شرح تشريح القانون لابن سينا/القسم الأول/الجملة الأولى/الفصل الثاني

​شرح تشريح القانون لابن سينا​ المؤلف ابن النفيس
القسم الأول
الجملة الأولى - الفصل الثاني



الفصل الثاني

تشريح عظام القحف


قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه الشرح عظام القحف تطلق تارةً، وبراد بها عظام الرأس كلها واختلف لأطباء فيها. فمنهم من يعد من جملتها العظم الوتدي، وهو الرأي المشهور. ومنهم من يخرج عنها هذا العظم ويعده من عظام اللحى الأعلى.

وأيضاً: منهم من يعد من جملة عظام القحف عظمي اليافوخ. ومنهم من يخرجها عنها والنزاع في ذلك مما ليس له فائدة يعتد بها.

وتارةً يطلق عظام القحف. وبراد بها عظام اليافوخ فقط، وهو الذي أراده الشيخ ها هنا. لأنه في هذا الفصل يقتصر على تشريح عظمي اليافوخ. وفي الفصل الذي بعد هذا، وهو الذي جعله في تشريح ما دون القحف. إنما ذكر فيه تشريح ما سوى عظمي اليافوخ من عظام الرأس. لكنه في هذا الفصل عند ذكره منافع تكثير العظام إنما أراد بعظام القحف جملة عظام الرأس، لأن المنافع التي ذكرها لا تصلح أن تكون منافع بتكثير عظمي اليافوخ فقط، كما ستعرفه في شرحنا لكلامه هناك. ولا شك أن ذلك مستقبح في التصنيف. والكلام في هذا الفصل يشتمل على أربعة مباحث: البحث الأول بيان منافع عظام القحف أعني عظام الرأس كلها قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما منفعة جملة عظام القحف فهي أنها جنة للدماغ، ساترة له، وواقية من الآفات. وأما المنفعة في خلقها قبائل كثيرة، وعظاماً فوق واحدة.... إلى قوله: والشكل الطبيعي لهذا العظم.

الشرح قد ذكر الشيخ ها هنا لتكثير هذه العظام ستة منافع: المنفعة الأولى: أن الآفة العارضة لا تعم. وبيان هذا أن العظم الواحد لا مانع فيه من سريان ما يعرض له من الآفات كالشق والعفونة، ونحو ذلك من الفساد. ولا كذلك العظام الكثيرة. لأن الصدع مثلاً: إذا انتهى في عظم إلى موضع الوصل بينه وبين غيره، لم يتمكن من السريان في العظم الذي يليه، ويكون المفصل الواقع بينهما مانعاً من زلك السريان. ولا شك أن ذلك منفعة.

ولقائل أن يقول: كما أن هذه المفاصل نافعة بهذا الوجه كذلك هي أيضاً ضارة بوجه آخر. وذلك لأن الرأس إذا كان من عظام كثيرة وعرض لو احد منها صدع انتهى إلى طرفيه، فإنه حينئذ ينفتح لبطلان الاتصال، ولا كذلك إذا كان عظماً واحداً، فإنه حينئذٍ إذا عرض صدع بذلك القدر أو أكثر منه قليلاً، بقي العظم متصلاً بما سوى موضع الصدع فلا تنفتح.

وجوابه: أن هذا التضرر منتف في عظام الرأس، لأن مفاصلها مدروزة فإذا انصدع منها عظم بقي كل جزء منه محفوظاً في موضعه لتشبثه بالعظام المجاورة له.

والمنفعة الثانية: أن بعض عظام الرأس يجب أن يكون شديد التخلخل كعظمي اليافوخ وبعضها أن يكون شديد الصلابة كالعظم الوتدي. وبعضها يجب أن يكون جرمه متوسطاً بين هذين كعظام الجدران. والجدار المقدم يجب أن يكون ألين، والمؤخر أصلب، واللذين يمنة ويسرة بينهما في الصلابة. وسنذكر منافع ذلك كله، وإذا كان كذلك لم يحسن، ولا يجوز أن يكون الجميع عظماً واحداً، وذلك لأمرين: أحدهما: أنه لو كان عظماً واحداً لكان الجزء اللين منه مهيئاً لقبول الآفات وذلك لأن اللين بنفسه سهل القبول، فإذا عرضت له آفة، وكان العظم واحداً تهيأ الباقي للانفعال.

