كتاب نقد الشعر

كتاب نقد الشعر

رب يسر لإتمامه

قال أبو الفرج قدامة بن جعفر: العلم بالشعر ينقسم أقساماً، فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه.

وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية تامة، فاستقصوا أمر العروض والوزن، وأمر القوافي والمقاطع، وأمر الغريب والنحو، وتكلموا في المعاني الدال عليها الشعر، وما الذي يريد بها الشاعر.

ولم أجد أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر، وليس هو بأحدهما أولى منه بالآخر، وعلما الوزن والقوافي، وإن خصا الشعر وحده، فليست الضرورة داعية إليها، لسهولة وجودهما في طباع أكثر الناس من غير تعلم، ومما يدل على ذلك أن جميع الشعر الجيد المستشهد به إنما هو لمن كان قبل واضعي الكتب في العروض والقوافي. ولو كانت الضرورة إلى ذلك داعية لكان جميع هذا الشعر فاسداً أو أكثره، ثم ما نرى أيضاً من استغناء الناس عن هذا العلم فيما بعد واضعيه إلى هذا الوقت، فإن من يعلمه ومن لا يعلمه

(1/2)

ليس يعول في شعر إذا أراد قوله إلا على ذوقه دون الرجوع إليه، فلا يتوكد عند الذي يعلمه صحة ذوق ما تزاحف منه بأن يعرضه عليه، فكان هذا العلم مما يقال فيه: إن الجهل به غير ضائر، وما كانت هذه حاله فليست تدعو إليه ضرورة.

فأما علم جيد الشعر من رديئه، فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلاً ما يصيبون.

ولما وجدت الأمر على ذلك، وتبينت أن الكلام في هذا الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع كتاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع، فأقول:

الفصل الأول

حد الشعر

إن أول ما يحتاج إليه في العبارة عن هذا الفن: معرفة حد الشعر الحائز له عما ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز - مع تمام الدلالة - من أن يقال فيه: إنه قول موزون مقفى يدل على معنى.

فقولنا: قول: دال على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر.

وقولنا: موزون: يفصله مما ليس بموزون، إذ كان من القول موزون وغير موزون.

وقولنا: مقفى: فصل بين ماله من الكلام الموزون قواف، وبين ما لا قوافي له ولا مقاطع.

وقولنا: يدل على معنىً: يفصل ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة على معنى مما جرى على ذلك من غير دلالة على معنى.

فإنه لو أراد مريد أن يعمل من ذلك شيئاً كثيراً على هذه الجهة لأمكن وما تعذر عليه.

فإذ قد تبين أن كذلك، وأن الشعر هو ما قدمناه، فليس من الاضطرار إذن أن يكون ما هذه سبيله جيداً أبداً ولا رديئاً أبداً، بل يحتمل أن يتعاقبه الأمران، مرة هذا، وأخرى هذا، على حسب ما يتفق، فحينئذ يحتاج إلى معرفة الجيد وتمييزه من الرديء.

صناعة الشعر

ولما كانت للشعر صناعة، وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال، غذ كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات والمهن، فله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وحدود بينهما تسمى الوسائط، وكان كل قاصد لشيء من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود، فإن كان معه من القوة في

(1/3)

الصناعة ما يبلغه إياه، سمي حاذقاً تام الحذق، وإن قصر عن ذلك نزل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها، كان الشعر أيضاً، إذ كان جارياً على سبيل سائر الصناعات، مقصوداً فيه وفي ما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد، فكان العاجز عن هذه الغاية من الشعراء إنما هو من ضعفت صناعته.

صفات الشعر

فإذ قد صح أن هذا على ما قلناه، فلنذكر الصفات التي إذا اجتمعت في الشعر كان في غاية الجودة، وهو الغرض الذي تنتحيه الشعراء بحسب ما قدمناه من شريطة الصناعات، والغاية الأخرى المضادة لهذه الغاية، التي هي نهاية الرداءة.

وأذكر أسباب الجودة وأحوالها وأعداد أجناسها، ليكون ما يوجد من الشعر قد اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها، وخلا من الخلال المذمومة بأسرها، يسمى شعراً في غاية الجودة، وما يوجد بضد هذا الحال يسمى شعراً في غاية الرداءة، وما يجتمع فيه من الحالين أسباب ينزل له اسم بحسب قربه من الجيد أو من الردئ، أو وقوفه في الوسط الذي يقال لما كان فيه: صالح أو متوسط، أو لا جيد ولا رديء، فإن سبيل الأوساط في كل ما له ذلك أن تحد بسلب الطرفين، كما يقال مثلاُ في الفاتر - الذي هو وسط بين الحار والبارد - إنه لا حار ولا بارد، والمز - الذي هو وسط بين الحلو والحامض - إنه لا حلو ولا حامض.

معاني الشعر

ومما يجب توطيده وتقديمه، قبل الذي أريد أن أتكلم فيه، أن المعاني كلها معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها، فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة.

وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والضعة، والرفث والنزاهة، والبذخ والقناعة، والمدح والعضيهة، وغير ذلك من المعاني الحميدة والذميمة: أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة.

ومما يجب تقديمه أيضاً أن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئاً وصفاً حسناً، ثم يذمه بعد ذلك ذماً حسناً أيضاً، غير منكر عليه ولا معيب من فعله، إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك عندي دليل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها.

وإنما قدمت هذين المعنيين،

(1/4)

لما وجدت قوماً يعيبون الشعر إذا سلك الشاعر فيه هذين المسلكين، فإني رأيت من يعيب امرأ القيس في قوله:

فمِثْلُكِ حُبْلى قد طرَقْتُ ومُرْضِعٍ ... فَأَلهيْتُها عنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ

إذا ما بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِ

ويذكر أن هذا معنى فاحش، وليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلاُ رداءته في ذاته.

وكذلك رأيت من يعيب هذا الشاعر أيضاً في سلوكه للمذهب الثاني الذي قدمته، حيث استعمله اقتداراً وقوة، وتصرف فيه إحساناً وحذاقة، وذلك قوله في موضع:

فلَوْ أنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى معِيشَة كَفانِي ولم أطْلُبْ قليلٌ مِنَ المَالِ

ولَكِنَّمَا أَسْعى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍ ... وقَدْ يُدْرِكُ المجْدَ المُؤثَّلَ أَمْثالِي

وقوله في موضع آخر:

فَتَمْلَأ بَيْتَنا أقِطاً وسمْناً ... وَحَسْبُك من غِنىً شِبَعٌ وَرِيُّ

فإن من عابه، زعم أنه من قبل المناقضة، حيث وصف نفسه في موضع بسمو الهمة وقلة الرضى بدنئ المعيشة، وأطرى في موضع آخر القناعة، وأخبر عن اكتفاء الإنسان بشبعه وريه.

وإذ قد ذكرت ذلك، فلا بأس بالرد على هذا العائب في هذا الموضع، ليكون في ما احتج به بعض التطريق لمن يؤثر النظر في هذا العلم إلى التمهر فيه، فأقول: إنه لو تصفح أولاً قول امرئ القيس حتى تصفحه لم يوجد ناقض معنى بآخر، بل المعنيان في الشعرين متفقان، إلا أنه زاد في أحدهما زيادة لا تنقض ما في الآخر، وليس أحد ممنوعاً من الاتساع في المعاني التي لا تتناقض، وذلك أنه قال في أحد المعنيين: فلو أنني أسعى لأدنى معيشة كفاني القليل من المال.

وهذا موافق لقوله:

وحسبك من غنىً شبع ورى

لكن في المعنى الأول زيادة ليست بناقضة لشيء، وهو قوله: لكنني لست أسعى لما يكفيني،

(1/5)

ولكن لمجد أؤثله.

فالمعنيان اللذان ينبئان عن اكتفاء الإنسان باليسير في الشعرين متوافقان، والزيادة في الشعر الأول، التي دل بها على بعد همته، ليست تنتقض واحداً منهما ولا تنسخه.

وأرى أن هذا العائب ظن أمرأ القيس قال في أحد الشعرين: إن القليل يكفيه، وفي الآخر: إن القليل لا يكفيه.

وقد ظهر بما قلناه أن هذا الشاعر لم يقل شيئاً من ذلك ولا ذهب إليه، ومع ذلك فلو قاله وذهب إليه ما كان عندي مخطئاً من أجل أنه لم يكن في شرط شرطه يحتاج إلى أن لا ينقض بعضه بعضاً، ولا في معنى سلكه في كلمة واحدة، ولو كان فيه لم يجر مجرى العيب، لأن الشاعر ليس يوصف بأن يكون صادقاً، بل إنما يراد منه، إذا أخذ في معنى من المعاني كائناً ما كان أن يجيده في وقته الحاضر، لا أن يطالب بأن لا ينسخ ما قاله في وقت آخر.

ومع ما قدمته، فإني لما كنت آخذاً في استنباط معنى لم يسبق إليه من يضع لمعانيه وفنونه المستنبطة أسماء تدل عليها، احتجت أن أضع لما يظهر من ذلك أسماء اخترعتها، وقد فعلت ذلك، والأسماء لا منازعة فيها إذ كنت علامات، فإن قنع بما وضعته وإلا فليخترع لها كل من أبى ما وضعته منها ما أحب، فليس ينازع في ذلك.

وإذ قدمت ما احتجت إلى تقديمه فأقول: إنه لما كان الشعر على ما قلناه لفظاً موزوناً مقفى يدل على معنى، وكان هذا الحد مأخوذاً من جنس الشعر العام له وفصوله التي تحوزه عن غيره، كانت معاني هذا الجنس والفصول موجودة فيه، كما يوجد في كل محدود معاني حده، لأن الإنسان مثلاً يحد بأنه حي ناطق ميت، فمعنى الحياة التي هي جنس للإنسان موجود في الإنسان، وهو التحرك والحس، وكذلك معنى النطق - الذي هو فصله مما ليس بناطق - موجود فيه، وهو التخيل والذكر والفكر، ومعنى الموت - الذي في حد الإنسان - وهو قبول بطلان الحركة، فكذلك أيضاً معنى اللفظ الذي هو جنس للشعر موجود فيه، وهو حروف خارجة بالصوت متواطئاً عليها، وكذلك معنى الوزن، ومعنى التقفية، ومعنى ما يدل عليه اللفظ.

وإذ كان ذلك كما قلنا، فالشعر إنما هو ما اجتمع من هذه الأسباب التي يحيط بها حده.

