افتح القائمة الرئيسية

كتاب الأم - المجلد السادس1

صفحة : 2038


بسم الله الرحمن الرحيم 

كتاب جراح العمد 

أصل تحريم القتل من القرآن 
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى:  ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به  الآية وقال الله عز وجل:  ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما  الآية وقال الله تبارك وتعالى:  والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق  وقال:  أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض  الآية وقال الله عز وجل:  واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر  إلى  فأصبح من النادمين  وقال عز وجل:  ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها  الآية. 

قتل الولدان: 
قال الشافعي رحمه الله: قال الله عز وجل لنبيه ﷺ:  قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن  الآية وقال جل ثناؤه:  وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت  وقال:  وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم  . قال الشافعي: كان بعض العرب تقتل الإناث من ولدها صغارا خوف العيلة عليهم والعار بهم فلما نهى الله عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين دل على تثبيت النهي عن قتل أطفال المشركين في دار الحرب وكذلك دلت عليه السنة مع ما دل عليه الكتاب من تحريم القتل بغير حق قال الله عز وجل:  قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم  الآية. قال الشافعي: وأخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي معاوية عمر والنخعي قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: سمعت ابن مسعود يقول: سألت النبي ﷺ أي الكبائر أكبر فقال:  أن تجعل لله ندا وهو خلقك  قلت: ثم أي قال:  أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك  . 

تحريم القتل من السنة: 
أخبرنا الثقة عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال:  لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان 
 

صفحة : 2039

 أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس  . قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي يحل أن يعمد مسلم بالقتل ثلاث: كفر ثبت عليه بعد إيمانه أو زنا بعد إحصانه أو قتل نفس عمدا بغير حق وهذا موضوع في مواضعه. قال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:  لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها. 
فقال رسول الله ﷺ:  لا تقتله  فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله فقال رسول الله ﷺ:  لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال  . قال الربيع: معنى قول النبي ﷺ:  فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك  يريد أنه حرام الدم قبل أن تقتله وإنك بمنزلته مباح الدم يريد بقتله قبل أن يقول كلمته التي قال إذ كان مباح الدم قبل أن يقولها لا أن يكون كافرا مثله. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ قال:  من قتل نفسه بشيء من الدنيا عذب به يوم القيامة  أخبرنا مسلم بن خالد بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ مر بقتيل فقال:  من به  لما فلم يذكر له أحد فغضب ثم قال:  والذي نفسي بيده لو اشترك فيه أهل السماء وأهل الأرض لأكبهم الله في النار  وأخبرنا مسلم أيضا بإسناد لا أحفظه أن رسول الله ﷺ قال:  قتل المؤمن يعدل عند الله زوال الدنيا  أخبرنا الثقة: أن رسول الله ﷺ قال:  من أعان على قتل امرئ مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله مع التشديد في القتل  . 

جماع إيجاب القصاص في العمد: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله جل وعز:  ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل  . قال الشافعي: في قول الله عز وجل:  فلا يسرف في القتل  لا يقتل غير 
 

صفحة : 2040

 قاتله وهذا يشبه ما قيل - والله أعلم - قال الله عز وجل:  كتب عليكم القصاص في القتلى  فالقصاص إنما يكون ممن فعل ما فيه القصاص لا ممن لم يفعله فأحكم الله عز ذكره فرض القصاص في كتابه وأبانت السنة لمن هو وعلى من هو. قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتاب:  إن أعدى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن إسحاق قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه: ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب رسول الله ﷺ فقال: كان فيها  لعن الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله جل ذكره على محمد ﷺ  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم أو عن عيسى بن أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ:  من اعتبط مؤمنا بقتل فهو قود به إلا أن يرضى ولي المقتول فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل  أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن سعيد بن أبجر عن أياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ فقال: دعني أعالج هذا الذي بظهرك فإني طبيب فقال: أنت رفيق وقال رسول الله ﷺ:  من هذا 
من عليه القصاص في القتل وما دونه: 
قال الشافعي: لا قصاص على من لم تجب عليه الحدود وذلك من لم يحتلم من الرجال أو تحض من النساء أو يستكمل خمس عشرة سنة وكل مغلوب على عقله بأي وجه ما كانت الغلبة إلا بالسكر فإن القصاص والحدود على السكران كهي على الصحيح وكل من قلنا: عليه القصاص فهو بالغ غير مغلوب على عقله والمغلوب على عقله من السكر دون غيره. قال الشافعي: وإذا أقر الرجل البالغ وهو غير محجور عليه بالغ يجوز إقراره أنه جنى جناية عمدا ووصف الجناية فأثبتها ثم جن أو غلب على عقله فعليه القصاص في العمد منها وأرش الخطأ في ماله ولا يحول ذهاب عقله دون أخذ الحق منه. قال الشافعي: ولو أقر بحق لله من زنا أو ارتد ثم ذهب عقله لم أقم عليه حد الزنا ولم أقتله بالردة لأني أحتاج إلى ثبوته على الإقرار بالزنا وهو 
 

صفحة : 2041

 يعقل وكذلك أحتاج إلى أن أقول له وهو يعقل: إن لم ترجع إلى الإسلام قتلتك. قال الشافعي: ولو أقر وهو بالغ أنه جنى على رجل جناية عمدا وقال: كنت يوم جنيت عليهم صغيرا كان القول قوله في أن لا قود عليه وعليه أرشها في ماله خطأ. فإن أقر بها خطأ لم يضمن العاقلة ما أقربه وضمنه هو في ماله. ولو قال: كنت يوم جنيتها عليه ذاهب العقل بالغا فإن كان يعلم أنه ذهب عقله قبل منه وإن لم يعلم أقيد المجني عليه منه. قال الشافعي: وحيث قبلت منه فعليه اليمين إن طلبها المدعي. قال الشافعي: ولو شهد الشهود على رجل أنه جنى على رجل جناية عمدا سألتهم: أكان بالغا أو صغيرا فإن لم يثبتوه بالغا والمشهود عليه ينكر الجناية أو يقول: كانت وأنا صغير جعلتها جناية صغير وجعلت أرشها في ماله ولم أقد منه. قال: ولو أن رجلا يجن ويفيق جنى على رجل فقال: جنيت عليه في حال جنونه كان القول قوله. ولو شهد الشهود عليه بالجناية ولم يثبتوا كان ذلك في حال جنونه أو إفاقته كان هكذا. وإن أثبتوا أنه كان في حال إفاقته فعليه القصاص وهكذا من غلب على عقله بمرض أي مرض كان أو وجه من الوجوه ما كان غير السكر. ولو أثبتوا أن مجنونا جنى وهو سكران وقالوا: لا ندري ذهاب عقله من السكر أو من العارض الذي به جعلت القول قوله. ولو أثبتوا أنه كان مفيقا من الجنون وأن السكر كان أذهب عقله جعلت عليه القود. ولو شهد شهود على أنه جنى مغلوبا على عقله وآخرون أنه جنى هذه الجناية غير مغلوب على عقله ألغيت البينتين لتكافئهما وجعلت القول قوله مع يمينه. ولو كان يجن ويفيق فشهد له شهود بأنه جنى مغلوبا على عقله وقال هو: بل جنيت وأنا أعقل قبلت قوله وجعلت عليه القود. 
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: جماع القتل ثلاثة وجوه: عمد فيه قصاص فلولي المجني عليه عمد القصاص إن شاء وعمد بما ليس فيه قصاص وخطأ فليس في واحد من هذين الوجهين قصاص. قال: فالعمد في النفس بما فيه القصاص: أن يعمد الرجل الرجل فيصيبه بالسلاح الذي يتخذ لينهر الدم ويذهب في اللحم وذلك الذي يعقل كل أحد أنه السلاح المتخذ للفتل والجراح وهو الحديد المحدد كالسيف والسكين والخنجر وسنان الرمح والمخيط وما أشبهه مما يشق بحده إذا ضرب أو رمي به الجلد واللحم دون ثقله فيجرح. قال الشافعي: وهو السلاح - والله أعلم - الذي أمر الله عز ذكره أن يؤخذ في صلاة الخوف. وكذلك كل ما كان في معناه من شيء له صلابة فحدد حتى صار إذا وجيء به أو رمي به يخرق حده قبل ثقله 
 

صفحة : 2042

 مثل العود يحدد والنحاس والفضة والذهب وغيره. فكل من أصاب أحدا بشيء من هذا جرحه فمات من الجرح ففيه القصاص. قال الشافعي: وإن ضربه بعرض سيف أو عرض خنجر أو مخيط فلم يجرحه فمات فلا قود فيه حتى يكون الحديد جارحا أو شادخا مثل الحجر الثقيل يفضخ به رأسه وعمود الحديد وما أشبهه. قال الشافعي: وكذلك لو ضربه بعمود حديد خفيف لا يشدخ مثله أو بشيء من الحديد لا يشدخ وما كان لا يجرح أو كان خفيفا لا يشدخ وكذلك لو ضربه بحد السيف أو غيره فلم يجرحه ومات ففيه العقل ولا قود فيه. قال الشافعي: وما كان من شيء من الحديد أو غيره على عصا خفيفة شبيهة بالنصيب فضرب به الضربة الواحدة فميت منه فلا قود عليه لأن هذا لا يتخذ لينهر دما ولا يتخذ يمات به وإن قتل قتل بالثقل لا بالحد. قال: وكذلك المعراض يرمي به فلا يجرح ويصيب بعرضه فيموت أو يصيب بنصله فلا يجرح فيموت. قال: وهكذا لو ضربه بحجر لا حد له خفيف فرضخه فمات فلا قود ولو شجه. وكذلك لو ضربه بسوط فبضع فيه أو ضربه أسواطا يرى أن مثله لا يموت من مثلها فمات فلا قود. ولو كان نضوا فضربه عشرة أسواط ومثله يموت فيما يرى من مثلها فمات ففيه القود. ولو كان محتملا فضربه مائة والأغلب أن مثله لا يموت من مثلها فمات فلا قود. وكل حديد له حد يجرح فجرح به جرحا صغيرا أو كبيرا فمات منه ففيه القود لأنه يجرح بحده والحجر يجرح بثقله. ولو كان من المرو أو من الحجارة شيء يحدد حتى يمور مور الحديد فجرح به ففيه القود إن مات المجروح وإن ما جاوز هذا فكان الأغلب منه: أن من ضرب به أو ألقي فيه أو ألقي عليه لم يعش فضرب به رجل رجلا أو ألقاه فيه وكان لا يستطيع الخروج منه أو ألقاه عليه فمات الرجل ففيه القصاص. وذلك مثل أن يضرب الرجل بالخشبة العظيمة التي تشدخ رأسه أو صدره فيشدخه أو خاصرته فيقتله مكانه أو ما أشبه هذا مما الأغلب أنه لا يعاش من مثله. أو بالعصا الخفيفة فيتابع عليه الضرب حتى يبلغ من عدد الضرب ما يكون الأغلب أنه لا يعاش من مثله وكذلك السياط وما في هذا المعنى. وذلك أن يضربه على خاصرته أو في بطنه أو على ثدييه ضربا متتابعا أو على ظهره المائتين أو الثلثمائة أو على أليتيه فإذا فعل هذا فلم يقلع عنه إلا ميتا أو مغمى عليه ثم مات ففيه القود. وفي أن يسعر الحفرة حتى إذا انجحمت ألقاه فيها أو يسعر النار على وجه الأرض ثم يلقيه فيها مربوطا أو يربطه ليغرقه في الماء فإن فعل هذا فمات في مكانه أو مات بعد من ألم ما أصابه ففيه 
 

صفحة : 2043

 القود. قال الشافعي: فإذا سعر النار على وجه الأرض فألقاه فيها وهو زمن أو صغير. 
فكذلك وإن ألقاه فيها صحيحا فكان يحيط العلم أنه يستطيع أن يتخلص منها فترك التخلص فمات فلا قود. وإن عالج التخلص فغلبه كثرتها أو التهابها ففيه القود. وكذلك إن ألقي فيها فلم يزل يتحرك يعالج الخروج فلم يخرج حتى مات أو أخرج وبه منها حرق الأغلب أنه لا يعاش منه فمات منه ففيه القود. وإن كان بعض هذا وهو يقدر على التخلص بأن يكون إلى جنب أرض لا نار عليها فإنما يكفيه أن ينقلب فيصير عليها أو يقول أقمت وأنا على التخلص قادر أو ما أشبه هذا مما عليه الدلالة بأنه يقدر على التخلص لم يكن فيه عقل ولا قود. وقد قيل: يكون فيه العقل وإن ألقاه في ماء قريب من ساحل وهو يحسن العوم ولم تغلبه جرية الماء فمات فلا قود. وإن كان لا يحسن العوم وألقاه قريبا من نجوة أرض أو جبل أو سفينة مقيمة وهو يحسن العوم فترك التخلص فلا قود. وإن ألقاه في ماء لا يتخلص في الأغلب منه فمات فعليه القود. ولو كان الأغلب أنه يتخلص منه فأخذه حوت فلا قود وعليه العقل.  قال. أبو محمد  وقد قيل: يتخلص أو لا يتخلص سواء أن لا قود عليه وعليه العقل. قال الربيع: وأصح القولين: أن لا عقل في النفس ولا قود لأنه هو الذي قتل نفسه إذا كان يقدر أن يتخلص فيسلم من الموت فترك التخلص وعلى الطارح أرش ما أحرقت النار منه أول ما طرح قبل أن يمكنه التخلص. قال الشافعي: وإن خنقه فتابع عليه الخنق حتى يقتله ففيه القود. وكذلك إن غمه بثوب أو غيره فتابع عليه الغم حتى يموت ففيه القود. وإن تركه حيا ثم مات بعد فلا قود إلا أن يكون الخنق أو الغم قد أورثه ما لا يجري معه نفسه فيموت من ذلك ففيه القود. قال الربيع: وقد قيل: يتخلص أو لا يتخلص أن لا قود عليه وعليه العقل لأنه لم يمت من اليد. قال الشافعي: وجماع هذا أن ينظر إلى من قتل بشيء مما وصفت غير السلاح المحدد فإن كان الأغلب أن من نيل منه يقتله ويقتل مثله في مثل سنه وصحته وقوته أو حاله إن كانت مخالفة لذلك قتلا وحيا كقتل السلاح أو أوحى ففيه القود. وإن كان الأغلب أن من نيل منه بمثل ما نيل منه يسلم ولا يأتي ذلك على نفسه فلا قود فيه. قال الشافعي: وضرب القليل على الخاصرة يقتل في الأغلب ولا يقتل مثله لو كان في ظهر أو أليتين أو فخذين أو رجلين. والضرب القليل يقتل النضو الخلق الضعيفة في الأغلب والأغلب أن لا يقتل قويه ويقتل في الأغلب في البرد الشديد والحر الشديد ولا يقتل في الأغلب في غيرهما. قال الشافعي: فمن نال من امرئ شيئا فأنظر إليه في الوقت 
 

صفحة : 2044

 الذي ناله فيه فإن كان الأغلب أن ما ناله به يقتله ففيه القود وإن كان الأغلب أن ما ناله به لا يقتله فلا قود فيه. قال الشافعي: وإن طين رجل على رجل بيتا ولم يدعه يصل إليه طعام ولا شراب أياما حتى مات أو حبسه في موضع وإن لم يطين عليه ومنعه الطعام أو الشراب مدة الأغلب من مثلها أنه يقتله فمات قتل به وإن مات في مدة الأغلب أنه يعيش من مثلها ففيها العقل ولا قود فيه. قال الشافعي: فإن حبسه فجاءه بطعام أو شراب ومنعه الطعام فلم يشربه حتى مات ولم تأت عليه مدة يموت أحد منع الطعام في مثلها فلا عقل ولا قود لأنه ترك أن يشرب فأعان على نفسه ولم يمنعه الطعام مدة الأغلب أنه يموت أحد منعها الطعام. ولو كانت المدة التي منعه فيها الطعام مدة الأغلب أنه يموت أحد من مثلها قتل به وإن كان الأغلب أنه لا يمات من مثلها ضمن العقل. قال الشافعي: وإذا أقدته بما صنع به حبس ومنع كما حبسه ومنعه فإن مات في تلك المدة وإلا قتل بالسيف. 

باب العمد فيما دون النفس: 
قال الشافعي رحمه الله: وما دون النفس مخالف للنفس في بعض أمره في العمد. فلو عمد رجل عين رجل بإصبعه ففقأها كان فيها القصاص لأن الإصبع تأتي فيها على ما يأتي عليه السلاح في النفس وربما جاءت على أكثر وهكذا لو أدخل الرجل أصبعه في عينه فاعتلت فلم تبرأ حتى ذهب بصرها أو انتجفت كان فيها القصاص. قال الشافعي: ولو لطمه لطمة في رأسه فورمت ثم اتسعت حتى أوضحت لم يكن فيها قصاص لأن الأغلب من اللطمة أنها قلما يكون منها هكذا فتكون في حكم الخطأ. قال الشافعي: ولو ضرب رأسه بحجر محدد أو حجر له ثقل غير محدد فأوضحه أو أدماه ثم صارت موضحة كان فيها القود لأن الأغلب مما وصفت من الحجارة أنها تصنع هذا. ولو كانت حصاة فرماه بها فورمت ثم أوضحت لم يكن فيها قصاص وكان فيها عقلها تاما لأن الأغلب أنها لا تصنع. هذا فعلى هذا ما دون النفس مما فيه القصاص كله ينظر إذا أصابه بالشيء فإن كان الأغلب أنه يصنع به مثل ما يصنع بشيء من الحديد في النفس فأصابه به ففيه القود وإن كان الأغلب أنه لا يصنع ذلك إلا قليلا إن كان فلا قود فيه وفيه العقل. وهذا على مثال ما يصنع في النفس في إثبات القصاص وتركه وأخذ العقل فيه. قال الشافعي: وجماع محرفة قتل العمد من الخطأ: أن يعمد الرجل إلى الرجل بالعصا الخفيفة أو قال: عصا في أليتيه أو بالسياط في ظهره الضرب الذي الأغلب أنه لا يمات من 
 

صفحة : 2045

 مثله أو ما دون ذلك من اللطم والوجء والصك والضربة بالشراك وما أشبهها وكل هذا من العمد الخطأ الذي لا قود فيه وفيه العقل. قال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:  ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها  أخبرنا عبد الوهاب عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال الشافعي: فالدية في هذا على العاقلة من قبل أنه خطأ في القتل وإن كان عمدا في الفعل يستطاع فيه القصاص ولا يكون فيه القصاص. والدية في مضي ثلاث سنين. قال الشافعي: وهذا معنى مما وصفت من الضرب الذي الأغلب فيه أنه يعاش من مثله ولم ألق أحدا من أهل الفقه والنظر يخالف في أن هذا معناه. فأما أن يشدخ الرجل رأس الرجل بالحجر أو يتابع عليه ضرب العصا أو السياط متابعة الأغلب أن مثله لا يعيش من مثلها فهذا أكبر من القتل بالضربة بالسكين والحديدة الخفيفة في الرأس واليد والرجل وأعجل قتلا وأحرى أن لايعيش أحد منه في الظاهر. 
قال الشافعي رحمه الله: من العلم العام الذي لا اختلاف فيه بين أحد لقيته فحدثنيه: وبلغني عنه من علماء العرب أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله ﷺ تباين في الفضل ويكون بينها ما يكون بين الجيران من قتل العمد والخطأ فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه فأخذ بذلك بعض من بين أظهرها من غيرها بأقصد مما كانت تأخذ به فكانت دية النضيري ضعف دية القرظي وكان الشريف من العرب إذا قتل يجاوز قاتله إلى من لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها وربما لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم فقتل بعض غنى شأس بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جذيمة فقالوا له أو بعض من ندب عنهم: سل في قتل شأس فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها قالوا: وما هي قال: تحيون لي شأسا أو تملئون ردائي من نجوم السماء أو تدفعون إلي غنيا بأسرها فأقتلها ثم لا أرى أني أخذت منه عوضا. وقتل كليب وائل فاقتتلوا دهرا طويلا واعتزلهم بعضهم فأصابوا ابنا له يقال له بجير فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي فبجير بكليب وكفوا عن الحرب. فقالوا: بجير بشسع نعل كليب فقاتلهم وكان معتزلا. قال الشافعي: وقال: إنه 
 

صفحة : 2046

 نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون به في الجاهلية هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا وحكم الله تبارك وتعالى بالعدل فسوى في الحكم بين عباده الشريف منهم والوضيع  أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون  فقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضا بدماء وجراح فنزل فيهم:  يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى  إلى قوله:  ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  الآية. والآية التي بعدها: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا معاذ بن موسى عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال معاذ: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفر حفظ معاذ منهم: مجاهدا والحسن والضحاك بن مزاحم قال في قوله:  فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان  الآية قال: كان كتب على أهل التوراة أنه من قتل نفسا بغير نفس حق له أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا تقبل منه الدية. وفرض على أهل الإنجيل أن يعفى عنه ولا يقتل ورخص لأمة محمد ﷺ: إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا فذلك قوله عز وجل:  ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية ولا يقتل. ثم قال:  فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم  يقول: من قتل بعد أخذه الدية فله عذاب أليم. وقال في قوله:  ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون  يقول: لكم في القصاص حياة ينتهي بعضكم عن بعض أن يصيب مخافة أن يقتل أخبرنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت مجاهدا يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله عز وجل لهذه الأمة:  كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء  قال: العفو أن تقبل الدية في العمد.  فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  مما كتب على من كان قبلكم.  فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم  . قال الشافعي: وما قال ابن عباس في هذا كما قال والله سبحانه أعلم. 
وكذلك ما قال مقاتل لأن الله عز وجل إذ ذكر القصاص ثم قال:  فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان  لم يجز - والله أعلم - أن يقال: إن عفي بأن صولح على أخذ الدية لأن العفو ترك حق بلا عوض فلم يجز إلا أن يكون إن عفى عن القتل فإذا عفا لم يكن إليه سبيل وصار للعافي القتل مال في مال القاتل وهو دية قتيله فيتبعه بمعروف ويؤدي إليه القاتل بإحسان. فلو كان إذا عفا عن القاتل لم يكن له شيء لم يكن للعافي يتبعه ولا على 
 

صفحة : 2047

 القاتل شيء يؤديه بإحسان. قال: وقد جاءت السنة مع بيان القرآن في مثل معنى القرآن. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال:  إن الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فإن ارتخص أحد فقال: أحلت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام كحرمتها بالأمس ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل  . قال الشافعي: وأنزل الله جل ثناؤه  ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل  فيقال: - والله أعلم في قوله -  فلا يسرف في القتل  لا يقتل غيرقاتله. قال الشافعي: في قوله تبارك وتعالى:  كتب عليكم القصاص في القتلى  إنها خاصة في الحيين اللذين وصف مقاتل بن حيان وغيره ممن حكيت قوله في غير هذا الموضع. ثم أدبها أن يقتل الحر بالحر إذا قتله والأنثى بالأنثى إذا قتلتها ولا يقتل غير قاتلها إبطالا لأن يجاوز القاتل إلى غيره إذا كان المقتول أفضل من القاتل كما وصفت ليس أنه لا يقتل ذكر بالأنثى إذا كانا حرين مسلمين ولا أنه لا يقتل حر بعبد من هذه الجهة إنما يترك قتله من جهة غيرها. وإذا كانت هكذا أشبه أن تكون لا تدل على أن لا يكون يقتل اثنان بواحد إذا كانا قاتلين قال الشافعي: وهي عامة في أن الله عز ذكره أوجب بها القصاص إذا تكافأ دمان وإنما يتكافئان بالحرية والإسلام وعلى كل ما وصفت من عموم الآية وخصوصها دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع. قال الشافعي: فأيما رجل قتل قتيلا فولي المقتول بالخيار: إن شاء قتل القاتل وإن شاء أخذ منه الدية وإن شاء عفا عنه بلا دية. قال الشافعي: وإذا كان لولي المقتول أخذ المال وترك القصاص كره ذلك القاتل أو أحبه لأن الله عز وجل إنما جعل السلطان للولي والسلطان على القاتل. فكل وارث من زوجة أو غيرها سواء وليس لأحد من الأولياء أن يقتل حتى يجتمع جميع الورثة على القتل وينتظر غائبهم حتى يحضر أو يوكل وصغيرهم حتى يبلغ ويحبس القاتل إلى اجتماع غائبهم وبلوغ صغيرهم: فإن مات غائبهم أو صغيرهم أو بالغهم قبل اجتماعهم على القتل فلوارث الميت منهم في الدم والمال مثل ما كان للميت من أن يعفو أو يقتل. 

 

صفحة : 2048

 قال الشافعي: فإذا أخذ حقه من الدية فذلك له ولا سبيل له إلى الدم إذا أخذ الدية أو عفا بلا دية. قال الشافعي: ولو كان على المقتول دين وكانت له وصايا لم يكن لأهل الدين ولا الوصايا العوض في القتل إلن أراد الورثة فإن عفا الورثة وأخذوا الدية أو عفا أحدهم كانت الدية حينئذ مالا من ماله يكون أهل الدين أحق بها ولأهل الوصايا حقهم منها. قال الشافعي: ولو لم تختر الورثة القتل ولا المال حتى مات القاتل كانت لهم الدية في ماله يحاصون بها غرماءه كدين من دينه. قال الشافعي: ولو اختاروا القتل فمات القاتل قبل يقتل كانت لهم الدية في ماله لأن المال إنما يبطل عنهم بأن يختاروا القتل ويقتلون فيكونون مستوفين لحقهم من أحد الوجهين. وكذلك لو قضى لهم بالقصاص بعد اختياره فمات المقضي عليه بالقصاص قبل يقتل كانت لهم الدية في ماله. قال الشافعي: ولو لم يمت القاتل ولكن رجل قتله خطأ فأخذت له دية كانت الدية مالا من ماله لا يكون أهل القتيل الأول أحق بها من غرمائه كما لا يكونون أحق بما سواها من ماله ولهم الدية في ماله يكونون بها أسوة الغرماء. قال الشافعي: ولو جرحه رجل عمدا ثم عفا المجروح عن الجرح وما حدث منه ثم مات من ذلك الجرح لم يكن إلى قتل الجارح سبيل بأن المجروح قد عفا القتل فإن كان عفا عنه ليأخذ عقل الجرح أخذت منه الدية تامة لأن الجرح قد صار نفسا وإن كان عفا عن العقل والقصاص في الجرح ثم مات من الجرح فمن لم يجز الوصية للقاتل أبطل العفو وجعل الدية تامة للورثة لأن هذه وصية لقاتل. ومن أجاز الوصية للقاتل جعل عفوه عن الجرح وصية يضرب بها القاتل في الثلث مع أهل الوصايا وقال: فيما زاد من الدية على عقل الجرح قولين: أحدهما له مثل عقل الجرح لأنه مال من ماله ملك عنه والآخر: لا يجوز لأنه لا يملك إلا بعد موته عنه. قال الشافعي: ولو قتل نفر رجلا عمدا كان لولي القتل أن يقتل في قول من قتل أكثرمن واحد بواحد أيهم أراد ويأخذ ممن أراد منهم الدية بقدر ما يلزمه منها كأنهم كانوا ثلاثة فعفا عن واحد فيأخذ من الاثنين ثلثي الدية أو بقتلهما إن شاء. قال الشافعي: وإذا كانوا نفرا فضربوه معا فمات من ضربهم وأحدهم ضارب بحديدة والآخر بعصا خفيفة والآخر بحجر أو سوط فمات من ذلك كله وكلهم عامد للضرب فلا قصاص فيه من قبل أني لا أعلم بأي الضرب كان الموت وفي بعض الضرب مالا قود فيه بحال وعلى العامد بالحديد حصته من الدية في ماله وعلى الآخرين حصتهما على عاقلتهما. قال الشافعي: وكذلك لو كان فيهم واحد رمى شيئا فأخطأ به فأصابه معهم 
 

صفحة : 2049

 كانت على جميع العامدين بالحديد الدية في حصصهم في أموالهم حالة وعلى عاقلة المخطئ بالحديدة حصته من الدية كما تكون دية الخطأ. قال الشافعي: ولو عفا المقتول عن هؤلاء كلهم كان القول فيمن لا يجيز للقاتل وصية أو من يجيزها كما وصفت وقال في الذي يشركهم بخطأ قولين: أحدهما أن الوصية للعاقلة لا للقاتل فجميع ما أصاب العاقلة من حصة صاحبهم من الدية وصية لهم جائزة من الثلث. والآخر: أن لا تجوز له وصية لأنها لا تسقط عن العاقلة إلا بسقوطها عنه فهي وصية للقاتل. قال الربيع: القول الثاني أصح عندي. قال الشافعي: والقول في الرجل يجرح الرجل جرحا يكون في مثله قصاص فيبرأ المجروح منه أن للمجروح في جرحه مثل ما كان لأوليائه في قتله من الخيار فإن شاء استقاد من جرحه وإن شاء أخذ عقل الجرح من مال الجارح حالا يكون غريما من الغرماء يحاص أهل الدين. قال الشافعي: وما أصابه من جرح عمدا لا قصاص فيه فعقله في مال الجارح حال. قال الشافعي: ولو جنى رجل على رجل جنايات كان له أن يستقيد مما أراد ويأخذ العقل مما أراد منها. وكذلك لو جنى عليه نفر كان له أن يستقيد من بعضهم ويأخذ من بعض العقل. قال الشافعي: ولو كان القاتل أو الجارح عبدا أو ذميا أو حرا مسلما كان لولي المقتول وللمجروح في نفسه على الجاني أو اختيار العقل من العبد والذمي فإن اختاروه أو اختاره فاقتصوا أو اقتص فلا شيء لهم غير القصاص. 
فإن اختاروا أو اختار العقل فذلك في مال الذمي حال يكونون في ماله غرماء له وفي عتق العبد كاملا يباع فيه. فإن بلغ العقل كاملا فذلك لولي الدم أو المجروح وإن لم يبلغ لم يلزم سيده منه شيء وإن زاد ثمن العبد على العقل رد إلى سيد العبد وإن شاء سيد العبد قبل هذا كله أن يؤدي عقل النفس أو الجرح متطوعا غير مجبور عليه لم يبع عليه عبده وقد أدى جميع ما في عنقه. قال الشافعي: ولوكان الجاني عبدا على عبد كان لسيد العبد الخيار في القصاص أو العقل وليس للعبد في ذلك خيار إن كانت الجناية جرحا برئ منه. وسواء كان العبد مرهونا أو غير مرهون إلا أنه إذا أخذ له عقلا وهو مرهون خير: بين أن يدفع ما أخذ له من العقل رهنا إلى المرتهن أو يجعله قصاصا من دينه. ولا يمنع القصاص قول المرتهن: إنما جعلت عليه إذا أخذ العقل أن يجعله رهنا أو قصاصا لأنه يقوم مقام بدن العبد إن مات أو نقص بدنه لنقص الجراح له وإن لم يمت. وسواء هذا في المدبر وأم الولد لمالك المملوك في هذا كله. فأما المكاتب فذلك إليه دون سيده يقتص إن شاء أو يأخذ الدية فإن أخذ الدية خلى بينه وبينها كما 
 

