْ لي بالأنصَارِ"، فهتفَ بهم، فجاؤوا، فأطافُوا برسولِ الله ﷺ، فقال: "أَتَروْنَ إلى أوْبَاشِ قُرَيْش وأتْبَاعِهِمْ"، ثم قال بيديه إحداهما على الأُخرى: "احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى توافُوني عَلَى الصَّفَا"، حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله؛ أُبيحت خضراءُ قريش، لا قريشَ بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ ". وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن كان قد تقدَّم صلح وكَلَّا فإنه ينتقِضُ بدون هذا.

وأيضًا فكيف يكون صلحًا، وإنما فُتِحت بإيجاف الخيلِ والرِّكاب، ولم يَحبِسِ اللهُ خيلَ رسوله ورِكابه عنها، كما حبسها يومَ صُلح الحُدَيبية، فإن ذلكَ اليوم كان يوم الصلح حقًا، فإن القَصواء لما بركت به، قالوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، قال: "ما خلأت وما ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ"، ثم قال: "واللهِ لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فًيهَا حُرْمَةً مِنْ حُرُماتِ الله إلَّا أَعْطَيْتُهُمُوهَا".

وكذلك جرى عقدُ الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملإٍ من المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثلُ هذا الصلح في يومِ الفتح، ولا يُكتب ولا يُشهد عليه، ولا يحضُرُه أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه، هذا مِن الممتنع البيِّنِ امتناعه، وتأمل قوله: "إن اللهَ حَبَسَ عَنْ مكَّةَ الفيلَ، وسلَّط عليها رسولَه والمؤمنين"، كيف يُفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخُلها عليهم عَنوة، فحبسه عنهم، وسلَّط رسولَه والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عَنوة بعد القهر، وسلطان العَنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجَلَّ قدرًا، وأعظمَ خطرًا، وأظهرَ آيةً، وأتمَّ نُصرةً، وأعلى كلمةً من أن يُدخلهم تحت رِقِّ الصلح، واقتراحِ العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العَنوة وعِزَّها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعزَّ به دينه، وجعله آيةً للعالمين.

قالوا: وأما قولكم: إنها لو فُتِحَت عَنوة، لقُسِمت بين الغانمين، فهذا مبنيٌ على أن الأرض داخلةٌ في الغنائم التي قسمها اللهُ سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها، وجمهورُ الصحابة والأئمةِ بعدهم على خِلافِ ذلك، وأن الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتُها، وهذه كانت سيرةَ الخُلفَاءِ الراشدين، فإن بلالًا وأصحابَه لما طلبوا مِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسِمَ بينهم الأرض التي افتتحوها عَنوة وهى الشامُ وما حولها، وقالوا له: خُذ خُمسها واقسِمْهَا، فقال عمر: هذا غيرُ المال، ولكن أحبسه فَيْئًا يجرى عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه رضي الله عنهم: اقسمها بينَنَا، فقال عمر: "اللهُمَّ اكْفِنِي بلالًا وذَوِيهِ"، فما حال الْحَوْلُ ومنهم عين تَطْرِفُ، ثم وافق سائِرُ الصحابة رضي الله عنهم عمرَ رضي الله عنه على ذلك، وكذلك جرى في فتوح مِصرَ والعِراق، وأرض فارس، وسائرِ البلاد التي فُتحتْ عَنوة لم يَقْسِمْ منها الخلفاءُ الراشدون قريةً واحدة.

ولا يَصحُّ أن يُقال: إنه استطابَ نفوسَهم، ووقفها برضاهم، فإنَّهم قد نازعُوهُ في ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلالٍ وأصحابه رضي الله عنهم وكان الذي رآه وفعله عَيْنَ الصواب ومحضَ التوفيق، إذ لو قُسِمَتْ، لتوارثها ورثةُ أُولئك وأقاربُهم، فكانت القريةُ والبلدُ تصير إلى امرأة واحدة، أو صبيٍّ صغير، والمقاتلة لا شئ بأيديهم، فكان في ذلك أعظمُ الفسادِ وأكبرُه، وهذا هو الذي خاف عمرُ رضي الله عنه منه، فوفَّقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفًا على المقتالةِ تجرى عليهم فَيْئًا حتى يغزوَ منها آخِرُ المسلمين، وظهرت بركةُ رأيه ويُمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة.

واختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثرُ نصوصه، على أن الإمام مخيَّر فيها تخييرَ مصلحة لا تخييرَ شهوة، فإن كان الأصلحُ للمسلمين قسمتَها، قسمها، وإن كان الأصلحُ أن يَقِفَها على جماعتهم، وقفها، وإن كان الأصلح قِسمة البعضِ ووقفَ البعض، فعلَه، فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قَسَمَ أرض قُريظة والنًَّضير، وترك قِسمة مكة، وقسمَ بعضَ خيبر، وترك بعضَها لما يَنُوبُه مِن مصالح المسلمين.

وعن أحمد روايةٌ ثانية: أنها تصير وقفًا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن يُنشئ الإمام وقفها، وهي مذهب مالك.

وعنه رواية ثالثة: أنه يقسِمُها بين الغانمين كما يَقْسِمُ بينهم المنقولَ، إلا أن يتركوا حقوقَهم منها، وهي مذهب الشافعي.

وقال أبو حنيفة: الإمام مخيَّر بين القسمة، وبين أن يُقِرَّ أربابَها فيها بالخراج، وبين أن يُجليَهم عنها وينفذ إليها قومًا آخرين يضرِبُ عليهم الخراجَ.

وليس هذا الذي فعل عمرُ رضي الله عنه بمخالفٍ للقرآن، فإن الأرض ليست داخلةً في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنها غيرُ المال، ويدل عليه أن إباحةَ الغنائم لم تكن لغير هذِه الأُمة، بل هو مِن خصائصها، كما قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "وَأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلُّ لأَحد قَبْلِي"، وقد أحلَّ اللهُ سبحانه الأرض التي كانت بأيدى الكفارِ لمن قبلنا مِن أتباع الرسل إذا استوْلَوْا عليها عَنوة، كما أحلَّها لِقوم موسى، فلهذا قال موسى لقومه: { يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ التي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [185]. فموسى وقومُه قاتلوا الكُفَّارَ، واستولَوْا على ديارهم وأموالهم، فجمعُوا الغنائِم، ثمَّ نزلت النارُ مِن السماء فأكلتها، وسكنُوا الأرض والدِّيار، ولم تُحَرَّم عليهم، فعُلِم أنها ليست مِن الغنائمِ، وأنها للهِ يُورِثُها مَنْ يشاء.

فصل

وأما مكة، فإن فيها شيئًا آخر يمنع مِن قسمتها ولو وجبت قسمةُ ما عداها مِن القُرى، وهي أنها لا تُملك، فإنها دارُ النُّسُك، ومتعبَّدُ الخلق، وحرَمُ الربِّ تعالى الذي جعله للناس سواءً العاكِفُ فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء، ومِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ، قال تعالى: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [186]، والمسجد الحرام هنا، المراد به الحرم كُلُّهُ، كقوله تعالى: { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } [187]. فهذا المرادُ به الحرم كُلُّه، وقولُه سبحانه: { سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى } [188]، وفي الصحيح: أنه أُسْرِيَ به مِّنَ بيت أُم هانئ، وقال تعالى: { ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [189].

وليس المراد به حضورَ نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنما هو حضورُ الحرم والقُرب منه، وسياقُ آية الحج تدُلُّ على ذلك، فإنه قال: { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }، وهذا لا يختصُّ بمقام الصلاةِ قطعًا، بل المراد به الحَرَمُ كُلُّه، فالذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والباد، هو الذي توعَّد مَنْ صَدَّ عنه، ومَن أراد الإلحادَ بالظلم فيه، فالحرمُ ومشاعرُه كالصَّفا والمروة، والمسعى ومِنَى، وعَرَفَة، ومُزْدَلِفَة، لا يختصُّ بها أحدٌ دونَ أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي مَحلُّ نُسُكهم ومتعبدِهم، فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي ﷺ أن يُبنى له بيت بمِنَى يُظِلُّه من الحر، وقال: "مِنَى مُناخُ مَن سَبَقَ".

ولهذا ذهب جمهورُ الأئمةِ مِن السَّلَف والخَلَف، إلى أنه لا يجوزُ بيعُ أراضى مكة، ولا إجارةُ بيوتها، هذا مذهبُ مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.

وروى الإمام أحمد رحمه الله، عن علقمة بن نضلة، قال: كانت رِباعُ مكة تُدعى السَّوائب على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، مَن احتاج سكن، ومَن استغنى أسكن.

وروى أيضًا عن عبد الله بن عمر: "مَن أكل أُجُورَ بيوتِ مكة، فإنما يأكُلُ في بطنه نار جهنم" رواه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وفيه: "إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّة، فَحَرامٌ بَيْعَ رِبَاعِهَا وأَكْلُ ثَمَنِهَا".

وقال الإمام أحمد: حدثنا معمر، عن لَيْثٍ، عن عطاء، وطاووس، ومجاهد، أنهم قالوا: يُكره أن تُباع رِباعُ مكَّة أو تُكرى بيوتها.

وذكر الإمام أحمد، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: مَن أكل من كِراء بيوتِ مكة، فإنما يأكُلُ في بطنه نارًا.

وقال أحمد: حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا حجَّاج، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر، قال: نَهَى عَنْ إجارَةِ بُيوتِ مَكَّة وعَنْ بَيْعِ رَباعِهَا، وذكر عن عطاء، قال: نهى عن إجارة بيوتِ مكة.

