افتح القائمة الرئيسية

كتاب الأم - المجلد السابع2

صفحة : 2516

 فمشى ففاته الحج فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ماشيا حل وعليه حج قابل ماشيا. كما يكون عليه حج قابل إذا فاته هذا الحج. ألا ترى أن حكمه لو كان متطوعا بالحج أو ناذرا له أو كانت عليه حجة الإسلام أو عمرته أن لا يجزىء هذا الحج من حج ولا عمرة. 
فإذا كان حكمه أن يسقط ولا يجزىء من حج ولا عمرة فكيف لا يسقط المشي الذي إنما هو هيئة في الحج والعمرة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا نذر الرجل أن يحج أو نذر أن يعتمر ولم يحج ولم يعتمر فإن كان نذر ذلك ماشيا فلا يمش لأنهما جميعا حجة الإسلام وعمرته فإن مشى حجة الإسلام وعمرته وعليه أن يحج ويعتمر ماشيا: من قبل أن أول ما يعمل الرجل من حج وعمرة إذا لم يعتمر ويحج فإنما هو حجة الإسلام. وإن لم ينو حجة الإسلام ونوى به نذرا أو حجا عن غيره أو تطوعا فهو كله حجة الإسلام وعمرته وعليه أن يعود لنذره فيوفيه كما نذر ماشيا أو غير ماش.  قال الربيع  : هذا إذا كان المشي لا يضر بمن يمشي فإذا كان مضرا به فيركب ولا شيء عليه على مثل ما أمر النبي ﷺ أبا إسرائيل أن يتم صومه ويتنحى عن الشمس فأمره بالذي فيه البر ولا يضر به ونهاه عن تعذيب نفسه لأنه لا حاجة لله في تعذيبه. وكذلك الذي يمشي إذا كان المشي تعذيبا له يضر به تركه ولا شيء عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أن رجلا قال: إن شفى الله فلانا فلله علي أن أمشي لم يكن عليه مشي حتى يكون نوى شيئا يكون مثله برا فإن لم ينو شيئا فلا شيء عليه لأنه ليس في المشي إلى غير مواضع البر بر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو نذر فقال: علي المشي إلى إفريقية أو العراق أو غيرهما من البلدان لم يكن عليه شيء لأنه ليس لله طاعة في المشي إلى شيء من البلدان وإنما يكون المشي إلى الموضع الذي يرتجى فيه البر وذلك: المسجد الحرام. وأحب إلي لو نذر أن يمشي إلى مسجد المدينة أن يمشي وإلى مسجد بيت المقدس أن يمشي لأن رسول الله ﷺ قال:  لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس  ولا يبين لي أن أوجب المشي إلى مسجد النبي ﷺ ومسجد بيت المقدس. كما يبين لي أن أوجب المشي إلى بيت الله الحرام. وذلك أن البر بإتيان بيت الله تعالى فرض والبر بإتيان هذين نافلة. وإذا نذر أن يمشي إلى بيت الله ولا نية له. فالاختيار أن يمشي إلى بيت الله الحرام ولا يجب ذلك عليه إلا بأن ينويه. لأن المساجد بيوت الله وهو إذا نذر أن يمشي إلى مسجد مصر لم يكن عليه أن 
 

صفحة : 2517

 يمشي إليه. ولو نذر برا أمرناه بالوفاء به ولم يجبر عليه. وليس هذا كما يؤخذ للآدميين هذا عمل فيما بينه وبين الله عز وجل لا يلزمه إلا بإيجابه على نفسه بعينه. وإذا نذر الرجل أن ينحر بمكة لم يجزه إلا أن ينحر بمكة وذلك أن النحر بمكة بر. وإن نذر أن ينحر بغيرها ليتصدق لم يجزه أن ينحر إلا حيث نذر أن يتصدق وإنما أوجبته وليس في النحر في غيرها بر لأنه نذر أن يتصدق على مساكين ذلك البلد فإذا نذر أن يتصدق على مساكين بلد فعليه أن يتصدق عليهم قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل: غلامي حر إلا أن يبدو لي في ساعتي هذه أو في يومي هذا أو أشاء أو يشاء فلان أن لا يكون حرا أو امرأته طالق إلا أن أشاء أن لا تكون طالقا في يومي هذا أو يشاء فلان فشاء أو شاء الذي استثنى مشيئته لم يكن العبد حرا ولا المرأة طالقا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل: أنا أهدي هذه الشاة نذرا أو أمشي نذرا فعليه أن يهديها وعليه أن يمشي إلا أن يكون أراد أني سأحدث نذرا أو أني سأهديها فلا يلزمه ذلك وهو كما قاله لغير إيجاب. فإذا نذر الرجل أن يأتي موضعا من الحرم ماشيا أو راكبا فعليه أن يأتي الحرم حاجا أو معتمرا. ولو نذر أن يأتي عرفة أو مرا أو موضعا قريبا من الحرم ليس بالحرم لم يكن عليه شيء لأن هذا نذر الرجل حجا ولم يسم وقتا فعليه حج يحرم به في أشهر الحج متى شاء. وإن قال: علي نذر حج إن شاء فلان فليس عليه شيء ولو شاء فلان إنما النذر ما أريد الله عز وجل به ليس على معاني الغلق ولا مشيئة غير الناذر. وإذا نذر أن يهدي شيئا من النعم لم يجزه إلا أن يهديه. وإذا نذر أن يهدي متاعا لم يجزه إلا أن يهديه أو يتصدق به على مساكين الحرم. فإن كانت نيته في هذه أن يعلقه سترا على البيت أو يجعله في طيب البيت جعله حيث نوى. ولو نذر أن يهدي ما لا يحمل مثل: الأرضين والدور باع ذلك فأهدى ثمنه ويلي الذي نذر الصدقة بذلك وتعليقه على البيت وتطييبه به أو يوكل به ثقة يلي ذلك له. وإذا نذر أن يهدي بدنة لم يجزه فيها إلا ثني من الإبل أو ثنية وسواء في ذلك الذكر والأنثى والخصي وأكثرها ثمنا أحب إلي. وإذا لم يجد بدنة أهدى بقرة ثنية فصاعدا وإذا لم يجد بقرة أهدى سبعا من الغنم ثنيا فصاعدا إن كن معزى أو جذعا فصاعدا إن كن ضأنا وإن كانت نيته على بدنة من الإبل دون البقر فلا يجزيه أن يهدي مكانها من البقر والغنم إلا بقيمتها. وإذا نذر الرجل هديا ولم يسم الهدي ولم ينو شيئا فأحب إلي أن يهدي شاة. وما أهدى من مد حنطة أو ما فوقه أجزأه لأن كل هذا هدي. وإذا نذر أن يهدي هديا 
 

صفحة : 2518

 ونوى به بهمة جديا رضيعا أهداه إنما معنى الهدي هدية وكل هذا يقع عليه اسم هدي. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا نذر أن يهدي شاة عوراء أو عمياء أو عرجاء أو ما لا يجوز أضحية أهداه. ولو أهدى تاما كان أحب إلي لأن كل هذا هدي. ألا ترى إلى قول الله عز وجل:  ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا  فقد يقتل الصيد وهو صغير وأعرج وأعمى وإنما يجزيه بمثله. أو لا ترى أنه يقتل الجراد والعصفور وهما من الصيد فيجزي الجرادة بتمرة والعصفور بقيمته ولعله قبضة. وقد سمى الله تعالى هذا كله هديا. وإذا قال الرجل: شاتي هذه هدي إلى الحرم أو بقعة من الحرم أهدي. وإذا نذر الرجل بدنة لم تجزئه إلا بمكة فإذا سمى موضعا من الأرض ينحرها فيه أجزأته. وإذا نذر الرجل عدد صوم صامه إن شاء متفرقا وإن شاء متتابعا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا نذر صيام أشهر فما صام منها بالأهلة صامه عددا ما بين الهلالين إن كان تسعة وعشرين وثلاثين فإن صامه بالعدد صام عن كل شهر ثلاثين يوما. وإذا نذر صيام سنة بعينها صامها كلها إلا رمضان فإنه يصومه لرمضان ويوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق ولا قضاء عليه. 
كما لو قصد فنذر أن يصوم هذه الإيام لم يكن عليه نذر ولا قضاء. فإن نذر سنة بغير عينها قضى هذه الأيام كلها حتى يوفي صوم سنة كاملة. وإذا قال: لله علي أن أحج عامي هذا فحال بينه وبينه عدو أو سلطان حابس فلا قضاء عليه. وإن حال بينه وبينه مرض أو خطأ عدد أو نسيان أو توان قضاه. إذا زعمت أنه يهل بالحج فيحصر بعده فلا يكون عليه قضاء كان من نذر حجا بعينه مثله. وما زعمت أنه إذا أحصر فعليه القضاء أمرته أن يقضيه إن نذره فأحصر. وهكذا إن نذر أن يصوم سنة بعينها فمرض قضاها إلا الأيام التي ليس له أن يصومها. فإن قال قائل: فلم تأمر المحصر إذا أحصر بالهدي ولا تأمر به هذا قلت: آمره به للخروج من الإحرام وهذا لم يحرم فآمره بالهدي. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أكل الصائم أو شرب في رمضان أو نذر أو صوم كفارة أو واجب بوجه من الوجوه أو تطوع ناسيا فصومه تام ولا قضاء عليه. وإذا تسحر بعد الفجر وهو لا يعلم أو أفطر قبل الليل وهو لا يعلم فليس صائم في ذلك اليوم وعليه بدله. فإن كان صومه متتابعا فعليه أن يستأنفه. وإذا قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم ليلا فليس عليه صوم صبيحة ذلك اليوم لأنه قدم في الليل ولم يقدم في النهار وأحب إلي لو صامه. ولو قدم الرجل نهارا وقد 
 

صفحة : 2519

 أفطر الذي نذر الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم. وهكذا لو قدم بعد الفجر وهو صائم ذلك اليوم متطوعا أو لم يأكل فعليه أن يقضيه لأنه نذر والنذر لا يجزيه إلى أن ينوي صيامه قبل الفجر وهذا احتياط. وقد يحتمل القياس أن لا يكون عليه قضاؤه من قبل أنه لا يصلح له أن يكون فيه صائما عن نذره وإنما قلنا بالاحتياط أن جائزا أن يصام وليس هو كيوم الفطر وإنما كان عليه صومه بعد مقدم فلان فقلنا: عليه قضاؤه وهذا أصح في القياس من الأول. ولو أصبح فيه صائما من نذر غير هذا أو قضاء رمضان أحببت أن يعود لصومه لنذره وقضائه ويعود لصومه لمقدم فلان. ولو أن فلانا قدم يوم الفطر أو يوم النحر أو التشريق لم يكن عليه صوم ذلك اليوم ولا عليه قضاؤه لأنه ليس في صوم ذلك اليوم طاعة ولا يقضي ما لا طاعة فيه. ولو قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا فقدم يوم الاثنين كان عليه قضاء اليوم الذي قدم فيه فلان وصوم الاثنين كلما استقبله. فإن تركه فيما يستقبل قضاه إلا أن يكون يوم الاثنين يوم فطر أو أضحى أو أيام التشريق فلا يصومه ولا يقضيه. وكذلك إن كان في رمضان لم يقضه وصامه من رمضان. كما لو أن رجلا نذر أن يصوم رمضان صام رمضان بالفريضة ولم يصمه بالنذر ولم يقضه. وكذلك لو نذر أن يصوم يوم الفطر أو الأضحى أو أيام التشريق ولو كانت المسألة بحالها. وقدم فلان يوم الاثنين وقد وجب عليه صوم شهرين متتابعين صامهما وقضى كل اثنين فيهما. ولا يشبه هذا شهر رمضان لأن هذا شيء أدخله على نفسه بعد ما أوجب عليه صوم يوم الاثنين وشهر رمضان شيء أوجبه الله تعالى لا شيء أدخله على نفسه. ولو كانت المسألة بحالها وكان الناذر امرأة فكالرجل وتقضي كل ما مر عليها من حيضتها. وإذا قالت المرأة: لله علي أن أصوم كلما حضت أو أيام حيضتي فليس عليها صوم ولا قضاء لأنها لا تكون صائمة وهي حائض. وإذا نذر الرجل صوما أو صلاة ولم ينو عددا فأقل ما يلزمه من الصلاة ركعتان ومن الصوم يوم لأن هذا أقل ما يكون من الصلاة والصوم إلا الوتر. قال الربيع: وفيه قول آخر: يجزيه ركعة واحدة وذلك أنه يروى عن عمر أنه تنفل بركعة وأن رسول الله ﷺ أوتر بركعة بعد عشر ركعات وأن عثمان أوتر بركعة قال الربيع: فلما كانت ركعة صلاة ونذر أن يصلي صلاة ولم ينو عددا فصلى ركعة كانت ركعة صلاة بما ذكرنا. قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا قال: لله علي عتق رقبة فأي رقبة أعتق أجزأه. 

 

صفحة : 2520

 فيمن حلف على سكنى دار لا يسكنها سئل الشافعي رحمه الله تعالى فقيل له: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يسكن هذه الدار وهو فيها ساكن: أنه يؤمر بالخروج من ساعة حلف ولا نرى عليه حنثا في أقل من يوم وليلة إلا أن يكون له نية في تعجيل الخروج قبل يوم وليلة فإنه حانث إذا أقام يوما وليلة. أو يقول: نويت أن لا أعجل حتى أجد منزلا فيكون ذلك له. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يسكن الدار وهو فيها ساكن أخذ في الخروج مكانه فإن تخلف ساعة وهو يمكنه الخروج منها حنث. ولكنه يخرج منها ببدنه متحولا ولا يضره أن يتردد على حمل متاعه منها وإخراج أهله لأن ذلك ليس بسكن. قال: فإنا نقول في الرجل يحلف أن لا يساكن الرجل وهما في دار واحدة ليس لها مقاصير كل بيت يدخله ساكنه أو كانت لها مقاصير يسكن كل مقصورة منها ساكنها وكان الحالف مع المحلوف عليه في بيت منها أو في مقصورة من مقاصيرها. أو في حجرة المقصورة دون البيت وصاحبه المحلوف عليه في البيت أنه يخرج مكانه حين حلف أنه لا يساكنه في البيت إلى أي بيوت الدار شاء وليس له أن يساكنه في المقصورة التي كانت فيها اليمين. وإن كان معه في البيت وليس له مقصورة أو له مقصورة أو كان في مقصورة دون البيت والآخر في البيت دون المقصورة أنه إن أقام في البيت أو في المقصورة يوما وليلة كان حانثا وإن أقام أقل من ذلك لغير المساكنة لم يكن عليه حنث إذا خرج إلى أي بيوت الدار ومقاصيرها شاء. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يساكن الرجل وهو ساكن معه فهي كالمسألة قبلها: يخرج منها مكانه أو يخرج الرجل مكانه. فإن أقاما جميعا ساعة بعد ما أمكنه أن يتحول عنه حنث. وإن كانا في بيتين فجعل بينهما حاجز أو لكل واحد من الحجرتين باب فليست هذه مساكنة وإن كانا في دار واحدة. والمساكنة أن يكونا في بيت أو بيتين حجرتهما ومدخلهما واحد فأما إذا افترق البيتان والحجرتان فليست مساكنة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإنما جوابنا في هذه الأيمان كلها: إذا حلف لا نية له إنما خرجت اليمين منه بلا نية فأما إذا كانت اليمين بنية فاليمين على ما نوى. قال: فإنا نقول: إذا نقل أهله وعياله وترك متاعه فإنا نستحب له أن ينتقل بجميع متاعه وأن لا يخلف شيئا من متاعه. وإن خلف شيئا منه أو خلفه كله فلا حنث عليه. فإن خلف أهله وولده فهو حانث لأنه ساكن بعد. والمساكنة التي حلف عليها هي المساكنة منه ومن عياله لمن حلف أن لا يساكنه. قال 
 

صفحة : 2521

 الشافعي رحمه الله تعالى: والنقلة والمساكنة على البدن دون الأهل والمال والولد والمتاع. فإذا حلف رجل لينتقلن فانتقل ببدنه وترك أهله وولده وماله فقد بر وإن قال قائل: ما الحجة قيل: أرأيت إذا سافر ببدنه أيقصر الصلاة ويكون من أهل السفر أو رأيت إذا انقطع إلى مكة ببدنه أيكون من حاضري المسجد الحرام الذين إن تمتعوا لم يكن عليهم دم فإذا قال: نعم. 
قيل: فإنما النقلة والحكم على البدن لا على مال ولا على ولد ولا على متاع. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فتركه عليه بعد اليمين: أنا نراه حانثا لأنه قد لبسه بعد يمينه. وكذلك نقول فيه: إن حلف لا يركب هذه الدابة وهو عليها فإن نزل مكانه وإلا كان حانثا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف أن لا يلبس الثوب وهو لابسه فمثل المسألتين الأوليين إن لم ينزعه من ساعته إذا أمكنه نزعه حنث. وكذلك إن حلف أن لا يركب دابة وهو راكبها فإن نزل مكانه وإلا حنث. وهكذا كل شيء من هذا الصنف. قيل: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يسكن بيتا ولا نية له وهو من أهل الحضارة فسكن بيتا من بيوت الشعر فإنه إن كان ليمينه معنى يستدل عليه بالأمر الذي له حلف مثل: أن يكون سمع بقوم انهدم عليهم بيت فعمهم ترابه فلا شيء عليه في سكناه في بيت شعر وإن لم يكن له نية حين حلف وإن كان إنما وجه يمينه أنه قيل له: إن الشمس محتجبة وإن السكنى في السطوح والخروج من البيوت مصحة ويسرة فحلف أن لا يسكن بيتا فإنا نراه حانثا إن سكن بيت شعر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإن حلف الرجل أن لا يسكن بيتا وهو من أهل البادية أو أهل القرية ولا نية له. فأي بيت شعر أو أدم أو خيمة أو ما وقع عليه اسم بيت أو حجارة أو مدر سكن حنث. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يسكن دار فلان فسكن دارا بينه وبين رجل آخر: أنه يحنث. وكذلك إن كانت الدار كلها له فسكن منها بيتا حنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا حلف الرجل أن لا يسكن دارا لفلان ولم ينو دارا بعينها فسكن دارا له فيها شرك أكثرها كان له أو أقلها لم يحنث ولا يحنث حتى تكون الدار كلها له خاصة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه فلان فاشترى فلان وآخر معه طعاما ولا نية له لم يحنث. ولا أقول بقولكم: أنكم تقولون فيمن حلف أن لا يأكل من طعام اشتراه فلان فأكل من طعام اشتراه فلان وآخر معه: أنكم تحنثونه إن أكل منه قبل أن يقتسماه وزعمنا وزعمتم أنهما إن اقتسماه فأكل الحالف مما صار للذي لم يحلف عليه لم يكن عليه 
 

صفحة : 2522

 حنث والقول فيها على ما أجبتك في صدر المسألة. قال: فإنا نقول: من حلف أن لا يسكن دار فلان فباعها فلان أنه إن كان عقد يمينه على الدار لأنها داره لا يحنث إن سكنها وهي لغيره وإن كان إنما عقد يمينه على الدار وجعل تسميته صاحبها صفة من صفاتها مثل قوله: هذه الدار المزوقة فذهب تزويقها فأراه حانثا إن سكنها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف ألن لا يسكن دار فلان هذه بعينها وباعها فلان فإن كانت نيته على الدار حنث بأي وجه سكنها وإن ملكها هو وإن كانت نيته ما كانت لفلان لم يحنث إذا خرجت من ملكه وإن لم يكن له نية حنث إذا قال: دار فلان هذه. 
فيمن حلف أن لا يدخل هذه الدار وهذا البيت فغير عن حاله قيل للشافعي رحمه الله تعالى: فإنا نقول: لو أن رجلا حلف أن لا يدخل هذه الدار فهدمت حتى صارت طريقا أو خربة يذهب الناس فيها ذاهبين وجائين أنه إن كان في يمينه سبب يستدل به على شيء من نيته وما أراد في يمينه حمل ما استدل به وإن لم يكن لذلك سبب يستدل به على شيء من نيته فإنا لا نرى عليه حنثا في دخولها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يدخل هذه الدار. فانهدمت حتى صارت طريقا ثم دخلها لم يحنث لأنها ليست بدار. قال: فإنا نقول فيمن قال: والله لا أدخل من باب هذه الدار فحول بابها فدخل من بابها هذا المحدث إنه حانث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يدخل من باب هذه الدار ولا نية له فحول بابها إلى موضع آخر فدخل منه لم يحنث. وإن كانت له نية فنوى من باب هذه الدار في هذا الموضع لم يحنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو نوى أن لا يدخل الدار حنث. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يلبس هذا الثوب وهو قميص فقطعه قباء أو سراويل أو جبة: إنا نراه حانثا إلا أن تكون له نية يستدل بها على أنه لا حنث عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يلبث ثوبا وهو رداء فقطعه قميصا أو اتزر به أو ارتدى به أو قطعه قلانس أو تبابين. أو حلف أن لا يلبس سراويل فاتزر بها. أو قميصا فارتدى به فهذا كله لبس وهو يحنث في هذا كله إذا لم تكن له نية فإن كانت له نية لم يحنث إلا على نيته إن حلف أن لا يلبس القميص كما تلبس القمص فارتدى به لم يحنث. وكذلك إن حلف أن لا يلبس الرداء كما تلبس الأردية فلبسه قميصا لم يحنث. وإذا حلف الرجل أن لا يلبس ثوب امرأته وقد كانت منت بالثوب عليه أو ثوب رجل من عليه 
 

صفحة : 2523

 فأصل ما أبني عليه أن لا أنظر إلى سبب يمينه أبدا وإنما أنظر إلى مخرج اليمين ثم أحنث صاحبها أو أبره على مخرجها. وذلك أن الأسباب متقدمة والأيمان محدثة بعدها فقد يحدث على مثالها وعلى خلاف مثالها فلما كان هكذا لم أحنثه على سبب يمينه وأحنثه على مخرج يمينه. أرأيت لو أن رجلا قال لرجل: قد نحلتك داري أو قد وهبتك مالي فحلف ليضربنه أما يحنث إن لم يضربه وليس حلفه ليضربنه يشبه سبب ما قال له. فإذا حلف أن لا يلبس هذا الثوب امرأته فوهبته له أو باعته فاشترى بثمنه ثوبا أو انتفع به لم يحنث ولا يحنث أبدا إلا بلبسه. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يدخل دار فلان فرقى على ظهر بيته: أنه يحنث لأنه دخلها من ظهرها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يدخل دار فلان فرقى فوقها فلم يدخلها وإنما دخوله أن يدخل بيتا منها أو عرصتها قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يدخل بيت فلان فدخل بيت فلان المحلوف عليه وإنما فلان ساكن في ذلك البيت بكراء: أنه يحنث لأنه ببيته ما دام ساكنا فيه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يدخل بيت فلان وفلان في بيت بكراء لم يحنث لأنه ليس بيت فلان إلا أن يكون أراد مسكن فلان. ولو حلف أن لا يدخل مسكن فلان فدخل عليه مسكنا بكراء حنث إلا أن يكون نوى مسكنا له يملكه. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يدخل دار فلان فاحتمله إنسان فأدخله قهرا فإنه إن كان غلبه على ذلك ولم يتراخ فلا حنث عليه إن كان حين قدر على الخروج خرج من ساعته فأما إن أقام ولو شاء أن يخرج خرج فإن هذا حانث أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي رحمه الله تعالى: قال: إذا حلف أن لا يدخل دار فلان فحمل فأدخلها لم يحنث إلا أن يكون هو أمرهم أن يدخلوه تراخى أو لم يتراخ قال: فإنا نقول فيمن حلف بالطلاق أن لا يدخل دار فلان فقال: إنما حلفت أن لا أدخلها ونويت شهرا أنا نرى عليه أنه إن كانت عليه في يمينه بينة فإنه لا يصدق بنيته وإن دخلها حنث وإن كان لا بينة عليه في يمينه قبل ذلك منه مع يمينه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل بطلاق امرأته أن لا يدخل دار فلان فقال: نويت شهرا أو يوما فهو كذلك فيما بينه وبين الله عز وجل وعليه اليمين. فأما في الحكم فمتى دخلها فهي طالق. قال: فإن نقول فيمن قال: والله لا أدخل على فلان بيتا فدخل عليه فلان ذلك بيتا: إنا نراه حانثا إن أقام معه في البيت حين دخل عليه وذلك أنه ليس يراد باليمين في مثل هذا الدخول ولكن يراد به المجالسة إلا أن تكون نيته يوم حلف أن لا يدخل عليه وأنه 
 

صفحة : 2524

 كان هو في البيت أولا ثم دخل عليه الآخر فلا حنث عليه وإذا كان هذا هكذا نيته يوم حلف فإنا لا نرى عليه حنثا إذا كان المحلوف عليه هو الداخل عليه بعد دخوله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يدخل على رجل بيتا فدخل عليه الآخر بيته فأقام معه لم يحنث لأنه لم يدخل عليه. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يدخل على فلان بيتا فدخل على جار له بيته فإذا فلان المحلوف عليه في بيت جاره: أنه يحنث لأنه داخل عليه وسواء كان البيت له أو لغيره. وأنه إن دخل عليه مسجدا لم يحنث إلا أن يكون نوى المسجد في يمينه. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يدخل على رجل بيتا فدخل على رجل غيره بيتا فوجد ذلك المحلوف عليه في ذلك البيت لم يحنث من قبل أنه ليس على ذلك دخل. 
قال الربيع: وللشافعي قول آخر: أنه يحنث إذا دخل عليه لأنه قد دخل عليه بيتا كما حلف وإن كان قد قصد بالدخول على غيره. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإن علم أنه في البيت فدخل عليه حنث في قول من يحنث على غير النية ولا يرفع الخطأ. فأما إذا حلف أن لا يدخل عليه بيتا فدخل عليه المسجد لم يحنث بحال. 

