سر النجاح (1922)/الفصل الثاني


الفصل الثاني

في أرباب الصنائع وهم المخترعون والمستنبطون

قال ابن خلدون: لا بُدَّ في الرزق من سعيٍ وعمل.

وقال ده سلفندي: العلم والعمل يسودان العالم من الآن فصاعداً.

وقال أرثرهلبس: ألغِ من بلاد الإنكليز كلَّ ما صنعهُ لها المخترعون الذين نبغوا من بين السوقة، وانظر كيف تبقى.


الاجتهاد صفة من أشهر صفات الشعب الإنكليز فقد امتازوا بهِ في الأزمنة الغابرة كما هم ممتازون بها الآن فتوطَّدت أركان مملكتهم باجتهاد عامتهم وازدادت عظمة أمتهم باجتهاد آحادهم سواءٌ كانوا من حارثي الأرض أو صانعي الأمتعة أو عاملي الآلات أو مؤلفي الكتب. ولم يقتصر اجتهادُهم في الأعمال على ترقيتهم بل أنقذهم من شرِّ ما وقع في سياستهم وشرائعهم من الخلل حيناً بعد حين وهذَّب أخلاقهم ونظم أحوال مملكتهم. والاجتهاد رفيق لإتمام الواجبات وقد قرنتْهما العناية بالنجاح والسعادة. قال شاعر الأعاجم: إنَّ الآلهة وضعت الاجتهاد والتعب في طرق الفردوس وقال الشاعر العربي:

إنْ كنتَ تطلبُ عزًّا فادَّرعْ تَعَبًا
أو فارْضَ بالذُّل واخترْ راحةَ البدنِ

هذا ولا خلاف في أنَّ الإنسان لا يأكل خبزاً ألذَّ من خبزٍ تعبهِ عقليّاً كان أو جسديّاً. والاجتهادع أساس كل تقدُّم فيه ذُلِّلت مصاعب الطبيعة وارتقى الإنسان من وهاد الجهل والخشونة إلى ذرى الحضارة والعمران. وهو من الواجبات والضروريات وتراه مكتوباً على كل جارحةٍ من جوارح الجسد وكل لفافة من تلافيف الدماغ. وهو أيضًا بَرَكة من البركات ولا يستثقلهُ إلَّا كلُّ بليد خامل الذكر أو كسلان كافر بالنعم.

والعمل لا يحُط من شأن الإنسان ولو كان أذكى الناس عقلًا وأوسعهم علماً. قال هيوملر الذي لا يضاهيهِ أحد في معرفة العمل وما يتأتَّى عنه للعامل من القوة والضعف: «إنَّ أتعب الأعمال مفعم باللذة وإصلاح شأن العامل أدبيّاً وماديّاً والعمل أمهر معلم ومدرستهُ أفضل مدرسة بعد مدرسة الديانة لأننا نتعلم فيها أنْ نكون مفيدين ومستقلين ومجتهدين». وكان هذا الفاضل يذهب إلى أنَّ الصناعة تهذب أهلها وتجعلهم رجالًا أكثر من غيرها من أسباب المعايش ولا حرج فإن الحكمة العملية التي هي أفضل أنواع الحكمة تُدرَّس في مدرسة العمل.

ويظهر ممَّا ذكرناهُ من أمرِ الرجال الذين نبغوا من بين أهل الأعمال ثم امتازوا بالعلم أو التجارة أو الأدب أو الفنون أنَّ الاجتهاد يذلل الصعوبات مهما كانت وأنَّ ارتفاع الأخطار باقتحام الأخطار. هذا ناهيك عن أنَّ الاختراعات والاكتشافات التي أغدقت على الأمة الإنكليزية ينابيع الثروة والعزة أكثرها لأناس من العامَّة بل من السُّوقة وإذا حذفنا ما فعلهُ هؤلاءِ الرجال لا يبقى شيءٌ يُذكَر لأنهم أوجدوا صنائع من أوسع صنائع الدنيا ونفحوا العالم بكثير من الضروريات والكماليات وروَّجوا الأعمال وزادوا راحة البشر ورفاهتهم. وطعامنا ولباسنا وأثاث بيوتنا وزجاج شبابيكنا والغاز الذي نُنِير به شوارعنا والبواخر التي نسافر فيها برّاً وبحراً وكل الآلات والأدوات التي جنى العالم أثمارها ولا يزال ولن يزال هي ثمرة تعب أولئك المخترعين.

ومن المخترعات التي نذكرها أولًا الآلة البخارية فقد اختُرعت في عصرنا الحاضر إلَّا أنَّ مبدأها وُجِد منذ مئات من السنين ثم ظهرت في حيِّز الوجود رويداً رويداً كغيرها من المخترعات. فكان العامل الواحد يعمل ويتعب في هذا الاختراع الخطير زماناً طويلًا ولا يحصل على الغاية المطلوبة ثم يمضي ويترك عملَهُ لآخر فيأتي ويحسِّنه ويزيد عليه ما أمكنهُ. ويزيد عليه ما أمكنه. ودام الحال على هذا المنوال قروناً عديدة. وعليهِ ترى أنَّ الأمر الذي خطر على بال هيرو الإسكندري قبل المسيح بأكثر من مائة وثلاثين سنة كان كحبوب الحِنطة في مدافن المصريين الأقدمين التي يقال أنها نمت عندما زُرعَت بعد ما مضى عليها أكثر من ألفي سنة مدفونة في الأرض. وهذا الاختراع العظيم مرَّ عليه أكثر من ألفي سنة متروكاً في زوايا الإهمال ثم نما بنور العلم في عصرنا. وقد حالت دون إخراجهِ من القوة إلى الفعل صعوباتٌ تفوق الوصف ولكن رجال ذوي الهمة قووا عليها ودكُّوها بما بذلوا من الصبر والمزاولة. وكأني بالآلة البخارية بين الآلات سلطان محفوف برجاله العظام الذين بذلوا حياتهم في تشييد أركان ملكهِ. وإنْ تسأل عن أسمائهم فهم: ساڤري المهندس ونيوكمن الحداد وكولي الزجاج وبُتَر الصانع وسميتون المهندس وفي صدرهم جميعاً رجل الصبر والكد الذي لم يملَّ من عمل قط النجَّار جمس وَط.

هذا هو جمس وط أكثر الناس اجتهاداً هذا هو الرجل الذي أثبتت سيرتهُ ما طالما أثبتهُ الخبْر والخَبَر من أنَّ الأمور العظيمة لا يعملها ذو المقدرة والمهارة بالفطرية بل الذي يستعمل قواهُ بما اكتسبهُ بالاجتهاد من المزاولة والاختبار. لأن كثيرين من معاصريه كانوا أعلم منهُ جداً ولكن لم يجتهد أحدٌ اجتهاده في تحويل كلِّ علومِه وقواه إلى غايات مفيدة. فإنه كان يواظب على تتبع النتائج أشدَّ المواظبة وقد مرَّن قوة الانتباه فيهِ أشد التمرين وعلى الانتباه يتوقف فعل كل قوى العقل المتممة للأعمال ولقد أجاد المستر إدجورث إذ قال: إنَّ الفرق بين عقول البشر يتوقف على اختلاف قوة الانتباه فيهم أكثر مما يتوقف على اختلاف بقية قوى العقل.