وقال أحمد: حدَّثنا إسحاق بن يوسف قال: حدَّثنا عبد الملك، قال: كتب عُمَرُ بنُ عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوتِ مكة، وقال: إنه حرام، وحكى أحمد عن عمر، أنه نهى أن يتَّخِذَ أهلُ مكَّة للدورِ أبوابًا، لِينزِلَ البادى حيث شاء، وحكى عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه نهى أن تُغْلَقَ أبوابُ دورِ مكة، فنهى مَن لا باب لداره أن يتَّخِذَ لها بابًا، ومَن لداره باب أن يُغْلِقَه، وهذا في أيام المَوْسِم.

قال المجوِّزون للبيع والإجارة: الدليلُ على جواز ذلك، كتابُ الله وسُنَّةُ رسولِه، وعملُ أصحابه وخُلفائه الراشدين. قال الله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [190]، وقال: { فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ } [191]، وقال: { إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ } [192] فأضاف الدورَ إليهم، وهذه إضافة تمليك، وقال النبي ﷺ، وقد قيل له: أين تنزِلُ غدًا بدارك بمكة؟ فقال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِباعٍ"، ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرَّهم على الإضافة، وأخبر أن عقيلًا استولى عليها ولم ينزِعْهَا مِن يده،

وإضافةُ دورهم إليهم في الأحاديث أكثرُ من أن تُذكر، كدار أُم هانىء، ودار خديجة، ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، وكانوا يتوارثُونها كما يتوارثون المنقولَ، ولهذا قال النبي ﷺ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلِ"، وكان عقيل هو ورث دورَ أبى طالب، فإنه كان كافرًا، ولم يرثه علي رضي الله عنه، لاختلاف الدينِ بينهما، فاستولى عَقِيلٌ على الدور، ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، مَن مات، ورِثَ ورثتُه داره إلى الآن، وقد باع صفوانُ بنُ أُميَّة دارًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم، فاتخذها سجنًا، وإذا جاز البيعُ، والميراثُ، فالإجارة أجْوزُ وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججُهم في القوة والظهور لا تُدفع، وحُجج الله وبيناتُه لا يُبطِلُ بعضُها بعضًا بل يُصَدِّقُ بعضُهَا بعضًا، ويجبُ العملُ بموجبها كُلِّهَا، والواجبُ اتباعُ الحق أين كان.

فالصوابُ القولُ بموجب الأدلة مِن الجانبين، وأنَّ الدورَ تملك، وتُوهب، وتُورث، وتُباع، ويكون نقلُ الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيعَ الأرض، وله أن يَبنيها ويُعيدَها كما كانت، وهو أحقُّ بها يسكُنها ويُسْكِنُ فيها مَن شاء، وليس له أن يُعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق إن يقدَّم فيها على غيره، ويختصُ بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يُعاوض عليها، كالجلوس في الرِّحاب، والطرقِ الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي مَن سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يُعاوض، وقد صرَّح أربابُ هذا القول بأن البيعَ ونقلَ الملك في رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة.

فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوَّزتُم البيع، فهل لهذا نظيرٌ في الشريعة، والمعهود في الشريعة أن الإجارة أوسعُ من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأما العكس، فلا عهد لنا به؟

قيل: كُلُّ واحد من البيع والإجارة عقدٌ مستقل غيرُ مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلِف، وأحكامُهما مختلفة، وإنما جاز البيعُ، لأنه وارد على المحل الذي كان البائعُ أخصَّ به من غيره، وهو البناء، وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة، وهي مشتركة، وللسابق إليها حقُّ التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة، فإن أبيتم إلا النظيرَ، قيل: هذا المكاتبُ يجوزُ لسيده بيعُه، ويصيرُ مكاتبًا عند مشتريه، ولا يجوزُ له إجارتُه إذ فيها إبطالُ منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم. على أنه لا يمنعُ البيع، وإن كانت منافع أرضها ورباعها مشتركةً بين المسلمين، فإنها تكون عند المشترى كذلك مشتركة المنفعة، إن احتاج سكن، وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطالُ اشتراك المسلمين في هذه المنفعة، كما أنه ليس في بيع المكاتب إبطالُ ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة، ونظيرُ هذا جوازُ بيع أرض الخَراج التي وقفها عمر رضي الله عنه على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأُمة قديمًا وحديثًا، فإنها تنتقل إلى المشترى خَراجية، كما كانت عند البائع، وحق المقاتلة إنما هو في خَراجها، وهو لا يَبْطُلُ بالبيع، وقد اتفقت الأُمة على أنها تُورث، فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفًا، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها، وقد نصّ أحمد على جواز جعلها صداقًا في النكاح، فإذا جاز نقلُ الملك فيها بالصداق والميراث والهبة، جاز البيعُ فيها قياسًا، وعملًا، وفقهًا. والله أعلم.

فصل

فإذا كانت مكةُ قد فُتِحَتْ عَنوة، فهل يُضرب الخراجُ على مزارعها كسائر أرض العَنوة، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟

قيل: في هذه المسألة قولان لأصحاب العَنوة:

أحدهما: المنصوصُ المنصور الذي لا يجوز القولُ بغيره، أنه لا خَراج على مزارعها وإن فتحت عَنوة، فإنها أجَلُّ وأعظم من أن يُضرب عليها الخَراج، لا سيما والخَراجُ هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحرَمُ الرَّبِّ أجَلُّ قَدرًا وأكبرُ من أن تُضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وضعها الله عليهِ مِن كونها حرمًا آمنًا يشترِكُ فيه أهلُ الإسلام، إذ هو موضع مناسِكهم ومتعبدهم وقِبْلةُ أهل الأرض.

والثاني وهو قول بعض أصحاب أحمد أن على مزارعها الخَراج، كما هو على مزارع غيرها من أرض العَنوة، وهذا فاسد مخالف لنص أحمد رحمه الله ومذهبه، ولفعل رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين مِن بعده رضي الله عنهم، فلا التفات إليه. والله أعلم.

وقد بنى بعضُ الأصحاب تحريمَ بيع رِباع مكَّة على كونها فُتِحَتْ عَنوة، وهذا بناء غيرُ صحيح، فإن مساكن أرض العَنوة تُباع قولًا واحدًا، فظهر بطلان هذا البناء. والله أعلم.

وفيها: تعيينُ قتلِ السَّابِّ لرسول الله ﷺ، وأن قتله حدٌ لا بُدَّ من استيفائه، فإن النبي ﷺ لم يُؤمِّن مقيسَ بنَ صُبابة، وابن خطل، والجاريتين اللَّتين كانتا تُغنِّيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يُقتلن كما لا تُقتل الذُرِّية، وقد أمر بقتل هاتين الجاريتين، وأهدر دم أُمِّ ولد الأعمى لما قتلها سيدُها لأجل سبِّها النبي ﷺ، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، وقال: "مَنْ لِكَعْب فإنَّهُ قَدْ آذى اللهَ ورَسُولَهُ"، وكان يسبه، وهذا إجماعٌ من الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم في الصحابة مخالفٌ، فإن الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قال لأبي برزة الأسلمي وقد همَّ بقتل مَن سبَّه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله ﷺ، ومرَّ عمر رضي الله عنه براهب، فقيل له: هذا يسبُّ رسول الله ﷺ. فقال: لو سمعته لقتلتُه، إنَّا لم نعطهم الذِّمَّة على أن يسبُّوا نبينا ﷺ.

ولا ريبَ أن المحاربة بسَبِّ نبينا أعظمُ أذيَّةً ونِكاية لنا من المحاربة باليد، ومنع دينار جزيةٍ في السنة، فكيف يُنقض عهدُه ويُقتل بذلك دون السبِّ، وأيُّ نسبة لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسَبِّ نبينا أقبحَ سبّ على رؤوس الأشهاد، بل لا نِسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسبِّ، فأولى ما انتقض به عهدُه وأمانُه سبُّ رسول الله ﷺ، ولا ينتقض عهدُه بشىء أعظمَ مِنه إلا سبَّه الخالق سبحانه، فهذا محضُ القِياس، ومقتضى النصوص، وإجماعُ الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وعلى هذه المسألة أكثرُ من أربعين دليلًا.

فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يقتُلْ عبد الله بن أبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ولم يقتل ذَا الخُويصرة التميمي وقد قال له: اعْدِلْ فإنَّكَ لم تَعْدِلْ، ولم يقتل مَن قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إنَّ هذِهِ القِسْمَةَ ما أُرِيدَ بهَا وجْهُ اللهِ، ولم يقتل مَن قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابنَ عمتك، وغيرُ هؤلاء ممن كان يبلُغه عنهم أذى له وتنقُّص.

قيل: الحقُّ كان له فله أن يستوفِيَهِ، وله أن يُسْقِطَه، وليس لمن بعده أن يُسْقِطَ حقَّه، كما أن الربَّ تعالى له أن يَستوفى حقَّه، وله أن يُسقِطَ، وليس لأحد أن يُسْقِطَ حقَّه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتُم وغيرهم مصالحُ عظيمة في حياته زالت بعد موته مِن تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتُلُ أصحابَه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أُبَيّ: "لا يَبْلُغُ النَّاسَ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحَابه".

ولا ريب أن مصلحةَ هذا التأليف، وجمعَ القلوب عليه كانت أعظمَ عنده وأحبَّ إليه مِن المصلحة الحاصلة بقتل مَن سبَّه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجَّحت جدًا، قتل السابَّ، كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر بالعداوة والسَّبِّ فكان قتلُه أرجحَ من إبقائه، وكذلك قتلُ ابنِ خَطَل، ومقيس، والجاريتين، وأُم ولدِ الأعمى، فَقَتَلَ للمصلحة الراجحة، وكفَّ للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نُوَّابه وخلفائه، لم يكن لهم أن يُسقطوا حقه.

