قرأت اسمي على صخرة

قرأت اسمي على صخرة

​قرأت اسمي على صخرة​ المؤلف بدر شاكر السياب


قرأت اسمي على صخرة

هنا في وحشة الصحراء

على آجرّة حمراء

على قبر فكيف يحس إنسان يرى قبره

يراه و إنه ليحار فيه

أحيّ هو أم ميت؟ فما يكفيه

أن يلقى له ظلا على الرمال

كمئذنة معفّرة

كمقبرة

كمجد زال

كمئذنة تردد فوقها اسم الله

و خطّ اسم الله فيها

و كان محمد نقشا على آجرّة خضراء

يزهو في أعاليها

فأمشي تأكل الغبراء

و النيران من معناه

و يركله الغزاة بلا حذاء

بلا قدم

و تنزف منه دون دم

جراح دونما ألم

فقد مات

و متنا فيه من موتى و من أحياء

فنحن جميعنا أموات

و أنا و محمد و الله

و هذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة

عليها يكتب اسم محمد و الله

على كسر مبعثرة

من الآجرّ و الفخّار

فيا قبر الإله على النهار

ظل لألف حربة و فيل

و لون أبرهة

و ما عكسته منه يد الدليل

و الكعبة المحزونة المشوّهة

قرأت اسمي على صخرة

على قبرين بينهما مدى أجيال

يجعل هذه الحفرة

تضم اثنين جد أبي و محض رمال

و محض نثارة سوداء منه استنزلا قبره

و إياي ابنه في موته و المضغة الصلصال

و كان يطوف من جدّي

مع المدّ

هتاف يملأ الشطآن يا ودياننا ثوري

و يا هذا الدم الباقي على الأجيال

يا إرث الجماهير

تشظّ الآن و اسحق هذه الأغلال

و كالزلزال

هزّ النير أو فاسحقه و اسحقنا مع النير

و كان إلهنا يختال

بين عصائب الأبطال

من زند إلى زند

و من بند إلى بند

إله الكعبة الجبّار

تدرع أمس في ذي قار

بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار

إله محمد و إله آبائي من العرب

تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوّار

و في يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار

و أبصرناه يهبط أرضنا يوما من السحب

جريحا كان في أحيائنا يمشي و يستجدي

فلم نضمد له جرحا

و لا ضحّى

له منا بغير الخبز و الأنعام من عبد

و أصوات المصلين إرتعاش من مراثيه

إذا سجدوا ينز دم

فيسرع بالضماد فم

بآيات يغضّ الجرح منها خير ما فيه

تداوي خوفنا من علمنا أنا سنحييه

إذا ما هلل الثوار منا نحن نفديه

أغار من الظلام على قرانا

فأحرقهن سرب من جراد

كأن مياه دجله حيث و لى

تنم عليه بالدم و المداد

أليس هو الذي فجأ الحبالى

قضاه فما ولدن سوى رماد

و أنعل بالأهلة في بقايا

مآذنها سنابك من جواد

و جاء الشام يسحب في ثراها

خطى أسدين جاعا في الفؤاد

فأطعم أجوع الأسدين عيسى

وبل صداه من ماء العماد

و عضّ نبيّ مكه فالصحارى

كل الشرق ينفر للجهاد

أعاد اليوم كي يقتص منا أنا دحرناه؟

وإن الله باق في قرانا ماقتلناه؟

ولا من جوعنا يوما أكلناه؟

ولابالمال بعناه؟

كما باعوا

إلههم الذي صنعوه من ذهب كدحناه

كما أكلوه إذ جاعوا

إلههم الذي من خبزنا الدامي جبلناه

وفي باريس تتخذ البغايا

وسائدهن من ألم المسيح

وبات العقم يزرع في حشاها

فم التنين يشهق بالفحيح

ويقذف من حديد في حمانا

جحافل كالفوارس دون روح

تجد وراء مكة في الصياصي

أقمناها ويثرب في السفوح

قرأت اسمي على صخرة

وبين اسمين في الصحراء

تنفس عالم الأحياء

كما يجري دم الأعراق بين النبض والنبض

ومن آجرة حمراء ماثلة على حفرة

أضاء ملامح الأرض

بلا ومض

دم فيها فسماها

لتأخذ منه معناها

لأعرف أنها أرضي

لأعرف أنها بعضي

لأعرف أنها ماضيي لا أحياه لولاها

وأني ميت لولاه أمشي بين موتاها

أذاك الصاخب المكتظ بالرايات وادينا؟

أهذا لون ماضينا

نضوّأ من كوى الحمراء

ومن آجرة خضراء

عليها تكتب اسم الله بقيا من دم فينا

أنبر من أذان الفجر

أم تكبيرة الثوار

تعلو من صياصينا

تمخّضت القبور لتنشر الموتى ملايينا

وهبّ محمد وإلهه العربي والأنصار

إن إلهنا فينا