كتاب الصلاة وحكم تاركها/فصل في تعيين مقدار الترك الموجب لقتل تارك الصلاة

فصل في تعيين مقدار الترك الموجب لقتل تارك الصلاة
المؤلف: ابن قيم الجوزية



فصل في تعيين مقدار الترك الموجب لقتل تارك الصلاة

المسألة الثالثة بماذا يقتل هل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات هذا فيه خلاف بين الناس فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في إحدى الروايات يقتل بترك

صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وحجة هذا القول ما تقدم من الاحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة وقد روى معاذ بن جبل أن رسول الله قال من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 238 وعن أبي الدرداء قال اوصاني ابو القاسم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة رواه عبدالرحمن ابن ابي حاتم في سننه مجمع الزوائد 4 / 217 - 216 ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال لا اصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه واعتبار التكرار ثلاثا ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صاحب وليس أولى من اثنتين وقال اسحاق بن منصور المعروف بالكوسج من أصحاب أحمد إن كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والعصر والمغرب والعشاء لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فأورث شبهة هاهنا وإن كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالفجر والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة ها هنا في التأخير وهذا القول حكاه إسحاق عن عبدالله بن المبارك او عن وكيع بن الجراح الشك من اسحاق في تعيينه قال ابو البركات عبدالسلام بن عبدالله ابن تيمية والتسوية أصح

وإلحاق التارك ها هنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصح كما لم يصح إلحاقه بهم في اصل الترك قلت وقول إسحاق اقوى وافقه لأنه قد ثبت أن هذا الوقت للصلاتين في الجملة فأورث ذلك شبهة في إسقاط القتل ولأن النبي منع من قتل الأمراء المؤخرين الصلاة عن وقتها وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر وقد يؤخرون العصر إلى آخر وقتها ولما قيل له ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا مسلم رقم 1854 فدل على أن ما فعلوه صلاة يعصمون بها دماءهم

فصل في متى يعد الرجل تاركا للصلاة

وعلى هذا فمتى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا اصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد وقال القاضي محمد بن الحسين أبو يعلى وأصحابه كأبي الخطاب محفوظ بن محمد الكلواذاني وابن عقيل لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها قال الشيخ ابو البركات ابن تيمية من دعي إلى صلاة في وقتها فقال لا اصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه

قال وإنما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره يعني أبا الخطاب لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها ولفظ أبي الخطاب الذي أشار إليه فإن اخر الصلاة حتى خرج وقتها جاحدا لوجوبها كفر ووجب قتله فإن اخرها تهاونا لا جحودا لوجوبها دعي إلى فعلها فإن لم يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله فالتي أخرها تهاونا هي التي اخرها حتى خرج وقتها فدعي إليها بعد خروج وقتها فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها كان قتله بتأخير الصلاة التي دعي إليها حتى تضايق وقتها هذا تقرير ما ذكره الشيخ قال وقال بعض أصحابنا يقتل لترك الأولي ولترك قضاء كل فائتة إذا أمكنه من غير عذر لأن القضاء عندنا على الفور فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثانية قال والأول أصح لأن قضاء الفوائت موسع علىالتراخي عند الشافعي وجماعة من العلماء والقتل لا يجب في مختلف في إباحته وحظره وعن أحمد رواية أخرى أنه إنما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة وهذا اختيار الإصطخري من الشافعية ووجه هذا القول أن الموجب للقتل هو الاصرار على ترك الصلاة والانسان قد يترك الصلاتين لكسل أو ضجر او شغل يزول قريبا ولا

يدوم فلا يسمى بذلك تاركا للصلاة فإذا كرر الترك مع الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار وعن احمد رواية ثالثة أنه يجب قتله بترك صلاتين ولهذه الرواية مأخذان احدهما أن الترك الموجب للقتل هو الترك المتكرر لا مطلق الترك حتى يطلق عليه أنه تارك الصلاة وأقل ما يثبت به الترك المتكرر مرتان المأخذ الثاني أن من الصلاة ما تجمع إحداهن إلى الأخرى فلا يتحقق تركها إلا بخروج وقت الثانية فجعل ترك الصلاتين موجبا للقتل وإسحاق وافق هذه الرواية في المجموعتين

فصل في حكم ترك بعض شروط الصلاة أو ركن منها

وحكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة حكم تارك الصلاة وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصلاة وكذلك ترك الركوع والسجود وإن ترك ركنا أو شرطا مختلفا فيه وهو يعتقد وجوبه فقال ابن عقيل حكمه حكم تارك الصلاة ولا بأس أن نقول بوجوب قتله وقال الشيخ أبو البركات ابن تيمية عليه الإعادة ولا يقتل من أجل ذلك بحال