فصل فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلمعدل

فمنها قولُه: "إنَّ مَكَّة حَرَّمَها اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ"، فهذا تحريمٌ شرعي قَدَرى سبق به قدرُه يومَ خلق هذا العالَم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في الصحيح عنه، أنه ﷺ قال: "اللهُمَّ إنَّ إبْرَاهيمَ خَليلَكَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإني أُحرِّمُ المدِينَة "، فهذا إخبارٌ عن ظهور التحريم السابق يومَ خلق السمواتِ والأرضَ على لسان إبراهيم، ولهذا لم يُنازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها، وإن تنازعُوا في تحريم المدينة، والصوابُ المقطوعُ به تحريمُها، إذ قد صحَّ فيه بضعةٌ وعِشرونَ حديثًا عن رسولِ الله ﷺ لا مطعن فيها بوجه.

ومنها: قوله: "فلا يَحلُّ لأَحَدٍ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا"، هذا التحريمُ لسفك الدم المختصِّ بها، وهو الذي يُباح في غيرها، ويُحرم فيها لكونها حرمًا، كما أن تحريم عَضْدِ الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لُقطتها، هو أمر مختصٌ بها، وهو مباحٌ في غيرها، إذ الجميعُ في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواعٌ:

أحدها وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله: أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تُقاتَل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهلُ مكة مِن مبايعة يزيد، وبايعُوا ابنَ الزبير، فلم يكن قِتالهُم، ونصبُ المنجنيق عليهم، وإحلالُ حَرَمِ الله جائزًا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعتُه، وعارض نصَّ رسول الله ﷺ برأيه وهواه، فقال: إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، فيقال له: هو لا يُعيذ عاصيًا مِن عذاب الله، ولو لم يُعِذْه من سفك دمه، لم يكن حرمًا بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرمًا بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يُعيذُ العصاةَ مِن عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامُه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يُعِذ مقيس ابن صُبابة، وابن خَطَل، ومَن سُمِّيَ معهما، لأنه في تلك الساعة لم يكن حَرَمًا، بل حِلًا، فلما انقضت ساعةُ الحرب، عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السموات والأرضَ. وكانت العربُ في جاهليتها يرى الرجلُ قاتِلَ أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يَهيجُه، وكان ذلك بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرمًا، ثم جاء الإسلام، فأكَّدَ ذلك وقوَّاه، وعلم النبي ﷺ أن مِن الأُمة مَن يتأسَّى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق، وقال لأصحابه: "فإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقولوا: إنَّ الله أذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ"، وعلى هذا فَمَن أتى حدًا أو قِصاصًا خارِجَ الحرم يُوجِبُ القتل، ثم لجأ إليه، لم يَجُزْ إقامتُه عليه فيه، وذكر الإمام أحمد عن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو وجدتُ فيه قاتِلَ الخطاب ما مَسِسْتُه حتَّى يخرُجَ منه. وذُكِر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لو لقيتُ فيه قاتِلَ عمر مَا نَدَهْتُه، وعن ابن عباس، أنه قال: لو لقيتُ قاتِلَ أبى في الحرم ما هِجتُه حتى يخرُجَ منه، وهذا قولُ جمهورِ التابعين ومَنْ بعدهم، بل لا يُحفظ عن تابعيّ ولا صحابيّ خلافُه، وإليه ذهب أبو حنيفةَ ومَنْ وافقه من أهل العراق، والإمامُ أحمد ومَنْ وافقه مِن أهل الحديث.

وذهب مالك والشافعي إلى أنه يُستوفى منه في الحرم، كما يُستوفى منه في الحِلِّ، وهو اختيارُ ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعمومِ النُّصوص الدالة على استيفاء الحدودِ والقِصاص في كُلِّ مكانٍ وزمانٍ، وبأن النبي ﷺ قتل ابن خَطَل، وهو متعلِّق بأستار الكعبة، وبما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: " إنَّ الحَرَمَ لا يُعيذُ عَاصِيًا وَلا فَارًا بِدَمٍ وَلا بِخَرْبَةٍ"، وبأنه لو كان الحدودُ والقِصاصُ فيما دونَ النفسِ، لم يُعِذْهُ الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يُوجب حدًا أو قِصاصًا، لم يعذه الحرم، ولم يَمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا أتاه خارِجَه، ثم لجأ إليه، إذ كونُه حَرَمًا بالنسبة إلى عصمته، لا يختلِفُ بين الأمرين، وبأنه حيوان أُبيح قتلُه لِفساده، فلم يفترِق الحالُ بين قتله لاجئًا إلى الحرم، وبين كونه قد أوجب ما أُبيح قتلُه فيه، كالحيَّة، والحِدَأةِ، والكَلْبِ العَقُور، ولأن النبي ﷺ قال: "خَمْسٌ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم"، فنبَّه بقتلهن في الحِلِّ والحَرَم على العِلَّة، وهي فسقُهن، ولم يجعل التجاءَهن إلى الحرم مانِعًا مِن قتلهن، وكذلك فاسق بنى آدم الذي قد استوجب القتلَ.

قال الأوَّلون: ليس في هذا ما يُعارِضُ ما ذكرنا من الأدلة ولا سيما قوله تعالى: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [193]، وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى، وإما خبرٌ عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبارٌ عن الأمرِ المعهود المستمِرِّ في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قال تعالى: { أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } [194]، وقوله تعالى: { وَقَالُواْ إن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ } [195] وما عدا هذا من الأقوال الباطلة، فلا يُلتفت إليه، كقول بعضهم: ومَن دخله كان آمنًا مِن النار، وقول بعضهم: كان آمنًا مِن الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله، وهو في قعر الجحيم.

وأما العموماتُ الدالة على استيفاء الحدودِ والقِصاص في كل زمان ومكان، فيقال أولًا: لا تعرُّضَ في تلك العموماتِ لِزمان الاستيفاء، ولا مكانه، كما لا تعرُّضَ فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللَّفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمُّنه، فهو مطلَقٌ بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع، لم يُقَلْ: إن توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام. فلا يقول محَصِّل: إن قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [196] مخصوص بالمنكوحة في عِدَّتها، أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوصُ العامة في استيفاء الحدود والقِصاص لا تعرُّض فيها لزمنه، ولا مكانه، ولا شرطه، ولا مانعه، ولو قُدِّر تناول اللَّفظ لذلك، لوجب تخصيصُه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطُل موجبها، ووجب حملُ اللَّفظ العام على ما عداها كسائِر نظائره، وإذا خصصتُم تلك العموماتِ بالحامل، والمرضِعِ، والمريض الذي يُرجى برؤه، والحال المحرمةِ للاستيفاء، كشِدَّةِ المرض، أو البردِ، أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قلتم: ليس ذلك تخصيصًا، بل تقييدًا لمطلقها، كِلنا لكم بهذا الصاع سواء بسواء.

وأما قتلُ ابن خَطَل، فقد تقدَّم أنه كان في وقت الحِلِّ، والنبي ﷺ قطع الإلحاق، ونصَّ على أن ذلك مِن خصائصه، وقوله ﷺ: "وإنَّمَا أُحِلَّت لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" صريح في أنه إنما أُحِلَّ له سفكُ دمٍ حلال في غيرِ الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالًا في كل وقت، لم يختصَّ بتلك الساعة، وهذا صريحٌ في أن الدم الحلالَ في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة، وأما قوله: "الحَرَمُ لا يُعِيذُ عَاصِيًا" فهو مِن كلام الفاسِق عمرو بن سعيد الأشدق، يردُّ به حديثَ رسولِ الله ﷺ حِين روى له أبو شُريح الكعبى هذا الحديث، كما جاء مبينًا في الصحيح فكيف يُقَدَّمُ علَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وأما قولُكم: لو كان الحدُّ والقِصاصُ فيما دون النفس، لم يُعِذْهُ الحرمُ منه، فهذه المسألةُ فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، فمَن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصِمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومَن فرَّق، قال: سفكُ الدم إنما ينصِرفُ إلى القتل، ولا يلزمُ من تحريمه في الحرم تحريمُ ما دونَه، لأن حُرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشدُّ، قالوا: ولأن الحد بالجَلْد أو القطع يجرى مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السَّيِّدِ عبدَه، وظاهرُ هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دُونها في ذلك، قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمِّه، أن الحدود كلَّها تُقام في الحرم إلا القتل، قال: والعمل على أن كل جانٍ دخل الحرمَ لم يقُم عليه الحدُّ حتى يخرُجَ منه، قالوا: وحينئذ فنجيبُكم بالجواب المركَّب، وهو أنه إن كان بينَ النفس وما دونَها في ذلك فرق مؤثر، بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوَّينا بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانُه على التقديرين.

قالوا: وأما قولكم: إن الحرمَ لا يُعيذ مَن انتهكَ فيه الحُرمةَ إذ أتى فيه ما يُوجب الحد، فكذلك اللاجىء إليه، فهو جمعُ بينَ ما فَرَّقَ اللهُ ورسُوله والصحابةُ بينهما، فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "مَنْ سَرَقَ أو قَتَلَ في الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ، فإنَّه لا يُجَالَسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنَّهُ يُناشَدُ حَتَّى يَخْرُجَ، فَيُؤْخَذَ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وَإنْ سَرَقَ أَو قَتَلَ في الحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ في الحَرَم". وذكر الأثرم، عن ابن عباس أيضًا: منْ أحدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليهِ ما أَحْدَثَ فيهِ من شىء، وقد أمر الله سبحانه بقتل مَنْ قاتل في الحرم، فقال: { وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم }. [197].