رَضَع وط العلومَ مع اللبنِ لأن أباه كان يصنع آلات فلسفيَّة وفلكيَّة وكان في دكانه كثير من الأرباع1 فنبهت ابنهُ إلى درس علم البصريات والهيئة وكان جسمهُ نحيفاً فحملهُ ذلك على درس علم الفسيولوجيا. وكان يحب الجَوَلان في القفار فقادهُ ذلك على درس النبات والتاريخ. وطُلِب منهُ مرةً أنْ يصنع أرغناً لأنه احترف حرفة أبيه — عمل الآلات الرياضية — ولم يكن يعرف علم الإيقاع فدرسهُ باجتهاد وصنع الأرغن المطلوب فجاء بديع الإتقان. وطُلب منه ذات يوم أنْ يصلح مثالًا من آلة نيوكمن البخارية لمدرسة غلاسكو الكلية فاكبَّ على درس كلِّ ما كان يُعرَف حينئذٍ من نواميس الحرارة والبخار واصطناع الآلات الميكانيكية وظهرت نتيجة درسِه اخيراً في الآلة البخارية المكثفة التي صنعها.

قضى في صنع هذه الآلة عشر سنوات وهو بين مكتشف ومخترع ولا نتيجة تسرهُ ولا صديق ينشطهُ. وكان يحصِّل ما يقوم بنفقاتهِ ونفقات أهلهِ من اصطناع الأرباع والأعواد وغيرها من آلات الطرب. ومارس أيضاً فن مساحة الأراضي وتخطيط الطرق وإدارة حفر التُّرَع وكل ما يعود عليه بالربح. ثم وجد مُعيناً لهُ رجلًا حاذقاً نشيطاً محبّاً للاختراع يُسمَّى بُلْتُن. فاخذ هذا على نفسه استخدام آلة وط لتحريك الآلات المختلفة. ثم تداولت هذه الآلة أيدي المخترعين فزادوا عليها وأصلحوا فيها كثيراً إلى أنْ جعلوها صالحة لكل الأعمال تقريباً وهي الآن تدير الآلات وتُسيِّر السفن وتطحن الحبوب وتطبع الكتب وتسكُّ النقود وتطرّق الحديد وترفع الأثقال وتنسج الأقمشة وتحرث الأراضي وتعمل كلَّ عملٍ يُحتاج فيه إلى قوة. ومن أفضل التحسينات فيها جعلها صالحة لسير المركبات البريَّة وهذا شرع فيهِ ترفيثِك واتمَّهُ ستفنسن وابنهُ ويصحُّ أنْ نحسب هذا التحسين اختراعاً جديداً وربما فُضِّل على آلة وط لِما نتج عنهُ من اتساع الحضارة.

ومن أعظم النتائج التي نتجت من اختراع وط إنشاء معامل القطن ومُنْشئُها السر رتشرد أركريت الذي يُعجب بهِ لأجل همَّتهِ وزكانتهِ أكثر مما يُعجب بهِ لأجل مقدرتهِ على الاختراع بل إنَّ من الناس مَن لا يقرُّ له بالاختراع كما أنَّ منهم من لا يقر لوَط. ولعلَّ نسبة أركرَيت إلى آلة الغزل كنسبة وط إلى آلة البخار ونسبة ستفنسن إلى قاطرات سكة الحديد لأنه جمع شتيت خيوط متفرقة ونسج منها هذا الاختراع العظيم.

قيل إنَّ رجلًا يُسمَّى لويس بول نال امتيازاً بآلة للغزل تغزل بواسطة البكرات قبل أركريت بثلاثين سنة ولكن آلته كانت ناقصة من وجوهٍ كثيرة فأُهمِل أمرها. وقيل إنَّ رجلًا آخر اسمه توما هايس اخترع آلة للغزل والظاهر أنَّ اختراعهُ لم ينجح أيضاً. وكأنه لا يُختَرع اختراع إلَّا بعد أنْ يخطر على بال كثيرين حينما تُمسُّ الحاجة إليه فيخطو كلٌّ منهم فيه خطوة أو أكثر كما جرى في الآلة البخاريَّة وقنديل الأمانة والتلغراف الكهربائي وغيرها من المخترعات ويدوم الأمر على مثل ذلك إلى أنْ يقوم رجل يفوق أقرانهُ في العقل والإقدام فيسبقهم به الاختراع. وحينئذٍ يعلو صراخ أولئك المقصرين في ميدان هذا الاختراع ويصوبون نحوهُ سهام ملامهم فيضطرُّ أنْ يدافع عن اسمهِ وحقهِ.

هذا ولنرجع إلى رتشرد أركريت فنقول وُلد في برستون سنة ١٧٣٢ من أبوين فقيرين جدًّا. وكان صغير إخوتِه وأخواته الثلاثة عشر ولم يدخل مدرسة قط وبقي حتى وفاته لا يحسن الكتابة. وكانت صناعته الحلاقة فلما تعلَّمها فتح دكاناً في بلتن تحت الأرض وكتب فوق بابهِ «هلمُّوا إلى الحلاق الأرضي فإنهُ يأخذ على الرأس عشرين بارة» فاضطرَّ رصفاؤهُ الحلَّاقون أنْ يقلِّلوا أجرة الحلاقة مجاراةً لهُ فأعلن أنه يحلق حلاقة جيدة بعشر بارات. وشاع حينئذ لبس الشعور العارية فترك صناعة الحلاقة وأخذ يجول في البلاد يبيع الشعر والخضابات الكيماوية.

وما طالبُ الحاجاتِ من كلِّ وِجهة من الناس إلَّا من أجدَّ وشمَّرا ومع كل إقدامه واجتهاده لم يكن يكسب أكثر مما يكفي للقيام بمعيشتهِ.

ونحو ذلك الوقت بطل لبس الشعور العارية فاضطر أنْ يترك تجارتها ويأخذ في عملٍ آخر وهو اصطناع الآلات أو كما كان يُقال اختراع الاختراعات. وفي غضون ذلك جُرِّبت التجارب الكثيرة لاختراع آلة للغزل فعزم أنْ يزج نفسهُ بين المجرِّبين فألقى دَلْوه في الدلاءِ عازماً أن لا يرجع إلَّا غانماً وكان قد أضاع قسماً كبيراً من وقتهِ في اصطناع آلة تتحرَّك حركة دائمة كما هو شأن أكثر محبي الحرَف فأعدَّ عقلهُ لاختراعٍ أهمَّ وأثبت وهو اختراع آلة الغزل. ولما أخذ فيه اكبَّ عليهِ برغبة شديدة إلى أنْ نفِد ما جمعهُ من المال اليسير. فلما رأت زوجته ذلك فرغ ما عندها من الصبر فاختطفت جميع آلاته ورسومه وأطعمتها النار أملةً أن تصرفهُ عنها إلى اتباع حرفة تقوم بحاجات بيتهِ. فاستشاط منها غيظاً وهجرها.