وثانيهما: أنه لو كان اتحاد العظم حينئذٍ محموداً لم يخلق لعظام الزندين والساقين ونحوهما لواحق. بل كان يخلق كل واحد من تلك العظام قطعة واحدة لأن هذه العظام تحتاج أن تكون قوية فلو جاز أن يكون عظماً واحداً لما كثرت أجزاؤها، لأن ذلك مما يضعف له جرمها، وحيث لم يخلق قطعة واحدة علم أن ذلك مع اختلاف الأجزاء في الصلابة واللين مما لا يجوز.

وإذا كان كذلك وجب تكثير عظام الرأس بعدد ما يجب أن يكون فيها من الاختلاف المذكور.

ولقائل أن يقول: إن كلا هذين الأمرين مما لا يصح.

أما الأول: فلا بد وأن يكون من هذا العظم متخلخلاً، فلا بد وأن يكون إما بحذاء الحس كعظم الجبهة، أو مستوراً باللباس عادة كعظمي اليافوخ وذلك مما يقلل قبوله للآفات، فلا يكون ما يعرض له منها أكثر من العارضة للذي يجب أن يكون من هذا العظم صلباً.

وليس لكم أن تقولوا: إن الصلب تعرض له الآفة حينئذٍ تارة بنفسه، وتارةً لسريان ما يعرض للتخلخل، وذلك موجب لتكثير آفاته لأنا نقول: إن هذا إذا سلم كان هو بعينه المنفعة الأولى.

وأما الثاني: فمن وجوه: أحدها: أن الفاضل أرسطوطاليس حكى أن رجلاً لم يكن لرأسه شؤون بل كان من عظم واحد. فلو كان في ذلك مفسدة لما وجد.

وثانيها: أن كل واحد من عظمي اليافوخ والجدارين اللذين يمنة ويسرة. فإن أجزاءه يجب أن تكون مختلفة في الصلابة واللين.

وأما عظما اليافوخ فإن مقدمهما شديد اللين، فلذلك ينغمز في سن الطفولة بأدنى مس، وأما الجدران فلأن كل واحد منهما يجب أن يكون ما عند ثقب الأذن الذي فيه شديد الصلابة بالنسبة إلى باقي أجزائه. ولو كان وجوب هذا الاختلاف يوجب تكثير العظام لكان كل واحد من هذه العظام متكثراً. والواقع بخلاف ذلك.

وثالثها: أن تكثر العظام وإن نفع بالوجه الذي قلتم فهو يضر من جهة أنه يضعف جرم الرأس، فلم قلتم إن هذا النفع راجح على هذه المضرة حتى تراعى في الخلقة دون هذا الضرر?.

ورابعها: أن عظام الساقين والفخذين ونحوهما إنما كثرت أجزاؤها ليكون هذا العظم الذي هو المخ مسلك ينفذ فيه، وهو موضع الالتحام فلا يدل تكثرها على أن اختلاف الأجزاء يوجب تكثير العظام.

الجواب: أما ما قيل على الأمر الأول، فإنا وإن سلمنا أن الأجزاء التي يجب تخلخلها من عظم الرأس، يقل قبولها للآفات الخارجية بما قلتم لكنها لا محالة شديدة القبول لمثل العفونة ونحوها.

فلو كان الجميع عظماً واحداً لكان الصلب منه مستعداً لذلك أيضاً بسبب السريان، وأما ما قيل على الأمر الآخر.

فالجواب: على الأول، أنا لا نمانع إمكان اتحاد هذا العظم لكنا نمنع أن تكون البنية حينئذٍ فاصلة. ولعل هذا الذي كان رأسه من عظم واحد قد كان فاسد الذهن رديء الأخلاق، لأجل احتباس الأبخرة الكثيرة في دماغه.