والفرق بين اللاجئ والمتهتِك فيه من وجوه:

أحدها: أن الجاني فيه هاتكٌ لحُرمته بإقدامه على الجِنَاية فيه، بخلاف مَنْ جَنَى خارِجَه ثم لجأ إليه، فإنَّه معظِّمٌ لحُرمته مستشعِرٌ بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطلٌ.

الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساطِ الملك في دارِهِ وحَرَمِه، ومَنْ جنى خارِجَه، ثم لجأ إليه، فإنَّه بمنزلة مَن جَنَى خارِجَ بِساط السلطانِ وحَرَمِه، ثم دخل إلى حَرَمِه مستجيرًا.

الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حُرمة الله سبحانه، وحُرمة بيته وحَرَمه، فهو هاتِك لحُرمتين بخلاف غيره.

الرابع: أنه لو لم يُقم الحدُّ على الجُنَاة في الحرم، لعمَّ الفسادُ، وعَظُمَ الشَّرُّ في حرم الله، فإن أهلَ الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صِيانة نفوسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولو لم يُشرع الحد في حقِّ مَن ارتكب الجرائم في الحرم، لتعطلت حدودُ الله، وعمَّ الضررُ للحرم وأهله.

والخامس: أن اللاجىء إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجىء إلى بيت الرب تعالى، المتعلق بأستاره، فلا يُناسب حالُه ولا حالُ بيته وحرمه أن يُهاج، بخلاف المُقْدِم على انتهاك حُرْمته، فظهر سِرُّ الفرق، وتبيَّن أن ما قاله ابن عباس هو محضُ الفقه.

وأما قولُكم: إنه حيوان مفسد، فأُبيحَ قتلُه في الحِلِّ والحَرَمِ كالكلبِ العَقور، فلا يَصِحُّ القياسُ، فإن الكلبَ العقور طبعُه الأذى، فلم يُحرمه الحرمُ ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدميُّ فالأصل فيه الحُرْمةُ، وحُرْمتُه عظيمة، وإنما أُبيحَ لِعارض، فأشبه الصائلَ مِن الحيوانات المباحة مِن المأكولات، فإن الحرم يَعْصِمُهَا.

وأيضًا فإن حاجةَ أهلِ الحرم إلى قتل الكلب العَقُور، والحيَّة، والحِدَأة كحاجة أهل الحِلِّ سواء، فلو أعاذها الحرم لَعظُمَ عليهم الضررُ بها.

فصل

ومنها: قوله ﷺ: "ولا يُعْضَدُ بِهَا شَجَرٌ"، وفى اللَّفظ الآخر: "ولا يُعْضَدُ شَوْكُهَا"، وفي لفظ في صحيح مسلم: "ولا يُخْبَطُ شَوْكُهَا" لا خلاف بينهم أن الشجر البريَّ الذي لم يُنْبِتْهُ الآدميُّ على اختلاف أنواعه مراد من هذا اللَّفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدميُّ مِن الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد:

أحدها: أن له قلعَه، ولا ضمانَ عليه، وهذا اختيارُ ابن عقيل، وأبى الخطاب، وغيرهما.

والثاني: أنه ليس له قلعُه، وإن فعل، ففيه الجزاءُ بكل حال، وهو قولُ الشافعي، وهو الذي ذكره ابن البناء في "خصاله".

الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحِلِّ، ثم غرسَه في الحرم، وبين ما أنبته في الحَرم أوَّلًا، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يُقلع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا قول القاضي.

وفيه قول رابع: وهو الفرقُ بين ما يُنبت الآدمي جنسه كاللَّوز والجَوز، والنخل، ونحوه، وما لا يُنبت الآدمي جنسه كالدَّوح، والسَّلَم، ونحوه، فالأول يجوز قلعُه ولا جزاء فيه، والثاني: لا يجوزُ، وفيه الجزاء.

قال صاحب "المغني": والأولى الأخذ بعُموم الحديث في تحريم الشجر كُلِّه، إلا ما أنبتَ الآدميُّ مِن جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع، والأهلي من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا مِن الصيد ما كان أصلُه إنسيًا دون ما تأنَّسَ مِن الوحشي، كذا ههنا، وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب أحمد أربعةُ أقوال.

والحديث ظاهر جدًا في تحريم قطع الشوك والعَوْسَج، وقال الشافعي: لا يحرُم قطعه، لأنه يُؤذى الناس بطبعه، فأشبه السباع، وهذا اختيارُ أبى الخطاب، وابن عقيل، وهو مروى عن عطاء ومجاهد وغيرهما.

وقوله ﷺ: "لا يُعْضَدُ شَوْكُهًَا "، وفى اللَّفظ الآخر: "لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا" صريح في المنع، ولا يَصِحُّ قياسُه على السباع العادِية، فإن تلك تَقْصِدُ بطبعها الأذى، وهذا لا يُؤذى مَن لم يَدْنُ منه.

والحديثُ لم يُفرِّق بين الأخضر واليابس، ولكن قد جوَّزُوا قَطْعَ اليابس، قالوا: لأنه بمنزلة الميت، ولا يُعرف فيه خلاف، وعلى هذا فسياقُ الحديث يدل على أنه إنما أراد الأخضر، فإنه جعله بمنزلة تنفير الصيد، وليس في أخذ اليابسِ انتهاكُ حُرمة الشجرة الخضراء التي تُسبِّحُ بحمدِ ربِّها، ولهذا غرس النبي ﷺ على القبرين غُصنين أخضرين، وقال: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".

وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرةُ بنفسها، أو انكسر الغصنُ، جاز الانتفاعُ به، لأنه لم يَعْضُدْهُ هوَ، وهذا لا نزاع فيه.

فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالِع، ثم تركها، فهل يجوز له أو لِغيره أن ينتفع بها؟

قيل: قد سُئِل الإمام أحمد عن هذه المسألة، فقال: مَن شبَّهه بالصيد، لم ينتفع بحطبها، وقال: لم أسمع إذا قطعه ينتفِعُ به. وفيه وجه آخر، أنه يجوز لغير القاطع الانتفاعُ به، لأنه قُطِع بغير فعله، فأُبيح له الانتفاعُ به كما لو قلعته الريح، وهذا بخلاف الصيد إذا قتله مُحْرم حيث يَحْرُمُ على غيره، فإنَّ قَتْلَ المُحْرم له جعله ميتةً. وقوله في اللَّفظ الآخر (ولا يُخْبَطُ شَوْكُها" صريح أو كالصريح في تحريم قطع الورق، وهذا مذهبُ أحمد رحمه الله، وقال الشافعي: له أخذه، ويُروى عن عطاء، والأول أصحُّ لظاهر النصِّ والقياس، فإن منزلته من الشجرة منزلةُ ريش الطائر منه، وأيضًا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان، فإنه لباسُها ووقايتُها.

فصل

وقوله ﷺ: "ولا يُخْتَلَى خلاها" لا خلاف أن المراد مِن ذلك ما يَنْبُتُ بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابسُ في الحديث، بل هو للرَّطبِ خاصة، فإن الخلا بالقصر: الحشيش الرطب ما دام رطبًا، فإذا يبس، فهو حشيش، وأخلتِ الأرض، كَثُرَ خَلاها، واخْتلاء الخَلى: قطعه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يَخْتَلِي لِفرسه، أي: يقطع لها الخَلى، ومنه سميت المِخلاة: وهى وعاء الخَلى، والإذخر: مستثنى بالنص، وفى تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.

فإن قيل: فهل يتناول الحديثُ الرعى أم لا؟

قيل: هذا فيه قولان،

أحدهما: لا يتناولُه، فيجوز الرعيُ، وهذا قولُ الشافعيوالثاني: يتناولُه بمعناه، وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعى، وهو مذهب أبي حنيفة، والقولان لأصحاب أحمد.

قال المحرِّمون: وأيُّ فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة، وبين إرسالِ الدابة عليه ترعاه؟

قال المبيحون: لما كانت عادةُ الهَدَايا أن تدخل الحَرَم، وتكثُر فيه، ولم يُنقل قطُّ أنها كانت تُسَدُّ أفواهُها، دل على جواز الرعى.

قال المحرِّمون: الفرقُ بين أن يُرسلها ترعى، ويُسلطها على ذلك، وبين أن تَرعى بطبعها مِن غير أن يُسلِّطَهَا صاحِبُهَا، وهو لا يجب عليه أن يَسُدَّ أفواهها، كما لا يجب عليه أن يَسُدَّ أنفَه في الإحرام عن شمِّ الطيب، وإن لم يجز له أن يتعمَّد شمَّه، وكذلك لا يجبُ عليه أن يمتنع من السير خشية أن يُوطئ صيدًا في طريقه، وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائرهُ. فإن قيل: فهل يدخُلُ في الحديث أخذ الكمأة والفقع، وما كان مغيبًا في الأرض؟

قيل: لا يدخل فيه، لأنه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد: يُؤكل من شجر الحرم الضغابيسُ والعِشْرِق.

فصل

وقوله ﷺ: "ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" صريحٌ في تحريم التسبُّب إلى قتل الصيد واصطيادِهِ بكل سبب، حتى إنه لا يُنفِّره عن مكانه، لأنه حيوان محترَم في هذا المكان، قد سبق إلى مكان، فهو أحقُّ به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكان، لم يُزعج عنه.