وكان قد استعان برجلٍ صانع ساعات اسمهً كاي على عمل الآلة التي قدَّر لها الحركة الدائمة فظنَّ بعضهم أنَّ كاي هذا أخبرهُ بمبدأ الغزل بالبكرات وقيل بل خطر على بالهِ مبدأ آلة الغزل عند رؤيتهِ قطعة حديد محماة قد استطالت بمرورها بين أسطوانتين من حديد. وكيفما كان اتصالهُ إلى مبدأ آلة الغزل فمن المعلوم أنه تفرَّغ لها بكليتهِ ولم ينفكَّ عنها حتى جاءَ بالنتيجة التي ليس لكاي من فضل عليه بها سوى عملهِ لهُ المثال حسب إرشادهِ. إلَّا أنهُ صادف مصاعب كثيرة في إشهار آلتهِ هذه لأن من عادة الصنَّاع أنْ يقاوموا كلَّ آلة جديدة خوفاً من أنْ تكسد بضاعتهم بها فاضطرَّ أنْ يترك وطنه ويلتجئ إلى نوتنهام التي كانت آمن قليلًا.

وكان قد وصل إلى حالةٍ يُرثَى لها من الفقر حتى اضطرَّ البعض أنْ يتصدقوا عليه بيسير من الدراهم لابتياع ما يحتاج إليهِ من الأكسية. فطلب الإمداد من بيت رَيط فمدُّوهُ بمبلغ من المال مشترطين عليه أنْ يقاسمهم الربح. ولكن لم يمكنهُ إتقان آلته كما انتظروا فأوعزوا إليهِ أنْ يلتجئ إلى بيت سترت وتيد. وسترت هذا مخترع حاذق وهو الذي اخترع آلة لعمل الجوارب فحالما رأى آلة أركريت عرف قيمتها فاشترك مع تيد وساعدهُ على إتقانها وأخرجا لهُ امتيازاً بها سنة ١٧٦٩ (وفي تلك السنة اعطي الامتياز لوَط بآلته البخارية). والآلة الأولى التي صنعها أركريت كانت تديرها الخيل ثم أنشأ أُخرى أكبر منها يديرها الماء.

وبقي على أركريت أنْ يحسِّن هذه الآلة لأنها لم تزل تحتاج إلى إصلاحات وتحسينات كثيرة وكانت نفقتها كثيرة على قلة وربحها فلم ينفكَّ عن إصلاحها وتحسينها حتى جاءت كاملةً متقنةً جزيلة النفع. ولكن عندما أُتقنت وحان لهُ أنْ يجتني ثمار أتعابهِ قام الصنَّاع عليه وهجموا على محل الآلة ودكوهُ إلى الأرض على مرأى من جنود الدولة. وتفاقم الخَطْب حتى لم تعد مغزولاتهُ تباع في السوق مع أنها كانت أحسن من غيرها وأرخص. ثم تعصَّبوا عليهٍ وأبوا أنْ يعطوه المال المفروض على من يستعمل آلتهُ بل قاموا عليهِ في المحكمة وألغوا الامتياز الذي نالهُ. قيل إنه مرَّ مرة بخصومهِ الذين غلبوهُ فقال أحدهم على مسمع منهُ لقد غلبنا هذا الحلَّاق فأجابهم لا بأس فلم يزل معي موسى لأحلقكم كلكم. ثم عاد فأقام معامل أُخرى في لانكشير ودربيشير ونيولانارك بعد انحلال شركته مع سترت. وازدادت مغزولاتهُ ووصلت إلى درجة رفيعة من الإتقان فصارت لهُ السلطة المطلقة على هذه البضاعة وصار يحدد ثمنها كما يشاء.

وكان أركريت من أمضى الناس عزيمة وأكثرهم إقداماً وأقواهم جَلَداً فتراكمت عليه الأعمال حتى كان يضطر أنْ يعمل من الساعة الرابعة صباحاً إلى الساعة التاسعة مساءً أي من قبل الظهر بتسع ساعات إلى تسع بعدهُ ولما صار لهُ خمسون سنة من العمر شرع في درس النحو وتصليح خطهِ وتهجئة فغلب كلَّ المصاعب التي قامت في وجهه واجتنى ثمار أتعابه ولم يمضِ عليه ثماني عشرة سنة صنع آلته الأولى حتى بلغ درجة سامية من المجد والجاه في عيون أهل بلاده حاكماً لمقاطعة دربيشير وبعد مدة أنعم عليه الملك جورج الثالث بلقب الفارس. وكانت وفاتهُ في سنة ١٧٩٢. ومهما كانت مقاصدهُ فلا يُشَك في أنهُ أقام في البلاد الإنكليزية صناعة أكسبتها غنًى وافراً.

وإذا التفتنا إلى بقية أنواع الصناعات التي أغنت الأمة الإنكليزية رأينا أنها ابتدأت على يد أناس من العملَة والصنَّاع مثل بيت سترت وبلبر وتنت ومرشل وغت وبيل وأنسورث الذين قام من خلفائهم رجال كثيرون اشتهروا في السياسة مثل بيت بيل. وهذا البيت الشهير أي بيت بيل نشأ نحو أواخر القرن الثامن عشر ومُنشِئه فلاح اسمهُ روبرت بيل من مكان قرب بلكبرن. وكانت بلكبرن والضياع المجاورة لها مشهورة بنسج المنسوجات من القطن والكتان وكان من عادة الفلاحين أنْ يستعملوا الحياكة في أوقات الفراغ من عملٍ الحقول لأن الزراعة لم تكن تأتي بما يكفيهم فوضع روبرت بيل نولًا في بيتهِ وكان أميناً مجتهداً فأفلح. وهو أول من استعمل أسطوانة الندف المخترعة حديثاً.

وكانت أفكاره متجهة إلى كيفية طبع الأنسجة لأن هذه الصناعة لم تكن شائعة حينئذ وكانت الأطعمة تُسكَب في صحاف من معدن فرسم صورة على صحفة من هذه الصحاف وخطر على باله أنْ يطبع بها المنسوجات. وكانت تسكن على مقربة من بيته امرأة عندها آلة للصقل فقام إليها ووضع الصحفة في الآلة ووضع فوقها قطعة من النسيج ثم ضغطها بالآلة فانطبعت الصورة عليها. فلما رأى ذلك جعل يجرب ويمتحن إلى أنْ صنع آلة مُتقنة لطبع المنسوجات وأول قطعة طبعها بها طبع عليها صورة ورقة بقدونس واسمه بالإنكليزية «بارسلي» فلُقِّب بارسلي بيل إلى هذا اليومز وعند ذلك ترك الفلاحة وانتقل إلى قرية تبعد نحو ميلين عن بلَكْبَرْن وأخذ يطبع المنسوجات هو وأولادهُ ولم يكن أولاده أقلَّ منه نشاطاً ودام على ذلك بضع سنوات. ولما بلغ أولاده أشدَّهم أنشأ كلٌّ منهم معملًا خاصّاً بهِ واستخدم عدداً كبيراً من العمال ويبين من أمر روبرت بيل أنه كان فطناً ذكياً بعيد النظر. قال ابنهُ السر روبرت بيل: إنَّ أبي مؤسس بيتنا كان يعرف فائدة الربح التجاري للأمة وكثيراً ما كان يقول: إنَّ الربح التي يربحهُ الأفراد من التجارة لا يعد شيئاً في جنب ربح الأمَّة إجمالًا.