وعن الثاني: أن الاختلاف الواجب في هذه العظام ليس بكثير بحيث يوجب لتكثير القطع، ولا كذلك جملة عظام الرأس.

وعن الثالث: أن المؤلف من عظام كثيرة إنما يلزم أن يكون ضعفه كبيراً، إذا كانت مفاصله غير موثقة كإيثاق شؤون الناس، وأما إذا كانت بهذا الإيثاق، فإن ما يحدثه ذلك من الضعف لا يكون له قدر يعتد به.

وعن الرابع: أن تكثير أجزاء عظام الساق والساعد ونحوها. لو كان لنفوذ الغذاء لكان العظم الأكبر المحتاج إلى غذاء أكثر أجزاؤه أكثر. ولو كان كذلك لما كان الزند الأعلى ذا لاحقتين والزند الأسفل أعظم منه بكثير وهو ذو لاحقة واحدة.

والمنفعة الثالثة من منافع تكثير عظام الرأس أن يكون لما غلظ من الأبخرة التي لا يمكن نفوذها في مسام العظام طريق إلى التحلل من الخلل الواقع بين القطاع وذلك مما لا يتأتى لو كان عظماً واحداً، وذلك لأن الدماغ تكثر فيه الأبخرة، وأبخرته غليظة، وأما كثرتها، فلأنه موضوع في أعلى البدن فيكون تصعد البخار إليه بالطبع.

وأما غلظها فلأجل برودة الدماغ ورطوبته.

وهذه الأبخرة لو بقيت في داخل الرأس لأفسدت الذهن، وآلمت وصدعت، وإخراجها إنما يكون من منافذ متسعة فلو كان الرأس من عظم واحد لاحتاج أن يكون فيه ثقوب كثيرة جداً، وذلك موهن له، معد له للانكسار.

والمنفعة الرابعة: أن يكون لما يخرج من الدماغ من العصب الذي يحتاج إلى تفريقه في أعضاء الرأس طريق إلى النفوذ، وذلك في فرج المفاصل، ولو كان العظم واحداً لكانت الثقوب تضعفه.

والمنفعة الخامسة: أن يكون لما يجب أن يدخل إلى داخل الرأس من الأوردة والشرايين طريق، ومسلك في خلل المفاصل.

والمنفعة السادسة: أن يكون لما يبرز من أجزاء الأم الغليظة إلى خارج القحف طريق ليثبت في ظاهره، فتستقل تلك الأم عن الدماغ فلا يثقله طريق في مسلك.

والمنفعة الأولى والثانية ظاهر أنهما لأجل العظام نفسها.

وأما الثالثة: فهي للدماغ، وتتم بالمفاصل.

وأما الرابعة: فلأجل الحس الذي في ظاهر الرأس، وتتم أيضاً بالمفاصل.

وأما الخامسة ثم السادسة: فمشتركة بين الدماغ وبين ما يدخل ويخرج ويتم أيضاً بالمفاصل.

قوله: ومنفعتان مشتركتان بين الدماغ، وبين شيئين آخرين. في كثير من النسخ بين القطاع.

والنسخة الأولى هي الصحيحة. لأن القطاع هي العظام. وما يدخل من الأوردة والشاربين، وما يخرج من الأعصاب لا نفع له في العظام البتة. والله ولي التوفيق.

البحث الثاني الشكل الطبيعي للرأس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الشكل الطبيعي لهذا العظم هو الاستدارة لأمرين، ومنفعتين.... إلى قوله: ولمثل هذا الشكل دروز ثلاثة حقيقية.

الشرح إن للرأس في الطول شكلاً طبيعياً، وأشكالاً غير طبيعية أما شكله الطبيعي فهو أن يكون مستديراً إلى طول كالكرة المغمورة من الجانبين فيكون له نتوءان. أحدهما: إلى قدام، وه و أعظم. والآخر إلى خلف، هو أصغر.

أما استدارته: فقد ذكر الشيخ لها منفعتين: إحداهما: لتكون مساحته أعظم فيكون ما يسعه من الدماغ وغيره أكثر، وذلك لأن كل جسمين تساوى محيطهما، فإن الكرى منهما أعظم مساحة من غيره. ولا يليق بهذا الكتاب إقامة البرهان على أمثال هذا.