فصل

وقوله ﷺ: "ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَها إلا مَنْ عَرَّفَهَا". وفي لفظ: "ولا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ"، فيه دليل على أن لُقَطَةَ الحرم لا تُملك بحال، وأنها لا تُلتقط إلا للتعريف لا للتمليكِ، وإلا لم يكن لِتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا، وقد اختُلِفَ في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لُقَطَةُ الحِلِّ والحَرَم سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وأحدُ قولي الشافعي، ويُروى عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وقال أحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطُها للتمليك، وإنما يجُوز لِحفظها لِصاحبها، فإن التقطها، عرَّفها أبدًا حتى يأتي صَاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدى، وأبى عُبيد، وهذا هو الصحيح، والحديثُ صريحٌ فيه، والمُنشِدُ: المعرِّف. والناشد: الطالب، ومنه قوله:

إصَاخَة الناشِدِ لِلمُنْشِدِ.

وقد روى أبو داود في سننه: أن النبي ﷺ: "نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ"، وقال ابنُ وهب: يعني يترُكُها حتى يَجِدَها صاحبُها.

قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرقُ بينها وبين سائر الآفاق في ذلك أن الناس يتفرَّقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحبُ الضالةِ مِن طلبها والسؤالِ عنها، بخلاف غيرها من البلاد.

فصل

وقوله ﷺ في الخطبة: "ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ " فيه دليل على أن الواجب بقتل العمدِ لا يتعيَّن في القِصاص، بل هُو أحدُ شيئين: إما القِصاصُ، وإما الدِّيَةُ.

وفي ذلك ثلاثة أقوال: وهى روايات عن الإمام أحمد.

أحدها: أن الواجب أحد شيئين، إما القِصاصُ، وإما الدِّيَةُ، والخيرةُ في ذلك إلى الولى بين أربعة أشياء: العفوِ مجانًا، والعفوِ إلى الدِّيَةِ، والقِصاصِ، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدِّيَةِ، فيه وجهان. أشهرهما مذهبًا: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدِّيَة أو دونها، وهذا أرجحُ دليلًا، فإن اختار الدِّيَة، سقط القودُ، ولم يملِكْ طلبَه بعد، وهذا مذهبُ الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.

والقول الثاني: أن موجِبَه القَود عَيْنًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدِّيَة إلا برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني، فقَودُه بحاله، وهذا مذهبُ مالك في الرواية الأُخرى وأبي حنيفة.

والقولُ الثالث: أن موجِبَه القَودُ عَيْنًا مع التخيير بينه وبين الدِّيَة، وإن لم يرض الجاني، فإذا عفا عن القِصاص إلى الدِّيَة، فرضيَ الجاني، فلا إشكالَ، وإن لم يرض، فله العودُ إلى القِصاص عَيْنًا، فإن عفا عن القَود مطلقًا، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الشيئين، فله الديَة، وإن قلنا: الواجبُ القِصاص عَيْنًا، سقط حقُّه منها.

فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟

قلنا: في ذلك قولان: أحدهما: تسقطُ الدِّيَة، وهو مذهبُ أبي حنيفة، لأن الواجبَ عندهم القِصاصُ عَيْنًا، وقد زال محلُّ استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبدُ الجاني، فإن أرشَ الجناية لا ينتقِلُ إلى ذِمَّة السيدِ، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن، حيثُ لا يسقُطُ الحقُّ لثبوته في ذِمة الراهن والمضمونِ عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.

وقال الشافعي وأحمد: تتعينُ الدِّيَةُ في تِرْكته، لأنه تعذَّر استيفاءُ القِصاصِ من غير إسقاط، فوجب الدِّيَةُ لئلا يذهبُ الورثة من الدم والدِّيَة مجانًا، فإن قيل: فما تقولون لو اختار القِصَاص، ثم اختار بعده العفو إلى الدِّيَة، هل له ذلك؟

قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أنَّ له ذلك، لأن القِصاص أعلى، فكان له الانتقالُ إلى الأدنى، والثاني: ليس له ذلك، لأنه لما اختار القِصاص، فقد أسقط الدِّيَة باختياره له، فليس له أن يعودَ إليها بعد إسقاطها.

فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث، وبينَ قوله ﷺ: "مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدٌ"؟

قيل: لا تعارُضَ بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوب القَوْد بقتل العمد، وقوله: "فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ" يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله، وهو الدِّيَةُ، فأيُّ تعارض؟، وهذا الحديثُ نظيرُ قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ }، وهذا لا ينفى تخيير المستحق له بين ما كُتِبَ له، وبين بدله. والله أعلم.

فصل

وقوله ﷺ في الخطبة: "إلَّاالإذْخِرَ"، بعد قولِ العباس له: إلا الإذْخِرَ، يدل على مسألتين:

إحداهما: إباحة قطع الإذَخِرَ.

والثانية: أنه لا يُشترط في الاستثناء أن ينويَه من أول الكلام، ولا قبل فراغه، لأن النبي ﷺ لو كان ناويًا لاستثناء الإذْخِر من أول كلامه، أو قبلَ تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامه أنهم لا بدَّ لهم منه لِقَيْنِهِمْ وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه ﷺ لِسهيل ابن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكَّرهُ به ابنُ مسعود، فقال: "لا يَنْفَلِتَنَّ أحَدٌ مِنْهُم إلا بِفِدَاء أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ" فقال ابنُ مسعود: إلا سهيلَ ابْنَ بيضاء، فإني سمعتُه يذكر الإسلام، فقال: "إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاء" ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.

ونظيره أيضًا قولُ المَلَك لِسليمان لما قال: "لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امرأَةٍ غُلامًا يُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ"، فقال له المَلَكُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَلَمْ يَقُلْ، فَقَالَ النبي ﷺ: "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَقَاتَلُوا في سبيل الله أَجمَعُون"، وفي لفظ: "لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومَن يشترط النية يقول: لا ينفعُه.

ونظيرُ هذا قولُه ﷺ: "واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: " إنْ شَاءَ اللهُ"، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو الصوابُ بلا ريب، والمصيرُ إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.

فصل

وفي القصة: أن رجلًا مِن الصحابة يقال له: أبو شاه، قام، فقال: اكتُبوا لي، فقال النبي ﷺ: "اكْتُبُوا لأبي شَاه"، يُريدُ خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم، ونسخ النهي عن كِتابة الحديث، فإن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ القُرْآنِ، فَلْيَمْحُهُ" وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلِط الوحي الذي يُتلَى بالوحي الذي لا يُتلَى، ثم أذِن في الكتابة لحديثه.

وصح عن عبد الله بن عَمْرو أنه كان يكتُب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تُسمَّى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عَمْرو بن شعيب، عن أبيه عنه، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها.

فصل

وفي القصة: أن النبي ﷺ دخل البيت، وصلَّى فيه، ولم يدخله حتى مُحيت الصورُ منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصوّرِ، وهذا أحقُّ بالكراهة من الصلاة في الحمَّام، لأن كراهة الصلاة في الحمَّام، إما لكونه مَظِنَّة النجاسة، وإما لكونه بيتَ الشيطان، وهو الصحيح، وأما محلُّ الصور، فَمَظِنَّةُ الشِّرْكِ، وغالِبُ شرك الأُمم كان من جهة الصور والقبور.

فصل

وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لِبْس السواد أحيانًا، ومِنْ ثَمَّ جعل خلفاء بنى العباس لِبْس السواد شعارًا لهم، ولِولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي ﷺ لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعارَه في الأعياد، والجُمَع، والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبسُ العمامة السوداء يومَ الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائِرُ لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض.

فصل

ومما وقع في هذه الغزوة، إباحةُ مُتعة النساء، ثم حرَّمها قبلَ خروجه مِن مكة، واخْتُلِفَ في الوقت الذي حُرِّمت فيه المُتعة، على أربعة أقوال:

أحدها: أنه يوم خَيْبَر، وهذا قولُ طائفة من العلماء. منهم: الشافعي، وغيره.

والثاني: أنه عامَ فتح مكة، وهذا قولُ ابنِ عيينة، وطائفة.

والثالث: أنه عام حُنَيْن، وهذا في الحقيقة هو القولُ الثاني، لاتصال غزاة حُنَيْن بالفتح.

والرابع: أنه عامَ حَجَّةِ الوداع، وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمُه من فتح مكة إلى حَجَّةِ الوداع، كما سافر وهم معاوية من عُمْرةِ الجِعرانة إلى حَجَّةِ الوداع حيث قال: قصرتْ عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة في حَجَّته، وقد تقدَّم في الحَج، وسفرُ الوهم مِن زمان إلى زمان، ومِن مكان إلى مكان، ومِن واقعة إلى واقعة، كثيرًا ما يعرض للحُفَّاظ فمَن دونهم.