ولما كان كل مجتمع، وكل مؤلف من أمور، وللأمور تألف من بعضها مع بعض، يزيد عددها فيه وينقص على حسب كثرة الأمور وقلتها، وجب أن يكون الشعر أيضاً لما كان مجتمعاً من

(1/6)

أسباب أن تكون أقسام تأليف هذه الأسباب بعضها إلى بعض جارياً هذا المجرى، وأن يكون تعديد هذه التأليفات إذا استوعب وأضيف ذلك إلى عدة الأسباب المفردات من غير تأليف، فقد أتى على جميع الأسباب التي يجب الكلام فيها من أمر الشعر، فأقول: إنه لما كانت الأسباب المفردات التي يحيط بها على حد الشعر على ما قدمنا القول فيه أربعة، وهي اللفظ، والمعنى، والوزن، والتقفية، وجب - بحسب هذا العدد - أن يكون لها ستة اضرب من التأليف، إلا أني وجدت اللفظ والمعنى والوزن تأتلف، فيحدث من ائتلافها بعضها إلى بعض معان يتكلم فيها، ولم أجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخر ائتلافاً، إلا أني نظرت فيها فوجدتها، من جهة ما، أنها تدل على معنى لذلك المعنى الذي تدل عليه ائتلاف مع معنى سائر البيت، فأما مع غيره فلا، لأن القافية إنما هي لفظة مثل لفظ سائر البيت من الشعر، ولها دلالة على معنى، كما لذلك اللفظ أيضاً، والوزن شيء واقع على جميع لفظ الشعر الدال على المعنى، فإذا كان ذلك كذلك فقد انتظم تأليف الثلاثة الأمور الأخر ائتلاف القافية أيضاً، إذ كانت لا تعدو أنها لفظة كسائر لفظ الشعر المؤتلف مع غيره.

فأما من جهة ما هي قافية، فليس ذلك ذاتاً يجب لها أن يكون لها به ائتلاف مع شيء آخر، إذ كانت هذه اللفظة إنما قيل فيها: إنها قافية من أجل أنها مقطع البيت وآخره، وليس أنها مقطع ذاتي لها، وإنما هو شيء عرض لها بسبب أنه لم يوجد بعدها لفظ من البيت غيرها، وليس الترتيب، وأن لا يوجد للشيء تال يتلوه، ذاتاً قائمةً فيه، فهذا هو السبب في أن لم يكن للقافية من جهة ما هي قافية تأليف مع غيرها.

فأما من جهة ما تدل عليه، فإن ذلك تأليف معنى إلى ما يتألف معه، إلا أني نسبته في هذا الكتاب إلى القافية على سبيل التسمية، وإن أراد مريد أن ينسب ذلك إلى أنه تأليف معنى القافية إلى ما يتألف معه لم أضايقه، فصار ما حدث من أقسام ائتلاف بعض هذه الأسباب إلى بعض: أربعة، وهي: ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى مع القافية، وصارت أجناس الشعر ثمانية، وهي: الأربعة المفردات البسائط التي يدل عليها حده، والأربعة المؤلفات منها.

ولما كان لكل واحد من هذه الثمانية صفات يمدح بها، وأحوال يعاب من أجلها، وجب أ، يكون

(1/7)

جيد ذلك ورديئه لاحقين للشعر، إذ كان ليس يخرج شيء منه عنها، فلنبدأ بذكر أوصاف الجودة في واحد واحد منها، ليكون مجموع ذلك إذا اجتمع للشعر كان في نهاية الجودة، ونعقب ذلك بذكر العيوب، ليكون أيضاً مجموع ذلك إذا اجتمع في شعر كان في نهاية الرداءة، ولا محالة أنه إذا كان هذان الطرفان مشتملين على جميع

النعوت والعيوب التي نذكرها، ولم يكن كل شعر جامعاً جميع النعوت أو جميع العيوب، وجب أن تكون الوسائط التي بين المدح والذم تشتمل على صفات محمودة وصفات مذمومة، فما كان فيه من النعوت أكثر، كان إلى الجودة أميل، وما كان فيه من العيوب أكثر كان إلى الرداءة أقرب، وما تكافأت فيه النعوت والعيوب كان وسطاً بين المدح والذم، وتنزيل ذلك إذا حضر ما في الطرفين من النعوت والعيوب لا يبعد على من أعمل الفكر وأحسن سبر الشعر.

الفصل الثاني

النعوت

فلنبدأ من ذكر الأجناس الثمانية بأولها من الأربعة المفردات، وهو اللفظ، ونذكر نعوت ذلك ونعوت سائر الأجناس، ونجعل هذا الفصل مقصوراً على ذكر النعوت.

نعت اللفظ

أن يكون سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من سائر النعوت للشعر، منها أبيات من تشبيب قصيدة للحادرة الذبياني، وهي:

وَتَصَدَّفَتْ حتَّى اسْتَبَتْكَ بِوَاضِحٍ ... صلْتٍ كَمُنْتَصَبِ الغَزَالِ الأَتْلَعِ

وَبمُقْلَتَيْ حَوْراء تَحْسِبُ طَرْفَهَا ... وَسْنَانَ حُرةِ مُسْتَهَلِّ المَدْمَعِ

وإذا تُنَازعكَ الحَدِيثَ رأَيتَها ... حَسَناً تَبسُّمُهَا لَذِيذَ المَكْرَعِ

كَغَرِيضِ سَارِيةٍ أَدرَّتْهُ الصَّبا ... بنزيلِ أسجَرَ طيِّب المُسْتَنْقَعِ

لَعِبَ السُّيُولُ بِهِ فأَصْبحَ مَاؤُهُ ... غَلَلاً تقطَّعَ في أُصُولِ الخِرْوَع

فَسُمَىَّ ويْحَكِ هَلْ عَلِمْتِ بِفتْيَةٍ ... غادَيْتُ لذَّتَهُمُ بأدْكَنَ مُتْرَع

بكَرُوا عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ فصبحْتُهُمْ ... من عَاتِقٍ كَدمِ الذَّبِيحِ مُشَعْشعِ

(1/8)

ومن هذا الجنس قول محمد بن عبد الله السلاماني:

ألا رُبَّمَا هاجت لك الشَّوْق عَرْصَةٌ ... بِمَرّانَ تَمْرِيها الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ

بها رَسْمُ أَطْلاَلٍ وَجثْمٌ خَوَاشِعُ ... علَيْهِنَّ تَبْكِي الهَاتِفَاتُ السَّوَاجعُ

وَبِيضٌ تَهَادَى في الرِّياط كأَنَّها ... مَهَا رَبْوَةٍ طَابَتْ لَهُنَّ الْمراتِعُ

تحَرَّيْنَ مِنَّا مَوْعِداً بعد رِقْبَةٍ ... بِأَعْقَرَ تَعْلُوهُ الشُّروجُ الدَّوَافعُ

فَجِثن هُدُوَّاً والثِّيَابُ كأَنَّهَا مِنَ الطَّلِّ بَلَّتْها الرِّهَامُ النَّوَاشِعُ

طُرُوقاً وأَلجأَنا الهَوَى نَحْوَ رُبْوَةٍ ... بها غفَلتْ عَنَّا العُيُونُ الخَوادِعُ

فلمَّا قَضَيْنا غُصَّةً من عِتَابِنَا ... وقدْ فَاض مِن بَعْد العِتَابِ المَدَامِعُ

جرًى بيْنَنا مِنَّا رَسِيسٌ يزيدُنا ... سقاماً إذا ما اسْتيقنتْهُ المسامِعُ

قَلِلاً وكان اللَّيْلُ في ذاك ساعةً ... وقُمنَ ومعرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ صادِعُ

ووَليّنَ مِنْ وجدٍ بِمِثْلِ الّذِي بِنَا ... وَسَالتْ علَى آثارِهِنَّ المْدَارِعُ

يُزَجِّين بِكْراً يَبْهَرُ الرَّيْطُ متْنَهَا كما مَار ثُعْبَانُ الْغَضا المُتَدَافِعُ

وقُمْنَا إلى خُوصٍ كأَنَّ عُيُونها ... قِلاتٌ تَرَاخى ماؤُها فهُو نَاصِعُ

ومنه بيتان للشماخ يذكر نهيق الحمار:

إذا نَبَرَ التَّعْشِير نبْراً كأنَّهُ ... بِقارِحِهِ مِنْ خَلْفِ نَاجِذِهِ شجِ

بعيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أوّلُ صَوْتِهِ ... سَحِيلٌ وأدْنَاهُ شحيجُ مُحَشْرَجِ

ومنها أبيات لجبيهاء الأشجعي:

أمِنَ الْجَمِيعِ بذِي الْيفَاعِ رُبُوعُ ... رَاعتْ فُؤَادَكَ والرُّبُوعُ تَرُوعُ

مِنْ بعْدِ ما بَلِيَتْ وغيَّرَ آيَها ... قَطْرٌ ومُسْبَلَةُ الذُّيُولِ خَرِيعُ

جوالَةٌ بِرُبى الْمَلاَ غوْليَّةٌ ... برَغامِهِنَّ مُربَّةٌ زُعْزُوعُ

يا صاحِبيَّ ألاَ ارْفعاني إنَّهُ ... يَشْفِى الصُّدَاعَ فَيَذْهَلُ المرْفُوعُ

ألواحَ نَاجيةٍ كأَنَّ تَلِيلَهَا ... جِذْعٌ تُطِيفُ به الرُّقاةُ منِيعُ

في كُلِّ مُطَّرِدِ الدُّفَاقِ كَأَنَّهُ ... نسْرٌ يُرَنِّقُ حَانَ مِنْهُ وُقُوعُ

تَنْجُو إذَا نَجِدَتْ وعارَضَ أوْبَهَا ... سِلَقٌ أَلْحْنَ مِن النِّيَاطِ خَضُوعُ

عرّسْنَ دائِرَةَ الظَّهيرَةِ بَعْدَمَا ... وُغِّرْنَ والحدَقُ الكنِينُ خَشُوعٌ

(1/9)

بأَمقَّ أَغْبَر يَلْتَقِي حنَّانَهُ ... للرِّيحِ بَيْنَ فُرُوعِهِ ترْجِيعُ

يَعْتَسُّ مَنْزِلَهُنَّ أَطْلَسُ جَائِعٌ ... طَيَّانُ يُتْلَفُ مالَهُ ويَضِيعُ

ومثله أيضاً:

وَلَمَّا قَضَيْنَا من منىً كُلَّ حَاجَةٍ ... ومَسَّحَ بالأركانِ منْ هُوَ ماسِحُ

وشُدَّتْ عَلَى دُهْمِ المَهارَى رِحَالُهَا ... ولم يَنْظُرِ الغادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ

أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأحَاديثِ بَيْنناَ ... وَسَالتْ بِأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأبَاطِحُ

نعت الوزن

أن يكون سهل العروض من أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من أكثر نعوت الشعر، منها قصيدة حسان:

ما هَاجَ حسَّانَ رُسُومُ المُقَامْ ... وَمَظْعَنُ الحيِّ وَمَبْنى الخِيامْ

والنُّؤْيُ قد هدَّمَ أعْضَادَهُ ... تقَادُمُ العَهْدِ بِوَادِ تِهامْ

قَدْ أدْرَكَ الوَاشُونَ ما أمَّلُوا ... وَالحبْلُ مِنْ شَعْثاءِ رَثُّ الرِّمَامْ

كأَنَّ فَاهاً ثَغَبٌ بَارِدٌ ... في رصَفٍ تَحْتَ ظِلالِ الْغَمَامْ

ومنها قصيدة طرفة:

من عائِدِي الليْلَةَ أَمْ مَنْ نَصِيحْ ... بِتُّ بنَصْبِ فَفُؤَدِي قَرِيْح

بَانَتْ فَأَمْسَى قلْبُهُ هائِمَاً ... قَدْ شَفَّهُ وَجْدٌ بِهَا ما يُرِيحْ

في سَلَفٍ أَرْعَنَ مُنْفجِرٍ ... يُقْدِمُ أُولى ظُعُنٍ كالطُّلُوحْ

عَالينَ رَقْماً فاخِراً لونُهُ ... منْ عَبْقَرِيٍّ كَنَجِيعِ الذَّبِيحْ

ومثله أبيات للمنخل بن عبيد اليشكري:

ولَقَدْ دخلت عَلَى الفَتَا ... ةِ الخِدْر في اليَوْمِ المَطِيرِ

الكَاعِبِ الحَسْنَاءِ تَرْ ... فلُ في الدّمَقْس وفِي الحَرير

فَدفَعْتُهَا فَتَدافَعَتْ ... مشْى القْطَاةِ إلى الْغَدِيرِ

وَعطَفْتُهَا فَتَعَطَّفَتْ ... كَتَعَطُّفِ الغْصْنِ النَّضِيرِ

وَلَثْمُتها فَتَنَفَّسَتْ ... كَتنفُّسِ الظَّبْيِ الْغَرير

ولَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ المُدَا ... مَةِ بِالكَبِيرِ وَبِالصَّغِيرِ

(1/10)

فإذا سكِرْتُ فَإنَّني ... رَبُّ الخَوَرْنقِ والسَّدِير

وإَذَا صحَوْتُ فَإنَّني ... ربُّ الشُّوَيْهَة والبَعِيرِ

ومثله أبيات كعب بن الأشرف اليهودي:

ربَّ خَالٍ لي لَوْ أَبْصَرْتَهُ ... سبِطِ المِشْيَةِ أباءٍ أنِفْ

لَيِّنِ الجانِبِ في أَقْرَبِهِ ... وَعَلَى الأَعْدَاءِ سَمٌّ كالذُّعُفْ

ولَنَا بِئْرٌ رَواءٌ جَمَّةٌ ... مَنْ يَرِدْهَا بإناءِ يَغْتَرِفْ

ونَخيلٌ في تِلاع جَمَّةٌ ... تُخْرِجُ التَّمْرَ كأَمْثَالِ الأَكُفُّ

وصريرٌ مِنْ محالٍ خِلْتَهُ ... آخِرَ الليلِ أهازِيج بِدُفُّ

الترصيع

ومن نعوت الوزن الترصيع، وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف، كما يوجد ذلك في أشعار كثير من القدماء المجيدين من الفحول وغيرهم، وفي أشعار المحدثين المحسنين منهم.

فمما جاء في أشعار القدماء قول امرئ القيس الكندي:

مِخَشٍّ مِجَشٍّ مُقْبل مُدْبِرٍ معاً ... كَتَيْسِ ظِبَاءِ الحُلَّبِ العَدْوَانِ

فأتى باللفظتين الأوليين مسجوعتين في تصريف واحد، وبالتاليتين لهما شبيهتين بهما في التصريف، وربما كان السجع ليس في لفظة لفظة، ولكن في لفظتين لفظتين بالوزن نفسه كقوله:

ألصُّ الضُّروُسِ حَنِىُّ الضُّسسلُوعِ ... تَبُوعٌ طلوبٌ نَشِيطٌ أشِرْ

وفي قصيدة أخرى سجع في لفظتين لفظتين بالحرف نفسه مثل قوله:

وَأَوْتَادُهُ مَاذِيَّةٌ وَعَمِادُهُ ... رُدَيْنِيَّةٌ فيها أَسِنَّةُ قَعْضَبِ

وقال زهير بن أبي سلمى:

كبْداءُ مُقْبِلَةٌ وَرْكَاءُ مُدْبِرَة ... قَوْدَاءُ فيها إذا اسْتَعْرَضْتَهَا خَضَعُ

فأتى بفعلاء مفعلة تجنيساً للحروف بالأوزان: وقال أوس بن حجر:

جُشَّا حَنَاجِرُها عُلْماً مَشَافِرُهَا ... تَسْتَنُّ أَوْلادُهَا في دَحْضِ أَنْضَاحِ

وقال طرفة:

بطَئٍ عَنِ الْجُلِّى سَرِيعٍ إلى الْخَنَا ... ذَلُولٍ بأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ

(1/11)

وقال عمرو بن أحمر الباهلي:

فَمِثْلُكِ أَلْوَى بِالفُؤَادِ وَزَارَ بال ... عِدَادِ وأَصْحَى فِي الْحَيَاةِ وأَسْكَرَا

وقال النمر بن تولب:

مِنْ صَوْبِ سَارِيَةِ عَلَّتْ بغَاديَةٍ ... تَنْهَلُّ حتى يَكَادُ الصُّبْحُ يَنْجَابُ

وقال:

طَويلُ الذِّرَاعِ قَصِيرُ الْكِرا ... ع يُوَاشِكُ في السَّبْسَبِ الأَغْبَرِ

وقال اللعين المنقري:

مَكيثٌ إذَا اسْترخَى كَمِيش إذا انْتَحَى ... على القرب الأَقْصَى، وشَدَّ له الأَزْرَا

وقال الأسود بن يعفر:

هم الأُسْرَةُ الدُّنْيَا وَهُمْ عدَدُ الْحَصَى ... وإخْوَانُنا من أُمِّنا وأبينَا

وقال أبو زبيد الطائي:

غَيْرُ فاشٍ شَتْماً ولا مُخْلِفٍ طَعْ ... ماً إذَا كَانَ بالسَّدِيفِ السَّبِيكِ

وقال آخر:

قامُوا فَجَاءُوا بِفَكَّاكِ الْعُنَاةِ ومِعْ ... طَاءِ الجزِيل ومأَوى كلِّ مَلْهُوفِ

وقال الأفوه الأودي:

سُودٌ غَدَائِرُها بُلْجٌ مَحَاجِرُهَا ... كأنَّ أْطَرَافَهَا لَمَّا اجْتَلَى الطَّنَفُ

وقال العجير بن عبد الله السلولي

حُمّ الذَّرى مرسلة منه العرى ... وزَجَلات الرَّعْد في غيْر صَعَقْ

وقال سليك بن سلكة:

إذَا أَسْهَلَتْ خَبَّتْ وإن أحْزَنَتْ مَشَتْ ... وتغشى بها بين البُطُونِ وتصدف

وقال الشماخ:

رَعَيْنَ النَّدَى حَتَّى إذَا وَقَدَ الْحصَى ... ولم يَبْقَ من نَوْءِ السَّمَاك يُرُوق

وقال عبيد الراعي:

ضِعَافُ الْقُوى لَيْسُوا كَمَنْ يَبْتَنِى العُلَى جَعَاسِيس قَصَّارُونَ دُونَ المَكَارِمِ

وقال أيضاً:

سُودٌ مَعَاصِمُهَا جُعْدٌ مَعَاقِصُها ... قَدْ مَسَّها من عَقِيدِ الْقَارِ تَفْصِيلُ

(1/12)

وقال بشامة بن عمرو بن الغدير:

هَوَانَ الْحَيَاة وخِزْىَ المَمَاتِ ... وَكُلاً أرَاهُ طعَاماً وَبِيلا

وقالت ليلى الأخيلية: وقَدْ كان مَرْهُوبَ السِّنانَ وَبَيَّنَ الل - سان ومِجْذَامَ السُّرَى غيْرَ فاتِرِ وقال ناهض بن ثومة الكلابي:

صَخُوب الصَّدَى ظمْأَى القطامرَّة السرى ... رَكا ماءَها بين النعام الخرائش

وأكثر الشعراء المصيبين من القدماء والمحدثين قد غزوا هذا المغزى ورموا هذا المرمى، وإنما يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضاً إذا تواتر واتصل في الأبيات كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمل وأبان عن تكلف.

على أن من الشعراء القدماء والمحدثين من قد نظم شعره كله أو إلى بين أبيات كثيرة منه منهم أبو صخر الهذلي، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن يقال فيه إنه غير متكلف، وهو قوله:

وتلك هَيْكَلَةٌ خَوْدٌ مُبَتَّلةٌ ... صفْرَاءُ رَعْبَلَةٌ في مَنْصِبٍ سَنِمِ

عذْبٌ مُقْبَّلُهَا جَدْلٌ مُخَلْخَلُهَا ... كالدِّعْصِ أَسْفَلُهَا مخْصُورةُ الْقَدمِ

سُودٌ ذَوَائِبُهَا بِيضٌ تَرَائِبُهَا ... محْضٌ ضَرَائِبُهَا صِيغَتْ عَلَى الْكَرمِ

عبْلٌ مُقَيَّدُها حَالٍ مَقَلَّدُهَا ... بضٌّ مُجَرَّدُهَا لَفَّاءُ في عَمَمِ

سمْحٌ خَلائِقُهَا دُرْمٌ مَرَافِقُهَا ... يَرْوَى مُعانِقُهَا من بارِدِ الشَّبمِ

كأنَّ مُعْتَقَةً في الدَّنِّ مُغْلَقَةً ... صَهْبَاءَ مُصْفَقَةً مِنْ رَابئٍ رَذِمِ

شيِبَتْ بِمَوْهَبَةٍ من رأَسِ مَرْقَبةٍ ... جَرْدَاءَ مَهْيَبَةٍ في حَالِقِ شَمَمِ

خالَطَ طَعْمَ ثَنَايَاهَا ورِيقتها ... إذا يكون تَوالى النَّجْم كالنُّظُمِ

ومنهم أبو المثلم فإنه قال:

لو كان للدَّهْرِ مالٌ كان متُلْده ... لكان للدَّهْرِ صَخْرٌ مالَ قُنْيَانِ

آبِى الْهَضِيمَةِ نَابٍ بالعَظَيمَةِ مِت ... لافُ الكَرِيمَةِ لا سِقْطٌ ولا وانِى

(1/13)

حامِى الحقيقةِ نَسَّالُ الْوَدِيقَةِ مِعْ ... تَاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غَيْرُ ثُنْيَانِ

رَبّاءُ مَرْقَبَةٍ مَنَّاعُ مَغْلَبةٍ ... وَهَّابُ سَلْهَبَةٍ قَطَّاعُ أَقْرَانِ

هَبَّاطُ أوْدِيَةٍ حَمَّالُ ألْوِيَة ... شَهَّادُ أَنْدِيَةٍ سِرْحَانُ فِتْيَانِ

يُعْطيكَ مَا لا تكادُ النَّفْسُ تُرْسِلُهُ ... مِنَ التِّلادِ وَهُوبٌ غَيْرُ مَنَّانِ

ومثل ذلك للمحدثين أيضاً كثير.