من حلف علي أمرين أن يفعلهما أو لا يفعلهما ففعل أحدهما 
قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يكسو امرأته هذين الثوبين فكساها أحدهما أنه حانث إلا أن يكون نوى في يمينه أن لا يكسوها إياهما جميعا لحاجته إلى أحدهما أو لأنها لا حاجة لها فيهما جميعا. فقال: أنت طالق إن فعلت فتكون له نيته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يكسو امرأته هذين الثوبين أو هذه الأثواب الثلاثة فكساها أحد الثوبين أو أحد الثلاثة أو كساها من الثلاثة اثنين وترك واحدا لم يحنث. وكذلك لو حلف أن لا يأكل هذين القرصين فأكلهما إلا قليلا لم يحنث إلا أن يأتي على الشيئين اللذين حلف عليهما إلا أن يكون ينوي أن لا يكسوها من هذه الأثواب شيئا أو لا يأكل من هذا الطعام شيئا فيحنث. 
وإذا قال: والله لا أشرب ماء هذه الأداوة ولا ماء هذا النهر ولا ماء هذا البحر كله فكل هذا سواء. ولا يحنث إلا أن يشرب ماء الأداوة كله ولا سبيل إلى أن يشرب ماء النهر كله ولا ماء البحر كله. ولكنه لو قال: لا أشرب من ماء هذه الأداوة ولا من ماء هذا النهر ولا من ماء هذا البحر فشرب منه شيئا حنث إلا أن تكون له نية فيحنث على قدر نيته. وإذا قال: والله لا أكلت خبزا وزيتا فأكل خبزا ولحما لم يحنث وكذلك كل شيء أكله مع الخبز سوى الزيت 
 

صفحة : 2525

 وكل شيء أكل به الزيت سوى الخبز فإنه ليس بحانث. وكذلك لو قال: لا آكل زيتا ولحما فكذلك كل ما أكل مع اللحم سوى الزيت. قال: فإنا نقول لمن قال لأمته أو امرأته: أنت طالق أو أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين فدخلت إحداهما ولم تدخل الأخرى أنه حانث. وإن قال: إن لم تدخليهما فأنت طالق أو أنت حرة فإنا لا نخرجه من يمينه إلا بدخولهما جميعا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت هاتين الدارين. أو لأمته أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين لم يحنث في واحدة منهما إلا بأن تدخلهما معا. وكذلك كل يمين حلف عليها من هذا الوجه قال: فإنا نقول فيمن قال لعبدين له: أنتما حران إن شئتما فإن شاءا جميعا الحرية فهما حران وإن شاءا جميعا الرق فهما رقيقان وإن شاء أحدهما الحرية وشاء الآخر الرق فالذي شاء الحرية منهما حر ولا حرية بمشيئة هذا للذي لم يشأ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل لعبدين له أنتما حران إن شئتما لم يعتقا إلا بأن يشاءا معا ولم يعتقا بأن يشاء أحدهما دون الآخر وكذلك إن قال أنتما حران إن شاء فلان وفلان لم يعتقا إلا أن يشاء فلان وفلان ولم يعتقا بأن يشاء أحدهما دون الآخر ولو كان قال لهما أيكما شاء العتق فهو حر فأيهما شاء فهو حر شاء الآخر أو لم يشأ قال فإنا نقول في رجل قال: والله لئن قضيتني حقي في يوم كذا وكذا لأفعلن بك كذا وكذا فقضاه بعض حقه أنه لا يلزمه اليمين حتى يقضيه حقه كله لأنه أراد به الاستقصاء. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو كان لرجل على رجل حق فحلف لئن قضيتني حقي في يوم كذا وكذا لأهبن لك عبدا من يومك فقضاه حقه كله إلا درهما أو فلسا في ذلك اليوم كله لم يحنث ولا يحنث إلا بأن يقضيه حقه كله قبل أن يمر اليوم الذي قضاه فيه آخر حقه. ولا يهب له عبدا. 

ID ' '   يتوقف فيه إلا جاهل غبي. 

 والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب - الحذف كما حكاه 

 الكسائي وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه والزمخشري فينبغي أن 

 يتوقف فيه إذ ليس في كلامه تصريح بنقله نعم: جواز الوجهين قد ثبت من كلام سيبويه كما 

 سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب. 

 وطعن بعضهم في حكاية الكسائي ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث بمثله 

 ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي وكل منهم إمام وتوجيهها: أنه لما ثبت 

 

صفحة : 2526


من حلف علي غريم له أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه 
أخبرنا الربيع قال: قيل للشافعي: فإنا نقول: فإن حلف أن لا يفارق غريما له حتى يستوفي حقه ففر منه أو أفلس أنه حانث إلا أن تكون له نية. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يفارق غريمه حتى يأخذ حقه منه ففر منه غريمه لم يحنث لأنه لم يفارقه هو. ولو كان قال: لا أفترق أنا وهو حنث في قول من لا يطرح الخطأ والغلبة عن الناس ولا يحنث في قول من طرح الخطأ والغلبة عن الناس. فأما إن حلف لا يفارقه حتى يأخذ منه حقه فأفلس فيحنث في قول من لا يطرح الغلبة عن الناس والخطأ ولا يحنث في قول من طرح الخطأ والغلبة عنهم. قال: فإنا نقول فيمن حلف لغريم له أن لا يفارقه حتى يستوفي منه حقه فأحاله على غريم له آخر أنه إن كان فارقه بعد الحمالة فإنه حانث لأنه حلف أن لا يفارقه حتى يستوفي ففارقه ولم يستوف لما أحاله ثم استوفاه بعد قال الربيع: الذي يأخذ به الشافعي أنه إن لم يفرط فيه حتى فر منه فهو مكره فلا شيء عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يفارق الرجل حتى يستوفي منه حقه فأحاله بعد على رجل غيره فأبرأه ثم فارقه حنث. 
وإن كان حلف أن لا يفارقه وله عليه حق لم يحنث لأنه وإن لم يستوف أولا بالحمالة فقد برىء بالحوالة. قال: فإنا نقول فيمن حلف على غريم له: أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فاستوفاه فلما افترقا أصاب بعضها نحاسا أو رصاصا أو نقصا بينا نقصانه أنه حانث لأنه فارقه ولم يستوف وأنه إن أخذ بحقه عرضه. فإن كان يسوي ما أخنه به وهو قيمته لو أراد أن يبيعه باعه ولم يحنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يفارقه حتى يستوفي منه حقه فأخذ منه حقه فيما يرى ثم وجد دنانيره زجاجا أو نحاسا حنث في قول من لم يطرح عن الناس الخطأ في الأيمان ولا يحنث في قول من يطرح عن الناس ما لم يعمدوا عليه في الأيمان لأن هذا لم يعمد أن يأخذ إلا وفاء حقه وهو قول عطاء: أنه يطرح عن الناس الخطأ والنسيان. 
ورواه عطاء فإذا حلف أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه فأخذ بحقه عرضا فإن كان العرض الذي أخذ قيمة ماله عليه من الدنانير لم يحنث وإن كان قيمته أقل مما عليه من الدنانير حنث. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل لغريمه: والله لا أفارقك حتى آخذ حقي فإن كانت نيته حتى لا يبقى عليك من حقي شيء فأخذ منه عرضا يسوي أو لا يسوي برىء ولم يحنث لأنه قد أخذ شيئا ورضيه من حقه وبرىء الغريم من حقه. وكذلك إن كانت نيته 
 

صفحة : 2527

 حتى أستوفي ما أرضى به من جميع حقي. وكذلك إن قال رجل لرجل: والله لأقضينك حقك فوهب صاحب الحق حقه للحالف أو تصدق به عليه أو دفع به إليه سلعة لم يحنث إن كانت نيته حين حلف أن لا يبقي على شيء من حقك لأنه دفع إليه شيئا رضيه فقد استوفى فإن لم تكن له نية فلا يبرأ أبدا إلا بأن يأخذ حقه ما كان إن كانت دنانير فدنانير أو دراهم فدراهم لأن ذلك حقه. ولو أخذ فيه أضعاف ثمنه لم يبرأ لأن ذلك غير حقه وحد الفراق أن يتفرقا من مقامهما الذي كانا فيه ومجلسهما. 

من حلف أن لا يتكفل بمال فتكفل بنفس رجل 
قيل للشافعي رحمه الله تعالى: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يتكفل بمال أبدا فتكفل بنفس رجل: أنه إن استثنى في حمالته أن لا مال عليه فلا حنث عليه وإن لم يستثن ذلك فعليه المال وهو حانث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ومن حلف أن لا يتكفل بمال أبدا فتكفل بنفس رجل لم يحنث لأن النفس غير المال. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يتكفل لرجل بكفالة أبدا فتكفل لوكيل له بكفالة عن رجل ولم يعلم أنه وكيل الذي حلف عليه: فإنه إذا لم يكن علم بذلك ولم يكن ذلك الرجل من وكلائه وحشمه ولم يعلم أنه من سببه فلا حنث عليه وإن كان ممن علم ذلك منه فإنه حانث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يتكفل لرجل بكفالة يكون له عليه فيها سبيل لنفسه فإن نوى هذا فكفل لوكيل له في مال للمحلوف حنث وإن كان كفل في غير مال المحلوف لم يحنث وكذلك إن كفل لوالده أو زوجته أو ابنه لم يحنث. 

ID ' '   جواز: سرت خمسا وأنت تريد الأيام والليالي جميعا كما سبق من كلام سيبويه وكما دلت 

 عليه الآية الكريمة وما ذاك إلا لتغليب الليالي على الأيام وجعل الأيام تابعة لليالي أجري عليها 

 هذا الحكم عند إرادة الأيام وحدها كقولك: سرت خمسا وأنت تريد الأيام. أو: صمت 

 خمسا إذ لا يمكن إرادة الليالي في الصوم وصار اليوم كأنه مندرج تحت اسم الليلة وجزء منها 

 فيدل عليه باسمها سواء أريدت حقيقة ذلك الاسم من الليلة واليوم تابع لها أم لم ترد واقتصر 

 على إرادة ما يتبعها وهو اليوم. 

 ونقل أبو حيان أنه يقال: صمت خمسة وأنه فصيح. وهذا إن صح لا يعارض قول سيبويه 

 والزمخشري لأنهما إنما قالا فيما يمكن إرادة الليالي والأيام جميعا ولا شك أنه عند إراتهما تغلب 

 الليالي فيضعف التذكير وأما عند إرادة المذكر فقط فالتذكير وإثبات الهاء هو الأصل والحذف 

 

صفحة : 2528


من حلف في أمر أن لا يفعله غدا ففعله اليوم 
قيل للشافعي رحمه الله تعالى: فإنا نقول في رجل قال لرجل: والله لأقضينك حقك غدا فقضاه اليوم أنه لا حنث عليه لأنه لم يرد بيمينه الغد إنما أراد وجه القضاء فإذا خرج الغد عنه وليس عليه فقد بر وهو قول مالك. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال لرجل: والله لأقضينك حقك غدا فجعل له حقه اليوم فإن لم تكن له نية حنث من قبل أن قضاء غد غير قضائه اليوم كما يقول: والله لأكلمنك غدا فكلمه اليوم لم يبر. وإن كانت نيته حين عقد اليمين أن لا يخرج غد حتى أقضيك حقك فقضاه اليوم بر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال: والله لآكلن هذا الرغيف اليوم فأكل بعضه اليوم وبعضه غدا أنه حانث لأنه لم يأكله كله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: والبساط محال. وإنما يقال السبب بساط اليمين عند أصحاب مالك: كأنه حلف أن لا يلبس من غزل امرأته فباعت الغزل واشترت طعاما فأكله فهو عندهم حانث لأن بساط اليمين عندهم أن لا ينتفع بشيء من غزلها فإذا أكل منه فقد انتفع به وهو عند الشافعي محال. قال الربيع: قد خرق الشافعي البساط وحرقه بالنار. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل فقال: والله لآكلن هذا الطعام غدا أو لألبسن هذه الثياب غدا أو لأركبن هذه الدواب غدا فماتت الدواب وسرق الطعام والثياب قبل الغد فمن ذهب إلى طرح الإكراه عن الناس طرح هذا قياسا على الإكراه فإن قيل: فما يشبهه من الإكراه قيل: لما وضع الله عز وجل عن الناس أعظم ما قال أحد الكفر به أنهم إذا أكرهوا عليه فجعل قولهم الكفر مغفورا لهم مرفوعا عنهم في الدنيا والآخرة وذلك قول الله عز وجل:  من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره  الآية وكان المعنى الذي عقلنا أن قول المكره كما لم يقل في الحكم وعقلنا أن الإكراه هو أن يغلب بغير فعل منه فإذا تلف ما حلف ليفعلن فيه شيئا فقد غلب بغير فعل منه وهذا في أكثر من معنى الإكراه. ومن ألزم المكره يمينه ولم يرفعها عنه كان حانثا في هذا كله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وكذلك لو حلف ليعطينه حقه غدا فمات من الغد بعلمه أو بغير علمه لم يحنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وكذلك الأيمان بالطلاق والعتاق والأيمان كلها مثل اليمين بالله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: أصل ما أذهب إليه أن يمين المكره غير ثابتة عليه لما احتججت به من الكتاب والسنة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف ليقضين رجلا إلى أجل يسميه إلا أن يشاء أن يؤخره فمات صاحب الحق أنه لا حنث عليه 
 

صفحة : 2529

 ولا يمين عليه لورثة الميت من قبل أن الحنث لم يكن حتى مات المحلوف ليقضينه. وكذلك لو حلف ليقضينه حقه إلى أجل سماه إلا أن يشاء فلان فمات الذي جعل المشيئة إليه قال: فإنا نقول فيمن حلف ليقضين فلانا ماله رأس الشهر أو عند رأس الشهر أو إذا استهل الشهر أو إلى استهلال الهلال أن له ليلة يهل الهلال ويومها حتى تغرب الشمس. وكذلك الذي يقول: إلى رمضان له ليلة الهلال ويومه وكذلك إذا قال: إلى رمضان أو إلى هلال شهر كذا وكذا فله حتى يهل هلال ذلك الشهر فإن قال له إلى أن يهل الهلال فله ليلة الهلال ويومه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف ليقضينه حقه إلى رأس الشهر أو عند رأس الشهر أو إلى استهلال الهلال أو عند استهلال الهلال وجب عليه أن يقضيه حين يهل الهلال. فإن حلف ليقضينه ليلة يهل الهلال فخرجت الليلة التي يهل فيها الهلال حنث كما يحنث لو حلف ليقضينه حقه يوم الاثنين فغابت الشمس يوم الاثنين حنث وليس حكم الليلة حكم اليوم ولا حكم اليوم حكم الليلة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال: والله لأقضينك حقك إلى رمضان فلم يقضه حقه حتى يهل هلال رمضان حنث وذلك أنه حد بالهلال. كما تقول في ذكر حق فلان على فلان كذا وكذا إلى هلال كذا وكذا فإذا هل الهلال فقد حل الحق. قال: فإنا نقول فيمن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين أو إلى زمان أو إلى دهر إن ذلك كله سواء وإن ذلك سنة سنة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قال: والله لأقضينك حقك إلى حين فليس في الحين وقت معلوم يبر به ولا يحنث وذلك أن الحين يكون مدة الدنيا كلها وما هو أقل منها إلى يوم القيامة. والفتيا لمن قال هذا أن يقال له: إنما حلفت على ما لا تعلم ولا نعلم فنصيرك إلى علمنا والورع لك أن تقضيه قبل انقضاء يوم لأن الحين يقع عليه من حين حلفت ولا تحنث أبدا لأنه ليس للحين غاية وكذلك الزمان وكذلك الدهر وكذا كل كلمة منفردة ليس لها ظاهر يدل عليها وكذلك الأحقاب. 

ID ' '   ورد في الحديث وحكاه الكسائي فالوجهان فيه فصيحان بخلاف القسم الأول فإن الحذف فيه 

 أفصح هذا إن ثبت: صمنا خمسة كما ادعاه أبو حيان ولعله أخذه من ابن عصفور فإن 

 ثبت ذلك صريحا من كلام غيره وإلا فليتوقف فيه. 

 وقال شيخنا أبو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط المعدود أو 

 ثبوت الهاء في (ستة) مع ثبوت الأيام هو المحفوظ الفصيح وورد في بعض الطرق المتقدمة 

 

صفحة : 2530


من حلف على شيء أن لا يفعله فأمر غيره ففعله 
قيل للشافعي رحمه الله تعالى: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يشتري عبدا فأمر غيره فاشترى له عبدا: أنه حانث لأنه هو المشتري إذا أمر من يشتري له إلا أن يكون له في ذلك نية أو يكون يمينه على أمر قد عرف وجهها أنه إنما أراد أن لا يشتريه هو لأنه قد غبن غير مرة في اشترائه. 
فإذا كان كذلك فليس بحانث وإذا كان إنما كره شراء العبد أصلا فأراه حانثا وإن أمر غيره. 
وكذلك لو حلف أن لا يبيع سلعة فأمر غيره فباعها أنه يحنث إلا أن تكون له نية. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف أن لا يشتري عبدا فأمر غيره فاشترى له عبدا لم يحنث إلا أن يكون نوى أن لا يشتريه ولا يشترى له لأنه لم يكن ولي عقدة شرائه والذي ولي عقدة شرائه غيره وعليه العهدة. ألا ترى أن الذي ولي عقد شرائه لو زاد في ثمنه على ما يباع به مثله ما لا يتغابن الناس فيه أو برىء من عيب لزمه البيع وكان للأمر أن لا يأخذ لشراء غيره غير شرائه. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يطلق امرأته فجعل أمرها بيدها فطلقت نفسها لم يحنث إلا أن يكون جعل إليها طلاقها وكذلك لو جعل أمرها إلى غيرها فطلقها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف ليضربن عبده فأمر غيره فضربه لم يبر إلا أن يكون نوى ليضربن بأمره. وهكذا لو حلف أن لا يضربه فأمر غيره فضربه لم يحنث إلا أن يكون نوى أن لا يأمر غيره بضربه. قال الربيع: للشافعي في مثل هذا قول في موضع آخر: فإذا حلف ليضربن عبده فإن كان مما يلي الأشياء بيده فلا يبر حتى يضربه بيده فإن كان مثل الوالي أو ممن لا يلي الأشياء بيده فالأغلب أنه إنما يأمر فإذا أمر فضرب فقد بر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل لا يبيع لرجل شيئا فدفع المحلوف عليه سلعة إلى رجل فدفع ذلك الرجل السلعة إلى الحالف فباعها لم يحنث لأنه لم يبعها للذي حلف أن لا يبيعها له إلا أن يكون نوى أن لا يبيع سلعة يملكها فلان فيحنث. فلو حلف أن لا يبيع له رجل سلعة فدفعها إلى غيره ليبيعها فدفع ذلك الغير إلى الذي حلف أن لا يبيع له السلعة لم يحنث الحالف من قبل أن بيع الثالث غير جائز. لأنه إذا وكل رجلا يبيع له فليس له أن يوكل بالبيع غيره ولو كان حين وكله أجاز له أن يوكل من رآه فدفعها إليه فباعها فإن كان نوى أن لا يبيع لي بأمري لم يحنث وإن كان نوى أن لا يبيعها بحال حنث لأنه قد باعها. 

ID ' '   للدراوردي وحفص بن غياث ثبوت الهاء في: (ستة من شوال) مع سقوط الأيام وهو غريب 

 

صفحة : 2531


من قال لامرأته أنت طالق إن خرجت إلا بإذني 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني. ثم قال لها قبل أن تسأله الإذن أو بعد ما سألته إياه: قد أذنت لك. فخرجت لم يحنث. ولو كانت المسألة بحالها فأذن لها ولم تعلم وأشهد على ذلك لم يحنث لأنها قد خرجت بإذنه. فإن لم تعلم فأحب إلي في الورع أن لو حنث نفسه: من قبل أنها عاصية عند نفسها حين خرجت بغير إذنه وإن كان قد أذن لها. فإن قال قائل: كيف لم تحنثه وهي عاصية ولا تجعله بارا إلا أن يكون خروجها بعلمها بإذنه قيل: أرأيت رجلا غصب رجلا حقا أو كان له عليه دين فحلله الرجل والغاصب المحلل لا يعلم أما يبرأ من ذلك. أرأيت أنه لو مات وعليه دين فحلله الرجل بعد الموت أما يبرأ قال: فإنا نقول فيمن قال لامرأته: إن خرجت إلى موضع إلا بإذني فأنت طالق ثم قال لها: اخرجي حيث شئت فخرجت ولم يعلم فإنه سواء قال لها في يمينه إن خرجت إلى موضع إلا بإذني أو لم يقل لها إلى موضع فهو سواء ولا حنث عليه. لأنه إذا قال: إن خرجت ولم يقل إلى موضع فإنما هو إلى موضع وإن لم يقله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: مثل ذلك كله أقول: لا حنث عليه. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يأذن لامرأته أن تخرج إلا في عيادة مريض فأذن لها في عيادة مريض ثم عرضت لها حاجة غير العيادة وهي عند المريض فذهبت فيها فإنه إذا أذن لها إلى عيادة مريض فخرجت إلى غير ذلك لم يحنث لأنها ذهبت إلى غير المريض بغير إذنه فلا حنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: مثل ذلك أقول: أنه لا حنث عليه. قال: فإنا نقول فيمن حلف أن لا يأذن لامرأته بالخروج إلا لعيادة مريض فخرجت من غير أن يأذن لها إلى حمام أو غير ذلك. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني. أو إن خرجت إلى مكان أو إلى موضع إلا بإذني فاليمين على مرة. 
فإن أذن لها مرة فخرجت ثم عادت فخرجت لم يحنث لأنه قد بر مرة فلا يحنث ثانية. وكذلك إن قال لها: أنت طالق إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها فخرجت ثم عادت فخرجت لم يحنث. ولكنه لو قال لها: أنت طالق كلما خرجت إلا بإذني أو طالق في كل وقت خرجت إلا بإذني كان هذا على كل خرجة فأي خرجة خرجتها بغير إذنه فهو حانث. ولو قال لها: أنت طالق متى خرجت كان هذا على مرة واحدة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يدخل دار فلان إلا أن يأذن له فمات الذي حلف على إذنه فدخلها حنث ولو لم 
 

صفحة : 2532

 يمت. والمسألة بحالها فأذن له ثم رجع عن الإذن فدخل بعد رجوعه لم يحنث لأنه قد أذن له مرة. قال: فإنا نقول فيمن حلف بعتق غلامه ليضربنه أنه يحال بينه وبين بيعه لأنه على حنث حتى يضربه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: يبيعه إن شاء ولا يحال بينه وبين بيعه لأنه على بر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: من حنث بعتق وله: مكاتبون وأمهات أولاد ومدبرون وأشقاص من عبيد يحنث فيهم كلهم. إلا في المكاتب فلا يحنث فيه إلا بأن ينويه في مماليكه. 
لأن الظاهر من الحكم أن مكاتبه خارج عن ملكه بمعنى داخل فيه بمعنى فهو يحال بينه وبين أخذ ماله واستخدامه وأرش الجناية عليه فلا يكون عليه زكاة مال المكاتب ولا يكون عليه زكاة الفطر فيه. وليس هكذا أم ولده ولا مدبروه كل أولئك داخل في ملكه له أخذ أموالهم وله أخذ أرش الجناية عليهم وتكون عليه الزكاة في أموالهم لأنه ماله. فإن ذهب ذاهب إلى أن يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم فإنما يعني عبدا في حال دون حال لأنه لو كان عبدا بكل حال كان مسلطا على بيعه وأخذ ماله وما وصفت من أنه يحال بينه وبينه منه. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل بعتق غلامه ليضربنه غدا فباعه اليوم فلما مضى غدا اشتراه فلا يحنث لأن الحنث إذا وقع مرة لم يعد ثانية. وهذا قد وقع حنثه مرة فهو لا يعتق عليه ولا يعود عليه الحنث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يأكل الرؤوس وأكل رؤوس الحيتان أو رؤوس الجراد أو رؤوس الطير أو رؤوس شيء يخالف رؤوس البقر أو الغنم أو الإبل لم يحنث من قبل أن الذي يعرف الناس إذا خوطبوا بأكل الرؤوس أنها الرؤوس التي تعمل متميزة من الأجساد يكون لها سوق كما يكون للحم سوق. فإن كانت بلاد لها صيد ويكثر كما يكثر لحم الأنعام ويميز لحمها من رؤوسها فتعمل كما تعمل رؤوس الأنعام فيكون لها سوق على حدة وللحمها سوق على حدة فحلف حنث بها وهكذا إن كان ذلك يصنع بالحيتان. والجواب في هذا: إذا لم يكن للحالف نية. فإذا كان له نية حنث وبر على نيته والورع أن يحنث بأي رأس ما كان. والبيض كما وصفت هو بيض الدجاج والأوز والنعام. فأما بيض الحيتان فلا يحنث به إلا بنية لأن البيض الذي يعرف هو الذي يزايل بائضه فيكون مأكولا وبائضه حيا فأما بيض الحيتان فلا يكون هكذا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل أن لا يأكل لحما حنث بلحم الإبل والبقر والغنم والوحوش والطير كله لأنه كله لحم ليس له اسم دون اللحم. ولا يحنث في الحكم بلحم الحيتان لأن اسمه غير اسمه 
 

