صفحة:محاضرات في تاريخ الدولة العباسية.pdf/164

تم التّحقّق من هذه الصفحة.
١٦٣

بما يأكلون ويحملون فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته".

ويعد ابن طولون من حفظة القرآن المعدودين، ولذلك كان من اكثـر الولاة احتراما لحفاظه.

خمارويه (۲۷۰ - ۲۸۲هـ):


بعد وفاة ابن طولون، اجتمع الجند - على ماقضت به العادة في ذلك الوقت - وولوا مكانه ابنه خمارويه: ولم يستطع الخليفة العباسي إلا الموافة علـى تعيين الوالي الجديد وله من العمر عشرون سنة. ولم تكن ولاية مصر قد توطـدت أركانها لآل طولون، وأصبح خمارويه أمام عدة صعاب لا سبيل إلى التغلب عليها إلا بالقوة حيناً وبالدهاء حيناً آخر.

ولا غرو، فقد ظلت مصر في عهد خمارويه كما كانت في عهد أبيه، محـط أطماع المتنافسين من القواد الأتراك، ومثار حسد أبي أحمد الموفق، فواصل لعن الموفق على المنابر، وبعث الواسطي كاتب أبيه بجيش كثيف، وعززه من البحـر بأسطول قوي: وخرج الموفق من بغداد، وانضم إليه ابن کنداج والي الموصل، ومحمد ابن أبي الساج والي أرمينية والجبال، واستولوا على دمشق. فلم ير خمارويه بداً من الخروج بنفسه، فدخل دمشق سنة ٢٧٣هـ، ثم واصل السير لقتال ابن كنداج فـي أعماله، وتم الصلح بين والي مصر ودار الخلافة، وكتب الموفق والخليفة المعتمد وابنه المفوض كتاب الصلح بأيديهم - ويتضمن تولية خمارويه وأولادخ من بعـده على مصـر والشام ثلاثين سنة. هنا أمر خمارويه بالكف عن لعن الموفق على المنابر والدعاء له مع الخليفة.

وكان من أثر هذا الانتصار أن استولى خمارويه على الرقة، واعترف بولايتـه على الموصل والجزيرة، ودعي له على منابرها، كما اخضع ابن أبي الساج (٢٧٦هـ / ۸۸۸م)، وطارد جيوشه إلى مدينة (بلد) على نهر دجلة، حيث بنى على شاطئه سريراً من الذهب ليجلس عليه، إشارة بما حازه من نصر مؤزر. كما كان من أثر هذا الانتصار أن اعترف بسلطانه والي طرسوس (٢٧٦هـ)، بعد أن كان قد نبذ طاعة