وإنما يذهبون في هذا الباب إلى المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضاً، فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله وآله وسلم، وقد كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ما روى عنه عليه السلام من أنه عوذ الحسن والحسين عليهما السلام فقال: أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة وإنما أراد ملمة، فلا تباع الكلمة أخواتها في الوزن، قال: لامة.

وكذلك ما جاء عنه صلى اله عليه وسلم، أنه قال: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة، فقال: مأمورة من أجل مأبورة والقياس: مؤمرة.

وجاء في الحديث: يرجعن مأزورات غير مأجورات. وإذا كان هذا مقصوداً له في الكلام المنثور، فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن.

نعت القوافي

أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه، وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول، وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره.

وأكثر من كان يستعمل ذلك امرؤ القيس، لمحله من الشعر فمنه قوله:

قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ بِسقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولٍ فَحَوْمَلِ

ثم أتى بعد هذا البيت بأبيات، فقال:

أفَاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صُرْمِى فأَجْمَلِي

ثم أتى بأبيات بعد هذا البيت، فقال:

ألا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإصباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

وقال في قصيدة أخرى أولها:

ألاَ أَنْعَمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي وَهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كَان في العُصُرِ الْخَالِي

(1/14)

وقال بعد بيتين من هذا البيت:

دِيَارٌ لِسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالٍ ... أَلَحَّ عَلَيْهَا كُلُّ أَسْحَمَ هَطَّالِ

ثم قال بعد أبيات أخر:

أَلا إِنَّني بَالِ عَلَى جَمَلٍ بَالي ... يَقُودُ بِنَا بَالٍ وَيَتْبَعُنَا بَالِ

وقال في قصيدة أخرى أولها:

غَشِيتُ دِيَارَ الْحَيِّ بالبَكَرَاتِ ... فَعَارِمَةِ فَبُرْقَةِ العِيرَاتِ

وأتى بيتين، ثم قال:

أعْنِّى عَلَى التَّهْمَامِ والذِّكِرَاتِ ... يَبِتْنَ عَلَى ذِي الهَمِّ مُعْتَكِرَاتِ

وقال في قصيدة أخرى أولها:

عَيْنَاكَ دَمْعُهُمَا سِجَالُ ... كَأَنَّ شَأْنَيْهِمَا أَوْشالُ

وقال بعد أبيات من هذا البيت:

قُلُوبَ خِزّانِ ذي أَوْرَالِ ... قُوتاً كَمَا يُرْزَقُ الْعِيَالُ

وقد سلك هذا السبيل غير امرئ القيس شعراء كثيرون، فمنهم أوس قال في قصيدة أولها:

وَدِّعْ لَمِيسَ وَدَاعَ الصَّارِمِ اللاحي ... قَدْ فَتَكَتْ فِي فَسَادٍ بَعْدَ إِصْلاحِ

ثم أتى بأبيات وقال:

إني أَرِقْتُ ولَم تأْرقْ مَعِي صَاحِ ... لِمُسْتَكِفٍّ بَعِيدِ النَّومِ لَوَّاحِ

ومنهم مرقش قال في قصيدة أولها:

أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ مَاءُ عَيْنَيْكَ يَسْفَحُ غَدَا مِنْ مُقَامٍ أَهْلُهُ وَتَرَوَّحُوا

ثم أتى ببيت وقال:

أَمِنْ بنتِ عَجْلانَ الْخَيَالُ الْمُطَرَّحُ ... أَلَمَّ ورَحْلِي سَاقِطٌ مُتَزَحْزِحُ

وقال حسان بن ثابت من قصيدة أولها:

ألم تَسْأَل الرَّبْعَ الْجَدِيدَ التَكَلُّمَا ... بِمَدْفَعِ أشداَخ ٍفبُرْقَةِ أظلَمَا

وقال البيت التالي لهذا:

أبَى رسمُ دارِ الحيِّ أنْ يتكلمَا ... وهلْ ينطقُ المعروفَ من كانَ أبكَمَا

(1/15)

وقال الشماخ قصيدة أولها:

ألا نَادِيَا أظعانَ لَيْلَى تُعَرِّجِ ... فقد هَجْنَ شوقاً ليتُه لَمْ يُهَيَّج

ثم أتى بأبيات وقال:

ألا ادْلَجَتْ لَيْلاكَ من غير مُدْلِجٍ ... هَوَى نَفْسِها إذا أَدْلَجَتْ لم تُعَرّجِ

وقال عبيد بن الأبرص قصيدة أولها:

أقفرَ من أَهْلِهِ مَلْحُوبُ ... فَالقطَبِيّاتُ فَالذَّنُوبُ

ثم أتى بأبيات وقال:

أرضٌ تَوَارَثَها شَعُوب ... فكلُّ مَنْ حَلَّهَا مَحْرُوب

ثم أتى بأبيات وقال:

والْمَرْءُ ما عاش في تكذيبِ ... طُولُ الحياةِ له تعذيبٌ

وقال الراعي قصيدة أولها:

أبتْ آياتُ حُبِّى أن تُبِينَا ... لنا خَبَراً فأَبْكَيْنَ الحزينَا

ومن الشعراء من ربما أغفل التصريع في البيت الأول، فأتى به في بعض الأبيات من القصيدة فيما بعد.

قال ابن أحمر الباهلي قصيدة أولها:

قد بكرتُ عاذِلتي بكرةً ... تزعمُ أني بالصِّبا مُشْتَهِرْ

فلم يصرع أول القصيدة، وأتى ببيتين بعد الأول، ثم قال:

بل وَدِّعيني طَفْلَ إني بَكُرْ ... وَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ فما أَنْتَظِرْ

وقال ابن أحمر أيضاً من قصيدة أولها:

لعَمْرِيَ ما خلفتُ إلا لما أرى ... وَرَاءَ رجالٍ أسلموني لما بِيَا

فأتى بالأول غير مصرع، وقال أبياتاً بعده، ثم قال:

فأمسى جنابُ الشَّوْل أغبَرَ كابيَا ... وأمسى جنابُ الحيِّ أبلجَ وارِيا

وقال أمية بن حرثان بن الأسكر الكناني قصيدة أولها:

أصبحتُ هزءاً لراعِي الضأن أُعْجِبُهُ ... ماذا يُريبُك مِنِّي راعِيَ الضانِ

(1/16)

فلم يصرع أول بيت، وأتى بعده ببيت واحد، ثم قال:

يا ابني أميةَ إنِّي عنكما غاني ... وما الغِنى غيرُ أني مشعرٌ فانِي

وإنما يذهب الشعراء المطبوعون المجيدون إلى ذلك، لان بنية الشر إنما هو التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالاً عليه كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر.

نعوت المعاني الدال عليها الشعر

جماع الوصل لذلك أن يكون المعنى مواجهاً للغرض المقصود، غير عادل عن الأمر المطلوب.

ولما كانت أقسام المعاني التي يحتاج فيها إلى أن تكون على هذه الصفة مما لا نهاية لعدده، ولم يمكن أن يؤتى على تعديد جميع ذلك، كي يبلغ آخره، رأيت أن أذكر منه صدراً ينبئ عن نفسه، ويكون مثالاً لغيره، وعياراً لما لم أذكره، وأن أجعل ذلك في الأعلام من أغراض الشعراء، وما هم له أكثر دوساً، وعليه أشد دوماً، وهو المديح والهجاء والمرائي والتشبيه والوصف والنسيب.

الغلو والاقتصار

وأقدم أمام كلامي في هذه الأقسام قولاً يحتاج إلى تقديمه، وهو أني رأيت الناس مختلفين في مذهبين من مذهب الشعر، وهما الغلو في المعنى إذا شرع فيه، والاقتصار عل الحد الأوسط فيما يقال منه، وأكثر الفريقين لا يعرف من أصله ما يرجع إليه ويتمسك به، ولا من اعتقاد خصمه ما يدفعه ويكون أبداً مضاداً له، لكنهم يخبطون في ظلماء، فمرة يعمد أحد الفريقين إلى ما كان من جنس قول خصمه فيعتقده، ومرة يعمد إلى ما جانس قوله في نفسه فيدفعه ويعتقد نقضه، وقد شهدت أنا، ممن هذه سبيله، قوماً يقولون إن قول مهلهل ابن ربيعة:

فلولا الريحُ أسمعُ أهل حَجْرٍ ... صليل البيضِ تقرعُ بالذكور

خطأ من أجل أنه كان بين موضع الوقعة التي ذكرها وبين حجر مسافة بعيدة جداً.

وكذلك يقولون في قول النمر بن تولب:

أبقى الحوادثُ والأيامُ من نَمْرٍ ... أسْبَادَ سيفٍ قديمٍ إثرُه بادِ

(1/17)

تظلُّ تحْفِرُ عنه إن ضَرَبْتَ بهِ ... بَعْد الذراعينِ والسَّاقينِ والهادِي

وكذلك في قول أبي نواس:

وأخفْت أهل الشركِ حتى أنهُ ... لتخافُك النطفُ التي لم تُخْلَقِ

ثم رأيت هؤلاء بأعيانهم في وقت آخر يستحسنون ما يروون من طعن النابغة على حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله:

لنا الجَفْنَاتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحَى ... وأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَمَا

وذلك أنهم يرون موضع الطعن على حسان إنما هو قوله: الغر، وكان ممكناً أن يقول: البيض، لان الغرة: بياض قليل في لون آخر غيره كثير، وقالوا فلو قال: البيض، لكان أكثر من الغر.

