صفحة:محاضرات في تاريخ الدولة العباسية.pdf/105

تم التّحقّق من هذه الصفحة.
- ١٠٤ -

للخراسانية دون مقاومة هذه المرة، ومنها أرسل أحد قواده إلى الكوفة وكانت قد خلعت الأمين واعترفت بخلافة المأمون (كان عليها العباس بن موسى صنيعة ابن سهل). ولم تفلح محاولات بغداد لاستردادها1.

وبذلك تم لطاهر الاستيلاء على كل الأراضي الواقعة بين واسط والكوفة كما أعلن والي البصرة خضوعه له، وأعقبه والي الموصل. وبهذا أصبحت بغداد شبه محاصرة وانقطعت عن كل الولايات الشرقية والجنوبية، وتم خروج كل بلاد العرب جميعاً من سلطان الأمين، بدخول مكة والمدينة في طاعة المأمون. ورغم أن موقف الأمين كان لا يبشر بأي أمل إلا أنه ظل جامداً في تصرفاته لا يريد ســـــــــوى التشبث بعاصمة الخلافة التي أصبحت محاصرة (لم يصبح لها اتصال إلا ببلاد الشام المضطربة). فهو لا يريد الخروج منها - كما نصحه بعض الناس - ومحاولة تنظیم قواته من جديد بالشام، ولا هو يحاول المرونة واستعمال السياسة ومفاوضة أعدائه في سبيل انقاذ ما يمكن انقاذه - إذا كان هناك ما يمكن إنقاذه.

في هذه الظروف تقدمت جيوش المأمون، وصارت تقترب من بغداد شيئا فشيئا، وكانت كلما قربت اضطرب أمر الجيوش البغدادية وانسحب أفرادهـا. هذا ما حدث بالمدائن (على بعد ٤ كلم من بغداد) حيث نزل طاهـر (بصرصر) وما حدث بالنهروان حيث نزل هرثمة بن أعين. كل هذا والأمين لا يفقد الأمل، بل وربما اعتقد في مقدرة بغداد وحدها على استعادة دولتها المفقودة. ففي محاولة أخيرة عمل على استمالة جيوش طاهر ببذل الأمـــوال والتلويح ببريق الذهب، ودس بينهم الجواسيس. ونجحت التجربة جزئيا، إذ


  1. وكان لهذا معناه الكبير في شرعية خلافة المأمون - إذ أن الوالي عيسى بن موسى كان قد غضب عندما أخذ الأمين كتابي الرشيد من الكعبة وخلع المأمون نظراً لأنه كان أحد الشهود - جمع الناس (شعبان) وخلع محمدا (الأمين) وبايع للمأمون، وأخبر المأمون بذلك على طريق البصرة ثم فارس، ثم كرمان، فسر المأمون واستعمله على مكة والمدينة وأرسل معه والياً لليمن.