والذي يقربه إلى الذهن. أن الجسم المخروط الشكل الكرى أقل مساحة من المكعب والمكعب أقل مساحة من الذي تحيط به قواعد مخمسة، وذلك أقل مساحة من الذي قواعده مسدسة. وكذلك كل ما قرب شكله من الشكل الكرى كانت مساحته أعظم لا محالة. فالكرى لا محالة أكبر من جميع الأجسام أعني بذلك إذا تساوت الإحاطة. ويمكنك امتحان هذا بالسطوح فإن المثلث أصغر من المربع، وهو أصغر من المخمس وكذلك كلما قرب من الدائرة كان أعظم مما هو أبعد عنها. فتكون الدائرة أو سع المسطحات. وهذه الفائدة تعود إلى ما يحويه العظم، لا إلى العظم نفسه.

وثانيتهما: لتكون أبعد عن قبول الآفات الخارجية مما له زاوية. إذ الزاوية ليس لها من ورائها ما يقويها على مقاومة المصادم. ولذلك ما كان من الأجسام ذا زوايا فإن ما يعرض له من التكسر يكون أو لاً في زواياه. والجسم الكرى جوانبه كلها متساوية، فليس عروض الفساد له من جهة أولى من عروضه من جهة أخرى وهذه المنفعة تعود إلى نفس العظم. وذكر لطول هذا العظم منفعة واحدة، وهي أن الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول. أعني مرتبة كل زوج بعد آخر إلى خلف.

وهذه الأعصاب سبعة أزواج. فإذا عددنا ما يقع منها في الطول وجدنا سبعة. وإذا عددنا ما يقع في العرض وجدنا ذلك عصبتين فقط. فتكون الحاجة إلى الطول لأجل الأعصاب أكثر.

أقول: وها هنا سبب آخر لأجله صار شكل الرأس هكذا. وذلك لأن معظم الغرض بعظام الرأس إنما هي وقاية للدماغ. وذلك بأن يكون له كالجنة. وإنما يتم ذلك بأن يكون محيطاً به من كل جهة وشكل الدماغ مستدير إلى طول، فيجب أن يكون شكل ما يحيط به كذلك وإلا كان فيه زيادة غير محتاج إليها في الوقاية، أو نقصان تؤدي إلى انضغاط الدماغ وإنما كان شكل الدماغ مستديراً إلى طول. أما استدارته فكما قلنا في العظام وأما طوله، فلأنه محتاج أن يكون فيه ثلاثة بطون. وأن تكون هذه البطون موضوعة في طوله، وذلك يحوج إلى زيادة في طوله. وإذا كان هذا العظم مستديراً إلى طول فصوله ما بين مقدمه ومؤخره وجب أن يكون له نتوءان أحدهما إلى قدام والآخر إلى خلف، وخلق نتوءه المقدم أعظم لأن ما يحيط به من الدماغ أكبر وإنما كان كذلك لأن مقدم الدماغ للحس ومؤخره يحفظ المعاني، والمحسوس إنما ينتفش في شيء له مساحة. ولا كذلك المعاني.

وأما الأشكال الخارجة عن الأمر الطبيعي فسنذكرها بعد.

قوله: وله نتوءان إلى قدام، وإلى خلف ليقيا الأعصاب المنحدرة من الجانبين، وفائدة هذين النتوءين أنهما ساتران ولا شك أن الساتر إذا كان محدباً كانت وقايته أتم لأن ملاقاة ما يصادمه يكون بجزء أقل، فيكون انفعاله عنه أضعف. والله أعلم.

البحث الثالث عدد دروز الرأس الطبيعي الذي شكله طبيعي وهيأتها قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه ولمثل هذا الشكل دروز. ثلاثة حقيقية، ودرزان كاذبان... إلى قوله: وأما أشكال الرأس غير الطبيعية فهي ثلاثة.

الشرح قد بينا أن الشيخ في هذا الفصل إنما يتكلم في تشريح عظمي اليافوخ. فلذلك إنما نذكرها ها هنا.