أمَّا السر روبرت بيل بن روبرت بيل الأول فورث عن أبيهِ الإقدام والاجتهاد ولما استقلَّ لم يكن لهُ مال ولا ثروة لأن أباهُ لم يكن قد أثرى فاشترك مع خالهِ ورجل آخر اسمهُ وليم يتس وكان رأس مالهم خمس مائة جنيه وأكثرها من وليم يتس. ولم يكن روبرت قد ناهز العشرين ولكنه قام بهذا العمل العظيم على حداثة سنهِ ومما قيل فيهِ: إنَّ لهُ رأس شيخ وبدن شاب. فاشترى هؤلاء الثلاثة مطحنة منهدمة وأرضاً مجاورة لها وجعلوها معملًا لطبع المنسوجات وذلك سنة ١٧٧٠ ثم بعد سنوات أضافوا إليه معمل غزل. ويظهر شكل معيشتهم حينئذ مما يأتي: كان وليم يتس متزوجاً ففتح بيتاً وضمَّ روبرت بيل إليهِ لأنهُ كان عزباً فكان يدفع له ثمانية شلنات كلَّ أسبوع عن أكله وسكناهُ ولكنَّ وليم يتس وجد هذا المبلغ قليلًا وطلب أنْ يزاد عليه شلنٌ كلَّ أسبوع فلم يقبل بيل بذلك ووقع بينهما الخلاف فآل الأمر إلى الانفصال ولكنهما اتفقا بعد مدة على أنْ يدفع بيل نصف شلن فوق الثمانية الشلنات. وكان لِيتس ابنةٌ صغيرة اسمها ألِن فعلق بها قلب بيل وانتظرها عشر سنوات إلى أنْ بلغت السابعة عشرة فاتخذها لهُ زوجة فكانت من أكبر مساعديهِ لأنها كانت تكتب مكاتيبهُ وحساباتهِ فإنهُ لم يكن يحسن الكتابة. وهي أم السير بيل رئيس وزراء إنكلترا وتُوفِّيت سنة ١٨٠٣ بعد أنْ قُلِّد زوجها رتبة البارونية. قيل إنَّ المعيشة في لندن أضرَّت بصحتها لأنها كانت مخالفة لما اعتادتهُ في بيت أبيها فجعل أبوها يقول لو لم يجعل روبرت ابنتنا سيدة ما ماتت باكراً.

واستمر يَتْس وبيل وشركاؤهما مدة طويلة جارين في سبيل النجاح وكان بيل مقدامهم باجتهادهِ وانصبابه وحكمته ومهارتهِ في البيع والشراءِ وقدرتهِ على مواظبة أعمالهِ إلى حدٍّ يفوق التصديق. والخلاصة أنَّ نسبة هذا الرجل إلى طبع المنسوجات نسبة أركريت إلى غزل القطن. ومما يستحق الالتفات أنَّ بيل وشركاءه لم يقتصروا على تحسين مصنوعاتهم وجعلها من الطراز الأوَّل بل اجتهدوا أيضاً في ترقية شأن عمالهم فزادهم ذلك شهرة وشرفاً.

ومن مزايا السر روبرت بيل التفاتهُ إلى كلِّ اختراع جديد فعندما اختُرعت مادةٌ تُطلَى بها المنسوجات حيث يراد إبقاؤها بيضاء اشتراها من مخترعها بمبلغ كبير من المال وأخذ في امتحانها مدة سنة أو سنتين إلى أنْ بلغت غاية الإتقان فجعلت معاملهُ في رأس كل معامل طبع المنسوجات.

ومن جملة مؤسسي الصنائع القس وِلْيَم لي مخترع آلة الجوارب ويوحنا هِثكوت مخترع آلة حبك الخرج. أمَّا الأخبار التي وصلت إلينا عن اختراع آلة الجوارب ففيها بعض الريب والتناقض ولكنها تتفق في اسم المخترع وهو وليم لي وفي أنهُ كان فقيراً ودخل خادماً وتلميذاً معاً في مدرسة كمبردج سنة ١٥٧٩ ثم انتقل إلى مدرسة مار يوحنا ونال رتبة بكلوريوس في العلوم سنة ١٥٨٣ ورتبة معلم في العلوم سنة ١٥٨٦. وحينما اخترع آلة عمل الجوارب كان قسيساً لقرية كلڤرتون بقرب نوتنهام. قيل إنهُ شغف حينئذٍ بحب فتاة وكان حينما يزورها لا تلتفت إليه كثيراً بل تبقى محدقة في الجوارب التي كانت تعملها فاستاءَ من عمل الجوارب باليد وعزم من يومهِ على اختراع آلة لعملها وأخذ يجرب ويمتحن مدة ثلاث سنوات إلى أنْ نجح فترك القسوسية وجعل يتعاطى عمل الجوارب بالآلة التي اخترعها.

ومَن رأى هذه الآلة وسهولة العمل بها عرف ما لمخترعها من الفضل ولا سيما إذا قابلها بعمل النساءِ البطيءِ الممل. ومَن تراهُ يستطيع تعداد المصاعب التي صادفها هذا الرجل ولا سيما لأنهُ كان في عصر معرفةُ عمل الآلات فيهِ في درجة واطئة فاضطر أنْ يصنع كل أجزائها بيدهِ بل أنْ يصنعها كلها من الخشب وهو أمرٌ يكاد يفوق التصديق. وبعد أنْ تعب في عملها ثلاث سنوات — كما قلنا سابقاً — صارت صالحة للعمل فاستعملها سنوات متوالية وعلَّم أخاه وكثيرين من أقربائه استعمالها. وكان يرغب في إحراز حماية الملكة اليصابات المالكة حينئذٍ المشهورة بميلها إلى عمل جوارب الحرير فأتى لندن لكي يريها إياها وأراها للبعض من رجال البلاط ومنهم اللورد هنسدن فلم يكتفِ هذا برؤيتها بل تعلم العمل بها ثم استأذن لهُ بالمثول لدى الملكة فأراها الآلة وعمل بها أمامها فلم تلتفت إليهِ الالتفات الذي انتظرهُ بل اعترضت عليهِ على ما قيل مُدَّعيةً أنَّ آلته تبطل عمل كثيرات من اللواتي معيشتهنَّ من عمل الجوارب. فلما رأى منها ذلك أوجس منها خيفةً وعزم على مغادرة بلادهِ وكان سُلَّي الحكيم وزير هنري الرابع ملك فرنسا قد طلب منه أنْ يأتي إلى روان ويعلِّم أهاليها كيفية عمل هذه الآلة والعمل بها وكانت روان حينئذ من أكثر مدن فرنسا معامل فأجاب طلبه ورحل إلى فرنسا سنة ١٦٠٥ واستصحب معهُ أخاهُ يعقوب وسبعة من العمال فقُوبل في روان بالترحاب وراجت مصنوعاته كثيراً ولكن السعد أبى إلَّا الابتعاد عنه لأن الملك هنري الرابع الذي توقع منه أنْ يُسبِغ عليه النعم الوافرة حسبما وعدهُ قُتِل غيلةً فخاف من ضياع حقوقهِ وأتى باريز قاصداً إثباتها في المحكمة فلم يعبأ به أحد لأنه أجنبي ومن البروتستانت فقضى نحبه في باريز وهو في غاية المسكنة. وهرب أخوه مع سبعة من العمال بآلاتهم إلى بلاد الإنكليز واشترك مع رجل اسمهُ أشتون وهو الذي زاد على الآلة الرصاصات التي تخفض إبرها. ثم شاع استعمال هذه الآلة وكثر العاملون بها حتى صارت صناعة عمل الجوارب فرعاً مهمّاً من صنائع الإنكليز.