صفحة : 2050

 يخلى بينه وبين ماله.  قال أبو محمد الربيع  : وفي المكاتب يجنى عليه جناية فيها قصاص أنه ليس له أن يقتص من قبل أنه قد يعجز فيصير رقيقا فيكون قد أتلف على سيده المال الذي هو بدل من القصاص وله أن يأخذ العقل ويكون أولى به من السيد يستعين به في كتابته. قال الشافعي: وإذا اختار العقل في قتل العمد الذي فيه القصاص فهو حال في النفس وما دونها وكل عمد وإن كان ديات في مال الجاني موسرا كان أو موسرا لا تحمل العاقلة من قتل العمد شيئا. قال الشافعي: وإن أحب الولاة أو المجروح العفو في القتل بلا مال ولا قود فذلك لهم. فإن قال قائل: فمن أين أخذت العفو في القتل بلا مال ولا قود قيل: من قول الله جل ثناؤه:  فمن تصدق به فهو كفارة له  ومن الرواية عن رسول الله ﷺ: في أن في العفو عن القصاص كفارة أو قال شيئا يرغب به في العفو عنه فإن قال قائل: فإنما قال رسول الله ﷺ  من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالعقل  قيل له: نعم هو فيما يأخذون من القاتل من القتل والعفو بالدية والعفو بلا واحد منهما ليس بأخذ من القاتل إنما هو ترك له كما قال:  ومن وجد عين ماله عند معدم فهو أحق به  ليس أن ليس له تركه ولا ترك شيء يوجب له إنما يقال: هو له وكل ما قيل له أخذه فله تركه. قال الشافعي: وإذا قتل الرجل الرجل عمدا ثم مات القاتل فالدية في مال القاتل. لأنه يكون لأولياء المقتول أن يأخذوا أيهما شاءوا إلا أن حقهم في واحد دون واحد. فإذا فات واحد فحقهم ثابت في الذي كان حقهم فيه إن شاءوا وهو حي. قال الشافعي: وكذلك للرجل إذا جرحه الرجل الخيار في القصاص في الجرح فإن مات الجارح فله عقل الجرح إن شاء حالا كما وصفت في مال الجارح. قال الشافعي: وسواء أي ميتة مات القاتل والجارح بقتل أو غيره فدية المقتول الأول وجرحه في ماله فإن جرح رجل جراحات في كلها قصاص فللمجروح الخيار في كل جرح منها كما يكون في جرح واحد لو جرحه إياه وإن شاء اقتص من بعضها وأخذ الدية من بعضها وإن شاء ذلك في كلها فهو له. قال الشافعي: كأنه قطع يديه ورجليه وأوضحه فإن شاء قطع له يدا ورجلا وأخذ عقل يد ورجل وإن شاء أوضحه وإن شاء أخذ أرش الموضحة إذا كان له الخيار في كل كان له الخيار في بعض. قال الشافعي: وكذلك ورثة المقتول والمجروح بعد موته إن أحبوا اقتصوا للميت من النفس أو الجرح إن لم يكن نفس وإن أحبوا أخذوا العقل وإن أحبوا إذا كانت جراح ولم يكن نفس أن يأخذوا أرش بعض الجراح ويقتصوا من بعض كان لهم. قال 
 

صفحة : 2051

 الشافعي: ومن قتل اثنين بواحد أو أكثر بواحد فقتل عشرة رجلا عمدا فلأولياء المقتول أن يقتلوا من شاءوا منهم وأن يأخذوا الدية ممن شاءوا فإذا أخذوا الدية لم يكن لهم أن يأخذوا من واحد إلا عشر الدية وإذا كانت الدية فإنما يغرمها الرجل على قدر من شركه فيها وهي خلاف القصاص. قال الشافعي: وإن قطع رجل يدي رجل ورجليه ثم مات المقطوعة يداه ورجلاه من تلك الجراح فأراد ورثته القصاص كان لهم أن يصنعوا ما صنع بصاحبه وإن أرادوا أن يقتلوه ويأخذوا أرشا فيما صنع به لم يكن لهم وإذا كانت النفس فلا أرش للجراح لدخول الجراح في النفس ولهم أن يأخذوا دية النفس كلها ويدعوا القصاص. قال الشافعي: ولو أرادوا أن يقطعوا يديه ورجليه أويديه دون رجليه أو بعض أطرافه التي قطع منه ويدعوا قتله كان ذلك لهم إذا قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويقتلوه قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك به ويدعوا قتله. فإن قالوا: نقطع يديه ثم نأخذ منه دية أو بعضها لم يكن ذلك لهم. وقيل: إذا قطعتم يديه فقد أخذتم منه ما فيه الدية فلا يكون لكم عليه زيادة إلا القطع أو القتل فأما مال فلا. ولو قطعوا له يدا أو رجلا ثم قالوا: نأخذ نصف الدية كان لهم ذلك لأنه لو قطع يديه فأرادوا أخذ القود من يد والأرش من أخرى كان لهم ذلك ولا يكون لهم ذلك حتى يبرأ. قال الشافعي: ولو كانت المسألة بحالها فجرحه جائفة مع قطع يديه ورجليه فمات فقال ورثته: نجرحه جائفة ونقتله لم يمنعوا ذلك وإن أرادوا تركه بعدها تركوه ولو قالوا على الابتداء نجرحه جائفة ولا نقتله لم يتركوا. وذلك أنهم إنما يتركون إذا قالوا: نقتله بما يقاد منه في الجناية وأما ما لا يقاد منه فلا يتركون وإياه. 
قال الشافعي رحمه الله: قال الله تعالى:  ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل  . قال الشافعي: فكان معلوما عند أهل العلم ممن خوطب بهذه الآية: أن ولي المقتول من جعل الله تعالى له ميراثا منه. وقال رسول الله ﷺ:  من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالعقل  ولم يختلف المسلمون علمته في أن العقل وموروث كما يورث المال وإذا كان هكذا فكل وارث ولي الدم كما كان لكل وارث ما جعل الله له من ميراث الميت زوجة كانت له أو ابنة أو أما أو ولدا أو والدا لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم إذا كان لهم أن يكونوا بالدم مالا كما لا يخرجون من سواه من ماله. قال الشافعي: فإذا قتل رجل رجلا فلا سبيل إلى القصاص إلا بأن يجمع جميع ورثة الميت من كانوا وحيث كانوا 
 

صفحة : 2052

 على القصاص فإذا فعلوا فلهم القصاص. وإذا كان على الميت دين ولا مال له أو كانت له وصايا كان للورثة القتل. وإن كره أهل الدين والوصايا لأنهم ليسوا من أوليائه. وأن الورثة إن شاءوا ملكوا المال بسببه وإن شاءوا ملكوا القود وكذلك إن شاءوا عفوا على غير مال ولا قود لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة الورثة أو بمشيئة المجني عليه إن كان حيا. وإذا كان في ورثة المقتول صغار أو غيب لم يكن إلى القصاص سبيل حتى يحضر الغيب ويبلغ الصغار فإذا اجتمعوا على القصاص فذلك لهم. وإذا كان في الورثة معتوه فلا سبيل إلى القصاص حتى يفيق أو يموت فتقوم ورثته مقامه. وأي الورثة كان بالغا فعفا بمال أو بلا مال سقط القصاص وكان لمن بقي من الورثة حصته من الدية. وإذا سقط القصاص صارت لهم الدية. قال الشافعي: وإذا كان للدم وليان فحكم لهما بالقصاص أو لم يحكم حتى قال أحدهما: قد عفوت القتل لله أو قد عفوت عنه أو قد تركت  الاقتصاص منه أو قال القاتل: اعف عني فقال: قد عفوت عنك فقد بطل القصاص عنه وهو على حقه من الدية. وان أحب أن يأخذه به أخذه لأن عفوه عن القصاص غير عفوه عن المال إنما هو عفو أحد الأمرين دون الآخر. قال الله تعالى:  فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان  يعني: من عفى له عن القصاص. قال الشافعي: ولو قال: قد عفوت عنك القصاص والدية لم يكن له قصاص ولم يكن له نصيب من الدية. ولو قال: قد عفوت ما لزمك لي لم يكن هذا عفوا للدية وكان عفوا للقصاص وإنما كان عفوا للقصاص دون المال ولم يكن عفوا للمال دون القصاص ولا لهما لأن الله عز وجل حكم بالقصاص ثم قال:  فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف  . فأعلم أن العفو مطلقا إنما هو ترك القصاص لأنه أعظم الأمرين. وحكم بأن يتبع بالمعروف ويؤدي إليه المعفو له بإحسان. وقوله: ما يلزمك لي على القصاص اللازم كان له وهو محكوم عليه إذا عفي له عن القصاص بأن يؤدي إليه الدية حتى يعفوها صاحبها. ولو قال: قد عفوت عنك الدية لم يكن هذا عفوا له عن القصاص لأنه ما كان مقيما على القصاص فالقصاص له دون الدية وهو لا يأخذ القصاص والدية. وكذلك لو قال: قد عفوت عن الدية ثم مات القاتل فإن له أخذ الدية لأنه عفا عنها وليست له إنما تكون له بعد عفوه عن القصاص. وإن عفا الولي عن الدية والقصاص وعليه دين جاز عفوه ولو عفاهما في مرضه الذي مات فيه كان عفوه جائزا وكان عفوه حصته من الدية وصية. قال الشافعي: ولو كان للمقتول وليان فعفا أحدهما القصاص لم 
 

صفحة : 2053

 يكن للباقي إلا الدية وإن كان محجورا فعفاها فعفوه باطل وليس لوليه إلا أخذها من القاتل ولو عفاها وليه كان عفوه باطلا. وكذلك لو صالح وليه منها على شيء ليس بنظر له لم يجز له من ذلك إلا ما يجوز له من البيع والشراء عليه على وجه النظر. قال الشافعي: وإذا عفا المحجور عن القصاص جاز عفوه عنه وكانت له ولورثته معه الدية لأن في عفوه عن القصاص زيادة في ماله وعفوه المال نقص فلا يجوز عفوه المال. قال الشافعي: ومن جاز له عفو ماله سوى الدية جاز ذلك له في الدية ومن لم يجز عفو ماله سوى الدية لم يجز له عفو الدية. قال الشافعي: ولو قال أحد الورثة: قد عفوت عن القاتل أو قد عفوت حقي عن القاتل ثم مات قبل يبين كان لورثته أخذ حقه من الدية ولم يكن لهم القصاص. فإن ادعى القاتل أنه قد عفا الدية والقود فعليه البينة. وإن أراد إحلاف الورثة ما يعلمونه عفاهما أحلفوهم وأخذوا بحقهم من الدية. قال الشافعي: ولو كان العافي حيا فادعى عليه القاتل أنه قد عفا عنه الدم والمال أحلف له كما يحلف في دعواه عليه فيما سوى ذلك. قال الشافعي: وكل جناية على أحد فيها القصاص دون النفس كالنفس للمجني عليه القصاص إذا أراد أو أخذ المال أو العفو بلا مال فإن مات من غير الجراح قبل أن يقتص أو يعفو فوليه يقوم في الاقتصاص والعفو مقامه والقول فيه كالقول في النفس لا يختلفان. 

باب الشهادة في العفو: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا مات المجني عليه في النفس أو غيرها فشهد أحد ورثته أن أحدهم عفا القصاص أو عفا المال والقصاص فلا سبيل إلى القصاص كان الشاهد ممن تجوز شهادته أو لا تجوز شهادته إذا كان بالغا وارثا للمقتول لأن في شهادته إقرارا أن دم القاتل ممنوع وإن لم تكن تجوز شهادته أحلف المشهود عليه ما عفا المال وكانت له حصته: من الدية. 
ولا يحلف ما عفا القصاص لأنه لا سبيل إلى القصاص ولا أحلفه على ما إذا حلف عليه لم أطرح عنه بيمينه ما شهد به عليه. قال الشافعي: ولو كان ممن تجوز شهادته حلف القاتل مع شهادته له أنه عفا عنه المشهود عليه القصاص بالمال وبرئ من حصة المشهود عليه من الدية وأخذ من بقي من الورثة منهم حصصهم من الدية. ولو شهد شاهدان على الوارث أنه قال: قد عفوت عن دم أبي أو عفوت عن فلان دم أبي أو عفوت عن فلان تباعتي في دم أبي أو عفوت عن فلان ما يلزمه لأبي. أو ما يلزمه لي من قبل أبي كان هذا كله عفوا للدم ولم يكن 
 

صفحة : 2054

 عفوا لحصته من الدية حتى يبين فيقول: قد عفوت عنه الدم والدية أو الدم وما يلزمه من المال. ولو شهدوا أنه وصل كلامه فقال: قد عفوت عن القصاص والعقوبة في الذمة لم يكن هذا عفوا للمال حتى يقول: قد عفوت عنه الدم والمال الذي يلزمه لأبي وكذلك لو قال: قد عفوت عنه دم وما يلزمه لأنه قد يرى العقوبة تلزمه وليس هذا عفوا للمال حتى يسميه. قال الشافعي: ولو وصل فقال: قد عفوت عنه الذي يلزمه في دم أبي من قصاص وعقوبة في مال لم يكن عفوا عن الدية حتى يقول: ما يلزمه لي من المال أو ما يلزمه من المال. لأنه قد يجهل فيرى أن عليه أن يحرق له مال أو يقطع أو يعاقب فيه فالدية ليست عقوبة وعليه في هذا كله اليمين ما عفا الدية. ولو شهد اثنان من الورثة على الاثنين وشهد الاثنان المشهود عليهما على الشاهدين عليهما أنهم عفوا الدية والقصاص كانت شهادتهم جائزة وليس في شيء من شهادتهم ما يجرون به إلى أنفسهم ولا يدفعون به عنها لأنه قد كان لكل واحد منهم عفو الدم. 
وإن لم يرضه صاحبه وليست تصير حصة واحد منهم عفوا إلى صاحبه فيكون جارا بها إلى نفسه شيئا. قال الشافعي: وإذا كان للدم وليان أحدهما غائب أو صغير أو حاضر لم يأمره بالقتل ولم يخيره فعدا أحد الوليين فقتل قاتل أبيه ففيها قولان: أحدهما لا قصاص بحال. قال الشافعي: وإنما يسقط من قال هذا القود عنه إذا لم يجمع ورثة المقتول عليه للشبهة. وإن قول الله عز وجل:  فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل  يحتمل أي ولي قتل كان أحق بالقتل. 
وقد كان يذهب إلى هذا أكثر مفتي أهل المدينة فيقولون: لو قتل رجل له مائة ولي فعفا تسعة وتسعون كان للباقي الذي لم يعف القود وينزل منزلة الحد يكون للرجل فيموت فيعفو أحد بنيه أن للآخر القيام به فبهذا أسقط من قال هذا القصاص عن القاتل والتعزير إن كان ممن يجهل. 
وإن كان ممن لا يجهل عزر بالتعدي بالقتل دون غيره من ولاة الدم ثم قيل لولاة الدم معه: لكم حصة من الدية فإن عفوتموها تركتم حقكم وإن أردتهم أخذها فهي لكم والقول ممن يأخذونها واحد من قولين: أحدهما أنها لهم في مال القاتل ويرجع بها ورثة القاتل في مال قاتله ومن قال هذا قال: إن عفوا عن القاتل الدية رجع ورثة القاتل المقتول على قاتل صاحبهم بحصة الورثة معه من الدية. قال الشافعي: القول الثاني: أنها للورثة في مال أخيهم لأنه قاتل قاتل أبيهم لأن الدية إنما كانت تلزمه لو كان لم يقتله ولي فإذ قتله ولي يدرأ عنه القصاص فلا يجتمع عليه القتل ويوجب الدية في ماله. قال الشافعي: والقول الثاني: أن على من قتل من الأولياء 
 

صفحة : 2055

 قاتل أبيه القصاص حتى يجتمعوا على القتل. وإذا قتل الرجل الرجل. فقال: قتل ابني أو رجلا أنا وليه طلب بالبينة فإن أقامها بأنه قتله عمدا عزر ولم يكن عليه عقل ولا قود ولا كفارة وإن لم يقمها اقتص منه. ولو قتل رجل له وليان: فقتل أحدهما قاتل أبيه وادعى أن الولي معه أذن له أحلف الولي المدعى عليه فإن حلف كان له نصيبه من الدية على ما وصفت وإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ من نصيبه من الدية. ولو أن رجلا له وليان أو أولياء فعفا أحد أوليائه القصاص ثم عدا عليه أحد الأولياء فقتله وقال: لم أعلم عفو من معي ففيها قولان: أحدهما أن عليه القصاص فإذا اقتص منه فنصيبه من الدية في مال القاتل المقتول الذي اقتص منه. والآخر: أن يحلف ما علم عفوه ثم عوقب ولم يقتص منه وأغرم ديته حالة في ماله يرفع عنه منها بقدر نصيبه من دية المقتول الذي هو وارثه وان لم يحلف حلف أولياء المقتول الآخر لقد علم. ثم في القصاص منه قولان: أحدهما أن يقتص منه. والآخر لا قصاص منه. ومن قال: يقتص منه جعل لورثة المقتول الأول في مال القاتل نصيبهم من الدية وللذي قتل به حصته من الدية لما أخذ منه القصاص. قال الشافعي: فإذا عفا أحد الورثة القصاص فحكم الحاكم لهم بالدية فأيهم قتل القاتل قتل به إلا أن يدع ذلك ورثته. 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا جنى الرجل على الرجل الجناية فيها قصاص فقال المجني عليه: قد عفوت عن الجاني جنايته علي وبرأ المجني عليه من الجناية سقط القصاص عن الجاني وسئل المجني عليه فإن قال: قد عفوت له القصاص والمال جاز عفوه للمال إن كان يلي ماله وإن كان لا يلي ماله جاز عفوه للقصاص وأخذ له المال لأنه ليس له أن يهب من ماله شيئا. وهكذا إن مات من جناية الجاني وهو يلي ماله سئل ورثته: فإن قالوا: لا نعلمه عفا المال أحلفوا ما علموه عفا المال وأخذوا المال من مال الجاني إلا أن يأتي الجاني ببينة على عفوه المال والقصاص معا فيجوز له العفو. ولو جاء الجاني ببينة أنه قال: قد عفوت عنه ما يلزمه في جنايته علي لم يكن هذا عفو المال حتى يبين فيقول: من قصاص وأرش فيجوز عفو المال. ولو مات المجني عليه من جناية الجاني بعد قوله: قد عفوت عن الجاني جنايته علي سقط القصاص وكان عليه في ماله دية النفس. وكذلك لو قال: قد عفوت عنه ما لزمه في جنايته علي من عقل وقود وما يحدث منها كان هكذا. ولو قال: قد عفوت عنه ما لزمه في جنايته علي من عقل وقود فلم يمت من الجناية وصح قبل أن يموت ومات من غيرها جاز العفو فيما لزمه بالجناية نفسها ولم يجز فيما 
 

صفحة : 2056

 لزمه بزيادتها لأن الزيادة لم تكن وجبت له يوم عفا ولم تكن وصية بحال وكانت كهبة وهبها مريضا ثم صح فتجوز جواز هبة الصحيح. ولو كانت المسألة بحالها فلم يصح حتى جرحه رجل آخر. فخرج الأول من أن يكون قاتلا كان أرش الجرح كله وصية جائزة يضرب بها مع أهل الوصايا لأنه ليس بقاتل.  قال أبو محمد  : والقول الثاني: أنه قاتل مع غيره فلا تجوز له وصية إلا أن يكون الجارح الثاني قد ذبحه أو قطعه باثنين فيكون هو القاتل وتجوز الوصية للأول لأن الثاني هو القاتل. قال الشافعي: ولو كانت المسألة بحالها فقال: قد عفوت عنه الجناية وما يحدث فيها وما يلزمه منها من عقل وقود ثم مات من الجناية فلا سبيل إلى القود بحال العفو عنه والنظر إلى أرش الجناية نفسها فكان فيها قولان: أحدهما: أنه جائز العفو عنه من ثلث مال العافي عنه كأن كان شجه موضحة فعفا عقلها وقودها فيرفع عنه من الدية نصف عشرها لأنه وجب للمجني عليه في الجناية ويأخذ الباقي لأنه عفا عما لم يجب له فلا يجوز عفوه فيه. والقول الثاني: أن يؤخذ بجميع الجناية لأنها صارت نفسا وهذا قاتل لا تجوز له وصية بحال. قال الربيع: وهذا أصح القولين عندي. قال الشافعي: ولو كانت الجناية يدين ورجلين ثم مات منها وعفا جاز له العفو في القول الأول من الثلث لأن الدية وجبت له وأكثر إلا أن ذلك نقص بالموت. ولم يجز له في القول الثاني لأنها صارت نفسا وهذا قاتل. قال الشافعي: وإذا قال الرجل للرجل: قد عفوت عنك العقل والقود في كل ما جنيت علي فجنى عليه بعد القول لم يكن هذا عفوا وكان له العقل والقود لأنه عفا عنه ما لم يجب له. قال الشافعي: وإذا جنى الرجل على أبي الرجل جرحا فقال ابنه وهو وارثه: قد عفوت عن جنايتك على أبي في العقل والقود معا لم يكن هذا عفوا لأن الجناية لأبيه ولا يكون له القيام بها إلا أن يموت أبوه وله إذا مات أبوه أن يأخذ العقل أو القود لأنه لم يعف بعد ما وجب له ولو عفاه بعد موت أبيه لم يكن له عقل ولا قود إذا عفاهما معا. 

جناية العبد على الحر فيبتاعه الحر والعفو عنه: 
قال الشافعي: وإذا جنى عبد على حر جناية فيها قصاص فعليه القصاص أو الأرش والجناية والدية كلها في رقبة العبد. فإن عفا القصاص والأرش جاز العفو إن صح منها من رأس المال وإن مات منها أو من غيرها قبل يصح جاز العفو لأنه من الثلث يضرب به سيد العبد في ثلث مال الميت مع أهل الوصايا بالأقل من الدية والأرش ما كان أو قيمة رقبة عبده ليس عليه 
 

صفحة : 2057

 غيره. وإنما أجزناها هنا أنها وصية لسيد العبد وسيده ليس بقاتل ولو كانت جناية العبد على الحر موضحة فقال: قد عفوت عنه القصاص والعقل وما يحدث في الجناية جاز له العفو عن الموضحة ولم يجز له ما بقي لأنه عفا عما لم يجب له ولم يوص إن وجب له أن يعفو عنه. 
ولو أنه قال: إن مت من الموضحة أو ازدادت فزيادتها بالموت وغيره وصية له جاز العفو من الثلث. ألا ترى أن رجلا لو كان له في يدي رجل مال فقال: ما ربح فيه فلان فهو هبة لفلان لم يجز ولو قال: وصية لفلان جاز. قال الشافعي: ولو كان العبد جنى على الحر جناية أقر بها العبد ولم تقم بها بينة فقال الحر: قد عفوت الجناية وعقلها أو ما يحدث فيها لم يكن له قصاص بحال العفو وكان العقل إنما يجب على العبد إذا عتق فكان عفوه عنه العقل كعفوه عن الحد يجوز للعبد منه إذا عتق ما يجوز للجاني الحر المعفو عنه ويرد عنه ما يرد عن الحر. ولو جنى عبد على حر موضحة عمدا فابتاع الحر العبد من سيده بالموضحة كان هذا عفوا للقصاص فيها ولم يجز البيع إلا أن يعلما معا أرش الموضحة فيبتاع المجني عليه العبد فيكون البيع جائزا. 
وهكذا لو كانت أكثر من موضحة أو أقل لأن الأثمان لا تجوز إلا معلومة عند البائع والمشتري. 
قال الشافعي: ولو وجد المشتري بالعبد عيبا كان له رده وكان له رده وكان له في عنقه أرش الجناية بالغا ما بلغ. ولو أخذه بشراء فاسد فمات في يدي المشتري كانت على المشتري قيمته يحاص بها من أرش الجناية التي وجبت له في عنقه. ولو أن عبدا جنى على حر عمدا فأعتق سيد العبد العبد وهو يعلم بالجناية أو لا يعلم فسواء وللحر القود إلا أن يشاء العقل فإن شاء فعلى السيد المعتق الأقل من أرش العقل أو قيمة رقبة العبد وجناية العبد على الحر عمدا وخطأ سواء. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا جنت المرأة على الرجل موضحة عمدا أو خطا فنكحها على الموضحة فالنكاح عليها عفو للجناية ولا سبيل إلى القود والنكاح ثابت. وإن كانا قد علما أرش الجناية كان مهرها أرش الجناية في العمد خاصة فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أرش الموضحة وإن نكحها على أرش موضحة خطأ كان النكاح جائزا وكان لها مهر مثلها وله على عاقلتها أرش موضحة لأنه إنما نكحها بدين له على غيرها ولا يجوز صداق دين على غير المصدق. وهذا كله إذا عاش من الجناية فإن كانت الجناية خطأ أو عمدا فمات منها فكان الصداق جائزا وزادها فيه على صداق مثلهما ردت إلى صداق مثلها ورجع 
 

صفحة : 2058

 عليها بالفضل لأنها تصير وصية لوارث فلا تجوز. ولو جنت على عبد له جناية فنكحها عليها جاز كنكاحه إياها على جناية نفسه في المسائل كلها إلا في أن الصداق إذا كان جائزا وكان أكثر من مهر مثلها ومات العبد جائز لأنها لم تجن على السيد فيكون قابلا ولم يكن صداقها في معنى الوصايا بحال فلا يجوز منه ما جاوز صداق مثلها. 