دروز الرأس خمسة دروز: ثلاثة منها حقيقية، أعني بذلك أنها دروز حقيقية وذلك أن الدروز إنما تحدث من مداخلة كل واحد من العظمين في الآخر في مواضع كثيرة حتى تكون كمنشارين أدخلت زوائد كل واحد منهما في حفر الآخر وكأنها أصابع قصار أدخلت كل إصبع بين إصبعين مما يقابلها. وهذه الدروز كذلك. وسميت دروزاً تشبيهاً لها بدرز الخياطة. لكنها تخالف تركيب المنشارين والأصابع، بأن المنشارين زوائدهما تأخذ من عرض كبير إلى دقة، والأصابع عرضها كلها متساوية، وزوائد هذه الدروز ليست كذلك، بل أطرافها أكثر عرضاً من قواعدها. وذلك ليكون التركيب أقوى وأحكم، ولتكون مسافة الخلل أطول فتكون منافس البخار الذي يحتاج أن يتحلل منه أكثر.

واثنان من هذه الدروز الخمسة ليسا في الحقيقة بدروز بل هما لزاق ولهذا يسميها بعضهم لزاقاً.

ولا يطلق عليها اسم الدروز. والذين يسمونها دروزاً، فيسمونها دروزاً كاذبة، وغير حقيقية، وقشرية وهيأتهما أن كل واحد من العظمين يبتدئ عند قرب طرفه في الترقق، ويتم ترققه عند انتهاء طرفه ثم يركب انتهاء ترقق هذا على ابتداء ترقق ذاك حتى تكون ثخانة العظمين عظم واحد، وفائدة خلقتهما كذلك أن يسهل تنحي أحد العظمين عن الآخر من غير انكشاف يعرض للدماغ، مع أن كل واحد من العظمين شديد الثبات على الآخر، وفائدة ذلك أن يجد البخار والرياح الكثيرة التي قد تجتمع في داخل القحف طريقاً متسعاً للانفصال، ولا يلزمها فساد الدماغ، وشدة الألم.

وأطن أن هذين الدرزين من خواص الإنسان، وذلك لأن رأسه في سمت صعود البخار والدخان من البدن كله، ويحتاج أن يكون رأسه أكثر نقاء من جميع الحيوان ليكون فكره جيداً فيحتاج أن يكون منافس تحلل ذلك منه أكثر وأوسع.

وأما أشكال هذه الدروز الخمسة: فالأول من الحقيقية يحيط أعلاه بأعلى الجهة مشترك بين عظمها وعظمي اليافوخ. وهو قوسي هكذا ويسمى الإكليلي لأنه عند منتهى الإكليل الذي يوضع على الرأس. وسنذكر في الفصل الآخر غاية امتداد طرفيه، ومنه تتحلل البخارات التي في البطن المقدم. ولذلك وضع حيث يسهل تحلل الأبخرة لأنه يمر على محيط ذلك البطن. وإنما كان شكله كذلك لأن هذا النتوء كبير، فيكون مع باقي الرأس كالكرة، وأكثر تحدباً وانفراجاً. وإذا قطعت الكرة بسطح مستو كان الانفصال على هيئة دائرة فيكون هذا الدرز على هيئة محيط قطعة دائرة والدرز الثاني يمر مستقيماً تحت العرق، ومنه تتحلل أكثر أبخرة الرأس، خاصة ما يكون في وسطه. وخلق مستقيماً ليعم جميع الجزء الأعلى من الرأس فيكون تحلل تلك الأبخرة أسهل وأكثر مع كون التركيب أحكم وأقوى. أما أن التحلل يكون أكثر فلأن هذا الدرز لو انحرف على الجزء الأعلى من الرأس إلى جانبه لبقي ذلك القدر من الجزء الأعلى مانعاً من التحلل.