والصحيح: أنَّ المُتعة إنماحُرِّمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في صحيح مسلم أنهم استمتعوا عامَ الفتح مع النبي ﷺ بإذنه، ولو كان التحريمُ زمنَ خَيْبَر، لزم النسخُ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقعُ مثلُه فيها، وأيضًا: فإن خَيْبَر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كُنَّ يهوديات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد، إنما أُبِحْنَ بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: { اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌ لَّكُمْ، وَطَعَامُكُمْ حِلٌ لَهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } [198]، وهذا متصل بقوله: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [199]، وبقوله: { اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } [200]، وهذا كان في آخِر الأمر بعد حجة الوداع، أو فيها، فلم تكن إباحةُ نساء أهل الكتاب ثابتة زمنَ خَيْبَر، ولا كان للمسلمين رغبةٌ في الاستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح، وبعد الفتح استُرِقَّ مَن استُرِقَّ منهن، وصِرْنَ إماءً للمسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب: "أن رسولَ الله ﷺ نهى عن مُتعة النساء يوم خَيْبَر، وعن أكْلِ لُحُوم الحُمُر الإنسية" وهذا صحيح صريح؟

قيل: هذا الحديثُ قد صحَّت روايتُه بلفظين: هذا أحدُهما. والثاني: الاقتصار على نهى النبي ﷺ عن نِكاح المُتعة، وعن لُحوم الحُمُر الأهلية يومَ خَيْبَر، هذه رواية ابن عُيينة عن الزهري، قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان ابن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحُمُر الأهلية زمنَ خَيْبَر، لا عن نكاح المُتعة، ذكره أبو عمر، وفى "التمهيد": ثم قال: على هذا أكثرُ الناس. انتهى، فتوهم بعضُ الرواة أن يومَ خَيْبَر ظرفٌ لتحريمهن، فرواه: حرَّم رسول الله ﷺ المُتعة زمن خَيْبَر، والحُمُرَ الأهلية، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث، فقال: حرَّم رسول الله ﷺ المُتعة زمَن خَيْبَر، فجاء بالغلط البيِّن.

فإن قيل: فأى فائدة في الجمع بين التحريمين، إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد، وأين المُتعةُ مِن تحريم الحُمُرِ؟ قيل: هذا الحديثُ رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه محتجًا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين، فإنه كان يُبيح المُتعة ولحوم الحُمُر، فناظره علي بن أبي طالب في المسألتين، وروى له التحريمين، وقيَّد تحريمَ الحُمُر بزمن خَيْبَر، وأطلق تحريمَ المُتعة وقال: إنك امرؤ تائه، إنَّ رسول الله ﷺ حرَّم المُتعة، وحرَّم لحوم الحُمُر الأهلية يومَ خَيْبَر، كما قاله سفيانُ بنُ عُيينة، وعليه أكثرُ الناس، فروى الأمرين محتجًا عليه بهما، لا مقيِّدًا لهما بيوم خَيْبَر. والله الموفق. ولكن ههنا نظر آخر، وهو أنه: هَلْ حرَّمها تحريمَ الفواحش التي لا تُباح بحال، أو حرَّمها عند الاستغناء عنها، وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابنُ عباس وقال: أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسَّعَ فيها مَنْ توسَّع، ولم يقف عند الضرورة، أمسك ابنُ عباس عن الإفتاء بحلِّها، ورجع عنه، وقد كان ابنُ مسعود يرى إباحتها ويقرأ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ } [201]، ففي الصحيحين عنه قال: كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نِساء، فقلنا: ألا نختصِي؟ فنهانا، ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوبِ إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَاأَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [202].

وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: الردُّ على مَن يُحرِّمها، وأنها لو لم تكن مِن الطيبات لما أباحها رسولُ الله ﷺ.

والثاني: أن يكون أراد آخِرَ هذه الآية، وهو الرد على مَن أباحها مطلقًا، وأنه معتد، فإن رسولَ الله ﷺ إنما رخَّص فيها للضرورة وعند الحاجة في الغزو وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة. فمَن رخَّص فيها في الحَضَر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد، فقد اعتدى، والله لا يُحب المعتدين.

فإن قيل: فكيف تصنعون بما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر، وسلمة بن الأكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول الله ﷺ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أذِن لكم أن تستمتعوا، يعني: مُتعة النساء.

قيل: هذا كان زمنَ الفتح قبل التحريم، ثم حرَّمها بعد ذلك بدليلِ ما رواه مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع قال: رخَّص لنا رسولُ الله ﷺ عامَ أوطاسٍ في المُتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها. وعام أوطاس: هو عام الفتح، لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة.

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نستمتع بالقَبْضَةِ مِن التمر والدقيق الأيامَ على عهدِ رسول الله ﷺ، وأبي بكر حتى نهى عنها عُمَرُ في شأن عَمْرو بن حريث، وفيما ثبت عن عمر أنه قال: مُتعتانِ كانتا على عهدِ رسول الله ﷺ، أنا أنهى عنهما: مُتعةُ النساءِ ومُتعةُ الحجِّ.

قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إن عُمَر هو الذي حرَّمها ونهى عنها، وقد أمر رسولُ الله ﷺ باتباع ما سَنَّه الخلفاء الراشدون، ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سَبْرَة بن معبد في تحريم المُتعة عامَ الفتح، فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَة، عن أبيه عن جده وقد تكلم فيه ابنُ معين، ولم ير البخاري إخراجَ حديثه في صحيحه مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلًا من أُصول الإسلام، ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو صح حديثُ سبرة، لم يخفَ على ابن مسعود حتى يروى أنهم فعلوها، ويحتجّ بالآية، وأيضًا ولو صح لم يقل عُمَر: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنها، وأُعاقب عليها، بل كان يقول: إنه ﷺ حرَّمها ونهى عنها. قالوا: ولو صح لم تُفعل على عهد الصِّدِّيق وهو عهدُ خلافة النبوة حقًا.

والطائفة الثانية: رأت صحةَ حديثِ سَبْرَة، ولو لم يصح، فقد صحَّ حديثُ علي رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ حرَّم مُتعة النساء. فوجب حملُ حديث جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريمُ، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمنُ عُمَر رضي الله عنه، فلما وقع فيها النزاعُ، ظهر تحريمُها واشتهر، وبهذا تأتَلِفُ الأحاديثُ الواردة فيها. وبالله التوفيق.

فصل (في جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين)عدل

وفي قصة الفتح من الفقه: جوازُ إجارة المرأةِ وأمانِها للرجل والرجلين، كما أجاز النبي ﷺ أمانَ أُمِّ هانىء لِحموَيْها.

وفيها من الفقه جوازُ قتل المرتد الذي تغلَّظت رِدَّتُه من غير استتابة، فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتُب الوحي لرسول الله ﷺ، ثم ارتدَّ، ولحق بمكة، فلما كان يومُ الفتح، أتى به عثمانُ ابن عفان رسولَ الله ﷺ ليبايعه، فأمسك عنه طويلًا، ثم بايعه، وقال: "إنما أمسكتُ عنه ليقوم إليه بعضُكُم فيضربَ عنقه"، فقال له رجل: هلَّا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال: "مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُن"، فهذا كان قد تغلَّظ كفرُه برِدَّته بعد إيمانه، وهجرته، وكتابةِ الوحي، ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالمشركين يطعن علي الإسلام ويعيبُه، وكان رسولُ الله ﷺ يُريدُ قتله، فلما جاء به عثمانُ بنُ عفان وكان أخاه مِن الرضاعة، لم يأمر النبي ﷺ بقتله حياءً مِن عثمان، ولم يُبايعه ليقوم إليه بعضُ أصحابه فيقتله، فهابُوا رسولَ الله ﷺ أن يُقْدِمُوا على قتله بغير إذنه، واستحيى رسولُ الله ﷺ من عثمان، وساعدَ القدرُ السَّابقُ لما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح، فبايعه،

وكان ممن استثنى الله بقوله: { كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } [203]، وقوله ﷺ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أَن تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ"، أي: أنَّ النبي ﷺ لا يُخالِفُ ظاهِرُه باطِنَه، ولا سِرُّه علانِيتَه، وإذا نفذ حكمُ اللهِ وأمرُه، لم يُومِ به، بل صرَّحَ به، وأَعلَنه، وأظهره.

فصل في غزوة حنين وتسمى غزوة أوطاسعدل

وهما موضعان بينَ مكة والطائف، فسُمِّيت الغزوةُ باسم مكانها، وتُسمى غزوةَ هَوازن، لأنهم الذين أَتَوْا لِقتال رسول الله ﷺ.

قال ابن إسحاق: ولما سمعت هَوازِنُ برسول الله ﷺ، وما فتح اللهُ عليه مِن مكة، جمعها مالكُ بنُ عوف النَّصْرى، واجتمع إليه مع هَوازِن ثقيفٌ كُلُّها، واجتمعت إليه مُضَرُ وجُشَمُ كُلُّها، وسعدُ بن بكر، وناسٌ من بنى هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قَيْس عَيلان إلا هؤلاء، ولم يحضُرْهَا مِن هَوازِن: كعبٌ، ولا كِلاب، وفى جشم: دريدُ بنُ الصِّمة، شيخ كبير ليس فيه إلا رأيُهُ ومعرفتُه بالحرب، وكان شجاعًا مجرَّبًا، وفى ثقيف سيِّدَانِ لهم، وفى الأحلاف: قاربُ بن الأسود، وفى بنى مالك: سُبيع بن الحارث وأخوه أحمر ابن الحارث، وجِماعُ أمر الناس إلى مالك بن عوف النَّصْرى، فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله ﷺ، ساق مع الناس أموالَهم ونساءَهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناسُ وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمة، فلما نزل قال: بأى واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نِعْمَ مَجَالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضِرْس، ولا سَهْلٌ دَهْسٌ، مالي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصبى، ويُعار الشاء؟ قالوا: ساق مالِكُ بن عوفٍ مع الناسِ نِساءَهُم وأموالَهم وأبناءهم. قال: أَيْنَ مالك؟ قيل: هذا مالك، ودُعي له. قال: يا مالك؛ إنك قد أصبحتَ رئيسَ قومك، وإن هذا يومٌ كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعار الشاء؟، قال: سقتُ مع الناس أبناءهم، ونساءَهم، وأموالَهم. قال: ولِمَ؟ قال: أردتُ أن أجعل خلفَ كُلِّ رجل أهلَه وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعي ضأنٍ واللهِ، وهل يردُّ المنهزمَ شيء، إنها إن كانت لك لم ينفعْك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليكَ، فُضِحْتَ في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكِلاب؟ قالوا: لم يشهدْها أحدٌ منهم. قال: غاب الحَدُّ والجِدُّ، لو كان يوم علاءٍ ورِفعة، لم تَغِبْ عنه كعبٌ ولا كِلاب، ولوَدِدْت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌ وكلاب، فمَن شهدها منكم؟ قالوا: عَمْرو بن عامر، وعَوْف بن عامر، قال: ذَانِكَ الجَذَعَانِ من عامر، لا ينفعان ولا يضران. يا مالك؛ إنك لم تصنع بتقديم البَيْضةِ بَيْضةِ هَوازِن إلى نحورِ الخيل شيئًا، ارفعهم إلى مُتمنَّع بلادهم وعُليا قومهم، ثم الق الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك، لحقَ بك مَنْ وراءَك، وإن كانت عليك، ألْفاك ذلك، وقد أحرزتَ أهلك ومالك. قال: واللهِ لا أفعلُ، إنك قد كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقلُكَ، واللهِ لتُطِيعُنَّني يا معشَرَ هَوازِن، أو لأتَّكئِنَّ على هذا السيف حتى يخرُجَ مِن ظهري، وكره أن يكون لِدُريد فيها ذِكر ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دُريد: هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْني.