الشهادة في الجناية: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ويقبل في القتل والحدود سوى الزنا شاهدان. وإذا كان الجرح والقتل عمدا لم يقبل فيه إلا شاهدان ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا يمين وشاهد إلا أن يكون الجرح عمدا مما لا قصاص فيه بحال مثل الجائفة. ومثل جناية من لا قود عليه من معتوه أو صبي أو مسلم على كافر أو حر على عبد أو أب على ابنه فإذا كان هذا قبل فيه شهادة رجل وامرأتين ويمين وشاهد لأنه مال بكل حال. فإن كان الجرح هاشمة أو مأمومة لم يقبل فيه أقل من شاهدين لأن الذي شج هاشمة أو مأمومة إن أراد أن آخذ له القصاص من موضحة فعلت لأنها موضحة وزيادة. فإذا كانت الجناية الأدنى إن أراد أن آخذ له فيها قودا أخذتها لم أقبل فيها شهادة شاهد ويمين ولا شاهد وامرأتين. وإذا كان لا قصاص في أدنى شيء منها ولا أعلاه قبلت فيها شاهدا وامرأتين وشاهدا ويمينا. وإذا ادعى رجل على رجل قتل عمد وقال: قد عفوت القود أو قال لي: القود أو المال وأنا آخذ المال وسأل أن يقبل له شاهد وامرأتان أو يمين وشاهد لم يكن ذلك له لأنه لا يجب له مال حتى يجب له قود. وإذا ادعى رجل على رجل جرحا عمدا أو خطأ لم أقبل له شهادة وارث له بحال لأنه قد يكون نفسا فيستوجب بشهادته الدية. ولو أن رجلا له ابن وابن عم فادعى جرحا فشهد له ابن دمه قبلت شهادته لأنه ليس بوارث له فإن لم يحكم بها حتى مات ابنه طرحت شهادة ابن عمه لأنه قد صار وارثا للمشهود له لأنه لو مات ورثه وإن حكم بها ثم مات ابنه فصار ابن دمه 
الشهادة في الأقضية: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا أقام الرجل على الرجل شاهدين بقتل عمدا وهو ممن يستفاد منه للمقتول فأتى المشهود عليه برجلين من عاقلته غير ولده أو والده يشهدان له على جرح الشاهدين اللذين شهدا عليه قبلت شهادتهما لأنهما لا يعقلان عنه في العمد فيدفعان عن أنفسهما بشهادتهما عقلا. ولو ادعى عليه قتل خطأ وأقام به عليه شاهدين فجاء المشهود 
 

صفحة : 2059

 عليه برجلين من عاقلته يجرحان الشاهدين لم تجز شهادتهما لأنهما يدفعان عن أنفسهما ما يلزمهما من العقل. وكذلك لو كانا من عاقلته فقيرين لا يلزمهما لذلك عقل لم تقبل شهادتهما لأنه قد يكون لهما مال في وقت العقل فيؤخذ منهما العقل فيكونا دافعين بشهادتهما عن أنفسهما. ولو شهد شاهدان على رجل بقتل أو جرح خطأ فجاء المشهود عليه برجال من عصبته يجرحونهما انبغى للحاكم أن ينظر: فإن كان الذين جرحوهما ممن يلزمه أن يعقل عن المشهود عليه حين شهدوا إن حكم بشهادتهما لم تقبل شهادتهما وذلك أن لا يكون من هو أقرب إليه نسبا منهما يحمل العقل عنه وإن كان من هوأقرب إليه نسبا منهما يحمل العقل عنه حتى لا يخلص إلى أن يعقل الشاهدان عنه إلا بعد موت الذين يحملون العقل عنه من العاقلة أو حاجتهم 
ما تقبل عليه الشهادة في الجناية: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا أقبل في الشهادة على الجناية إلا ما أقبل في الشهادة على الحقوق إلا في القسامة. فلو أن رجلا جاء بشاهدين يشهدان أن رجلا ضربه بسيف وقفتهما فإن قالا: أنهر دمه ومات مكانه من ضربه قبلت شهادتهما وإن قالا: ما ندري أنهر دمه أو لم ينهر لم أجعله بها جارحا. ولو قالا: ضربه في رأسه فرأينا دما سائلا لم أجعله جارحا إلا بأن يقولا: سال من ضربته ثم لم أجعلها دامية حتى يقولا: وأوضحها. وهذه هي نفسها أو هي في موضع كذا وكذا. فإن برأ منها فأراد القصاص لم أقصه إلا بأن يقولا: هي هذه بعينها أو يصفاها طولها وعرضها. فإن قالا: أوضحه ولا ندري كم طول الموضحة لم أقصه منه. وإن قالا: أوضحه في رأسه ولا نثبت أين موضع الموضحة لم أقصه لأني لا أدري أين آخذ منه القصاص من رأسه وجعلت عليه الدية. لأنهما قد ثبتا على أنه أوضحه في رأسه. ولو قالا: ضربه فقطع إحدى يديه والمقطوع إحدى يديه مقطوع اليد الأخرى قصاص إذا لم يثبتا اليد التي قطع وعلى الجاني الأرش في ماله لأنهما أثبتا قطع يده. ولو قالا: قطع إحدى يديه ولم يثبتا أي اليدين هي أيده المقطوعة هي أم يده الأخرى قيل. أنتم ضعفاء ليست له إلا يدان بينوا فإن فعلوا قبلت وإن لم يفعلوا قبلت وقضي عليه وكان هؤلاء ضعفاء. قال الشافعي: وهكذا في رجليه وأذنيه وكل ما ليس فيه منه إلا اثنان فقطع أحدهما. ولو شهدا أن هذا قطع يد هذا. 
وقال هذا: يوم الخميس وقال هذا: يوم الجمعة لم تقبل شهادتهما إن كان عمدا لاختلافهما فإن كل واحد منهما يبرئ الجاني أن يكون فعل في اليوم الذي زعم الآخر أنه فعل فيه. وكذلك لو 
 

صفحة : 2060

 شهد عليه شاهدان أنه قتل بمكة يوم كذا وشهد آخران أنه قتل بمصر ذلك اليوم أو أنه قتل إنسانا بمصر في ذلك اليوم أو جرحه أو أصاب. حدا سقط كل هذا عنه لأن كل واحدة من البينتين تبرئه مما شهدت به عليه الأخرى. وهذا في العمد والخطأ سواء إذا لم يكن إلا أن يكون أحدهما قد كان والآخر لم يكن وبطلتا معا عنه لأن الحكم عليه بإحداهما ليس بأوجب عليه من الحكم عليه بالأخرى وأحلف كما يحلف المدعي عليه بلا بينة. وليس كالذي يظاهر عليه من الأخبار التي تقر في نفس الحاكم أنه كما قالوا: لا يبرأ من تلك الشهادة وإن لم تكن قاطعة بمعنى غيرهم فيكون في هذا القسامة ولا يكون ذلك في المسألة الأولى ولا يكون ذلك إلا بدلالة. ولو شهد شاهد أنه قتله يوم الخميس وآخر أنه قتله يوم الجمعة كان باطلا لأن كل واحد يكذب الآخر ولا يكون قاتلا له يوم الخميس ويوم الجمعة. وهكذا لو شهد رجل أنه قتله بكرة والآخر أنه عشية والآخر أنه خنقه حتى مات والآخر أنه ضربه بسيف حتى مات كانت هذه شهادة متضادة لا تلزمه. ولو أن رجلين شهدا على رجلين أنهما قتلا رجلا وشهد المشهود عليهما أن الشاهدين قتلاه وكانت شهادتهما في مقام واحد فإن صدقهما أولياء الدم معا فالشهادة باطلة وكذلك إن كذبوهما. وإن ادعوا شهادتهما. فشهدا قبل أن يشهد الآخر إن قبلت شهادتهما وجعلت المشهود عليهما اللذين شهدا بعد ما شهد عليهما بالقتل دافعين عن أنفسهما بشهادتهما وأبطلت شهادتهما. وإن ادعوا شهادة اللذين شهدا آخرا أبطلت الشهادة لأن الأولين قد شهدا عليهما فدفعا عن أنفسهما ما شهد به عليهما قبل أن يشهدا وإن لم يدعوا شيئا تركتهم حتى يدعوا كما وصفت لك. قال الشافعي رحمه الله: فإن جاءوا جميعا معا لم أقبل شهادتهم لأنه ليس في شهادة أحد منهم شيء إلا في شهادة الآخر مثلها فليس واحد منهم أولى بالرد ولا القبول من الآخر. ولو شهد شاهد على رجل أنه أقر: أنه قتل رجلا خطأ في يوم غير اليوم الذي شهد به صاحبه كان قول العامة: إن هذا جائز لأنه شهادة على قول. 
وهكذا إقرار الناس في يوم بعد يوم ومجلس بعد مجلس وهو مخالف للفعل. ولو شهد أحدهما أنه أقر: أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله ولم يقل عمدا ولا خطأ جعلته قاتلا وجعلت القول قول القاتل. فإن قال: عمدا ففيه القصاص وإن قال: خطأ حلف ما قتله عمدا وكانت الدية في ماله في مضي ثلاث سنين. ولو شهد أحدهما أنه أقر: أنه قتله عمدا والآخر أنه أقر: أنه قتله خطأ سألته وجعلت القول قوله فإن قال: خطأ أحلفته على العمد وجعلته 
 

صفحة : 2061

 عليه في ثلاث سنين لأن كليهما يشهد بالإقرار بالقتل: أحدهما عمدا والآخر خطأ وقد يكونان صادقين لأنهما يشهدان على قول بلا فعل. قال الشافعي: ولو كانا شهدا على قتل فقال أحدهما: قتله بحديدة وقال الآخر: بعصا كانت شهادتهما باطلة لأنهما متضادان ولا يكون قاتله بحديدة حتى يأتي على نفسه وبعصا حتى يأتي عليها. ولو شهد أحدهما على أنه قتله وشهد الآخر على أنه أقر بقتله لم تجز شهادتهما ولم تكن هذه شهادة متضادة يكذب بعضها بعضا ولكني لم أجزها لأنها ليست بمجتمعة على شيء. وإن كان القتل المشهود عليه أو المقر به خطأ أحلف أولياء الدم مع شاهدهم واستحقوا الدية بما تستحق به الحقوق. وإن كان عمدا أحلفوا أيضا قسامة لأن مثل هذا يوجب القسامة في الدم واستحقوا الدية بالقسامة. ولو شهد شاهدان أن هذا قتل فلانا أو هذا قد أثبتا أحدهما بغير عينه لم تكن هذه شهادة قاطعة وكانت في هذا قسامة على أحدهما كما تكون على أهل القرية قتله بعضهم. ولو شهدا أن هذا الرجل بعينه قتل عبد الله بن محمد أو سالم بن عبد الله لا يدري أيهما قتل لم تكن هذه شهادة ولا في هذا قسامة لأن أولياء كل واحد منهما إذا طلبوا لم يكونوا بأحق من غيرهم. قال الشافعي: ولا أقبل الشهادة حتى يثبتوها. فإن قالوا: نشهد أنه ضربه في رأسه ضربة بسيف أو حديدة أو عصا فرأيناه مشجوجا هذه الشجة لم أقص منه حتى يقولوا: فشجه بها هذه الشجة. قال الشافعي: وهكذا لو قالوا: نشهد أنه ضربه وهو ملفف فقطعه باثنين أو جرحه هذا الجرح ولم يبينوا أنه كان حيا حين ضربه لم أجعله قاتلا ولا جارحا حتى يقولوا: ضربه وهو حي أو تثبت بينة أنه حين ضربه كان حيا أو كانت فيه الحياة بعد ضربه إياه فيعلم أن الضربة كانت وهو حي وأقبل قول الجاني مع يمينه إذا لم تقم بينة بأن هذه الشجة لم تكن من فعله وأنه ضربه ميتا. وهكذا لو شهدوا أن قوما دخلوا بيتا فغابوا ثم هدمه هذا عليهم فقال: هدمته بعد ما ماتوا جعلت القول قوله حتى تثبت البينة أن الحياة كانت فيهم حين هدم هذا البيت. قال الربيع: وللشافعي فيه قول ثان يشبه هذا: أن الملفوف بالثوب والقوم الذين كانوا في البيت فهدمه عليهم على الحياة حتى يعلم أو تقوم بينة أنهم ماتوا قبل أن يهدم البيت عليهم. قال الشافعي: وهكذا لو أقر فقال: ضربته فقطعته وهدمت البيت على هؤلاء وهم موتى أو ضربت فم هذا الرجل وأسنانه ساقطة كان القول قوله مع يمينه حتى تقوم بينة بخلاف ما قال. وإذا شهد شاهدان أن هذا الرجل ضرب هذا الرجل ضربة 
 

صفحة : 2062

 أثبتناها فلم يبرأ جرحها حتى مات المضروب فلا قصاص عليه إلا بأن يقر بأنه مات أو يثبت الشهود أنه مات منها أو من غيرهم ممن رأى الضربة وإن لم يره حين ضربه أو يثبت الشهود الذين رأوا الضربة أو الذين شهدوا على أصل الضربة أنه لم يزل لازما للفراش منها حتى مات. 
فإذا كان هكذا فالظاهر أنه مات منها وعليه القود. وإذا لم يكن من هذا واحد حلف الجاني ما مات منها وضمن أرش الجرح فإن نكل حلفوا وكان لهم الدية أو القصاص فيه إن كان ممن يقتص منه. 

تشاح الأولياء على القصاص: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا قتل الرجل الرجل عمدا بسيف وله ولاة رجال ونساء تشاح الأولياء على القصاص فطلب كلهم تولي قتله. قيل: لا يقتله إلا واحد فإن سلمتموه لرجل منكم ولي قتله وإن اجتمعتم على أجنبي يقتله خلي وقتله وإن تشاححتم أقرعنا بينكم فأيكم خرجت قرعته خليناه وقتله. ولا يقرع لامرأة ولا يدعها وقتله لأن الأغلب أنها لا تقدر على قتله إلا بتعذيبه. وكذلك لو كان فيهم أشل اليمنى أو ضعيف أو مريض لا يقدر على قتله إلا بتعذيبه أقرع بين من يقدر على قتله ولا يدع يعذبه بالقتل. قال الشافعي: وإذا لم يكن إلا ولي واحد مريض لا يقدر على قتله إلا بتعذيبه قيل له وكل من يقتله ولا يترك وقتله يعذبه. 
وكذلك إن كان ولاته نساء لم تقتله امرأة بقرعة. قال: وينظر إلى السيف الذي يقتله به فإن كان صارما وإلا أعطي صارما. قال الشافعي: وإذا كان الولي صحيحا فخرجت قرعته وكان لا يحسن يضرب أعطيه ولي غيره حتى يقتله قتلا وحيا. قال: فإن لم يحسن ولاته الضرب أمر الوالي ضاربا بضرب عنقه. قال الشافعي: وإن ضرب القاتل ضربة فلم يمت في ضربة أعيد عليه الضرب حتى يموت بأصرم سيف وأشد ضرب قدر عليه. وإذا كان للقتيل ولاة فاجتمعوا على القتل فلم يقتل القاتل حتى يموت أحدهم كف عن قتله حتى يجمع ورثة الميت على القتل. ولو لم يمت ولكن ذهب عقله لم يقتل حتى يفيق أو يموت فتقوم ورثته مقامه. وسواء أذن في قتله أو لم يأذن لأنه قد يأذن ثم يكون له أن يعفو بعد الإذن فإن تفوت أحد من الورثة فقتله كان كما وصفت في الرجلين يقتل أبوهما فيفوت أحدهما بالقتل وغرم نصيب الميت. 
والمعتوه من الدية والولي المحجور عليه وغير المحجور عليه في ولاية الدم والقيام بالقصاص وعفو الدم على المال سواء. و. إن عفا المحجور عليه القصاص على غير مال فالعفو عن الدم 
 

صفحة : 2063

 جائز لا سبيل معه إلى القود وله نصيبه من الدية لأنه لا يجوز له إتلاف المال ويجوز له ترك القود. قال الشافعي: فإذا اقترع الولاة فخرجت قرعة أحدهم وهو يضعف عن قتله أعيدت القرعة على الباقين وهكذا تعاد أبدا حتى تخرج على من يقوى على قتله. 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا ضرب الرجل الرجل ضربة فمات منها فخلي الولي وقتله فقطع يده أو رجله أو ضرب وسطه أو مثل به لم يكن عليه عقل ولا قود ولا كفارة وأوجع عقوبة بالعدوان في المثلة. قال الشافعي: ولو جاء يضرب عنقه فضرب رأسه مما يلي العنق أو كتفيه وقال: أخطأت أحلف ما عمد ما صنع ولم يعاقب وقيل: اضرب عنقه ولو ضرب مفرق رأسه أو وسطه أو ضربه ضربة الأغلب أنه لا يخطئ بمثلها من أراد ضرب العنق عوقب ولم يحلف إنما يحلف من يمكن أن يصدق على ما حلف عليه. ويقال: اضرب عنقه. وإن قال: لا أحسن إلا هذا قبل منه ووكل من يحسن. فإن لم يجد من يتوكل له وكل الإمام له من يقتله ولا يقتله حتى يستأمر الولي فإن أذن له أن يقتله قتله. فلو أن الوالي أذن لرجل أو امرأة بقتل رجل قضى له عليه بالقصاص فذهب ليقتله ثم قال الولي: قد عفوت عنه قبل أن يقتله فقتله قبل أن يعلم العفو عنه ففيها قولان: أحدهما أن ليس على القاتل شيء إلا أن يحلف بالله ما علمه عفا عنه ولا على الذي قال قد عفوت عنه. قال الشافعي: والقول الثاني: أنه يغرم الدية ويكفر إن حلف وأقل حالاته أن يكون قد أخطأ بقتله. ومن قال هذا قال: ولو وكل الولاة رجلا بقتل رجل لهم عليه قود فتنحى به وكيلهم ليقتله فعفا كلهم أو أحدهم وأشهد على العفو قبل أن يقتل الذي عليه القود لم يصل العفو إلى الوكيل حتى قتل الذي عليه القود لم يكن على الوكيل الذي قتل قصاص لأنه قتله على أنه مباح له خاصة وعليه الدية والكفارة ولا يرجع بها على الولي الذي أمره لأنه متطوع له بالقتل ويحلف الوكيل ما علم العفو فإن حلف لم يقتل ووداه وإلا حلف الولي لقد. علمه وقتله. قال الشافعي: هذا القول أحسنهما. لأن المقتول صار ممنوعا بعفو الولي عنه القتل وهذا أشبه بمعنى العبد يعتق ولا يعلم الرجل بعتقه فيقتله فيغرم دية حر. والكافر يسلم ولا يعلم الرجل بإسلامه فيقتله فتكون ديته دية مسلم قال: فهو مخالف لهما في قتل العمد. قال الربيع: يريد به قتل العبد وهو يعرفه حرا مسلما. 

الوكالة: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وتجوز الوكالة بتثبيت البينة على القتل عمدا أو خطأ فإذا كان 
 

صفحة : 2064

 القود لم يدفع إليه حتى يحضره ولي القتيل أو يوكله بقتله قال: وإن وكله بقتله كان له قتله. قال الشافعي: وإذا قتل الرجل من لا ولي له عمدا فللسطان أن يقتل به قاتله وله أن يأخذ له الدية ويدفعها إلى جماعة المسلمين ويدع القاتل من القتل وليس له عفو القتل والدية لأنه لا يملكها دون المسلمين فيعفو ما يملك. قال الشافعي: ولو قتل رجل له أولياء صغار فقراء لم يكن للوالي عفو دمه على الدية وكان عليه حبسه حتى يبلغ الولاة فيختاروا القتل أو الدية أو يختار الدية بالغ منهم فإن اختارها لم يكن إلى النفس سبيل وكان على أولياء الصغار أن يأخذوا لهم الدية لأن النفس قد صارت ممنوعة وللمولى عليه عفو الدم وليس له عفو المال لأنه يتلف بعفو المال ماله ولا يتلف بعفو الدم ملكا له. 

قتل الرجل بالمرأة: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم ممن لقيت مخالفا من أهل العلم في أن الدمين متكافئان بالحرية والإسلام. فإذا قتل الرجل المرأة عمدا قتل بها وإذا قتلته قتلت به. ولا يؤخذ من المرأة ولا من أوليائها شيء للرجل إذا قتلت به ولا إذا قتل بها وهي كالرجل يقتل الرجل في جميع أحكامها إذا اقتص لها أو اقتص منها. وكذلك النفر يقتلون المرأة والنسوة يقتلن الرجل. قال الشافعي: وكذلك جراحه التي فيها القصاص كلها بجراحها إذا أقدتها في النفس أقدتها في الجراح التي هي أقل من النفس ولا يختلفان في شيء إلا في الدية. فإذا أراد أولياؤها الدية فديتها نصف دية الرجل وإن أراد أولياء الرجل ديته من مالها فديته مائة من الإبل لا تنقص لقتل المرأة له وحكم القصاص مخالف حكم العقل. قال الشافعي: وولاة المرأة وورثتها كولاة الرجل وورثته لا يختلفان في شيء إلا في الدية. وإذا قتلت المرأة حاملا يتحرك ولدها أو لا يتحرك ففيها القود ولا شيء في جنينها حتى يزايلها فإذا زايلها ميتا قبل موتها أو معه أو بعده فسواء وفيه غرة قيمتها خمس من الإبل. قال الشافعي: وإن زايلها حيا قبل موتها أو بعده فسواء ولا قصاص فيه إن مات وفيه ديته إن كان ذكرا فمائة من الإبل وإن كان أنثى فخمسون من الإبل وسواء قتلها رجل أو امرأة. قال الشافعي: وإذا قتلت المرأة من عليها في قتله القود فذكرت حملا حبست حتى تضع حملها ثم أقيد منها حين تضع حملها وإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلي لو تركت بطيب نفس ولي الدم يوما أو أياما حتى يوجد له مرضع فإن لم يفعل قتلت له. وإن ولدت ثم وجدت تحركا انتظرت حتى تضع المتحرك أو يعلم أن ليس بها حمل. 

 

صفحة : 2065

 وكذلك إذا لم يعلم بها حمل فادعته انتظر بالقود منها حتى تستبرأ أو يعلم أن لا حمل بها. ولو عجل الإمام فاقتص منها حاملا فلا شيء عليه إلا المأثم حتى تلقي جنينا فإن ألقته ضمنه الإمام دون المقتص له وكان على عاقلته لا بيت المال. وكذلك لو قضى بأن يقتص منها ثم رجع فلم يبلغ ولي الدم حتى يقتص منها ضمن الإمام جنينها. 

قتل الرجل النفر: 
قال الشافعي رحمه الله: إذا قتل رجل نفرا فأتى أولياؤهم جميعا يطلبون القود وتصادقوا على أنه قتل بعضهم قبل بعض أو قامت بذلك بينة اقتص للذي قتله أولا وكانت الدية في ماله لمن بقي ممن قتل آخرا. قال الشافعي: ولو جاءوا متفرقين أحببت للإمام إذا علم أنه قتل غير الذي جاءه أن يبعث إلى وليه فإن طلب القود قتله بمن قتل أولا وإن لم يفعل واقتص منه في قتل آخر أو أوسط أو أول كرهته له ولا شيء عليه فيه لأن لكلهم عليه القود. وأيهم جاء فأثبت عليه البينة بقتل ولي له فدفعه إليه فلم يقتله حتى جاء آخر فأثبت عليه البينة بقتل ولي له قتله دفعه إلى ولي المقتول أولا. قال الشافعي: ولو أثبتوا عليه معا البينة أيهم قتل أولا فالقول قول القاتل فإن لم يقر بشيء أحببت للإمام أن يقرع بينهم أيهم قتل وليه أولا فأيهم خرج سهمه قتله له وأعطي الباقين الديات من ماله. وكذلك لو قتلهم معا أحببت له أن يقرع بينهم. قال الشافعي: وإذا قتل رجل عمدا وورثته كبار وفيهم صغير أو غائب وقتل آخر عمدا وورثته بالغون فسألوا القود لم يعطوه وحبس على صغيرهم حتى يبلغ وغائبهم حتى يحضر فلعل الصغير والغائب يدعان القود فيبطل القود ويعطون ديته في ماله. قال الشافعي: ولو دفعه الإمام إلى ولي الذي قتل آخرا وترك الذي قتله أولا فقتله كان عندي مسيئا ولا شيء عليهم لأن كلهم استوجب دمه على الكمال. قال الشافعي: ولو كان قطع يد رجل ورجل آخر وقتل آخر ثم جاءوا يطلبون القصاص معا اقتص منه اليد والرجل ثم قتله بعده. قال الشافعي: ولو قطع إصبع رجل اليمنى وكف آخر اليمنى ثم جاءوا معا يطلبون القود أقصصت من الإصبع وخيرت صاحب الكف بين أن أقصه وآخذ له أرش الإصبع أو آخذ له أرش الكف. قال الشافعي: ولو بدأ فأقصه من الكف أعطي صاحب الإصبع أرشها ولو قطع كفي رجلين اليمنى كان كقتله النفسين يقتص لأيهما جاء أولا وإن جاءا معا اقتص للمقطوع بديا وإن اقتص للآخر أخذ الأول دية يده. وهكذا كل ما أصاب مما عليه فيه القصاص فمات منه بقود أو 
 

صفحة : 2066

 مرض أو غيره فعليه أرشه في ماله. 

الثلاثة يقتلون الرجل يصيبونه بجرح: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غيلة وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. قال الشافعي: وقد سمعت عددا من المفتين وبلغني عنهم أنهم يقولون: إذا قتل الرجلان أو الثلاثة أو أكثر الرجل عمدا فلوليه قتلهم معا. قال الشافعي: وقد بنيت جميع هذه المسائل على هذا القول فينبغي - عندي - لمن قال: يقتل الاثنان أو أكثر بالرجل أن يقول: فإذا قطع الاثنان يد رجل معا قطعت أيديهما معا. وكذلك أكثر من الاثنين وما جاز في الاثنين جاز في المائة وأكثر. وإنما تقطع أيديهما معا إذا حملا شيئا فضرباه معا ضربة واحدة أو حزاه معا حزا واحدا فأما إن قطع هذا يده من أعلاها إلى نصفها وهذا يده من أسفلها حتى أبانها فلا تقطع أيديهما ويحز من هذا بقدر ما حز من يده ومن هذا بقدر ما حز من يده إن كان هذا يستطاع. قال الشافعي: وهذا هكذا في الجرح والشجة التي يستطاع فيها القصاص وغيرها لا يختلف. ولا يخالف النفس إلا في أنه يكون الجرح يتبعض والنفس لا تتبعض فإذا لم يتبعض بأن يكونا جانيين عليه معا جرحا كما وصفت لا ينفرد أحدهما بشيء منه دون الآخر فهو كالنفس في القياس وإذا تبعض خالف النفس. وإذا ضرب رجلان أو أكثر رجلا بما يكون في مثله القود فلم يبرح مكانه حتى مات. وذلك أن يجرحوه معا بسيوف أو زجاج رماح أو نصال نبل أو بشيء صلب مجمد يخرق مثله فلم يزل ضمنا من الجراح حتى مات فلأولياء الدم إن شاءوا أن يقتلوهم معا قتلوهم وإن شاءوا أن يأخذوا منهم الدية فليس عليهم معا إلا دية واحدة على كل واحد منهم حصته إن كانوا اثنين. فعلى كل واحد منهما نصفها وإن كانوا ثلاثة فعلى كل واحد منهم الثلث وهكذا إن كانوا أكثر. وإن أرادوا قتل بعضهم وأخذ الدية من بعض كان ذلك لهم. وإن أرادوا أخذ الدية أخفوا منه بحساب من قتل معه كأن قتله ثلاثة فقتلوا اثنين وأراعوا أخذ الدية من واحد فلهم أن يأخذوا منه ثلثها لأن ثلثه بثلثه. وإن كانوا عشرة أخذوا منه عشرة وإن كانوا مائة أخذوا منه جزءا من مائة جزء من ديته. ولو قتله ثلاثة فمات واحد منهم كان لهم أن يقتلوا الاثنين ويأخذوا من مال الميت ثلث دية المقتول. ولو قتل رجل رجلا عمدا وقتله معه صبي أو رجل معتوه كان لهم أن يقتلوا 
 

صفحة : 2067

 الرجل ويأخذوا من الصبي والمعتوه أيهما كان القاتل نصف الدية. قال الشافعي: وهكذا لو أن حرا وعبدا قتلا عبدا عمدا كان على الحر نصف قيمة العبد المقتول وعلى العبد القتل. 
وهكذا لو قتل مسلم ونصراني نصرانيا كان على المسلم نصف دية النصراني وعلى النصراني القود. وهكذا لو قتل رجل ابنه وقتله معه أجنبي كان على أبيه نصف ديته والعقوبة وعلى الأجنبي القصاص إذا كان الضرب في هذه الحالات كلها عمدا. قال الشافعي: وإذا جنى اثنان على رجل عمدا وآخر خطأ أو بما يكون حكمه حكم الخطأ من أن يضربه بعصا خفيفة أو بحجر خفيف فمات فلا قود فيه لشرك الخطأ الذي لا قود فيه وفيه الدية على صاحب الخطأ في مال عائلته وعلى صاحب العمد في أموالهما. ولو شهد شهود أن رجلين ضربا رجلا فراغا عنه وتركاه مضطجعا من ضربتهما ثم مر به آخر فقطعه باثنين فإن أثبتوا أنه قطعه باثنين وفيه الحياة ولم يدر لعل الضرب قد بلغ به الذبح أو نزع حشوته لم يكن على واحد منهما قصاص وكان لأوليائه أن يقسموا على أيهما شاءوا ويلزمه ديته ويعزران معا. قال الشافعي: وإن لم يثبتوا أنه كانت فيه حياة وقالوا: لا ندري لعله كان حيا لم يكن فيه شيء ولا يغرمهما حتى يقسم أولياؤه فيأخذون ديته من الذين أقسموا عليه فإن قال أولياؤه: نقسم عليهما معا قيل: إن أقسمتم على جراح الأولين وقطع الآخر فذلك لكم وإن أقسمتم على أنه مات من الضربتين معا لم يكن لكم إذا قطعه الآخر باثنين أو ذبحه الآخر. قال الشافعي: وإنما أبطلت القصاص أولا إن الضاربين الأولين إذا كانوا بلغوا منه ما لا حياة معه إلا بقية حياة الذكي لم يكن على الآخر عقل ولا قود. وإن كانوا لم يبلغوا ذلك منه فالقود على الآخر وعلى الأولين الجراح فجعلتها قسامة بدية لأن كلا يجب ذلك عليه ولا أجعل فيها قصاصا لهذا المعنى. ولو شهد شهود على رجل أنه ضربه بعصا في طرفها حديدة محددة ولم يثبتوا بالحديدة قتله أم بالعصا قتله فلا قود إذا كانت العصا لو انفردت مما لا قود فيه وفيه الدية بكل حال. وإن حلف أولياؤه أنه مات بالحديدة فهي حالة في ماله وإن لم يحلفوا فهي في ماله في ثلاث سنين لأنهم أثبتوا القتل فأقله الخطأ ولا تغرمه العاقلة ولم تقم البينة على أنه خطأ. وإذا قطع الرجل إصبع الرجل ثم جاء آخر فقطع كفه أو قطع الرجل يد الرجل من مفصل الكوع ثم قطعها آخر من المرفق ثم مات فعليهما معا القود: يقطع إصبع هذا وكف قاطع الكف ويد الرجل من المرفق ثم يقتلان. 
وسواء قطعا من يد واحدة أو قطعاها من يدين مفترقتين سواء وسواء كان ذلك بحضرة قطع 
 

صفحة : 2068

 الأول أو بعده بساعة أو أكثر ما لم تذهب الجناية الأولى بالبرء لأن باقي ألمها واصل إلى الجسد كله. ولو جاز أن يقال: ذهبت الجناية الأولى حين كانت الجناية الآخرة قاطعة باقي المفصل الذي يتصل به وأعظم منها جاز إذا قطع رجل يدي رجل ورجليه وشجه آخر موضحة فمات أن يقال: لا يقاد من صاحب الموضحة بالنفس لأن ألم الجراح الكثيرة قد عم البدن قبل الموضحة أو بعدها. ومن أجاز أن يقتل اثنان بواحد لكان الألم يأتي على بعض البدن دون بعض حتى يكون رجلان لو قطع كل واحد منهما يد رجل معا فمات لم يقد منهما في النفس لأن ألم كل واحدة منها في شق يده الذي قطع ولكن الألم يخلص من القليل والكثير ويخلص إلى البدن كله فيكون من قتل اثنين بواحد يحكم في كل واحد منهما في القود حكمه على قاتل النفس منفردا. 
فإذا أخذ العقل حكم على كل من جني عليه جناية صغيرة أو كبيرة على العدد من عقل النفس كأنهم عشرة جنوا على رجل فمات فعلى كل واحد منهم عشر الدية. فإن قال قائل: أرأيت قول الله عز وجل:  كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر  هل فيه دلالة على أن لا يقتل حران بحر ولا رجل بامرأة قيل له: لم نعلم مخالفا في أن الرجل يقتل بالمرأة فإذا لم يختلف أحد في هذا ففيه دلالة على أن الآية خاصة. فإن قال قائل: فيم نزلت قيل: أخبرنا معاذ بن موسى عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير من نفر حفظ منهم: مجاهد والضحاك والحسن قالوا قوله تعالى  كتب عليكم القصاص في القتلى  الآية قال: كان بدء ذلك في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام بقليل وكان لأحد الحيين فضل على الآخر فأقسموا بالله ليقتلن بالأنثى الذكر وبالعبد منهم الحر فلما نزلت هذه الآية رضوا وسلموا. قال الشافعي: وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا لأن الله عز وجل إنما ألزم كل مذنب ذنبه ولم يجعل جرم أحد على غيره فقال:  الحر بالحر  إذا كان والله أعلم قاتلا له:  والعبد بالعبد  إذا كان قاتلا له:  والأنثى بالأنثى  إذا كانت قاتلة لها لا أن يقتل بأحد ممن لم يقتله لفضل المقتول على القاتل. وقد جاء عن النبي ﷺ:  أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله  . قال الشافعي: وما وصفت من أني لم أعلم مخالفا في أن يقتل الرجل بالمرأة دليل على أن لو كانت هذه الآية غير خاصة كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير لم يقتل ذكر بأنثى ولم يجعل عوام من حفظت عنه من أهل العلم لا نعلم لهم مخالفا لهذا معناها ولم يقتل الذكر بالأنثى. 

 

صفحة : 2069


قتل الحر بالعبد: 
قال الشافعي رحمه الله جل وعز في أهل التوراة:  وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس  الآية قال: ولا يجوز - والله أعلم - في حكم الله تبارك وتعالى بين أهل التوراة أن كان حكما بينا إلا ما جاز في قوله:  ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل  ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل فعلى من قتلها القود. فيلزم في هذا أن يقتل المؤمن بالكافر المعاهد والمستأمن والصبي والمرأة من أهل الحرب والرجل بعبده وعبد غيره مسلما كان أو كافرا والرجل بولده إذا قتله. قال الشافعي: أو يكون قول الله تبارك وتعالى:  ومن قتل مظلوما  ممن دمه مكافئ دم من قتله وكل نفس كانت تقاد بنفس بدلالة كتاب الله عز وجل أو سنة أو إجماع كما كان قول الله عز وجل:  والأنثى بالأنثى  إذا كانت قاتلة خاصة لا أن ذكرا لا يقتل بأنثى. قال الشافعي: وهذا أولى معانيه به والله أعلم. لأن عليه دلائل منها: قول رسول الله ﷺ:  لا يقتل مؤمن بكافر  والإجماع على أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله  . والإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده ولا بمستأمن من أهل دار الحرب ولا بامرأة من أهل دار الحرب ولا صبي. قال الشافعي: وكذلك لا يقتل الرجل الحر بالعبد بحال ولو قتل حر ذمي عبدا مؤمنا لم يقتل به. قال الشافعي: وعلى الحر إذا قتل العبد قيمته كاملا بالغة ما بلغت وإن كانت مائة ألف درهم أو ألف دينار كما يكون عليه قيمة متاع له لو استهلكه وبعير له لو قتله وعليه في العبد إذا قتله عمدا ما وصفت في ماله وإذا قتله خطأ ما وصفت على عاقلته وعليه مع قيمتهما معا عتق رقبة. وكذلك الأمة يقتلها الحر ويقتل الرجل بالمرأة كما تقتل بالرجل وسواء صغيرة كانت أو كبيرة. 

قتل الخنثى: 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا قتل الرجل الخنثى المشكل عمدا فلأولياء الخنثى القصاص لأنه لا يعدو أن يكون رجلا أو امرأة فيكون لهم القصاص إذا كان خنثى ولو سألوا الدية قضي لهم بديته على دية امرأة لأنه اليقين ولم يقض لهم بدية رجل ولا زيادة على دية امرأة لأنه شك. قال الشافعي: ولو كان الخنثى بينا أنه ذكر قضى لهم بدية رجل. قال الشافعي: للخنثى المشكل من الرجال القصاص في النفس وفيما دون النفس وإذا طلب الدية فله دية امرأة فإن بان بعد أنه رجل ألحقته بدية رجل. قال الشافعي: ولو كان أولا يبول من حيث يبول الرجل وكانت 
 

صفحة : 2070

 علامات الرجل فيه أغلب قضيت له بدية رجل. ثم أشكل فحاض أو جاء منه ما يشكل غرمته الفضل من دية امرأة. قال الربيع: الخنثى المشكل الذي له فرج وذكر إذا بال منهما لم يسبق أحدهما الآخر وانقطاعهما معا. وإذا كان يسبق أحدهما الآخر فالحكم للذي يسبق وإن كانا يستبقان معا فكان أحدهما ينقطع قبل الآخر فالحكم للذي يبقى. 
قال الشافعي رحمه الله: قال الله تبارك وتعالى:  والعبد بالعبد  . قال الشافعي: فحكم الله عز وجل بين العبيد بالقصاص في الآية التي حكم فيها بين الأحرار بالقصاص ولم أعلم في ذلك مخالفا من أهل العلم في النفس. قال الشافعي: وإذا قتل العبد العبد أو الأمة الأمة أو العبد الأمة أو الأمة العبد عمدا فهم كالأحرار تقتل الحرة بالحرة والحر بالحرة والحرة بالحر فعليهم القصاص معا. قال الشافعي: وتقتل الأعبد بالعبد يقتلونه عمدا وكذلك الإماء يالعبد يقتلنه عمدا والقول فيهم كالقول في الأحرار وأولياء العبيد مالكوهم فيخير مالك العبد المقتول أو الأمة المقتولة بين قتل من قتل عبده من العبيد أو أخذ قيمة عبده المقتول بالغة ما بلغت من رقبة من قتل عبده فأيهما اختار فهو له وإذا قتل العبد العبد عمدا خير سيد العبد المقتول بين القصاص وبين أخذ قيمة عبده وهو ولي دمه دون قرابة لو كانت لعبده لأنه مالكه فإن شاء القصاص فهو له وإن شاء قيمة عبده بيع العبد القاتل فأعطي المقتول عبده قيمة عبده ورد فضل إن كان فيها على مالك العبد القاتل وإذا لم يكن فيه فضل لم يكن ثم شيء يرد عليه فإن نقص ثمنه عن قيمة العبد المقتول فحق ذهب لسيد العبد المقتول ولا تباعة فيه على رب العبد القاتل. قال الشافعي: وإن اختار ولي العبد المقتول قتل بعض العبيد وأخذ قيمة عبده من الباقين لم يكن له على واحد من الباقين من قيمة عبده إلا بقدر عددهم إن كانوا عشرة فله في رقبة كل واحد منهم عشر قيمة عبده. قال: وإن قتل عبيد عشرة عبدا عمدا خير سيد المقتول بين قتلهم أو أخذ قيمة عبده من رقابهم فإن اختار قتلهم فذلك له وإن اختار أخذ ثمن عبده فله في رقبة كل منهم عشر قيمة عبده فإن كانوا ثلاثة فله في رقبة كل واحد منهم ثلث قيمة عبده. وأي العبيد مات قبل يقتص منه أو يباع له فلا سبيل له على سيده وله في الباقين القتل أو أخذ الأرش منهم بقدر عددهم كما وصفت. قال الشافعي: وإن قتل حر وعبد عبدا فعلى الحر العقوبة ونصف قيمة العبد وللسيد في العبد القصاص أو اتباعه بنصف قيمة عبده في عنقه كما وصفت. وإذا قتل العبد الحر قتل به ويقاد منه في الجراح إن شاء الحر وإن شاء 
 

صفحة : 2071

 ورثته في القتل وهو في الجراح يجرحها عمدا كهو في القتل في أن ذلك في عنق العبد كما وصفت. وإذا كان العبد بين اثنين فقتله عبد عمدا فلا قود حتى يجتمع مالكاه معا على القود وأيهما شاء أخذ حقه من ثمنه كان للآخر مثله ولا قود له إذا لم يجمع معه شريكه على القود. 
قال الشافعي: ولو كان عبد بين رجلين فقتل فأعتقاه أو أحدهما بعد القتل كان على ملكهما قبل يعتقانه لأن العتق لا يقع على ميت. قال الشافعي: ولو أعتقاه معا في كلمة واحدة أو وكلا من أعتقه وفيه حياة فهو حر وولاة دمه مواليه إن كان مواليه هم ورثته وإن كان له ورثة أحرار كانوا أولى بميراثه من مواليه. قال الشافعي: وإذا كان العبد مرهونا فقتله عبد عمدا فلسيده أخذ القود وليس المرتهن بسبيل من دمه لو عفاه أو أخذه. وذلك أن سيده إن أراد القود فهو له وإن أراد أخذ ثمنه أخذه وثمنه رهن مكانه وإن أراد أن يترك القود وثمنه لم يكن له ذلك ولا أن يدع من ثمنه شيئا إن كان رهنا إلا بأن يقضي المرتهن حقه أو يعطيه مثل ثمنه رهنا مكانه أو يرضي ذلك المرتهن. وإذا قتل العبد المرهون أو قتل فسيده ولي دمه وله أن يقتص له إذا كان مقتولا وإن كره ذلك المرتهن ولا يأخذ بأن يعطيه رهنا مكانه. وكذلك إن جنى العبد المرهون فسيده الخصم ويباع منه في الجناية بقدر أرشها إلا أن يفديه سيده متطوعا فإن فعل فهو على الرهن. وإن فداه المرتهن فهو متطوع لا يرجع بما فداه به على سيده إلا أن يكون أمره أن يفديه. قال الشافعي: وإذا قتل العبد المرهون عمدا فلسيده القتل والعفو بلا مال لأنه لا يملك المال بقتل العمد إلا أن يشاء. ولو قتل خطأ أو قتل من لا يلزمه له قصاص لم يكن له أن يعفو ثمنه عنه إلا أن يعطي المرتهن حقه أو مثل ثمنه رهنا مكانه. قال الربيع: وللشافعي قول آخر: إذا كان العبد مرهونا فقتل عمدا فلسيده القصاص إن عفا القصاص وجب له مال فليس له أن يعفوه لأن قيمته ثمن لبدنه وليس له أن يتلف على المرتهن ما كان ثمنا لبدن المرهون. قال الشافعي: فأما المدبر والأمة قد ولدت من سيدها فمماليك حالهم في جنايتهم والجناية عليهم حال مماليك. قال الشافعي: وإذا جنى على المكاتب فأتى على نفسه فقد مات رقيقا وهو كعبد الرجل غير مكاتب جنى عليه. وإذا جنى عليه فيما دون النفس عمدا فله القصاص إن جنى عليه عبد وإن أراد ترك القصاص وأخذ المال كان له وإن أراد ترك المال لم يكن له لأنه ليس بمسلط على ماله تسليط الحر عليه. وقد قيل: له عفو المال في العمد لأنه لا يملكه إلا أن يشاء وإذا لم يملك بالجناية قصاصا مثل أن يجني عليه حر أو عبد مغلوب على عقله أو صغير 
 

صفحة : 2072

 فليس له عفو الجناية بحال لأنه مال يملكه وليس له إتلاف ماله. قال الربيع: ولو جني على العبد المكاتب فيما دون النفس فلا قصاص. 

الحر يقتل العبد: 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا جنى الحر على العبد عمدا فلا قصاص بينهما فإن أتت الجناية على نفسه ففيه قيمته في الساعة التي جنى فيها عليه مع وقوع الجناية بالغة ما بلغت وإن كانت ديات أحرار وقيمته في مال الجاني دون عاقلته وإن جنى عليه خطأ فقيمته على عاقلة الجاني وإذا كانت الجناية على أمة أو عبد فكذلك. والقول في قيمتهم قول الجاني لأنه يغرم ثمنه وعلى السيد البينة بفضل إن ادعاه. وإذا كانت خطأ فالقول في قيمة العبد قول عاقلة الجاني لأنهم يضمنون قيمته فإن قالوا: قيمته ألف وقال القاتل: قيمته ألفان ضمنت العاقلة ألفا والقاتل في ماله ألفا لا يسقط عنه ضمان ما أقر أنه جنايته ولا يلزمهم إقراره إذا أكذبوه. ولو جنى عبد على عبد عمدا أو خطأ كان القصاص بين العبدين في العمد ولا أنظر إلى فضل قيمة أحدهما على الآخر ويخير سيد العبد المجني عليه بين القصاص في النفس وما دونها وبين الأرش فإن اختار الأرش فهو له في عنق العبد الجاني وقيمته لسيد المجني عليه بالغة ما بلغت. والقول في قيمة العبد المجني عليه قول سيد العبد الجاني ولا أنظر إلى قول العبد الجاني لأن ذلك مأخوذ من رقبته ورقبته مال من مال سيده وكذلك لو كانت الجناية خطأ كان القول قول سيد الجاني. وإذا أقر العبد بأن قيمته الأكثر لم يلزمه الأكثر في عبوديته وإن عتق لزمه الفضل عما أقر به سيده مما أقر به العبد. وهكذا لو كان الجاني على العبد مدبرا أو أم ولد لا يختلفان هما والعبد وإن كان الجاني على العبد مكاتبا فبينه وبين العبد القود فإن اختار سيد العبد ترك القود للمال أو كانت الجناية خطأ فسواء فإن أقر المكاتب بأن قيمة العبد المجني عليه ألفان وقيمة المكاتب ألفان أو أكثر وقال سيده: ألف ففيها قولان: أحدهما أن إقراره موقوف فإن أدى المكاتب ما أقر به من قبل أن يعجز لم يكن للسيد إبطال شيء منه وإن عجز المكاتب قبل يوفيه فالقول قول السيد في قيمة العبد المجني عليه فإن كان المكاتب أدى من الجناية ما أقر السيد أنه قيمة العبد المجني عليه لم يتبع العبد في شيء من جنايته وإذا أعتق اتبع بالفضل وإن أدى فضلا عما أقر به السيد لم يكن للسيد أن يرجع به على سيد العبد المجني عليه. قال الشافعي: ولو أدى أقل مما أقر به السيد خير السيد بين: أن يفديه بالفضل متطوعا أو يباع من 
 

صفحة : 2073

 العبد بقدر ما بقي مما أقر به السيد. قال الربيع: وإذا أدى المكاتب أكثر مما أقر به السيد ثم عجز المكاتب رجع السيد على الذي دفعت إليه الزيادة على ما أقر به فيأخذه منه ويدفعه إلى المكاتب فيكون في يده كسائر ماله فإذا عتق رجع عليه فأخذ منه ما أقر به وإن عجز كان المال كله لسيده. قال الشافعي: والقول الثاني: أن ذلك لازم للمكاتب لأنه أقر به وهو يجوز له ما أقر به في ماله ويلزمه لسيده. وإن عجز المكاتب بيع المكاتب فيه إن لم يتطوع بأدائه عنه. قال الشافعي: وإذا قتل المكاتب عبيدا عمدا واحدا بعد واحد: فاشتجروا فسيد العبد الذي قتل أولا أولى بالقصاص ولو دفعه إلى ولي الذي قتل أولا فعفا عنه على مال أو غير مال كان عليه أن يدفعه إلى ولي الذي قتل عبده بعده فإن عفا عنه دفعه إلى ولي المقتول بعده وهكذا حتى لا يبقى منهم أحد إلا عفا عنه أو يقتله أحد المدفوع إليهم. قال الشافعي: ولا يكون قضاؤه به للذي قتل أولا وعفوه عنه مزيلا للقود عنه ممن قتل بعده لأن كلهم يستوجب عليه قتله بمن قتل من أوليائه كما يكون للقوم على رجل حدود فيعفو بعضهم فيكون للباقين أخذ حدودهم ولكل واحد منهم أخذ حده لأن حقه غير حق صاحبه. وهكذا لو قطع أيمان رجال أو مالهم فيه القصاص في موضع واحد. قال الشافعي: وإذا قتل الرجل النفر عمدا أو الواحد ثم مات فديات من قتل حالة في ماله بكمالها. وإذا قتل الرجل النفر عمدا ثم ارتد عن الإسلام فقتل أو زنى فرجم فدياتهم في ماله كما وصفت في موته. وإذا قتل الرجل النفر عمدا فعدا رجل أجنبي على القاتل فقتله عمدا فلأوليائه القود إلا أن يشاءوا أن يعفوا القود على مال وإن عفوه على مال فالدية مال من مال المقتول يأخذها أولياء الذين قتلوا كما يأخذون سائر ماله وهم فيه أسوة. قال الشافعي: وإن عفا أولياؤه الدم والمال نظر فإن كان للقاتل مال يخرج ديات من قتل منهم فعفوهم جائز وإلا لم يجز عفوهم لأنهم حين عفوا الدم صار له بالقتل مال ولا يكون لهم عفو ماله حتى يؤدوا دينه كله. وإذا قتل الرجل النفر ثم ارتد عن الإسلام فجاء أولياء المقتولين يطلبون القود استتيب فإن تاب قتل لهم وإن لم يتب قيل لهم: إن شئتم أخذتم الديات وتركتم الدم وقتلناه بالردة وغنمنا ما بقي من ماله فإن فعلوا فذلك لهم وإن تاب بعد ما يأخذون الديات أو يقولون: قد عفونا القود على المال أو لم يتب فسألوا القود لم يكن ذلك لهم إذا تركوه مرة لم يكن لهم أن يرجعوا في تركه. قال الشافعي: وإذا سألوا القود وامتنعوا من العفو أعطيناهم القود بالذي قتل أولا ولجعلنا للباقين الدية وما فضل من ماله غنم 
 

صفحة : 2074

 عليه عنه وذلك أن واجبا علينا إعطاء الآدميين القود والقود يأتي على قتله بالقود والردة. ولو مات مرتدا قاتلا أو قاتلا غير مرتد أعطينا من ماله الدية وبذلك قدمنا في هذا حق الله تبارك وتعالى في قتل الآدميين على القتل في الردة. قال الشافعي: وهكذا لو زنى وهو محصن وقتل قبل الزنا أو بعده بدأنا بالقتل فإن ترك أولياؤه رجم. 

جراح النفر الرجل الواحد فيموت: 
قال الشافعي: إذا قطع الرجل يد الرجل وقطع آخر رجله وشجه الآخر موضحة وأصابه الآخر بجائفة وكل ذلك بحديد أو بشيء يحمد فيعمل عمل الحديد فلم يبرأ شيء من جراحته حتى مات فكلهم قاتل وعلى كلهم القود. وكذلك لو جرحه رجل مائة جرح وآخر جرحا واحدا كان عليهما معا القود وكان لأولياء القتيل أن يجرحوا كل واحد منهما عمد ما جرحه فإن مات وإلا ضربوا عنقه. قال الشافعي: وإن كان أحدهما جرحه جرحا جائفة غير نافذة أو جائفة نافذة كان فيها قولان: أحدهما أن لولي القتيل أن يجرحه جائفة غير نافذة أو جائفة نافذة. وإذا كان القصاص بالقتل لم أمنعه أن يصنع هذا ولا آمر في شيء من هذا ولي القتيل أن يليه بنفسه إنما آمر به من يبصر كيف جرحه فأقول: أجرحه كما جرحه فإذا بقي ضرب العنق خليت بينه وبين ولي القتيل. وكذلك لو كان أحدهم قطع يده بنصف الذراع لم أمنعه من ذلك لأنه يقتل مكانه وإنما أمنعه إذا كان جرحا لا يقتل به ولا يكون فيه قصاص. والثاني: أن له أن يصنع به كل ما كان لو جرحه اقتص به منه فيما دون النفس ولا يصنع به ما لو كان جرحه به دون النفس لم يقتص منه لأنه لعله يدع قتله فيكون قد عذبه وأنه لا يقدر على أن يأتي بمثل ما صنع به في المواضع التي لا يقتص منهما ويقال له: القتل يأتي على ذلك. وإذا جرح الثلاثة رجلا جراح عمد بسلاح وكان ضمنا حتى مات وقد برأت جراح أحدهم ولم تبرأ جراح الباقين فعلى الباقين القصاص ولا قصاص في النفس على الذي برأت جراحه فعليه القصاص في الجراح إن كان مما يقتص منه أو العقل وإن كان مما لا يقتص منه فعليه عقل ذلك الجرح بالغا ما بلغ قل ذلك أو كثر وكذلك لو كانت جراحه تبلغ دية أو أكثر لأنه جاني جراح لم يكن فيها نفس. وإن ادعى أحدهم أنه جرحه مرات وصدقه ورثة المقتول فهكذا ولو كذبه القتلة معه لم يقبل تكذيبهم لأنه لو كان قاتلا معهم لم يدرأ عنهم القتل فلا معنى لتكذيبهموه إذا أراد أولياؤه قتلهم. قال الشافعي رحمه الله: ولو صدقه أولياء القتيل وكذبه القتلة معه وقال أولياء القتيل: 
 

صفحة : 2075

 نحن نأخذ الدية كاملة من القاتلين الذين جرحت معهم لم يكن ذلك لهم إلا أن يقروا أن جراحه قد برأت أو تقوم بينة لأنه إنما يلزمهما ثلثا الدية إذا كان معهما ثالث فإذا برأت جراحه لزمهما دية كاملة ولا يلزمهما إلا بإقرارهما الدية تامة لأنهما قاتلان دونه أو بينة تقوم على ذلك فيخرج الثالث من القتل معهما فتكون عليهما. ولو جرحه ثلاثة فأقر اثنان أن جراح أحد الثلاثة برأت ومات من جراحهما وادعى ذلك الجاني الذي أقرا له به وصدقهم أولياء القتل وأرادوا أخذ الدية من الاثنين المقرين أن جراح الجارح معهما برأت لم يكن ذلك لهم لأنهم يزعمون أن ليس عليهما إلا ثلثا الدية فبرؤهما. مما سواه إذا سأل ذلك القاتلان. ولو قتله ثلاثة أحدهم عبد وأرادوا أخذ الدية. كان ثلثها في رقبة العبد وثلثاها على الحرين. وإذا أفلس أحدهما أو كلاهما اتبعوه ولم يكن على عاقلة الأحرار وسيد العبد من دية العمد شيء بحال. وقد قيل: هكذا لو كانت القتلة عمدا وفيهم مجنون أو صبيان أو فيهم صبي أو قتل رجل ابنه فالدية كلها في أموالهم ليس على عاقلتهم منها شيء. وقد قيل: نحمل عاقلة الصبي والمغلوب على عقله عمده كما يحملون خطأه والله تعالى أعلم. وإذا جرح الرجل الرجل جراحا كثيرة والآخر جرحا واحدا فأراد أولياؤه القود فهو لهم وإن أرادوا العقل فعلى كل واحد منهما نصف الدية إذا كانت نفسا فسواء في الغرامة الذي جرح الجراح القليلة والذي جرح الجراح الكثيرة. قال الربيع: وللشافعي قول آخر: لا تحمل العاقلة عمد الصبي وهو في ماله إن كان له مال وإلا فدين عليه. 
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم عن ابن جريج قال الربيع أظنه عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن يعلى بن أمية قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة قال: وكان يعلى يقول: وكانت تلك الغزوة أوثق عملي في نفسي قال عطاء: قال صفوان: قال يعلى: كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما يد الآخر فانتزع المعضوض يده من في العاض فذهبت - يعني - إحدى ثنيته فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته. قال عطاء: وحسبت أنه قال: قال النبي ﷺ:  أيدع يده في فيك فتقضمها كأنها في في فحل يقضمها  أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج أن ابن أبي مليكة أخبره أن أباه أخبره أن إنسانا جاء إلى أبي بكر الصديق وعضه إنسان فانتزع يده منه فذهبت ثنيته فقال أبو بكر: بعدت ثنيته. قال الشافعي: وبهذا كله نقول. فإذا عض الرجل الرجل فانتزع المعضوض العضو 
 

صفحة : 2076

 الذي عض منه يدا أو رجلا أو رأسا من في العاض فأذهبت ثنايا العاض ومات منها أو لم يمت فلا عقل ولا قود ولا كفارة على المنتزع لأنه لم يكن له العض بحال. ولو كان العاض بدأ في جماعة الناس فضرب وظلم أو بدئ فضرب وظلم كان سواء لأن نفس العض ليس له وإن للمعضوض منع العض فإذا كان له منعه فلا قود عليه فيما أحدث ما يمنع إذا لم يكن في المنع عدوان. قال الشافعي: ولا عدوان في إخراج العضو من في العاض ولو رام إخراج العضو من في العاض فامتنع عليه وغلبه إخراجها كان له فك لحييه بيده الأخرى إن كان عض إحدى يديه وبيديه معا إن كان عض رجله فإن كان عض قفاه فلم تنله يداه كان له نزع رأسه من فيه فإن لم يقدر على إخراجه فله التحامل عليه برأسه إلى وراء مصعدا أو منحدرا وإن قدر بيديه فغلبه ضبطا بفيه كان له ضرب فيه بيديه أو بدنه أبدا حتى يرسله فإن ترك شيئا مما وصفنا له وبعج بطنه بسكين أو فقأ عينه بيديه أو ضربه في بعض جسده ضمن في هذا كله الجناية لأن هذا ليس له ولا يضمن فيما له أن يفعله وإن أتى ذلك على هدم فيه كله وكانت منه منيته. 
قال الشافعي: وما أصاب به العاض المعضوض من جرح فصار نفسا أو صار جرحا عظيما ضمنه كله لأنه متعد. 

الرجل يجد مع امرأته رجلا فيقتله أو يدخل عليه بيته فيقتله: 
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن سعدا قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال رسول الله ﷺ:  نعم  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يقال له ابن خيبري وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلهما فأشكل على معاوية القضاء فيه فكتب معاوية إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال له علي: إن هذا الشيء ما هو بأرضنا عزمت عليك لتخبرني فقال له أبو موسى: كتب إلي في ذلك معاوية فقال علي: أنا أبو حسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. قال الشافعي رحمه الله: وبهذا نقول. فإذا وجد الرجل مع امرأته رجلا فادعى أنه ينال منها ما يوجب الحد وهما ثيبان معا فقتلهما أو أحدهما لم يصدق وكان عليه القود أيهما قتل إلا أن يشاء أولياؤه أخذ الدية أو العفو. قال 
 

صفحة : 2077

 الشافعي: ولو ادعى على أولياء المقتول منهما أنهم علموه قد نال منها ما يوجب عليه القتل إن كان الرجل أو نيل من المرأة إن كانت المرأة المقتولة كان على أيهما ادعى ذلك عليه أن يحلف ما علم فإن حلف فله القود وإن لم يحلف حلف القاتل وبرئ من القود والعقل. قال الشافعي: ولو كان للرجل وليان فادعى عليهما العلم فحلف أحدهما ما علم ونكل الآخر عن اليمين وحلف القاتل أنه زنى بامرأته ووصف الزنا الذي يوجب الحد فكان بينا فلا قود عليه وعليه نصف الدية حالة في ماله للذي حلف ما علم. قال الشافعي: ولو كان له وليان: صغير وكبير فحلف الكبير ما علم لم يقتل حتى يبلغ الصغير فيحلف أو يموت فتقوم ورثته مقامه. إن شاء الكبير أخذ نصف الدية فإن أخذها أخذ للصغير نصف الدية ثم ينتظر به أن يحلف فإذا كبر حلف فإن لم يحلف وحلف القاتل رد ما أخذ له. ولو أقر أولياء المقتول منهما أنه كان معها في الثوب وتحرك تحرك المجامع وأنزل ولم يقروا بما يوجب الحد لم يسقط عنه القود. قال الشافعي: ولو أقروا بما يوجب الحد وكان المقتول بكرا بدعوى أوليائه إخوته أو ابنه فادعى القاتل أنه ثيب فالقول قول أوليائه وعلى القاتل القود لأنه ليس على البكر قتل في الزنا فإن جاء ببينة أنه كان ثيبا سقط عنه العقل والقود. قال الشافعي رحمه الله: ويسعه فيما بينه وبين الله عز وجل قتل الرجل وامرأته إذا كانا ثيبين وعلم أنه قد نال منها ما يوجب القتل ولا يصدق بقوله فيما يسقط عنه القود. وهكذا لو وجده يتلوط بابنه أو يزني بجاريته لا يختلف لا يسقط عنه القود والعقل.  والقود في القتل  إلا بأن يفعل ما يحل دمه. ولا يحل دمه وأن يعمد قتله إلا بكفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس. ولو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ينال منها ما يحد به الزاني فقتلهما والرجل ثيب والمرأة غير ثيب فلا شيء في الرجل وعليه القود في المرأة. ولو كان الرجل غير ثيب والمرأة ثيبا كان عليه في الرجل القود ولا شيء عليه في المرأة. 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا حبس الرجل للرجل رجلا أي حبس ما كان بكتاف أو ربط اليدين أو إمساكهما أو اضجاعه له ورفع لحيته عن حلقه فقتله الآخر قتل به القاتل ولا قتل على الذي حبسه ولا عقل ويعزر ويحبس لأن هذا لم يقتل وإنما يحكم بالقتل على القاتلين وهذا غير قاتل. 

منع الرجل نفسه وحريمه: 

 

صفحة : 2078

 أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله ﷺ قال:  من قتل دون ماله فهو شهيد  أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن بعض أهله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاوية أو بعض الولاة بعث إلى الوهط ليقبضه فلبس عبد الله بن عمرو السلاح وجمع من أطاعه وجلس على بابه فقيل له: أتقاتل فقال: وما يمنعني أن أقاتل وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:  من قتل دون ماله فهو شهيد  . قال الشافعي: فمن أريد ماله في مصر فيه غوث أو صحراء لا غوث فيها أو أريد وحريمه في واحد منهما فالاختيار له أن يكلم من يريده ويستغيث فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله وإن أبى أن يمتنع من أراد ماله أو قتله أو قتل بعض أهله أو دخولا على حريمه أو قتل الحامية حتى يدخل الحريم أو يأخذ من المال أو يريده الإرادة التي يخاف المرء أن يناله أو بعض أهله فيها بجناية فله أن يدفعه عن نفسه وعن كل ماله دفعه عن نفسه فإن لم يندفع عنه ولم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه بيد أو عصا أو سلاح حديد أو غيره فله ضربه وليس له عمد قتله. وإذا كان له ضربه فإن أتى الضرب على نفسه فلا عقل فيه ولا قود ولا كفارة. قال الشافعي: وإن ضربه ضربة أو لم يضربه حتى رجع عنه تاركا لقتاله لم يكن له أن يعود عليه بضرب. قال الشافعي: وإن قاتله وهو مول مثل أن يكون يرميه أو يطعنه أو يوهقه كان له عند توهيقه إياه أو انحرافه لرميه ضربه ورميه ولم يكن له بعد تركه ذلك ضربه ولا رميه. قال الشافعي: وإن أراده وهو في الطريق وبينهما نهر أو خندق أو جدار أو ما لا يصل معه إليه لم يكن له ضربه ولا يكون له ضربه حتى يكون بارزا له مريدا له. فإذا كان بارزا له مريدا له كان له ضربه حينئذ إذا لم ير أنه يدفعه عنه إلا بالضرب. قال الشافعي: وإن كان له مريدا فانكسرت يد المريد أو رجله حتى يصير ممن لا يقدر عليه لم يكن له ضربه لأن الإرادة لا تحل ضربه إلا بأن يكون مثله يطيق الضرب فأما إذا صار إلى حال لا يقوى على ضرب المراد فيها لم يكن للمراد ضربه. قال الشافعي: وإذا كان المراد في جبل أو حصن أو خندق فأراده رجل لا يصل إليه بضرب لم يكن له ضربه فإن رماه الرجل. 
ومثل الرمي يصل إليه لقربه منه كان له رميه وضربه وإن برز الرجل من الحصن حتى يصير الرجل يقدر على ضربه بحال فأراده فله ضربه في هذه الحال. قال الشافعي: وسواء فيما يحل 
 

صفحة : 2079

 بالإرادة وأن يكون يبلغ الضرب والرمي معها ويحرم من المسلم والذمي والمعتوه والمرأة والصبي والجمل الصؤل والدابة الصؤلة وغيرها لأنه إنما يحل ضربه لأن يقتل المراد أو يجرحه فكل هؤلاء سواء فيما يحل منه بالإرادة إذا كان المريد يقدر على القتل وللمراد أن يبدر المريد بالضرب. قال الشافعي: إذا أقبل الرجل بالسيف أو غيره من السلاح إلى الرجل فإنما له ضربه على ما يقع في نفسه فإن وقع في نفسه أنه يضربه وإن لم يبدأه المقبل إليه بالضرب فليضربه. وإن لم يقع في نفسه ذلك لم يكن له ضربه وكان له القود فيما نال منه بالضرب أو الأرش. وإذا أبحت للرجل دم رجل أو ضربه فمات مما أبحت له فلا عقل ولا قود ولا كفارة. وإذا قلت: ليس له رميه ولا ضربه فعليه القود والعقل والكفارة فيما نال منه. قال الشافعي رحمه الله: ولو عرض له فضربه وله الضرب ضربة ثم ولى أو جرح فسقط ثم عاد فضربه أخرى فمات منهما ضمن نصف الدية في ماله والكفارة لأنه مات من ضرب مباح وضرب ممنوع. قال الشافعي: ولو ضربه مقبلا فقطع يده اليمنى ثم ضربه موليا فقطع يده اليسرى ثم برأ منهما فله القود في اليسرى واليمنى هدر ولو مات منهما فأراد ورثته الدية فلهم نصف الدية. قال الشافعي: ولو أقبل بعد التولية فقطع رجله ثم مات ضمن ثلث الدية لأنه مات من جراحة متقدمة مباحة وثانية غير مباحة وثالثة مباحة فلما تفرق حكم جنايته فرقت بينه وجعلته كجناية ثلاثة. ولو جرحه أولا وهو مباح جراحات ثم ولى فجرحه جراحات كانت جنايتين مات منهما فسواء قليل الجراح في الحال الواحدة وكثيرها فعليه نصف الدية. فإن عاد فأقبل فجرحه جراحة قليلة أو كثيرة فمات فعليه ثلث الدية كما قلت أولا. قال الشافعي رحمه الله: وما أصاب المريد لنفس الرجل أو ماله أو حريمه من الرجل في إقباله أو ناله به في توليته عنه سواء لأنه ظالم لذلك كله فعليه القود فيما فيه القود والعقل فيما فيه العقل من ذلك كله. فإن كان المريد معتوها أو ممن لا قود عليه فلا قود عليه وفيما أصاب العقل وإن كان المويد بهيمة في نهار فلا شيء على مالكها كانت مما يصول ويعقر أو مما لا يصول ولا يعقر بحال إذا لم يكن معها قائد أو سائق أو راكب. 

التعدي في الاطلاع ودخول المنزل: 
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:  لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن 
 

صفحة : 2080

 فخذفته بحصاة ففقأت عيته ما كان عليك من جناح  . أخبرنا سفيان قال: حدثنا الزهري قال: سمعت سهل بن سعد يقول: اطلع رجل من جحر في حجرة النبي ﷺ ومع النبي عليه الصلاة والسلام مدرى يحك به رأسه فقال النبي ﷺ:  لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر  . أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان في بيته رأى رجلا اطلع عليه فأهوى إليه بمشقص كان في يده كأنه لو لم يتأخر لم يبال أن يطعنه. قال الشافعي رحمه الله: فلو أن رجلا عمد أن يأتي نقبا أو كوة أو جوبة في منزل رجل يطلع على حرمه من النساء كان ذلك المطلع من منزل المطلع أو من منزل لغيره أو طريق أو رحبة فكل ذلك سواء وهو آثم يعمد الاطلاع. ولو أن الرجل المطلع عليه قذفه بحصاة أو وخزه بعود صغير أو مدرى أو ما يعمل عمله في أن لا يكون له جرح يخاف قتله وإن كان قد يذهب البصر لم يكن عليه عقل ولا قود فيما ينال من هذا وما أشبهه. ولو مات المطلع من ذلك لم يكن عليه كفارة ولا إثم. إن شاء الله تعالى ما كان المطلع مقيما على الاطلاع غير ممتنع من النزوع فإذا نزع عن الاطلاع لم يكن له أن يناله بشيء وما ناله به فعليه فيه قود أو عقل إذا كان فيه عقل. ولو طعنه عند أول أطلاعه بحديدة تجرح الجرح الذي يقتل أو رماه بحجر يقتل مثله كان عليه القود فيما فيه القود لأنه إنما أذن له الذي يناله بالشيء الخفيف الذي يردع بصره لا يقتل نفسه. قال الشافعي: ولو ثبت مطلعا لا يمتنع من الرجوع بعد مسألته أن يرجع أو بعد رميه بالشيء الخفيف استغاث عليه فإن لم يكن في موضع غوث أحببت أن ينشده فإن لم يمتنع في موضع الغوث وغيره من النزوع عن الاطلاع فله أن يضربه بالسلاح وأن يناله بما يردعه. فإن جاء على نفسه أو جرحه فلا عقل ولا قود ولا يجاوز بما يرميه به ما أمرته به أولا حتى يمتنع فإذا لم يمتنع ناله بالحديد وغيره لأن هذا مكان يرى ما لا يحل له. قال الشافعي: ولو لم ينل هذا منه كان للسلطان أن يعاقبه ولو أنه أخطأ في الاطلاع لم يكن للرجل أن يناله بشيء إذا اطلع فنزع من الاطلاع أو رآه مطلعا فقال: ما عمدت ولا رأيت. وإن ناله قبل أن ينزع بشيء فقال: ما عمدت ولا رأيت لم يكن عليه شيء لأن الاطلاع ظاهر ولا يعلم ما في قلبه. ولو كان أعمى فناله بشيء ضمنه لأنه الأعمى لا يبصر بالاطلاع شيئا ولو كان المطلع ذا محرم من نساء المطلع عليه لم يكن له أن يناله بشيء بحال ولم يكن له أن يطلع لأنه لا يدري لعله يرى منهم عورة 
 

صفحة : 2081

 ليست له رؤيتها. وإن ناله بشيء في الاطلاع ضمنه عقلا وقودا إلا أن يطلع على امرأة منهم متجردة فيقال له فلا ينزع فيكون له حينئذ فيه ما يكون له في الأجنبيين إذا اطلعوا. قال الشافعي رحمه الله: وإنما فرقت بين المطلع أول ما يطلع وبين المريد مال الرجل أو نفسه بالخبر عن رسول الله ﷺ. وإن البصر قد يمتنع منه بالتواري عنه بالستر وليس كذلك الرجل يصحر للرجل فيخاف قتله. وأبحت ردع البصر بالحصاة وما أشبهها بما حكيت من الخبر وبأن المبصر للعورة متعد وعليه الرجوع من التعدي. ألا ترى أن الرجل يلقي الرجل فيقدر المراد على أن يهرب على قدميه من المريد فأجعل له أن يثبت ولا يهرب وأن يدفع إرادته عن نفسه بالضرب بالسلاح وغيره وإن أتى ذلك على نفس المدفوع. قال الشافعي: وإذا دخل الرجل منزل الرجل ليلا أو نهارا بسلاح فأمره بالخروج فلم يخرج فله أن يضربه وإن أتى الضرب على نفسه فإذا ولى راجعا لم يكن له ضربه. قال الشافعي: وكذلك إذا دخل فسطاطه في بادية وفيه حرمه أو لا حرم له فيه أو خزانته وإن لم يكن له فيها حرمة إذا رأى أنه يريد ماله أو نفسه أو الفسق. وهكذا إن أراد دخول منزله أو كابره عليه. قال الشافعي: وسواء كان الداخل يعرف بسرقة أو فسق أو لا يعرف به. قال: ولا يصدق على ذلك القاتل إن قتل ولا الجارح إن جرح إلا ببينة يقيمها فإن لم يقم بينة أعطي منه القود ولو جاء ببينة فشهدوا أنهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا بسلاح شاهره ولم يزيدوا على ذلك فضربه هذا فقتله أهدرته. ولو أنهم رأوه داخلا داره ولم يذكروا معه سلاحا أو ذكروا سلاحا غير شاهره فقتله أقدت منه لا أطرح القود إلا بمكابرته على دخول الدار وأن يشهر عليه سلاح وتقوم بذلك بينة. قال الشافعي: ولو شهدوا أنهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا في صحراء لا سلاح معه فقتله الرجل أقدته به لأنه قد يقبل الإقبال غير المخوف مريدا له ولا دلالة على أنه أقبل إليه الإقبال المخوف فأي سلاح شهدوا أنه أقبل به إليه العصا أو وهق أو قوس أو سيف أو غيره ثم قتله وهو مقبل إليه شاهره أهدرته. قال الشافعي: ولو شهدوا أنه أقبل إليه صحراء بسلاح فضربه فقطع يدي الذي أريد ثم ولى عنه فأدركه فذبحه أقدته منه وضمنت المقتول دية يدي القاتل. ولو ضربه ضربة في إقباله وضربة أخرى في إدباره فمات لم يكن فيه قود وجعلت عليه نصف الدية لأني جعلته ميتا من الضربة التي كانت مباحة والضربة التي كانت ممنوعة فلا قود عليه وعليه نصف الدية. قال الشافعي: وإذا لقي القوم القوم ليأخذوا أموالهم أو غشوهم في حريمهم 
 

صفحة : 2082

 فتصافوا فقتل المظلومون فمن قتلوا هدر ومن قتل الظالمون لزمهم فيه القود والعقل وما ذهبوا به لهم لا يسقط عن الظالمين شيء نالوه حتى يحكم عليهم فيه حكمه. قال الشافعي: ولو كان مع الظالمين قوم مستكرهون أو أسرى فاقتتلوا فقتل المستكرهون بضرب أو رمي لم يعمدوا به أو عمدوا وهم لا يعرفون مكرهين فلا عقل ولا قود على المظلومين الذين نالوهم وعليهم فيهم الكفارة لأنهم في معنى المسلمين ببلاد العدو ينالون. قال الشافعي: ومن عمدهم وهو يعرف أنهم مستكرهون أو أسرى فعليه فيهم القود إن نال منهم ما فيه القود والعقل إن نال منهم ما فيه العقل لا يبطل ذلك عنه إلا بأن يجهل حالهم أو يعرفهم فيصيبهم منه في القتال ما لا يعمدهم به خاصة أو يعمد الجمع الذين هم فيه أو يشهر عليه سلاحا فيضربه فيقتله. قال الشافعي: وإذا كان الزحفان ظالمين مثل أن يقتتلوا على نهب أو عصبية ويغشى بعضهم بعضا في حريمه فلا يسقط عن واحد من الفريقين فيما أصاب من صاحبه عقل ولا قود إلا أن يقف رجل فيعمده رجل بضرب فيدفعه عن نفسه فإن له دفعه عنها. وما قلت: إن للرجل فيه أن يضرب المريد على ما يقع في نفسه إذا كان المريد مقبلا إليه فالقول قول المراد مع يمينه كان المراد شجاعا أو جبانا أو المريد مأمونا أو مخوفا. قال الشافعي: وإذا غشى القوم القوم في حريمهم أو غير حريمهم ليقاتلوهم فدفع المغشيون عن أنفسهم فما أصابوا منهم ما كانوا مقبلين فهو هدر وما أصاب منهم الغاشون لزمهم حكمه عقلا وقودا. 

ما جاء في الرجل يقتل ابنه: 
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلا من بني مدلج يقال له: قتادة حذف ابنه بسيف فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات فقدم به سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر ذلك له فقال: اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك فلما قدم عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ثم قال: أين أخو المقتول فقال: ها أنا ذا. قال: خذها فإن رسول الله ﷺ قال:  5 ليس لقاتل شيء  . قال الشافعي: وقد. 
حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم: أن لا يقتل الوالد بالولد وبذلك أقول. قال الشافعي: وإذا قالوا. هكذا فكدلك الجد أبو الأب والجد أبعد منه لأن كلهم والده. قال الشافعي: وكذلك الجد أبو الأم والذي أبعد منه لأن كلهم والده قال: وكذلك لا نقص منهم في جرح نالوه 
 

صفحة : 2083

 به وهكذا إذا قتل الولد الوالد قتل به وكذلك إذا قتل أمه وكذلك إذا قتل أي أجداده أو جداته كان من قبل أبيه أو أمه قتل بها إلا أن يشاء أولياء المقتول منهم أن يعفوا. وإذا كان الابن قاتلا خرج. من الولاية ولورثة أبيه غيره أن يقتلوه وكذلك لا أقيد الولد من الوالد في جراح دون النفس. قال الشافعي: وعلى أبي الرجل إذا قتل ابنه ديته مغلظة في ماله والعقوبة وديته مائة من الإبل: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة إن جاء ثنياتها كلها أو بزل أو ما بين ذلك قبل منه ولا يقبل منه دون ثنية ولا فوق خلفة إلا أن يشاء ذلك ورثة المقتول ولا يقبل منه فيها بازل أكثر من سنة. قال الشافعي: ولا يرث القاتل من دية المقتول ولا من ماله شيئا قتله عمدا أو خطأ. قال الشافعي: وإذا كان الأب عبدا والابن حرا فقتله الأب لم يقتل به وكانت ديته في عنقه وكذلك لو كان الابن عبدا. قال الشافعي: وإذا قتل الولد الوالد أقيد منه وكذلك إذا جرحه أقيد منه إذا كان دماهما متكافئين. فإن كان الولد القاتل حرا والأب عبدا فديته في ماله ويعاقب أكثر من عقوبة الذي قتل الأجنبي. قال: ويقاد الرجل من دمه وخاله لأنهما ليسا في معاني الوالدين فإنما يقال لهما: والدان بمعنى قرابتهما من الوالدين. قال الشافعي: ويقاد الرجل من ابنه من الرضاعة وليس كإبنه من النسب. قال: وإذا تداعى الرجلان ولدا فقتله أحدهما قبل يبلغ فينتسب إلى أحدهما أو يراه القافة درأت عنه القود للشبهة وجعلت الدية في ماله وكذلك لو قتلاه جميعا. قال: وإذا أكذبا أنفسهما إذا كانا قاتلين بالدعوة لم أقتلهما لأني ألزمه أحدهما وإن أكذب أحدهما نفسه بالدعوة قتلته به لأن ثم أبا أنسبه إليه إذا كان قبل يختاره أو يلحقه القافة بأحدهما. وإذا قتل الرجل امرأة له منها ولد لم يقتل بها وليس لابنه أن يقتله قودا ولا لأحد مع ابنه ذلك فيه فإذا لم يقتل بابنه قودا لم يقتل بقود يقع لابنه بعضه. وكذلك لو كان ابنه حيا يوم قتلها ثم مات ثم طلب ورثة ابنها. القود لم يقد منه لشرك ابنه كان في الدم ولو قتل رجل دمه أو مولاه وهو وارثه كان عليه القود. 
قال الشافعي رحمه الله: قال الله تبارك وتعالى:  وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة  الآية. قال الشافعي: قوله:  من قوم  يعني في  قوم عدو لكم  . قال الشافعي: وأخبرنا مروان بن معاوية الفزاري: عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: لجأ قوم إلى خثعم فلما غشيهم المسلمون استعصموا بالسجود فقتلوا بعضهم 
 

صفحة : 2084

 فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال:  أعطوهم نصف العقل لصلاتهم  ثم قال عند ذلك:  ألا إني برئ من كل مسلم مع مشرك  قالوا: يا رسول الله لم قال:  لا تتراءى ناراهما  . قال الشافعي: إن كان هذا يثبت فأحسب النبي ﷺ أعطى من أعطى منهم متطوعا وأعلمهم أنه برئ من كل مسلم مع مشرك - والله أعلم - في دار الشرك ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود. وقد يكون هذا قبل نزول الآية فنزلت الآية بعد. ويكون إنما قال: إني برئ من كل مسلم مع مشرك بنزول الآية. قال الشافعي: وفي التنزيل كفاية عن التأويل لأن الله عز وجل إذ حكم في الآية الأولى في المؤمن يقتل خطأ بالدية والكفارة وحكم بمثل ذلك في الآية بعدها في الذي بيننا وبينه ميثاق وقال بين هذين الحكمين:  فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة  ولم يذكر دية ولم تحتمل الآية معنى إلا أن يكون قوله:  من قوم  يعني في قوم عدو لنا دارهم دار حرب مباحة فلما كانت مباحة وكان من سنة رسول الله ﷺ أن إذا بلغت الناس الدعوة أن يغير عليهم غارين كان في ذلك دليل على أنه لا يبيح الغارة على دار وفيها من له إن قتل عقل أو قود فكان هذا حكم الله عز ذكره. قال الشافعي: ولا يجوز أن يقال لرجل من قوم عدو لكم: إلا في قوم عدو لنا. وذلك أن عامة المهاجرين كانوا من قريش وقريش عامة أهل مكة وقريش عدو لنا وكذلك كانوا من طوائف العرب والعجم وقبائلهم أعداء للمسلمين. قال الشافعي: وإذا دخل مسلم في دارحرب ثم قتله مسلم فعليه تحرير رقبة مؤمنة ولا عقل له إذا قتله وهو لا يعرفه بعينه مسلما. وكذلك أن يغير فيقتل من لقي أو يلقى منفردا بهيئة المشركين في دارهم فيقتله وكذلك إن قتله في سرية منهم أو طريق من طرقهم التي يلقون بها فكل هذا عمد خطأ يلزمه اسم الخطأ لأنه خطأ بأنه لم يعمد قتله وهو مسلم وإن كان عمدا بالقتل. قال الشافعي: وهكذا: لو قتله أسيرا أو محبوسا أو نائما أو بهيئة لا تشبه هيئة أهل الشرك وتشبه هيئة أهل الإسلام لأن المشرك قد يتهيأ بهيئة المسلم والمسلم بهيئة المشرك ببلاد الشرك وكان القول فيه قوله فإن كان للمسلم المقتول ولاة فادعوا أنه قتله وهو يعلمه مسلما أحلف فإن حلف برئ وإن نكل حلفوا خمسين يمينا لقد قتله وهو يعلمه مسلما وكان لهم القود إن كان قتله عامدا لقتله وإن كان أراد غيرة وأصابه فعلى عاقلته الدية وعليه الكفارة. قال الشافعي: وهكذا كل من قتله وهو يعلمه مسلما منهم أو أسيرا فيهم أو مستأمنا عندهم لتجارة أو رسالة أو غير ذلك فعليه في العمد القود وفي 
 

صفحة : 2085

 الخطأ الكفارة وعلى عاقلته الدية. وكذلك في الأسرى يقتل بعضهم بعضا ويجرح بعضهم بعضا يقتل بعضهم لبعض ويقتص لبعضهم من بعض من الجراح وكذلك تقام الحدود عليهم فيما أتوا إذا كانوا أسلموا وهم يعرفون ما عليهم ولهم من حلال وحرام أو كانوا مستأمنين يؤخذ لبعضهم من بعض الحقوق في الأموال إذا أسلموا وإن لم يعلموا ما عليهم ولهم. قال الشافعي: وإذا أسلم القوم ببلاد الحرب فأصابوا حد الله تبارك وتعالى فادعوا الجهالة لم يقم عليهم وإذا علموا فعادوا أقيم عليهم وإذا وصف الحربي الإيمان ولم يبلغ أو وصفه وهو مغلوب على عقله فلقيه بعد إيمانه مسلم فقتله وهو يعلم صفته للإيمان لم يقد منه لأنه لا يكون بهذا ممن له كمال الإيمان وحكم الإيمان حتى يصفه بالغا غير مغلوب على عقله. قال الشافعي: وإذا أسلم الحربي وله ولد صغار وأمهم كافرة أو أسلمت أمهم وهو كافر فللولد حكم الإيمان بأي الأبوين أسلم فيقاد قاتله ويكون له دية مسلم ولا يعذر أحد إن قال: لم أعلمه يكون له حكم الإسلام إلا بإسلام أبويه معا. قال الشافعي: ولو أغار المسلمون على المشركين أو لقوهم بلا غارة أو أغار عليهم المشركون فاختلطوا في القتال فقتل بعض المسلمين بعضا أو جرحه فادعى القاتل أنه لم يعرف المقتول أو المجروح فالقول قوله مع يمينه فلا قود عليه وعليه الكفارة ويدفع إلى أولياء المقتول ديته. قال الشافعي: ولو كان المسلمون صفا والمشركون صفا لم يتحاملوا فقتل مسلم مسلما في صف المسلمين فقال: ظننته مشركا لم يقبل منه إنما يقبل منه إذا كان الأغلب أن ما ادعى كما ادعى. قال الشافعي: ولو قيل لمسلم: قد حمل المشركون علينا و حمل منهم واحد أو رأوا واحدا قد حمل فقتل مسلما في صف المسلمين وقال: ظننته الذي حمل أو بعض من حمل قبل قوله مع يمينه وكانت عليه الدية. قال الشافعي: ولو قتله في صف المشركين فقال: قد علمت أنه مؤمن فعمدته قتل به. قال: ولو حمل مسلم على مشرك. فاستتر منه بالمسلم فعمد المسلم قتل المسلم كان عليه القود. ولو قال: عمدت قتل المشرك فأخطأت بالمسلم كانت عليه الدية. قال: ولو قال: لم أعرفه مسلما لم يكن عليه عقل ولا قود وكانت عليه الكفارة. قال الشافعي: ولو كان الكافر الحامل على مسلم أو كان المسلم ملتحما فضربه وهو متترس بمسلم وقال: عمدت الكافر كان هكذا ولو قال: عمدت المؤمن كان عليه القود لأنه ليس له عمد المؤمن في حال. قال الشافعي: ولو كان لا يمكنه ضرب الكافر إلا بضربه المسلم بحال فضرب المسلم فقتله وهو يعرفه وقال: أردت الكافر أقيد بالمسلم ولم يقبل قوله أردت الكافر إذا لم 
 

صفحة : 2086

 يمكنه الإرادة إلا بأن يقع الضرب بالمسلم. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مطرف عن معمر بن راشد عن الزهري عن عروة بن الزبير. قال: كان اليمان أبو حذيفة بن اليمان شيخا كبيرا فوقع في الآطام مع النساء يوم أحد فخرج يتعرض الشهادة فجاء من ناحية المشركين فابتدره المسلمون فتوشقوه بأسيافهم وحذيفة يقول: أبي أبي فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فقضى النبي ﷺ فيه بديته. 

ما قتل أهل دار الحرب من المسلمين فأصابوا من أموالهم: 
أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله: وما نال أهل دار الحرب من المشركين من قتل مسلم أو معاهد أو مستأمن أو جرح أو مال لم يضمنوا منه شيئا إلا أن يوجد مال لمسلم أو مستأمن في أيديهم فيؤخذ منهم أسلموا عليه أو لم يسلموا. وكذلك إن قتلوا وحدانا أو جماعة أو دخل رجل منهم داخل بلاد الإسلام مستترا أو مكابرا لم يتبع إذا أسلم بما أصاب ولم يكن. 
لولي القتيل عليه قصاص ولا أرش ولا يتبع أهل دار الحرب من المشركين بغرم مال ولا غيره إلا ما وصفت من أن يوجد عند أحد منهم مال رجل بعينه فيؤخذ منه. فإن قال قائل: ما دل على ما وصفت قيل: قال الله عز وجل:  قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  وما قد سلف تقضي وذهب ودلت السنة عن رسول الله ﷺ على أنه يطرح عنهم ما بينهم وبين الله عز ذكره والعباد. وقال رسول الله ﷺ:  الإيمان يجب ما كان قبله  وقال الله تبارك وتعالى:  وذروا ما بقي من الربا  ولم يأمرهم برد ما مضى منه. 
وقتل وحشي حمزة فأسلم فلم يق منه ولم يتبع له بعقل ولم يؤمر له بكفارة لطرح الإسلام ما فات في الشرك وكذلك إن أصابه بجرح لأن الله عز وجل قد أمر بقتال المشركين. الذين كفروا من أهل الأوثان  حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله  وقال عز وجل:  قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  إلى قوله:  وهم صاغرون  وقال رسول الله ﷺ:  لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله  يعني بما أحدثوا بعد الإسلام لأنهم يلزمهم لو كفروا بعد الإسلام القتل والحدود ولا يلزمهم ما مضى قبله. قال الشافعي: وهكذا كل ما أصاب لهم مسلم أو معاهد من دم أو مال قبل الإسلام والعهد فهو هدر ولو وجدوا مالا لهم في يدي رجل لم يكن لهم أخذه ولو تخول رجل 
 

صفحة : 2087

 منهم أحدا قبل الإسلام لم يكن له الخروج من يديه لأن دماءهم وأموالهم مباحة قبل الإسلام أو العهد لهم وهم مخالفون أهل الإسلام فيما وجد في أيديهم لمسلم بعد إسلامهم لأن ذلك يؤخذ منهم بعد إسلامهم. لأن الله عز وجل قضى في رد الربا برد ما بقي منه ولم يقض برد ما قبض فهلك في الشرك. قال الشافعي: وما أصاب الحربي المستأمن أو الذمي لمسلم أو معاهد من 
ما أصاب المسلمون في يد أهل الردة من متاع المسلمين: 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا أسلم القوم ثم ارتدوا عن الإسلام في دار الإسلام وهم مقهورون أو قاهرون في موضعهم الذي ارتدوا فيه وادعوا نبوة رجل تبعوه عليها أو رجعوا إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو تعطيل أو غير ذلك من أصناف الكفر فسواء ذلك كله وعلى المسلمين أن يبدأوا بجهادهم قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط فإذا ظفروا بهم استتابوهم فمن تاب حقنوا دمه بالتوبة وإظهار الرجوع إلى الإسلام ومن لم يتب قتلوه بالردة وسواء ذلك في الرجل والمرأة. قال الشافعي: وما أصاب أهل الردة للمسلمين في حال الردة أو بعد إظهار التوبة في قتال وهم ممتنعون أو غير قتال. أو على نائرة أو غيرها فسواء والحكم عليهم كالحكم على المسلمين لا يختلف في العقل والقود وضمان ما يصيبون. وسواء ذلك قبل يقهرون أو بعد ما قهروا فتابوا أو لم يتوبوا لا يختلف ذلك. قال الشافعي: فإن قيل: فما صنع أبو بكر في أهل الردة قيل: قال لقوم جاءوه تائبين: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا دية. قال الشافعي: فإن قيل: فما قوله: تدون قتلانا قيل: إذا أصابوا غير متعمدين ودوا وإذا ضمنوا الدية في قتل غير متعمدين كان عليهم القصاص في قتلهم متعمدين وهذا خلاف حكم أهل الحرب عند أبي بكر. فإن قيل: فما نعلم أحدا منهم قتل بأحد قيل: ولا يثبت عليه قتل أحد بشهادة ولو ثبت لم نعلم حاكما أبطل لولي دم قتيل أن يقتل له لو طلبه والردة لا تدفع عنهم عقلا ولا قودا ولا تزيدهم خيرا إن لم تزدهم شرا. قال الشافعي: فإذا قامت لمرتد بينة أنه أظهر القول بالإيمان ثم قتله رجل يعلم توبته أو لا يعلمها فعليه القود كما عليه القود في كافر أظهر الإيمان فلا يعلم إيمانه وعبد عتق ولا يعلم عتقه ثم قتلهما فيقتل بهما في الحالين في بلاد الإسلام. قال الشافعي: ولو كان كافرا فأسلم في بلاد الحرب فأغار قوم فقتلوه لم تكن له دية وكانت فيه كفارة. قال الشافعي: ولو عمد رجل قتله في غير غارة وقد أظهر الإسلام قبل القتل وعلمه القاتل قتل به وإن لم يعلمه وداه لأنه عمده وهو مؤمن بالقتل وإنما 
 

صفحة : 2088

 يسقط عنه العقل والقود إذا قتله غير عامد لقتله بعينه كأنه قتله في غارة لقول الله عز وجل:  فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة  . قال الشافعي: يعني - والله أعلم - في قوم عدو لكم. 

من لا قصاص بينه لاختلاف الدينين: 
قال الشافعي رحمه الله: قال الله تبارك وتعالى:  يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى  الآية. قال الشافعي: فكان ظاهر الآية - والله أعلم - أن القصاص إنما كتب على البالغين المكتوب عليهم القصاص لأنهم المخاطبون بالفرائض إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية. وقوله:  فمن عفي له من أخيه شيء  لأنه جعل الأخوة بين المؤمنين فقال:  إنما المؤمنون إخوة  وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين ودلت سنة رسول الله ﷺ على مثل ظاهر الآية. 
قال الشافعي: وسمعت عددا من أهل المغازي وبلغني عن عدد منهم أنه كان في خطبة رسول ﷺ يوم الفتح:  لا يقتل مؤمن بكافر  وبلغني عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أنه روى ذلك عن رسول الله ﷺ أخبرنا مسلم ابن خالد عن ابن أبي حسين عن مجاهد وعطاء وأحسب طاوسا والحسن أن رسول الله ﷺ قال في خطبته عام الفتح:  لا يقتل مؤمن بكافر  أخبرنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: سألت عليا رضي الله عنه:  هل عندكم من النبي ﷺ شيء سوى القرآن  فقال:  لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن وما في الصحيفة  قلت وما في الصحيفة فقال:  العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بكافر  . قال الشافعي: ولا يقتل مؤمن عبد ولا حر ولا امرأة بكافر في حال أبدا وكل من وصف الإيمان من أعجمي وأبكم يعقل ويشير بالإيمان ويصلي فقتل كافرا فلا قود عليه وعليه ديته في ماله حالة وسواء أكثر القتل في الكفارأو لم يكثر وسواء قتل كافرا على مال يأخذه منه أو على غير مال لا يحل - والله أعلم - قتل مؤمن بكافر بحال في قطع طريق ولا غيره. قال الشافعي: وإذا قتل المؤمن الكافر عزر وحبس ولا يبلغ بتعزيره في قتل ولا غيره حد ولا يبلغ بحبسه سنة ولكن حبس يبتلي به وهو ضرب من التعزير. قال الشافعي: وإذا قتل الكافر المؤمن قتل به ذميا كان القاتل أو حربيا أو مستأمنا. وإذا أباح الله عز وجل دم المؤمن بقتل المؤمن كان ذم الكافر بقتل المؤمن أولى أن يباح. وفيما روى عن رسول الله صلى الله عليه 
 

صفحة : 2089

 وسلم دلالة على ما ذكرت قوله:  من اعتبط مسلما بقتل فهو به قود  فهذه جامعة لكل من قتل. قال الشافعي: وإذا قتل الرجل الرجل فقال القاتل: المقتول كافر أو عبد فعلى أولياء المقتول البينة بأنه مسلم حر والقول قول القاتل لأنه المأخوذ منه الحق. قال الشافعي: وإنما الإيمان فعل يحدثه المؤمن البالغ أو يكون غير بالغ فيكون مؤمنا بإيمان أحد أبويه. قال الشافعي: وإذا كان أبوا المولود مسلمين وكان صغيرا لم يبلغ الإسلام ولم يصفه فقتله رجل قتل به لأن له حكم الإسلام يرث به ويحجب مع ما سوى هذا مما له من حكم الإيمان. وكذلك لو كان أبوا المولود كافرين فأسلم أحدهما والمولود صغير كان حكم المولود حكم مسلم بإسلام أحد أبويه ومن قتله بعد إسلام أحد أبويه كان عليه قود. ومن قتله قبل إسلام واحد منهما من مسلم فلا قود عليه لأن حكمه حكم الكفار. قال الشافعي: وإذا ولد المولود على الشرك فأسلم أبواه ولم يصف الإيمان فقتله قبل البلوغ قتل به. وإن قتله بعد البلوغ مؤمن لم يقتل به لأنه إنما يكون حكمه حكم مسلم بإسلام أحد أبويه ما لم يكن عليه الفرض فإذا لزمه الفرض فدينه دين نفسه كما يكون مؤمنا وأبواه كافران فلا يضره كفرهما أو كافرا وأبواه مؤمنان فلا ينفعه إيمانهما. وإن ادعى أبواه بعد ما يقتل أنه وصف الإيمان وأنكر ذلك القاتل فالقول قوله مع يمينه وعليهما البينة أنه وصف الإسلام. قال الشافعي: ولو كان أبواه مؤمنين فادعى القاتل بأنه قتله مرتدا عن الإسلام وقال ورثته: بل قتله وهو على دين الإسلام فإن كان صغيرا قتل به وإن كان بالغا فحلف أبوه أنه ما علمه ارتد بعدما وصف الإسلام بعد البلوغ أو جاء على ذلك ببينة يشهدون أنه كان مسلما قبلت ذلك منهم وكان على قاتله القود. قال الشافعي: والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى أن القاتل حين قال في هذه ارتد كان قد أقر بإسلامه بعد البلوغ وادعى الردة. وفي المسألة التي فوقها لم يقر له بالإيمان بعد البلوغ ولا وصف الإيمان بعد البلوغ ولا يكون له حكم الإيمان بإيمان أبويه إذا لم يعلم صفة الإيمان بعد البلوغ. قال الشافعي: ولو أن مسلما قتل نصرانيا ثم ارتد المسلم فسأل ورثة النصراني أن يقادوا منه وقالوا: هذا كافر لم يقتل به لأنه قتله وهو مؤمن فلا قود عليه وعليه الدية في ماله والتعزير فإن تاب قبل منه وإلا قتل على الردة. وهكذا لو ضرب مسلم نصرانيا فجرحه ثم ارتد المسلم ثم مات النصراني والقاتل مرتد لم يقد منه لأن الموت كان بالضربة والضربة كانت وهو مسلم. ولو أن مسلما ارتد عن الإسلام فقتل ذميا فسأل أهله القود قبل أن يرجع إلى الإسلام أو رجع إلى 
 

صفحة : 2090

 الإسلام فسواء وفيها قولان: أحدهما أن عليه القود وهذا أولاهما والله أعلم. لأنه قتل وليس بمسلم. والثاني: لا قود عليه من قبل أنه لا يقر على دينه حتى يرجع أو يقتل. ولو أن رجلا أرسل سهما على نصراني فلم يقع به السهم حتى أسلم أو على عبد فلم يقع عليه به حتى عتق فقتله لم يكن عليه قصاص لأن غلبة السهم كانت بالإرسال الذي لا قود فيه بينهما ولو كان وقوعه به وهو بحاله حين أرسل السهم ثم أسلم لم يقص منه وعليه دية مسلم حر في الحالتين والكفارة ولا يكون هذا في أقل من حال من أرسل سهما على غرض فأصاب إنسانا لأنه إنما يضمن ما جنت رميته وكلا هذين ممنوع من أن يقصد قصده برمي. قال: ولو أرسل سهمه على مرتد فلم يقع به السهم حتى أسلم أو على حربي فلم يقع به السهم حتى أسلم كان خلافا للمسائل قبلها لأنه أرسل عليهما وهما مباحا الدم وليس عليه قود بحال لما أصابهما من رميته وعليه الكفارة ودية حرين مسلمين بتحويل حالهما قبل وقوع الرمية. قال الشافعي: وإذا ضرب الرجل الرجل المسلم ثم ارتد المضروب عن الإسلام ثم مات من الضربة ضمن الضارب الأقل من أرش الضربة أو الدية. قال الربيع: أظنه قال: دية مسلم. قال الشافعي: من قبل أن الضربة كانت وفيها قود أو عقل فإذا مات مرتدا سقط القود لأنها لم تبرأ وجعلت فيها العقل في ماله لأنها كانت غير مباحة. ولو برأت وسأل أولياؤه القصاص من الجرح كان لهم أن يقتصوا منه لأنه كان وهو مسلم. قال الشافعي: ولو ضربه وهو مسلم ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه ثم مات مسلما ضمن القاتل الدية كلها في ماله لأن الضرب كان وهو ممنوع والموت كان وهو ممنوع ولا تسقط الدية بحال حدثت بينهما لم يحدث فيها الضارب شيئا ولا قود عليه للحال الحادثة بينهما وعليه الكفارة. 

شرك من لا قصاص عليه: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أن رجلا قتل رجلا وقتله معه صبي أو مجنون أو حربي أو من لا قود عليه بحال فمات من ضربهما معا فإن كان ضربهما معا بما يكون فيه القود قتل البالغ وكان على الصبي نصف الدية في ماله وكذلك المجنون. قال: ولو قتل رجل ابنه وقتله معه أجنبي ولم يقتل الأب وأخذت نصف الدية من ماله حالة. ولو قتل حر وعبد عبدا قتل به العبد وكانت على الحر نصف قيمة العبد بالغة ما بلغت وإن كانت ديات. ولو قتل مسلم وكافر كافرا قتل الكافر. وكانت على المسلم نصف ديته. ولو ضرب رجلان رجلا أحدهما 
 

صفحة : 2091

 بعصا خفيفة والآخر بسيف فمات لم يكن على واحد منهما قصاص لأن إحدى الجنايتين كانت مما لا قصاص فيه وإنما يكون القود إذا كانت الجناية كلها بشيء يقتص منه إذا ميت منه. 
ولو ضرب رجلا بسيف ونهشته حية فمات فلا قصاص وعلى الضارب نصف ديته حالة في ماله. قال الشافعي: ولو ضربه رجل بسيف وضربه أسد أو نمر أو خنزير أو سبع ما كان ضربة فإن كانت ضربة السبع تقع موقع الجرح في أن يشق جرحها فيكون الأغلب أن الجرح قتل دون الثقل فعلى القاتل القود إلا أن يشاء ورثته الدية فيكون لهم نصفها. وإن كانت ضربة لا تلهد ولا تقتل ثقلا كما يقتل الشدخ أو الخشبة الثقيلة أو الحجر الثقيل فلا يجرح فلا قود عليه. 
لأن إنسانا إن ضربه معه تلك الضربة لم يكن عليهما قود وإنما أجعله مات من الجنايتين فلما كانت إحدى الضربتين إنما تقتل لا ثقلا ولا جرحا وكان الأغلب أن مثلها لا يقتل مفردا سقط القود فلما لم يمحضا بما يقتل مثله فلا قود. قال الشافعي: وهكذا لو جرحت جرحا خفيفا كالخدش والأغلب أن القتل منها لا يقتل باللهد ولا الثقل لم يكن فيهما قصاص. قال الشافعي: ولو أن السبع قطع حلقومه وودجه أو قصف عنقه أو شق بطنه فألقى حشوته كان هو القاتل وعلى الأول القصاص في الجراح إن كان فيها القصاص إلا أن تشاء ورثته العقل والعقل 
الزحفان يلتقيان: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا التقى زحفان وأحدهما ظالم فقتل رجل من الصف المظلوم فسأل أولياؤه العقل أو القود قيل: ادعوه على من شئتم فإن ادعوه على واحد منهم أو نفر بأعيانهم كلفوا البينة فإن جاءوا بها فلهم القود إن كان فيه قود أو العقل إن لم يكن فيه قود. 
وإن لم يأتوا ببينة قيل: إن شئتم فأقسموا خمسين يمينا على رجل أو نفر بأعيانهم ولكم الدية ولا قود إن كان القتل عمدا وإن أقسم الذين ادعيتم عليهم خمسين يمينا برئوا من الدية والقود إذا حلفوا إن امتنعتم من الأيمان. وإن تحلفوهم فلا عقل ولا قود. وإن قلتم: قتلوه جميعا فكان يمكن لمثلهم أن يشتركوا فيه أقسمتم وإن لم يمكن ذلك وكانوا مائة ألف أو نحوها فقد قيل: إن اقتصرتم بالدعوى على من يمكن أن يكون شرك فيه وأقسمتم جعلنا ذلك لكم وإلا لم ندعكم تقسموا على ما نعلمكم فيه كاذبين. وإذا جاءوا ببينة على أن رجلا قتله لا يثبتون الرجل القاتل فليست بشهادة وقيل: أقسموا على واحد إن شئتم ثم عليه الدية. فإن أقسموا على واحد فأثبتت البينة أنه ليس به سقطت القسامة فلم يعطوا بها ولا بالبينة. وإن سألوا بعد أن 
 

صفحة : 2092

 يقسموا على غيره لم يكن ذلك لهم لأنهم قد أبرءوا غيره بالدعوى عليه دونه وبأن كذبوا في القسامة ولست أقتل بالقسامة بحال أبدا. ولو قالوا بعد ذلك: نقسم على كلهم لم أقبل ذلك منهم لأني إن أغرمت كلهم فقد علمت أني أغرمت منهم قوما برآء. وان أردت أن أغرم بعضهم لم أعرف من أغرم فلا تكون القسامة إلا على معروف بعينه ومعروفين بأعيانهم كما لا تكون الحقوق إلا على معروف بعينه. فإذا التقى الرجلان فاضربا بأي سلاح اضطربا فيه فيكون فيمن أصيب به القود فشهد الشهود أنهم رأوا كل واحد منهما مسرعا إلى صاحبه ولم يثبتوا أيهما بدأ فكل واحد منهما ضامن لما أصاب به صاحبه إن كان فيه عقل أو كان فيه قود. ولو ادعى كل واحد منهما أن صاحبه بدأه وأنه إنما ضربه ليدفعه عن نفسه لم يقبل قوله وعلى كل واحد منهما اليمين الصاحبه ما بدأ فإذا حلفا فكل واحد منهما ضامن لما أصاب به صاحبه فإن كان فيه عقل تقاصا وأخذ أحدهما من الآخر الفضل وإن كان فيه قصاص اقتص لكل واحد منهما من صاحبه مما فيه القصاص. وإن قتل كل واحد منهما صاحبه عمدا فكل واحد منهما بصاحبه قصاص ولا تباعة لواحد منهما على الآخر ولا قود لأنه لم يبق شيء يقاد منه. قال الشافعي: ولو مات أحدهما وبقي الآخر وبه جراحات كانت جراحاته في مال الميت فإن كانت دية قيل لأهل الميت: إن أردتم القود فلكم القود وعلى صاحبكم دية جراح المجروح. 
وإن أردتم الدية فلكم الدية وللمجروح دية فإحداهما قصاص بالأخرى إن كان ضربهما عمدا كله وإن كانت أكثر من دية رجع المجروح بالفضل عن الدية في مال الميت. وإن أردتم القود فللمقاد منه ما لزم الميت من جراحة الحي ولكم القود. قال الشافعي: وإذا كان القوم في الحرب فلقي رجل من المسلمين رجلا من المسلمين مقبلا من ناحية المشركين فقتله فإن قال: قد عرفته مسلما قتل به وإن قال: ظننته كافرا أحلف ما قتله وهو يعلمه مؤمنا ثم فيه الدية والكفارة ولا قود فيه. قال الشافعي: ولو لقيه في مصر من الأمصار بغير حرب فقال: ظننته كافرا لم يعذر وقتل به. وإنما يعذر في الموضع الذي الأغلب منه أنه كما قال. قال الشافعي: ولو كان المسلمون في صف والمشركون بإزائهم لم يلتقوا ولم يتحاملوا فقتل رجل رجلا في صف المسلمين فقال: ظننته كافرا والمقتول مؤمن أقيد منه وإن تحاملوا وكان في صف المشركين وقتله قبل قوله مع يمينه أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري عن عروة أن اليمان أبا حذيفة جاء يوم أحد من أطم من الأطام من ناحية المشركين 
 

صفحة : 2093

 فظنه المسلمون مشركا فالتفوا عليه بأسيافهم حتى قتلوه وحذيفة يقول: أبي أبي ولا يسمعونه لشغل الحرب فقضى النبي ﷺ فيه بدية. وقال - فيما أحسب -: عفاها حذيفة وقال: - فيما أحسب - يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فزاده عند المسلمين خيرا. 
قال الشافعي: ولو أن رجلا من المشركين أقبل إلى ناحية المسلمين فقتله رجل من المسلمين عامدا فقال ورثة المشرك: إنه كان أسلم فإن أقاموا على ذلك بينة وإلا لم يقبل قولهم. وإن أقاموا البينة فلهم العقل ولا قود إذا قال المسلم: قتلته وأنا أظنه على الشرك. إذا جعلت له هذا في المسلم يعرف إسلامه جعلته له فيمن لم يشهر إسلامه. قال الشافعي: ولو أن رجلا من المشركين أقبل كما وصفت فقتله مسلم لم يود حتى يقيم ورثته البينة على أنه أسلم قبل أن يقتل. ولو أن رجلا ضرب حربيا فأسلم الحربي فمات لم يكن فيه عقل ولا قود. ولو ضرب فأسلم ثم ضرب فمات ففيه نصف الدية. ولو أن رجلا من المشركين ضرب مسلما فجرحه ثم أسلم فقتله المسلم المضروب بعد إسلامه وعلمه به قتل به وإن قتله بعد إسلامه. وقال: لم أعلم بإسلامه فعليه ديته والكفارة. 

قتل الإمام: 
قال الشافعي رحمه الله: وبلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ولى رجلا على اليمن فأتاه رجل أقطع اليد والرجل فذكر أن والي اليمن ظلمه فقال: إن كان ظلمك لأقيدنك منه. قال الشافعي: وبهذا نأخذ. أن قتل الإمام هكذا قال: وإذا أمر الإمام الرجل بقتل الرجل فقتله المأمور فعلى الإمام القود إلا أن يشاء ورثة المقتول أن يأخذوا الدية وليس على المأمور عقل ولا قود وأحب إلي أن يكفر لأنه ولي القتل وإنما أزلت عنه القود أن الوالي يحكم بالقتل في الحق في الردة وقطع الطريق والقتل. قال الشافعي: ولو أن المأمور بالقتل كان يعلم أنه أمره بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود وكانا كقاتلين معا وإنما أزيل القود عنه إذا ادعى أنه أمره بقتله وهو يرى أنه يقتل بحق. ولو علم أنه أمره بقتله ظلما ولكن الوالي أكرهه عليه لم يزل عن الإمام القود بكل حال وفي المأمور المكره قولان: أحدهما أن عليه القود لأنه ليس له أن يقتل أحدا ظلما إنما يبطل الكره عنه فيما لا يضر غيره. والآخر: لا قود عليه للشبهة وعليه نصف الدية والكفارة. قال الشافعي: والوالي المتغلب والمستعمل إذا قهر في الموضع الذي يحكم فيه عليه هذا سواء طال قهره له أو قصر. وإذا كان الرجل المتغلب على اللصوصية أو العصبية فأمر رجلا 
 

صفحة : 2094

 بقتل الرجل فعلى المأمور القود وعلى الآمر إذا كان قاهرا للمأمور لا يستطيع الامتناع منه بحال. قال الشافعي: ولو أن رجلا في مصر أو في قرية لم يقهر أهلها كلهم فأمر رجلا بقتل رجل فقتله والمأمور مقهور فعلى المأمور القود في هذا دون الأمر وعلى الآمر العقوبة إذا كان المأمور يقدر على الامتناع بجماعة يمنعونه منه أو بنفسه أو أن يهرب فعليه القود في هذا دون الآمر وإذا لم يقدر على الامتناع منه بحال فعليهما القود معا. 
قال الشافعي: وإذا أمر السيد عبده أن يقتل رجلا والعبد أعجمي أو صبي فقتله فعلى السيد القود دون الأعجمي الذي لا يعقل والصبي. وإذا أمر بذلك عبدا له رجلا بالغا يعقل فعلى عبده القود وعلى السيد العقوبة. قال الشافعي: ولو أمر عبد غيره أو صبي غيره بقتل رجل فقتله فإن كان العبد أو الصبي يميزان بينه وبين سيده وأبيه ويريان لسيده وأبيه طاعة ولا يريانها لهذا عوقب الآمر وكان الصغير والعبد قاتلين دون الآمر وإن كانا لا يميزان ذلك فالقاتل الآمر وعليه القود إن كان القتل عمدا. قال الشافعي: وإذا أمر الرجل ابنه الصغير أو عبد غيره الأعجمي أن يقتله فقتله فدمه هدر لأني لا أجعل جنايتهما بأمره كجنايته. ولو أمرهما أن يفعلا بأنفسهما فعلا لا يعقلانه ففعلاه فقتلهما ذلك الفعل ضمنهما معا كما يضمنهما لو فعله بهما فقتلهما كأن أمرهما أن يقطعا عرقا أو يفجرا قرحة على مقتل أو ما أشبهه. ولو أمرهما أن يذبحا أنفسهما فإن كان الصبي لم يعقل والعبد مغلوب على عقله ففعلا ضمنهما كما يضمنهما لو ذبحهما. وإن كان العبد يعقل أن ذلك يقتله ففعل فمات فهو مسيء آثم وعليه العقوبة ولا يكون كالقاتل. وإذا أمر الرجل ابنه البالغ أو عبده الذي يعقل أن يقتل رجلا فقتله عوقب السيد الآمر وعلى العبد والابن القاتلين القود دونه. وإذا أمر سيد العشيرة رجلا من العشيرة أن يقتل رجلا وليس ببلد له فيها سلطان فالقتل على القاتل دون الآمر. 
قال الشافعي: وإذا استكره الرجل الرجل فسقاه سما ووصف الساقي السم سئل الساقي فإن قال: سقيته إياه وأنا أعلم أن الأغلب منه أنه يقتله وأنه قل ما يسلم منه أن يقتله أو يضره ضررا شديدا وإن لم يبلغ القتل والأغلب أنه يقتل فمات المسقى فعلى الساقي القود يسقى مثل ذلك فإن مات في مثل هذه الميتة فذلك وإلا ضربت عنقه. فإن قال: سقيته والأغلب أنه لا يموت وقد يمات من مثله قليلا قيل لورثة الميت: إن كانت لكم بينة عادلة بأن مثل ذلك السم إذا سقي فالأغلب أنه يقتل أقيد منه وإن جهلوا ذلك فالقول قول الساقي مع يمينه وعلى 
 

صفحة : 2095

 الساقي الدية والكفارة ولا قود عليه وديته دية خطأ العمد. وكذلك إن قال أهل العلم به: الأغلب أنه لا يقتل وقد يقتل مثله. وسواء علم السم الساقي في هذه الأحوال أو لم يعلمه كلما يسأل أهل العلم به عنه وتقبل شهادة شاهدين ممن يعلمه على رؤيته وإن كانا رأياه يسقيه السم بدواء معه ولم يعرفه فإنه يقاد منه إذا كان الأغلب أنه لا يعاش من مثله ويترك القود ويضمن الدية إذا كان الأغلب أنه يعاش منه. وإن قال أهل العلم به: أن الأغلب أن مثل هذا المسقى لضعف بدنه أو خلقه أو سقمه لا يعيش من مثل هذا السم والأغلب أن القوي يعيش من مثله لم يقد في القوي الذي الأغلب أنه يعيش من مثله وأقيد في الضعيف الذي الأغلب أنه لا يعيش من مثله. كما لو ضرب رجلا نضو الخلق أو سقيما أو ضعيفا ضربا ليس بالكثير بالسوط أو عصا خفيفة فقيل: إن الأغلب أن هذا لا يعيش من مثل هذا أقيد منه. ولو ضرب مثلهن رجلا الأغلب أنه يعيش من مثلهن لم يقد منه. قال: ولو كان الساقي للسم الذي أفيد من ساقيه لم يكره المسقى ولكنه جعله له في طعام أو خاص له عسلا أو شرابا غيره فأطعمه إياه أو سقاه إياه غير مكره عليه ففيها قولان: أحدهما أن عليه القود إذا لم يعلمه أن فيه سما. وكذلك لو قال: هذا دواء فأشربه وهذا أشبهما. والثاني: أن لا قود عليه وهو آثم لأن الآخر شربه. وإنما فرق من فرق بين السم يعطيه الرجل الرجل فيأكله في التمرة والحريرة يصنعها له فيموت فلا أقيد منه لأنه قد يبصر السم في الحريرة ويبصرها غيره له فيتوقاها وقد يعرف السم أنه مخلوط بغيره ولا يعرف غير مخلوط بغيره وأنه الذي ولي شربه بنفسه غير مكره عليه. قال الشافعي: ولو كان قال له في هذا: سم وقد بين له ولا يلتفت صاحبه قلما يخطئه أن يتلف به فشرب الرجل فمات لم يكن على الذي خلطه له ولا الذي أعطاه إياه له عقل ولا قود ولو سقاه معتوها أو أعجميا لا يعقل عنه أو صبيا فبين له أو لم يبين له فسواء. وكذلك لو أكرهه عليه أو أعطاه إياه فشربه لأن كل هؤلاء لا يعقل عنه وعليه القود حيث أقدت منه في الأغلب من السم القاتل. قال الشافعي: ولو خلطه فوضعه ولم يقل للرجل كله فأكله الرجل أو شربه فلا عقل ولا قود ولا كفارة عليه. وسواء جعله في طعام لنفسه أو شراب أو لرجل فأكله إلا أنه يأثم وأرى أن يكفر إذا خلطه في طعام رجل ويضمن مثل الطعام الذي خلطه به. وفيها قول آخر: أنه إذا خلطه بطعام فأكله الرجل فمات ضمن كما يضمن لو أطعمه إياه. قال الشافعي: ولو سقاه سما وقال: لم أعلمه سما فشهد بعد على أنه سم ضمن الدية لأنه مات بفعله ولا يبين لي أن أجعل 
 

صفحة : 2096

 عليه القود كما جعلته عليه لو علمه فسقاه إياه وعليه اليمين ما علمه. قال الشافعي: وإنما درأت عنه القود لأنه قد يجهل السم فيكون سما قاتلا ولا قاتلا. وفيه قول آخر: أن عليه القود ولا يقبل قوله: لم أعلمه سما. قال الشافعي: ولو أخذ رجل لرجل حية فأنهشه إياها أو عقربا فمات ففيها قولان: أحدهما أن الذي أنهشه إن كان الأغلب منه أنه يقتله بالبلد الذي أنهشه به لا يكاد يسلم منه مثل الحيات بالسراة أو حيات الأصحر بناحية الطائف والأفاعي بمكة ودونها والقرة فعليه القود وإن كان الأغلب أنها لا تقتل مثل الثعبان بالحجاز والعقرب الصغيرة فقد قيل: لا قود وعليه العقل به مثل خطأ شبه العمد ثم يصنع هذا بكل بلاد. فإن ألدغه بنصيبين عقربا أو أنهشه بمصر ثعبانا فعليه القود لأن الأغلب أن هذا يقتل بهذين الموضعين. 
والقول الثاني: أنه إذا ألدغه حية أو عقربا فمات أن عليه القود وسواء قيل: هذه حية لا يقتل مثلها أو يقتل لأن الأغلب أن هذا كله يقتل. قال الشافعي: ولو أرسل عليه عقربا أو حية فنهشته الحية أو ضربته العقرب لكان آثما عليه العقوبة ولا قود ولا عقل لو قتلته لأنه لا فعل له في فعل الحية والعقرب وأنهما يحدثان فعلا بعد الإرسال ليس هو الإرسال ولا هو كأخذه إياهما وإدنائهما حتى يمكنهما وينهشا فهذا فعل نفسه لأنهما نهشا بضغطه إياهما. وكذلك بأخذه وإن لم يضغطا لأن معقولا أن من طباعهما أنهما يعبثان إذا أخذتا فتنهش هذه وتضرب هذه فتكونان كالمضطرين إلى أن تضرب هذه وتنهش هذه منه. وكذا الأسد والذئب والنمر والعوادي كلها بأسرها من يضغطها فتضرب أو تعقر فتقتل يكون عليه فيما صنعه بما الأغلب منه أنه لا يعاش من مثله ففيه القود. وإن ناله بما الأغلب أنه يعاش من مثله فليس عليه فيه قود وفيه الدية. قال الشافعي: وإذا أرسل الكلب والحية والأسد والنمر والذئب على رجل فأخذه منها شيء فقتله فهو آثم ولا عقل ولا قود عليه. قال: وذلك أنه قد يهرب فيعجز ويهرب عنه بعضها أويقوم معه فلا يناله بشيء. قال الشافعي: ولو حبس بعض القواتل في مجلس ثم ألقى عليه رجلا والأغلب ممن يلقي عليكم هذا أنه إذا ألقي عليه. قتله مثل: الأسد والذئب والنمر فقتله بفرس لم يقلع عنه حتى قتله أو شق لبطنه أو غم لا يعاش من مثله قتل به. فأما الحية فليست هكذا فإن أصابته الحية لم يضمن. وإن كان من السباع ما يكون الأغلب أنه لا يفرس من ألقي عليه لم يكن فيه قود ولا عقل. وإن كان الأغلب أنه يفرس كان عليه القود إذا حبس السبع ثم ألقاه أو حبسه ثم ألقي عليه السبع في مجلس لا يخرج منه 
 

صفحة : 2097

 السبع. ولو قيده أو أوثقه ثم ألقاه عليه في صحراء كان مسيئا ولم يكن عليه عقل ولا قود إن أصابه لأن السبع غير مضطر بمحبسه إلى أن يقتله. وإذا أصابه السبع بالشيء الخفيف الذي لو أصابه إنسان في الحين الذي أجعل على الملقي جناية السبع فمات فعلى ملقيه الدية والعقوبة ولا قود. 

المرأة تقتل حبلى وتقتل: 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا قتلت المرأة حاملا يتحرك ولدها أو لا يتحرك ففيها القود ولا شيء في جنينها حتى يزول منها فإذا زايلها قبل موتها أو معه أو بعده فسواء فيه غرة قيمتها خمس من الإبل فإذا زايلها حيا قبل موتها أو معه أو بعده فسواء ولا قصاص فيه إذا مات وفيه ديته إن كان ذكرا فمائة من الإبل وإن كان أنثى فخمسون من الإبل قتلها رجل أو امرأة. 
وإذا قتلت المرأة من عليها في قتله القود فذكرت حملا أو ريبة من حمل حبست حتى تضع حملها ثم أقيد منها حين تضعه. وإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلى أن لو تركت بطيب نفس ولي الدم يوما أو أياما حتى يوجد له مرضع فإن لم يفعل قتلت له. وإن ولدت ثم وجدت تحركا انتظرت حتى تضع التحرك أو يعلم أن ليس بها حمل. وكذلك إذا لم يعلم أن بها حملا فادعته انتظر بالقود منها حتى تستبرأ ويعلم أن لا حبل بها. ولو عجل الإمام فأقص منها حاملا فقد أثم ولا عقل عليه حتى تلقي جنينها فإن ألقته ضمنه الإمام دون المقتص وكان على عاقلته لا بيت المال. وكذلك لو قضى بأن يقتص منها ثم رجع فلم يبلغ المأمور حتى اقتص منها ضمن الإمام جنينها وأحب إلي للإمام أن يكفر. 

تحول حال المشرك يجرح حتى إذا جنى عليه وحال الجاني: 
قال الشافعي رحمه الله: ولو أن نصرانيا جرح نصرانيا ثم أسلم الجارح ومات المجروح من جراحه بعد إسلام الجارح كان لورثة النصراني عليه القود وليس هذا قتل مؤمن بكافر منهيا عنه إنما هذا قتل كافر بكافر إلا أن الموت استأخر حتى تحولت حال القاتل وإنما يحكم للمجني عليه على الجاني وإن تحولت حال المجني عليه ولا ينظر إلى تحول حال الجاني بحال. 
وهكذا لو أسلم المجروح دون الجارح أو المجروح والجارح معا كان عليه القود في الأحوال كلها. 
ولو أن نصرانيا جرح حربيا مستأمنا ثم تحول الحربي إلى دار الحرب وترك الأمان فمات فجاء ورثته يطلبون الحكم خيروا: بين القصاص من الجارح أو أرشه إذا كان الجرح أقل من الدية 
 

صفحة : 2098

 ولم يكن لهم القتل لأنه مات من جرح في حال لو ابتدئ فيها قتله لم يكن على عاقلته فيها قود فأبطلنا زيادة الموت لتحول حال المجني عليه إلى أن يكون مباح الدم وهو خلاف للمسألة قبلها لأن المجني عليه تحولت حاله دون الجاني. ولو كانت المسألة بحالها والجراح أكثر من النفس كأن فقأ عينه وقطع يديه ورجليه ثم لحق بدار الحرب فسألوا القصاص من الجاني فذلك لهم لأن ذلك كان للمجني عليه يوم الجناية أو ذلك وزيادة الموت فلا أبطل القصاص بسقوط زيادة الموت على الجاني. وإن سألوا الأرش جعلت لهم على الجاني في كل حال من هذه الأحوال الأقل من دية جراحه أو دية النفس لأن دية جراحه قد نقصت بذهاب النفس لو مات منها في دار الإسلام على أمانه فإذا أرادوا الدية لم أزدهم على دية النفس فلا يكون تركه عهده زائدا له في أرشه. ولو لحق بدار الحرب في أمانه كما هو حتى يقدم وتأتي له مدة فمات بها كان كموته في دار الإسلام لأن جراحه عمد ولم يكن كمن مات تاركا للعهد لأن رجلا لو قتله عامدا ببلاد الحرب وله أمان يعرفه ضمنه. قال الشافعي: ولو جرحه ذمي في بلاد الإسلام ثم لحق بدار الحرب ثم رجع إلينا بأمان فمات من الجراح ففيها قولان: أحدهما أن على الذمي القود إن شاء ورثته أو الدية تامة من قبل أن الجناية والموت كانا معا وله القود ولا ينظر إلى ما بين الحالين من تركه الأمان. والقول الثاني: أن له الدية في النفس ولا قود لأنه قد صار في حال لو مات فيها أو قتل لم تكن له دية ولا قود. قال الشافعي: وله الدية تامة في الحالين لاينقص منها شيئا. ولو جرح ذمي حربيا مستأمنا فترك الأمان ولحق بدار الحرب فأغار المسلمون عليه فسبوه ثم مات بعد ما صار في أيدي المسلمين سبيا فلا قود فيه لأنه مات مملوكا فلا يقتل حر بمملوك وعلى الذمي الأقل من قيمته عبدا أو قيمة الجراح حرا كأنه قطع يده فكانت فيه إن كان نصرانيا ستة عشر من الإبل وثلثا بعير وهي نصف ديته أو كان مجوسيا أو وثنيا ففي يده نصف ديته ثم مات وقيمته مثل نصف ديته فسقط الموت لأنه لم يحدث به زيادة. وجميع الأرش لورثة المستأمن لأنه استوجبه بالجرح وهو حر فكان ما لا له أمان أو كأنه قطعت يده وديته: ثلاث وثلاثون وثلث ثم مات مملوكا وقيمته خمس من الإبل فعلى جارحه خمس من الإبل لأن اليد صارت تبعا للنفس. كما يجرح المسلم فيكون فيه ديات لو عاش ولو مات كانت ديته واحدة. 
ويجرح موضحة فيموت فيكون فيها دية كما تكون الزيادة على الجارح بزيادة النفس فكذلك 
 

صفحة : 2099

 يكون النقص بذهابها. قال الشافعي: وإذا لم تكن بالنفس زيادة فجميع الأرش لورثة المستأمن لما وصفت أنه استوجبه وهو حر لما له أمان يعطاه ورثته في دار الحرب. وهكذا لو قطعت يداه ورجلاه وفقئت عيناه ثم لحق بدار الحرب ثم مات وقيمته أقل مما وجب له بالجراح لو عاش كان على جارحه الأقل من الجراح والنفس وكان ذلك لورثته ببلاد الحرب. قال الشافعي: ولو جرح ذمي مستأمنا فأوضحه ثم لحق المجروح بدار الحرب ثم سبي فصار رقيقا ثم مات وقيمته: عشرون من الإبل. وإنما وجب له بالموضحة التي أوضح منها ثلث موضحة مسلم كان أرش موضحته لورثته وأما الزيادة من قيمته ففيه قولان: أحدهما أنه يسقط عن الجاني بلحوق المجني عليه ببلاد الحرب والآخر: أن الزيادة لمالكه لأن الجناية والموت كانا وهو ممنوع ولأنه ملكه بالموت وذلك ملك للسيد. قال الشافعي: ولو كانت المسألة بحالها فأسلم في يدي سيده ثم مات كانت هكذا لأن الإسلام يزيد في قميته فتحسب الزيادة في قول من ألزمه إياها وتسقط في قول من أسقطها بلحوقه ببلاد الحرب. قال الشافعي: ولو أعتقه سيده ثم مات حرا كان على جارحه الأقل من أرش الجناية وديته لأنه جنى عليه حرا ومات حرا في قول من يسقط الزيادة عن الجاني بلحوق المجني عليه ببلاد الحرب ويلزمه الزيادة إن كان في الموت في قول من يبطل الزيادة بلحوقه بدار الحرب. قال الشافعي: ولو كانت المسألة بحالها فأسلم وأعتقه سيده فمات مسلما حرا ضمن قاتله الأقل من أرش الجناية ودية حر لأن أصل الجناية كان ممنوعا في قول من يسقط الزيادة بلحوقه بدار الحرب وضمنه زيادة الموت في قول من لا يسقطها عنه بلحوقه بدار الحرب ومن قال هذا قال في نصراني جرح ثم أسلم فمات: ففيه دية مسلم. 
قال الشافعي: ولو كانت المسألة بحالها وكان القاتل مسلما كان مثل هذا في الجواب إلا أنه لا يقاد مشرك من مسلم. قال الشافعي: وإذا ضرب الرجل رجلا فقطع يده ثم برأ ثم ارتد فمات فلوليه القصاص في اليد لأن الجراحة قد وجبت للضرب والبرء وهو مسلم. 

الحكم بين أهل الذمة في القتل: 
قال الشافعي رحمه الله: وإذا قتل الذمي الذمية أو الذمي أو المستأمن أو المستأمنة أو جرح بعضهم بعضا فذلك كله سواء. فإذا طلب المجروح أو ورثة المقتول حكمنا عليهم بحكمنا على أهل الإسلام فيما بينهم لا يختلف فنجعل القود بينهم كما نجعله بين المسلمين في النفس وما دونها ونجعل ما كان عمدا لا قود فيه في مال الجاني وما كان خطأ على عاقلة الجاني إذا 
 

صفحة : 2100

 كانت له عاقلة فإن لم تكن له عاقلة كان ذلك في ماله ولم يعقل عنه أهل دينه لأنهم لا يرثونه ولا المسلمون لأنه ليس بمسلم وإنما يأخذون ماله إذا لم يكن له وارث فيئا. قال الشافعي: ويقتص الوثني والمجوسي والصابئي والسامري من اليهود والنصارى وكذلك يقتص نساؤهم منهم ونجعل الكفر كله ملة. وكذلك نورث بعضهم من بعض للقرابة ويقتص المستأمن من هؤلاء من المعاهدين لأن لكل ذمة ولا تفاوت بين المشركين فنمنع به بعضهم من بعض بالقصاص كفوت المسلمين لهم. قال الشافعي: وهكذا يحكم على الحربي المستأمن إذا جنى يقتص منه ويحكم في ماله بأرش العمد الذي لا يقتص منه وإن لم يكن له عاقلة إلا عاقلة حربية لا ينفذ حكمنا عليهم جعلنا الخطأ في ماله كما نجعله في مال من لا عاقلة له من أهل الذمة وهكذا نحكم عليهم إذا أصابوا مسلما بقتل أو جرح لا يختلف ذلك. قال الشافعي: وإن أصاب أهل الذمة حربيا لا أمان له لم يحكم عليهم فيه بشيء ولو طلبت ورثته لأن دمه مباح. قال الشافعي: وهكذا لو كان القاتل حربيا مستأمنا إلا أنا إذا لم تود عاقلة الحربي عنه أرش الخطأ كما حكمنا به في ماله. قال الشافعي: ولو لحق الحربي الجاني بعد الجناية بدار الحرب ثم رجع مستأمنا حكمنا عليه لأن الحكم لزمه أولا ولا يسقط عنه بلحوقه بدار الحرب. قال الشافعي: ولو مات ببلاد الحرب بعد الجناية وعندنا له مال كان له أمان أو ورد علينا وهو حي مال له أمان أخذنا من ماله أرش الجناية كما لزمته. وهكذا لو أمنا مالا لرجل فورثه الحربي عنه أخذنا منه أرش الجناية لوليها لأنه وجب في ماله. فمتى أمكننا أعطينا ما وجب عليه في ماله من ماله ولو أمنا له ماله على أن لا نأخذ منه ما لزمه لم يكن ذلك له إذا كان عليه أن يأخذ منه ما لزمه. قال الشافعي: وكذلك لو جنى وهو عندنا جنايات ثم لحق بدار الحرب ثم أمناه على أن لا نحكم عليه حكمنا عليه وكان ما أعطيناه من الأمان على ما وصفنا باطلا لا يحل. وهكذا لو سبي وأخذ ماله وقد كان له عندنا في الأمان دين لأن ماله لم يغنم إلا وللمجني عليه فيه حق كالدين وسواء إن أخذ ماله قبل أن يسبى أو مع السبي أو بعده. ألا ترى أنه لو كان عليه دين ثم لحق بدار الحرب فغنم ماله وسبي أو لم يسب أخذنا الدين من ماله ولم يكن هذا بأكثر من الرجل يدان الدين ثم يموت فنأخذ الدين من ماله بوجوبه فليس الغنيمة لماله بأكثر من الميراث لو ورثه المسلم أو ذمي عليه دين لأن الله جل وعز جعل للورثة ملك الموتى بعد الدين وكذلك الغنائم لأنهم خولوها بأن أهلها أهل دار حرب وكذلك لو جنى وهو مستأمن ثم لحق ببلاد الحرب 
 

صفحة : 2101

 ناقضا للأمان ثم أسلم بدار الحرب فأحرز ماله ونفسه حكم عليه بالجناية والدين الذي لزمه في دار الإسلام. قال الشافعي: وكل هذا لا يخالف الأمان يملك وهو رقيق لأن الرقيق لا يملك إلا لسيده وهو في هذه الأحوال كلها مالك لنفسه ويخالف لأن يجنى عليه وهو محارب غير مستأمن ببلاد الحرب وجنايته كلها في هذه الأحوال هدر. قال الشافعي: ولو جنى مسلم جناية فلزمته في ماله ثم ارتد ولحق بدار الحرب فكان حيا أو ميتا أو قتل على الردة كانت الجناية في ماله ولم يغنم من ماله شيء حتى تؤدى جنايته وما لزمه في ماله. قال الشافعي: وإذا جنى الذمي على نصراني فتمجس النصراني بعد ما يجني عليه ثم مات مجوسيا فقد قيل: فعلى الجاني الأقل من أرش جراح النصراني ومن دية المجوسي وقيل: عليه دية مجوسي أو القود من الذمي الذي جني عليه لأنه كافر. وإن تمجس فهو ممنوع الدم بالعقد المتقدم وليس كالمسلم يرتد لأن رجلا لو قتل المسلم مرتدا لم يكن عليه شيء وهذا لو قتل مرتدا عن كفر إلى كفر كان على قاتله الدية إن كان مسلما والقود إن كان كافرا. قال الشافعي: وهكذا إن جنى نصراني فتزندق أو دان دينا لا تؤكل ذبيحة أهله. وقد قيل على الجاني عليه إذا غرم الدية: الأقل من أرش ما أصابه نصرانيا ودية مجوسي. وقيل: عليه دية مجوسي. قال الشافعي: ولو جنى عليه نصرانيا فتهود أو يهوديا فتمجس فقد قيل: عليه الأقل من قيمة جرحه نصرانيا أو ديته مجوسيا. وقيل: عليه دية مجوسي وكان كرجوعه إلى المجوسية لأنه يرتد عن دينه الذي كان يقر عليه إلى دين لا يقر عليه. قال الشافعي: وإذا جنى النصراني على النصراني أو المشرك الممنوع الدم خطأ فعلى عاقلته أرش جنايته. وإن ارتد النصراني الجاني عن النصرانية إلى مجوسية أو غيرها فمات المجني عليه غرمت عاقلة الجاني الأقل من أرش الجناية وهو نصراني أو دية مجوسي لأنهم كانوا ضمنوا أرش الجرح وهو على دينهم فإن كان الجرح موضحة فمات منها المجني عليه بعد أن يرتد الجاني إلى غير النصرانية ضمنت عاقلته أرش موضحة وضمن في ماله زيادة النفس على أرش الموضحة فإن لم تزد النفس على الموضحة بشيء حتى تحول حال المجني عليه إلى غير دينه ضمنت العاقلة كما هي أرش الموضحة للزومها لها يوم جنى صاحبها. قال الشافعي: ولو جنى نصراني على مسلم أو ذمي موضحة ثم أسلم الجاني ومات المجني عليه ضمنت عاقلته من النصارى أرش الموضحة وضمن الجاني في ماله الزيادة على أرش الموضحة لا يعقل عاقلة النصراني ما زادت جنايته وهو مسلم لقطع الولاية بين المسلمين 
 

صفحة : 2102

 والمشركين وتغرم ما لزمها من جراحه وهو على دينها ولا يعقل المسلمون عنه زيادة جنايته لأن الجناية كانت وهو مشرك والموت بالجناية كان وهو مسلم. وهكذا لو أسلم هو وعاقلته لم يعقلوا إلا ما لزمهم وهو على دينهم. قال الشافعي: ولو جنى نصراني على رجل خطأ ثم أسلم النصراني الجاني فلم يطلب الرجل جنايته إلا والجاني مسلم فإن قالت له عاقلته من النصارى: جنى عليك مسلما. وقال المسلمون: جنى عليك مشركا كان القول قولهم معا في أن لا يضمنوا عنه مع أيمانهم وكانت الدية في مال الجاني إلا أن تقوم بينة بحاله يوم جنى فتعقل عنه عاقلته من النصارى إن كان نصرانيا ما لزمه في النصرانية ويكون ما بقي في ماله أو بينة بأنه جني مسلما فيعقل عنه المسلمون إن كان له فيهم عاقلة. وإذا رمى النصراني إنسانا فلم تقع رميته حتى أسلم فمات المرمي لم تعقل عنه عاقلته من النصارى لأنه لم يجن جناية لها أرش حتى أسلم ولا المسلمون لأن الرمية كانت وهو غير مسلم وكانت الجناية في ماله. قال الشافعي: ولو أن نصرانيا تهود أو تمجس ثم جنى لم تعقل عنه عاقلته من النصارى لأنه على دين لا يقر عليه ولا اليهود ولا المجوس لأنه لا يقر على اليهودية ولا المجوسية معهم وكان العقل في ماله. وهكذا لو رجع إلى دين غير دين النصرانية من مجوسية أو غيرها. ولا تعقل عنه إذا بدل دينه عاقلة واحد من النصفين إلا أن يسلم ثانية ثم يجني فيعقل عنه المسلمون بالولاية بينه وبينهم. قال الشافعي: وإذا جنى الرجل مجوسيا فقتل ثم أسلم الجاني بعد القتل ومات المجني عليه ضمن عنه المجوس الجناية لأنها عاقلته من المجوس كانت وهو مجوسي إذا كانت الجناية خطأ فإن كانت الجناية عمدا فهي في مال الجاني ولا تضمن عاقلة مجوسي ولا مسلم إلا ما جنى خطأ تقوم به بينة. قال الربيع: وفيها قول آخر: أنه إذا قتل وهو نصراني فقتل نصرانيا ثم أسلم أن عليه القود لأن النفس المقتولة كانت مكافئة بنفس القاتل حين قتل وليس إسلامه الذي يزيل عنه ما قد وجب عليه قبل أن يسلم. قال الشافعي: والقود بين كل كافرين لهما عهد سواء كانا ممن يؤدي الجزية أو أحدهما مستأمن أو كلاهما لأن كلا له عهد. ويقاد المجوسي من النصراني واليهودي وكذلك كل واحد من المشركين ممنوع الدم يقاد من غيره وإن كان أكثر دية منه كما يقاد الرجل من المرأة والمرأة من الرجل والرجل أكثر دية منها والعبد من العبد وهو أكثر ثمنا منه. 

ID ' '   وقال شيخنا أبو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط المعدود أو 

 

صفحة : 2103


ردة المسلم قبل يجني وبعد ما يجني 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا جنى المسلم على رجل مسلم عمدا فقطع يده ثم ارتد الجاني ومات المجني عليه أو قتله ثم ارتد القاتل بعد قتله لم تسقط الردة عنه شيئا ويقال لأولياء القتل: أنتم مخيرون بين القصاص أو الدية فإن اختاروا الدية أخذت من ماله حالة وإن اختاروا القصاص استتيب المرتد فإن تاب قتل بالقصاص وإن لم يتب قيل لورثة المقتول: إن اخترتم الدية فهي لكم وهو يقتل بالردة وإن أبوا إلا القتل قتل بالقصاص وغنم ماله لأنه لم يتب قبل موته. قال الشافعي: ولو كان قتله الرجل قبل يرتد الجاني خطأ كان على عاقلته من المسلمين فإن جرحه مسلما ثم ارتد الجاني فمات المجني عليه بعد ردة الجاني ضمنت العاقلة نصف الدية ولم تضمن الزيادة التي كانت بالموت بعد ردة الجاني فكان ما بقي من الدية في ماله. وكذلك لو كانت جنايته الدية فأكثر ثم ارتد فمات المجني عليه ضمنت العاقلة الدية كلها لأنها كانت ضمنتها والجاني مسلم ولم يزد الموت بعد ردة صاحبها عليها شيئا إنما يغرم بالموت ما كان يغرم بالحياة أو أقل. قال الشافعي: ولو جنى وهو مسلم فقطع يدا ثم أرتد ثم أسلم ثم مات ومات المجني عليه ضمنت العاقلة نصف الدية ولم يضمنوا الموت لأن الجاني ارتد فسقط عنهم أن يعقلوا عنه كما لو كان مرتدا فجنى لم يعقلوا عنه ما جنى فأما ما تولد من جنايته وهو مرتد ففي ماله. قال الشافعي: وفيها قول آخر: أن يعقلوا عنه لأن الجناية والموت كانا وهو مسلم. قال الربيع: والقول الثاني أصحهما عندي. قال الشافعي: وإذا جنى الرجل الذي قد عرف إسلامه جناية فادعى عاقلته أنه جنى مرتدا فعليهم البينة. فان أقاموها سقط عنهم العقل وكان في ماله وإن لم. يقيموها لزمهم العقل. قال الشافعي: ولو كان حين رفع الجناية إلى الحاكم مرتدا فمات فقالت العاقلة: جنى وهو مرتد كان القول قولهم مع أيمانهم حتى تقوم البينة بأن الجناية كانت وهو مسلم ولو جنى جناية ثم قام بينة أنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام ولم يوقت وقتا كان القول قول العاقلة إلا أن تقوم بينة أنه جنى وهو مسلم. 
وإذا ارتد الرجل عن الإسلام ثم رمى بسهم فأصاب به رجلا خطأ ولم يقع به السهم حتى رجع المرتد إلى الإسلام لم تعقل العاقلة عنه شيئا وكانت الجناية عليه في ماله لأن مخرج الرمية كان وهو ممن لا يعقل عنه وإنما يقضي بالجناية على العاقلة إذا كان مخرجها وموقعها والرجل يعقل. 

 

صفحة : 2104


ردة المجني عليه وتحول حاله: 
قال الشافعي: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام فرماه رجل ولم تقع الرمية به حتى أسلم فمات منها أو جرحه بالرمية فلا قصاص على الرامي لأن الرمية كانت وهو ممن لا عقل ولا قود وعليه الدية في ماله حالة إن مات وأرش الجرح إن لم يمت حالا لأنه عمد ولا تسقط الدية لأن مخرج الرمية كانت وهو مرتد. كما لو أن رجلا رمى رجلا ثم أحرم فأصابت الرمية بعد الإحرام صيدا ضمنه ولم يكن في أقل من معنى أن يرمي غرضا فيصيب رجلا. وهكذا لو رمى نصرانيا أو مجوسيا فأسلم المرمي قبل أن تقع الرمية لم يقد لخروج الرمية وهو غير مسلم وكانت عليه دية مسلم إن مات من الرمية أو أرش مسلم إن جرحت ولم يمت منها. قال الشافعي: ولو رماه مرتدا أو ضربه ئم أسلم المرتد بعد وقوع الرمية أو الضربة ثم مات مسلما لم يكن فيه عقل ولا قود من قبل أن وقوع الجناية كانت وهي مباحة ولم يحدث الجاني عليه شيئا بعد الجناية غير الممنوعة فيضمن. وكذلك أن يأمر الرجل الرجل فيختنه أويشق جرحه أو يقطع عضوا له لدواء فيموت فلا يضمن شيئا. وكما يقام الحد على الرجل فيموت فلا يضمن الحاكم شيئا. قال الشافعي: ولو قطع يد مرتد فأسلم المرتد ثم عدا عليه فجرحه جرحا فمات من الجرحين لم يكن فيه قود إلا أن تشاء ورثته إبطال حقهم من الدية وطلب القود من الجرح الذي كان بعد إسلامه فيكون لهم وكان عليه إن أرادوا الأرش نصف الدية في ماله إذا كان الجرح عمدا وأبطلنا النصف لأنه كان وهو مرتد فجعلنا الموت من جناية غير ممنوعة وجناية ممنوعة فضمناه النصف. قال الشافعي: وهكذا لو كان الجاني عليه بعد الإسلام غير الجاني عليه قبله ضمنه نصف ديته. قال الشافعي: ولو جنى رجل على نصراني فقطع يده عمدا ثم أسلم النصراني ثم مات بعد إسلامه لم يكن عليه قود لأن الجناية كانت وهو ممن لا قود له وكانت عليه دية مسلم تامة حالة في ماله. وإن كانت جنايته خطأ كانت على عاقلته في ثلاث سنين دية مسلم تامة. قال الشافعي: فإن قيل: فلم فرقت بين هذا وبين المرتد يجني عليه مرتدا ثم أسلم ثم يموت. فقلت: الموت كان من الجناية الأولى لم يحدث الجاني بعدها شيئا فيغرم به ولم تقل في هذا الموت من الجناية الأولى فتغرمه دية نصراني قيل له: إن جنايته على المرتد كانت غير ممنوعة بحال فكانت كما وصفت من حد لزم فأقيم عليه فمات أو رجل أمر طبيبا فداواه بحديد فمات فلا شيء عليه لأنه كان غير ممنوع بكل حال من أن يجني عليه 
 

صفحة : 2105

 فخالف النصراني. ولما كانت الجناية على النصراني محرمة ممنوعة بالذمة ودار الإسلام وحكم بالقود من مثله وترك القود من المسلم ويلزمه بها عقل معلوم لم يجز في الجاني إلا أن يضمن الجناية وما تسبب منها وكانت في أكثر من معنى الرجل يعزر في غير حد فيموت فيضمن الحاكم ديته ويموت بأن يضرب في الخمر ثمانين فيغرم الحاكم ديته في بيت المال أو على عاقلته. 

تحول حال المجني عليه بالعتق والجاني يعتق بعد رق: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإذا جنى الرجل على العبد جناية عمدا ثم أعتق العبد بعد الجناية ثم مات فلا قود على الجاني إذا كان حرا مسلما أو ذميا أو مستأمنا وعلى القاتل دية حر حالة في ماله دون عاقلته. قال الشافعي: فإن كانت الجناية قطع يد فمات منها غرم القاطع دية العبد تاما فكان لسيد العبد منها نصف قيمة العبد يوم جني عليه بالغة ما بلغت والبقية من الدية لورثة العبد الأحرار لأن العبد أعتق قبل الموت. قال الشافعي: وهكذا لو كانت موضحة أو غيرها جعلت له ما ملك بالجناية وهو مملوك ولم أجعل له ما ملك بالجناية بالموت وهو خارج من ملكه. قال الشافعي: ولو كانت الجناية فقء عيني العبد أو إحداهما وكانت قيمة العبد مائتين من الإبل أو الذي دينار تساوي مائتين من الإبل لم يكن فيه إلا دية حر لأن الجناية تتم بموته منها إذا مات حرا لا مملوكا وكانت الدية كلها لسيده دون ورثته لأن السيد ملك الدية كلها أو أكثر منها بالجناية دون الموت إلا أن الأكثر سقط بموت العبد المجني عليه حرا. 
قال الشافعي: وإنما ضمنت الجاني دية حر لأن العبد كان ممنوعا بكل حال من أن يجني عليه فضمنته ما حدث في الجناية الممنوعة كما وصفت في الباب قبله. قال الشافعي: ولو جنى رجل على عبد فقطع يده وقيمة العبد مائة من الإبل ثم عتق فجني عليه وهو حر أو غيره فقطع رجله ثم مات من الجنايتين ضمنا معا إن كانا اثنين دية حر وكذلك إن كان الجاني واحدا ضمن دية حر فنصف قيمة العبد منها لسيده الذي أعتقه وما بقي لورثة المقتول المعتق ما كانت نصف قيمته مملوكا ما بينه وبين نصف دية حر أو أقل. فإن زادت على نصف ديته لم يجز - والله أعلم - إلا أن يرد إلى نصف دية حر من قبل أنا لو أعطيناه أكثر من نصف ديته حرا أبطلنا الجناية الثانية على العبد بعد أن صار حرا أو بعضها وهو إنما مات منهما معا فلا يجوز أن يكون للسيد منها إلا نصف دية حر أو أقل إذا كانت جنايتين. قال الشافعي: ولو جنى عليه واحد قبل الحرية فقطع يده وثان بعد الحرية فقطع رجله وثالث بعد الحرية فقطع 
 

صفحة : 2106

 رجله كان على الجاني الأول ثلث ديته حرا لأني أضمنه دية حر ولو كان من جنى عليه عبدا ثم أعتق فمات وهو قاتل مع اثنين فعليه ثلث الدية وفيما لسيده من الدية قولان: أحدهما أن له عليه الأقل من نصف قيمته عبدا أو ثلث الدية لا أجعل له أكثر من نصف قيمته عبدا ولو كانت لا تبلغ بعيرا من قبل أنه لم يكن في ملكه جناية غيرها ولا أجاوز به ثلث ديته حرا لو كانت نصف قيمته عبدا تبلغ مائة بعير من أجل أنها قد تنقص بالموت وأن حظ الجاني عليه عبدا من ديته ثلثها والقول الثاني: أن لسيده الأقل من ثلث قيمته عبدا أو ثلث ديته حرا لأنه مات من جناية ثلاثة. وإنما قلت: ثلث ديته حرا على قاطع يده لأن الدية صارت دية حر وكان الجانون ثلاثة على كل واحد ثلث ديته لا يختلف ولو كان مات مملوكا كان الجواب فيها مخالفا. قال الشافعي: وهكذا لو جنى عليه أربعة أو عشرة أو أكثر جعلت على الجاني عليه عبدا إذا مات حرا حصته من دية حر ولسيده الأقل مما لزم الجاني عليه عبدا من الدية أو أرش جرحه عبدا إذا ماث كأن جرحه جرحا فيه حكومة بعير وهو عبد ولزمه عشر من الإبل أو أكثر بالحرية والموت من الجرح. ومن جرح غيره فلا يأخذ سيده إلا البعير الذي لزم بالجرح وهو عبده. قال: ولو جرحه اثنان أو أكثر عبدا ومن بقي حرا كان هكذا. قال الشافعي: ولو قطع رجل يد عبد ثم أعتقه سيده ثم ارتد العبد المقطوع عن الإسلام ثم مات ضمن الجاني عليه نصف قيمته عبدا إلا أن يجاوز نصف قيمته عبدا ديته حرا مسلما فيرد إلى دية حر مسلم ويعطى ذلك كله سيده. قال الشافعي: وإنما أعطيت ذلك سيده لأن أرش الجناية كانت لسيده تامة وهو مملوك مسلم ممنوع بالإسلام فلما عتق كانت زيادة لو كانت على الأرش لورثة الميت لو كان الموت يوم كان مسلما لم يكن له إلا دية حر فكانت دية حر تنقص من أرش اليد مملوكا نقص سيده فلما مات مرتدا أبطل حقه في الموت بالردة فلم يجز إلا أن نبطل الجناية الثانية بالردة ولا نجاوز بها دية حر وهو لو مات مسلما لم يكن له أكثر منه. 

جماع القصاص فيما دون النفس: 
قال الشافعي رحمه الله: ذكر الله ما فرض على أهل التوراة فقال عز وجل:  وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس  إلى قوله  فهو كفارة له  وروى في حديث عن عمر أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه وأبا بكر يعطي القود من نفسه وأنا أعطي القود من نفسي. قال الشافعي: ولم أعلم مخالفا في أن القصاص في هذه الأمة كما حكم الله عز وجل: 
 

صفحة : 2107

 أنه حكم به بين أهل التوراة ولم أعلم مخالفا في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستقاد منه من موضع القود. 
قال: والقصاص مما دون النفس شيئان: جرح يشق بجرح وطرف يقطع بطرف. قال الشافعي: فإذا شج رجل رجلا موضحة أخذت ما بين قرني المشجوج والمشجوج أوسع ما بين قرنين من الشاج فكانت أخذت ما بين أذني الشاج فيكون بقياس طولها أخذ للمشجوج ما بين منابت شعر الرأس إلى منتهى الأذنين والرأس عضو كله ولا يخرج عن منابت الشعر شيئا لأنه عضو واحد لا يخرج القود إلى غيره. قال الشافعي: وكذلك كل عضو يؤخذ بطول السير فيه ولا يخرج إلى غيره. قال: وإن كان الشاج أوسع ما بين قرنين من المشجوج وقد أخذت الشجة قرني المشجوج خير المشجوج بين أن يوضع له السكين من قبل أي قرنيه شاء ثم يشق له ما بين قرنيه حتى ينتهي إلى قدر طولها بالغا ذلك ما بين قرنيه ما بلغ نصفها أو ثلثها أو أكثر أو أقل لا يزاد على طول شجته. قال الشافعي: وإن شج رجل رجلا موضحة أخذت ما بين منتهى منابت رأس المشجوج من قبل وجهه إلى منتهى منابت رأسه من قفاه وهي نصف ذلك من الشاج أخذ له نصف رأسه وخير المشجوج فبدئ له إن شاء من قبل وجهه وإن شاء فمن قبل قفاه. وإن كان الشاج أصغر رأسا من المشجوج أخذ له ما بين وجهه إلى قفاه وأخذ له بفضل أرش الشجة وكان كرجل شج اثنين فأخذ أحدهما القصاص والآخر الآرش حين لم يجد موضعا للقصاص. وإن سأل المشجوج أن يعاد له الشق في رأسه حتى يستوظف له طول شجته لم يكن له لأنا قد استوظفنا له طول العضو الذي شج منه وجهة واحدة فلا يفرقها على الشاج في موضعين ولا يزيلها عن موضع نظيرها وهذا هكذا في الوجه. ولا يدخل الرأس مع الوجه ولا يدخل العضد ولا الكف مع الذراع ويستوظف الذراع حتى يستوفى للمجروح قدر جرحه منها فإن فضل له فضل أخذ له أرش الجناية وهكذا الساق لا يدخل معها قدم ولا فخذ لأن كل عضو منه غير الآخر. قال الشافعي: وإن برأ جرح المجني عليه أولا غير حسن البرء أو غير ملتئم الجلد وبرأ المستقاد منه حسنا ملتئما فلا شيء للمجني عليه إذا أخذ له القصاص غير القصاص. قال: وإن شجه شجة متشعبة شج مثلها كما لو شجه شجة مستوية شج مثلها. 
قال الشافعي: ولكل قصاص غاية بما وصفت. وإن شج رجل رجلا موضحة فقياسها أن يشق ما بين الجلد والعظم فإن هشمت العظم أو كسرته حتى ينتقل أو أدمته فسأل المشجوج أن 
 

صفحة : 2108

 يقص له لم يقص من هاشمة ولا منقلة ولا مأمومة لأنه لا يقدر على أن يؤتي بالقطع منه بكسرالعظم ولا هشمه كما يؤتى بالشق في جلد ولحم. 
قال الشافعي: وكذلك لا يقاد من كسر إصبع ولا يد ولا رجل لما دونه من جلد ولحم وأنه لا يقدر على أن يؤتي بالكسر كالكسر بحال وأن المستقاد منه ينال من لحمه وجلده خلاف ما ينال من لحم المجني عليه وجلده. وكذلك لا قصاص ممن نتف شعرا من لحية ولا رأس ولا حاجب وإن لم ينبت وإن قطع من هذا شيئا بجلده. قيل لأهل العلم بالقصاص: إن كنتم تقدرون على أن تقطعوا له مثله بجلدته فاقطعوه وإلا فلا قصاص فيه وفيه الأرش. قال الشافعي: وإذا شج رجل رجلا موضحة وهاشمة أو مأمومة فسأل المشجوج القصاص من الموضحة وأرش ما بين الموضحة والهاشمة إن كان شجها أو المنقلة أو المأمومة إن كان شجها فذلك له لأنه شجه موضحة أو أكثر. قال الشافعي: وإذا شج رجل رجلا ما دون موضحة فلا قصاص فيه من قبل أنها ليست بمحدودة لو أخذ بها بعمق شجة المشجوج وكانت توضح من الشاج لاختلاف غلظ اللحم والجلد أو رقتهما من الشاج والمشجوج مرة مثل نصف عمق الرأس من الشاج أقل أو أكثر وقد أخذت من الآخر قريبا من موضحة وعليه في ذلك الأرش. وإذا أصاب الرجل الرجل بجرح دون النفس فيه قود أو قطع له طرفا فسواء بأي شيء أصابه من حديدة أو حجر وقطع بيده وغيره. ولو لوى أذنه حتى يقطعها أو جبذها بيده حتى يقطعها أو لطم عينه ففقأها أو وخزه فيها بعود ففقأها أو ضربه بحجر خفيف أو عصا خفيفة فأوضحه فعليه في هذا كله القصاص ولا يشبه هذا النفس. قال الشافعي: ولو أن رجلا لطم عين رجل فذهب بصرها لطمت عين الجاني فإن ذهب بصرها وإلا دعي له أهل العلم بما يذهب البصر فعالجوه بأخف ما عليه في ذهاب البصر حتى يذهب بصره. قال: ولو لطم رجل عين رجل فأذهب بصرها أو ابيضت أو ذهب بصرها ونحرت حتى كانت أخرج من عينه قيل لأهل العلم: إن استطعتم أن تذهبوا بصر عين الجاني وتبيض أو تذهبوا بصرها وتصير خارجة كعين هذا فافعلوا وإلا فابلغوا ذهاب البصر وما استطعتم من هذا ولا يجعل عليه للشين شيء لأنه قد استوفي بذهاب البصر كل ما في العين مما يستطاع. قال الشافعي: وهكذا لو قطع يده أو أصبعا فشان موضع القطع أو قبح بعد البرء أقيد منه ولم يكن له فيما قبح شيء. وهكذا لو كان هذا في أذن أو غيرها. قال الشافعي: ولو ضرب رجل رجلا ضربة واحدة فأخذت فترا من رأسه 
 

صفحة : 2109

 فأوضح طرفاها ولم يوضح ما بينهما ولكنه شق اللحم أو الجلد أو أوضح وسطها ولم يوضح طرفها أقيد مما أوضح بقدره وجعلت له الحكومة فيما لم يوضح والله أعلم. 
قال الشافعي رحمه الله: القصاص وجهان: طرف يقطع وجرح يبط. ولا قصاص في طرف من الأطراف يقطع من مفصل لأنه لا يقدرعلى القطع من غير المفاصل حتى يكون قطع كقطع بلا تلف يفضي به القاطع إلى غير موضعه. قال الشافعي: وكل نفس قتلتها بنفس لو كانت قاتلتها أقصصت بينهما ما دون النفس. قال الشافعي: وأقص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل بلا فضل مال بينهما والعبيد بعضهم من بعض وإن تفاوتت أثمانهم. ولو أن عبدا أو حرا أو كافرا جرح مسلما أقصصت المجروح منه إن شاء لأني أقتله لو قتله. ولو كان الحر المسلم قتل كافرا أو جرحه أو عبدا أو جرحه لم أقصه منه. قال الشافعي: والقصاص من الأطراف باسم لا بقياس من الأطراف فتقطع اليد باليد والرجل بالرجل والأذن بالأذن والأنف بالأنف وتفقأ العين بالعين وتقلع السن بالسن لأنها أطراف. وسواء في ذلك كله كان القاطع أفضل طرفا من المقطوع أو المقطوع أفضل طرفا من القاطع لأنها إفاتة شيء كإفاتة النفس التي تساوي النفس بالحياة والاسم وهذه تستوي بالأسماء والعمد لا بقياس بينهما ولا بفضل لبعضها على بعض. 
وإذا قطع الرجل أنف رجل أو أذنه أو قلع سنه فأبانه ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه أو خاط الأنف أو الأذن أو ربط السن بذهب أو غيره فثبت وسأل القود فله ذلك لأنه وجب له القصاص بإبانته. قال الشافعي: وإن لم يثبته المجني عليه أو أراد إثباته فلم يثبت وأقص من الجاني عليه فأثبته فثبت لم يكن على الجاني أكثر من أن يبان منه مرة. وإن سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود لأنه قد أتى بالقود مرة إلا أن يقطعه لأنه ألصق به ميتة. قال الشافعي: وإن شق شيئا من هذا فألصقه بدمه لم أكره ذلك له ويشق من الشاق وإن قدر على أن يأتي بمثله ويقول: يلصقه فإن لصق من الشاج ولم يلصق من المشجوج أو من المشجوج ولم يلصق من الشاج فلا تباعة لواحد منهما على صاحبه. قال الشافعي: والوجه الثاني من القصاص الجراح بالشق فإذا كان الشق فهو كالجراح يؤخذ بالطول لا باستيظاف طرف. فإن قطع رجل من رجل طرفا فيه شيء ميت بشلل أو غيره أو شيء مقطوع كأن قطع يده وفيها أصبعان شلاوان لم تقطع يد الجاني بها وفيها أصبعان شلاوان ولو رضي ذلك القاطع. وإن سأل المقتص له أن يقطع له أصابع القاطع الثلاث ويؤخذ له 
 

صفحة : 2110

 حكومة الكف والاصبعين الباقيتين كان ذلك له. قال الشافعي: ولو كان القاطع هو أشل الأصبعين والمقطوع تام اليد خير المقتص له بين أن يقطع يده بيده ولا شيء له غير ذلك أو تقطع له أصابعه الثلاث ويأخذ أرش أصبعين وإنما لم أجعل له إذا قطع كفه غير ذلك لأنه قد كان بقي جمال الاصبعين الشلاوين وسدهما موضعهما. قال الشافعي: ولو كان القاطع مقطوع الاصبعين قطعت كفه وأخذت للمقطوعة يده أرش أصبعين تامين. قال الشافعي: ولو أن رجلا أقطع أصابع اليد إلا أصبعا واحدة قطع إصبع رجل أقيد منه. ولو قطع كف رجل كان له القود في الكف وأرش أربعة أصابع. ولو كان المجني عليه أقطع أصابع الكف إلا إصبعا فقطع يده رجل صحيح اليد فسأل القود أقص منه من الإصبع وأعطى حكومة في الكف. ولو كان أقطع إصبع واحدة فقطعت كفه أقص من أربع أصابع وأخذت له حكومة في كفه. قال الشافعي: ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع لأنها تبع في الأصابع كلها وكلها مستوية فلا يكون أرشها كأرش واحدة منها. قال الشافعي: وإذا كانت لرجل خمس أصابع في يده فقطع تلك اليد رجل له ست أصابع فسأل المقطوعة يده القود لم يكن ذلك له لزيادة إصبع القاطع على إصبع المقطوع. قال الشافعي: ولو كان الذي له ستة أصابع هو المقطوع والذي له الخمس هو القاطع اقتص له منه وأخذت له في الاصبع الزائدة حكومة لا أبلغ بها دية اصبع لأنها زيادة في الخلق. قال الشافعي: ولو أن رجلا له خمس أصابع أربعة منها: إبهام ومسبحة ووسطى والتي تليها وكانت خنصره عدما وكانت له إصبع زائدة في غير موضع الخنصر فقطع رجل تام اليد يده فسأل القود لم يقد منه لأن عدد أصابعهما - وإن كان واحدا - فإن للمقطوعة يده اصبعا زائدة وهو عدم أصبعا من نفس كمال الخلق هو القاطع وسأل المقطوعة يده القود كان له القود لأن الذي يؤخذ له أقل من الذي أخذ منه وإن سأل الأرش مع القود لم يكن له لأنه قد أخذ له عدد وإن كان فيه أقل مما أخذ منه. ولو أن رجلا مقطوع أنملة اصبع وأنامل أصابع قطع يد رجل تام الأصابع فسأل المقطوعة يده القود مع الأرش أو الأرش كان ذلك له ونقص الأنملة والأنامل كنقص الأصبع والأصابع. وإن كان المقطوع الأنملة والأنامل هو المقطوعة يده وسأل القود لم يكن ذلك له لنقص أصابعه عن أصابع القاطع ولو لم يكن واحد منهما مقطوع أنملة ولا الأنامل ولكن كان أسود أظفار الأصابع ومستحشفها أو كان بيده قرح جذام أو قرح أكلة أو غيره إلا أنه لم يذهب من الأطراف شيء ولم يشلل كان بينهما القصاص في كل شيء 
 

صفحة : 2111

 ما لم يكن الطرف مقطوعا أو أشل ميتا فأما العيب سواه إذا كانت الأطراف حية غير مقطوعة فلا يمنع القصاص ولا ينقص العقل. قال الشافعي رحمه الله: وهكذا الفتح في الأصابع وضعف خلقتها أو أصولها وتكرشها وقصرها وطولها واضطرابها وكل عيب منها مما ليس بموت بها ولا قطع فلا فضل في بعضها على بعض في الدية والقود إذا كانت نسبتها كنسبة أيدي الناس فإذا ضرب الحر المسلم يد الحر المسلم فقطعها من الكوع فطلب المضروبة يده القصاص أحببت أن لا أقص منه حتى تبرأ جراحه لأنها لعلها أن تكون نفسا. فإن سأل ذلك قبل البرء أعطيته ذلك ولم أقص منه بضربة ودعوت له من يحذق القطع فأمرته أن يقطعها له بأيسر ما يكون به القطع ثم تحسم يد المقطوع إن شاء. وهكذا إن قطعها من المرفق أو المنكب لا يختلف. وهكذا إن قطع له اصبعا أو أنملة إصبع لا يختلف ذلك. قال الشافعي: ولا أقيد يمنى من يسرى ولا خنصرا من غير خنصر يدها أو رجلها وهكذا في هذا أن يقطع رجله من مفصل الكعب أو مفصل الركبة. فإن قطعها من مفصل الورك سألت أهل العلم بالقطع: هل يقدرون على أن يأتوا بقطعها من مفصل الورك بلا أن يكون جائفة فإن قالوا: نعم أقصصت منه. وهكذا إن نزع يده بكتفه أقدته منه إن قدروا على نزع الكتف بلا أن يحيفه. فإن قطع يده من فوق المفصل أو رجله أو اصبعا من أصابعه فسأل المقطوعة يده القود قيل له: إن سألت من الموضع الذي قطعك منه فلا قود لأنه ليس من مفصل وذلك أن ذلك لا يقطع إلا بضربة جامعة يرفع بها الضارب يده وإذا فعل ذلك لم يكن على إحاطة من أن يقع موقع ضربته لك. ولو قلت: ينخفض حتى يرجع إلى في أقل من حقي قيل: قد لا تقطع الضربة في مرة ولا مرار لأن العظم ينكسر فيصير إلى أكثر مما نالك به أو يحز والحز إنما يكون في جلد ولحم. ولو حز في العظم كان عذابا غير مقارب لما أصابك به وزيادة انكسار العظم كما وصفت. ويقال له: إن سألت أن تقطع يده لك من المفصل أو رجله وتعطي حكومة بقدر ما زاد على اليد والرجل فعلنا. فإن قيل: فأنت تضع له السكين في غير موضعه الذي وضعها به قلت: نعم. هي أيسر على المقتص منه من الموضع الذي وضعها به من المقتص له وفي غير موضع تلف ولم أتلف بها إلا ما أتلف الجاني عليه بمثله وأكثر منه. وهكذا في الرجل والاصبع إذا قطعها من فوق الأنملة فإن قطع اصبعا من دون الأنملة فلا قود بحال وفيها حساب ما ذهب من الأنملة. وإن قطع يدا من نصف الكف أو رجلا كذلك فقطع معها الأصابع فإن سأل القصاص من الأصابع 
 

صفحة : 2112

 أقصصت به. وإن سألها من العظم الذي أصاب فوق الأصابع لم أعطه كما وصفت قبل هذا. 
قال الشافعي: وإن شق الكف حتى ينتهي إلى المفصل فسأل القصاص سألنا أهل العلم فإن قالوا: نقدر على شقها كذلك أقصصناه وجعلنا ذلك كشق في رأسه وغيره. وكذلك إن شقها حتى المفصل ثم قطعها من المفصل فبقي بعضها وقطع بعضها شق قودا إن قدر وقطع من حيث قطع. وإن قطع له اصبعا فائتكلت الكف حتى سقطت كلها فسأل القصاص قيل: إن القصاص أن يقطع من حيث قطع أو أقل منه فأما أكثر فلا - فإن شئت أقدناك من الاصبع وأعطيناك أرش الكف يرفع منها عشر من الإبل وهي حصة الإصبع وإلا فلك دية الكف. قال الشافعي: ولو قطع له اصبعا كما وصفت فسأل القود منها وقد ذهبت كفه أو لم تذهب وسأل القود من ساعته أقدته فإن ذهبت كف المجني عليه جعلت على الجاني أربعة أخماس ديتها لأني رفعت الخمس للاصبع التي أقصصتها بها فإن ذهبت كف المستقاد منه ونفسه لم أرفع عنه من أرش المجني عليه شيئا لأن الجاني ضامن ما جنى وحدث منه والمستقاد منه غير مضمون له ما حدث من القود لأنه تلف بسبب الحق في القصاص. قال الشافعي: وإن قطع رجل نصف كف رجل من المفصل فائتكلت حتى سقطت الكف كلها فسأل القود قيل لأهل العلم بالقود: هل تقدرون على قطع نصف كف من مفصل كفه لا تزيدون عليه فإن قالوا: نعم قلنا: اقطعوها من الشق الذي قطعها منه ثم دعوها وأخذنا للمجني عليه خمسة وعشرين بعيرا نصف أرش الكف مع قطع نصفها. وهكذا إن قطعها حتى تبقى معلقة بجلدة أقيد منه وتركت له معلقة بجلدة. فإن قال المستقاد منه: اقطعوها لم يمنع المتطبب قطعها على النظر له. 
وإذا قطع رجل يد رجل فأقدناه منه ثم مات المستقيد منه قبل أن يبرأ من ذلك الجرح وشهد أنه مات من تلك الجراح وسأل ورثته القود أقدناه بالنفس لأنه قاتل قاطع. ألا ترى أنه لو قطع يديه ورجليه فمات مكانه أو ذبحه خلينا بين الورثة وبين أن يأتوا بمن يقطع يديه ورجليه وخليناهم وذبحه لأن الذبح إتلاف وحى. قال: وإن قطع رجل ذكر رجل من أصله فسأل القود قطع له ذكره من أصله. قال الشافعي: ويقاد من ذكر الرجل إذا قطع ذكر الصبي أو الشيخ الكبير أو الذي لا يأتي النساء أو ذكر الخصي ويقطع أنثى الفحل إذا قطع أنثى الخصي الذي لا عسيب له لأن كل ذلك طرف لصاحبه كامل. ويقطع ذكر الأغلف بذكر المختتن وذكر المختتن بذكر الأغلف. فإن قطع رجل إحدى أنثييه وبقيت الأخرى وسأل القود سألنا أهل 
 

صفحة : 2113

 العلم: فإن قدروا على قطعها بلا ذهاب الأخرى أقيد منه فإن قطعها بجلدها قطعت بجلدها وإن سلها سلت منه. وإن قطع رجل نصف ذكر رجل ولذلك فشبر ذكر القاطع فوجد أقل شبرا من نصف ذكر المقطوع أو ضعف ذكر المقطوع فسواء. وأقطع له نصف ذكره كان أقل شبرا من نصف ذكره أو أكثر إن كان يستطاع قطعه بلا تلف ولا شيء له غير ذلك. وهذا طرف ليس هذا كشق الجراح التي تؤخذ بشبر واحد لأنها لا تقطع طرفا. وإن قطع رجل أحد شقي ذكر رجل قطع منه مثل ذلك إن قدر عليه. قال الشافعي رحمه الله: وأقيد من ذكر الذي ينتشر بذكر الذي لا ينتشر ما لم يكن بذكر المقطوع ذكره نقص من شلل يوبسه ولا يكون ينقبض ولا ينبسط أو يكون الذكر مكسورا إن كان كسر الذكر يمنعه من الانتشار فإذا كان ذلك لم يقد به ذكر صحيح. وإذا قطع الرجل أنف الرجل من المارن قطع أنفه من المارن وسواء كان أنف القاطع أكبر أو أصغر من أنف المقطوع لأنه طرف. وإن قطعه من دون المارن قدر ما ذهب من أنف المقطوع ثم أخذ له من أنف القاطع بقدره من الكل إن كان قدر مارن المقطوع قطع قدر نصف مارنه ولا يقدر بالشبر كما وصفت في الأطراف الذكر وغيره. 
وإن قطع من أحد شقي الأنف قطع من إحدى شقيه كما وصفت. وإن قطع رجل أنف رجل من العظم فلا قود في العظم وإن أراد قطعنا له المارن وأعطيناه زيادة حكومة فيما قطع من العظم. قال الشافعي: ويقطع أنف الصحيح بأنف الأجذم وإن ظهر بأنفه قرح الجذام ما لم يسقط أنفه أو شيء منه. وكذلك يده بيده. وإن ظهر فيها قرح الجذام ما لم تسقط أصابعها أو بعضها. وتقطع الأذن بالأذن وأذن الصحيح بأذن الأصم لا فضل بينهما على الآخر لأنهما طرفان ليس فيهما سمع. وإن قطع بعض الأذن قطعت منه بعض أذنه كما وصفت إن قطع نصفا أو ثلثا قطع منه نصفا أو ثلثا وسواء كانت أذنه أكبر أو أصغر من أذن المقطوعة أذنه لأنها طرف. وتقطع الأذن الصحيحة التي لا ثقب فيها بالأذن المثقوبة ثقبا لقرط وشنف وخربة ما لم تكن الخربة قد خرمتها فإن كانت الخربة قد خرمتها لم تقطع بها الأذن. وقيل للأخرم: إن شئت قطعنا لك أذنه إلى موضع خربتك من قدر أذنه وأعطيناك فيما بقي العقل وإن شئت فلك العقل. وإن كان إنما قطعها وهي مخرمة لأن ذلك زين عندهم كالثقب لا عيب فيه ولا جناية. 
وإذا قلع رجل سن رجل قد ثغر قلعت سنه فإن كان المقلوعة سنه لم يثغر فلا قود حتى يثغر فيتتام طرح أسنانه ونباتها فإذا تتام ولم تنبت سنه سئل أهل العلم: عن الأجل الذي إذا بلغه ولم 
 

صفحة : 2114

 تنبت سنه لم تنبت فبلغه فإذا بلغناه ولم تنبت أقدناه منه فإذا بلغناه وقد نبت بعضها أو لم ينبت فلا قود وله من العقل بقدر ما قصر نباتها يقدر إن كانت ثنية بالثنية التي تليها فإن كانت بلغت نصفها أخذ له بعيران ونصف وإن بلغت ثلثها أخذ له ثلث عقل سن وإن قلع رجل لرجل سنا زائدة أو قطع له اصبعا زائدة أو كانت له زنمة تحت أذنه زائدة فقطعها رجل فسأل القود فلا قود وفيها حكومة. وإن كان للقاطع في موضع من هذا مثله ففيه القود سنا كان أو غير سن أو إصبع أو زنمة. وهكذا لو خلقت له إصبع لها طرفان فقطع أحد الطرفين فلا قود وفيها حكومة إلا أن يكون له إصبع مثلها فيقاد منه. وإن قطع رجل إصبع رجل ولها طرفان أو أنملة ولها طرفان ولم يخلق للقاطع تلك الخلقة فسأل المقطوع القود فهو له وزيادة حكومة إلا أن يكون طرفاها أشلاها فأذهبا منفعتها فلا قود. وإن كان للقاطع مثلها وليست شلاء أقيد ولا حكومة. ولو كانت لاصبع القاطع طرفان وليس ذلك لاصبع المقطوع فلا قود لأن إصبع القالع كانت أكبر من إصبع المقطوع. 

أمر الحاكم بالقود: 
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وينبغي للحاكم أن يعرف موضع رجل مأمون على القود وإذا أمره به أحضر عدلين عاقلين فأمرهما أن يتعاهدا حديده ولا يستقيد إلا وحديده حديد مسقي لئلا يعذب المستقاد منه وينبغي للحاكم أن يأمر المستقيد أن يختم على حديده لئلا يحتال فيسم فيقتل المستقاد منه أو يزمنه. وكذلك لا ينبغي أن يكون بحديده علة من ثلم ولا وهن فيبطئ في رأس ولا وجه حتى يكون عليه عذابا. وينبغي له أن يأمر العدلين إذا أقاد تحت شعر في وجه أو رأس أن يأمر بحلاق الرأس أو موضع القود منه ثم يأخذ قياس شجة المستقاد له ويقدر رأسه ثم يضع مقياسها في موضعه من رأس الشاج ثم يعلمه بسواد أو غيره ثم يأخذ المستقيد بشق ما شرط في العلامتين حتى يستوظف الشجة ويأخذانه بذلك في عرضها وعمقها وينظر فإن كان شقا واحدا أيسر عليه فعل وإن كان شقه شيئا بعد شيء أيسر عليه فعل وإن قيل: شقه واحدة أيسر عليه أجرى يده مرة واحدة فإذا خيفت زيادته أمر أن يحرفها من الطرف الذي يأخذ منه إلى موضع لا يخاف فعله فإذا قارب منتهاها أبطأ بيده لئلا يزيد شيئا. فإن أقاد وعلى المستقاد منه شعر فقد أساء ولا شيء عليه وإنما أعني بذلك شعر الرأس واللحية فأما إن كان القود في جسد وكان شعر الجسد خفيفا لا يحول دون النظر 
 

صفحة : 2115

 فأحب إلي أن يحلقه وإن لم يفعل فلا بأس إن شاء الله تعالى وإن كان كثيرا حلقه. قال الشافعي: ويؤمر بالمقتص منه فيضبط لئلا يضطرب فتذهب الحديدة حيث لا يريد المقتص فإن أغفل ضبطه أو ضبطه من لا يقوى منه على الاضطراب في يديه فاضطرب والحديدة موضوعة في رأسه في موضع القود فذهبت الحديدة موضعا آخر فهو هدر لأن المقتص له لم يتعد موضع القصاص وإن ذهابها في غير موضعه بفعل المقتص منه بنفسه. قال الشافعي: ويعاد للمقتص فيشق في موضع القود أو يقطع في موضعه إن كان القود قطعا حتى يأتي على موضع القصاص فإذا كان القصاص جراحا أقص منه في مجلس واحد جرح بعد جرح. قال الشافعي: ولو كان جرحها هو متفرقة أو جرحها من نفر بأعيانهم وكذلك لو كان القصاص قطعا أو جراحا وقطعا ليس فيه نفس إلا أن يكون في القصاص منه شيء إذا نيل منه كثير خيف عليه التلف فيؤخذ منه ما لا يخاف عليه ويحبس حتى يبرأ ثم يؤخذ منه الباقي فإن مات قبل أن يؤخذ فعقل الباقي في ماله. قال الشافعي: وإن أصاب جراحا ونفسا من رجل أقيد منه في الجراح الأول فالأول في مقام ما كانت وإن كانت مما يتخوف به التلف أخذت ثم أقيد فإن مات قبل القود فقد أتى على نفسه ولا حق لورثة المستقاد له في ماله لأنه أتى على نفسه. ولو كانت الجراح لرجل والنفس لآخر بدئ بالجراح فأقص منها كما وصفت من الجراح إذا كانت لا نفس معها يؤخذ في مقام واحد ما ليس فيه تلف حاضر ويحبس حتى يبرأ ثم يؤخذ الباقي إذا كان الباقي ليس فيه تلف فإن مات فقد قيل: يضمن أرش ما بقي من الجراح والنفس. قال الشافعي: وإن لم يكن في الجراح تلف أخذت كلها ثم دفع إلى أولياء المقتول فقتلوه إن شاءوا. 
قال: ولو دفع إلى أولياء المقتول فقتلوه ضمن الجراح في ماله ولا يبطل عنه القتل جراح من يقتل له. قال الشافعي: ولو كان جراحا لا نفس فيها لرجل فاقتص من جرح منها فمات ضمن الجارح الميت ما بقي من أرش الجراح التي لم يقتص منه فيها. وإن اجتمعت على رجل حدود: حد بكر في الزنا وحد في القذف وحد في سرقة يقطع فيها وقطع طريق يقطع فيه. أو يقتل وقتل رجل بدئ بحق. الآدميين فيما ليس فيه قتل ثم حق الله تبارك وتعالى فيما لا نفس فيه ثم كان القتل من ورائها. يحد أولا في القذف ثم حبس فإذا برأ حد في الزنا ثم حبس حتى يبرأ ثم قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف وكانت يده اليمنى للسرقة وقطع الطريق معا ورجله لقطع الطريق مع يده ثم قتل قودا أو بردة. فإن مات في الحد الأول أو الذي بعده 
 

صفحة : 2116

 أو قتل بحد سقطت عنه الحدود التي لله عز وجل كلها وإن كان قاتلا لرجل فمات قبل يقتل قودا كان عليه دية النفس. وكذلك إن كان جرحا لم يسقط أرش الجرح لأنه يملك بالجرح والنفس مال ولا يملك بحد القذف ولا حد السرقة مال بحال. قال الشافعي: وإن قتله الإمام لولي الدم أو ردة فقد أساء وتبطل عنه الحدود التي لله عز وجل لأنه ميت ولا مال فيها. قال الشافعي: وإنما حددته بالحدود كلها لأنه ليس منها واحد إلا واجب عليه مأمور بأخذه فلا يجوز - والله أعلم - أن أعطل مأمورا به لمأمور به أعظم ولا أصغر منه وأنا أجد السبيل إلى أخذه كما تكون عليه الحقوق للآدميين فلا يجوز إلا أن تؤخذ منه كلها إذا قدر على أخذها. 
وإذا كان المستقاد منه مريضا ولا نفس عليه لم يقتص منه فيما دون النفس حتى يبرأ فإذا برأ اقتص منه. وكذلك كل حد وجب عليه لله عز وجل أو أوجبه الله للآدميين. فإن كانت على المريض نفس قتل مريضا أو صحيحا. وإن كان جرح فمات المجروح من الجرح أقيد منه من الجرح والنفس معا في مقام واحد لأني إنما أؤخره فيما دون النفس لئلا يتلف بالقود مع المرض. وإذا كنت أقيد بالقتل لم أؤخره بالمرض وهكذا إذا كان القود في بلاد باردة وساعة باردة أو بلاد حارة وساعة حارة فإذا كان ما دون النفس أخر حتى يذهب حد البرد وحد الحر ويقتص منه في الحال التي ليست بحال تلف ولا شديدة المباينة لما سواها من الأحوال وكان حكم الحر والبرد حكم مرضه يقتص منه في النفس ولا يقتص منه فيما دونها. والمرأة والرجل في هذا سواء إلا أن تكون المرأة حاملا فلا يقتص منها ولا تحد حتى تضع حملها. قال الشافعي: وإن كان القصاص في رجل في جميع أصابع كفه أو بعضها فقال: اقطعوا يدي ورضي بذلك المقتص له قيل: لا يقطع إلا من حيث قطع ولا أقبل في هذا اجتماعهما عليه لأنه عدوان. وإذا قطع الرجل يد الرجل الشلاء ويد القاطع صحيحة فتراضيا بأن يقتص من القاطع فيقطع يده الصحيحة لم أقطع يده الصحيحة برضاه ورضا صاحبه وجعلت عليه حكومة. وإذا كانت يد المقطوع الأول صحيحة ويد القاطع هي الشلاء ففي يد المقطوع الأرش لنقص يد القاطع عنها فإن رضي المقتص له بأن يقطع ولم يرض ذلك القاطع سألت أهل العلم بالقطع فإن قالوا: إن اليد الشلاء إذا قطعت كانت أقرب من التلف على من قطعت منه من يد الصحيح لو قطعته لم أقطعها بحال. وإن قالوا: ليس فيها من التلف إلا ما في يد الصحيح قطعتها ولم ألتفت إلى مشقة القطع على المستقاد منه ولا المستقاد له إذا كان يقدر على أن يؤتي بالقطع لا 
 

صفحة : 2117

 يزاد عليه. قال الشافعي: ولو رضي الأشل أن يقطع لم ألتفت إلى رضاه وكان رضاه وسخطه في ذلك سواء وهذا هكذا في الأصابع والرجل وغيرهما مما يشل. وإذا قطع الأشل يد الصحيح فسأل الصحيح القود وأرش فضل ما بين اليدين قيل: إن شئت أقتص لك وإذا اخترت القصاص فلا أرش وإن شئت فلك الأرش ولا قصاص. وإنما يكون له أرش وقصاص إذا كان القطع على أطراف تعدد فقطع بعضها وبقي بعض كأن يقطع ثلاثة أصابع فوجد له اصبعين ولا يجد له ثالثة فنقطع اصبعين ونجعل في الثالثة الأرش. وإن كانت الثلاثة شلا فسأل أن يقطع ويأخذ له فضل ما بينهما لم يكن ذلك له قطعت له إن شاء أو آخذ له الأرش. قال الشافعي: ولا يصلب المقتص منه في القتل ولا المقتول في الزنا ولا الردة بحال لا يصلب أحد أحدا إلا قاطع الطريق الذي أخذ المال وقتل فإنه يقتل ثم يصلب ثلاثا ثم ينزل ويصلى عليهم كلهم إلا المرتد فإنه لا يصلي على كافر. وإذا وجب على رجل قصاص في نفس اقتص منه مريضا وفي الحر الشديد والبرد الشديد. وكذلك كل ما وجب عليه يأتي على نفسه. وإذا كان الذي يجب عليه جراحا لا يأتي على النفس لم يؤخذ ذلك منه مريضا ولا في حر شديد وبرد شديد وحبس حتى تذهب تلك الحال ثم يؤخذ منه. ولا يؤخذ من الحبلى حتى تضع حملها في حال. 
وإذا وجب عليه رجم ببينة أخذ في الحر والبرد وأخذ وهو مريض وإن وجب عليه باعتراف لم يؤخذ مريضا ولا في حر ولا برد لأنه متى رجع قبل الرجم وبعده تركته.