وأما أن التركيب أقوى فلأن الخط المستقيم أقصر الخطوط فيكون الانفصال أقل، ولا كذلك لو كان منحرفاً لأنه حينئذٍ يطول، وكذلك لو خلق مستقيماً ولو لم يكن تحت الفرق لكان ما يتحلل منه من الأبخرة أقل لأنه حينئذٍ لا يكون في أعلى الرأس حيث ينتهي إليه البخار. وإذا كان هذا الدرز يقطع الرأس من أعلاه فلا بد وأن يمر طرفه المقدم بغاية ارتفاع الدرز الإكليلي ضرورة، أن كل سطح مستو أو خط مستقيم قطع كرة بنصفين فلا بد وأن يقطع كل دائرة يقاطعها على زوايا قائمة بنصفين نصفين، ويكون محيط الدائرة الحادثة بالقطع مقاطعاً لمحيطات تلك الدوائر على أنصافها. وأما الدرز الثالث من الحقيقية فأعلاه مشترك بين عظمي اليافوخ وبين الجدار الرابع. ولما كان النتوء المؤخر صغيراً لم يكن على هيئة تحدب الكرة بل أقل انفراجاً؛ وأقل انفراجه في أعلاه، لأن أسفله يحتاج إلى سعة لأجل نفوذ النخاع منه. فلذلك يكون شكله كشكل قطعة من مخروط قطع بسطح مستو من أعلاه إلى قاعدته. فلذلك يكون هذا القطع على هيئة مثلث فيكون هذا الدرز على هيئة ضلعي مثلث متساوي الضلعين، ضرورة أن أعلى أسفله الرأس لا ميل له إلى أحد الجانبين. وأن هذا القطع يبتدئ من أعلى الرأس إلى أسفله فلا بد وأن يكون التقاء هذين الضلعين على نقطة هي الطرف المؤخر من الدرز المستقيم، ولكون ضلعي هذا الدرز مستقيمين فائدة وأمان: أما الفائدة: فليكون الخلل اقل فيكون التركيب أقوى. وأما الأمان: فلأن البطن المؤخر يقل احتباس الأبخرة فيه لأنه آخذ إلى الأسفل. ومن شأن البخار التصعد فيرتفع إلى جهة مقدم الرأس لأنه أرفع. ويسمى هذا الدرز اللامي لأنه يشبه اللام في كتابه اليونان. وأما الدرزان الكاذبان فهما موضوعان في جانبي الرأس يمنة ويسرة كل واحد منهما مشترك بين عظمي القحف الذي في جهته، وبين الجدار الذي في ذلك الجانب. وإنما خلقا هناك لأن فائدتهما كما قلنا أن ينفتحا عند كثرة الرياح والأبخرة لينقى الدماغ منهما مع بقاء الاستتار. والموجب لهذا الانفتاح في أكثر الأمر إنما هوا لريح الممددة إلى الجوانب، وأكثر تمديدها إنما هو من جهتي اليمين والشمال، لأن الرأس ما بين القدام والخلف متسع فلا يضيق على الريح كما يضيق ما بين الجانبين. وتعين هذه الريح على الفتح حركة الأبخرة إلى فوق مشيلة لعظمي القحف فيسهل الانفتاح، ولا كذلك لو جعلا في غير هذين الموضعين. قوله: مستقيم يقال له وحده سهمي، فإذا اعتبر من جهة اتصاله النقصان إما أن يكون في المقدار، وكذلك كما إذا كان أحد النتوءين أو كلاهما أصغر من المقدار المعتدل أو في العدد وكذلك كما إذا نقص للرأس أحد النتوءين أو كلاهما. وأما الخروج عن الطبيعي بالزيادة والنقصان معاً، فكما إذا نقص أحد النتوءين، وعظم الآخر. أو نقص النتوءان كلاهما، وازداد النتوء في جانب الرأس. وأما الخروج عن الأمر الطبيعي برداءة وضع الأجزاء فكما إذا كان أحد النتوءين أو كلاهما مائلاً إلى جهة اليمين أو اليسار. أو أحدهما إلى اليمين والآخر إلى اليسار وليس في هذه الأشكال ما يقع كثيراً سوى أن يكون بنقصان أحد النتوءين أو كليهما. وهي أشكال الرأس المسفط. فقوله: ولا يمكن أن يكون للرأس شكل رابع غير طبيعي، يريد بذلك أن هذا لا يمكن من جهة النقصان، أي لا يمكن أن تكون رداءة شكل الرأس الحادثة بسبب النقصان أكثر من هذه الثلاثة، ولذلك علل بأن ذلك يلزمه نقصان في بطون الدماغ أو جرمه، ودروز الرأس منها ما لا يتغير بتغير شكله. وهي ثلاثة: المستقيم، والقشريان. ومنهما ما يتغير بحسب ذلك وهي درزان: الإكليلي واللامي. وسبب ذلك أن الرأس لو كان كرة حقيقية لم يكن جانب منه أولى من غيره بزيادة أو نقصان في الدروز بل كان إما أن لا يكون في اليافوخ درز البتة، أو إن كان فيه درز فليكن من جهة الطول والعرض على السواء وذلك بأن يكون في العرض درز كما في الطول درز، ويكون درز العرض في وسط العرض. كما أن درز الطول كذلك في وسط الطول لكن عدم الدروز بقطعة مخروط غير مواز لسهم ذلك المخروط المتوهم بل مقاطعاً لسهمه إلى قدام من أسفل، فلذلك يمر طرفا الجدار الرابع إلى قدام حتى يلاقيا عظم الفك الأعلى عند غاية انقطاع العظمين الحجريين، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هذين القشريين أقصر كثيراً من الدرز السهمي، ونفوذ هذين القشريين

