صفحة:محاضرات في تاريخ الدولة العباسية.pdf/128

تم التّحقّق من هذه الصفحة.
- ١٢٧ -

وتمتع رؤساء الترك ممن ولدوا عبيداً أمثال الأفشين بكل أفضال الخليفة. فكان تصرف هولاء الأجانب (العلوج) والمكانة التي أعطيت لهم في الدولة سبباً في إثارة عدم رضاء أهل المدن من العرب والخراسانية الذين فقدوا مراكزهم ولذلك أصبحت بغداد عدوة للعباسيين، وكان هذا هو السبب الأول في أن قرر المعتصم الانتقال إلى سامرا سنة ٢٢١هـ / ٨٣٦م، على مسافة مائة كيلومتر أعلى بغداد على الضفة الشرقية لدجلة.

وفي الإطار الزاهر الذي أحاط بسامرا التي كان كل خليفة يزيد مـن بهائها ببناء العمارات الفخمة، ظهر وكأن الدولة تحت سلطة هولاء التـرك تأخذ مع مرور الوقت شكل دولة استبدادية. فأمير المؤمنين يعيش في رعـب الخيانات، التي كان يتلافاها بوحشية: اذ تتتابع ثورات القصر بشكل سريع منتظم، وتنتهي باغتيال الأمير أو تتفادى بقتل المقربين من ثقاة رجـال الحاشية أو كبار القواد من الذين يشك في أمرهم. وخلال هذه الأحـداث التي كانت تتوالى بشكل رتيب انتهى الأمر بأن سيطر رؤساء الترك على ادارة الدولة. ولقد لاحظ هذا الخطر الذي كان يهدد العرب منذ وقت مبكـر بعض النابهين من كتاب العرب. فمن الغريب ان يضع ابن سعد في كتابـه "الطبقات الكبرى" الذي صنفه على عهد المعتصم حديثاً منسوباً إلى النبي، وهو مصطنع في أغلب الظن، يقول: "الترك أول من يسلب أمتي ما خـولـوا".

الترك والقضاء على ثورة بابك:


والى نشاط المعتصم وقوة هؤلاء الترك يرجع الفضل في القضاء على الثورة البابكية الخرمية بأذربيجان. وقائد المعتصم التركي الشهير الذي سيقضي على هذه الحركة هو حيدر بن كاوس المعروف بالأفشين، لقب أجداده الذين كانوا أمراء أشروسنة القدامى من أرض ما وراء النهر. فعقب وفاة المأمون مباشرة أرسل المعتصم جيشاً على رأسه اسحق بن ابراهيم بن مصعب إلى همذان حيث كان الخرمية قد تجمعوا. هذا الجيش تمكن من الإيقاع بالثوار فقتل منهم عددا كبيرا (ما بين ٦٠ و١٠٠ ألفا؟)، وفر الباقون متسربين الى الأراضي