صفحة : 2533

 فالأغلب عليه الحوت وإن كان يدخل في اللحم ويحنث في الورع به. قال الشافعي رضي الله عنه: وإذا نذر حلف أن لا يشرب سويقا فأكله أو لا يأكل خبزا فماثه فشربه لم يحنث لأنه لم يفعل الذي حلف أن لا يفعله واللبن مثله. وكذلك إن حلف أن لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يأكل سمنا فأكل السمن بالخبز أو بالعصيدة أو بالسويق حنث لأن السمن هكذا لا يؤكل إنما يؤكل بغيره ولا يكون مأكولا إلا بغيره إلا أن يكون جامدا فيقدر على أن يأكله جامدا منفردا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يأكل هذه التمرة فوقعت في التمر فأكل التمر كله حنث لأنه قد أكلها. وإن بقي من التمر كله واحدة أو هلكت من التمر كله واحدة لم يحنث إلا أن يكون يستيقن أنها فيما أكل وهذا في الحكم. والورع أن لا يأكل منه شيئا إلا حنث نفسه إن أكله وإن حلف أن لا يأكل هذا الدقيق ولا هذه الحنطة فأكله حنطة أو دقيقا حنث. وإذا خبز الدقيق أو عصده بأكله أو طحن الحنطة أو خبزها أو قلاها فجعلها سويقا لم يحنث لأن هذا لم يأكل دقيقا ولا حنطة إنما أكل شيئا قد حال عنهما بصنعة حتى لا يقع عليه اسم واحد منهما. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما أو لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث في واحد منهما لأن كل واحد منهما غير صاحبه. وكذلك إن حلف أن لا يأكل رطبا فأكل تمرا أو لا يأكل بسرا فأكل رطبا أو لا يأكل بلحا فأكل بسرا أو لا يأكل طلعا فأكل بلحا لأن كل واحد من هذا غير صاحبه وإن كان أصله واحدا. وهكذا إن قال: لا آكل زبدا فأكل لبنا أو قال: لا أكل خلا فأكل مرقا فيه خل فلا حنث عليه لأن الخل مستهلك فيه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يشرب شيئا فذاقه ودخل بطنه لم يحنث بالذوق لأن الذوق غير الشرب. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف أن لا يكلم فلانا فسلم على قوم وهو فيهم لم يحنث إلا بأن ينويه فيمن سلم عليهم قال الربيع: وله قول آخر فيما أعلم: أنه يحنث إلا أن يعزله بقلبه في أن لا يسلم عليه خاصة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا مر عليه فسلم عليه وهو عامد للسلام عليه وهو لا يعرفه ففيها قولان: فأما قول عطاء: فلا يحنثه فإنه يذهب إلى أن الله جل وعز وضع عن الأمة الخطأ والنسيان. وفي قول غيره: يحنث. فإذا حلف أن لا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أو كتب إليه كتابا فالورع أن يحنث ولا يبين لي أن يحنث لأن الرسول والكتاب غير الكلام وإن كان يكون كلاما في حال. ومن حنثه ذهب إلى أن الله عز 
 

صفحة : 2534

 وجل قال:  وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء  الآية. وقال: إن الله عز وجل يقول في المنافقين:  قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم  وإنما نبأهم بأخبارهم بالوحي الذي ينزل به جبريل على النبي ﷺ ويخبرهم النبي ﷺ بوحي الله. ومن قال: لا يحنث قال: إن كلام الآدميين لا يشبه كلام الله تعالى كلام الآدميين بالمواجهة ألا ترى لو هجر رجل رجلا كانت الهجرة محرمة عليه فوق ثلاث فكتب إليه أو أرسل إليه وهو يقدر على كلامه لم يخرجه هذا من هجرته التي يأثم بها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل لقاض أن لا يرى كذا وكذا إلا رفعه إليه فمات ذلك القاضي فرأى ذلك الشيء بعد موته لم يحنث لأنه ليس ثم أحد يرفعه إليه. ولو رآه قبل موته فلم يرفعه إليه حتى مات حنث. ولو أن قاضيا بعده ولي فرفعه إليه لم يبر لأنه لم يرفعه إلى القاضي الذي أحلفه ليرفعه إليه. وكذلك إذا عزل ذلك القاضي لم يكن عليه أن يرفعه إلى القاضي الذي خلف بعده لأنه غير المحلوف عليه. ولو عزل ذلك القاضي: فإن كانت نيته ليرفعنه إليه إن كان قاضيا فرأى ذلك الشيء وهو غير قاض لم يكن عليه أن يرفعه إليه ولو لم تكن له نية خشيت أن يحنث إن لم يرفعه إليه. وإن رآه فعجل ليرفعه ساعة أمكنه رفعه فمات لم يحنث ولا يحنث إلا بأن يمكنه رفعه فيفرط حتى يموت وإن علماه جميعا فعليه أن يخبره وإن كان ذلك مجلسا واحدا وإذا حلف الرجل: ما له مال وله عرض أو دين أو هما حنث لأن هذا مال إلا أن يكون نوى شيئا فلا يحنث إلا على نيته. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة سوط فجمعها فضربه بها فإن كان يحيط العلم أنه إذا ضربه بها ماسته كلها فقد بر وإن كان يحيط العلم أنها لا تماسه كلها لم يبر وإن كان العلم مغيبا قد تماسه ولا تماسه فضربه بها ضربة لم يحنث في الحكم ويحنث في الورع فإن قال قائل: فما الحجة في هذا قيل: معقول أنه إذا ماسته أنه ضاربه بها مجموعة أو غير مجموعة وقد قال الله عز وجل:  وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث  وضرب رسول الله ﷺ رجلا نضوا في الزنا بأثكال النخل وهذا شيء مجموع غير أنه إذا ضربه بها ماسته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة ولم يقل ضربا شديدا فأي ضرب ضربه إياه خفيفا أو شديدا لم يحنث لأنه ضاربه في هذا كله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا حلف الرجل لئن فعل عبده كذا ليضربنه ففعل ذلك العبد 
 

صفحة : 2535

 وضربه السيد ثم عاد ففعله لم يحنث ولا يكون الحنث إلا مرة واحدة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل لا يهب رجل هبة فتصدق عليه بصدقة فهي هبة وهو حانث. 
وكذلك لو نحله فالنحل هبة. وكذلك إن أعمره لأنها هبة. فأما إن أسكنه فلا يحنث إنما السكنى عارية لم يملكه إياها وله متى شاء أن يرجع فيها. وكذلك إن حبس عليه لم يحنث لأنه لم يملكه ما حبس عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف الرجل أن لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث وإن حلف أن لا يركب دابة العبد فركب دابة العبد لم يحنث لأنها ليست للعبد. ألا ترى أنه إنما اسمها مضاف إليه كما يضاف اسمها إلى سائسها. وإن كان حرا أو يضاف الغلمان إلى العلم وهم أحرار فيقال: غلمان فلان وتضاف الدار إلى القيم عليها وإن كانت لغيره قال الربيع: قلت أنا: ويضاف اللجام إلى الدابة والسرج إلى الدابة فيقال: لجام الحمار وسرج الحمار وليس يملك الدابة اللجام ولا السرج. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا حلف العبد بالله فحنث أو أذن له سيده فحج فأصاب شيئا مما عليه فيه فدية أو تظاهر أو آلى فحنث فلا يجزيه في هذا كله أن يتصدق ولو أذن له سيده من قبل أنه لا يكون مالكا للمال وأن لمالكه أن يخرجه من يديه. وهو مخالف للحر: يوهب له الشيء فيتصدق به لأن الحر يملكه قبل أن يتصدق به وعليه الصيام في هذا كله. فإن كان هذا شيء منه بإذن مولاه فليس له أن يمنعه منه. وإن كان منه بغير إذن مولاه فإن كان الصوم يضر بعمل المولى كان له أن يمنعه فإن صام بغير إذن مولاه في الحال التي له أن يمنعه فيها أجزأه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: يحنث الناس في الحكم على الظاهر من أيمانهم وكذلك أمرنا الله تعالى أن نحكم عليهم بما ظهر وكذلك أمرنا رسول الله ﷺ وكذلك أحكام الله وأحكام رسوله في الدنيا. فأما السرائر فلا يعلمها إلا الله فهو يدين بها ويجزي ولا يعلمها دونه ملك مقرب ولا نبي مرسل. ألا ترى أن حكم الله تعالى في المنافقين أنه يعلمهم مشركين فأوجب عليهم في الآخرة جهنم فقال عز وجل:  إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  وحكم لهم رسول الله ﷺ بأحكام الإسلام بما أظهروا منه فلم يسفك لهم دما ولم يأخذ لهم مالا ولم يمنعهم أن يناكحوا المسلمين وينكحوهم ورسول الله ﷺ يعرفهم بأعيانهم يأتيه الوحي ويسمع ذلك منهم ويبلغه عنهم فيظهرون التوبة والوحي يأتيه بأنهم كاذبون بالتوبة. ومثل ذلك قال رسول الله ﷺ في جميع الناس:  أمرت أن أقاتل الناس 
 

صفحة : 2536

 حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله  وكذلك قال رسول الله ﷺ في الحدود فأقام على رجل حدا ثم قام خطيبا فقال:  أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن محارم الله فمن أصاب منكم من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله  وروي عنه أنه قال:  تولى الله منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات  . وحفظ عنه ﷺ أنه قال:  إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار  ولاعن رسول الله ﷺ بين العجلاني وامرأته وقذفها برجل بعينه فقال رسول ﷺ:  أبصروها فإن جاءت به كذا فهو للذي يتهمه وإن جاءت به كذا فلا أراه إلا قد كذب عليها  فجاءت به على النعت المكروه. وقد روي عنه ﷺ أنه قال:  إن أمره لبين لولا ما حكم الله  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو كان لأحد من الخلق أن يحكم على خلاف الظاهر ما كان ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ بما يأتيه به الوحي وبما جعل الله تعالى فيه مما لم يجعل في غيره من التوفيق. فإذا كان رسول الله ﷺ لم يتول أن يقضي إلا على الظاهر والباطن يأتيه وهو يعرف من الدلائل بتوفيق الله إياه ما لا يعرف غيره فغيره أولى أن لا يحكم إلا على الظاهر. وإنما جوابنا في هذه الأيمان كلها: إذا حلف الرجل لا نية له فأما إذا كانت اليمين بنية فاليمين على ما نوى. قيل للربيع: كل ما كان في هذا الكتاب فإنا نقول فهو قول مالك قال: نعم. والله أعلم. 

ID ' '   غير صحيح ولا فصيح. انتهى ما قاله وذكر ذلك في فضل إتباع رمضان بست من شوال 

 وجمع فيه طرق الحديث الوارد فيها فرواه من نيف وستين طريقا ليس فيها ثبوت التاء مع 

 سقوط المعدود إلا من الطريقين اللذين ذكرهما وهو غلط من بعض الرواة الذين لا يتقنون لفظ 

 الحديث. 

 وذكر الواحدي وغيره من المفسرين أن سقوط التاء من قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن أربعة 

 أشهر وعشرا) لتغليب الليالي على الأيام. انتهى. 

 هذا كله في الأيام والليالي أما إذا كان المعدود مذكرا أو مؤنثا غيرها فلا وجه إلا مطابقة 

 القاعدة الأصلية من إثبات التاء في المذكر وحذفها في المؤنث ذكرت المعدود أو حذفته قال 

 

صفحة : 2537


باب الإشهاد عند الدفع إلى اليتامى 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل:  وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم  الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ففي هذه الآية معنيان: أحدهما الأمر بالإشهاد وهو في مثل معنى الآية قبله. والله تعالى أعلم من أن يكون الأمر بالإشهاد دلالة لا حتما وفي قول الله عز وجل:  وكفى بالله حسيبا  كالدليل على الإرخاص في ترك الإشهاد لأن الله عز وجل يقول:  وكفى بالله حسيبا  أي إن لم تشهدوا والله تعالى أعلم. والمعنى الثاني: أن يكون ولي اليتيم المأمور بالدفع إليه ماله والإشهاد به عليه يبرأ بالإشهاد عليه إن جحده اليتيم ولا يبرأ بغيره أو يكون مأمورا بالإشهاد عليه على الدلالة وقد يبرأ بغير شهادة إذا صدقه اليتيم. قال الشافعي رحمه الله تعالى: والآية محتملة المعنيين معا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وليس في واحدة من هاتين الآيتين تسمية شهود وتسمية الشهود في غيرهما وتلك التسمية تدل على ما يجوز فيهما وفي غيرهما وتدل معهما السنة. ثم ما لا أعلم أهل العلم اختلفوا فيه وفي ذكر الله عز وجل الشهادات دلالة على أن للشهادات حكما وحكمها والله تعالى أعلم أن يقطع بها بين المتنازعين بدلالة كتاب الله تعالى ثم سنة رسول الله ﷺ ثم إجماع سنذكره في موضعه. قال الله عز وجل:  واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهم أربعة منكم فإن شهدوا  الآية فسمى الله في الشهادة في الفاحشة والفاحشة ههنا والله تعالى أعلم الزنا وفي الزنا أربعة شهود ولا تتم الشهادة في الزنا إلا بأربعة شهداء لا امرأة فيهم. لأن الظاهر من الشهداء الرجال خاصة دون النساء. ودلت السنة على أنه لا يجوز في الزنا أقل من أربعة شهداء وعلى مثل ما دل عليه القرآن في الظاهر من: أنهم رجال محصنون. فإن قال قائل: الفاحشة تحتمل الزنا وغيره فما دل على أنها في هذا الموضع الزنا دون غيره قيل: كتاب الله ثم سنة نبيه ﷺ ثم ما لا أعلم عالما خالف فيه في قول الله عز وجل في اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم يمسكن حتى يجعل الله لهن سبيلا ثم نزلت:  الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة  فقال رسول الله ﷺ:  قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم  ودل الله ورسوله صلى 
 

صفحة : 2538

 الله عليه وسلم أن هذا الحد إنما هو على الزناة دون غيرهم لم أعلم في ذلك مخالفا من أهل العلم فإن قال قائل: ما دل على أن لا يقطع الحكم في الزنا بأقل من أربعة شهداء قيل له: الآيتان من كتاب الله عز وجل يدلان على ذلك قال الله عز وجل في القذفة:  لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون  يقول: لولا جاءوا على من قذفوا بالزنا بأربعة شهداء بما قالوا. وقول الله عز وجل:  والذين يرمون المحصنات ثم لم يألوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة  ودل على ذلك مع الاكتفاء بالتنزيل السنة ثم الأثر ثم الإجماع أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن سعدا قال: يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال رسول الله ﷺ:  نعم  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه سئل عن رجل وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلها فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته وشهد ثلاثة على رجل عند عمر بالزنا ولم يثبت الرابع فحد الثلاثة ولم أعلم الناس اختلفوا في أن لا يقام الحد في الزنا بأقل من أربعة شهداء. 

ID ' '   تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون 

 خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) وقال تعالى: (ما يكون م 

 ثلاثة إلا رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) و قال تعالى: (عليها تسعة عشر) وقال تعالى: 

 (وكنتم أزواجا ثلاثة) فالمعدود في هذه الآيات كلها مذكر وقد حذف في الآية الأولى والثانية 

 والثالثة والرابعة وأتي به موصوفا في الخامسة وثبتت التاء في جميع ذلك وكذلك قوله تعالى: 

 (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) والقول بجواز حذف التاء في مثل ذلك يحتاج إلى نقل 

 ولا يكاد يقدر عليه. 

 وقال النووي في قوله ﷺ: (بست من شوال): إنما حذفت الهاء من ستة لأن 

 العرب إنما تلتزم الإتيان بالهاء في المذكر الذي هو دون أحد عشر إذا صرحت بلفظ المذكر 

 كقوله الله تعالى: (وثمانية أيام) فأما إذا لم يأتوا بلفظ المذكر فيجوز إثبات الهاء وحذفها فتقول: سومزوكل ةظوفحم قوقحلا عيمج . 

 صمنا ستا ولبثنا عشرا وتريد الأيام ونقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب ولا 

 يتوقف فيه إلا جاهل غبي. 

 

صفحة : 2539


باب ما جاء في قول الله واللاتي يأتين الفاحشة 

من نسائكم حتى ما يفعل بهن من الحبس والأذى 
قال الله جل ثناؤه:  واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت  فيه دلالة على أمور منها: أن الله عز وجل سماهن من نساء المؤمنين لأن المؤمنين المخاطبون بالفرائض يجمع هذا أن لم يقطع العصمة بين أزواجهن وبينهم في الزنا. وفي هذه الآية دلالة على أن قول الله عز اسمه:  الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك  كما قال ابن المسيب: إن شاء الله تعالى منسوخة. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن المسيب: نسختها وأنكحوا الأيامى منكم فهن من أيامى المسلمين وقال الله عز وجل:  فأمسكوهن في البيوت  يشبه عندي والله تعالى أعلم أن يكون إذا لم تقطع العصمة بالزنا فالموارثة بأحكام الإسلام ثابتة عليها وإن زنت. ويدل إذا لم تقطع العصمة بينهما وبين زوجها بالزنا لا بأس أن ينكح امرأة وإن زنت إن ذلك لو كان يحرم نكاحها قطعت العصمة بين المرأة تزني عند زوجها وبينه. وأمر الله عز وجل في اللاتي يأتين الفاحشة من النساء بأن يحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا منسوخ بقول الله عز وجل:  الزانية والزاني  في كتاب الله ثم على لسان رسوله ﷺ. فإن قال قائل: فأين ما وصفت من ذلك. قيل إن شاء الله تعالى: أرأيت إذا أمر الله في اللاتي يأتين الفاحشة أن يحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا أليس بينا أن هذا أول ما أمر به في الزانية فإن قال: هذا وإن كان هكذا عندي فقد يحتمل أن يكون عندي حد الزنا في القرآن قبل هذا ثم خفف وجعل هذا مكانه إلا أن يدل عليه غير هذا. قيل له: إن شاء الله تعالى أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت في هذه الآية  حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا  قال: كانوا يمسكوهن حتى نزلت آية الحدود فقال النبي ﷺ:  خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: فلا أدري أسقط من كتابي حطان الرقاشي أم لا. فإن الحسن حدثه عن حطان الرقاشي عن عبادة بن الصامت. وقد حدثنيه غير واحد من أهل العلم عن الثقة عن الحسن عن حطان الرقاشي عن عبادة بن الصامت 
 

صفحة : 2540

 عن النبي ﷺ مثله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وهذا حديث يقطع الشك ويبين أن حد الزانيين كان الحبس أو الحبس والأذى فكان الأذى بعد الحبس أو قبله وأن أول ما حد الله به الزانيين من العقوبة في أبدانهما بعد هذا عند قول النبي ﷺ:  قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام  والجلد على الزانيين الثيبين منسوخ بأن رسول الله ﷺ رجم ماعز بن مالك ولم يجلده ورجم المرأة التي بعث إليها أنيسا ولم يجلدها وكانا ثيبين فإن قال قائل: ما عل على أن هذا منسوخ قيل له: أرأيت إذا كان أول ما حد الله به الزانيين الحبس أو الحبس والأذى ثم قال رسول الله ﷺ:  خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة والتغريب والثيب بالثيب الجلد والرجم  أليس في هذا دلالة على أن أول ما حدهما الله به من العقوبة في أبدانهما الحبس والأذى فإن قال: بلى. قيل: فإذا كان هذا أولا فلا نجد ثانيا أبدا إلا بعد الأول. فإذا حد ثان بعد الأول فخفف من حد الأول شيء فذلك دلالة على ما خفف الأول منسوخ عن الزاني. 

باب الشهادة في الطلاق 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل:  فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأمر الله عز وجل في الطلاق والرجعة بالشهادة وسمى فيها عدد الشهادة فانتهى إلى شاهدين. فدل ذلك على أن كمال الشهادة على الطلاق والرجعة شاهدان فإذا كان ذلك كمالها لم يجز فيها شهادة أقل من شاهدين لأن ما كان دون الكمال مما يؤخذ به الحق لبعض الناس من بعض فهو غير ما أمر بالأخذ به ولا يجوز أن يؤخذ بغير ما أمرنا بالأخذ به. وكذلك يدل على ما دل عليه ما قبله من نفي أن يجوز فيه إلا ذلك رجال لا نساء معهم. لأن شاهدين لا يحتمل بحال أن يكونا إلا رجلين فاحتمل أمر الله عز وجل بالإشهاد في الطلاق والرجعة ما احتمل أمره بالإشهاد في البيوع. ودل ما وصفت من أني لم ألق مخالفا حفظت عنه من أهل العلم أن حراما أن يطلق بغير بينة على أنه والله تعالى أعلم دلالة اختيار لا فرض يعصي به من تركه ويكون عليه أداؤه إن فات في موضعه واحتملت الشهادة على الرجعة من هذا ما احتمل الطلاق ويشبه أن تكون في مثل معناه لأنهما إذا تصادقا على الرجعة في العدة تثبت الرجعة وإن أنكرت المرأة فالقول قولها. كما إذا تصادقا على الطلاق يثبت وإن أنكر الرجل فالقول قوله والاختيار في هذا وفي 
 

صفحة : 2541

 غيره مما أمر فيه بالشهادة والذي ليس في النفس منه شيء الإشهاد. 

باب الشهادة في الدين 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل:  إذا تداينتم بدين إلى جل مسمى فاكتبوه  الآية والتي بعدها وقال في سياقها:  واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى  الآية فذكر الله عز وجل شهود الزنا وذكر شهود الطلاق والرجعة وذكر شهود الوصية فلم يذكر معهم امرأة. 
فوجدنا شهود الزنا يشهدون على حد لا مال. وشهود الطلاق والرجعة يشهدون على تحريم بعد تحليل وتثبيت تحليل لا مال في واحد منهما. وذكر شهود الوصية ولا مال للمشهود له أنه وصي. ثم لم أعلم أحدا من أهل العلم خالف في أن لا يجوز في الزنا إلا الرجال. وعلمت أكثرهم قال: ولا في الطلاق ولا الرجعة إذا تناكر الزوجان. وقالوا ذلك في الوصية. وكان ما حكيت من أقاويلهم دلالة على موافقة ظاهر كتاب الله عز وجل وكان أولى الأمور أن يصار إليه ويقاس عليه. وذكر الله شهود الدين فذكر فيهم النساء وكان الدين أخذ مال من المشهود عليه والأمر على ما فرق الله بينه من الأحكام في الشهادات أن ينظر كل ما شهد به على أحد فكان لا يؤخذ منه بالشهادة نفسها مال وكان إنما يلزم بها حق غير مال أو شهد به لرجل وكان لا يستحق به مالا لنفسه إنما يستحق به غير مال مثل: الوصية والوكالة والقصاص والحد وما أشبهه فلا يجوز فيه إلا شهادة الرجال لا يجوز فيه امرأة. وينظر كل ما شهد به مما أخذ به المشهود له من المشهود عليه مالا فتجوز فيه شهادة النساء مع الرجال لأنه في معنى الموضع الذي أجازهن الله فيه فيجوز قياسا لا يختلف هذا القول. فلا يجوز غيره والله تعالى أعلم ومن خالف هذا الأصل ترك عندي ما ينبغي أن يلزمه من معنى القرآن ولا أعلم لأحد خالفه حجة فيه بقياس ولا خبر لازم. وفي قول الله عز وجل:  فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى  دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث نجيزهن إلا مع رجل ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعدا لأن الله عز وجل لم يسم منهن أقل من اثنتين ولم يأمر بهن الله إلا مع رجل. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإن خالفنا أحد فقال: إن شهدت امرأتان لرجل حلف معهما فقد خالفه عدد أحفظ عنهم ذلك من أهل المدينة وغيرهم. وهذا أجاز النساء بغير رجل 
 

صفحة : 2542

 ويلزمه في أصل مذهبه أن يجيز أربعا فيعطي بهن حقا على مذهبه فيكون خلاف ما وصفت من دلالة الكتاب. فإن قال: إني إنما أجزت شهادتهما أنهما مع يمين رجل فينبغي أن لا يحلف امرأة إن أقامت شاهدا والذي يستحق به الرجل هو الذي تستحق به المرأة الحق لا فرق بينهما. وهكذا ينبغي أن لا يحلف مشرك ولا عبد ولا حر غير عدل مع أنه خلاف ما وصفت من دلالة الكتاب والله تعالى أعلم. وهذا قول لا يجوز لأحد أن يغلط إليه فإن قال: إني أعطي باليمين كما أعطي بشاهد فذلك بالخبر عن النبي ﷺ الذي لزمنا أن نقول بما حكم به لا أنها من جهة الشهادات. ولو كانت من جهة الشهادات ما أحلفنا الرجل وهو شاهد ولا أجزنا شهادته لنفسه. ولو جاز هذا ما جاز لغير عدل ولا جاز أن تحلف امرأة ولا عبد ولا كافر ولا غير عدل. فإن قال قائل: فما هي قيل: يمين أعطى بها رسول الله ﷺ فأعطينا بها كما كانت يمينا في المتلاعنين وللنبي ﷺ في المدعى عليه فأحلفنا في ذلك المرأة والرجل والحر العدل وغير العدل والعبد والكافر لا أنها من الشهادات بسبيل. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد حكيت مما ذكر الله عز وجل في كتابه من الشهادات وكان الكتاب كالدليل على أنها يحكم بها على ما فرض الله بغير يمين على من كانت له تلك الشهادات وكانت على ذلك دلالة السنة ثم الأثار. وما لا أعلم بين أحد لقيته فحفظت عنه من أهل العلم في ذلك مخالفا قال: وذكر الله عز وجل في الزنا أربعة وذكر في الطلاق والرجعة والوصية اثنين ثم كان القتل والجراح من الحقوق التي لم يذكر فيها عدد الشهود الذين يقطع بهم فاحتمل أن تقاس على شهود الزنا وأن تقاس على شهود الطلاق وما سمينا معه فلما احتمل المعنيين معا ثم لم أعلم مخالفا لقيته من أهل العلم إلا واحدا في أنه يجوز فيما سوى الزنا شاهدان فكان الذي عليه أكثر من لقيت من أهل العلم أولى أن يقال به مما انفرد به واحد لا أعرف له متقدما إذا احتمل القياس خلاف قوله وإن احتمل القياس قوله. وكذلك شهادة الشهود على الخمر وغير ذلك وكذلك الشهادة على القذف. فإن قال قائل: فإن الله عز وجل يقول في القذفة:  لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء  الآية وقال:  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة  قيل له هذا كما قال الله عز وجل: لأن الله حكم في الزنا بأربعة. فإذا قذف رجل رجلا بالزنا لم يخرجه من الحد إلا أن يقيم عليه بينة بأنه زان ولا يكون عليه بينة 
 

صفحة : 2543

 تقطع أقل من أربعة وما لم يتموا أربعة فهو قاذف يحد. وإنما أريد بالأربعة أن يثبت عليه الزنا فيخرج من ذلك القاذف وبحد المشهود عليه المقذوف وحكمهم معا حكم شهود الزنا لأنهن شهادات على الزنا لا على القذف فإذا قام على رجل شاهدان بأنه قذف رجلا حد لأنه لم يذكر عدد شهود القذف فكان قياسا على الطلاق وغيره مما وصفت. ولا يخرج من أن يحد له إلا بأربعة شهداء يثبتون الزنا على المقذوف فيحد ويكون هذا صادقا في الظاهر. والله تعالى الموفق. 

اليمين مع الشاهد 
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأكثر ما جعل الله عز وجل من الشهود في الزنا أربعة وفي الدين رجلان أو رجل وامرأتان. فكان تفريق الله عز وجل بين الشهادات على ما حكم الله عز وجل من أنها مفترقة واحتمل إذا كان أقل ما ذكر الله من الشهادات شاهدين أو شاهدا وامرأتين أن يكون أراد ما تتم به الشهادة بمعنى: لا يكون على المشهود له يمين إذا أتى بكمال الشهادة فيعطى بالشهادة دون يمينه لا أن الله عز وجل حتم أن لا يعطى أحد بأقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين لأنه لم يحرم أن يجوز أقل من ذلك نصا في كتاب الله عز وجل. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وبهذا نقول. لأن عليه دلالة السنة ثم الآثار وبعض الإجماع والقياس فقلنا: يقضي باليمين مع الشاهد فسألنا سائل ما رويت منها فقلنا: أخبرنا عبد الله بن الحرث عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد قال عمرو: في الأموال أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ربيعة بن عثمان عن معاذ بن عبد الرحمن عن ابن عباس ورجل آخر من أصحاب رسول الله ﷺ سماه لا أحفظ اسمه. أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن جعفر بن محمد قال سمعت الحكم بن عتيبة يسأل أبي: أقضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد قال: نعم وقضى بها علي رضي الله تعالى عنه بين أظهركم. قال مسلم: وقال جعفر في حديثه: في الدين. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فحكمنا باليمين مع الشاهد في الأموال دون ما سواها. وما حكمنا فيه باليمين مع الشاهد أجزنا فيه شهادة النساء مع الرجال وما لم نحكم فيه باليمين مع الشاهد لم نجز فيه 
 

صفحة : 2544

 شهادة النساء مع الرجال استدلالا بمعنى كتاب الله عز وجل الذي وصفت في شهادتهن قبل هذا. 
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: فخالفنا بعض الناس في اليمين مع الشاهد خلافا أسرف فيه على نفسه فقال: أرد حكم من حكم بها لأنها خلاف القرآن فقلت لأعلى من لقيت ممن خالفنا فيها علما: أمر الله بشاهدين أو شاهد وامرأتين فقال: نعم. فقلت: ففيه أن حتما من الله عز وجل أن لا يجوز أقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين فقال: فإن قلته قلت له: فقله. فقال: فقد قلته. فقلت: وتجد من الشاهدان اللذان أمر الله عز وجل بهما فقال: حران مسلمان بالغان عدلان قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله. قال: نعم. قلت له: إن كان كما زعمت فقد خالفت حكم الله عز وجل قال: وأين قلت: إذ أجزت شهادة أهل الذمة وهم غير الذين شرط الله جل وعز أن تجوز شهادتهم وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة وهذان وجهان أعطيت بهما من جهة الشهادة ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها. قال: فتقول ماذا. قلت: أقول إن القضاء باليمين مع الشاهد ليس بخلاف حكم الله عز وجل بل بحكم الله حكمت باليمين مع الشاهد ففرض الله طاعة رسوله فاتبعت رسوله فعن الله قبلت كما قبلت عن رسول الله ﷺ على المعنى الذي وصفت من أن اتباع أمره فرض. ولهذا كتاب طويل هذا مختصر منه قد قالوا فيه وقلنا وأكثرنا قال: أفتوجدني لها نظيرا في القرآن. قلت: نعم أمر الله عز وجل في الوضوء بغسل القدمين أو مسحهما فمسحنا ومسحت على الخفين بالسنة وقول الله عز وجل:  قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما  فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة وقول الله عز وجل:  كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم  فحرمنا نحن وأنت أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها بالسنة قال الله عز وجل:  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  وقال  الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة  ودلت السنة على أنه إنما يقطع بعض السراق دون بعض ويجلد مائة بعض الزناة دون بعض فقلنا نحن وأنت به وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد خاصا وعاما فكذلك اليمين مع الشاهد تلزمك من حيث لزمك هذا فإن كنت مصيبا باتباع ما وصفنا من السنة مع القرآن لم تسلم من أن تكون مخطئا بترك اليمين مع الشاهد وإن كنت مصيبا بترك اليمين مع الشاهد لم تسلم من أن يكون 
 

صفحة : 2545

 عليك ترك المسح على الخفين وترك تحريم كل ذي ناب من السباع وقطع كل سارق. فقد خالفك في هذا كله بعض أهل العلم ووافقنا في اليمين مع الشاهد عوام من أصحابنا. ومنهم من خالف أحاديث عن النبي ﷺ هي أثبت من اليمين مع الشاهد وإن كانت اليمين ثابتة لعلة أضعف من كل علة اعتل بها من رد اليمين مع الشاهد فإن كانت لنا وله بهذا حجة على من خالفنا كانت عليه فيما خالف من الأحاديث. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى الولاد وعيوب النساء مما لم أعلم مخالفا لقيته: في أن شهادة النساء فيه جائزة لا رجل معهن وهذا حجة على من زعم أن في القرآن دلالة على أن لا يجوز أقل من شاهدين أو شاهد واحد وامرأتين لأنه لا يجوز على جماعة أهل العلم أن يخالفوا الله حكما ولا يجهلوه. ففيه دلالة على أن أمر الله بشاهدين أو شاهد وامرأتين حكم لا يمين على من جاء به مع الشاهد والحكم باليمين مع الشاهد حكم بالسنة لا مخالف للشاهدين لأنه غيرهما ثم اختلفوا في شهادة النساء أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: لا يجوز في شهادة النساء لا رجل معهن في أمر النساء أقل من أربع عدول. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وبهذا نأخذ. فإن قال قائل: فكيف أخذت به قلت: لما ذكر الله عز وجل شهادة النساء فجعل امرأتين يقومان مقام رجل في الموضع الذي أجازهما الله تعالى فيه وكان أقل ما انتهى إليه من عدد الرجال رجلين في الشهادات التي تثبت بها الحقوق ولا يحلف معها المشهود له شاهدين أو شاهدا وامرأتين لم يجز والله تعالى أعلم إذا أجاز المسلمون شهادة النساء في موضع أن يجوز منهن إلا أربع عدول لأن ذلك معنى حكم الله عز وجل. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فقال بعض الناس: تجوز شهادة امرأة وحدها كما يجوز في الخبر شهادة واحد عدل. وليس من قبل الشهادات أجزتها. وإن كان من قبل الشهادات أجزتها لم أجز إلا ما ذكرت من أربع أو خير شاهد وامرأتين. فقيل لبعض من يقول هذا القول: وأين الخبر من الشهادة قال: وأين يفترقان قلت: تقبل في الخبر كما قلت امرأة واحدة ورجلا واحدا وتقول فيه. أخرنا فلان عن فلان أفتقبل هذا في الشهادات فقال لا. قلت: والخبر هو ما استوى فيه المخبر والمخبر والعامة من حلال وحرام. قال: نعم. قلت: والشهادة ما كان الشاهد منها خليا والعامة وإنما تلزم المشهود عليه قال: نعم. قلت: أفترى هذا يشبه هذا قال: أما في 
 

صفحة : 2546

 هذا فلا قلت: أفرأيت لو قال لك قائل: إذا قبلت في الخبر فلانا عن فلان فاقبل في أن تخبرك امرأة عن امرأة. أن امرأة رجل ولدت هذا الولد قال: ولا أقبل هذا حتى أقف التي شهدت أو يشهد عليها من تجوز شهادته بأمر قاطع. قلت: وأنزلته منزلة الخبر قال: أما في هذا فلا. 
قلت: ففي أي شيء أنزلته منزلة الخبر هل عدوت لهذا أن قلت: هو بمنزلة الخبر ولم تقسه في شيء غير الأصل الذي قلت فأسمعك إذا تضع الأصول لنفسك. قال: فمن أصحابك من قال: لا يجوز أقل من شهادة امرأتين. قلت له: هل رأيتني أذكر لك قولا لا تقول له قال: لا. قلت: فكيف ذكرت لي ما لا أقول له قال: فإلي أي شيء ذهب من ذهب إلى ما ذهبنا إليه من أنه خبر لا شهادة ولا إلى ما ذهبت إليه من أن تقول له على معنى كتاب الله وما أعرف له متقدما يلزم قوله. فقلت له: أن تنتقل عن قولك الذي يلزمك فيه عندي أن تنتقل عنه أولى بك من ذكر قول غيرك فهذا أمر لم نكلفه نحن ولا أنت ولولا عرضك بترفيع قولك وتخطئة. من خالفك كنا شبيها أن ندع حكاية قولك قال: فإن شهد على شيء من ذلك رجلان أو رجل وامرأتان قلت أجيز الشهادة وتكون أوثق عندي من شهادة النساء لا رجل معهن. قال: وكيف لم تعدهم بالشهادة فساقا ولا تجيز شهادتهم قلت: الشهادة غير الفسق. قال: فادللني على ما وصفت. قلت: قال الله عز وجل:  واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  قال رسول الله ﷺ لسعد حين قال له: أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال:  نعم  والشهود على الزنا نظروا من المرأة إلى محرم ومن الرجل إلى محرم فلو كان النظر لغير إقامة شهادة كان حراما فلما كان لإقامة شهادة لم يجز أن يأمر الله عز وحل ثم رسول الله ﷺ إلا بمباح لا بمحرم فكل من نظر ليثبت شهادته لله أو للناس فليس بجرح. ومن نظر لتلذذ وغير شهادة عامدا كان جرحا إلا أن يعفو الله عنه. M0ا شرط الذين تقبل شهادتهم قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل:  اثنان ذوا عدل منكم  وقال عز وجل:  واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: وكان الذي يعرف من خوطب بهذا أنه أريد به الأحرار المرضيون المسلمون من قبل أن رجالنا ومن نرضاه أهل ديننا لا المشركون لقطع الله الولاية بيننا وبينهم بالدين. ورجالنا أحرارنا والذين نرضى أحرارنا لا مماليكنا الذين يغلبهم من 
 

صفحة : 2547

 يملكهم على كثير من أمورهم وأنا لا نرضى أهل الفسق منا. وأن الرضا إنما يقع على العدل منا ولا يقع إلا على البالغين لأنه إنما خوطب بالفرائض البالغون دون من لم يبلغ. فإذا كانت الشهادة ليقطع بها لم يجز أن يتوهم أحد أنه يقطع بمن لم يبلغ أكثر الفرائض فإذا لم يلزمه أكثر الفرائض في نفسه لم يلزمه غيره فرضا بشهادته. ولم أعلم مخالفا لقيته في أنه أريد بها الأحرار العدول في كل شهادة على مسلم غير أن من أصحابنا من ذهب إلى أن يجيز شهادة الصبيان في الجراح ما لم يتفرقوا فإذا تفرقوا لم تجز شهادتهم عنده. وقول الله تبارك وتعالى:  من رجالكم  يدل على أن لا تجوز شهادة الصبيان والله أعلم في شيء. فإن قال قائل: أجازها ابن الزبير قيل: فإن ابن عباس ردها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في شهادة الصبيان لا تجوز. وزاد ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس. لأن الله عز وجل قال:  ممن ترضون من الشهداء  قال: ومعنى الكتاب مع ابن عباس والله تعالى أعلم. فإن قال: أردت أن تكون دلالة. قيل: وكيف تكون الدلالة بقول صبيان منفردين إذا تفرقوا لم يقبلوا إنما تكون الدلالة بقول البالغين الذين يقبلون بكل حال فأشبه ما وصفت أن يكون دليلا على أن حكم الله فيمن تجوز شهادته هو من وصفت ممن يشبه أن تكون الآية دلت على صفته ولا تجوز شهادة مملوك في شيء وإن قل ولا شهادة غير عدل. 

ID ' '   والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب - الحذف كما حكاه 

 الكسائي وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه والزمخشري فينبغي أن 

 يتوقف فيه إذ ليس في كلامه تصريح بنقله نعم: جواز الوجهين قد ثبت من كلام سيبويه كما 

 سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب. 

 وطعن بعضهم في حكاية الكسائي ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث بمثله 

 ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي وكل منهم إمام وتوجيهها: أنه لما ثبت 

 جواز: سرت خمسا وأنت تريد الأيام والليالي جميعا كما سبق من كلام سيبويه وكما دلت 

 عليه الآية الكريمة وما ذاك إلا لتغليب الليالي على الأيام وجعل الأيام تابعة لليالي أجري عليها 

 هذا الحكم عند إرادة الأيام وحدها كقولك: سرت خمسا وأنت تريد الأيام. أو: صمت 

 خمسا إذ لا يمكن إرادة الليالي في الصوم وصار اليوم كأنه مندرج تحت اسم الليلة وجزء منها 

 

صفحة : 2548


باب شهادة القاذف 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى:  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا  قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأمر الله عز وجل أن يضرب القاذف ثمانين ولا تقبل له شهادة أبدا وسماه فاسقا إلا أن يتوب. فقلنا: يلزم أن يضرب ثمانين وأن لا تقبل له شهادة وأن يكون عندنا في حال من سمي بالفسق إلا أن يتوب فإذا تاب قبلت شهادته وخرج من أن يكون في حال من سمي بالفسق. قال: وتوبته إكذابه نفسه. فإن قال قائل: فكيف تكون التوبة الإكذاب. قيل له: إنما كان في حد المذنبين بأن نطق بالقذف وترك الذنب هو أن يقول: القذف باطل وتكون التوبة بذلك. وكذلك يكون الذنب في الردة بالقول بها والتوبة الرجوع عنها بالقول فيها بالإيمان الذي ترك. فإن قال قائل: فهل من دليل على هذا ففيما وصفت كفاية وفي ذلك دليل عن عمر سنذكره في موضعه. فإن كان القاذف يوم قذف ممن تجوز شهادته فحد قيل له مكانه: إن تبت قبلت شهادتك فإذا أكذب نفسه قبلت شهادته وإن لم يفعل لم تقبل حتى يفعل لأن الذنب الذي ردت به شهادته هو القذف فإذا أكذب نفسه فقد تاب. وإن قذف وهو ممن لا تجوز شهادته ثم تاب لم تقبل شهادته من قبل أن ردها كان من وجهين: أحدهما سوء حاله قبل أن يقذف. والآخر: القذف. فإذا خرج من أحد الوجهين لم يخرج من الوجه الآخر ولكن يكون خارجا من أن يكون فيه علة رد الشهادة بالقذف فإذا أكذب نفسه وثبت عليه علة رد الشهادة بسوء الحال حتى تختبر حاله فإذا ظهر منه الحسن قبلت شهادته. وهكذا لو حد مملوك حسن الحال ثم عتق لم تقبل شهادته إلا بإكذابه نفسه في القذف. وهكذا لو حد ذمي حسن الحال فأسلم لم تقبل شهادته إلا بإكذابه نفسه في القذف. فقال لي قائل: أفتذكر في هذا حديثا فقلت: إن الآية لمكتفى بها من الحديث وإن فيه لحديثا أخبرنا للربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخبرني ثم سمى الذي أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لأبي بكرة  تب تقبل شهادتك أو إن تبت قبلت شهادتك  قال سفيان: شككت بعد ما سمعت الزهري يسمي الرجل فسألت فقال لي عمر بن قيس هو سعيد بن المسيب فقيل لسفيان: شككت في خبره فقال: لا هو سعيد إن شاء الله تعالى. قال الشافعي رحمه الله 
 

صفحة : 2549

 تعالى: وبلغني عن ابن عباس مثل هذا المعنى أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن أبي نجيح أنه قال في القاذف: إذا تاب قبلت شهادته وقال: كلنا نقوله فقلت من قال عطاء وطاوس ومجاهد. 

باب الخلاف في إجازة شهادة القاذف 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فخالفنا بعض الناس في القاذف فقال: إذا ضرب الحد ثم تاب لم تجز شهادته أبدا. وإن لم يضرب الحد أو ضربه ولم يوفه جازت شهادته. فذكرت له ما ذكرت من معنى القرآن والآثار فقال: فإنا ذهبنا إلى قول الله عز وجل:  ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا  فقلنا: نطرح عنهم اسم الفسق ولا نقبل لهم شهادة. 
فقلت لقائل هذا: أو تجد الأحكام عندك فيما يستثنى على ما وصفت فيكون مذهبا ذهبتم في اللفظ أم الأحكام عندك في الاستثناء على غير ما وصفت فقال: أوضح هذا لي. قلت: أرأيت رجلا لو قال: والله لا أكلمك أبدا ولا أدخل لك بيتا ولا آكل لك طعاما ولا أخرج معك سفرا وإنك لغير حميد عندي ولا أكسوك ثوبا إن شاء الله تعالى أيكون الاستثناء واقعا على ما بعد قوله أبدا أو على ما بعد غير حميد عندي أو على الكلام كله قال: بل على الكلام كله. قلت: فكيف لم توقع الاستثناء في الآية على الكلام كله وأوقعتها في هذا الذي هو أكثر في اليمين على الكلام كله أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي قال محمد بن الحسن: إن أبا بكرة قال لرجل أراد استشهاده: استشهد غيري فإن المسلمين فسقوني. قلت: فالرجل الذي وصفت امتنع من أن يتوب من القذف وأقام عليه وهكذا كل من امتنع أن يتوب من القذف. ولو لم يكن لنا في هذا إلا ما رويت كان حجة عليك قال: وكيف قلت: إن كان الرجل عندك ممن تاب من القذف بالرجوع عنه فقد أخبر عن المسلمين أنهم فسقوه وأنت تزعم أنه إذا تاب سقط عنه اسم الفسق. وفيما قال دلالة على أن المسلمين لا يلزمونه اسم الفسق إلا وشهادته غير جائزة. 
قلت: ولا يجيزون شهادته إلا وقد أسقطوا عنه اسم الفسق لأنهم لا يفرقون بين إسقاط اسم الفسق عنه بالتوبة وإجازة شهادته بسقوط الاسم عنه كما تفرق بينه. وإذا كنت تقبل شهادة القاتل والزاني والمستتاب من الردة. إذا تاب فكيف خصصت بها القاذف وهو أيسر ذنبا من غيره قال: تأولت فيه القرآن. قلت: تأولك خطأ على لسانك. قال: قاله شريح. قلت: أفتجعل شريحا حجة على كتاب. الله وقول عمر بن الخطاب وابن عباس ومن سميت 
 

صفحة : 2550

 وغيرهم والأكثر من أهل المدينة ومكة وكيف زعمت إن لم يطهر بالحد قبلت شهادته وإذا طهر بالحد لم تقبل شهادته إذا كان تائبا في الحالين والله تعالى أعلم. 

باب التحفظ في الشهادة 
قال الله عز وجل:  ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا  وقال الله عز وجل:  إلا من شهد بالحق وهم يعلمون  أخبرنا الربيع قال. قال الشافعي رحمه الله تعالى وحكي أن إخوة يوسف وصفوا أن شهادتهم كما ينبغي لهم فحكي أن كبيرهم قال:  ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين  قال: ولا يسع شاهدا أن يشهده إلا بما علم والعلم من ثلاثة وجوه: منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعا من المشهود عليه ومنها ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان وتثبت معرفته في القلوب فيشهد عليه بهذا الوجه وما شهد به رجل على رجل أنه فعله أو أقر به لم يجز إلا أن يجمع أمرين: أحدهما أن يكون يثبته بمعاينة. والآخر: أن يكون يثبته سمعا مع إثبات بصر حين يكون الفعل. وبهذا قلت: لا تجوز شهادة الأعمى إلا أن يكون أثبت شيئا معاينة أو معاينة وسمعا ثم عمي فتجوز شهادته لأن الشهادة إنما تكون يوم يكون الفعل الذي يراه الشاهد أو القول الذي أثبته سمعا وهو يعرف وجه صاحبه. فإذا كان ذلك قبل يعمى ثم شهد عليه حافظا له بعد العمى جاز. 
وإذا كان القول والفعل وهو أعمى لم يجز من قبل أن الصوت يشبه الصوت. وإذا كان هذا هكذا كان الكتاب أحرى أن لا يحل لأحد أن يشهد عليه والشهادة في ملك الرجل الدار أو الثوب على تظاهر الأخبار بأنه مالك الدار وعلى أن لا يرى منازعا له في الدار والثوب فيثبت ذلك في القلب فيسع الشهادة عليه وعلى النسب إذا سمعه ينتسب زمانا أو سمع غيره ينسبه إلى نسبه ولم يسمع دافعا ولم ير دلالة يرتاب لها. وكذلك يشهد على عين المرأة ونسبها إذا تظاهرت له أخبار من يصدق لأنها فلانة ويراها مرة بعد مرة وهذا كله شهادة بعلم كما وصفت. وكذلك يحلف الرجل على ما يعلم بأحد هذه الوجوه فيما أخذ له مع شاهد وفي رد اليمين وغير ذلك. والله تعالى الموفق. 

ID ' '   فيدل عليه باسمها سواء أريدت حقيقة ذلك الاسم من الليلة واليوم تابع لها أم لم ترد واقتصر 

 على إرادة ما يتبعها وهو اليوم. 