ومن أهم تنوُّعات آلة الجوارب آلة الخرج أو الدنتلَّا وصانعها فرُست وهَلْمس فإنهما أصلحا آلة الجوارب حتى صار يُنسج بها نوع من الخرج وشاعت هذه الآلة كثيراً حتى استُعمل منها أكثر من ألف وخمس مائة آلة في أقل من ثلاثين سنة وكان عدد الصنَّاع العاملين بها يزيد على خمسة عشر ألفاً ثم أُهملت بسبب الحروب المتواصلة وتغيُّر الأزياء وما زالت في زوايا النسيان إلى أنْ قام جون هثكوت واخترع آلة جديدة ومن ثَمَّ ثبت هذا النوع من الصناعة على أساس وطيد وهاك تاريخ اختراعهِ بالاختصار

ولد جون هِثكوت سنة ١٧٨٣ وكانت تلوح عليه علامات النجابة وهو يتعلم مبادئ العلوم ولكن لم يسمح له والداهُ أنْ يقيم في المدرسة مدة طويلة بل وضعاهُ عند صانع أنوال ليتعلم حرفتهُ فلم يمضِ عليه وقت طويل حتى حذق في استعمال الآلات والأدوات المختلفة وعرف كلَّ الأجزاء المركبة منها آلة الجوارب وأخذ يحاول إصلاحها كلما سنحت له الفرصة. ثم عزم وهو في السادسة عشرة على عمل آلة تصنع خرجًا مثل خرج بكنهام وفرنسا الذي كان يصنع باليد فأصلح نَوْل السَّدى حتى صار يمكنهُ أنْ يعمل بهِ كفوفاً للراحة نسيجها كنسيج الخرج ومن ثَمَّ وطَّن نفسه على اصطناع آلة لعمل الخرج. وكانت آلة الجوارب قد أُصلحت حتى صار يمكن أنْ يصنع بها خرج منقط عراه معكوفة كعرى الجوارب لكنه كان سريع العطب كثير الإفلات وبالتالي غير مرضيٍّ فاجتهد كثيرون من صنَّاع نوتنهام في اختراع آلة تثني العرى بعضها على بعض كما في عمل الشبكة فذهب تعبهم سدًى ومنهم من أنفق كل أموالهِ ومات فقيراً أو جُنَّ وهام على وجههِ.

ولما ناهز هثكوت الحادية والعشرين مضى إلى نوتنهام وكان يعمل فيها الأنوال فاحترم كثيراً لأجل مهارته وذكائه وكان لم يزل عاقداً قلبه على عمل آلة تثني العُرى فتعلَّم عمل خرج بكنهام الذي كان يصنع على المخدة قاصداً أنْ يصنع آلة تحبك خرجاً مثلهُ. وكان هذا العمل صعباً مملاً يقتضي مزاولة كثيرة وحذاقة شديدة إلَّا أنهُ صبر وتأنَّى فنال ما تمنَّى. وقد وصفهُ معلمه بقوله: إنهُ رجل صبور مواظب منكر نفسهُ كثير الصمت شديد الأمل يثق كلَّ الثقة أنَّ أتعابه ستكلل بالنجاح وقد تكلَّلت وصنع آلة لعمل الخرج يعجز القلم عن وصفها وأُجيز لهُ بها وعمرهُ أربع وعشرون سنة.

ولم تكن امرأته أقل اهتماماً منه في إتمام هذه الآلة فقالت له ذات ليلة بعد أنْ تعب فيها أشهراً وأعواماً: هل صارت تشتغل فقال: لا بل يجب أنْ أفككها وأركبها ثانيةً فلم تقدر أنْ تضبط نفسها عن البكاءِ ولكنه أتاها بعد أسابيع قلائل وبيده قطعة من الخرج صنعها بها. وقد أصاب هذا الرجل ما أصاب أكثر المخترعين؛ أي إنهُ لم يُعتَرف له بأولية الاختراع، ولم يعطَ إمتيازاً بها إلَّا بعد المحاكمة وصدور الحكم لهُ. قيل إنَّ السر جون كبلي الذي حامى عنهُ رأى أنهُ يلزم لهُ أنْ يعرف كيفية تركيب هذه الآلة والعمل بها لكي يمكنهُ أنْ يدافع عنهُ فركب إلى نوتنهام حيث كانت الآلة ونزل في النول ولم يخرج حتى عرف وظيفة كلِّ جزء من أجزائها وتعلَّم العمل بها ثم رجع إلى المحكمة ووضع مثال الآلة أمام أرباب المجلس وأخذ يعمل بهِ ويشرح تركيبهُ وأفعالهُ بمهارة حيرت عقل القاضي وعقول المحلَّفين وكل الحاضرين فخرج الحكم لهُ.

ولما نال هثكوت الامتياز المذكور وجد أنَّ الصنَّاع قد صنعوا أكثر من ست مائة آلة مثل آلته ففوضت إليه الدولة أنْ يأخذ من أصحابها ضريبة مالية فحصل لهُ من ذلك ربح وافر. وكانت مكاسب العاملين بهذه الآلة وافرة جدًّا فانتشر استعمالها كثيراً وانحطَّ ثمن ذراع الخَرْج من خمس جنيهات إلى غرشين وذلك في أقل من خمس وعشرين سنة. وكان معدَّل دخل الخرج السنوي من عمل الخرج في هذه المدة أربعة ملايين من الجنيهات إنكليزية وعدد العاملين بهِ مائة وخمسين ألفًا. وأقام هثكوت معامل في لوبرو سنة ١٨٠٩ وبقي هناك عدة سنوات وهو في أوج النجاح وعندهُ عدد غفير من الفَعَلة وأجرة الواحد منهم في الأسبوع من خمس جنيهات إنكليزية إلى عشرة.