فوجه قول ابن عقيل أنه تارك للصلاة عند نفسه وفي عقيدته فصار كتارك الزكاة والشرط المجمع عليه ووجه قول أبي البركات ابن تيمية أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه اقرب إلى مأخذ الفقه وقول ابن عقيل اقرب إلى الاصول فإن تارك ذلك عازم وجازم على الاتيان بصلاة باطلة فهو كما لو ترك مجمعا عليه وللمسألة غور بعيد يتعلق بأصول الإيمان وأنه من اعمال القلوب واعتقادها

فصل في حكم تارك الجمعة

روى مسلم في صحيحه رقم 652 من حديث ابن مسعود أن النبي قال لقوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم احرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم وعنأبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا رسول الله يقول على اعواد منبره لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات او ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم في صحيحه رقم 865 وفي السنن كلها ابو داود رقم 1052 الترمذي رقم 500 النسائي رقم 1369 ابن ماجة رقم 1125 من حديث ابي الجعد

الضمري وله صحبة أن النبي قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه رواه الامام أحمد من حديث جابر المسند 3 / 425 - 424 وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض على الكفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين فلم يقل الشافعي هذا قط فإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد إنها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي أن صلاة العيد واجبة على الأعيان وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيد من اعاظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها احد من اصحاب رسول الله ولا تركها رسول الله مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانا لعدم وجوبه وترك الوضوء لكل صلاة بيانا لعدم وجوبه وغير ذلك وأيضا فإنه سبحانه وتعالى امر بالعيد كما أمر بالجمعة فقال فصل لربك وانحر 108 سورة الكوثر / الآية 2 فأمر النبي الصحابة أن يغدوا إلى مصلاهم لصلاة العيد معه إن فات وقتها وثبت الشهر بعد الزوال أبو داود رقم 1157 وأمر النبي العواتق وذوات الخدور وذوات الحيض ان يخرجن إلى العبد وتعتزل الحيض المصلي البخاري رقم 974 مسلم رقم 890 ولم يأمر بذلك في الجمعة قال شيخنا ابن تيمية فهذا يدل على ان العيد آكد من الجمعة

وقوله خمس صلوات كتبهن الله علىالعبد في اليوم والليلة الموطأ 1 / 123 أبو داود رقم 425 النسائي رقم 461 ابن ماجه رقم 1401 لا ينفي صلاة العيد فإن الصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وأما العيد فوظيفة العام ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطواف عند كثير من الفقهاء لأنها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكررة ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة ولم يمنع من وجوب سجود التلاوة عند من أوجبه وجعله صلاة ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من اوجبها من السلف وهو قول قوي جدا والمقصود ان الشافعي رحمه الله نص على ان من وجبت عليه الجمعة وجب عليه العيد ولكن قد يقال إن هذا لا يستفاد منه وجوبه على الأعيان فإن فرض الكفاية يجب على الجميع ويسقط بفعل البعض وفائدة ذلك تظهر في مسألتين إحداهما أنه لو اشترك الجميع في فعله أثيبوا ثواب من أدى الواجب لتعلق الوجوب الثانية لو اشتركوا في تركه استحق الجميع الذم والعقاب فلا يلزم من قوله تجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة أن تكون واجبة علىالأعيان كالجمعة فهذا يمكن أن يقال ولكن ظاهر تشيبه العيد بالجمعة والتسوية بين من تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدل على استوائهما في الوجوب ولا يختلف قوم أن الجمعة واجبة على الأعيان فكذا العيد

والمقصود بيان حكم تارك الجمعة قال ابو عبدالله ابن حامد ومن جحد وجوب الجمعة كفر فإن صلاها اربعا مع اعتقاد وجوبها قال فإن قلنا هي ظهر مقصورة لم يكفر وإلا كفر حكم تارك الصوم والحج والزكاة وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاه بتارك الصلاة في وجوب قتله فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد إحداها يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الاسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة البخاري رقم 1400 مسلم رقم 20 إنها لقرينتها في كتاب الله وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الاسلام والنبي لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام فهذا قتال للفئة الممتنعة والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال الرواية الثانية لا يقتل بترك غير الصلاة لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة ولقول عبدالله بن شقيق كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة الترمذي رقم 2624

ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الاسلام ولهذا امر النبي نوابه ورسله ان يبدؤوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين فقال لمعاذ ستأتي قوما اهل كتاب فليكن اول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة البخاري رقم 4347 مسلم رقم 19 ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج ولأنها اكثر الفروض ذكرا في القرآن ولأن اهل النار لما يسألون ما سلككم في سقر 74 سورة المدثر الآية 42 لم يبدؤوا بشيء غير ترك الصلاة ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه بخلاف سائر الفروض فإنها تجب في حال دون حال ولأنها عمود فسطاط الإسلام وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط ولأنها آخر ما يفقد من الدين ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر والأنثى والحاضر والمسافر والصحيح والمريض والغني والفقير ولم يكن رسول الله يقبل من إجابة إلى الاسلام إلا بالتزام الصلاة كما قال قتادة عن انس لم يكن رسول الله يقبل من اجابه إلى الاسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولأن قبول سائر الاعمال موقوف على فعلها فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا من الاعمال كما قال عون بن عبدالله إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته اول شيء يسأل عنه فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد

ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد افلح وأنجح وان فسدت فقط فقد خاب وخسر الترمذي رقم 413 النسائي رقم 465 ولو قبل منه شيء من اعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين الرواية الثالثة يقتل بترك الزكاة والصيام ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي فمن قال هو على التراخي قال كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمحرد التأخير وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج ويقول هو واجب علي ولا احج ابدا فهذا موضوع النزاع والصواب القول بقتله لأن الحج من حقوق الاسلام والعصمة تثبت لمن تكلم بالاسلام إلا بحقه والحج أعظم حقوقه

فصل في تارك الصلاة هل يقتل حدا أم كفرا

وأما المسألة الثالثة وهو انه هل يقتل حدا كما يقتل المحارب والزاني أم يقتل كما يقتل المرتد والزنديق هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الامام أحمد يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الأوزاعي وأيوب السختياني وعبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وعبدالملك بن حبيب من

المالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه وحكاه ابو محمد ابن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة والثانية يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبدالله ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج الفريقين أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين قالوا وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال من شهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وان محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الله الجنة على ما كان من العمل أخرجاه في الصحيحين البخاري رقم 3435 مسلم رقم 28 وعن انس أن النبي قال ومعاذ رديفة على الرحل يا معاذ قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار قال يارسول الله افلا اخبر بها الناس فيستبشروا قال إذا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثما متفق على صحته البخاري رقم 128 مسلم 230

وعن أبي هريرة عن النبي قال اسعد الناس بشفاعتي من قال لاإله إلا الله خالصا من قلبه رواه البخاري رقم 99 وعن أبي ذر ان النبي قام بآية من القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال دعوت لامتي وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة فقال أبو ذر أفلا ابشر الناس قال بلى فانطلق فقال عمر أنك إن تبعث إلى الناس بهذا ينكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع والآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم 5 سورة المائدة الآية 118 رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 170 وفي المسند أيضا 6 / 240 من حديث عائشة قالت قال رسول الله الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال الله تعالى إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة 5 سورة المائدة الآية 72 وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله تعالى يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة وفي المسند ايضا 5 / 316 - 315 و 319 عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله يقول خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له المسند ايضا 2 / 290 من حديث أبي هريرة قال

رسول الله أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك رواه أهل السنن أبو داود رقم 864 الترمذي رقم 413 النسائي رقم 467 ابن ماجة رقم 1425 وقال الترمذي هذا حديث حسن قالوا وقد ثبت عنه أنه قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة أبو داود 3116 لفظ آخر من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة مسلم رقم 26 وفي صحيح قصة عتبان بن مالك البخاري رقم 425 مسلم رقم 33 وفيها إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وفي حديث الشفاعة البخاري رقم 7510 مسلم رقم 193 يقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله وفيه مجمع الزوائد 10 / 375 فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط وفي السنن الترمذي رقم 2641 مستدرك الحاكم 1 / 529 صحيح ابن حبان رقم 225 ابن ماجة رقم 4300 والمسانيد مسند أحمد 2 / 213 قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة

وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته ويكفينا في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ولو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج منها فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدا أن محمدا رسول الله مؤمنا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد أدلة الذين يكفرون تارك الصلاة قال المكفرون الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم قال أبو محمد ابن حزم المحلى 1 / 242 وقد جاء عن عمر وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد

قالوا ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة

فصل في الأستدلال بالكتاب

أما الكتاب فالدليل الأول قال تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمن علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون 68 سورة القلم / الآيات 43 - 35 فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال يوم يكشف عن ساق 68 سورة القلم / الآية 42 وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كميا من البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين الدليل الثاني قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين 74 سورة المدثر / الآيات 47 - 38 فلا يخلو إما أن يكون كل

واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين او مجموعها فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلأ فكل واحد منها مقتض للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف في العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن لقائل ان يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر وقد قال إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجهم ذوقوا مس سقر 54 سورة القمر / الآيتان 48 - 47 وقال تعالى إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون سورة المطففين الآية 29 فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين الدليل الثالث قوله تعالى وأقيموا الصلاة واءتوا الزكواة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون 24 سورة النور / الآية 56 فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها الدليل الرابع قوله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون 107 سورة الماعون / الآيتان 4 و 5 وقد اختلف السلف في