وفي قوله: يلمعن بالضحى، ولو قال: بالدجى، لكان أحسن.

وفي قوله: وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً، قالوا: ولو قال: يجرين، لكان أحسن، إذ كان الجري أكثر من القطر.

فلو أنهم يحصلون مذاهبهم لعلموا أن هذا المذهب في الطعن على شعر حسان غير المذهب الذي كانوا معتقدين له من الإنكار على مهلهل، والنمر، وأبي نواس، لأن المذهب الأول إنما هو لمن أنكر الغلو، والثاني لمن استجاده، فإن النابغة - على ما حكى عنه - لم يرد من حسان إلا الإفراط والغلو بتصييره مكان كل معنى وضعه ما هو فوقه وزائد عليه، وعلى أن من أنعم النظر علم أن هذا الرد على حسان من النابغة - كان أو من غيره - خطأ بين، وأن حسان مصيب، إذ كانت مطابقة المعنى بالحق في يده، وكان الراد عليه عادلاً عن الصواب إلى غيره.

فمن ذلك أن حسان لم يرد بقوله: الغر، أن يجعل الجفان بيضاً، فإذا قصر عن تصيير جميعها أبيض نقص ما أراده، وإنما أراد بقوله: الغر، المشهورات، كما يقال يوم أغر ويد غراء، وليس يراد البياض في شيء من ذلك، بل تراد الشهرة والنباهة.

وأما قول النابغة في: يلمعن بالضحى، أنه لو قال: بالدجى، لكان أحسن من قوله: بالضحى، إذ كل شيء يلمع بالضحى، فهو خلاف الحق وعكس الواجب، لأنه ليس يكاد يلمع بالنهار من الأشياء إلا الساطع النور الشديد الضياء، فأما الليل فأكثر الأشياء، مما له أدنى نور وأيسر بصيص، يلمع فيه، فمن ذلك الكواكب، وهي بارزة لنا مقابلة لأبصارنا، دائماً تلمع

(1/18)

بالليل ويقل، لمعانها بالنهار حتى تخفى، وكذلك السرج والمصابيح ينقص نورها كلما أضحى النهار، والليل تلمع فيه عيون السباع لشدة بصيصها، وكذلك اليراع حتى تخال ناراً.

وأما قول النابغة، أو من قال: إن قوله في السيوف: يجرين، خير من قوله: يقطرن، لأن الجري أكثر من القطر، فلم يرد حسان الكثرة، وإنما ذهب إلى ما يلفظ به الناس ويتعاودونه من وصف الشجاع الباسل والبطل الفاتك بأن يقولوا: سيفه يقطر دماً، ولم يسمع: سيفه يجري دماً، ولعله لو قال: يجرين دماً، لعدل عن المألوف المعروف من وصف الشجاع النجد إلى ما لم تجر عادة العرب به.

ولنرجع إلى ما بدأنا بذكره من الغلو والاقتصار على الحد الأوسط، فأقول: إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديماً.

وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر أكذبه.

وكذلك يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم.

ومن أنكر على مهلهل والنمر وأبي نواس قولهم المقدم ذكره، فهو مخطئ، لأنهم وغيرهم - ممن ذهب إلى الغلو - إنما أرادوا به المبالغة، وكل فريق إذا أتى من المبالغة والغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم، فإنما يريد به المثل وبلوغ النهاية في النعت، وهذا أحسن من المذهب الآخر، فإن قول النابغة الجعدي في معنى قول النمر على مذهب الاقتصاد ولزوم الحد الأوسط:

وَقَدْ أَبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنِّي ... كَمَا أَبْقَتْ مِنَ السَّيْفِ الْيَمَانِي

دون قول النمر، لأن في قول النمر دليلاً قوياً على أن ما بقي منه أكثر مما بقي من النابغة.

وكذلك قول كعب بن مالك الأنصاري في معنى قول مهلهل ووصفه صوت الضرب:

مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بَعْضُهُ ... بَعْضاً كَمَعْمَعَةِ الأبَاءِ المُحْرَقِ

دون قول مهلهل، لأن في قول المهلهل ما يدل على أن الضرب الذي ذكره أشد وأبلغ.

وكذلك قول الحزين الكناني في معنى قول أبي نواس:

يُغْضِى حياءً ويُغْضَى من مَهَابَتِهِ ... فما يكَلَّمَ إلا حينَ يَبْتَسِمُ

دون قول أبي نواس، لأن هذا وإن كان قد وصف صاحبه، بما دل على مهابته، فإن في قول أبي نواس دليلاً على عموم المهابة ورسوخه في قلب الشاهد والغائب، وفي قوله: حتى إنه لتهابك، قوة لتكاد تهابك، وكذا كل غال مفرط في

(1/19)

الغلو إذا أتى بما يخرج عن الموجود فإنما يذهب فيه إلى تصييره مثلاً، وقد أحسن أبو نواس حيث أتى بما ينبئ عن عظم الشيء الذي وصفه.

وإذ قدمت ما أردت تقديمه، فلنرجع إلى ذكر واحد من المعاني الستة التي قلت إنها الأعلام من أغراض الشعراء في المعاني، فأبدأ أولاً بذكر المديح.

نعت المدح

ما أحسن ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصف زهير حيث قال: إنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، فإن في هذا القول، إذا فهم وعمل به، منفعة عامة، وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا بما يكون لهم وفيهم، فكذا يجب أن لا يمدح شيء غيرهم إلا بما يكون له وفيه، وبما يليق به ولا ينافره، ومنفعة أخرى ثانية وهي توكيد ما قلنا في أول كلامنا في المعاني من أن الواجب فيها قصد الغرض المطلوب على حقه وترك العدول عنه إلى ما لا يشبهه.

ولما كان المدح اسماً مشتركاً لمدح الرجال وغيرهم، عمدنا بالقول في مدح الرجال، إذ كان غرض الشعراء في الأكثر إنما هو مدحهم للرجال، إلا ما يستعملون من أوصاف النساء، فإن ذلك له قسم آخر سنأتي به فيما بعد إن شاء الله تعالى، وعلمنا أنا إذا أخذنا في التعريف بجودة مدح الرجال كيف يكون، فقد يتعلم من حواشي قولنا في هذا كيف تسلك السبيل إلى مدح غيرهم، فنقول: إنه لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك، إنما هي العقل والشجاعة والعفة، كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيباً، والمادح بغيرها مخطئاً؛ ثم قد يجوز مع ذلك أن يقصد الشاعر للمدح منها بالبعض والإغراق فيه دون البعض، مثل أن يصف الشاعر إنساناً بالجود الذي هو أحد أقسام العدل وحده، فيغرق فيه ويفتن في معانيه، أو بالنجدة فقط، فيعمل فيها مثل ذلك أو بهما، ويقتصر عليهما دون غيرهما، فلا يسمى مخطئاً لإصابته في مدح الإنسان ببعض فضائله، لكن يسمى مقصراً عن استكمال جميع المدح.

فقد وجب أن يكون على هذا القياس المصيب من الشعراء من مدح الرجال بهذه الخلال لا بغيرها، والبالغ في التجويد إلى أقصى حدوده من استوعبها ولم يقتصر على بعضها، وذلك كما قال زهير بن أبي سلمى في قصيدة:

(1/20)

أخي ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مَالَه ... ولكنَّه قد يُهلِك المالَ نائلُهْ

فوصفه في هذا البيت بالعفة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد ماله فيها، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العدل، ثم قال:

تراه إذا ما جِئْتَه مُتَهَلِّلاً ... كأَنَّك مُعْطيهِ الذي أنت سائِلُهْ

فزاد في وصف السخاء منه بأن جعله يهش له، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله، ثم قال:

فَمَن مثلُ حِصْنٍ في الحروبِ ومِثْله ... لإنكار ضَيْمٍ أو لخَصْمٍ يُجادِلُهْ

وأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوعب زهير، في أبياته هذه، المدح بالأربع الخصال التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد في ذلك الوفاء، وهو وإن كان داخلاً في هذه الأربع، فكثير من الناس لا يعلم وجه دخوله فيها، حيث قال: أخي ثقة، صفة له بالوفاء، والوفاء داخل في الفضائل التي قدمنا ذكرها.

وقد يتفنن الشعراء في المديح بأن يصفوا حسن خلق الإنسان، ويعددوا أنواع الأربع الفضائل التي قدمنا ذكرها وأقسامها وأصناف تركيب بعضها مع بعض، وما أقل من يشعر بأن ذلك داخل في الأربع الخلال على الانفراد أو بالتركيب، إلا أهل الفهم، مثل أن يذكروا من أقسام العقل: ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والكفاية، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى.

ومن أقسام العفة: القناعة، وقلة الشره، وطهارة الإزار، وغير ذلك مما يجري مجراه.

ومن أقسام الشجاعة: الحماية والدفاع، والأخذ بالثأر، والنكاية في العدو، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه الموحشة والقفار، وما أشبه ذلك.

ومن أقسام العدل: السماحة، ويرادف السماحة: التغابن، وهو من أنواعها، والانظلام، والتبرع بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف، وما جانس ذلك.

وأما تركيب بعضها مع بعض، فيحدث منه ستة أقسام: أما ما يحدث عن تركيب العقل مع الشجاعة: فالصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد.

وعن تركيب العقل مع السخاء: البر، وإنجاز الوعد، وما أشبه ذلك.

وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه، فالرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك.

وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإتلاف والإخلاف،

(1/21)

وما أشبه ذلك.

وعن تركيب الشجاعة مع العفة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم.

وعن السخاء مع العفة: الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك.

وجميع هذه التركيبات قد يذكرها الشعراء في أشعارهم، وسأذكر من جيد ما قالوه في ذلك صدراً إن شاء الله تعالى، إلا أني أبدأ قبل ذلك فأقول: إن كل واحدة من هذه الفضائل الأربع ذكرها، وسط بين طرفين وقد وصف شعراء مصيبون متقدمون قوماً بالإفراط في هذه الفضائل، حتى زال الوصف إلى الطرف المذموم، وليس ذلك منهم إلا كما قدمنا القول فيه في باب الغلو في الشعر من أن الذي يراد به إنما هو المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء.

ومن الأخبار التي يحتاج إلى ذكرها في هذا الموضع وشرح الحال فيها، ليكون ذلك مثالاً يبنى الأمر عليه. ويعلم به ما يأتي من مثله. أن كثيراً أنشد عبد الملك بن مروان قوله فيه:

على ابنِ أبي العاصِي دِلاصٌ حَصينةٌ ... أجادَ الْمُسَدِّي سرْدَها وأذالها

يَؤودُ ضَعِيفَ القَوْمِ حَمْلُ قَتِيرهَا ويَسْتَطْلِعُ القَرْمُ الأشمُّ احْتِمَالَهَا

فقال له عبد الملك: قول الأعشى لقيس بن معدي كرب أحسن من قولك، حيث يقول له:

وإذا تَجِيء كتيبةٌ مَلْمُومَةٌ ... شَهْبَاءُ يَخْشَى الذائِدُونَ نِهالهَا

كُنْتَ المقَدَّمَ غَيْرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أَبْطَالَهَا

فقال: يا أمير المؤمنين، وصفتك بالحزم والعزم، ووصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق.

والذي عندي في ذلك أن عبد الملك أصح نظراً من كثير. إلا أن يكون كثير غالط واعتذر بما يعتقد خلافه، لأنه قد تقدم من قولنا في أن المبالغة أحسن من الاقتصار على الأمر الأوسط ما فيه كفاية، والأعشى بالغ في وصف الشجاعة حيث جعل الشجاع شديد الإقدام بغير جنة، على أنه وإن كان لبس الجنة أولى بالحزم وأحق بالصواب، ففي وصف الأعشى دليل قوي على شدة شجاعة صاحبه، لا أن الصواب له ولا لغيره إلا لبس الجنة، وقول كثير يقصر عن الوصف.

فلنرجع إلى ذكر مدائح الشعراء المحسنين، ثم نأتي بعد

(1/22)

ذلك بصدر يشتمل على افتنانهم في المدح؛ ليكون مثالاً لما تقدم الإخبار عنه، وعبرة في اختيارات المدائح، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

يَطْلُبُ شأَوَ امْرَأَيْنِ قَدَّماً حَسَناً ... نالا المُلُوكَ وبِذَا هذِهِ السُّوقَا

هُوَ الجَوَادُ فَإِنْ يَلْحَقْ بشأوِهِمَا ... عَلَى تكالِيِفِهِ فَمِثْلُهُ لَحِقَا

أوْ يَسْبِقَاهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ مَهَلٍ فَمِثْلُ مَا قَدَّمَا مِنْ صالِحٍ سَبَقَا

ومن هذه القصيدة:

مَنْ يَلْق يَوْماً على علاتِهِ هرِماً ... يلقَ السماحةَ منهُ والندَى خلقَا

ليثٌ بعثرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما كذبَ الليثُ عن أقرانهِ صدقَا

يطعنهمُ ما ارتموا حتَّى إذا طعنُوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضاربُوا اعتنقا

فضل الجوادِ على الخيلِ البطاءِ فلا ... يعطِي بذلك ممنوناً ولا نزقا

هذا وليسَ كمنْ يعيَا بخطبَتِهِ ... وسْط الندىِّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا

لو نال حيٌّ من الدنيَا بمكرمَةٍ ... أفقَ السماءِ لنالتْ كفهُ الأفُقا

ومن كلمة أخرى لزهير:

هنالك إن يستخبَلُوا المال يُخْبِلُوا ... وإن يسألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا

وفيهمْ مقاماتٌ حسان وجوهها ... وأنديةٌ ينتابُها القَوْلُ والفِعْلُ

وإنْ جئتهمْ ألفيتَ حَوْل بيوتِهِم ... مَجَالِسَ قد يُشْفَى بِأَحْلامِهَا الجَهْلُ

على مُكْثِرِيهمْ حقُّ من يعتريهمُ ... وعندَ المقلينَ السماحَةُ والبَذْلُ

سَعَى بعدهُمْ قومٌ لِكَيْ يدركوهُمْ ... فَلَمْ يدركُوا ولم يُلامُوا ولم يأْلُوا

فَما كانَ من خيْرٍ أتوهُ فإنمَا ... توارثهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

وهَلْ ينبتُ الخطىَّ إلا وشيجُه ... وتغْرَسُ إلا في منابِتهَا النَّخْلُ

ولزهير يمدح بني الصيداء:

إني سترحَلُ بالْمَطِيِّ قصائِدِي ... حتَّى تَحُلَّ عَلَى بَنِي وَرْقاءِ

مدحاً لهم يتوارثونَ ثناءَهَا ... رَهْنٌ لأخِرِهِمْ بطُولِ بقاءِ

حلماء في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء

مَنْ سالموا نالَ الكرامَة كُلَّهَا ... أو حارَبُوا ألوَى مع العَنْقَاء

(1/23)

وله:

إن البخيلَ ملومٌ حيثُ كانَ ولَك ... نَّ الجوادَ على علاتهِ هرمُ

هوَ الجوادُ الذي يعطيكَ نائلَه ... عفْواً ويظلمُ أحياناً فَيَظَّلِمُ

ومن ذلك قول الحطيئة في بني بغيض:

وإنَّ التي نكبتَها عنْ مَعَاشِرٍ ... عليِّ غضاب أن صددتُ كما صدُّوا

أتتْ آل شماسِ بن لأي وإنمَا ... أتاهمْ بها الأحلامُ والحسبُ العِدُّ

ومنها:

يسوسونَ أحلاماً بعِيداً أناتُها ... وإن غضِبُوا جاءَ الحفيظةُ والجدُّ

أقلوا عليهمْ لا أباً لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدُّوا المكانَ الذي سدُّوا

أولئكَ قومٌ إن بَنَوْا أحسَنُوا البِنَا ... وإن عاهدُوا أوفَوْا وإن عَقَدُوا شدُّوا

وإن كانَتْ النعمَى عليهم جَزَوْا بِهَا ... وإن أنعَمُوا لاكدروهَا ولا كدُّوا

وتعذلِني أفناءُ سَعْدٍ عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالذِي علمتْ سَعْدُ

ومن ذلك قول الأخطل:

صُمٌّ عن الجَهْلِ عن قيلِ الخَنا خُرُسٌ ... إذا ألَمَّتْ بهم مكروهةٌ صبَرُوا

شمسُ العداوةِ حتى يستقادَ لهمْ ... وأعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا

ومن ذلك ما أنشدنا أحمد بن يحيى:

ميامينُ يرضونَ السياسَةَ إن كُفُوا ... ويَكْفُون إن ساسُوا بِغَيْرٍ تَكَلُّفِ

إذا صرفوا للحقِّ يوماً تَصَرَّفُوا ... إذا الجاهِلُ الحَيْرَانُ لم يَتَصَرَّفِ

وإن كانَ فيهم موسرٌ يغْنِ فَضْلُهُ ... وإن كانَ فيهمْ مُعْسِرٌ يَتَعفَّفِ

وأنشدنا أيضاً:

وفتيانِ صِدْقٍ يا يبثنَ صحبْتُهُمْ ... يزيدهمُ هَوْلُ الجَنَابِ تاسِيَا

فإن يكُ خيراً يُحْسنُوا ملأ به ... وإن يكُ شراً يحسبوهُ تحاسيَا

وأنشدنا أيضاً:

إذا المحلُ أنسى العفةَ الناسَ ذببتْ ... وحامتْ عن الأحسابِ بكرُ بن وائلِ

(1/24)

بهم بعضُ ما بالناسِ لكن يَرُدُّهُم ... حَياً وعفافٌ عن دنئٍ المآكلِ

وأنشدنا:

يذكرني بشراً بكاءُ حمامةٍ ... على فنَن من بَطْنِ بِيشَةَ مائِلِ

فَتى مِثْلُ صَفْوِ الماءِ ليسَ بباخلٍ ... بخيرٍ ولا مُهْدٍ مَلاماً لباخِلِ

ولا مظهرٍ أحدوثةَ السوءِ معجباً ... بإعلانِهَا في المَجْلِسِ المتقابِلِ

ترى أهلهُ في نِعْمَةٍ وهو شاحِبٌ ... طَوِى البطنِ مخماصُ الضحَى والأصائِلِ

وأنشدنا لمحمد بن زياد الحارثي:

تخالهمُ للحلْم صُماً عن الخنا ... وَخُرْساً عن الفَحْشَاءِ عِنْد التهاجُرِ

ومَرْضَى إذا لاقوا حياءً وعفةً ... وعند الحفاظِ كالليوثِ الخوادِرِ

لَهُمْ ذُلُّ إنصافٍ ولينُ تواضُعٍ ... ومِنْ عِزِّهم ذلَّتْ رقابُ المَعَاشِرِ

كَأَنَّ بهمْ وصْماً يخافونَ عارَهُ ... وليسَ بهمْ إلا اتقاءُ المعايِرِ

ثم من الشعراء الآن من يجمل المديح، فيكون ذلك باباً من أبوابه حسناً أيضاً، لبلوغه الإرادة، مع خلوه من الإطالة، وبعد من الإكثار، ودخوله في باب الاختصار.

فمن ذلك قول الحطيئة:

تزورُ امراً يعطِى على الحَمْدِ مالهُ ... ومن يعطِ أثمانَ المكارمِ يحمدِ

يرى البخل لا يُبْقِى على المرءِ مالَهُ ... ويعلمُ أن المالَ غيرُ مخلَّدِ

كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألتَهُ ... تهَلَّلَ واهْتَزَّ اهتزازَ المُهَنَّدِ

متَى تَأتِهِ تعشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندهَا خيرُ موقِدِ

فقد تصرف في الأبيات الأول في أصناف المديح المتقدم ذكرها، وأتى بجماع الوصف وجملة المديح على سبيل الاختصار في البيت الأخير.

ومن ذلك قول الشماخ:

رأيتُ عرابة الأوسيَّ يَسْمُو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ

إذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ ... تلقاهَا عرابةُ باليمينِ

وقد أومأ أبو السمط مروان بن أبي حفصة في مدحه شراحيل بن معن بن زائدة

(1/25)

إيماء موجزاً ظريفاً، أتى على كثير من المدح باختصار وإشارة بديعة، حيث قال:

رأيت ابن معنِ أنطقَ الناسَ جودهُ ... فكلَّف قول الشعرِ من كانَ مفحمَا

وأرخصَ بالعدلِ السلاحَ بأرضنا ... فما يبلغُ السيفُ المهندُ درهمَا

ومن الشعراء أيضاً من يغرق في المدح بفضيلة واحدة أو اثنتين، فيأتي على آخر ما في كل واحدة منهما أو أكثره، وذلك، إذا فعل، مصاب به الغرض في الوقوع على الفضائل، ومقصر عن المدح الجامع لها؛ لكنه يجود المديح حينئذ كلما أغرق في أوصاف الفضيلة، وأتي بجميع خواصها أو أكثرها، وذلك مثلاً في الجرأة والإقدام، كما قال الفرزدق لسالم الغداني، حين قتل قاتل أخيه، العائذ بجوار عبد الملك:

إذا كنتَ في دارٍ تخافُ بها الردَى ... فصممْ كتصميم الغدانيِّ سالِم

سخَا طلباً للوترِ نفْساً بموتِهِ ... فماتَ كريماً عائِفاً للملائِم

نقيُّ ثيابِ الذكرِ من دنَس الخَنَا ... يناجِي ضميراً مستدفَّ العزائمِ

إذا همَّ أفرَى ما بهِ همَّ ماضياً ... على الهَوْلِ طلاعاً ثنايَا العظائمِ

ولما رأى السلطانَ لا ينصفونهُ ... قضَى بينَ أيديهمْ بأبيضَ صارمِ

أقسام المدح

وقد ينبغي أن يعلم مدائح الرجال، وهي التي صمدنا الكلام فيها في هذا الباب، تنقسم أقساماً بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، وضروب الصناعات، والتبدي والتحضر، وأنه يحتاج إلى الوقوف على المعنى بمدح كل قسم من هذه الأقسام.

مدح الملوك

فأما إصابة الوجه في مدح الملوك، فمثل قول النابغة الذبياني في النعمان بن المنذر:

ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترَى كل ملكٍ دونَهَا يتذبذَبُ

بأنكَ شمسٌ والمُلُوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبْدُ منهنَّ كوكبُ

ومثل ذلك قول نصيب في سليمان بن عبد الملك:

أقولُ لركبٍ قافِلينَ لقيتُهُمْ ... قَفَا ذاتِ أوشالٍ ومولاك قارِبُ

(1/26)

قفُوا خبرونِي عن سليمانَ إنَّني ... لمعروفِهِ من أَهْل ودانَ طالبُ

فعاجُوا فأثنوْا بالذِي أنت أَهْلُهُ ... ولو سكَتُوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ

هوَ البدرُ والناسُ الكواكبُ حولهُ ... وهل يشبهُ البدرَ المضيءَ الكواكبُ

ومثل قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه وهو عامل مصر:

لمَّا وقفتُ عليهِ في الجُموع ضحىً ... وقدْ تعرضتِ الحجابُ والخِدَمُ

حييتُهُ بسلامٍ وهوَ مرتفقٌ ... وضجةُ القومِ عندَ الباب تزدحِمُ

في كفهِ خيزرانٌ ريحُهُا عبقٌ ... من كفِّ أروعَ في عرنينهِ شممُ

يغضى حياءً ويغضَى من مهابَتِهِ ... فَمَا يكلمُ إلا حينَ يبتسِمُ

كلتَا يديهِ ربيعٌ غيرُ ذي خَلَفٍ ... هُذِي خروجٌ وهذِي عارض هَزِمُ

ومثل قول أبي العتاهية في الهادي بن المهدي:

يَضْطَرِبُ الخَوْفُ والرجاءُ إذا ... حرَّكَ موسَى القضيبَ أو فَكَّرْ

مدح ذوي الصناعات

وأما مدح ذوي الصناعات، فأن يمدح الوزير والكاتب بما يليق بالفكرة والروية وحسن التنفيذ والسياسة، فإن انضاف إلى ذلك الوصف بالسرعة في إصابة الحزم والاستغناء بحضور الذهن عن الإبطاء لطلب الإصابة، كان أحسن وأكمل للمدح، كما قال:

بَدِيهتُهُ وفِكْرَتُهُ سوَاءٌ ... إذا بعُدَ الصوابُ من المُشير

وكما قال أشجع:

بديهتُهُ مثلُ تفكيرهِ ... مَتَى رُمْتَهُ فهوَ مستجمِعُ

وكما قال منصور النمري:

وليْسَ لأعباءِ الأمورِ إذا اعْتَرَتْ ... بمكترثٍ لكنْ لهنَّ صبورُ

يرَى ساكِنَ الأوصالِ باسطَ وجههِ ... يريكَ الهوينَا والأمورُ تطيرُ

مدح القائد

وأما مدح القائد فيما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب شدة البطش والبسالة، فإن أضيف إلى ذلك المدح بالجود والسماحة والتخرق في البذل والعطية، كان المديح حسناً، والنعت تاماً، إذ كان لهم السخاء أخا الشجاعة، وكانا في أكثر الأمور

(1/27)

موجودين في بعداء الهمم وأهل الإقدام والصولة.

وذلك كما قال بعض الشعراء في جمع البأس والجود:

فتىً دهرُهُ شطرانِ فيمَا ينوبُهُ ... ففِي بأسه شطرٌ وفي جودِهِ شَطْرُ

فلا من بغاةِ الخَيْر في عَيْنِهِ قَذَىً ... ولا منْ زئير الحرْب في أذنه وَقْرُ

وكما قال منصور النمري في إفراده ذكر البأس وحده:

تَرَى الخيلَ يومَ الروعِ يظمأنَ تَحْتَهُ ... وتروَى القَنَا في كَفِّه والمناصِلُ

حلالٌ لأطراف الأسنَّة نَحْرُهُ ... حرامٌ عليها متنُهُ والكَوَاهِلُ

وكما قال بشار بن برد:

ألا أيُّها الحاسِدُ المُبْتَغِى ... نجومَ السماءِ بسعيٍ أممْ

سمِعْت بمكرمةِ ابنِ العلاءِ ... فأنشأَت تطلبُهَا لَسْتَ ثَمْ

إذا عرضَ اللهوُ في صدرهِ ... لهَا بالعطاءَ وضرْبِ البَهَمْ

يَلَذُّ العَطَاءَ وسَفْكَ الدماءِ ... فيَغْدُو عَلَى نِعمِ أو نِقَمْ

فقُلْ للخليفةِ إن جئتهُ ... نصيحاً ولا خيرَ فِي المتهمْ

إذَا أيقظتكَ حروبُ العدَى ... فنبهْ لها عُمَراً ثُمَّ نَمْ

فتىً لا ينامُ عَلَى دِمْنَةٍ ... ولا يشربُ الماءَ إلا بدَمْ

مدح السوقة

وأما مدح السوقة من البادية والحاضرة، فينقسم قسمين، بحسب انقسام السوقة إلى المتعيشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب، وإلى الصعاليك والخراب والمتلصصة ومن جرى مجراهم.

فمدح القسم الأول: يكون بما يضاهي القضائل النفسانية التي قدمنا ذكرها خالياً من مثل مدح الملوك ومن قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب والقواد، وذلك مثل قول الشاعر:

متراحمينَ ذوُو يسارِهِمُ ... يتعاطفونَ علَى ذوِي الفقرِ

وذوُو معاسرِهم كأنهمُ ... من صِدْقِ عفتِهِمْ ذوُو وَفْرِ

متجملينَ لطيبِ خيمهمُ ... لا يهلعونَ لنبوَة الدهرِ

ومدح القسم الثاني يكون بما يضاهي المذهب الذي يسلكه أهله من الإقدام

(1/28)

والفتك والتشمير والجلد والتيقظ والصبر، مع التخرق والسماحة، وقلة الاكتراث للخطوب الملمة، كما قال تأبط شراً يمدح شمس ابن مالك:

إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌ ... به لابْنِ عمِّ الصِّدْقِ شمسْ بن مالك

أهزُّ بهِ في ندوَة الحيَّ عِطْفَهِ ... كما هَزَّ عِطْفِي بالهجانِ الأواركِ

لطيفُ الحوايَا يقسمُ الزادَ بينه ... سواءً وبين الذئب قسمَ المشاركِ

يظلُّ بموماةٍ ويمْسِى بغيرها ... جَحِيشاً ويعروْرِي ظهورَ المهالكِ

كأنَّ بهِ في البُرْدِ أثناءَ حَيَّةٍ ... بعيدُ الخُطَى شتى النَّوَى والمسالِكِ

وَيسسْقُ وفد الريحِ من حيثُ تنتحِي ... بمنخرقٍ من شدهِ المتداركِ

إذا خاطَ عينيهِ كرَى النوم لم يَزَل ... لهُ كالئ من قلبِ شيخانَ فاتكِ

وإن طلعتْ أولَى العدىِّ فنفرهُ ... إلى سلةٍ من صارِم الغربِ باتكِ

إذا هزهُ في عظم قرنِ تهللتْ ... نواجذُ أفواهِ المنايَا الضواحكِ

قليلُ التشكِّي للمهمِّ يصيبهُ ... رحيبُ مناخِ العِيس سهلُ المباركِ

وقال أبو كبير الهذلي:

ولقدْ سريتُ على الظلامِ بمغشمٍ ... جلدٍ من الفتيانِ غيرِ مثقلِ

ممنْ حملن به وهنَّ عواقدٌ ... حبكَ النطاقِ فشبَّ غيرَ مهبلِ

حملتْ بهِ في ليلةٍ مزؤودةٍ ... كرهاً وعقدُ نطاقهَا لمْ يحللِ

فأتتْ به حوشَ الفؤادِ مبطّناً ... سهداً إذا ما نامَ ليلُ الهوجلِ

ومبرأً من كلِّ غبرِ حيضةٍ ... وفسادِ مرضعةٍ وداءٍ مغيلِ

ما إنْ يمسُّ الأرضَ إلا منكبّ ... منهُ وحرفُ الساق طي المِحْمل

فإذَا طرحتَ له الحصاةَ رأيتهُ ... ينزُو لوقعتهَا نزوَّ الأخيلِ

وإذا يهبُّ من المنامِ رأيتهُ ... كرتوب كعبِ الساقِ ليسَ بزملِ

وإذا رميتَ بهِ الفجاجَ رأيتهُ ... ينضُو مخارمهَا هوىَّ الأجدلِ

وإذا نظرتَ إلى أسرةِ وجههِ ... برقتْ كبرقِ العارضِ المتهللِ

يحمِى الصحابَ إذا تكونُ كريهةٌ ... وإذا همُ أزموا فمأوَى العيلِ

ثم نعقب الكلام في المديح بالكلام في الهجاء.

نعت الهجاء

إنه قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقته،

(1/29)

ما تقدم من قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم ننزل الطبقات على مقدار قلة أصناف الأهاجي فيها وكثرتها.