ثم قام العمال وزعموا أنَّ هذه الآلة قطعت رزقهم مع أنها فتحت باباً لتشغيل كثيرين منهم وعقدوا اجتماعاً اتفقوا فيه على تخريب كلِّ آلة يستطيعون الوصول إليها. وسنة ١٨١١ حدثت منازعة بين المعلمين والعمال في معامل الجوارب والخرج في الأقسام الجنوبية الغربية من نتنهمشير ودربيشير وليسسترشير فتجمَّع الفعلة وتحالفوا على تكسير كلِّ آلات الجوارب والخرج وأجروا ذلك فعلًا. ولكنَّ الدولة ألقت القبض على بعض رؤسائهم وعاقبتهم فصاروا يفعلون يفعلوا ذلك خفية لا جهاراً كلما سنحت لهم الفرصة. وكانت الأبنية الموضوعة فيها منفردة عن بيوت السكن فكان الهجوم عليها سهلًا.

اجتمع مكسرو الآلات في جوار نتنهام التي هي مركز الشغب وتنظموا في فرق وعقدوا تجمُّعات في ليلة دبروا فيها دسائسهم وأقاموا عليهم قائدًا يُدعَى لُدَّ ومن ثَمَّ دُعوا لدّيين وعاثوا في البلاد وقطعوا رزق عدد كبير من العمال فاضطر أصحاب المعامل إلى نقلها من الضياع والأماكن المنفردة إلى اماكن حصينة داخل المدن. ويظهر أنَّ اللديين تشجعوا بخفَّة العقاب الذي عوقب بهِ من قُبِض عليهِ منهم فلم يمضِ إلَّا وقت قصير حتى انتشروا في كلِّ الجهات الشماليَّة والمتوسطة وخربوا كلَّ ما وصلت إليه يدهم من المعامل. وكان تحالفهم سريّاً آلوا فيهِ على أنفسهم أنْ يطيعوا قوادهم طاعة عمياء في كلِّ ما يأمرونهم به وأنْ يميتوا كلَّ مَن يفشي مقاصدهم. وحكموا بملاشاة كلِّ الآلات سواءٌ كانت لنسج الجوخ أو الشيت أو الخرج وقضوا على أصحابها بالقتل. فيا لها من سنين مهولة تمرَّد فيها هؤلاء الأشقياء وجالوا يفسدون في البلاد حتى تلافت الدولة أمرهم وألقت القبض على كثيرين منهم وعاقبتهم بالموت. وبعد تعب سنين عديدة أُخمد هيجانهم وتلاشت قوتهم.

وأتْلَف اللديون معامل هثكوت مخترع آلة الخرج لأن جمهورًا منهم دخلوا معملهُ في لوبرو في إحدى الليالي والمشاعل في أيديهم وأضرموا فيه النار فحرقوا ستًّا وثلاثين آلة ومصنوعات ثمنها عشرة آلاف جنيه فقُبِض على عشرة وعوقب منهم ثمانية بالقتل. ورفع هثكوت دعواهُ على البلاد المجاورة فغُرِّمت عشرة آلاف جنيه إلَّا أنَّ القضاة طلبوا منه أنْ ينفق هذا المال داخل حدود لستر فلم يجبهم إلى طلبهم لأنهُ كان قد عزم على نقل معاملهِ إلى مكان آخر فانتقل إلى تيڤرتون في ديڤنشير وابتاع بناءً كبيراً كان معملاً للصوف ورمَّمهُ ووسَّعهُ وأقام فيه أكثر من ثلاثمائة آلة لعمل الخرج وآلات أخرى لثني الغزل وحل الحرير وعمل الشباك. وأنشأ أيضاً مسبك حديد ومعامل لاصطناع أدوات الفلاحة. وكان يرى أنَّ كلَّ الأعمال الكبيرة يمكن إدارتها بواسطة البخار فصنع محراثاً بخاريّاً ونال امتيازاً له سنة ١٨٣٣ وبقي محراثه أفضل ما صنع من نوعهِ إلى أنْ صُنِع محراث فوْلَر. وخلاصة ما يقال عن هذا الرجل العظيم أنهُ كان ثاقب الفكر سديد الرأي سريع الخاطر محبًّا للعمل أميناً مستقيماً ولما كان قد نال ما نالهُ باجتهادهِ كان إذا رأى شابّاً من العاملين عندهُ مجتهداً نشَّطهُ وقوَّى عزمهُ حتى يزيد اجتهاداً وتقدُّماً. وأكبَّ مع كثرة أعمالهِ على تعلُّم اللغة الفرنسوية والإيطالية فأحسنهما وطالع تآليف كثيرة وأغنى عقلهُ بكنوز المعرفة. وكان في معاملهِ أكثر من ألفي عامل كانوا جميعهم ينظرون إليهِ كأب لهم لاهتمامهِ براحتهم ورفاهتهم كاهتمامهِ بنفسهِ فإن نجاحهُ لم ينزع الشفقة من قلبهِ بل زادهُ ليناً وحنوّاً حتى صار عضداً للفقراءِ وملجأً للبائسين. وبنى مدارس لتعليم أولاد العمال العاملين في معاملهِ أنفق عليها ستة آلاف جنيه. وكان مع ما ذُكِر بشوش الوجه أنيس المحضر محبوباً ومكرماً من الجميع. وسنة ١٨٣١ اختارهُ أهالي تيڤرتون نائباً عنهم في البرلمنت فأقام في هذا المنصب نحو ثلاثين سنة. وحينما تنحَّى عنهُ بسبب شيخوخته أهدى إليه ألف وثلاثمائة من الفعلة العاملين في معامله دواةً من الفضة وقلماً من الذهب علامة لاكرامهم له. وتُوفِّي سنة ١٨٦١ ولهُ من العمر سبع وسبعون سنة وترك بعدهُ اسماً تفتخر به ذريتهُ.

والآن نلتفت إلى شخص آخر ليس أقل شهرة من هثكوت ولو كان أقل سعداً منهُ وهو جكار الشهير. ولد جكار بمدينة ليون من أبوين فقيرين صناعتهما الحياكة ولما بلغ سن الرشد وضعه أبوه عند مجلد ليتعلم تجليد الكتب وكان لهُ ميل شديد إلى عمل الآلات فأشار بعضهم على أبيه أنْ يعلمهُ صناعةً توافق ميلهُ فوضعه عند سكَّان ( صانع سكاكين ) وكان هذا السكَّان شرس الطباع فتركهُ جكار وخدم عند صانع حروف. ثم تُوفِّي أبواهُ فاضطر أنْ يحترف الحياكة في نولَيهما ولكنهُ ما لبث حتى خطر لهُ أنْ يحسن هيئة النولين ويصلحهما واكبَّ على ذلك فنسي نفسهُ ولم يشعر إلَّا والفقر قد دهمهُ فباع النولين لكي يوفي دينهُ. ونحو ذلك الوقت اقترن بامرأة فصار عليهِ أنْ يعولها أيضًا فباع بيتهُ وأخذ يفتش عن عمل فلم يستخدمهُ أحد لأن الجميع كانوا يعدُّونهُ كسلان كثير الأهوام. فلبث يتضوَّر جوعاً إلى أنْ وجد عملًا عند صانع حبال وبقيت امرأتهُ في ليون وكانت تعول نفسها بعمل برانيط القش. ولا يُعرَف من أمرهِ شيء إلَّا بعد مضي سنوات أتمَّ في غضونها عمل نولٍ لنسج المنسوجات الموشاة. ولم يمضِ على هذا النول عشر سنوات حتى شاع كثيراً وصُنع منه في ليون أربعة آلاف نول. ثم حدثت الثورة في فرنسا فانقطع عن عملهِ وتطوَّع للحرب بين المتطوعين الليونيين ولما أُخذت مدينتهم هرب وانضم إلى جنود الرن فارتقى إلى رتبة جاويش وقُتل ابنهُ بجانبه في إحدى المعارك فترك الجند ورجع إلى ليون وافتقد امرأتهُ فوجد أنها لم تزل تعمل برانيط القش فأقام معها ولكنهُ لم ينفكَّ عن النظر في أمر الاختراع حتى اضطرَّ أنْ يخرج من مخفاهُ ويسعى في عمل يعيش به فانضمَّ إلى صانع ماهر وكان يعمل عندهُ في النهار ويرجع إلى اختراعهِ في الليل حاسباً أن نول المنسوجات الموشاة يحتمل إصلاحات كثيرة.