معنى السهو عنها فقال سعد ابن ابي وقاص ومسروق بن الاجدع وغيرهما هو تركها حتى يخرج وقتها وروى في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي تعظيم قدر الصلاة رقم 42 حدثنا شيبان ابن ابي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبدالملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي عن الذين هم عن صلاتهم ساهون 107 سورة الماعون / الآية 5 قال هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها سنن البيهقي 2 / 214 وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال قلت لأبي يا ابتا أرأيت قول الله الذين هم عن صلاتهم ساهون 107 سورة الماعون / الآية 5 أينا لا يسهو أينا لا يحدث نفسه قال إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت سنن البيهقي 2 / 214 وقال حيوة بن شريح أخبرني ابو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله الذين هم عن صلاتهم ساهون 107 سورة الماعون / الآية 5 قال هو تاركها ثم سأله عن الماعون 107 سورة الماعون / الآية 7 قال منع المال عن حقه تعظيم قدر الصلاة رقم 45 إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون 41سورة

فصلت / الآيتان 6 و 7 وقوله ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيت الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من ءاياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين 45 سورة الجاثية / الآيات 9 - 7 وقوله وويل للكافرين من عذاب شديد 14 سورة إبراهيم / الآية 2 إلا في موضعين وهما ويل للمطففين 83 سورة المطففين / الآية 1 و ويل لكل همزة لمزة 104 سورة الهمزة / الآية 1 فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز وهذا لا يكفر به بمجرده فويل تارك الصلاة إما ان يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين أحدهما أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها الثاني ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه الدليل الخامس وهو قوله سبحانه فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا 19 سورة مريم / الآية 59 قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله هو ابن مسعود في هذه الآية قال هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر مستدرك الحاكم 2 / 374 قال محمد بن نصر تعظيم قدر الصلاة رقم 26 حدثنا عبدالله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال جئت أبا

أمامه الباهلي فقلت حدثني حديثا سمعته من رسول الله فقال سمعت من رسول الله يقول لو أن صخرة قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام قلت وما غي وأثام قال بئران في اسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم فهذا الذي ذكره الله في كتابه فسوف يلقون غيا 19 سورة مريم / الآية 59 و أثاما 25 سورة الفرقان / الآية 68 قال محمد بن نصر تعظيم قدر الصلاة رقم 37 حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبدالله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا ابن ابي مريم الخزاعي قال سمعت ابا امامة الباهلي يقول إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة قال نعم غي وأثام وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال إن في جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له قال تعالى فسوف يلقون غيا 19 سورة مريم / الآية 59 الدر المنثور 5 / 528 فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو اسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنه الكفار ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى فسوف يلقون غيا إلا من تاب واءمن وعمل صالحا 19 سورة مريم / الآيتان 59 و 60

فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل الدليل السادس قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلواة واءتوا الزكواة فإخوانكم في الدين 9 سورة التوبة / الآية 11 فعلق اخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين فلا يكونوا مؤمنين لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة 49 سورة الحجرات / الآية 10 الدليل السابع قوله تعالى فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى 75 سورة القيامة / الآيتان 31 و 32 فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال ولكن كذب وتولى 75 سورة القيامة / الآية 32 فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر فكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة قال سعيد عن قتادة فلا صدق ولا صلى 75 سورة القيامة / الآية 31 لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ولكن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى 75 سورة القيامة / الآيتان 34 و 35 وعيد على إثر وعيد الدليل الثامن قوله تعالى يا أيها الذين اءمنوا لا تلهكم أموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون 63 سورة المنافقون / الآية 9 قال ابن جريج سمعت عطاء ابن ابي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة الدر المنثور 8 / 180

ووجه الاستدلال بالآية إن الله حكم بالخسران المطلق لمن الهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه وتعالى اكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد أحدهما إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث الثاني تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم فإنك إذا قلت زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم صالح الثالث إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى وأولئك هم المفلحون 2 سورة البقرة / الآية 5 وقوله تعالى هم الظلمون أولئك هم المؤمنون حقا 8 سورة الأنفال / الآية 4 ونظائره الرابع إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين اخريين قوة الاسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله وإن الله لهو الغني الحميد 22 سورة الحج / الآية 64 وقوله والله هو السميع العليم 5 سورة المائدة / الآية 76 وقوله هو الغفور الرحيم 28 سورة القصص / الآية 16 ونظائر ذلك التاسع قوله سبحانه إنما يؤمن بئايتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون 32 سورة السجدة / الآية 15 ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا

ذكروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها ولم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن بها لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم اهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال واقربه فلم يؤمن بقوله تعالى وأقيمو الصلواة 2 سورة البقرة / الآية 43 إلا من التزم إقامتها العاشر قوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين 77 سورة المرسلات / الآيتان 48 و 49 ذكر هذا بعد قوله كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون 77 سورة المرسلات / الآية 46 ثم توعدهم على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها اصلا فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلية خمس صلوات وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها هذا من المستحيل قطعا فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا فإن الايمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه مايأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبره ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له

من الفعل وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم وهذا من امحل المحال ان يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجردا اعتقادا صدق المخبر دون الانقياد له ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين وقد قال تعالى فإنهم لا يكذبونك 6 سورة الأنعام / الآية 33 اي يعتقدون أنك صادق ولكن الظالمين بئايات الله يجحدون 6 سورة الأنعام / الآية33 والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا 27 سورة النمل / الآية 14 وقال موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر 17 سورة الإسراء / الآية 102 وقال تعالى عن اليهود يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون 2 سورة البقرة / الآية 146 وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا نشهد أنك نبي فقال ما يمنعكما من اتباعي قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود النسائي رقم 4078 الترمذي رقم 2734 و 3143 فهؤلاء قد اقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام

فالتصديق إنما يتم بأمرين أحدهما اعتقاد الصدق والثاني محبة القلب وانقياده ولهذا قال تعالى لإبراهيم ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا 37 سورة الصافات / الآيتان 104 و105 وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به وكذلك قوله والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه البخاري رقم 6243 مسلم رقم 2657 فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في ان التصديق لا يصح إلا بالعمل وقال الحسن ابن ابي شيبة 11 / 22 ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وقد روي هذا مرفوعا الكامل لابن عدي 6 / 2290 والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها وبالله التوفيق

فصل في الاستدلال بالسنة

وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه الدليل الأول ما رواه مسلم في صحيحه رقم 82 عن جابر بن

عبدالله قال قال رسول الله بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة رواه أهل السنن أبو داود رقم 4687 والترمذي رقم 2622 وصححه الترمذي الدليل الثاني ما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي قال سمعت رسول الله يقول العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الامام احمد المسند 5 / 346 واهل السنن النسائي رقم 2463 الترمذي رقم 2623 ابن ماجة رقم 1079 وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم الدليل الثالث ما رواه ثوبان مولى رسول الله قال سمعت رسول الله يقول بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك رواه هبةالله الطبري وقال إسناده صحيح على شرط مسلم الترغيب والترهيب 1 / 379 الدليل الرابع ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي أنه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وابي بن خلف رواه الامام احمد في مسنده 2 / 169 وابو حاتم ابن حبان في صحيحه رقم 1467 وإنما خص هؤلاء الاربعة بالذكر لأنهم من رؤس الكفرة وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته او تجارته فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون

ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن شغله عنها رياسة ووزارة فهو مع هامان ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف الدليل الخامس ما رواه عبادة بن الصامت قال اوصانا رسول الله فقال لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم او حرقتم او صلبتم ولا تتركوا الصلاة عمدا فمن تركها عمدا متعمدا فقد خرج من الملة ولا تقربوا الخمر فإنها رأس الخطايا رواه عبدالرحمن ابن أبي حاتم في سننه مجمع الزوائد 4 / 216 تعظيم قدر الصلاة رقم 920 الدليل السادس ما رواه معاذ بن جبل قال قال رسول الله من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله رواه الإمام أحمد المسند 5 / 238 ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام الدليل السابع ما رواه أبو الدرداء قال اوصاني ابو القاسم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة رواه عبدالرحمن ابن أبي حاتم في سننه مجمع الزوائد 4 / 217 - 216 الدليل الثامن ما رواه معاذ بن جبل عن النبي أنه قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة تعظيم قدر الصلاة رقم 195 وهو حديث صحيح مختصر الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الأسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فهكذا يذهب الاسلام بذهاب الصلاة وقد احتج أحمد بهذا بعينه الدليل التاسع في الصحيحين البخاري رقم 8 مسلم رقم 16 والسنن الترمذي رقم 2736 النسائي رقم 5001 والمسانيد

من حديث عبدالله بن عمر قال قال رسول الله بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان رواه الإمام أحمد المسند 2 / 26 و 143 وفي بعض الفاظه الاسلام خمس فذكره ووجه الاستدلا به من وجوه أنه جعل الاسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الاعظم وقعت قبة الإسلام أنه جعل هذه الاركان في كونها أركانا لقبة الأسلام قرينة الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها الثالث أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان اسما لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولا سيما إذا كان من اركانه لا من اجزائه التي ليست بركن له كالحائظ للبيت فإنه إذا سقط البيت بخلاف العود والخشبة واللبنة ونحوها الدليل العاشر قول رسول الله من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا البخاري رقم 391 ووجه الدلالة فيه من وجهين أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة فلا يكون مسلما بدونها الثاني أنه صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية

الدليل الحادي عشر وما رواه الدارقي عبد الله عبدالله بن عبدالرحمن تعظيم قدرالصلاة رقم 175 قال حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن قرم عن ابي يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبدالله عن النبي قال مفتاح الجنة الصلاة الترمذي رقم 4 مسند أحمد 3 / 340 وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلم ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله مسند أحمد 5 / 242 فإن الشهادة أصل المفتاح والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه البخاري تعليقا فتح الباري 3 / 131 وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لاإله إلا الله قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك الدليل الثاني عشر ما رواه محجن بن الادرع الاسلمي أنه كان في مجلس مع النبي فأذن بالصلاة فقام النبي ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له ما منعك أن تصلي الست برجل مسلم قال بلى ولكني صليت في أهلي فقال له إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت رواه الامام احمد المسند 4 / 34 والنسائي رقم 857 فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة وأنت تجد تحت الفاظ

الحديث إنك لو كنت مسلما لصليت وهذا كما تقول مالك كل لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ألست بحي ولو كان الاسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي الست برجل مسلم

فصل في الاستدلال بإجماع الصحابة

إجماع الصحابة فقال ابن زنجويه حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ان عبدالله بن عباس اخبره انه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد قال فاحتملته انا ورهط كانوا معي في المسجد حتى ادخلناه بيته قال فأمر عبدالرحمن بن عوف ان يصلي بالناس قال فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت فلم يزل في غشيته حتى اسفر ثم افاق فقال هل صلى الناس قال فقلنا نعم فقال لا إسلام لمن ترك الصلاة وفي سياق آخر لا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى وذكر القصة تعظيم قدر الصلاة رقم 923 فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وابي هريرة ولا يعلم عن صحابي خلافهم وقال الحافظ عبدالحق الاشبيلي رحمه الله في كتابه في الصلاة ذهب جملة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن

جبل وعبدالله بن مسعود وابن عباس وجابر وابو الدرداء وكذلك روي عن علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه هؤلاء من الصحابة ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبدالله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وابو بكر ابن أبي شيبة وابو خيثمة زهير بن حرب المانعون من التكفير يجب حمل هذه الاحاديث وما شاكلها على كفر النعمة دون كفر الجحود كقوله من تعلم الرمي ثم تركها فهي نعمة كفرها أبو داود رقم 2513 النسائي رقم 3578 وقوله لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم البخاري رقم 6830 مسلم رقم 62 تبرؤه من نسب وإن دق كفر بعد إيمان مسند أحمد 2 / 215 سباب المسلم فسوق وقتاله كفر البخاري رقم 48 مسلم رقم 64 من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد مسند أحمد 2 / 408 الترمذي رقم 135 أبو داود رقم 3904 ابن ماجه رقم 639 من حلف بغير الله فقد كفر رواه الحاكم في صحيحه 1 / 18 بهذا اللفظ وقوله اثنتان في امتي هما بهم كفر الطعن في الانساب والنياحة على الميت مسلم رقم 67

ونظائر ذلك كثيرة قالوا وقد نفى النبي الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتسب ولم يوجب زوال هذا عنهم الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النار فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم وقد قال النبي لا إيمان لمن لا أمانة له مسند أحمد 3 / 135 فنفى عنه الإيمان ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافرا كفرا ينقل عن الملة وقد قال ابن عباس في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 5 سورة المائدة / الآية 44 ليس بالكفر الذي يذهبون إليه قال طاووس سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله قال أيضا كفر لا ينقل عن الملة وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق

فصل في الحكم بين الفريقين وفصل الخطاب بين الطائفين

معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر

كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب وكذلك الكفر ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر والحياء شعبة من الإيمان وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر والصدق شعبة من شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان وتركها من شعب الكفر والحكم بماأنزل الله من شعب الإيمان والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر والمعاصي كلها من شعب الكفر كما ان الطاعات كلها من شعب الإيمان الإيمان قسمان قولية وفعلية وكذلك شعب الكفر نوعان قولية وفعلية ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان فكذلك من شعبة الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بالأتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف فهذا اصل وها هنا أصل آخر وهو ان حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل والقول قسمان قول القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وهوالتكلم بكلمة

الإسلام والعمل قسمان عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة فأهل السنة مجمحون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهومحبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم اعمال الجوارح ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح إذ لو اطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان فإن الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته

فصل في نوعي الكفر

وها هنا أصل آخر وهو أن الكفر نوعان كفر عمل وكفر جحود وعناد الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من اسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده فالسجود للضم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن اطلقه الله ورسوله عليه فالحاكم بغير ما انزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما انزل الله كافرا ويسمى رسول الله تارك الصلاة كافرا ولا يطلق عليهما اسم كافر وقد نفى رسول الله الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه وإذا نفي عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد وكذلك قوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض البخاري رقم 1739 مسلم رقم 1679 فهذا كفر عمل وكذلك قوله من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما

أنزل على محمد مسند أحمد 2 / 408 الترمذي رقم 135 أبو داود رقم 3904 ابن ماجة رقم 639 وقوله إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها احدهما البخاري رقم 6103 مسلم رقم 60 وقد سمى الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ترك العمل به فقال تعالى وإذا اخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيواة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون 2 سورة البقرة / الآيتان 84 و 85 فاخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه به وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ثم أخبر أنهم عصوا امره وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ثم أخبر انهم يفدون من اسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بماأخذ عليهم في الكتاب فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي وقد اعلن النبي بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح سباب المسلم فسوق وقتاله كفر البخاري رقم 48 مسلم رقم 64 ففرق بين قتاله وسبابه وجعل احدهما فسوقا لا يكفر به والآخر كفر ومعلوم أنه

إنما أراد الكفر العلمي لا الاعتقادي وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الأسلامية والملة بالكلية كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم اعلم الأمة بكتاب الله وبالاسلام والكفر ولوازمهما فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقا اخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على اصحابها بالخلود في النار وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله اهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكفرون ه سورة المائدة / الآية 44 ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن ابيه قال سئل ابن عباس عن قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون 5 سورة المائدة الآية 44 قال هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته كتبه ورسله وقال في رواية أخرى عنه كفر لا ينقل عن الملة وقال طاووس ليس بكفر ينقل عن الملة

وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا وسمى جاحدا ما أنزله على رسوله كافرا وليس الكافران على حد سواء وسمى الكافر ظالما كما في قوله تعالى والكافرون هم الظالمون 2 سورة البقرة / الآية 254 وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما فقال ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه 65 سورة الطلاق / الآية 1 وقال نبيه يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 21 سورة الأنبياء / الآية 87 وقال صفية آدم ربنا ظلمنا أنفسنا 7 سورة الأعراف الآية 23 وقال كليمه موسى رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي 28 سورة القصص / الآية 16 وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم الكافر فاسقا كما في قوله كما في قوله وما يضل به إلا الفسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه 2 سورة البقرة / الآيتان 26 و 27 الآية وقوله ولقد أنزلنا إليك آيت بينت يكفر بها إلا الفسقون 2 سورة البقرة / الآية 99 وهذا كثير في القرآن المؤمن من فاسق كما في قوله يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين 49 سورة الحجرات / الآية 6 نزلت في الحكم ابن أبي العاص وليس الفاسق كالفاسق وقال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفاسقون 24 سورة النور / الآية 4

وقالعن ابليس ففسق عن امر ربه 18 سورة الكهف / الآية 50 وقال فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق 2 سورة البقرة / الآية 197 وليس الفسوق كالفسوق والكفر كفران والظلم ظلمان والفسق فسقان وكذا الجهل جهلان جهل كفر كما في قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين 7 سورة الأعراف / الآية 199 غير كفر كقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب 4 سورة النساء / الآية 17 كذلك الشرك شركان شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر وهو شرك العمل كالرياء تعالى في الشرك الأكبر إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار 5 سورة المائدة / الآية 72 وقال ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق 22 سورة الحج / الآية 31 شرك الرياء فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا 18 سورة الكهف / الآية 110 ومن هذا الشرك الأصغر قوله من حلف بغير الله فقد اشرك رواه ابو داود رقم 3251 وغيره مسند أحمد 2 / 125 الترمذي رقم 1535 أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار

ومن هذا قوله الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل مسند أحمد 4 / 403 فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها النفاق نفاقان نفاق اعتقاد ونفاق عمل فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن واوجب لهم الدرك الأسفل من النار ونفاق العمل كقوله في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان البخاري رقم 33 مسلم رقم 59 وفي الصحيح ايضا أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان البخاري رقم 34 مسلم رقم 58 فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع اصل الايمان ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقا خالصا الإمام أحمد يدل على هذا فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قالسألت أحمد ابن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم وهل يكون مصرا من كانت هذه حاله

قال هو مصر مثل قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام ونحو قوله لا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن البخاري رقم 2475 مسلم رقم 57 ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 5 سورة المائدة / الآية 44 قال اسماعيل فقلت له ما هذا الكفر قال كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه

فصل في اجتماع الكفر والإيمان

وههنا أصل آخر وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان هذا من أعظم اصول أهل السنة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 12 سورة يوسف / الآية 106 فأثبت لهم إيمانا به سبحانه مع الشرك تعالى قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمن في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم 49 سورة الحجرات / الآية 14 فأثبت لهم إسلاما وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه الذين

ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله 49 سورة الحجرات / الآية 15 وهؤلاء ليسوا منافقين في اصح القولين بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفار قال الإمام احمد من أتى هذه الأربعة أو مثلهن او فوقهن يرد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب فهو مسلم ولا اسمية مؤمنا ومن اتى دون ذلك يريد دون الكبائر سميته مؤمنا ناقص الإيمان فقد دل على هذا قوله فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق البخاري رقم 34 مسلم رقم 58 فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام الرياء شرك فإذا راءى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه رسول الله كفرا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام بينا ان المعاصي كلها شعب من شعب الكفر كما ان الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان فالعبد تقوم به شعبة أو اكثر من شعب الإيمان وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا وقد لا يسمى كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم فها هنا امران امر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا واللفظي هل يسمى من قامت به كافرا أم لا فالأمر الأول شرعي محضن والثاني لغوي وشرعي

فصل في أنه لا يلزم من القيام بالجزء التسمية بالكل

هنا اصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد ان يسمى مؤمنا وإن كان ما قام به إيمانا ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفرا كماأنه لا يلزم من قيام جزء من اجزاء العلم به ان يسمى عالما ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيا ولا طبيبا ولا يمنع ذلك ان تسمى شعبة الايمان إيمانا وشعبة النفاق نفاقا وشعبة الكفر كفرا وقد يطلق عليه الفعل كقوله فمن تركها فقد كفر الترمذي رقم 2623 النسائي رقم 463 ومن حلف بغير الله فقد كفر الترمذي رقم 1535 أبو داود رقم 3251 وقوله من اتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر ومن حلف بغير الله فقد كفر رواه الحاكم في صحيحه 1 / 18 و 4 / 297 بهذا اللفظ فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق وكذا يقا لمن ارتكب محرما إنه فعل فسوقا وإنه فسق بذلك المحرم ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه وهكذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب لا يسمى مؤمنا وإن كان معه إيمان كما أنه لا يسمى كافرا وإن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه إذ المعاصي كلها من شعب الكفر كما ان الطاعات كلها من شعب الإيمان أن سلب الإيمان من تارك الصلاة أولى من سلبه عن

مرتكب الكبائر وسلب اسم الاسلام عنه اولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فلا يسمى تارك الصلاة مسلما ولا مؤمنا وإن كان شعبة من شعب الإسلام والإيمان نعم يبقى ان يقال فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار فيقال ينفعه إن لم يكن المتروك شرطا في صحة الباقي واعتباره وإن كان المتروك شرطا في اعتبار الباقي لم ينفعه ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد ولا تنفع الصلاة من صلاها عمدا بغير وضوء فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لايكون كذلك الصلاة شرط لصحة الإيمان فيبقى النظر في الصلاة هل هي شرط لصحة الإيمان هذا سر المسألة والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من اعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه ومحال بقاء الربح بلا رأس مال فإذا خسرها خسر أعماله كلها وإن اتى بها صورة أشار إلى هذا في قوله فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع الموطأ 1 / 6 وفي قوله إن أول ما ينظر في شيء من اعماله بعد راجع ابو داود رقم 413 و 864 والنسائي رقم 465 وابن ماجة رقم 1425 و 1426 والحاكم 1 / 262 و 263 ومجمع الزوائد 1 / 291 و 292

العجب ان يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعى إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا اصلي ابدا ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغتسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل فلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله الموفق

فصل في سياق اقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة ومن حكى الإجماع على ذلك

قال محمد بن نصر تعظيم قدر الصلاة رقم 978 حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن ايوب قال ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه وحكى محمد بن نصر 979 عن ابن المبارك قال من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد كفر وقال علي بن الحسن بن شقيق سمعت عبدالله بن المبارك يقول من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو اكفر من حمار تعظيم قدر الصلاة رقم 980

وقال يحيى بن معين قيل لعبدالله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان فقال عبدالله لا نقول نحن ما يقول هؤلاء من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر تعظيم قدر الصلاة رقم 981 وقال ابن أبي شيبة قال النبي من ترك الصلاة فقد كفر فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام تعظيم قدر الصلاة رقم 988 وقال أحمد بن يسار سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة فقال كافر فقال له السائل أتبين منه امرأته فقال صدقة وأين الكفر من الطلاق لو أن رجلا كفر ولم تطلق منه امرأته تعظيم قدر الصلاة رقم 989 قال أب و عبدالله محمد بن نصر تعظيم قدر الصلاة رقم 990 سمعت إسحاق يقول صح عن النبي أن تارك الصلاة كافر وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر