افتح القائمة الرئيسية

كتاب التوحيد لابن رجب الحنبلي

أول الكتاب

قال الشيخ الإمام العالم العامل العلامة القدوة الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ الصالح العلامة أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي -أدام الله النفع به، آمين-:

في الصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: كان النبي ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل فقال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله حرم على النار من قال: "لا إله إلا الله" يبتغي بها وجه الله.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وأبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- في الشك أنهم كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأصابتهم مجاعة، فدعا النبي ﷺ بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وجعل الآخر بكف تمر، وجعل الآخر يجيء بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم. فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة.

وفي الصحيحين عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: ما من عبد قال: "لا إله إلا الله" ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قالها ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.

وفي صحيح مسلم عن عبادة أنه قال عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار.

وفي الصحيحين عن عبادة، عن النبي ﷺ أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل.

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدا يطول ذكرها.

أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها

وأحاديث هذا الباب نوعان:

أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، أو لم يحجب عنها، وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار.

وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، ليس فيه أنه لا يعذب يوما عليهما مع التوحيد.

وفي مسند البزار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه.

والثاني: ما فيه أنه يَحرُم على النار، وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها، وهي ما عدا الدرك الأعلى؛ فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين.

وفي الصحيحين أن الله -تعالى- يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله.

شروط "لا إله إلا الله"

وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن "لا إله إلا الله" سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.

وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم، إن لـ"لا إله إلا الله" شروطا، فإياك وقذف المحصنة.

ورُوِيَ عنه أنه قال للفرزدق: هذا العمود فأين الطنب؟

وقيل للحسن: إن ناساً يقولون: من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة. فقال: من قال: "لا إله إلا الله"، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.

وقال ابن منبه لمن سأله: أليس "لا إله إلا الله" مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك وإلا لن يفتح لك.

وهذا الحديث أن مفتاح الجنة "لا إله إلا الله" خرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ قال: قال لي رسول الله ﷺ إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله.

ويدل على صحة هذا القول أن النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في الصحيحين عن أبي أيوب: أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.

وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط عليّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة. فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها، وقال: لا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذن؟ فبم تدخل الجنة إذن؟! قلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعته عليهن كلهن.

شروط دخول الجنة

ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.

ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا عن قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وقال: الزكاة حق المال.

وهذا الذي فهمه الصديق، قد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر وأنس وغيرهما، وأنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}[1]، كما دل قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}[2] على أن الأخوّة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد؛ فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحي.

ولما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله، ورأوه صواباً.

فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل قد يُعاقَب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.

وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدا؛ فإن كثيرا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي ﷺ.

وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذان إلى أن الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور.

وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل هذا كثيرا، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود، فبَيَّن بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض، واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبينة مفسرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة، أي: مفسرة لمعنى تلك، موضحة لها.

فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة

وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخر، ففي بعضها: من قال: لا إله إلا الله مخلصا، وفي بعضها: مستيقنا، وفي بعضها: يصدق قلبه لسانه، وفي بعضها: حقا من قلبه، وفي بعضها: قد زل بها لسانه واطمئن بها قلبه.

وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين، وتحققه بقول: لا إله إلا الله، ألا يأله القلب غير الله حبا ورجاء، وخوفا وتوكلا واستعانة، وخضوعا وإنابة وطلبا، وتحققه بأن محمدا رسول الله ألا يُعبد الله بغير ما شرع الله على لسان محمد ﷺ.

وقد جاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ صريحا أنه قال: من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تحجبك عن كل ما حرَّم الله عليك.

وهذا يُروَى من حديث أنس بن مالك وزيد بن أرقم، ولكن إسنادهما لا يصح، وجاء أيضا من مراسيل الحسن نحوه.

وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي ألا إله له غير الله، الإله الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله –عز وجل- فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله"، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.

الشرك والكفر له أصل وفروع

وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجائه، أو التوكل عليه والعمل لأجله. كما ورد في إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله، والاعتماد عليه، وعلى من سَوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت. وكذلك ما يقدح في التوكل، وتفرد الله بالنفع والضر، كالطيرة والرقى المكروهة، وإتيان الكهان، وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله.

ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النفس بما هو كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة بالكلية.

ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك.

وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع؛ قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[3]. وقال الحسن: "هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه". وقال قتادة: "هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى".

وروي من حديث أبي أمامة مرفوعا بإسناد ضعيف: ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع.

وفي حديث آخر: لا تزال "لا إله إلا الله" تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك رُدَّت عليهم، وقيل لهم: كذبتم.

ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتُقِش.

فدل هذا على أن كل من أحب شيئا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله فهو عبده وذلك الشيء معبوده وإلهه.

طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن

ويدل عليه -أيضًا- أن الله -تعالى- سَمَّى طاعة الشيطان في معصيةٍ عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}[4]. وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}[5]. فمن لم يحقق عبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخْلُص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[6]. فهم الذين حققوا قول "لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله، محبة ورجاء، وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقاً.

فأما من قال: "لا إله إلا الله" بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته، فقد كَذّب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[7].

فيا هذا، كن عبد الله لا عن الهوى؛ فإن الهوى يهوى بصاحبه في النار {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[8]. تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، والله ما ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت معه إلى شيء من الأغيار.

من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا.

كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد. فانزعج واضطرب حتى رأى أصحابه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي على ذلك ساعات، فلما أفاق فكأنه نشر من قبر.

قوله: "لا إله إلا الله" تقتضي ألا يحب سواه؛ فإن الإله هو الذي يطاع محبة وخوفًا ورجاء، ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئًا مما يكره الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله، لم يكمل توحيده، ولا صدَّقه في قوله "لا إله إلا الله"، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[9].

دلالة محبة الله

قال الليث عن مجاهد في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[10] قال: لا تحبوا غيري.

وفي صحيح الحاكم، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي ﷺ أنه قال: الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض. قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[11]. وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه من الشرك الخفي.

وقال الحسن: اعْلَمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته.

وسُئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أَمَرّ من الصبر.

وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.

وقال أبو يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة.

وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.

وقال رويم: المحبة الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:

ولـو قلـت لي مت مت سمعاً وطاعة وقلت لداعي الموت أهلاً ومرحباً

ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[12].

وقال الحسن: قال أصحاب النبي {صل} يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبًا شديدًا. فأحب الله أن يجعل لحبه عَلمًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة "أن لا إله إلا الله" إلا بشهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ فإنه إذا عُلم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد {صل} المبلغ عن الله ما يحبه وما يكرهه. فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسول الله {صل} وتصديقه ومتابعته.

ولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسول في قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[13]. كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة.

وقال ﷺ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار.

تلازم الظاهر والباطن

هذه حال السحرة، لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل نفوسهم، قالوا لفرعون: اقض ما أنت قاض. ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب.

وهذا هو معنى الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري في صحيحه، وفيه: ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وفي بعض الروايات: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.

والمعنى: أن محبة الله -إذا استغرق بها القلب، واستولت عليه- لم تبعث الجوارح إلا إلى مراد الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها.

يا هذا، اعبد الله لمراده منك، لا لمرادك منه؛ فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.

ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يرد صاحبها إلا ما يريده مولاه، وفي بعض الكتب السالفة: "من أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه".

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: "ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو معصية، فإذا كانت طاعة تقدمت، وإذا كانت معصية تأخرت".

هذا حال خواص المحبين، فافهموا -رحمكم الله- هذا؛ فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. وإلى هذا المقام أشار ﷺ في خطبته لما قدم المدينة، حيث قال: أحبوا الله من كل قلوبكم. وقد ذكرها ابن إسحاق وغيره.

فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إيرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:

أروح وقـد ختمتَ على فؤادي بحـبك أن يحـل بـه سـواكَا
فلو أنني استطعت غضضت طرفي فلم أنظر به حتى أراكا
أحبك لا ببعضي بل بكلي وإن لم يبق حبك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكا
فأما من بكى فيذوب وجداً وينطق بالهوى من قد تشاكا

متى بقي للمحب من نفسه خطر، فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفني عن نفسه كله، ويبقى بحبيبه، فبه يسمع وبه يبصر.

القلب بيت الرب: وفي الإسرائيليات يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، فمتى كان القلب فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمه أصنام الهوى.

الحق -تعالى- يغار على عبده المؤمن أن يسكن في القلب سواه، وأن يكون فيه شيء لا يرضاه.

أردناكم صرفاً فلما مزجتم بعدتم بمقدار التفاتكم عنا
وقلنا لكم: لا تُسْكِنُوا القلب غيرنا فأسكنتم الأغيار ما أنتم منا

النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم

لا ينجو غدا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله -تعالى-: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[14].

القلب السليم هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس -أو القدوس، "حضره القدس" هذه العبارة، وبهذه العبارة الدارجة في اللسان من يتكلم بهذه الكلمة- فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال منه الخبث صلح حينئذ للمجاورة؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فأما القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[15]، {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[16].

