غسل البدر بالضياء الظلاما

غَسلَ البَدرُ بِالضِياءِ الظَلاما

​غَسلَ البَدرُ بِالضِياءِ الظَلاما​ المؤلف إلياس أبو شبكة


غَسلَ البَدرُ بِالضِياءِ الظَلاما
وَبَكى وَالدُموعُ كانَت هِياما
وَمَشى النُجمُ خَلفَه بِخُشوعٍ
فَكَأَنَّ النُجومَ صارَت يَتامى
وحشةُ اللَيلِ وَالسَكينَةُ وَالصَم
تُ وَمرُّ النَسيمِ كانَ كلاما
فَكَأَنَّ الوُجودَ أَنطَقَه الحُز
نُ فَجاءَت أَلفاظُه آلاما
وَالفَضا شاخِصٌ إِلى الجَبلِ العال
لي يُناجي الربوعَ وَالآكاما
فَتُجيبُ الرُبوعُ بِالصَمتِ وَالدَم
عِ وَلا تنبسُ الشفاهُ اِحتِراما
فَصَليبُ الآثامِ ما زالَ حَيّاً
وَصَليبُ السَلامِ صارَ رُغاما
ما وَراءَ الأَدغالِ مرَّ خيال
حَمَّلَ القَلبَ أَدمُعاً وَكَلاما
كانَ يَمشي الطَريقَ مَهلاً وَلكِن
عِندَما قارَبَ الصَليبَ تَرامى
هذِهِ مجدليَّة الحُزن جاءَت
تَطرَحُ الحُبَّ لِلمَسيحِ طَعاما
طالَما في الحَياةِ غذَّتهُ بِالحُ
بِّ وَروَّتهُ من هَواها مداما
إِنَّ لِلمَوتِ مُهجَةً وَفُؤاداً
يَنشدانِ الحَياةَ عاماً فَعاما
لا تَموتُ القُلوبُ إِن سَكَبَت في
جَوفِها أَنمُلُ السَماءِ غَراما
نَظَرَت نَظرَةَ الوَداعِ إِلَيهِ
فَبَكَت أَدمُع الهِيامِ سِجاما
وَرَأَت مِن جَبينِهِ الجُرحَ يُدمي
وَرَأَت فَوقَ وُجنَتَيهِ الحِماما
وَرَأَت يا لِهَولِ ما قَد رَأَتهُ
شَبَحَ الروحِ دامِعاً بَسّاما
شَبح الحُبِّ حامِلاً في يَدَيهِ
قَلبَ حَسناءَ خافِقاً مُستَهاما
هُو رَمز لِقَلب مَريَم رَمز
لِغَرامٍ رَأى الحَياةَ سآما
فَتَوارى يَنامُ في المَوتِ لكِن
قَد أَعَدَّ الخُلودَ فيهِ مناما
صَرَخَت مَريمٌ بِقَلبٍ جَريحٍ
أَبِظُلمٍ قَد نَفَّذوا الإِعداما
جِئتَ توحي روحَ السَلامِ إِلَيهِم
ما لَهُم عَزَّزوا بِكَ الآثاما
يا حَبيبي إِجعَل جُروحَ فُؤادي
أَن تُبَلّ الدماءُ مِنها أُواما
فَأُرَوّيكَ من دِمائي بِكَأسٍ
حَملت في شُعاعِها الأَيّاما
يا حَبيبي ما لِلزُّهورِ حَزانى
مُطبِقاتٍ عَلى الجَمالِ الكِماما
وَالغَديرُ المُنسابُ يَجري رَهيباً
مُنشِداً في نحيبِه الأَنغاما
ما لِعَينَيَّ تَغشيانِ رُوَيداً
وَرُوَيداً تُطارِدانِ الأَناما
آه إِنَّ العُيونَ بِالحُبِّ تَحيا
فَإِذا فورِقَت تَصيرُ أَيّامي
سَأُوافيكَ عَن قَريبٍ فَهَيّء
خَيمَةَ الحُبِّ بَينَ زَهرِ الخُزامى
فَتعيد الزُهورُ ذكرَ حَياةٍ
سنَّ فيها لَنا الغَرامُ نظاما
عِندَ هذا رَأس المَسيحِ اِستَقاما
فَإِذا الشَوك قَد تَخَطّى العِظاما
وَالجَبينُ المشوكُ ينسجُ لِلوَج
هِ مِن المَصلِ وَالدِماءِ لثاما
وَبِجُنحِ الدُجى أَفاقَ المَو
تِ بَكيّاً وَالدَمع كان هِياما
وَلَدُن أَبصَر الحَبيبَةَ تَبكي
أَطبَقَ الجفنَ في الخُلودِ وَناما
في سَماءِ الخُلودِ خيمَةُ زَهرٍ
حَيثُ عيسى وَمريمٌ قَد أَقاما
خيمَةٌ لِلهَوى يُبَطِّنُها الحُ
بُّ وَيَأبى وُجودُها الإِنصِراما
نعِمَ العاشِقانِ فيها طَويلاً
وَتَناسى قَلباهُما الأَسقاما
فَعَذابُ الساعاتِ كانَت خُلوداً
أَبديّاً وَلم تَكُن أَحلاما
وَاِستَفاقَ المَسيحُ من سُكرَةِ الحُ
بِّ يخالُ السَماءَ أَمسَت ضراما
فَرَأى الكَونَ بِاِضطِرابٍ عَظيمٍ
وَرَأى في شُعوبِهِ الإِجراما
سنَّةُ الظُلمِ سار كُلٌّ عَلَيها
وَغَدا العَدلُ شِرَّةً وَغُراما
وَاِستَمَرَّ اللَئيمُ في حوبَةِ اللُؤ
مِ فَأَمسَت كلُّ الشُعوب لئاما
فَرَّقَ الناسَ دينُهُم لا سَلامٌ
يَجعلُ الرفَ بَينَهُم وَالوئاما
فَسَلامُ الوَفاقِ صار حُروباً
وَصَليبُ الوِئامِ صارَ حُساما
فَبَكى اليَوم لِلسَّلام وَلكِن
ما بكاهُ بِالأَمسِ كان خِصاما