 

صفحة : 2551


باب الخلاف في شهادة الأعمى 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فخالفنا بعض الناس في شهادة الأعمى فقال: لا تجوز حتى يكون بصيرا يوم شهد ويوم رأى وسمع أو رأى إن لم يسمع إذا شهد على رؤية. فسألناهم: فهل من حجة كتاب أو سنة أو أثر يلزم فلم يذكروا من ذلك شيئا لنا وكانت حجتهم فيه أن قالوا: إنا احتجنا إلى أن يكون يرى يوم شهد كما احتجنا إلى أن يكون يرى يوم عاين الفعل أو سمع القول من المشهود عليه ولم تكن واحدة من الحالين أولى له من الأخرى. فقلت له: أرأيت الشهادة أليست ليوم يكون القول أو الفعل وإن يقم لها لعد ذلك بدهر. قال: بلى قلت: فإذا كان القول والفعل وهو بصير سميع مثبت ثم شهد له بعد عاقلا أعمى لم تجز شهادته قال: فأقول لغير الأول لا يجوز إلا لأمرين. قلت: أفيجوز أن يشهد على فعل رحل حي ثم يموت الرحل فيقوم بالشهادة وهو لا يرى الرجل ويقوم بالشهادة على آخر وهو غائب لا يراه قال: نعم. قلت: فما علمتك تثبت لنفسك حجة إلا خالفتها ولو كنت لا تجيزها إذا أثبتها بصير وشهد لها أعمى لأنه لا يعاين المشهود عليه لأن ذلك حق عندك لزمك أن لا تجيزها بصيرا على ميت ولا غائب لأنه لا يعاين واحدا منهما. أما الميت فلا يعاينه في الدنيا. وأما الغائب ببلد فأنت تجيزها وهو لا يراه. قال: فإن رجعت في الغائب فقلت: لا أجيزها عليه. فقلت: أفترجع في الميت وهو أشد عليك من الغائب قال: لا. قال: فإن من أصحابك من يجيز شهادة الأعمى لكل حال إذا أثبت كما يثبت أهله فقلت: إن كان هذا صوابا فهو أبعد لك من الصواب. قال: فلم لم تقل به قلت: ليس فيه أثر يلزم فأتبعه ومعنا القرآن والمعقول بما وصفت من أن الشهادة فيما لا يكون إلا بعيان أو عيان وإثبات سمع. ولا يحوز أن تحوز شهادة من لا يثبت بعيان لأن الصوت يشمه الصوت. قال: ويخالفونك في الكتاب قلت: وذلك أبعد من أن تجوز الشهادة عليه وقولهم فيه متناقض ويزعمون أنه لا يحل لي لو عرفت كتابي ولم أذكر الشهادة أن أشهد إلا وأنا ذاكر ويزعمون أني إن عرفت كتاب ميت حل لي أن أشهد عليه وكتابي كان أولى أن أشهد عليه من كتاب غيري. 
ولو أجاز أن أفرق بينهما جاز أن أشهد على كتابي ولا أشهد على كتاب غيري ولا يجوز واحد منهما لما وصفت من معنى كتاب الله عز وجل قال: فإنا نحتج عليك في أنك تعطي بالقسامة وتحلف الرجل مع شاهده على ما غاب بأنهم قد يحلفون على ما لا يعلمون. قلت: 
 

صفحة : 2552

 يحلفون على ما يعلمون من أحد الوجوه الثلاثة التي وصفت لك. قلت: فإن قال: لا يكون إلا من المعاينة والسماع. فقلت له: أترك هذا القول إذا سئلت. قال: فاذكر ذلك. قلت: أرأيت الشهادة على النسب والملك أتقبلهما من الوجوه التي قبلناها منها قال: نعم. قلت: وقد يمكن أن ينتسب الرجل إلى غير نسبه لم ير أباه يقربه ويمكن أن تكون الدار في يدي الرجل وهو لا يملكها قد غصبها أو أعاره إياها غائب ويمكن ذلك في الثوب والعبد. قال: فقد أجمع الناس على إجازة هذا قلنا: وإن كانوا أجمعوا ففيه دلالة لك على أن القول كما قلنا دون ما قلت. أو رأيت عبدا ابن خمسين ومائة سنة ابتاعه ابن خمس عشرة سنة ثم باعه وأبق عند المشتري فخاصمه فيه فقال: أحلفه لقد باعه إياه بريا من الإباق. فقلت: وقال لك هذا ولد بالمشرق وأنا بالمغرب ولا تمكنني المسألة عنه لأنه ليس ها هنا أحد من أهل بلده أثق به. قال: يحلف على البت وإنما يرجع في ذلك إلى علمه. قلت: ويسعك ذلك ويسع القاضي قال: نعم. قلت: أرأيت قوما قتل أبوهم فأمكنهم أن يعترفوا القاتل أو يعاينوه أو يخبرهم من عاينه ممن مات أو غاب ممن يصدق عندهم ولا تجوز شهادتهم عندي أليسوا أولى أن يقسموا من صاحب العبد الذي وصفها أن يحلف والله تعالى أعلم. 

ID ' '   ونقل أبو حيان أنه يقال: صمت خمسة وأنه فصيح. وهذا إن صح لا يعارض قول سيبويه 

 والزمخشري لأنهما إنما قالا فيما يمكن إرادة الليالي والأيام جميعا ولا شك أنه عند إراتهما تغلب 

 الليالي فيضعف التذكير وأما عند إرادة المذكر فقط فالتذكير وإثبات الهاء هو الأصل والحذف 

 ورد في الحديث وحكاه الكسائي فالوجهان فيه فصيحان بخلاف القسم الأول فإن الحذف فيه 

 أفصح هذا إن ثبت: صمنا خمسة كما ادعاه أبو حيان ولعله أخذه من ابن عصفور فإن 

 ثبت ذلك صريحا من كلام غيره وإلا فليتوقف فيه. 

 وقال شيخنا أبو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط المعدود أو 

 ثبوت الهاء في (ستة) مع ثبوت الأيام هو المحفوظ الفصيح وورد في بعض الطرق المتقدمة 

 للدراوردي وحفص بن غياث ثبوت الهاء في: (ستة من شوال) مع سقوط الأيام وهو غريب 

 غير صحيح ولا فصيح. انتهى ما قاله وذكر ذلك في فضل إتباع رمضان بست من شوال 

 وجمع فيه طرق الحديث الوارد فيها فرواه من نيف وستين طريقا ليس فيها ثبوت التاء مع 

 سقوط المعدود إلا من الطريقين اللذين ذكرهما وهو غلط من بعض الرواة الذين لا يتقنون لفظ 

 

صفحة : 2553


باب ما يجب على المرء من القيام بشهادته 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى:  يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى  وقال:  يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء له  إلى آخر الآية وقال:  وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى  وقال:  والذين هم بشهاداتهم قائمون  وقال عز وجل:  ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم  وقال:  وأقيموا الشهادة لله  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات أنه في الشاهد وقد لزمته الشهادة وإن فرضا عليه أن يقوم بها على والديه وولده والقريب والبعيد وللبغيض القريب والبعيد ولا يكتم عن أحد ولا يحابي بها ولا يمنعها أحدا. قال: ثم تتفرع الشهادات فيجتمعون ويختلفون فيما يلزم منها ما لا يلزم ولهذا كتاب غير هذا. 

باب ما علي من دعي يشهد بشهادة قبل أن يسألها 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل:  إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل  إلى قوله:  ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: في قول الله عز وجل:  ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله  دلالة على أن عليه فيما علمه الله من الكتاب حقا في منفعة المسلمين ويحتمل ذلك الحق أن يكون كلما لحق كتبه. لا بد ويحتمل أن يكون عليه وعلى من هو في مثل حاله: أن يقوم منهم من يكفي حتى لا تكون الحقوق معطلة لا يوجد لها في الابتداء من يقوم بكفايتها والشهادة عليها فيكون فرضا لازما على الكفاية. فإذا قام بها من يكفي أخرج من يتخلف من المأثم والفضل للكافي على المتخلف فإذا لم يقم به كان حرج جميع من دعي إليه فتخلف بلا عذر كما كان الجهاد والصلاة على الجنائز ورد السلام فرضا على الكفاية لا يحرج المتخلف إذا كان فيمن يقوم بذلك كفاية فلما احتمل هذين المعنيين معا وكان في سياق الآية  ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  كان فيها كالدليل على أنه نهى الشهداء المدعوون كلهم أن يأبوا قال:  ولا يضار كاتب ولا شهيد  فأشبه أن يكون يحرج من ترك ضرارا وفرض القيام بها في الابتداء على الكفاية وهذا يشبه والله تعالى أعلم ما وصفت من الجهاد والجنائز ورد السلام. وقد حفظت عن بعض أهل العلم قريبا من هذا المعنى ولم أحفظ خلافه عن أحد أذكره. 

 

صفحة : 2554


الدعوى والبينات 
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:  البينة على المدعي  . 

باب في الأقضية 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى:  يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وقال لنبيه ﷺ في أهل الكتاب:  فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم  إلى:  وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين  وقال:  وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك  وقال:  وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل  قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأعلم الله نبيه ﷺ أن فرضا عليه وعلى من قبله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل والعدل اتباع حكمه المنزل. قال الله عز وجل لنبيه ﷺ حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب:  وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ووضع الله نبيه ﷺ من دينه وأهل دينه موضع الإبانة عن كتاب الله عز وجل معنى ما أراد الله وفرض طاعته فقال:  من يطع الرسول فقد أطاع الله  وقال:  فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم  الآية. وقال:  فليحذر الذين يخالفون عن أمره  الآية. فعلم أن الحق كتاب الله ثم سنة نبيه ﷺ فليس لمفت ولا لحاكم أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالما بهما ولا أن يخالفهما ولا واحدا منهما بحال. فإذا خالفهما فهو عاص لله عز وجل وحكمه مردود فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد بأن يطلبا كما يطلب الاجتهاد بأن يتوجه إلى البيت وليس لأحد أن يقول مستحسنا على غير الاجتهاد كما ليس لأحد إذا غاب البيت عنه أن يصلي حيث أحب ولكنه يجتهد في التوجه إلى البيت. وهذا موضوع بكماله في كتاب جماع علم الكتاب ثم السنة. 

ID ' '   الحديث. 

 وذكر الواحدي وغيره من المفسرين أن سقوط التاء من قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن أربعة 

 أشهر وعشرا) لتغليب الليالي على الأيام. انتهى. 

 

صفحة : 2555


باب في اجتهاد الحاكم 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى:  وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما  قال الحسن بن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا لصوابه وأثنى على هذا باجتهاده أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الدراوردي عن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بشر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ:  إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر  . قال يزيد: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة. ومن أمر أن يجتهد على مغيب فإنما كلف الاجتهاد ويسعه فيه الاختلاف. فيكون فرضا على المجتهد أن يجتهد برأي نفسه لا برأي غيره أنه ليس لأحد أن يقلد أحدا من أهل زمانه كما لا يكون لأحد له علم بالتوجه إلى القبلة يرى أنه في موضع أن يقلد غيره إن رأى أنها في غير ذلك الموضع. وإذا كلفوا الاجتهاد فبين أن الاستحسان بغير قياس لا يجوز كلف لأحد قال والقياس قياسان: أحدهما يكون في مثل معنى الأصل فذلك الذي لا يحل لأحد خلافه. ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل والشيء من الأصل غيره فيشبه هذا بهذا الأصل ويشبه غيره بالأصل غيره. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وموضع الصواب فيه عندنا والله تعالى أعلم أن ينظر فأيهما كان أولى بشبهه صيره إليه. إن أشبه أحدهما في خصلتين والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين. 
ومن اجتهد من الحكام ثم رأى أن اجتهاده خطأ أو قد خالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو شيئا في مثل معنى هذا رده ولا يسعه غير ذلك. وإن كان مما يحتمل ما ذهب إليه ويحتمل غيره لم يرده من ذلك أن على من اجتهد على مغيب فاستيقن الخطأ كان عليه الرجوع. ولو صلى على جبل من جبال مكة ليلا فتأخى البيت ثم أبصر فرأى البيت في غير الجهة التي صلى إليها أعاد. وإن كان بموضع لا يراه لم يعد من قبل أنه رجع في المرة الأولى من مغيب إلى يقين وهو في هذه المرة يرجع من مغيب إلى مغيب وهذا موضوع في كتاب جماع العلم من الكتاب والسنة وكتاب القضاء والحق في الناس كلهم واحد ولا يحل أن يترك الناس يحكمون بحكم بلدانهم إذا كانوا يختلفون فيما فيه كتاب أو سنة أو شيء في مثل معناهما حتى يكون حكمهم 
 

صفحة : 2556


باب التثبت في الحكم وغيره 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تعالى:  يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  الآية وقال:  إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا  قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأمر الله من يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون مستبينا قبل أن يمضيه ثم أمر رسول الله ﷺ في الحكم خاصة أن لا يحكم الحاكم وهو غضبان لأن الغضبان مخوف على أمرين: أحدهما قلة التثبت. والآخر: أن الغضب قد يتغير معه العقل ويتقدم به صاحبه على ما لم يكن يتقدم عليه لو لم يكن غضب. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:  لا يحكم الحاكم أو لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: ومعقول في قول النبي ﷺ هذا أنه أراد أن يكون القاضي حين يحكم في حال لا تغير خلقه ولا عقله والحاكم أعلم بنفسه فأي حال أتت عليه تغير خلقه أو عقله انبغى له أن لا يقضي حتى تذهب وأي حال صيرت إليه سكون الطبيعة واجتماع العقل انبغى له أن يتعاهدها فيكون حاكما عندها وقد روي عن الشعبي - وكان قاضيا أنه رئي أنه يأكل خبزا بجبن فقيل له فقال: آخذ حكمي كأنه يريد أن الطعام يسكن حر الطبيعة وأن الجوع يحرك حرها وتتوق النفس إلى المأكل فيشتغل عن الحكم وإذا كان مريضا شقيحا أو تعبا شقيحا فكل هذا في حال الغضب في بعض أمره أو أشد يتوقى الحكم ويتوقاه على الملالة فإن العقل يكل مع الملالة وجماعه ما وصفت. 

ID ' '   هذا كله في الأيام والليالي أما إذا كان المعدود مذكرا أو مؤنثا غيرها فلا وجه إلا مطابقة 

 القاعدة الأصلية من إثبات التاء في المذكر وحذفها في المؤنث ذكرت المعدود أو حذفته قال 

 تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون 

 خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) وقال تعالى: (ما يكون م 

 ثلاثة إلا رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) و قال تعالى: (عليها تسعة عشر) وقال تعالى: 

 (وكنتم أزواجا ثلاثة) فالمعدود في هذه الآيات كلها مذكر وقد حذف في الآية الأولى والثانية 

 والثالثة والرابعة وأتي به موصوفا في الخامسة وثبتت التاء في جميع ذلك وكذلك قوله تعالى: 

 (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) والقول بجواز حذف التاء في مثل ذلك يحتاج إلى نقل 

 

صفحة : 2557


باب المشاورة 
قال الشافعي قال الله تعالى:  وشاورهم في الأمر  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن الزهري قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ وقال الله عز وجل:  وأمرهم شورى بينهم  قال الشافعي رحمه الله تعالى قال الحسن: إن كان النبي ﷺ لغنيا عن مشاورتهم ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده إذا نزل بالحاكم الأمر يحتمل وجوها أو مشكلا انبغى له أن يشاور ولا ينبغي له أن يشاور جاهلا لأنه لا معنى لمشاورته. ولا عالما غير أمين فإنه ربما أضل من يشاوره ولكنه يشاور من جمع العلم والأمانة. وفي المشاورة رضا الخصم والحجة عليه. 

باب أخذ الولي بالولي 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى:  أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى  . قال الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن عبد الملك بن أبجر عن أبان بن لقيط عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ:  من هذا  قال: ابني يا رسول الله أشهد به فقال له النبي ﷺ:  أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم فقال الله عز وجل:  وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي سمعت والله أعلم في قول الله تعالى:  أن لا تزر وازرة وزر أخرى  أن لا يؤخذ أحد بذنب غيره وذلك في بدنه دون ماله. وإن قتل أو كان حدا لم يقتل به غيره ولم يؤخذ ولم يحد بذنبه فيما بينه وبين الله تعالى. لأن الله جل وعز إنما جعل جزاء العباد على أعمال أنفسهم وعاقبهم عليها. وكذلك أموالهم لا يجني أحد على أحد في ماله إلا حيث خص رسول الله ﷺ بأن جناية الخطأ من الحر على الآدميين على عاقلته فأما ما سواها فأموالهم ممنوعة من أن تؤخذ بجناية غيرهم. وعليهم في أموالهم حقوق سوى هذا من ضيافة وزكاة وغير ذلك وليس من وجه الجناية. 
قال الشافعي كل من ادعى على امرىء شيئا ما كان من مال وقصاص وطلاق وعتق وغيره أحلف المدعى عليه فإن حلف برىء وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي. 

 

صفحة : 2558

 فإن حلف استحق وإن لم يحلف لم يستحق ما ادعى ولا يقوم النكول مقام إقرار في شيء حتى يكون مع النكول يمين المدعي. فإن قال قائل: فكيف حلفت في الحدود والطلاق والنسب والأموال وجعلت الأيمان كلها تجب على المدعى عليه وتجعلها كلها ترد على المدعي قيل له: إن شاء الله تعالى قلت: استدلالا بكتاب الله ثم سنة رسول الله ﷺ. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فإن قال: وأين الدلالة من الكتاب قيل له: إن شاء الله قال:  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة  فحد الرامي بالزنا ثمانين وقال في الزوج:  والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  إلى قوله  أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين  فحكم الله عز وجل على القاذف غير الزوج بالحد ولم يجعل له مخرجا منه إلا بأن يأتي بأربعة شهداء. وأخرج الزوج من الحد بأن يحلف أربعة أيمان ويلتعن بخامسة ويسقط عنه الحد ويلزمها إن لم تخرج أربعة أيمان والتعانها وسن رسول الله ﷺ أن ينفى الولد والتعانه وسن بينهما الفرقة ودرأ الله تعالى عنها الحد بالأيمان مع التعانه. وكان أحكام الزوجين إذا خالفت أحكام الأجنبيين في شيء فهي مجامعة له في غيره وذلك أن اليمين فيه قد جمعت درء الحد عن الرجل والمرأة وفرقة ونفي ولد فكان الحد والطلاق والنفي معا داخلا فيها. ولا يحق الحد على المرأة حين يقذفها إلا بيمين الزوج وتنكل عن اليمين. ألا ترى أن الزوج لو لم يلتعن حد بالقذف وترك الخروج باليمين منه ولم يكن على المرأة حد ولم تلتعن. أو لا ترى أن رسول الله ﷺ قال للأنصاريين:  تحلفون وتستحقون دم صاحبكم  فلما لم يحلفوا رد الأيمان على اليهود ليبرءوا بها فلما لم يقبلها الأنصاريون تركوا حقهم أو لا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدأ بالأيمان على المدعى عليهم فلما لم يحلفوا ردها على المدعين والله أعلم. 

ID ' '   ولا يكاد يقدر عليه. 

 وقال النووي في قوله ﷺ: (بست من شوال): إنما حذفت الهاء من ستة لأن 

 العرب إنما تلتزم الإتيان بالهاء في المذكر الذي هو دون أحد عشر إذا صرحت بلفظ المذكر 

 كقوله الله تعالى: (وثمانية أيام) فأما إذا لم يأتوا بلفظ المذكر فيجوز إثبات الهاء وحذفها فتقول: سومزوكل ةظوفحم قوقحلا عيمج . 

 صمنا ستا ولبثنا عشرا وتريد الأيام ونقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب ولا 

 يتوقف فيه إلا جاهل غبي. 

 

صفحة : 2559


هذا كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى 

عن أبي يوسف رحمهم الله تعالى 

وهو كتاب اختلاف العراقيين 
قال: إذا أسلم الخياط ثوبا فخاطه قباء فقال رب الثوب: أمرتك بقميص وقال الخياط: أمرتني بقباء. فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: القول قول رب الثوب ويضمن الخياط قيمة الثوب وبه يأخذ.  يعني أبا يوسف  . وكان ابن أبي ليلى يقول:  القول قول الخياط في ذلك  . 
ولو أن الثوب ضاع من عند الخياط ولم يختلف رب الثوب والخياط في عمله فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان عليه ولا على القصار والصباغ وما أشبه ذلك من العمال إلا فيما جنت أيديهم. وبلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا ضمان عليهم وكان ابن أبي ليلى يقول: هم ضامنون لما هلك عندهم وإن لم تجن أيديهم فيه. قال أبو يوسف: هم ضامنون إلا أن يجيء شيء غالب. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا ضاع الثوب عند الخياط أو الغسال أو الصباغ أو أجير أمر ببيعه أو حمال استؤجر على تبليغه وصاحبه معه أو تبليغه وليس صاحبه معه من غرق أو حرق أو سرق ولم يجن فيه واحد من الأجزاء شيئا أو غير ذلك سن وجوه الضيعة فسواء ذلك كله فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين: أحدهما أن من أخذ أجرا على شيء ضمنه ومن قال هذا قاسه على العارية تضمن. 
وقال: إنما ضمنت العارية لمنفعة فيها للمستعير فهو ضامن لها حتى يؤديها بالسلامة وهي كالسلف. وقد يدخل على قائل هذا أن يقال له: إن العارية مأذون لك في الانتفاع بها بلا عوض أخذه منك المعير وهي كالسلف. وهذا كله غير مأذون لك في الانتفاع به وإنما منفعتك في شيء تعمله فيه فلا يشبه هذا العارية وقد وجدتك تعطي الدابة بكراء فتنتفع منها بعوض يؤخذ منك فلا تضمن إن عطبت في يديك وقد ذهب إلى تضمين القصار شريح فضمن قصارا احترق بيته فقال: تضمنني وقد احترق بيتي فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرتك قال الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا عنه ابن عيينة بهذا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا يجوز إذا ضمن الصناع إلا هذا وأن يضمن كل من أخذ على شيء أجرا. 
ولا يخلو ما أخذ عليه الأجر من أن يكون مضمونا والمضمون ضامن بكل حال. والقول الآخر: أن لا يكون مضمونا فلا يضمن بحال كما لا تضمن الوديعة بحال. وقد يروى من وجه لا يثبت 
 

صفحة : 2560

 أهل الحديث مثله أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ضمن الغسال والصباغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. أخبرنا بذلك إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي رضي الله تعالى عنه قال ذلك. ويروى عن عمر تضمين بعض الصناع من وجه أضعف من هذا ولم نعلم واحدا منهما يثبت وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يضمن أحدا من الأجراء من وجه لا يثبت مثله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وثابت عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: لا ضمان على صانع ولا على أجير فأما ما جنت أيدي الأجراء والصناع فلا مسألة فيه وهم ضامنون كما يضمن المستودع ما جنت يده. والجناية لا تبطل عن أحد وكذلك لو تعدوا ضمنوا. قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي فيما رأيته أنه لا ضمان على الصناع إلا ما جنت أيديهم ولم يكن يبوح بذلك خوفا من الصناع. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اغتصب الرجل الجارية فباعها وأعتقها المشتري فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: البيع والعتق فيها باطل لا يجوز لأنه باع ما لا يملك وأعتق ما لا يملك وبهذا يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: عتقه جائز وعلى الغاصب القيمة. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وذا اغتصب الرجل الجارية فأعتقها أو باعها ممن أعتقها أو اشتراها شراء فاسدا فأعتقها أو باعها ممن أعتقها فالبيع باطل. وإذا بطل البيع لم يجز عتق المبتاع لأنه غير مالك وهي مملوكة للمالك الأول البائع بيعا فاسدا. ولو تناسخها ثلاثون مشتريا فأكثر وأعتقها أيهم شاء إذا لم يعتقها البائع الأول فالبيع كله باطل ويترادون. لأنه إذا كان بيع المالك الأول الصحيح الملك فاسدا فباعها الذي لا يملكها فلا يجوز بيعه فيها بحال ولا بيع من باع بالملك عنه. والبيع إذا كان فاسدا لم يملك به. ومن أعتق ما لا يملك لم يجز عتقه. وإذا اشترى الرجل الجارية فوطئها ثم اطلع المشتري على عيب كان بها دلسه البائع له فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ليس له أن يردها بعد الوطء: وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: ولكنه يقول يرجع عليه بفضل ما بين الصحة والعيب من الثمن وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: يردها ويرد معها مهر مثلها والمهر في قوله: يأخذ العشر من قيمتها ونصف العشر فيجعل المهر نصف ذلك. ولو أن المشتري لم يطأ الجارية ولكنه حدث بها عيب عنده لم يكن له أن يردها في قول أبي حنيفة ولكنه يرجع بفضل ما بين العيب والصحة وبه يأخذ صاحبه وكان ابن أبي ليلى يقول: يردها ويرد ما 
 

صفحة : 2561

 نقصها العيب الذي حدث عنده. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل الجارية ثيبا فأصابها ثم ظهر منها على عيب كان عند البائع كان له ردها لأن الوطء لا ينقصها شيئا وإنما ردها بمثل الحال التي أخذها بها. وإذا قضى رسول الله ﷺ بالخراج بالضمان ورأينا الخدمة كذلك كان الوطء أقل ضررا عليها من خدمة أو خراج لو أدته بالضمان. وإن كانت بكرا فأصابها فيما دون الفرج ولم يفتضها فكذلك وإن افتضها لم يكن له ردها من قبل أنه قد نقصها بذهاب العذرة فلا يجوز له أن يردها ناقصة كما لم يكن يجوز عليه أن يأخذها ناقصة ويرجع بما نقصها العيب الذي دلس له من أصل الثمن الذي أعطي فيها إلا أن يشاء البائع أن يأخذها فيكون ذلك له إلا أن يشاء المشتري أن يحبسها معيبة ولا يرجع بشيء من العيب. ولا نعلمه ثبت عن عمر ولا علي ولا خلافهما أنه قال خلاف هذا القول. وإذا اشترى الجارية فوطئها فاستحقها رجل فقضى له بها القاضي فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: على الواطىء مهر مثلها على مثل ما يتزوج به الرجل مثلها يحكم به ذوا عدل ويرجع بالثمن على الذي باعه ولا يرجع بالمهر وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: على الواطىء المهر على ما ذكرت لك من قوله ويرجع على البائع بالثمن والمهر لأنه قد غره منها فأدخل عليه بعضهم فقال: وكيف يرجع عليه في قول ابن أبي ليلى بما أحدث وهو الذي وطىء أرأيت لو باعه ثوبا فخرقه أو أهلكه فاستحقه رجل وضمنه بالقيمة أليس إنما يرجع على البائع بالثمن وإن كانت القيمة أكثر منه قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل الجارية فوطئها ثم استحقها رجل أخذها ومهر مثلها من الواطىء ولا وقت لمهر مثلها إلا ما ينكح به مثلها. ويرجع المشتري على البائع بثمن الجاريه الذي قبض منه ولا يرجع بالمهر الذي أخذه رب الجارية منه لأنه كشيء استهلكه هو. فإن قال قائل: من أين قلت هذا قيل له: لما قضى رسول الله ﷺ في المرأة تزوج بغير إذن وليها أن نكاحها باطل وأن لها إن أصيبت المهر كانت الإصابة بشبهة توجب المهر ولا يكون للمصيب الرجوع على من غره لأنه هو الآخذ للإصابة. ولو كان يرجع به على من غره لم يكن للمرأة عليه مهر لأنها قد تكون غارة له فلا يجب لها ما يرجع به عليها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل الجارية قد دلس له فيها بعيب علمه البائع أو لم يعلمه فسواء في الحكم. والبائع آثم في التدليس إن كان عالما. فإن حدث بها عند المشتري عيب ثم اطلع على العيب الذي دلس له لم يكن له 
 