وحدث يوماً أنهُ ذكر ذلك لمستأجره متأوهاً على ضيق ذات يده المانع لهُ من إتمام مقاصدهِ فأصغى إليهِ مستأجرهُ ومدَّهُ بمالِ كافٍ لكي يتمِّم اختراعه في ساعات العطلة. فلم تمضِ عليهِ ثلاثة أشهر حتى اخترع نولًا بديع الصنعة وعرضهُ في معرض الصنائع الذي اقيم في باريز سنة ١٨٠١ ونال عليه نيشاناً. وزارهُ الوزير كرنو في ليون وهنَّأه بنجاحهِ في اختراعه هذا. وفي السنة التالية أعلنت لجنة الصنائع في لندن أنها تعطي جائزة لمن يخترع آلة لعمل الشباك فأخذ جكار يتأمَّل في هذا الموضوع ولم تمضِ عليهِ ثلاثة أسابيع حتى اخترع الآلة المطلوبة فبلغ ذلك الإمبراطور نبوليون فدعاهُ إلى باريز وقابلهُ بالترحاب والإكرام كما يليق بمخترع عظيم ودام الحديث بينهما ساعتين فشرح جكار للإمبراطور كلَّ ما يتعلق بنول المنسوجات الموشاة وما يحتملهُ من الإصلاح فأمر الإمبراطور أنْ يُعطَى مكاناً في الفنون والأدوات وأنْ يُقدَّم لهُ كلَّ ما يحتاج من الآلات وأمر لهُ بمعاش كافٍ. فوجد جكار في ذلك المعهد آلات لا تُحصَى وجميعها تشهد بفضل صانعيها وحذاقتهم وفي جملتها نول لنسج الحرير المشَّجر من عمل ڤوكنصن الشهير.

أمَّا ڤوكنصن هذا فهو من الطراز الأول بين المخترعين بل هو مخترع مطبوع على الاختراع. روي أنه رأى في حداثتهِ ساعة كبيرة تتحرك من نفسها، فأخذ يفكر في سبب حركتها ولم ينفك عن تأملها حتى فهم سبب حركتها فعمل ساعة من خشب تدل على الساعات وعمل أيضًا ملائكة تحرك أجنحتها وكهنة يتممون بعض الفرائض الدينية. ثم أخذ في تعلُّم التشريح والموسيقى والميكانيكيات لكي يتسهل عليهِ أمر اختراع الآلات. ورأى ذات يوم مغنياً يغني بالفلوت في بساتين التويلري فصنع شخصاً مثلهُ يغني الغناء نفسهُ ولكنهُ اضطرَّ أنْ يعمل فيهِ سنين عديدة ثم صنع بطة تسبح وتشرب وتبطبط كبطة حيَّة وصنع صِلًّا لرواية كليوبترة يفحُّ ويشبُّ إلى صدر المشخصة كأنهُ صِلٌّ حقيقي. ولكنهُ لم يقتصر على عمل آلات كهذه لأن الكردينال ده فلري عينهُ مفتشاً لمعامل الحرير في فرنسا فما لبث أنْ تولج هذا المنصب حتى أخذ يدخل الإصلاحات الكثيرة في آلات الحرير. ومن الآلات التي اخترعها آلة لغزل مشاقة الحرير ولكنها هيَّجت صنَّاع ليون فرجموهُ بالحجارة ولولا قليل لقتلوهُ. غير أنهُ لم ينفكَّ عن الاختراع فاخترع آلة لنسج الحرير المشجر وأوجد طريقة لجعل كلِّ خيوط الوشائع من ثخن واحد. ثم تُوفِّي سنة ١٧٨٢ وأوصى قبل وفاتهِ بكل آلاته للمملكة غير أنَّ المملكة لم تعن بها فذهبت أدراج الرياح.

أمَّا آلة نسج الحرير المشجر فحُفِظت لحسن الحظ في خزانة الآلات والأدوات لتكون مرشداً لجكار في عمل نوله. ومن أهم أجزائها أُسطوانة ذات ثقوب إذا أُدِيرت حركت إبراً حركات معلومة بواسطة ثقوبها وفرَّقت السدي على نوعٍ يجعل رسماً معلوماً. فلما رأى جكار هذه الآلة طار فرحاً وأخذ من ساعتهِ في إصلاحها بهمة مخترع حقيقي فأكمل إصلاحها في أقل من شهر وزاد عليها قطعة من الكرتون مثقوبة ثقوباً كثيرة تدخل فيها الأسدية وآلة أخرى تري الحائك لون الوشيعة التي طرحها في النول فاستغنى بذلك عن واحد يسحب الخيوط وآخر يقرأ الرسوم. وأهدى أوَّل قطعة نسجها للإمبراطورة جوزفين زوجة نبوليون بونابارت فسُرَّ نبوليون بها سروراً عظيماً وأمر أحذق الصنَّاع أنْ يصنعوا عدداً من الأنوال حسب مثال جكار وأهداها إليه فأخذها ورجع إلى ليون. فصادف في ليون ما لا بُدَّ منه لكلِّ مخترع. فإن صناعها حسبوا نولهُ عدوًّا يقطع رزقهم فتجمعوا وعزموا أنْ يقتلوهُ ويلاشوا آلاتهِ فجرُّوه إلى النهر ليغرقوهُ لكن التقادير ساعدتهُ فنجا من أيديهم.