هو فوق الأذنين.هو فوق الأذنين.

قوله: وليسا بغائصين في العظم تمام الغوص، وربما توهم من هذا أن لهما غوصاً ما في العظم، وليس كذلك وإنما لم يكن لهما غوص ما لئلا يمنع انفتاحهما. وذلك مبطل لفائدتهما التي ذكرناها. وليس يوجد في البدن مفصل آخر مثلهما. والله أعلم.

البحث الرابع أشكال الرأس الغير طبيعية التي ليست بطبيعية وما تستحقه من الدروز قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما أشكال الرأس غير الطبيعية فهي ثلاثة... إلى آخر الفصل. الشرح: الخروج عن الأمر الطبيعي في شكل الرأس وغيره قد يكون بالزيادة، وقد يكون بالنقصان، وقد يكون بهما معاً، وقد يكون برداءة وضع الأجزاء. أما الخروج عن الأمر الطبيعي بالزيادة فتلك الزيادة إما أن يكون أصلها طبيعياً، وذلك كما إذا كان أحد النتوءين أو كلاهما أزيد من المقدار المعتدل أو لا يكون أصلها طبيعياً، وذلك كما إذا ازداد الرأس في جانبه نتوء.

وأما الخروج عن الطبيعي بالنقصان فذلك بالإكليلي كان أشبه بالسهم، لأن كونه مستقيماً وسط قوس من خواص السهم، ولا كذلك إذا اعتبر وحده فإنه، وإن أشبه السهم في استقامته إلا أن ذلك الشبه ليس خاصاً بالسهم وإنما الخاص به إذا اعتبر متصلاً بالإكليلي.

قوله: والدرز الثالث هو المشترك بين الرأس وقاعدته. المراد من هذا الدرز إنما هو أسافله وأواخره كما نبينه بعد. ومعنى كلام الشيخ هو مشترك بين الرأس وبين قاعدته من خلف أي إن هذا الاشتراك يبتدئ من خلف وهو في الحقيقة من قدام.