صفحة : 2562

 ردها وإن كان العيب الذي حدث بها عنده أقل عيوب الرقيق وإذا كان مشتريا فكان له أن يردها بأقل العيوب لأن البيع لا يلزمه في معيب إلا أن يشاء. فكذلك عليه للبائع مثل ما كان له على البائع ولا يكون له أن يرد على البائع بعد العيب الذي حدث في أنه قضى: أن يرد العبد بالعيب وللمشتري إذا حدث العيب عنده أن يرجع بما نقصها العيب الذي دلس له البائع ورجوعه به. كما أصف لك أن تقوم الجارية سالمة من العيب فيقال قيمتها مائة ثم تقوم وبها العيب فيقال: قيمتها تسعون وقيمتها يوم قبضها المشتري من البائع لأنه يومئذ تم البيع. ثم يقال له: ارجع بعشر ثمنها على البائع كائنا ما كان قل أو كثر فإن اشتراها بمائتين رجع بعشرين وإن كان اشتراها بخمسين رجع بخمسة إلا أن يشاء البائع أن يأخذها معيبة بلا شيء يأخذه من المشتري فيقال للمشتري: سلمها إن شئت وإن شئت فأمسكها ولا ترجع بشيء. وإذا اشترى الرجلان جارية فوجدا بها عيبا فرضي أحدهما بالعيب ولم يرضى الآخر فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ليس لواحد منهما أن يرد حتى يجتمعا على الرد جميعا. وكان ابن أبي ليلى يقول: لأحدهما أن يرد حصته وإن رضي الآخر بالعيب وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا اشترى الرجلان الجارية صفقة واحدة من رجل فوجدا بها عيبا فأراد أحدهما الرد. والآخر التمسك. فللذي أراد الرد الرد وللذي أراد التمسك التمسك لأن موجودا في بيع الاثنين أنه باع كل واحد منهما النصف فالنصف لكل واحد كالكل لو باعه كما لو باع لأحدهما نصفها وللآخر نصفها ثم وجدا بها عيبا كان لكل واحد منهما رد النصف والرجوع بالثمن الذي أخذ منه وكان لكل واحد منهما أن يمسك وإن رد صاحبه. وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخلا وفيه ثمر ولم يشترط شيئا فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: الثمر للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري. وكذلك بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: من اشترى نخلا له ثمر مؤبر فثمره للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري ومن اشترى عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الثمرة للمشتري وإن لم يشترط لأن ثمرة النخل من النخل. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل من الرجل النخل قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط ذلك المبتاع. وإن كانت لم تؤبر فثمرتها للمشتري لأن ثمرها غير منكشف إلا في وقت الإبار والإبار حين يبدو الانكشاف وما لم يبد الانكشاف في الثمر فهو كالجنين في بطن أمه يملكه من ملك أمه وإذا بدا منه الانكشاف كان 
 

صفحة : 2563

 كالجنين قد زايل أمه وهذا كله في معنى السنة. فإن اشترى عنبا أو تينا أو ثمرا أي ثمر ما كان بعد ما يطلع صغيرا كان أو كبيرا فالثمرة للبائع. وذلك أنها منكشفة لا حائل دونها في مثل معنى النخل المؤبر وهكذا إذا باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع وهذا كله مثل السنة نصا أو شبيه بمعناها لا يخالفه. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل من الرجل الجارية أو الدابة أو الثوب أو غير ذلك فوجد المشتري به عيبا وقال: بعتني وهذا العيب به فأنكر ذلك البائع فعلى المشتري البينة. فإن لم تكن له بينة فعلى البائع اليمين بالله لقد باعه وما هذا العيب به قال البائع: أنا أرد اليمين عليه فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا أرد اليمين عليه ولا يحولها عن الموضع الذي وضعها رسول الله ﷺ وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول مثل قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلا أنه إذا اتهم المدعي رد اليمين عليه فيقال: احلف وردها فإن أبى أن يحلف لم يقبل منه وقضى عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل الدابة أو الثوب أو أي بيع ما كان فوجد المشتري به عيبا فاختلف المشتري والبائع فقال البائع: حدث عندك وقال المشتري: بل عندك فإن كان عيبا يحدث مثله بحال فالقول قول البائع مع يمينه على البت بالله لقد باعه وما هذا العيب به إلا أن يأتي المشتري على دعواه ببينة فتكون البينة أولى من اليمين. وإن نكل البائع رددنا اليمين على المشتري اتهمناه أو لم نتهمه فإن حلف رددنا عليه السلعة بالعيب وإن نكل عن اليمين لم نرددها عليه ولم نعطه بنكول صاحبه فقط إنما نعطيه بالنكول إذا كان مع النكول يمينه. فإن قال قائل: ما دل على ما ذكرت. قيل: قضى رسول الله ﷺ للأنصاريين بالأيمان يستحقون بها دم صاحبهم فنكلوا ورد الأيمان على يهود يبرءون بها ثم رأى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الأيمان على المدعى عليهم الدم يبرءون بها فنكلوا فردها على المدعين ولم يعطهم بالنكول شيئا حتى رد الأيمان وسنة رسول الله ﷺ النص المفسرة تدل على سنته المجملة وكذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقول النبي ﷺ:  البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه  . ثم قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذلك جملة دل عليها نص حكم كل واحدة منهما. والذي قال: لا يعدو باليمين المدعى عليهم يخالف هذا فيكثر ويحمل الحديث ما ليس فيه. وقد وضعنا هذا في كتاب الأقضية واليمين بين المتبايعين على البت 
 

صفحة : 2564

 فيما تبايعا فيه. وإذا باع الرجل بيعا فبرىء من كل عيب فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: البراءة من كل ذلك جائزة ولا يستطيع المشتري أن يرده بعيب كائنا ما كان. ألا ترى أنه لو أبرأه من الشجاج برىء من كل شجة ولو أبرأه من القروح برىء من كل قرحة وبهذا يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يبرأ من ذلك حتى يسمي العيوب كلها بأسمائها ولم يذكر أن يضع يده عليه. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا باع الرجل العبد أو شيئا من الحيوان بالبراءة من العيوب فالذي نذهب إليه - والله تعالى أعلم - قضاء عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه برىء من كل عيب لم يعلمه ولم يبرأ من عيب علمه. ولم يسمه البائع ويقفه عليه. 
وإنما ذهبنا إلى هذا تقليدا وأن فيه معنى من المعاني يفارق فيه الحيوان ما سواه. وذاك أن ما كانت فيه الحياة فكان يتغذى بالصحة والسقم وتحول طبائعه قلما يبرأ من عيب يخفى أو يظهر فإذا خفي على البائع أبرئه ببرئه منه فإذا لم يخف عليه فقد وقع اسم العيوب على ما نقصه يقل ويكثر ويصغر ويكبر وتقع التسمية على ذلك فلا يبرئه منه إلا أن يقفه عليه. وإن أصح في القياس لولا التقليد وما وصفنا من تفريق الحيوان غيره لأن لا يبرأ من عيب كان به لم يره صاحبه ولكن التقليد وما وصفنا أولى بما وصفناه. وإذا اشترى الرجل دابة أو خادما أو دارا أو ثوبا أو غير ذلك فادعى فيه رجل دعوى ولم. يكن للمدعي على دعواه بينة فأراد أن يستحلف المشتري الذي في يديه ذلك المتاع على دعواه فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: اليمين عليه البتة بالله ما لهذا فيه حق وبهذا يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه أن يحلف بالله ما يعلم أن لهذا فيه حقا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: اليمين عليه بالبت ما لهذا فيه حق ويسعه ذلك إذا لم يكن يعلم لهذا فيه حقا وهكذا عامة الأيمان والشهادات. وإذا اشترى المشتري بيعا على أن البائع بالخيار شهرا أو على أن المشتري بالخيار شهرا فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: البيع فاسد ولا يكون الخيار فوق ثلاثة أيام بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: من اشترى شاة محفلة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام إن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر أو صاعا من شعير فجعل الخيار كله على قول رسول الله ﷺ وكان ابن أبي ليلى يقول: الخيار جائز شهرا كان أو سنة وبه يأخذ. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل العبد أو أي سلعة ما اشترى على أن البائع بالخيار أو المشتري أو هما معا إلى مدة يصفانها. فإن كانت المدة ثلاثا أو أقل فالبيع جائز. 

 

صفحة : 2565

 وإن كانت أكثر من ذلك بطرفة عين فأكثر فالبيع منتقض. فإن قال قائل: وكيف جاز الخيار ثلاثا ولم يجز أكثر من ثلاث قيل: لولا الخبر عن رسول الله ﷺ ما جاز أن يكون الخيار بعد تفرق المتبايعين ساعة لأن رسول الله ﷺ إنما جعل لهما الخيار إلى أن يتفرقا وذلك أن رجلا لا يجوز أن يدفع ماله إلى البائع ويدفع البائع جاريته للمشتري فلا يكون للبائع الانتفاع بثمن سلعته ولا للمشتري أن ينتفع بجاريته. ولو زعمنا أن لهما أن ينتفعا زعمنا أن عليهما إن شاء أحدهما أن يرد رد فإذا كان من أصل مذهبنا أنه لا يجوز أن أبيع الجارية على أن لا يبيعها صاحبها لأني إذا شرطت عليه هذا فقد نقصته من الملك شيئا ولا يصلح أن أملكه بعوض آخذه منه إلا ما ملكه عليه تام فقد نقصته بشرط الخيار كل الملك حتى حظرته عليه. وأصل البيع على الخيار لولا الخبر كان ينبغي أن يكون فاسدا لأنا نفسد البيع بأقل منه مما ذكرت. فلما شرط رسول الله ﷺ في المصراة خيار ثلاث بعد البيع وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه جعل لحبان بن منقد خيار ثلاث فيما ابتاع انتهينا إلى ما أمر به رسول الله ﷺ من الخيار ولم نجاوزه إذ لم يجاوزه رسول الله ﷺ. ولك أن أمره به يشبه أن يكون كالحد لغايته من قبل أن المصراة قد تعرف تصريتها بعد أول حلبة في يوم وليلة وفي يومين حتى لا يشك فيها فلو كان الخيار إنما هو ليعلم استبانة عيب التصرية أشبه أن يقال له: الخيار حتى يعلم أنها مصراة طال ذلك أو قصر كما يكون له الخيار في العيب إذا علمه بلا وقت طال ذلك أو قصر. ولو كان خيار حبان إنما كان لاستشارة غيره أمكنه أن يستشيره في مقامه وبعده بساعة وأمكن فيه أن يدع الاستشارة دهرا فكان الخبر دل على أنه خيار ثلاث أقصى غاية الخيار فلم يجز لنا أن نجاوزه ومن جاوزه كان عندنا مشترطا بيعا فاسدا. قال: وإذا اشترى الرجل بيعا على أن البائع بالخيار يوما وقبضه المشتري فهلك عنده فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: المشتري ضامن بالقيمة لأنه أخذه على بيع به يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو أمين في ذلك لا شيء عليه فيه. ولو أن الخيار كان للمشتري فهلك عنده فهو عليه بثمنه الذي اشتراه به في قولهما. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا باع الرجل العبد بالخيار ثلاثا أو أقل وقبضه فمات العبد في يدي المشتري فهو ضامن لقيمته. وإنما منعنا أن نضمنه ثمنه أن البيع لم يتم فيه ومنعنا أن نطرح الضمان عنه أنه لم يأخذه إلا على بيع يأخذ من المشتري به عوضا فلا نجعل 
 

صفحة : 2566

 البيع إلا مضمونا. ولا وجه لأن يكون أمينا فيه إنما يكون الرجل أمينا فيما لا يملك ولا ينتفع به منفعة عاجلة ولا آجلة وإنما يمسكه لمنفعة ربه لا لمنفعة نفسه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وسواء في ذلك كان الخيار للبائع أو للمشتري لأن البيع لم يتم فيه حتى مات. وإذا اشترى الرجل الجارية فباع نصفها ولم يبع النصف الآخر ثم وجد بها عيبا قد كان البائع دلسه له فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يستطيع أن يرد ما بقي منها ولا يرجع بما نقصها العيب. ويقول: رد الجارية كلها كما أخذتها وإلا فلا حق لك وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: يرد ما في يده منها على البائع بقدر ثمنها وكذلك قولهما في الثياب وفي كل بيع. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا اشترى الرجل من الرجل الجارية أو الثوب أو السلعة فباع نصفها من رجل ثم ظهر منها على عيب دلسه البائع لم يكن له أن يرد النصف بحصته من الثمن على البائع ولا يرجع عليه بشيء من نقص العيب من أصل الثمن ويقال له: ردها كما هي أو احبس وإنما يكون له أن يرجع بنقص العيب إذا ماتت الجارية أو أعتقت فصارت لا ترد بحال أو حدث بها عنده عيب فصار ليس له أن يردها عليه بحال فأما إذا باعها أو باع بعضها فقد يمكن أن يردها. وإذا أمكن أن يردها فيلزم ذلك البائع لم يكن له أن يردها. ويرجع بنقص العيب كما لا يكون له أن يمسكها بيده. ويرجع بنقص العيب قال: وإذا اشترى الرجل عبدا واشترط فيه شرطا أن يبيعه من فلان أو يهبه لفلان أو على أن يعتقه فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: البيع في هذا فاسد وبه يأخذ. وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نحو من ذلك وكان ابن أبي ليلى يقول: البيع جائز والشرط باطل. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا باع الرجل الرجل العبد على أن لا يبيعه من فلان أو على أن لا يستخدمه أو على أن ينفق عليه كذا أو على أن يخارجه فالبيع فيه كله فاسد لأن هذا كله غير تمام ملك. ولا يجوز الشرط في هذا إلا في موضع واحد وهو: العتق اتباعا للسنة والفراق العتق لما سواه فنقول: إن اشتراه منه على أن يعتقه فأعتقه فالبيع جائز. فإن قال رجل: ما فرق بين العتق وغيره قيل: قد يكون لي نصف العبد فأهبه وأبيعه وأصنع فيه ما شئت غير العتق فلا يلزمني ضمان نصيب شريكي فيه ولا يخرج نصيب شريكي من يده لأن كلا مالك لما ملك. فإن أعتقته وأنا موسر عتق على نصيب شريكي الذي لا أملك ولم أعتق وضمنت قيمته وخرج من يدي شريكي بغير أمره. وأعتق 
 

صفحة : 2567

 الحمل فتلمه لأقل من ستة أشهر فيقع عليه العتق ولو بعته لم يجز البيع مع خلافه لغيره في هذا وفي أم الولد والمكاتب وما سواهما قال: وإذا كان لرجل على رجل مال من بيع فحل المال فأخره عنه إلى أجل آخر فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: تأخيره جائز. وهو إلى الأجل الآخر الذي أخره عنه وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع في ذلك إلا أن يكون ذلك على وجه الصلح منهما. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كان للرجل على الرجل مال حال من سلف أو من بيع أو أي وجه كان فأنظره صاحب المال بالمال إلى مدة من المدد كان له أن يرجع في النظرة متى شاء. وذلك أنها ليست بإخراج شيء من ملكه إلى الذي عليه الدين ولا شيئا أخذ منه به عوضا فنلزمه إياه للعوض الذي يأخذه منه أو نفسده ويرد العوض ولا فرق بين السلف وبين البيع إلا أن يتفاسخا في البيع والمبيع قائم فيجعلانه بيعا غيره بنظرة أو يتداعيان فيه دعوى فيصيرانه بيعا مستأنفا إلى أجل فيلزمهما البيع الذي أحدثاه. ولو أن رجلا كان له على رجل مال فتغيب عنه المطلوب حتى حط عنه بعض ذلك المال على أن يعطيه بعضه ثم ظهر له بعد فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ما حط عنه من ذلك المال فهو جائز. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع فيما حط عنه لأنه تغيب عنه وبه يأخذ. ولو أن الطالب قال: إن ظهر لي فله مما عليه كذا وكذا لم يكن قوله هذا يوجب عليه شيئا في قولهم جميعا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا تغيب الرجل عليه الدين من الرجل فحط عنه وهو متغيب شيئا وأخذ منه البقية ثم قال: إنما حططت عنه للتغيب فليس له أن يرجع فيما حط عنه ولا يكون هذا من معاني الإكراه التي نطرحها عمن أكره عليها لأن الإكراه موضوع عن العبد فيما بينه وبين الله وفي الحكم وليس هذا إكراها قد كان يظهر له بعد التغيب ويعدي عليه في التغيب ويظن أنه غاب عنه ولم يغب. ولو قال الطالب: إن ظهر لي فله وضع كذا فظهر له لم يكن له وضع لأنه عطية مخاطرة. وإذا باع الرجل الرجل بيعا إلى العطاء فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول في ذلك: البيع فاسد. وكان ابن أبي ليلى يقول: البيع جائز والمال حال. وكذلك قولهما في كل مبيع إلى أجل لا يعرف. فإن استهلكه المشتري فعليه القيمة في قول أبي حنيفة وإن حدث به عيب رده ورد ما نقصه العيب وإن كان قائما بعينه فقال المشتري: لا أريد الأجل وأنا أنقد لك المال جاز ذلك له في هذا كله في قول أبي حنيفة وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا باع الرجل الرجل بيعا إلى العطاء فالبيع فاسد من 
 

صفحة : 2568

 قبل أن الله عز وجل أذن بالدين إلى أجل مسمى والمسمى الموقت بالأهلة التي سمى الله عز وجل فإنه يقول:  يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج  والأهلة معروفة المواقيت وما كان في معناها من الأيام المعلومات فإنه يقول:  في أيام معلومات  والسنين فإنه يقول:  حولين كاملين  وكل هذا الذي لا يتقدم ولا يتأخر والعطاء لم يكن قط فيما علمت ولا نرى أن يكون أبدا إلا يتقدم ويتأخر. ولو اجتهد الإمام غاية جهده لدخله التقدم والتأخر. أخبرنا الربيع: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا تبايعوا إلى العطاء ولا إلى الأندر ولا إلى العصير. قال الشافعي وهذا كله كما قال. لأن هذا يتقدم ويتأخر وكل بيع إلى أجل غير معلوم فالبيع فيه فاسد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فإن هلكت السلعة التي ابتيعت إلى أجل غير معلوم في يدي المشتري رد القيمة وإن نقصت في يديه بعيب ردها وما نقصها العيب. فإن قال المشتري: أنا أرضى السلعة بثمن حال وأبطل الشرط بالأجل لم يكن ذلك له إذا انعقد البيع فاسدا لم يكن لأحدهما أن يصلحه دون الآخر ويقال لمن قال قول أبي حنيفة: أرأيت إذا زعمت أن البيع فاسد فمتى صلح فإن قال: صلح بإبطال هذا شرطه قيل له: فلهذا أن يكون بائعا مشتر أو إنما هذا مشتر ورب السلعة بائع. فإن قال: بل رب السلعة بائع قيل له: فهل أحدث رب السلعة بيعا غير البيع الأول فإن قال: لا قيل: فقولك متناقض تزعم أن بيعا فاسدا حكمه كما لم يصر فيه بيع يصير بيعا من غير أن يبيعه مالكه. 

ID ' '   والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب - الحذف كما حكاه 

 الكسائي وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه والزمخشري فينبغي أن 

 يتوقف فيه إذ ليس في كلامه تصريح بنقله نعم: جواز الوجهين قد ثبت من كلام سيبويه كما 

 سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب. 

 وطعن بعضهم في حكاية الكسائي ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث بمثله 

 ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي وكل منهم إمام وتوجيهها: أنه لما ثبت 

 جواز: سرت خمسا وأنت تريد الأيام والليالي جميعا كما سبق من كلام سيبويه وكما دلت 

 عليه الآية الكريمة وما ذاك إلا لتغليب الليالي على الأيام وجعل الأيام تابعة لليالي أجري عليها 

 هذا الحكم عند إرادة الأيام وحدها كقولك: سرت خمسا وأنت تريد الأيام. أو: صمت 

 

صفحة : 2569


باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها 
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا اشترى الرجل ثمرا قبل أن يبلغ من أصناف الغلة كلها فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: إذا لم يشترط ترك ذلك الثمر إلى أن يبلغ فإن البيع جائز. ألا ترى أنه لو اشترى قصيلا يقصله على دوابه قبل أن يبلغ كان ذلك جائزا قال: ولو اشترى شيئا من الطلع حين يخرج فقطعه كان جائزا وإذا اشتراه ولم يشترط تركه فعليه أن يقطعه فإذا استأذن صاحبه في تركه فأذن له في ذلك فلا بأس بذلك وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا خير في بيع شيء من ذلك حتى يبلغ ولا بأس إذا اشترى شيئا من ذلك قد بلغ أن يشترط على البائع تركه إلى أجل. وكان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: لا خير في هذا الشرط. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل أصنافا من الثمار قبل أن يبدو صلاحها فالبيع فاسد لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. 
ولو اشتراه ولم يسم قطعه ولا تركه قبل أن يبدو صلاحه كان البيع فيه فاسدا لأنه إنما يشتري ثم يترك إلى أن يبلغ إبانه ولا يحل بيعه منفردا حتى يبدو صلاحه إلا أن يشتري منه شيئا يراه بعينه على أن يقطع مكانه فلا يكون به بأس كما لا يكون به بأس إذا كان موضوعا بالأرض. 
فليس هذا من المعنى الذي نهى النبي ﷺ عنه إنما نهى النبي ﷺ عن الثمرة أن تباع حتى يبدو صلاحها وقال: أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى تنجو من العاهة. وإنما يمنع من الثمرة ما يترك إلى مدة يكون المنع دونها. وكذلك إنما تأتي العاهة على ما يترك إلى مدة تكون العاهة دونها فأما ما يقطع مكانه فهو كالموضوع بالأرض. وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل فيها حمل فلم يذكر النخل ولا الحمل فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: النخل للمشتري تبعا للأرض والثمرة للبائع إلا أن يشترط المشتري. بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال:  من اشترى نخلا مؤبرا فثمرته للبائع إلا أن يستثنيه المشتري  وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الثمرة للمشتري. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل وفي النخل ثمرة فالثمرة للبائع إذا كان قد أبر وإن لم يؤبر فهي للمشتري والأرض بالنخل للمشتري. قال: وإذا اشترى الرجل مائة ذراع مكسرة من دار غير مقسومة أو عشرة أجربة من أرض غير مقسومة فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول في ذلك كله: البيع باطل ولا 
 

صفحة : 2570

 يجوز لأنه لا يعلم ما اشترى كم هو من الدار وكم هو من الأرض وأين موضعه من الدار والأرض وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: هو جائز في البيع وبه يأخذ. وإن كانت الدار لا تكون مائة ذراع فالمشتري بالخيار إن شاء ردها وإن شاء رجع بما نقصت الدار على البائع في قول ابن أبي ليلى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل من الدار ثلثا أو ربعا أو عشرة أسهم من مائة سهم من جميعها فالبيع جائز وهو شريك فيها بقدر ما اشترى. قال الشافعي وهكذا لو اشترى نصف عبد أو نصف ثوب أو نصف خشبة. ولو اشترى مائة ذراع من دار محدودة ولم يسم أذرع الدار فالبيع باطل من قبل أن المائة قد تكون نصفا أو ثلثا أو ربعا أو أقل فيكون قد اشترى شيئا غير محدود ولا محسوب معروف كم قدره من الدار فنجيزه. ولو سمى ذرع جميع الدار ثم اشترى منها مائة ذراع كان جائزا من قبل أن هذا منها سهم معلوم من جميعها وهذا مثل شرائه سهما من أسهم منها. ولو قال: أشتري منك مائة ذراع آخذها من أي الدار شئت كان البيع فاسدا وإن كانت الآجام محظورة وقد حظر فيها سمك فاشتراه رجل فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يجوز ذلك. بلغنا عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال:  لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر  وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وإبراهيم النخعي وبه يأخذ. 
وكان ابن أبي ليلى يقول في هذا: شراؤه جائز لا بأس به وكذلك بلغنا عن عمر بن عبد العزيز. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كان السمك في بئر أو ماجل أو أجمة محظورة وكان البائع والمشتري يريانه فباعه مالكه أو شيئا منه يراه بعينه وهو لا يؤخذ حتى يصاد فالبيع فيه باطل من قبل أنه ليس ببيع صفة مضمونة ولا بيع عين مقدور عليها حين تباع فيدفع. وقد يمكن أن يموت فينتن قبل أن يقبض فيكون على مشتريه في موته المخاطرة في قبضه. ولكنه لو كان في عين ماء لا يمتنع فيه ويؤخذ باليد مكانه جاز بيعه كما يجوز إذا أخرج فوضع على الأرض. وإذا حبس الرجل في الدين وفلسه القاضي فباع في السجن واشترى وأعتق أو تصدق بصدقة أو وهب هبة فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هذا كله جائز ولا يباع شيء من ماله في الدين وليس بعد التفليس شيء. ألا ترى أن الرجل قد يفلس اليوم ويصيب غدا مالا وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا عتقه ولا هبته ولا صدقته بعد التفليس فيبيع ماله ويقضيه الغرماء. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى مثل قول ابن أبي ليلى ما 
 