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ** أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ

أقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ ** كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ

ثم قال مالك للناس: إذا رأيتمُوهم فاكسروا جُفون سيوفكم، ثم شُدُّوا شدةَ رجل واحد. وبعث عيونًا مِن رجاله، فأَتَوْه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رِجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ، واللهِ ما تماسكنا أن أصابَنَا ما ترى، فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مَضَى على ما يُريدُ.

ولما سمع بهم نبي الله ﷺ، بعث إليهم عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ الأسلمي، وأمره أن يدخُل في الناس، فيُقيم فيهم حتى يعلَم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم حتى سمِعَ وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله ﷺ، وسَمِعَ مِن مالك وأمر هوازن ما هُم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسولَ الله ﷺ فأخبره الخبر.

فلما أجمع رسولُ الله ﷺ السير إلى هَوازِن، ذُكِرَ له أن عند صفوان بنِ أُمية أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه، وهو يومئذ مشرك، فقال: يا أبا أُمية؛ أعِرْنا سِلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدًا، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إلَيْكَ"، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة دِرع بما يكفيها مِن السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيَهم حملها، ففعل.

ثم خرج رسولُ الله ﷺ معه ألفانِ مِن أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، وكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل عتَّابَ بن أسيد على مكة أميرًا، ثم مضى يُريد لقاء هوازن.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن ابن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادى حُنَيْن، انحدرنا في وادٍ من أودية تِهامة أجوفَ حَطُوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا. قال: وفى عَماية الصبح، وكان القومُ قد سبقونا إلى الوادي، فكَمَنُوا لنا في شِعابه وأحْنائه ومضايقه، قد أجمعوا، وتهيؤوا، وأعدوا فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائبُ، قد شدُّوا علينا شَدَّةَ رجل واحد، وانشمر الناسُ راجعين لا يَلْوِي أحدٌ منهم على أحد، وانحازرسولُ الله ﷺ ذاتَ اليمين، ثم قال: "إلى أيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمَّ إليَّ، أنا رَسُولُ الله، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله"، وبقى مع رسول الله ﷺ نَفَرٌ من المهاجرين والأنصارِ وأهلِ بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته: على والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه، والفَضل بن العباس، وربيعةُ بن الحارث، وأُسامةُ بن زيد، وأيمن ابن أُم أيمن، وقُتِلَ يومئذ. قال: ورجل من هَوازِن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رُمح طويل أمامَ هَوازِن، وهَوازِنُ خلفه، إذا أدرك، طعن برمحه، وإذا فاته الناسُ، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك إذ أهوى عليه علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يُريدانه، قال: فأتى على منْ خَلْفِهِ، فضرب عرقوبى الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربةً أطن قدَمه بنصف ساقه، فانجعفَ عن رحله، قال: فاجتلد الناسُ، قال: فواللهِ ما رجعت راجعةُ الناس مِن هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله ﷺ.

قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون، ورأى مَن كان مَع رسول الله ﷺ مِن جُفاة أهل مكة الهزيمة، تكلَّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضِّغنِ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهُم دونَ البحر، وإن الأزلامَ لمعه في كِنانته، وصرخ جَبَلَة بن الحنبل وقال ابن هشام: صوابه كَلَدَة: ألا بطل السِّحْرُ اليوم، فقال له صفوانُ أخوه لأُمه وكان بعدُ مشركًا: اسكت فضَّ اللهُ فاك، فواللهِ لأن يَرُبَّنى رَجُلٌ مِن قريش، أحبُّ إليَّ من أن يربَّنى رجلٌ مِن هَوازِن.

وذكر ابنُ سعد عن شيبة بن عُثمان الحَجَبى، قال: لما كان عامُ الفتح، دخل رسول الله ﷺ مكة عَنوة، قلت: أسيرُ مع قريش إلى هَوازِن بحُنَيْن، فعسى إن اختلطوا أن أُصيب مِن محمد غِرَّة، فأثارَ منه، فأكون أنا الذي قمتُ بثأر قريش كُلِّها، وأقولُ: لو لم يبقَ مِن العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا، ما تبعتُه أبدًا، وكنت مُرْصدًا لما خرجتُ له لا يزدادُ الأمر في نفسي إلا قوةً، فلما اختلط الناسُ، اقتحم رسولُ الله ﷺ عن بغلته، فأصلتَ السيف، فدنوتُ أريدُ ما أريدُ منه، ورفعتُ سيفى حتى كِدتُ أشعره إياه، فرُفِعَ لي شُواظٌ مِن نار كالبرق كاد يمحشُنى، فوضعتُ يدي على بصرى خوفًا عليه، فالتفتَ إليَّ رسول الله ﷺ، فنادانى: "يَا شَيْبُ؛ ادْنُ مِنِّي" فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَمَسَحَ صَدْرِي، ثم قال: "اللهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانَ" قال: فواللهِ لهو كان ساعتَئِذٍ أحبَّ إليَّ مِنْ سمعى، وبصرى، ونفسي، وأذهبَ اللهُ ما كان في نفسي، ثم قال: "ادْنُ فقاتِلْ"، فتقدمتُ أمامَه أضربُ بسيفى، الله يعلمُ أنى أحب أن أقيَه بنفسي كُلَّ شئ، ولو لقيتُ تلك الساعة أبى لو كان حيًا لأوقعتُ به السيف، فجعلتُ ألزمُه فيمن لزمه حتى تراجعَ المسلمون، فكرُّوا كَرَّةَ رجل واحد، وقُرِّبَتْ بغلةُ رسولِ الله ﷺ، فاستوى عليها، وخرج في أثرهم حتى تفرَّقوا في كُلِّ وجه، ورجع إلى معسكره، فدخل خِباءه، فدخلتُ عليه، ما دخل عليه أحدٌ غيرى حبًا لرؤية وجهه، وسرورًا به، فقال: "يا شَيْبُ؛ الذي أرادَ اللهُ بكَ خَيْرٌ ممَّا أرَدْتَ لِنَفْسِك"، ثم حدثني بكلِّ ما أضمرتُ في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قط، قال: فقلتُ: فإني أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنكَ رسولُ الله، ثم قلت: استغفر لي. فقال: "غَفَرَ اللهُ لَكَ".

وقال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس ابن عبد المطلب، قال: إني لمعَ رسولِ الله ﷺ آخذٌ بِحَكَمَةِ بغلته البيضاء، قد شَجَرْتُها بها، وكنت امرءًا جسيمًا شديدَ الصوت، قال رسُولُ الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: "إلى أيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ". قال: فلم أر الناس يَلْوُون على شىء، فقال: "يا عَبَّاسُ اصْرَخْ: يا مَعْشَر الأنْصَارِ، يَامَعْشَرَ أَصْحَاب السَّمُرَةِ"، فأجابوا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. قال: فيذهبُ الرجلُ ليثنى بعيرَه، فلا يقدِرُ على ذلك، فيأخذ دِرعه فيقذفها في عُنُقه، ويأخذ سيفَه وقوسه وتُرسَه، ويقتحِمُ عن بعيره، ويُخلى سبيلَه، ويؤم الصوت حتى ينتهيَ إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلُوا النَّاس، فاقتتلُوا فكانت الدعوة أوَّلَ ماكانت: يا للأنصار، ثم خلصت آخرًا: يا للخزرج، وكانوا صُبُرًا عند الحرب، فأشرف رسولُ الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى مُجْتَلَدِ القوم، وهم يَجْتَلِدُونَ، فقال: "الآنَ حَمِيَ الوَطيسُ" وزَاد غيره:

أنَا النبي لا كَذِبْ ** أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ

وفي صحيح مسلم: ثم أخذ رسولُ الله ﷺ حَصيَاتٍ، فرمى بها في وجوه الكُفَّارِ، ثم قال: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ"، فما هو إلا أن رماهم، فما زِلْتُ أرى حَدَّهُم كليلًا، وأمرَهم مُدْبِرًا.