ومن لم يحرق اليوم قلبه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق بلقاء الحبيب -فنار جهنم له أشد حرا، ما يحتاج إلى التطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.

احذروا الرياء

أول ما تسعر به النار من الموحدين العّباد المراءون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء؛ لأن يسير الرياء شرك، ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق، المرائي يزوِّر التواقيع على اسم الملك؛ ليأخذ البراطيل[17] لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك. وهو ما يعرف الملك بالكلية.

نقش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.

وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوات وعبيد الهوى، الذين أطاعوا هواهم وعصوا مولاهم، فأما عبيد الله فيقال لهم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِرَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِيجَنَّتِي*}[18].

نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.

في الحديث: تقول النار للمؤمن جز فقد أطفأ نورك لهبي.

وفي المسند عن جابر عن النبي ﷺ: لا يبقى مؤمن ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجا من بردهم.

هذا ميراث ورثه محبون من حال الخليل -عليه السلام-، نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.

قال الجنيد: قالت النار: يا ربي، لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء؟ قال: نعم، كنت أسلط عليك ناري الكبرى. قالت: وهل هناك نار أعظم منى وأشد؟ قال: نار محبتي أسكنتها أوليائي المؤمنين.

قفا قليلاً بها علي فلا أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار جوىً أحر نار الجحيم أبردها
لولا دموع المحبين تطفيء بعض حرارة الوجد لاحترقوا كمداً
دعوه يطفيء بالدموع حرارة على كبد حري دعوه دعوه
سلوا عاذليه يعذروه هنيةً فبالعذل دون الشوق قد قتلوه

كان بعض العارفين يقول: أليس عجبا أن أكون حيا بين أظهركم، وفي قلبي من الاشتياق إلى ربي مثل شعل النار التي لا تنطفئ.

ولم أر مثل نار الحب ناراً تزيد ببعد موقدها اتقاداً

ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا هم في غيره. في الحديث: من أصبح وهمه غير الله فليس من الله.

قال بعضهم: من أخبرك أن وليه له هم في غيره فلا تصدق.

وكان داود الطائي يقول: في الليل همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.

ما لي شغل سواه ما لي شغل ما يصرف عن هواه قلبي عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل مني بدل ومنه ما لي بدل

إخواني، إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله ﷺ من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه حرمه الله على النار.

من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة

فأما من دخل النار من أهل الكلمة فلقلة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قله الصدق في قولها، من صدق في قوله: "لا إله إلا الله" لم يحب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه.

ومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كل ما جل أي كلافات كالوصمة.

قال زيد بن أسلم: إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك.

وقال الشعبي: إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه.

وتفسير هذا الكلام أن الله –عز وجل- له عناية بمن يحبه من عباده، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إلى نجوة النجاة، ييسر له أسباب التوبة، وينبهه على قبح الزلة، فيفزع إلى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفرة لما جنى.

وفي بعض الآثار يقول الله: أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.

وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: الحمى تذهب الخطايا كما يذهب الكير خبث الحديد.

وفي المسند وصحيح بن حبان عن عبد الله بن مغفل: أن رجلا لقي امرأة كانت بغيا في الجاهلية، فجعل يداعبها حتى بسط يده إليها، فقالت: مه؛ فإن الله أذهب الشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولى وجعل يلتفت خلفه وينظر إليها، حتى أصاب وجهه حائطا، فأتى النبي ﷺ والدم يسيل على وجهه، فأخبره بالأمر، فقال رسول الله ﷺ أنت عبد أراد الله بك خيرا، ثم قال: إن الله إذا أراد بعبد خيرا عجل عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبده شرا أمسك ذنبه حتى يوافيه يوم القيامة.

يا قوم، قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلا من دمع العيون، وقد طهرت، اعزموا على حطام النفوس، عن رضاع الهوى، فالحمية رأس الدواء، متى طالبتكم بمعلوفاتها فقولوا لها كما قالت تلك المرأة لذلك الرجل الذي دمي وجهه: "قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام".

والإسلام يقتضى الاستسلام والانقياد للطاعة، ذكروها مدحة: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: 30 لعلها تحن إلى الاستقامة، عرفوها اطلاع من هو أقرب إليها من حبل الوريد لعلها تستحيي من قربه ونظره: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}[19] {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[20].

راود رجل امرأة في فلاة ليلة، فأبت وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت فأين مكوكبها؟

أكره رجل امرأة على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، ففعلت فقال لها: هل بقي باب لم تغلقيه؟ قالت. نعم، الباب الذي بيننا وبين الله. فلم يتعرض لها.

رأي بعض العارفين رجلا يكلم امرأة، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.

سئل الجنيد: بما يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظر.