صفحة : 2571

 خلا العتاقة في الحجر وليس من قبيل التفليس ولا نجيز شيئا سوى العتاقة من ذلك أبدا حتى يقضي دينه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ويجوز بيع الرجل وجميع ما أحدث في ماله كان ذا دين أو غير ذي دين وذا وفاء أو غير ذي وفاء حتى يستعدى عليه في الدين. فإذا استعدي عليه فثبت عليه شيء أو أقر منه بشيء انبغى للقاضي أن يحجر عليه مكانه وبقول: قد حجرت عليه حتى أقضي دينه وفلسته ثم يحصي ماله ويأمره بأن يجتهد في التسوم ويأمر من يتسوم به ثم ينفذ القاضي فيه البيع بأغلى ما يقدر عليه فيقضي دينه. فإذا لم يبق عليه دين أحضره فأطلق الحجر عنه وعاد إلى أن يجوز له في ماله كل ما صنع إلى أن يستعدى عليه في دين غيره. وما استهلك من ماله في الحالة التي حجر فيها عليه ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك فهو مردود. وإذا أعطى الرجل الرجل متاعا يبيعه ولم يسم بالنقد ولا بالنسيئة فباعه بالنسيئة فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: هو جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى كقول: البيع جائز والمأمور ضامن لقيمة المتاع حتى يدفعه لرب المتاع فإذا خرج الثمن من عند المشتري وفيه فضل عن القيمة فإنه يرد ذلك الفضل على رب المتاع وإن كان أقل من القيمة لم يضمن غير القيمة الماضية ولم يرجع البائع على رب المتاع بشيء. والله تعالى أعلم. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا دفع الرجل إلى الرجل سلعة فقال: بعها ولم يقل بنقد ولا بنسيئة ولا بما رأيت من نقد أو نسيئة فالبيع على النقد. فإن باعها بنسيئة كان له نقض البيع بعد أن يحلف بالله ما وكل أن يبيع إلا بنقد فإن فاتت فالبائع ضامن لقيمتها فإن شاء أن يضمن المشتري ضمنه. فإن ضمن البائع لم يرجع البائع على المشتري وإن ضمن المشتري رجع المشتري على البائع بالفضل مما أخذ رب السلعة عما ابتاعها به لأنه لم يؤخذ منه إلا ما لزمه من قيمة السلعة التي أتلفها إذا كان البيع فيها لم يتم. قال: وإذا اختلف البيعان فقال البائع: بعتك وأنا بالخيار. وقال المشتري: بعتني ولم يكن لك خيار فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: القول قول البائع مع يمينه. وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المشتري وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا تبايع الرجلان عبدا وتفرقا بعد البيع ثم اختلفا فقال البائع: بعتك على أني بالخيار ثلاثا. وقال المشتري: بعتني ولم تشترط خيارا تحالفا وكان المشتري بالخيار في فسخ البيع أو يكون للبائع الخيار. 
وهذا والله تعالى أعلم كاختلافهما في الثمن نحن ننقض البيع باختلافهما في الثمن وننقضه بإدعاء هذا أن يكون له الخيار وأنه لم يقر بالبيع إلا بخيار. وكذلك لو ادعى المشتري الخيار 
 

صفحة : 2572

 كان القول فيه هكذا قال: وإذا باع الرجل جارية بجارية وقبض كل واحد منهما ثم وجد أحدهما بالجارية التي قبض عيبا فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: يردها ويأخذ جاريته لأن البيع قد انتقض وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: يردها ويأخذ قيمتها صحيحة. وكذلك قولهما في جميع الرقيق والحيوان والعروض. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا بايع الرجل الرجل جارية بجارية وتقابضا ثم وجد أحدهما بالجارية التي قبض عيبا ردها وأخذ الجارية التي باع بها وانتقض البيع بينهما وهكذا جميع الحيوان والعروض. وهكذا إن كانت مع إحداهما دراهم أو عرض من العروض. وإن ماتت الجارية في يدي أحد الرجلين فوجد الآخر عيبا بالجارية الحية ردها وأخذ قيمة الجارية الميتة لأنها هي الثمن الذي دفع كما يردها ويأخذ الثمن الذي دفع. وإذا اشترى الرجل بيعا لغيره بأمره فوجد به عيبا فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: يخاصم المشتري ولا نبالي أحضر الآمر أم لا ولا نكلف المشتري أن يحضر الآمر ولا نرى على المشتري يمينا إن قال البائع الآمر قد رضي بالعيب. وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يستطيع المشتري أن يرد السلعة التي بها العيب حتى يحضر الآمر فيحلف ما رضي بالعيب ولو كان غائبا بغير ذلك البلد. وكذلك الرجل معه مال مضاربة أتى بلادا يتجر فيها بذلك المال فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ما اشترى من ذلك فوجد به عيبا فله أن يرده ولا يستحلف على رضا الآمر بالعيب. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يستطيع المشتري المضارب أن يرد شيئا. من ذلك حتى يحضر رب المال فيحلف بالله ما رضي بالعيب وإن لم ير المتاع وإن كان غائبا. أرأيت رجلا أمر رجلا فباع له متاعا أو سلعة فوجد المشتري به عيبا أيخاصم البائع في ذلك أو نكلفه أن يحضر الآمر رب المتاع ألا ترى أن خصمه في هذا البائع ولا نكلفه أن يحضر الآمر ولا خصومة بينه وبينه فكذلك إذا أمره فاشترى له فهو مثل أمره بالبيع. أرأيت لو اشترى متاعا ولم يره أكان للمشتري الخيار إذا رآه أم لا يكون له خيار حتى يحضر الآمر أرأيت لو أشترى عبدا فوجده أعمى قبل أن يقبضه فقال: لا حاجة لي فيه أما كان له أن يرده بهذا حتى يحضر الآمر بلى له أن يرده ولا يحضر الآمر. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا وكل الرجل الرجل أن يشتري سلعة بعينها أو موصوفة أو دفع إليه مالا قراضا فاشترى به تجارة فوجد بها عيبا كان له أن يرد ذلك دون رب المال لأنه المشتري وليس عليه أن يحلف بالله ما رضي رب المال وذلك أنه 
 

صفحة : 2573

 يقوم مقام المالك فيما اشترى لرب المال. ألا ترى أن رب المال لو قال: لا أرضى بما اشترى لم يكن له خيار فيما ابتاع ولزمه البيع. ولو اشترى شيئا فحابى فيه لم ينتقض البيع وكانت التباعة لرب المال على الوكيل لا على المشتري منه. وكذلك تكون التباعة للمشتري على البائع دون رب المال. فإن ادعى البائع على المشتري رضا رب المال حلف على علمه لا على البت. وإذا باع الرجل ثوبا مرابحة على شيء مسمى فباع لمشتري لثوب ثم وجد البائع قد خانه في المرابحة زاد عليه المرابحة فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: البيع جائز لأنه قد باع الثوب. ولو كان عنده الثوب كان له أن يرده ويأخذ ما نقد إن شاء ولا يحطه شيئا. 
وكان ابن أبي ليلى يقول: تحط عنه تلك الخيانة وحصتها من الربح وبه يأخذ. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا ابتاع الرجل من الرجل ثوبا مرابحة فباعه ثم وجد البائع الأول الذي باعه مرابحة قد خانه في الثمن فقد قيل: تحط عنه الخيانة بحصتها من الربح ويرجع عليه به. 
ولو كان الثوب قائما لم يكن له أن يرده وإنما منعنا من إفساد البيع وأن يرده إذا كان قائما ويجعله بالقيمة إذا كان فائتا أن البيع لم ينعقد على محرم عليهما معا وإنما انعقد على محرم على الخائن منهما. فإن قال قائل: ما يشبه هذا مما يجوز فيه البيع بحال والبائع فيه غار قيل: يدلس الرجل للرجل العيب فيكون التدليس محرما عليه وما أخذ من ثمنه محرما كما كان ما أخذ من الخيانة محرما ولا يكون البيع فاسدا فيه ولا يكون للبائع الخيار في رده. وقيل للمشتري: الخيار في أخذه بالثمن الذي سمي له أو فسخ البيع لأنه لم ينعقد إلا بثمن مسمى. فإذا وجد غيره فلم يرض به المشتري فسد البيع لأنه يرد إلى ثمن مجهول عند المشتري لم يرض به البائع. وإذا اشترى الرجل للرجل سلعة فظهر فيها عيب قبل أن ينقد الثمن فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: له أن يردها إن أقام البينة على العيب وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: لا أقبل شهودا على العيب حتى ينقد الثمن. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه وإذا اشترى الرجل السلعة وقبضها ونقد ثمنها أو لم ينقده حتى ظهر منها على عيب يقر به البائع أو يرى أو يشهد عليه فله الرد قبل النقد كما له الرد بعد النقد. وإذا باع الرجل على ابنه وهو كبير دارا أو متاعا من غير حاجة ولا عذر فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا يجوز ذلك على ابنه وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه عليه جائز. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كان الرجل يلي مال نفسه فباع أبوه عليه شيئا من ماله بأكثر مما يسوي أضعافا أو 
 

صفحة : 2574

 بغير ما يسوي في غير حاجة أو حاجة نزلت بأبيه فالبيع باطل. وهو كالأجنبي في البيع عليه ولا حق له في ماله إلا أن يحتاج فينفق عليه بالمعروف وكذلك ما استهلك من ماله وإذا باع الرجل متاعا لرجل والرجل حاضر ساكت فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يجوز ذلك عليه وليس سكوته إقرارا بالبيع وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: سكوته إقرار بالبيع. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا باع الرجل ثوبا لرجل أو خادما والرجل المبيع ثوبه أو خادمه حاضر البيع لم يوكل البائع ولم ينهه عن البيع ولم يسلمه فله رد البيع ولا يكون صمته رضا بالبيع إنما يكون الصمت رضا البكر وأما الرجل فلا. قال: وإذا باع الرجل نصيبا من داره ولم يسم ثلثا أو ربعا أو نحو ذلك أو كذا وكذا سهما فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا يجوز البيع على هذا الوجه. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: له الخيار إذا علم. إن شاء أخذ وإن شاء ترك. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: إذا كانت الدار بين اثنين أو ثلاثة أجزت بيع النصيب وإن لم يسم وإن كانت أسهما كثيرة لم يجز حتى يسمي. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدار بين ثلاثة فقال أحدهم لرجل: بعتك نصيبا من هذه الدار ولم يقل: نصيبي فالبيع باطل من قبل أن النصيب منها قد يكون سهما من ألف سهم وأقل ويكون أكثر الدار فلا يجوز حتى يكون معلوما عند البائع والمشتري. ولو قال: بعتك نصيبي لم يجز حتى يتصادقا بأنهما قد عرفا نصيبه قبل عقد البيع وإذا ختم الرجل على شراء فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ليس ذلك بتسليم للبيع حتى يقول: سلمت وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: ذلك تسليم للبيع. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا أتى الرجل بكتاب فيه شراء باسمه وختم عليه ولم يتكلم ولم يشهد ولم يكتب فالختم ليس بإقرار إنما يكون الإقرار بالكلام. وإذا بيع الرقيق والمتاع في عسكر الخوارج وهو متاع من متاع المسلمين أو رقيق من رقيقهم قد غلبوهم عليه فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يجوز ويرد على أهله وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو جائز وإن كان المتاع قائما بعينه والرقيق قائما بعينه وقتل الخوارج قبل أن يبيعوه رد على أهله في قولهم جميعا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا ظهر الخوارج على قوم فأخذوا أموالهم مستحلين فباعوها ثم ظهر الإمام على من هي في يديه أخرجها من يديه وفسخ البيع ورده بالثمن على من اشترى منه. وإذا باع الرجل المسلم الدابة من النصراني فادعاها نصراني آخر وأقام عليها بينة من 
 

صفحة : 2575

 النصارى فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا تجوز شهادتهم من قبل أنه يرجع بذلك على المسلم. وكان ابن أبي ليلى يقول: شهادتهم جائزة على النصراني ولا يرجع على المسلم بشيء وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا تجوز شهادة أحد خالف الإسلام ولا تجوز الشهادة حتى يجمع الشاهدان أن يكون حرين مسلمين بالغين عدلين غير ظنينين فيما يشهدان فيه بين المشركين ولا المسلمين ولا لأحد ولا على أحد وإذا باع الرجل بيعا من بعض ورثته وهو مريض فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا يجوز بيعه ذلك إذا مات من مرضه. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه جائز بالقيمة وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا باع الرجل المريض بيعا من بعض ورثته بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس به ثم مات فالبيع جائز والبيع لا هبة ولا وصية فيرد. وإذا استهلك الرجل مالا لولده وولده كبير والرجل غني فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هو دين على الأب وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يكون له دين على أبيه وما استهلك أبوه من شيء لابنه فلا ضمان عليه فيه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا استهلك الرجل لابنه مالا ما كان من غير حاجة من الأب رجع عليه الابن كما يرجع على الأجنبي. ولو أعتق له عبدا لم يجر عتقه والعتق غير استهلاك فلا يجوز بحال عتق غير المالك. وإذا اشترى رجل جارية بعبد وزاد معها مائة درهم ثم وجد بالعبد عيبا وقد ماتت الجارية عند المشتري فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: يرد العبد ويأخذ منه مائة درهم وقيمة الجارية صحيحة فإن كانت الجارية هي التي وجد بها العيب وقد مات العبد رد الجارية وقسم قيمة العبد على المائة الدرهم وعلى قيمة الجارية فيكون له ما أصاب المائة الدرهم ويرد ما أصاب العبد من قيمة الجارية وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في هذا: إن وجد بالعبد عيبا رده وأخذ قيمته صحيحا وكذلك الدراهم التي هي في يديه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل جارية بعبد وزاد مع الجارية مائة درهم فتقابضا ثم ماتت الجارية فوجد بالعبد عيبا فله رد العبد وقبض المائة الدرهم التي دفع وقيمة الجارية التي دفع وإنما جعلنا قيمتها على القابض من قبل أنها لو كانت قائمة رددناها بدينها لأنها ثمن العبد هي والمائة الدرهم. وكذلك إن مات العبد ووجد بالجارية العيب ردها والمائة الدرهم وأخذ قيمته لأنه لو كان قائما لأخذه فإذا فات فقيمته تقوم مقامه. وكل من ابتاع بيعا فأصاب عيبا رده ورجع بما أعطى في ثمنه. وإذا اشترى الرجل ثوبين 
 

صفحة : 2576

 من رجل وقبضهما فهلك واحد ووجد بالثوب الآخر عيبا فأراد رده فاختلفا في قيمة الهالك فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: القول قول البائع مع يمينه وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المشتري. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل ثوبين صفقة واحدة فهلك أحدهما في يده ووجد بالآخر عيبا فاختلفا في ثمن الثوب فقال البائع: قيمته عشرة. وقال المشتري: قيمته خمسة فالقول قول البائع من قبل أن الثمن كله قد لزم المشتري والمشتري إن أراد رد الثوب رده بأكثر الثمن أو أراد الرجوع بالعيب رجع به بأكثر الثمن فلا نعطيه بقوله الزيادة. قال الربيع وفيه قول آخر للشافعي: أن القول قول المشتري من قبل أنه المأخوذ منه الثمن. وهو أصح القولين. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى ثوبين أو شيئين في صفقة واحدة فهلك أحدهما ووجد بالآخر عيبا فليس إلى الرد سبيل ويرجع بقيمة 
باب المضاربة 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أعطى الرجل الرجل ثوبا يبيعه على أن ما كان فيه من ربح فبينهما نصفان أو أعطاه دارا يبنيها ويؤاجرها على أن أجرتها بينهما نصفان فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول في ذلك كله فاسد وللذي باع أجر مثله على رب الثوب ولباني الدار أجر مثله على رب الدار وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو جائز والأجر والربح بينهما نصفان. وكان ابن أبي ليلى يجعل هذا بمنزلة الأرض للمزارعة والنخل للمعاملة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا دفع الرجل إلى الرجل ثوبا أو سلعة يبيعها بكذا فما زاد فهو بينهما نصفان. أو بقعة يبنيها على أن يكريها والكراء بينهما نصفان فهذا فاسد. فإن أدرك قبل البيع والبناء نقض وإن لم يدرك حتى يكون البيع والبناء كان للبائع والباني أجر مثله وكان ثمن الثوب كله لرب الثوب والدار لرب الدار. وإذا كان مع الرجل مال مضاربة فأدانه ولم يأمر بذلك رب المال ولم ينهه يعني بقوله فأدانه المشتري به وباع بنسيئة ولم يقرضه ولو أقرضه ضمن. فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا ضمان على المضارب وما أدان من ذلك فهو جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا ضمان على المضارب وما أدان من ذلك فهو جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: المضارب ضامن إلا أن يأتي بالبينة أن رب المال أذن له في النسيئة. ولو أقرضه قرضا ضمن في قولهما جميعا لأن القرض ليس من المضاربة. أبو حنيفة عن حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب 
 

صفحة : 2577

 رضي الله تعالى عنه أعطى مال يتيم مضاربة فكان يعمل به في العراق ولا يدري كيف قاطعه على الربح. أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن عبد الله بن علي عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أعطى مالا مقارضة يعني مضاربة أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا ولم يأمره ولم ينهه عن الدين فأدان في بيع أو شراء أو سلف فسواء ذلك كله هو ضامن إلا أن يقر له رب المال أو تقوم عليه بينة أنه أذن له في ذلك. 

باب السلم 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كان لرجل على رجل طعام أسلم إليه فيه فأخذ بعض طعامه وبعض رأس ماله فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هو جائز. بلغنا عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ذلك المعروف الحسن الجميل وبه يأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا أخذ بعض رأس ماله فقد فسد السلم ويأخذ رأس ماله كله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أسلف الرجل الرجل مائة دينار في مكيلة طعام موصوف إلى أجل معلوم فحل الأجل فتراضيا أن يتفاسخا البيع كله كان جائزا. وإذا كان هذا جائزا جاز أن يتفاسخا نصف البيع ويثبتا نصف وقد سئل عن هذا ابن عباس فلم ير به بأسا. وقال: هذا المعروف الحسن الجميل. وقول ابن عباس القياس وخالفه فيه غيره. قال: وإذا أسلم الرجل في اللحم فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى كان يقول: لا خير فيه لأنه غير معروف وبه يأخذ. 
وكان ابن أبي ليلى يقول: لا بأس به. ثم رجع أبو يوسف رحمه الله تعالى إلى قول ابن أبي ليلى وقال: إذا بين مواضع اللحم فقال: أفخاذ وجنوب ونحو هذا فهو جائز. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أسلف الرجل الرجل في لحم بوزن وصفة وموضع ومن سن معلوم وسمى ذلك الشيء فالسلف جائز. 

ID ' '   خمسا إذ لا يمكن إرادة الليالي في الصوم وصار اليوم كأنه مندرج تحت اسم الليلة وجزء منها 

 فيدل عليه باسمها سواء أريدت حقيقة ذلك الاسم من الليلة واليوم تابع لها أم لم ترد واقتصر 

 على إرادة ما يتبعها وهو اليوم. 

 ونقل أبو حيان أنه يقال: صمت خمسة وأنه فصيح. وهذا إن صح لا يعارض قول سيبويه 

 

صفحة : 2578


باب الشفعة 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا تزوجت امرأة على شقص من دار فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا شفعة في ذلك لأحد وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: للشفيع الشفعة بالقيمة وتأخذ المرأة قيمة ذلك منه. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: كيف يكون ذلك وليس هذا شراء يكون فيه شفعة إنما هذا نكاح. أرأيت لو طلقها قبل أن يدخل بها كم للشفيع منها. وبم يأخذ بالقيمة أو بالمهر وكذلك إذا اختلعت بشقص من دار وفي قولهما جميعا قال الشافعي وإذا تزوج الرجل المرأة بنصيب من دار غير مقسومة فأراد شريك المتزوج الشفعة أخذها بقيمة مهر مثلها. ولو طلقها قبل أن يدخل بها كانت الشفعة تامة وكان للزوج الرجوع بنصف ثمن الشفعة. وكذلك لو اختلعت بشقص من دار ولا يجوز أن يتزوجها بشقص إلا أن يكون معلوما محسوبا فيتزوجها بما قد علمت من الصداق فإن تزوجها على شقص غير محسوب ولا معلوم كان لها صداق مثلها ولم يكن فيه شفعة لأنه مهر مجهول فيثبت النكاح وينفسخ المهر ويرد إلى ربه ويكون لها صداق مثلها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل دارا وبنى فيها بناء ثم جاء الشفيع يطلبها بالشفعة فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: يأخذ الشفيع الدار وبأخذ صاحب البناء النقض وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يجعل الدار والبناء للشفيع ويجعل عليه قيمة البناء وثمن الدار الذي اشتراها به صاحب البناء وإلا فلا شفعة له. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا اشترى الرجل نصيبا من دار ثم قاسم فيه وبنى ثم طلبه الشفيع بالشفعة قيل له: إن شئت فأد الثمن الذي اشتراه به وقيمة البناء اليوم وإن شئت فدع الشفعة لا يكون له إلا هذا لأنه بنى غير متعد فلا يكون عليه هدم ما بنى. وإذا اشترى الرجل أرضا أو دارا فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لصاحب الشفعة الشفعة حين علم فإن طلب الشفعة وإلا فلا شفعة له وبه يأخذ. 
وكان ابن أبي ليلى يقول: هو بالخيار ثلاثة أيام بعد علمه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا بيع شقص من الدار والشفيع حاضر عالم فطلب مكانه فله الشفعة. وإن أخر الطلب فذكر عذرا من مرض أو امتناع من وصول إلى السلطان أو حبس سلطان أو ما أشبهه من العذر كان على شفعته ولا وقت في ذلك إلا أن يمكنه وعليه اليمين ما ترك ذلك رضي بالتسليم للشفعة ولا تركا لحقه فيه. فإن كان غائبا فالقول فيه كهو في معنى الحاضر: إذا أمكنه الخروج أو التوكيل 
 

صفحة : 2579

 ولم يكن له حابس فإن ترك ذلك انقطعت شفعته. وإذا أخذ الرجل الدار بالشفعة من المشتري ونقده الثمن فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: العهدة على المشتري الذي أخذ المال وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: فإذا أخذ الرجل الشقص بالشفعة من المشتري فعهدته على المشتري الذي أخذ منه وعهدة المشتري على بائعه إنما تكون العهدة على من قبض المال وقبض منه المبيع. ألا ترى أن البائع الأول ليس بمالك ولو أبرأ الآخذ بالشفعة من الثمن لم يبرأ ولو كان تبرأ إلى المشتري منه من عيب لم يعلم به المستشفع فإن علم المستشفع بعد أخذه بالشفعة كان له رده. وإذا كانت الشفعة لليتيم فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: له الشفعة فإن كان له وصي أخذها بالشفعة وإن لم يكن له وصي كان على شفعته إذا أدرك فإن لم يطلب الوصي الشفعة بعد علمه فليس لليتيم شفعة إذا أدرك. وكذلك الغلام إذا كان أبوه حيا وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا شفعة للصغير. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الشفعة للشريك الذي لم يقاسم وهي بعده للشريك الذي قاسم والطريق واحدة بينهما وهي بعده للجار الملاصق. وإذا اجتمع الجيران وكان التصاقهم سواء فهم شركاء في الشفعة. وكان ابن أبي ليلى يقول بقول أبي حنيفة حتى كتب إليه أبو العباس أمير المؤمنين يأمره أن لا يقضي بالشفعة إلا للشريك الذي لم يقاسم فأخذ بذلك وكان لا يقضي إلا للشريك الذي لم يقاسم وهذا قول أهل الحجاز وكذلك بلغنا عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا بيع الشقص من الدار ولليتيم فيه شفعة أو الغلام في حجر أبيه فلولي اليتيم والأب أن يأخذا للذي يليان بالشفعة إن كانت غبطة فإن لم يفعلا فإذا بلغا أن يليا أموالهما كان لهما الأخذ بالشفعة فإذا علما بعد البلوغ فتركا الترك الذي لو أحدث البيع في تك الحال فتركاه انقطعت شفعتهما فقد انقطعت شفعتهما ولا شفعة إلا فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. وكذلك لو اقتسموا الدار والأرض وتركوا بينهم طريقا أو تركوا بينهم مشربا لم تكن شفعة. ولا نوجب الشفعة فيما قسم بشرك في طريق ولا ماء. وقد ذهب بعض أهل البصرة إلى جملة قولنا فقالوا: لا شفعة إلا فيما بين القوم الشركاء فإذا بقيت بين القوم طريق مملوكة لهم أو مشرب مملوك لهم فإن كانت الدار والأرض مقسومة ففيها شفعة لأنهم شركاء في شيء من الملك. ورووا حديثا عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ شبيها بهذا المعنى أحسبه يحتمل شبيها بهذا المعنى ويحتمل خلافه قال: 
 

صفحة : 2580

 الجار أحق بسقبه إذا كانت الطريق واحدة وإنما منعنا من القول بهذا أن أبا سلمة وأبا الزبير سمعا جابرا وأن بعض حجازيينا يروي عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ في الشفعة شيئا ليس فيه هذا وفيه خلافه وكان اثنان إذا اجتمعا على الرواية عن جابر وكان الثالث يوافقهما أولى بالتثبت في الحديث إذا اختلف عن الثالث وكان المعنى الذي به منعنا الشفعة فيما قسم قائما في هذا المقسوم. ألا ترى أن الخبر عن النبي ﷺ  إن الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة  ولا يجد أحد قال بهذا القول مخرجا من أن يكون قد جعل الشفعة فيما وقعت فيه الحدود فإن قال: فإني إنما جعلتها فيما وقعت فيه الحدود لأنه قد بقي من الملك شيء لم تقع فيه الحدود. قيل: فيحتمل ذلك الباقي أن يجعل فيه الشفعة فإن احتمل فاجعلها فيه ولا تجعلها فيما وقعت فيه الحدود فتكون قد اتبعت الخبر. وإن لم يحتمل فلا تجعل الشفعة في غيره. وقال بعض المشرقيين: الشفعة للجار وللشريك إذا كان الجار ملاصقا أو كانت بين الدار المبيعة والدار التي له فيها الشفعة رحبة ما كانت إذا لم يكن فيها طريق نافذة. وإن كان فيها طريق نافذة وإن ضاقت فلا شفعة للجار. قلنا لبعض من يقول هذا القول: على أي شيء اعتمدتم قال: على الأثر أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال  الجار أحق بسقبه  فقيل له: فهذا لا يخالف حديثنا ولكن هذا جملة وحديثنا مفسر قال وكيف لا يخالف حديثكم قلنا: الشريك الذي لم يقاسم يسمى جارا ويسمى القاسم ويسمى من بينك وبينه أربعون دارا فلم يجز في هذا الحديث إلا ما قلنا: من أنه على بعض الجيران دون بعض فإذا قلناه لم يجز ذلك لنا على غيرنا إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ فلما قال رسول الله ﷺ:  الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة  دل هذا على أن قوله في الجملة  الجار أحق بسقبه  على بعض الجيران دون بعض وأنه الجار الذي لم يقاسم فإن قال: وتسمي العرب الشريك جارا قيل: نعم كل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار قال: فادللني على هذا قيل له: قال حمل بن مالك بن النابغة كنت بين جارتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة وقال الأعشى لامرأته: أجارتنا بيني فإنك طالقة 
 

صفحة : 2581

 فقيل له: فأنت إذا قلت: هو خاص على بعض الجيران دون بعض لم تأت فيه بدلالة على النبي ﷺ ولم تجعله على من لزمه اسم الجوار. وحديث إبراهيم بن ميسرة لا يحتمل إلا أحد المعنيين وقد خالفتهما معا ثم زعمت أن الدار تباع وبينها وبين دار الرجل رحبة فيها ألف ذراع فأكثر إذا لم يكن فيها طريق نافذة فيكون فيها الشفعة. وإن كانت بينهما طريق نافذة عرضها ذراع لم تجعل فيها الشفعة فجعلت الشفعة لأبعد الجارين ومنعتها أقربهما. 
وزعمت أن من أوصى لجيرانه قسمت وصيته على من كان بين داره وداره أربعون دارا فكيف لم تجعل الشفعة على ما قسمت عليه الوصية إذا خالفت حديثنا وحديث إبراهيم بن ميسرة الذي احتججت به قال: فهل قال بقولكم أحد من أصحاب النبي ﷺ قلنا: نعم. ولا يضرنا بعد إذا ثبت عن النبي ﷺ أن لا يقول به أحد. قال: فمن قال به قيل: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعثمان رضي الله تعالى عنه وقال بعض من التابعين: عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عليه وغيره وإذا اشترى الرجل الدار وسمى أكثر مما أخذها به فسلم ذلك الشفيع ثم علم ذلك أنه أخذها بدون ذلك فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هو على شفعته لأنه إنما سلم بأكثر من الثمن وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: لا شفعة له لأنه قد سلم ورضي أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس. وعن الحكم عن يحيى عن علي أنهما قالا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم. الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ.  الجار أحق بسقبه ما كان  أبو حنيفة عن أبي أمية عن المسور بن مخرمة أو عن سعد بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:  الجار أحق بسقبه  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل النصيب من الدار فقال: أخذته بمائة فسلم ذلك الشفيع ثم علم الشفيع بعد أنه أخذه بأقل من المائة فله حينئذ الشفعة وليس تسليمه بقاطع شفعته إنما سلمه على ثمن فلما علم ما هو دونه كان له الأخذ بالشفعة. ولو علم بعد أن الثمن أكثر من الذي سلمه به لم يكن له شفعة من قبل أنه إذا سلمه بالأقل كان الأكثر أولى أن يسلمه به. 

ID ' '   والزمخشري لأنهما إنما قالا فيما يمكن إرادة الليالي والأيام جميعا ولا شك أنه عند إراتهما تغلب 

 الليالي فيضعف التذكير وأما عند إرادة المذكر فقط فالتذكير وإثبات الهاء هو الأصل والحذف 

 

صفحة : 2582


باب المزارعة 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أعطى الرجل الرجل أرضا مزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع أو أعطى نخلا أو شجرا معاملة بالنصف أو أقل من ذلك أو أكثر فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: هذا كله باطل لأنه استأجره بشيء مجهول يقول: أرأيت لو لم يخرج من ذلك شيء كان عمله ذلك بغير أجر وكان ابن أبي ليلى يقول: ذلك كله جائز بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه أعطى خيبر بالنصف فكانت كذلك حتى قبض وخلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وعامة خلافة عمر وبه يأخذ وإنما قياس هذا عندنا مع الأثر ألا ترى أن الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة بالنصف ولا بأس بذلك. وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعن عبد الله بن مسعود وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنهم أعطوا مالا مضاربة وبلغنا عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يعطيان أرضهما بالربع والثلث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا دفع الرجل إلى الرجل النخل أو العنب يعمل فيه على أن للعامل نصف الثمرة أو ثلثها أو ما تشارطا عليه من جزء منها فهذه المساقاة الحلال التي عامل عليها رسول الله ﷺ أهل خيبر. وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا بيضاء على أن يزرعها المدفوعة إليه فما أخرج الله منها من شيء فله منه جزء من الأجزاء فهذه المحافلة والمخابرة والمزارعة التي نهى عنها رسول الله ﷺ فأحللنا المعاملة في النخل خبرا عن رسول الله ﷺ وحرمنا المعاملة في الأرض البيضاء خبرا عن رسول الله ﷺ. ولم يكن تحريم ما حرمنا بأوجب علينا من إحلال ما أحللنا ولم يكن لنا أن نطرح بإحدى سنتيه الأخرى ولا نحرم بما حرم ما أحل كما لا نحل بما أحل ما حرم ولم أر بعض الناس سلم من خلاف النبي ﷺ من واحد من الأمرين: لا الذي أحلهما جميعا ولا الذي حرمهما جميعا. فأما ما روي عن سعد وابن مسعود أنهما دفعا أرضهما مزارعة فمما لا يثبت هو مثله ولا أهل الحديث ولو ثبت ما كان في أحد مع النبي ﷺ حجة. وأما قياسه وما أجاز من النخل والأرض على المضاربة فعهدنا بأهل الفقه يقيسون ما جاء عمن دون النبي ﷺ على ما جاء عن النبي ﷺ وأما أن يقاس سنة النبي ﷺ على خبر واحد من الصحابة كأنه يلتمس أن يثبتها بأن توافق 
 

صفحة : 2583

 الخبر عن أصحابه فهذا جهل. إنما جعل الله عز وجل للخلق كلهم الحاجة إلى النبي ﷺ. وهو أيضا يغلط في القياس. إنما أجزنا نحن المضاربة وقد جاءت عن عمر وعثمان أنها كانت قياسا على المعاملة في النخل فكانت تبعا قياسا لا متبوعة مقيسا عليها فإن قال قائل: فكيف تشبه المضاربة المساقاة قيل: النخل قائمه لرب المال دفعها على أن يعمل فيها المساقي عملا يرجى به صلاح ثمرها على أن له بعضها. فلما كان المال المدفوع قائما لرب المال في يدي من دفع إليه يعمل فيه عملا يرجو به الفضل جاز له أن يكون له بعض ذلك الفضل على ما تشارطا عليه وكان في مثل معنى المساقاة. فإن قال: فلم لا يكون هذا في الأرض قيل: الأرض ليست بالتي تصلح فيؤخذ منه الفضل إنما يصلح فيها شيء من غيرها. وليس بشيء قائم يباع ويؤخذ فضله كالمضاربة ولا شيء مثمر بالغ فيؤخذ ثمره كالنخل وإنما هو شيء يحدث فيها ثم بتصرف لا في معنى واحد من هذين فلا يجوز أن تكون قياسا عليها. 
وهو مفارق لها في المبتدأ والمتعقب. ولو جاز أن يكون قياسا ما جاز أن يقاس شيء نهى عنه النبي ﷺ فيحل به شيء حرمه كما جعل رسول الله ﷺ في المفسد للصوم بالجماع رقبة. فلم يقس عليها المفسد للصلاة بالجماع وكل أفسد فرضا بالجماع. 

ID ' '   ورد في الحديث وحكاه الكسائي فالوجهان فيه فصيحان بخلاف القسم الأول فإن الحذف فيه 

 أفصح هذا إن ثبت: صمنا خمسة كما ادعاه أبو حيان ولعله أخذه من ابن عصفور فإن 

 ثبت ذلك صريحا من كلام غيره وإلا فليتوقف فيه. 

 وقال شيخنا أبو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط المعدود أو 

 ثبوت الهاء في (ستة) مع ثبوت الأيام هو المحفوظ الفصيح وورد في بعض الطرق المتقدمة 

 للدراوردي وحفص بن غياث ثبوت الهاء في: (ستة من شوال) مع سقوط الأيام وهو غريب 

 غير صحيح ولا فصيح. انتهى ما قاله وذكر ذلك في فضل إتباع رمضان بست من شوال 

 وجمع فيه طرق الحديث الوارد فيها فرواه من نيف وستين طريقا ليس فيها ثبوت التاء مع 

 سقوط المعدود إلا من الطريقين اللذين ذكرهما وهو غلط من بعض الرواة الذين لا يتقنون لفظ 

 الحديث. 

 وذكر الواحدي وغيره من المفسرين أن سقوط التاء من قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن أربعة 

 

صفحة : 2584


باب الدعوى والصلح 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا ادعى الرجل الدعوى قبل رجل في دار أو دين أو غير ذلك فأنكر ذلك المدعى عليه الدعوى ثم صالحه من الدعوى وهو منكر لذلك فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول في هذا جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى لا يجيز الصلح على الإنكار وكان أبو حنيفة يقول: كيف لا يجوز هذا وأجوز ما يكون الصلح على الإنكار وإذا وقع الإقرار لم يقع الصلح. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا ادعى الرجل على الرجل دعوى فأنكر المدعى عليه ثم صالح المدعي من دعواه على شيء وهو منكر فالقياس أن يكون الصلح باطلا من قبل أنا لا نجيز الصلح إلا بما تجوز به البيوع من الأثمان الحلال المعروفة فإذا كان هذا هكذا عندنا وعند من أجاز الصلح على الإنكار كان هذا عرضا والعوض كله ثمن ولا يصلح أن يكون العوض إلا بما تصادقا عليه المعوض والمعوض إلا أن يكون في هذا أثر يلزم فيكون الأثر أولى من القياس ولست أعلم فيه أثرا يلزم مثله. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وبه أقول: وإذا صالح الرجل الطالب عن المطلوب والمطلوب متغيب فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: الصلح جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الصلح مردود لأن المطلوب متغيب عن الطالب. وكذلك لو أخر عنه دينا عليه وهو متغيب كان قولهما جميعا على ما وصفت لك. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وإذا صالح الرجل عن الرجل والمصالح عنه غائب أو أنظره صاحب الحق وهو غائب فذلك كله جائز. ولا أبطل بالتغيب شيئا أجيزه في الحضور لأن هذا ليس من معاني الإكراه الذي أرده وإذا صالح الرجل الرجل أو باع بيعا أو أقر بدين فأقام البينة أن الطالب أكرهه على ذلك فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: ذلك كله جائز ولا أقبل منه بينة أنه أكرهه وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: أقبل البينة على الإكراه وأرد ذلك عليه. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: إذا كان الإكراه في موضع أبطل فيه الدم قبلت البينة على الإكراه. وتفسير ذلك أن رجلا لو شهر على رجل سيفا فقال: لتقرن أو لأقتلنك فقال: أقبل منه البينة على الإكراه وأبطل عنه ذلك الإقرار. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أكره الرجل الرجل على بيع أو إقرار أو صدقة ثم أقام المكره البينة أنه فعل ذلك كله وهو مكره أبطلت هذا كله عنه. والإكراه ممن كان أقوى من المكره في الحال التي يكرهه فيها التي لا مانع له فيها من إكراهه ولا يمتنع هو بنفسه سلطانا كان أو لصا أو خارجيا أو رجلا 
 

صفحة : 2585

 في صحراء أو في بيت مغلق على من هو أقوى منه. وإذا اختصم الرجلان إلى القاضي فأقر أحدهما بحق صاحبه بعد ما قاما من عند القاضي وقامت عليه بذلك بينة وهو يجحد ذلك فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ذلك جائز وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا إقرار لمن خاصم إلا عندي ولا صلح لهما إلا عندي. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اختصم الرجلان إلى القاضي فأقر أحدهما عند القاضي في مجلس الحكم أو غير مجلسه أو علم القاضي فإن ثبت لأحدهما على الآخر حق قبل الحكم أو بعده فالقول فيه واحد من قولين: من قال: يقضي القاضي بعلمه لأنه إنما يقضي بشاهدين على أنه عالم في الظاهر أن ما شهدا به كما شهدا قضى بهذا وكان علمه أولى من شهادة شاهدين وشهود كثيرة لأنه لا يشك في علمه ويشك في شهادة الشاهدين. ومن قال: القاضي كرجل من الناس. قال: إن حكم بينهما لم يكن شاهدا وكلف الخصم شاهدين غيره وكان حكمه كحكم من لم يسمع شيئا ولم يعلمه وهذا قول شريح. قد جاءه رجل يعلم له حقا فسأله أن يقضي له به فقال: ائتني بشاهدين إن كنت تريد أن أقضي لك قال: أنت تعلم حقي قال: فاذهب إلى الأمير فأشهد لك ومن قال هذا قال: إن الله عز وجل تعبد الخلق بأن تؤخذ منهم الحقوق إذا تجاحدوا بعدد بينة فلا تؤخذ بأقل منها ولا تبطل إذا جاءوا بها. وليس الحكم على يقين من أن ما شهدت به البينة كما شهدت وقد يكون ما هو أقل منها عددا أزكى فلا يقبل وما تم العمد أنقص من الزكاة فيقبلون إذا وقع عليهم أدنى اسم العدل. ولم يجعل للحاكم أن يأخذ بعلمه كما لم يجعل له أن يأخذ بعلم واحد غيره ولا أن يكون شاهدا حاكما في أمر واحد كما لم يكن له أن يحكم لنفسه لو علم أن حقه حق. قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي: أنه يحكم بعلمه لأن علمه أكبر من تأدية الشاهدين الشهادة إليه. وإنما كره إظهار ذلك لئلا يكون القاضي غير عدل فيذهب بأموال الناس. وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم بينهما فقضى بينهما لقضاء مخالف لرأي القاضي فارتفعا إلى ذلك القاضي فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: ينبغي لذلك القاضي أن يبطل حكمه ويستقبل الحكم بينهم وله يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: حكمه عليهما جائز. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا اصطلح الرجلان على أن يحكم الرجل بينهما في شيء يتنازعان فيه فحكم لأحدهما على الآخر فارتفعا إلى القاضي فرأى خلاف ما يرى الحكم بينهما فلا يجوز في هذا إلا واحد من قولين: إما أن يكون إذا اصطلحا جميعا 
 

صفحة : 2586

 على حكمه ثبت القضاء وافق ذلك قضاء القاضي أو خالفه فلا يكون للقاضي أن يرد من حكمه إلا ما يرد من حكم القاضي غيره من خلاف كتاب أو سنة أو إجماع أو شيء داخل في معناه. وإما أن يكون حكمه بينهما كالفتيا فلا يلزم واحدا منهما شيء فيبتدىء النظر بينهما كما يبتدئه بين من لم يحاكم إلى أحد. 

باب الصدقة والهبة 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهبت المرأة لزوجها هبة أو تصدقت أو تركت له من مهرها ثم قالت: أكرهني وجاءت على ذلك ببينة فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا أقبل بينتها وأمضي عليها ما فعلت من ذلك. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: أقبل بينتها على ذلك وأبطل ما صنعت. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا تصدقت المرأة على زوجها بشيء أو وضعت له من مهرها أو من دين كان لها عليه فأقامت البينة أنه أكرهها على ذلك والزوج في موضع القهر للمرأة أبطلت ذلك عنها كله. وإذا وهب الرجل هبة وقبضها الموهوب له وهي دار فبناها بناء وأعظم النفقة أو كانت جارية صغيرة فأصلحها أو صنعها حتى شبت وأدركت فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يرجع الواهب في شيء من ذلك ولا في كل هبة زادت عند صاحبها خيرا. ألا ترى أنه قد حدث فيها في ملك الموهوبة له شيء لم يكن في ملك الواهب. أرأيت إن ولدت الجارية ولدا كان للواهب أن يرجع فيه ولم يهبه له ولم يملكه قط ولهذا يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع في ذلك كله وفي الولد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهب الرجل للرجل جارية أو دارا فزادت الجارية في يديه أو بنى الدار فليس للواه الذي ذكر أنه وهب للثواب ولم يشترط ذلك أن يرجع في الجارية أي حال ما كانت زادت خيرا أو نقصت. كما لا يكون له إذا أصدق المرأة جارية فزادت في يديها ثم طلقها أن يرجع بنصفها زائدة. فأما الدار فإن الباني إنما بنى ما يملك فلا يكون له أن يبطل بناءه ولا يهدمه ويقال له: إن أعطيته قيمة البناء أخذت نصف الدار والبناء كما يكون لك وعليك في الشفعة يبني فيها صاحبها ولا يرجع بنصفها. كما لو أصدقها دارا فبنتها لم يرجع بنصفها لأنه مبنيا أكثر قيمة منه غير مبني. ولو كانت الجارية ولدت كان الولد للموهوبة لأنه حادث في ملكه بائن منها كمباينة الخراج والخدمة لها. كما لو ولدت في يد المرأة المصدقة ثم طلقت قبل الدخول كان الولد للمرأة ورجع بنصف الجارية إن أراد ذلك. وإذا 
 

صفحة : 2587

 وهب الرجل جارية لابنه وابنه كبير وهو في عياله فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا تجوز إلا أن يقبض وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا كان الولد في عيال أبيه وإن كان قد أدرك فهذه الهبة جائزة. وكذلك الرجل إذا وهب لامرأته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهب الرجل لابنه جارية وابنه في عياله فإن كان الابن بالغا لم تكن الهبة تامة حتى يقبضها الابن وسواء كان في عياله أو لم يكن. وكذلك روي عن أبي بكر وعائشة وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم في البالغين وعن عثمان. أنه رأى أن الأب يجوز لولده ما كانوا صغارا. 
وهذا يدل على أنه لا يجوز لهم إلا في حال الصغر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وهكذا كل هبة ونحلة وصدقة غير محرمة فهي كلها من العطايا التي لا يؤخذ عليها عوض ولا تتم إلا بقبض المعطي. وإذا وهب الرجل دار لرجلين أو متاعا وذلك المتاع مما يقسم فقبضاه جميعا فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: لا تجوز تلك الهبة إلا أن يقسم لكل واحد منهما منها حصته وكان ابن أبي ليلى يقول: الهبة جائزة وبه يأخذ وإذا وهب اثنان لواحد وقبض فهو جائز. وقال أبو يوسف: هما سواء. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهب الرجل لرجلين بعض دار لا تقسم أو طعاما أو ثيابا أو عبدا لا ينقسم فقبضا جميعا الهبة فالهبة جائزة كما يجوز البيع. وكذلك لو وهب اثنان دارا بينهما تنقسم أو لا تنقسم أو عبدا لرجل وقبض جازت الهبة. وإذا كانت الدار لرجلين فوهب أحدهما حصته لصاحبه ولم يقسمه له فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: الهبة في هذا باطلة ولا تجوز وبه يأخذ ومن حجته في ذلك أنا قال: لا تجوز الهبة إلا مقسومة معلومة مقبوضة بلغنا عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه نحل عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها جداد عشرين وسقا من نخل له بالعالية فلما حضره الموت قال لعائشة إنك لم تكوني قبضتيه وإنما هو مال الوارث فصار بين الورثة لأنها لم تكن قبضته وكان إبراهيم يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة وبه يأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فهذا قبض منه للهبة وهذه معلومة وهذه جائزة. وإذا وهب الرجلان دارا لرجل فقبضها فهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا يفسد الهبة أنها كانت لاثنين وبه يأخذ. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فقبض الهبة فالهبة جائزة. والقبض أن تكون كانت في يدي الواهب فصارت في يدي الموهوبة له لا وكيل معه فيها أو يسلمها ربها ويخلي 
 

صفحة : 2588

 بينه وبينها حتى يكون لا حائل دونها هو ولا وكيل له فإذا كان هذا هكذا كان قبضا. والقبض في الهبات كالقبض في البيوع ما كان قبضا في البيع كان قبضا في الهبة وما لم يكن قبضا في البيع لم يكن قبضا في الهبة. وإذا وهب الرجل للرجل الهبة وقبضها دارا أو أرضا ثم عوضه بعد ذلك منها عوضا وقبض الواهب. فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ذلك جائز ولا يكون فيه شفعة وبه يأخذ وليس هذا بمنزلة الشراء. وكان ابن أبي ليلى يقول: هذا بمنزلة الشراء ويأخذ الشفيع بالشفعة بقيمة العوض ولا يستطيع الواهب أن يرجع في الهبة بعد العوض في قولهما جميعا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهب الرجل الرجل شقصا من دار فقبضه ثم عوضه الموهوبة له شيئا فقبضه الواهب سئل الواهب فإن قال: وهبتها لثواب كان فيها الشفعة وإن قال: وهبتها لغير ثواب لم يكن فيها شفعة وكانت المكافأة كابتداء الهبة. 
وهذا كله في قول من قال: للواهب الثواب إذا قال: أردته. فأما من قال: لا ثواب للواهب إن لم يشترطه في الهبة فليس له الرجوع في شيء وهبه ولا الثواب منه. قال الربيع: وفيه قول آخر: إذا وهب واشترط الثواب فالهبة باطلة من قبل أنه اشترط عوضا مجهولا وإذا وهب لغير الثواب وقبضه الموهوب فليس له أن يرجع في شيء وهبه وهو معنى قول الشافعي. وإذا وهب الرجل للرجل هبة في مرضه فلم يقبضها الموهبة له حتى مات الواهب فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول: الهبة في هذا باطلة لا تجوز وبه يأخذ. قال: ولا تكون له وصية إلا أن يكون ذلك في ذكر وصيته وكان ابن أبي ليلى يقول: هي جائزة من الثلث. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا وهب الرجل في مرضه الهبة فلم يقبضها الموهوبة له حتى مات لم يكن للموهوبة له شيء وكانت للورثة. الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة. الأعمش عن إبراهيم قال: الصدقة إذا علمت جازت والهبة لا تجوز إلا مقبوضة وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يأخذ بقول ابن عباس في الصدقة وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وليس للواهب أن يرجع في الهبة إذا قبض منها عوضا قل أو كثر. 

ID ' '   أشهر وعشرا) لتغليب الليالي على الأيام. انتهى. 

 هذا كله في الأيام والليالي أما إذا كان المعدود مذكرا أو مؤنثا غيرها فلا وجه إلا مطابقة 

 القاعدة الأصلية من إثبات التاء في المذكر وحذفها في المؤنث ذكرت المعدود أو حذفته قال