وفي لفظ له: إنه نزل عن البغلة، ثم قبضَ قبضة مِن تُراب الأرض، ثم استقبل بها وجوهَهم، وقال: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فما خلق اللهُ منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولَّوا مدبرين.

وذكر ابن إسحاق عن جُبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمةِ القوم، والناس يقتتلون يومَ حُنَيْنٍ مثلَ البَجادِ الأسود، أقبل مِن السماء حتى سقط بيننا وبينَ القوم، فنظرتُ فإذا نمل أسودُ مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فلم أشك أنها الملائكة.

قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف، ومعهم مالكُ بن عَوْف، وعسكر بعضُهم بأوطاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعثَ رسولُ الله ﷺ في آثار مَن توجَّه قِبل أوطاس أبا عامر الأشعريَّ، فأدرك مِن الناس بعضَ مَن انهزم، فناوشُوه القِتَال، فرُمِي بسهم فقُتِل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى، وهو ابن أخيه، فقاتلهم، ففتح الله عليه، فهزمهم اللهُ، وقتل قاتل أبى عامر، فقال رسولُ الله ﷺ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لعُبَيْدٍ أبى عَامِرٍ وَأَهْلهِ، واجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ" واستغفر لأبي موسى.

ومضى مالكُ بن عوف حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسولُ الله ﷺ بالسبي والغنائمِ أن تُجْمَعَ فَجُمِعَ ذلكَ كُلُّهُ، ووجَّهوه إلى الجِعْرَانَةِ، وكان السَّبيُ ستةَ آلاف رأس، والإبلُ أربعةً وعشرين ألفًا، والغنم أكثرَ من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أُوقية فضة، فاستأنى بهم رسول الله ﷺ أن يقدَموا عليه مسلمين بِضْعَ عشرة ليلة.

ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلَّفةَ قلوبُهم أوَّلَ الناسِ، فأعطى أبا سفيان بنَ حرب أربعين أُوقية، ومائةً من الإبل، فقال: ابنى يزيد؟ فقال: "أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائةً مِنَ الإبل"، فقال: ابنى معاوية؟ قال: "أعْطُوهُ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَمِائَةً من الإبل"، وأعطى حكيم بن حِزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أُخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين، وذكر أصحاب المائة وأصحاب الخمسين وأعطى العباسَ بن مرداس أربعين، فقال في ذلك شعرًا، فكمَّل له المائة.

ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاءِ الغنائم والناس، ثم فضَّها على الناس، فكانت سهامُهم لكل رجل أربعًا من الإبل وأربعينَ شاة، فإن كان فارسًا أخذ اثني عشر بعيرًا وعشرين ومائة شاة.

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسولُ الله ﷺ ما أعطى مِن تلك العطايا في قريش، وفى قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شىء، وَجَدَ هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كَثُرت فيهم القالةُ، حتى قال قائلُهم: لقي واللهِ رسولُ الله ﷺ قومَه، فدخل عليه سعدُ بنُ عبادة، فقال: يا رسول الله؛ إن هذا الحيَّ من الأنصار قد وَجَدوا عليك في أنفسهم لِما صنعتَ في هذا الفئ الذي أصبتَ، قسمتَ في قومك، وأعطيتَ عطايا عِظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيِّ من الأنصار منها شىء. قال: "فأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ"؟ قال: يا رسولَ الله؛ ما أنا إلا مِن قومِي. قال: "فاجْمَعْ لي قَومَكَ في هذِهِ الحَظِيرَةِ" قال: فجاء رجالٌ من المهاجرينَ، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا، أتى سعدٌ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم رسولُ الله ﷺ، فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ؛ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنى عَنْكُم، وجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا في أَنْفُسِكُمْ، ألَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَداكُم اللهُ بي، وعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بي، وأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبكُم"؟ قالوا: الله ورسولُه أمَنُّ وأفضلُ، ثم قال: "أَلا تُجيبُونى يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ"؟ قالوا: بماذَا نجيبُك يا رسولَ الله، للهِ ولِرسُولِه المنُّ والفَضْلُ؟ قال: "أَمَا واللهِ لَوْ شِئْتُم، لَقُلْتُم، فَلَصَدَقْتُم ولَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، ومَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فآوَيْنَاكَ، وعائِلًا فآسيناكَ، أَوجَدْتم عليَّ يَا مَعْشَرَ الأنْصارِ في أَنْفُسِكُم في لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قومًا لِيُسْلِمُوا، وَوكَلْتُكُم إلى إسْلامِكُم، ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاء والبَعير، وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله إلى رحالِكم، فَوالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَمَا تَنْقَلِبُون بِهِ خيرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، وَلَوْلا الهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرُءًا مِن الأنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَوَاديًا، وسَلَكَت الأنصار شِعْبًا وَوَاديًا لَسَلكْتُ شِعْبَ الأنْصارِ وواديها، الأنصارُ شِعَارٌ، والنَّاسُ دِثارٌ، اللهُمَّ ارْحَمِ الأنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصار، وأبناءَ أبناءِ الأنْصار".

قال: فبكى القومُ حتَّى أخضلُوا لِحاهم، وقالوا: رَضينَا برسُولِ الله ﷺ قَسْمًا وحظًا، ثم انصرف رسولُ الله ﷺ وتفرَّقوا.

وقدمت الشَّيماءُ بنت الحارث بن عبد العُزَّى أُختُ رسول الله ﷺ من الرّضاعة، فقالت: يا رسول الله؛ إني أختُك مِن الرضاعة، قال: "وما علامَةُ ذلك"؟ قالت: عضَّةٌ عَضَضتنيها في ظهري، وأنا متورِّكَتُكَ. قال: فعرف رسولُ ﷺ العلامة. فبسط لها رداءَهُ، وأجلسها عليه وخيَّرها، فقال: "إنْ أحْبَبْتِ الإقامَةَ فَعندي مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وإنْ أحْبَبْتِ أنْ أُمَتِّعَكِ فَتَرْجِعى إلى قَوْمِكِ"؟ قالت: بل تُمَتِّعنى وتردُّنى إلى قومي، ففعل، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غُلاما يقال له: "مكحول" وجارية، فزوجت إحداهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وقال أبو عمر: فأسلمت، فأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية، ونعما، وشاءً، وسماها حذافة. وقال: والشيماء لقب.

فصل

وقدم وفد هَوازِنَ على رسول الله ﷺ، وهم أربعةَ عشر رجلًا، ورأسُهم زُهَيرُ بن صُرَد، وفيهم أبو بُرقان عمُّ رسول الله ﷺ من الرضاعة، فسألوه أن يَمُنَّ عليهم بالسبي والأموال، فقال: "إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وإنَّ أحَبَّ الحَدِيث إليَّ أصْدَقُهُ، فَأَبْنَاؤُكُم ونِسَاؤُكُمْ أحَبُّ إلَيْكُم أمْ أمْوَالُكُمْ"؟ قالوا: ما كنا نعدِلُ بالأحساب شيئًا فقال: "إذا صَلَّيْتُ الغَدَاةَ فَقُومُوا فقولوا: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ الله ﷺ إلى المُؤمِنينَ، ونَسْتَشْفِعُ بِالمُؤمنين إلى رَسُولِ الله ﷺ أنْ يَرُدُّوا عَلَيْنَا سَبْينَا"، فلما صلَّى الغداة، قاموا فقالُوا ذلِكَ، فقال رسولُ الله ﷺ: "أمَّا مَا كَانَ لي ولبنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَسْأَلُ لَكُمُ النَّاسَ"، فقال المهاجِرُونَ والأنصار: ما كان لنا فهو لِرسول الله ﷺ، فقال الأقرعُ بنُ حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عُيينة بن حِصن: أما أنا وبنو فَزارة فلا، وقال العباسُ بنُ مرداس: أما أنا وبنُو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال العباسُ بنُ مرداس: وهَّنتمونى، فقال رسولُ الله ﷺ: " إنَّ هؤلاء القَّوْمَ قَدْ جَاؤوا مُسْلِمِينَ، وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ سَبْيَهُم، وقَد خَيَّرْتُهم، فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأبناء والنِّساء شَيئًا، فمنْ كانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شئ، فَطَابَتْ نَفْسَهُ بأن يَرُدَّه، فسبيلُ ذلكَ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقِّهِ، فليردَّ عليهِمْ، ولَهُ بِكُلِّ فَرِيضَةٍ ستُّ فرائضَ منْ أوَّلِ ما يفئ اللهُ علينا"، فقال الناسُ: قد طيبنا لرسول الله ﷺ. فقال: "إنَّا لا نعرِفُ مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَرْضَ، فارْجِعُوا حَتَّى يَرفَعَ إلينَا عرفاؤُكم أَمْرَكُم "، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم.

ولم يتخلف منهم أحد غير عُيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزًا صارت في يديه، ثم ردَّها بعد ذلك، وكسا رسولُ الله ﷺ السَّبيَ قُبطية قُبطية.

فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكميةعدل

كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ قد وعد رسولَه، وهو صادقُ الوعد، أنه إذا فتح مكَّة، دخل النَّاسُ في دينه أفواجًا، ودانت له العربُ بأسرها، فلما تمَّ له الفتحُ المبين، اقتضت حِكمتُه تعالى أن أمسك قلوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَهَا عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألَّبوا لحرب رسول الله ﷺ والمسلمين، لِيظهر أمرُ الله، وتمامُ إعزازه لرسوله، ونصره لدينه، ولِتكون غنائمُهم شكرانًا لأهل الفتح، وليُظهرَ اللهُ سبحانه رسولَه وعِبادَه، وقهرَه لهذه الشَوْكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يُقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب، ولغير ذلك مِن الحكم الباهر