ولم يمضِ وقت طويل حتى عُرف فضل نولِه وألحَّ عليه حاكة الحرير بإنكلترا أنْ يأتي ويسكن في بلادهم ولكنه أبى ذلك حبًّا بوطنهِ. إلَّا أنَّ الحاكة الإنكليز استعملوا نولهُ واعتمدوا عليهِ فرأى ذلك أهل ليون وعلموا أنَّ الإنكليز غالبوهم لا محالة فأقبلوا على نول جكار برغبة شديدة واستعملوهُ لكل المنسوجات تقريباً وثبت لهم أنَّ خوفهم من انحطاط أجور الصنَّاع كان في غير محلهِ لأن هذا النول زاد أعمال الصنَّاع عشرة أضعاف وكان في ليون وحدها سنة ١٨٣٣ ستون ألف عامل بحسب تعديل مسيو ليون فوشه ثم زاد عن ذلك كثيراً.

وعاش جكار بعد ذلك بالهدوء والسكينة محبوباً من الجميع. والعَمَال الذين جرُّوهُ قبلًا ليغرقوهُ اجتهدوا لكي يحملوهُ يوم عيد ميلاده ويطوفوا بهِ الطريق التي جرُّوهُ فيها قبلًا فلم يجبهم إلى ذلك تواضعًا منهُ. ثم عرض عليهِ ديوان البلدية في ليون أنْ يتفرغ لإصلاح نوله لخير الوطن بالأجرة التي يختارها فقبل ذلك وأدخل فيهِ كلَّ الإصلاحات اللازمة ثم تنحَّى عن الأعمال ولهُ من العمر ستون سنة ورجع إلى أولينس ليقضي ما بقي لهُ من العمر في مولد أبيه فمنح لجيون دونر (نيشان الشرف) سنة ١٨٢٠ وتُوفِّي هناك سنة ١٨٣٤ وأُقِيم لهُ نصب تذكاراً إلَّا أنَّ أقاربه بقوا في الفقر الشديد. وبعد موته بعشرين سنة باعت ابنتا أخيهِ النيشان الذهبي الذي قلَّدهُ إياهُ الملك لويس الثامن عشر. قال أحد الفرنسويين: هذا هو جزاء أهل ليون لمن كان سبب لغناهم ومجدهم.

وفي استطاعتنا أنْ نذكر سير كثيرين من المخترعين وما احتملوهُ من المشاق وعانوه من المضض ولم يجتنوا شيئاً من ثمار أتعابهم بل ذهبوا وتركوها لغيرهم ولكنَّا نجتزئُ عن ذلك بذكر سيرة مخترع آخر حديث العهد وهو يشوع هِلْمَن مخترع الممشطة.

ولد هلمن هذا في ملهوسي من الألزاس سنة ١٧٩٥ ودخل معمل قطن وهو في الخامسة عشرة وأقام فيهِ سنتين وكان يشغل أوقات العطلة برسم الآلات ثم انتقل إلى بيت عمهِ في باريز ودرس هناك الرياضيات وأنشأ بعض أقاربهِ معملًا لغزل القطن فوضعوهُ في معمل الخواجات تسووراي في باريز ليتعلم هذا العمل ثم يرجع ويدير معمل أقاربهِ. فتعلم كلَّ ما يحتاج إليه من تركيب الآلات وما أشبه ورجع إلى الألزاس مديراً للمعمل. ولكن حدثت حوادث تجارية أخَّرت أقاربهُ فاتصل المعمل إلى غيرهم فخرج منهُ ورجع إلى بيتهِ في مُلهَوْسي. وكان يحاول اختراع آلة للتطريز تحرك عشرين إبرة في وقت واحد ويقضي أكثر أوقات العطلة في عملها فأتمها في ستة أشهر وعرضها في معرض سنة ١٨٣٤ فنال عليها نيشاناً ذهبيّاً ونيشان الشرف. ثم اخترع مخترعات أخرى كثيرة منها نول وآلة لقياس النسيج وطيهِ وأدخل إصلاحات كثيرة في آلات كب الحرير والقطن وإعداد غزلها ونسج الحرير والقطن. ومن أعظم اختراعاتهِ آلة تنسج طاقين من المخمل أو من كلِّ نسيج ذي خمل في وقت واحد ثم تفصلهما بأداةٍ فيها كسكين حادٍّ. وأفضل اختراعاتهِ كلها وأعظمها آلة التمشيط وهاك تاريخ اختراعها:

خطر على بالهِ قبل ذلك استباط آلة لمشط القطن وتنقية الألياف الطويلة من القصيرة قبل غزله. وكان العَمَلة يستعملون لذلك آلة غير متقنة كثيرة الخسارة فعرض مجمع النسج في الألزاس جائزة خمسة آلاف فرنك لمن يخترع آلة للمشط أتقن من الآلة المستعملة. فتفرَّغ هلمن لهذا الاختراع لا طمعًا بالمال ( لأنه كان قد تزوَّج بامرأة غنيَّة ) بل حبّاً بشرف الاختراع لأنهُ كان يقول: إنَّ طالب المال لا يمكنه أنْ يعمل أعمالاً جليلة. وبعد أنْ تعب في هذا الاختراع سنين عديدة نفد ما معهُ من المال ولم يحصل على نتيجة مرضية فاعتمد على مساعدة أصدقائهِ الذين قدموا لهُ المساعدة اللازمة لإتمام اختراعه. ثم ماتت امرأتهُ متيقنة أنهُ على حافة الخراب فأتى بعد موتها إلى إنكلترا وأقام في منشستر وعمل مثالًا لما اتصل إليه من الاختراع في هذه الآلة عند أمهر صناعها لكنهُ لم يكن مرضيًّا فعاد إلى إصلاحهِ وبعد تعب جزيل كاد ييأس من إصلاحهِ ثم رجع إلى فرنسا لكي يرى عائلته وعقلهُ مشغول بهذا الاختراع وإذ كان جالساً ذات ليلة في بيتهِ متأملًا في نصيب المخترعين وسوءِ حظهم التفت إلى بناتهِ فرآهنَّ يمشِّطن شعورهنّ فخطر على باله حينئذٍ أنهُ لو صنع آلة تمشط الشعر الطويل وترجع القصير إلى الخلف وهي راجعة كما يفعل بناته لجاءت بالمطلوب فصنع آلة تمشط القطن وتفصل الألياف الطويلة عن القصيرة وتجمع الطويلة وحدها والقصيرة وحدها كأنها في عاقل دقيق الصنعة. هذه هي الآلة التي صار ينسج بواسطتها من ليبرة واحدة من القطن خيط طولهُ ٣٣٤ ميلًا حتى إنَّ ما ثمنه شلن واحد يُنسَج خرجاً ثمنه نحو أربع مائة جنيه وحالما اشتهر اختراع هلمن عرف غُزَّالو القطن في بلاد الإنكليز مقدار قيمتهِ فاجتمع أصحاب ستةِ معامل من معامل لنكشير واعطوهُ ثلاثين ألف جنيه لكي يجيز لهم استعمال هذه الآلة لمشط القطن واعطاهُ غازلو الصوف مقدار ذلك الخواجات مرشل عشرين ألف جنيه ليجيز لهم استعمالها في مشط الكتان فانهال عليهِ الغنى بغزارة ولكنهُ لم يعش ليتمتع به فوافتهُ المنية بُعَيد ذلك ثم لحق به ابنهُ الذي شاركهُ في الضرَّاء.



  1. نوع من الآلات الفلكية