وقال المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب.

كلما قويت المعرفة بقرب الله قوي الحياء من قربه ونظره.

وصى النبي ﷺ رجلا أن يستحي من الله كما يستحي من رجلٍ صالح من عشيرته لا يخالفه.

قال بعضهم: استح من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك.

كان بعضهم يقول: منذ أربعين سنة ما خطوت خطوة لغير الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياء من الله عز وجل.

كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيني بعدك منظراً لغيرك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة لغيرك إلا قلت قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة على القلب إلا عرجا بعناني

فضائل كلمة التوحيد

وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة، لا يمكن ها هنا استقصاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:

فهي كلمة التقوى كما قاله عمر وغيره من الصحابة.

وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق وبراءةُ من الشرك، ونجاة هذا الأمر؛ ولأجلها خُلق الخلق كما قال -تعالى-:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[21].

ولأجلها أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، قال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[22] وقال -تعالى-: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}[23].

وهذه الآية أول ما عدد على عباده من النعم، في سورة النعم التي تسمى سورة "النحل"؛ ولهذا قال ابن عينية: ما أنعم الله على العباد نعمةً أعظم من أن عرفهم "لا إله إلا الله"، وإن "لا إله إلا الله" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا؛ ولأجلها أُعدت دار الثواب ودار العقاب في الآخرة، فمن قالها ومات عليها كان من أهل دار الثواب، ومن ردها كان من أهل العقاب.

ومن أجلها أمرت الرسل بالجهاد، ومن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحاً.

وفي مسند البزار وغيره، عن عياض الأنصاري، عن النبي ﷺ أنه قال: إن "لا إله إلا الله" كلمة حق على الله كريمة، ولها من الله مكان، وهي كلمة جمعت وشركت، فمن قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا أحرزت ماله، وحقنت دمه، ولقي الله فحاسبه.

وهي مفتاح الجنة -كما تقدم- وهي ثمن الجنة قاله الحسن.

وجاء مرفوعا من وجوه ضعيفة: من كانت آخر كلامه دخل الجنة.

وهي نجاة من النار وسمع النبي ﷺ مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: خرج من النار خرجه مسلم.

وهي توجب المغفرة؛ في المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله. فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا؛ فإن الله قد غفر لكم.

وهي أحسن الحسنات؛ قال أبو ذر: قلت يا رسول الله، علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة ، فإنها عشر أمثالها، قلت: يا رسول الله ، لا إله إلا الله من الحسنات، قال: هي أحسن الحسنات.

وهي تمحو الذنوب والخطايا؛ وفي سنن ابن ماجه، عن أم هانئ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا إله إلا الله " لا تترك ذنبا ، ولا يسبقها عمل.

رئي بعض السلف بعد موته في المنام، فسئل عن حالهم فقال: ما أبقت "لا إله إلا الله " شيئاً.

وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب؛ وفي المسند أن النبي ﷺ قال لأصحابه: جددوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدد إيماننا؟ قال: قولوا "لا إله إلا الله".

وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، ولو وزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن؛ وفي المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أن نوحا قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن "لا إله إلا الله".

وفيه أيضا عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ أنه قال: إن موسى -عليه السلام- قال: يا رب، علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: "لا إله إلا الله " ، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: قل: "لا إله إلا الله " ، فقال: لا إله إلا أنت ، إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، و"لا إله إلا الله " في كفة مالت بهن "لا إله إلا الله".

ولذلك ترجح بصحائف الذنوب، كما في حديث السجلات والبطاقة، وقد خرجه أحمد والنسائي والترمذي، وأيضا من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ.

وهي التي تخرق الحجب كلها، حتى تصل إلى الله عز وجل؛ وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ أنه قال: لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل إليه.

وفيه أيضا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: ما قال عبد: "لا إله إلا الله" مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى تفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر.

ويروى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً ما من شيء إلا وبينه وبين الله حجاب، إلا قول: "لا إله إلا الله"، كما أن شفتيك لا تحجبها، كذلك لا يحجبها شيء حتى تنتهي إلى الله عز وجل.

وقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شيء دون العرش.

وهي التي ينظر الله إلى قائلها ويجيب دعاءه؛ خرج النسائي في كتاب اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: من قال :"لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" مخلصا بها روحه، مصدقا بها قلبه ولسانه، إلا فتق الله له السماء، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله.

وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها؛ كما خرجه النسائي والترمذي وابن حبان، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله تعالى عنهما-عن النبي ﷺ أنه قال: إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه وقال: لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، يقول الله : لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، قال الله : لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، قال: الله لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي.

وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار.

وهي أفضل ما قاله النبيون، كما ورد ذلك في دعاء يوم عرفة.

وهي أفضل الذكر، كما في حديث جابر المرفوع: أفضل الذكر لا إله إلا الله. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: أحب كلمة إلى الله تعالى، لا يقبل الله عملا إلا بها.

وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب ، وتكون حرزا من الشيطان. كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن النبي ﷺ أنه قال: من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك.

وفيهما أيضا عن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل.

وفي الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعاً: من قالها إذا دخل السوق -وزاد فيها- يحيي ويميت، كتبت له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وفي رواية "وبني له بيت في الجنة".

ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر، وهول الحشر، كما في المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ليس على أهل "لا إله إلا الله " وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل "لا إله إلا الله" قد قاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون: الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن.

وفي حديث مرسل: من قال: لا إله إلا الله، الملك الحق المبين كل يوم مائة مرة، كانت له أمانا من الفقر، وأنسا من وحشة القبر، واستجلب به الغنى، واستقرع به باب الجنة.

وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور، قال النصر بن عربي: بلغني أن الناس إذا قاموا من قبورهم كان شعارهم: لا إله إلا الله.

وقد خرج الطبراني حديثا مرفوعاً: إن شعار هذه الأمة على الصراط: لا إله إلا أنت.

ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء خرجه مسلم.

وفي الصحيحين عن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور- فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء.

وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ في قصة منامه الطويل، وفيه قال: ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فأغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة.

ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها، فإنهم لابد أن يخرجوا منها؛ وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله عز وجل وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله.

وخرج الطبراني عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: إن أناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله ؟ فيغضب الله لهم، فيخرجهم من النار، فيدخلون الجنة.

ومن كان في سخطه محسنا، فكيف يكون إذا ما رضي؟! لا يستوي بين من وحده، وإن قصر في حقوق توحيده، وبين من أشرك به.

قال بعض السلف: كان إبراهيم -عليه السلام- يقول: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك، بمن كان لا يشرك بك.

كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إنك قلت عن أهل النار إنهم: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ}[24] ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، اللهم لا تجمع بين أهل القسَمين في دار واحدة.

كان أبو سليمان يقول: إن طالبني ببخلي طالبته بجوده، وإن طالبني بذنوبي طالبته بعفوه، وإن أدخلني النار أخبرت أهل النار أني كنت أحبه.

ما أطيب وصله وما أعذبه وما أثقل هجره وما أصعبه
في السخط وفي الرضا ما أهيبه القلب يحبه وإن عذبه

وكان بعض العارفين يبكي طول ليله ويقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.

العارفون يخافون من الحجاب أكثر مما يخافون من العذاب؛ قال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق، كقطرة في بحر لجي.

كان بعضهم يقول: إلهي، وسيدي، ومولاي، لو عذبتني بعذابك كله كان ما فاتني من قربك، أعظم عندي من العذاب.

قيل لبعضهم: لو طردك ما كنت تفعل؟ فقال:

أنا إن لم أجد من الحب وصلاً رمت في النار منزلاً ومقيلاً
ثم أزعجت أهلها بندائي بكرة في عرصاتها وأصيلاً
معشر المشركين نوحوا على من يدعي أنه يحب الجليلا
لم يكن في الذي ادعاه محقاً فجزاه به العذاب الطويلا

الله الله! أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم

اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد، فإنه لا يوصل إلى الله سواه، واحرصوا على القيام بحقوقه، فإنه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه.

ما نطق الناطقون إذ نطقوا أحسن من لا إله إلا هو
تبارك ذو الجلال ومن أشهد ألا إله إلا هو
من لذنوبي ومن يمحصها غيرك يا من لا إله إلا هو
جنان خلد لمن يوحده أشهد ألا إله إلا هو
نيرانه لا تحرق من حقق أن لا إله إلا هو
أقولها مخلصاً بلا بخل أشهد ألا إله إلا هو

آخره والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

هامش

  1. التوبة: 5
  2. التوبة: 11
  3. الجاثية: 23
  4. يس: 60
  5. مريم: 44
  6. الحجر: 42
  7. ص: 26
  8. يوسف: 39
  9. محمد: 28
  10. النور: 55
  11. آل عمران: 31
  12. آل عمران: 31
  13. التوبة: 24
  14. الشعراء: 88-89
  15. الزمر: 73
  16. النحل: 32
  17. جمع برطيل، وهو الرشوة
  18. الفجر: 27-30
  19. العلق: 14
  20. الفجر: 14
  21. الذاريات: 56
  22. الأنبياء: 25
  23. النحل: 2
  24. النحل: 38