صفحة:محاضرات في تاريخ الدولة العباسية.pdf/107

تم التّحقّق من هذه الصفحة.
- ١٠٦ -

وأملاكهم فصادر مزارعهم الموجودة خارج المدينة.

ولم يمض وقت طويل حتى انتهت المقاومة النظامية وانهارت معنـويـات الجنود، وضعفوا عن القتال. كما استأمن كثير من وجوه المدينة ومن القـواد وظل الغوغاء وأهل السوق وباعة الطريق، من أعداء النظام والأمن ينهبون ويسلبون ويقاومون جنود طاهر. ورغم أنهم لم يكونوا مسلحين أو كانوا يحملـون أسلحة بدائية مثل المخالي فيها الصخـر والحجارة، ومعها المقاليع، فإنهم أمكنهم شل حركة جيوش طاهر النظامية لمدة ما، بل وأكثر من هذا تمكنوا أثناء قتال الشوارع والبيوت، من أن يلحقوا بهم في بعض الأحيان خسائـر فادحة وأن يحرزوا بعض الانتصارات أيضاً. واتخذ طاهر إزاء هذه المقاومة إجراءات شديدة فأمر بهدم كثير من الدور والأحياء (ما بين دجلة ودار الرقيق، وباب الشام، وباب الكوفة إلى الصراة وربض حميد ونهر كرخایا) حتى عم الخراب واضطر كثير من أهل المدينة إلى الجلاء عنها. وبعد ذلك عمـد إلى منع الأقوات عن المدينة (صرف السفن التي يحمل فيها القوت إلـــــى الفرات) فغلا السحر وأصبح الناس في ضيق شديد.

سقوط بغداد ونهاية الأمين:


وأخيرا تقدم طاهر من جهة الكرخ وتمكن من دخول المدينة عنـــــــوة واحتل أسواق الكرخ ثم عمل على حصار مدينة المنصور - المدينة الملكية وسط بغداد - حيث كان الأمين قد التجأ هو وأمه وأهله بعد أن فارقه كثير من جنده وجواريه، وأحاط قصورها (قصر زبيدة وقصر الخلد) بالمجانيق. ورغم هذا الضيق الشديد الذي وقع فيه الأمين فإنه لم يتخل عن عاداته من الانصراف إلى الغناء والاستمتاع بالشراب والموسيقى - وربما وجد في ذلـك بعض التخفيف من محنته، وكان هذا إيذاناً بالنهاية، إذ لم يعد أمامه أحد شيئين: إما القيام بمحاولة يائسة لاختراق صفوف المحاصرين بما تبقى لديه من الخيل، وإما الاستسلام وطلب الأمان. ولما لم يكن الأمين من هؤلاء الرجال الذين يزدادون عزماً كلما ازدادت الصعاب شدة، فانه