غشى الأرض في شباب الزمان

غشى الأرض في شباب الزمان

​غشى الأرض في شباب الزمان​ المؤلف إبراهيم عبد القادر المازني


غشى الأرض في شباب الزمان
رائع الحسن من بني الإنسان
وجهه كالربيع روضه القطر
وكفاه كالنسيم الواني
ما له بالطعان والحرث والزرع
ولا السعي والدؤوب يدان
يقطع العمر بالغناء فتعطوا
مصغياتٍ سوانح الغزلان
وتحط العقبان بين قمار
آمناتٍ من وثبة العقبان
وترى الأفعوان ينصت للصوت
وتصغي الذؤابان في الوديان
كل عين من حسنه تتلقاه
بوبلٍ من دمعها هتان
وله روعة تبيت لها النفس
تنزي كألسن النيران
زعموا أنه اصطفاه مليكٌ
أخذت منه روعة الألحان
فهو ندمانه إذا الكأس دارت
ومغنية والعشير الداني
وأمينٌ على خزائنه طرا
وراعيه سيد الرعيان
نعمة أرمضت قلوب أعاديه
وأورت حزازة الأخوان
فمضوا يسخرون منه وينحون
عليه بألسن الأضغان
لا رعاه الإله من باهلٍ كلٍّ
يزجي الزمان بالإرتان
يرسل الصوت ضاجعاً فيميد السا
معوه تمايد النشوان
كيف لا يحسن الغناء وقد فاز
بعيش النوامة المبطان
مسمع معجب ولكنه الآل
تراءى للأغب الظمآن
عبث كله وأن سحر القلب
بروعات حسنه الفتان
كلهم في حائرٌ ليس يدري
أمن الأنس أم من الجنان
يسمع الناس صوته فيخرون
سجوداً فاتنات الأغاني
فإذا ما رأوه عادوا فقالوا
أنها خدعة من الآذان
يكتسي منه كل لفظ جمالا
بارع الأخذ مونق الألوان
قصدوا قصده على الرغم منهم
وجروا خلفه بغير عنان
فلهم قول كافرٍ ذي كنود
ولهم فعل راسخ الإيمان
وهو عنهم في غفلة معرض الوجه
كأن ليس من بني الإنسان
يلحظ الأرض والسموات والناس
بعين جنية الإنسان
وكأن الوجود يوحي إليه
بمعاني الجمال والإحسان
ثم وافاه حينه فمضى غير
مروع من المنايا الدواني
تارك الأرض ذات حسن جديد
وشباب مخلد الريعان
وغدت بعده مواطئ نعليه
حراماً يزورها المشرقان
أكبرت شأنه الخلائق حتى
عبدوه في غابر الأزمان
ليتهم أنصفوه حيّاً فلما
أن قضى شيعوه بالنكران