وأما أعلى هذا الدرز فمشترك بين عظمي القحف، والجدار الرابع، وهو المثلث ووسطه مشترك بين ذلك الجدار، وبين الجدارين اللذين يمنة ويسرة ويسميان الحجرين. قوله: وأما الدرزان الكاذبان فهما آخذان في طول الرأس على موازاة السهمي الخطان المتوازيان هما اللذان في سطح واحد، وإذا أخرجا في كلتا الجهتين بغير نهاية لم يلتقيا. وكل واحد من هذين القشريين فهو مواز للسهمي فيكونان متوازيين، ويفصلان من قدام قوسين متساويين من الإكليلي عن جنبي طرف السهمي من قدام، وأما من خلف فيفصلان خطين مستقيمين عن جنبي طرف السهمي من خلف هما الجزء الأعلى من ضلعي اللامي، وسطح هذين الخطين غير مواز لسطح الدرز الإكليلي بل هما يتقاربان في تشكلهما وكذلك الأضلاع المتقابلة من أضلاع كل واحد من عظمي اليافوخ غير متساوية، وذلك لأن السطح الذي توهمناه قاطعاً للجدار الرابع حين شبهناه في اليافوخ مضر بالرأس لأجل ما يلزمه من احتباس الأبخرة كما قلناه. فلا يمكن أن يكون استواؤهما بعدم الدروز. ولا يمكن أيضاً أن يكون في كل واحد من الطول والعرض أكثر من درز واحد وإلا كان ذلك سبباً لضعف التركيب فينبغي أن يكون في كل جههة درز واحد هذا إذا كان الرأس كرة حقيقية. وأما إذا كان طوله أزيد من عرضه فلا شك أن القطر الزائد يستحق زيادة في الدروز فخلق لذلك للطول درزان وللعرض درز واحد كما لو لم يزد الطول لأن العرض لم يحصل فيه ما يغير ما يستحقه من الدروز فلم يمكن أن يخلق الدرزان اللذان للطول في موضع واحد فلا بد وأن يتباعدا تباعداً لا يلزمه ضعف التركيب، وذلك بأن كون أحدهما في المقدم، والآخر في المؤخر، فإن هذين الدرزين وهما الإكليلي واللامي إنما خلقا لأجل زيادة الطول فإذا انتفت هذه الزيادة، وجب أن يفقدا أو أحدهما، ولا كذلك الدروز الأخر. أما المستقيم فلأنه ضروري في تحلل الأبخرة والرياح المتصعدة. وأما القشريان فليمكن انتفاخهما عند الإفراط في كثرة الرياح والأبخرة فكأن الحاجة إلى هذه الدروز ليست لزيادة بطن أو نقصانه بخلاف الإكليلي واللامي. وإذا فقد الدرز الإكليلي كان اليافوخ منتهياً إلى عظم الفك الأعلى وإذا فقد الدرز اللامي، كان اليافوخ منتهياً إلى حيث ينتهي الآن بالجدار الرابع. وإذا فقدا معاً كان كل واحد من العظمين اللذين يكون أحدهما حينئذٍ إلى قدام، والآخر إلى خلف كل واحد منهما منتهياً إلى حيث ينتهي الآن الجدار الذي هو في تلك الجهة، وتكون عظام اليافوخ عندئذٍ أربعة:

واعلم أن المداخلات التي في الشؤون تختلف في الناس، فمن الناس من تكون فيه قليلة جداً حتى تكون شؤونه شبيهة باللزاق. ومن الناس من تكون فيه كثيرة جداً حتى يكون الانفصال ماراً على مواضع كثيرة. وينبغي أن تكون كثرتها سبباً لصفاء الذهن والحواس، ونقاء الأرواح التي في الدماغ لأجل كثرة احلال أبخرته وأدخنته لكثرة سيل ذلك. وكيف كانت هذه المداخلات. فإنها تكون في باطن العظم أكثر منها في ظاهره، وسبب ذلك أن الأبخرة إذا تمكنت أو لاً من النفوذ في العظام أمكنها بعد ذلك الانحلال من مسامها ولا كذلك إذا احتبست أو لاً لقلة الخلل. ولو كانت المداخلات من خارج أكثر لكانت الزيادة تكون معطلة. لأن القدر الذي ينفذ من الأبخرة في المداخلات الداخلة يتمكن من النفوذ في مثلها بل في أقل منها من الخارجة وكان يكون مع ذلك التركيب واهياً. وشؤون مفاصل النساء أميل إلى الاستدارة مما للرجال. وذلك ليكون تحلل أبخرة رؤوسهن أكثر لأن هذه الأبخرة والأدخنة في رؤوسهن أزيد. ولذلك شعور رؤوسهن أطول. والله أعلم.