فمن الهجاء المقذع الموجع ما أنشدناه أحمد بن يحيى:

كائرْ بسعدٍ إن سعْداً كثيرةٌ ... ولا تبغِ من سَعْدٍ وَفَاءً ولا نَصْرَا

ولا تَدْعُ سَعْداً للقِرَاعِ وخَلِّهَا، ... إذا أَمِنَتْ، وَرَعْيَهَا البَلَدَ القَفْرَا

يروعكَ من سعدِ بن عمروٍ جسومُهَا ... وتزهدُ فيهَا حينَ تقتلهَا خبْرَا

فمن إصابة المعنى في هذا الهجاء أن هذا الشاعر سلم لهؤلاء القوم أمرين يظن أنهما فضيلتان، وليستا بحسب ما وصفناه من الفضائل مصيبتين، وهما كثرة العدد وعظم الخلق، وغزا بذلك مغازي دلت على حذقه بالشعر، فمنها أن أدخل هجاءه لهم في باب الأقوال الصادقة لإعطائه إياهم شيئاً ومنعه له شيئاً آخر، وقصده بذلك لأن يظن أن قوله فيهم إنما هو على سبيل الصدق، وذكره إياهم بما هم من جيد ورديء، ومنها ما بان من معرفته بالفضائل حتى ميز صحيحها من باطلها، فسلم الباطلة ومنه الصحيحة، ومنها أن قطع عن هؤلاء القوم ما يعتذر به الكرام من قلة العدد، فإن الكرام أبداً فيهم قلة، كما قال السموأل ابن عاديا:

تعيرنَا أنَّا قليلٌ عديدنَا ... فقلتُ لها إن الكِرام قليلُ

ومن خبيث الهجاء ما أنشدني أحمد بن يحيى أيضاً:

إن يغدرُوا أو يفجرُوا ... أو يبخلُوا لا يحفلُوا

يغْدُوا عليكَ مرجل ... ينَ كأنهمْ لم يفعَلُوا

فمن جودة هذا الهجاء أن الشاعر تعمد أضداد الفضائل على الحقيقة فجعلها فيهم، لأن الغدر ضد الوفاء، والفجور ضد الصدق، والبخل ضد الجود، ثم أتى بعد ذلك بضد أجل الفضائل وهو العقل، حيث قال:

يغدُوا عليكَ مرجِل ... ين كأَنَّهُمْ لَمْ يفعَلُوا

لأن هذا الفعل إنما هو من أفعال أهل الجهل والبهيمية والقحة التي هي من عمي القوة المميزة، كما قال جالينوس في كتابه في أخلاق النفس.

(1/30)

ولزياد الأعجم في غياظ بن حصين بن المنذر:

وسميتَ غيَّاظاً ولستَ بغائظٍ ... عدوَّاً، ولكنَّ الصديق تغيظُ

عدوكَ مسرورٌ وذو الودِّ للذِي ... أتى منكَ من غيظٍ عليكَ كظيظُ

نسيٌّ لما أوليتَ من صالحٍ مضَى ... وأنتَ لتعدادِ الذنوبِ حفيظُ

تلينُ لأهل الغلِّ والغمرِ منهمُ ... وأنتَ على أهلِ الصفاءِ فظيظُ

ومن الهجاء أيضاً ما تجمل فيه المعاني، كما يفعل في المدح، فيكون ذلك حسناً إذا أصيب به الغرض المقصود مع الإيجاز في اللفظ، وذلك مثل قول العباس بن يزيد الكندي في مهاجاته جريراً ومعارضته إياه في قوله:

إذا غضبتْ علَيْك بنو تميمٍ ... حسبتَ الناس كلهمُ غِضابا

وقال:

لقدْ غضبت علىَّ بنُو تميمٍ ... فما نكأتْ لغضبَتِها ذبَابا

لو اطلعَ الغرابُ على تميمٍ ... وما فيهمْ من السوءاتِ شابَا

ومثل قول مرة بن عداء الفقعسي:

وإذا تسركَ من تميمٍ خصلةٌ ... فلما يسوءُك من تميمٍ أكثرُ

وقال الآخر:

ويقضَي الأمرُ حين تغِيب تيمٌ ... ولا يستأذنونَ وهم شهودُ

وللحكم الخضري:

ألم تَرَ أنهم رُقِموا بلؤمِ ... كما رقمتْ بأذرعها الحميرُ

ومثل قول أعشى باهلة:

بنو تيْم قرارةُ كل لؤمٍ ... لكلِّ مصبِّ سائلةٍ قرارُ

وقد تبع أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الاعشى في هذا المعنى فقال:

أضحَوْا بمستنِّ سيلِ اللؤمِ وارتفعتْ ... أموالهم في هضابِ المطلِ والعللِ

لو كان يخْفَى على الرَّحمن خافيةٌ ... من خلقهِ خفيتْ عنهُ بنو أسَدِ

ومثل قول الآخر:

قومٌ إذا ما جنَى جانيهمُ أمنُوا ... من لؤمِ أحسابهمْ أن يقتلُوا قودَا

(1/31)

ومثل قول زياد الأعجم:

إني لأكرِمُ نفسِي أن أكلِّفَها ... هجاءَ جَرْمٍ ولما يهجهمْ أحدُ

ماذا يقول لهم مَن كان هاجيَهُمْ ... لا يبلغُ الناسُ ما فيهم وإن جَهَدُوا

ومثل قول أوس بن مغراء:

فلسْتُ بعافٍ عن شتيمةِ عامرٍ ... ولا حابِسي عما أقولُ وعيدُها

ترى اللؤمَ ما عاشُوا جَديداً عليهمُ ... وأبقَى ثيابَ اللابسينَ جديدهَا

لعمركَ ما تبلَى سرابيلُ عامرٍ ... من اللؤمِ ما دامتْ عليها جلودُها

وهذه الأبيات قالها أوس وهو يهاجي النابغة الجعدي، فيقال: إن النابغة كان يقول: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتاً ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب على صاحبه.

فلما قال أوس البيت الاخير، قال النابغة: هذا هو البيت الذي كنا نبتدره، فغلب أوس عليه.

ومثل قول عباس بن مرداس السلمي في سفيان بن عبد يغوث النضري:

وأوعِدْ وقُلْ ما شئتَ إنَّك جاهلٌ ... على أنَّما أنتَ امرؤ من بَنِي نَضْرِ

وما أجود ما قال الفرزدق في عبد الله بن عمير الليثي حين هرب من أبي فديك الخارجي وكان يتمنى لقاء الخوارج كهجاء:

تمنيتهمْ، حتَّى إذا ما لقيتهمْ ... تركْت لهم عند الجِلاد السرادِقَا

وأعطيتَ ما تُعْطى الحليلةُ بَعْلَها ... وكنتَ حُبَارى إذ رأيتَ البوارِقَا

ففي قوله: ما تعطى الحليلة بعلها، مع إيجازه، عجائب، وكذلك في قوله: حبارى.

ومنهم من يفرط في ذكر نقيصة واحدة، كما يغلو عند المدح في فضيلة واحدة.

فمن ذلك للحطيئة يغرق في ذكر البخل وحده:

كددتُ بأظفارِي وأعملتُ مِعْولي ... فصادفتُ جُلْمُوداً من الصخرِ أملَسا

تشاغَلَ لما جئتُ في وَجْهِ حاجَتِي ... وأطرقَ حتى قلتُ قدْ مَات أو عَسَى

وأجمعتُ أنْ أنعاهُ حين رأيتُه ... يفوقُ فواقَ الموتِ حتى تنفسَا

فقلت لهُ: لا بأس لسْتُ بعائِدٍ ... فأفرخَ تعلوهُ السماديرُ مبلسَا

ولجرير في ذكر الجهل وحده:

ولا تتقونَ الشرَّ حتى يصيبكُم ... ولا تعرفون الأمرَ إلا تدبرَا

(1/32)

ثم ينظر أقسام المديح وأسبابه، فيجري أمر الهجاء بحسبها في المراتب والدرجات والأقسام، ويلزم ضد المعنى الذي يدل عليه إذ كان المديح ضده الهجاء.

ولنتبع القول في الهجاء: القول في المراثي.

نعت المراثي

إنه ليس بين المرثية والمدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك، مثل: كان وتولى وقضى نحبه وما أشبه ذلك، وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه، لأن تأبين الميت إنما هو بمثل ما كان يمدح به في حياته، وقد يفعل في التأبين شيء ينفصل به لفظه عن لفظ المدح بغير كان وما جرى مجراها، وهو أن يكون الحي وصف مثلاً بالجود، فلا يقل: كان جواداً ولكن بأن يقال: ذهب الجود او فنم للجود بعده ومثل: تولى الجود وما أشبه هذه الأشياء.

كما قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة ابن الحمير بالنجدة على هذه السبيل:

فليس سنانٌ الحرب يا توب بعدها ... بغازٍ ولا غادٍ بركبٍ مسافرِ

ومن الشعراء من يرثي بكاء الأشياء التي كان الميت يزاولها، وعتد ذلك ومثله يحتاج إلى أن يعلم صحة المعنى فيما يتكلم به من مثل هذه الأشياء، فإنه ليس من إصابة المعنى أن يقال ف كل شيء تركه الميت: إنه يبكي عليه، لأن من ذلك ما إن قيل إنه بكى عليه كان سبة وعيباً لاحقين به.

فمن ذلك مثلاً إن قال قائل في ميت: بكتك الخيل إذ لم تجد لها فارساً مثلك، فإنه مخطئ، لأن من شأن ما كان يوصف في حياته بكده إياه، أن يذكر اعتباطه بموته، وما كان يوصف بالإحسان إليه في حياته أن يذكر اغتمامه بوفاته.

ومن ذلك إحسان الخنساء في مرثيتها صخراً وإصابتها المعنى، حيث قالت تذكر اغتباط حذفة فرس صخر بموته:

فقدْ فقدتكَ حذفةُ فاستراحتْ ... فليتَ الخيلَ فارسُها يرَاها

ولو قالت: فقدتك حذفة فبكت، لأخطأت، بل إنما يجب أن يبكي على الميت

(1/33)

ما كان يوصف إذا وصف في حياته بإغاثته الإحسان إليه، كما قال كعب بن سعد الغنوي في مرثية أخيه:

ليبككَ شيخٌ لم يجدْ من يعينُه ... وطاوِى الحشى نائِي المزارِ غريبُ

وكما قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:

ليبككَ الشربُ والمدامةُ وال ... فتيانُ طُرّاً وطامعٌ طمعَاً

وذاتُ هدْم عارٍ نواشرُها ... تصمتُ بالماءِ تولباً جدعَا

والحيُّ إذ حاذرُوا الصباحَ وقدْ ... خافُوا مُغيراً وسائراً تلعَا

فيجب أن يتفقد مثل هذا من إصابة الغرض والانحراف عنه.

وإذ قد تبين بما قلنا آنفاً إنه لا فصل بين المدح والتأبين إلا في اللفظ دون المعنى، فإصابة المعنى به ومواجهة غرضه هو أن يجري الأمر فيه على سبيل المدح.

فمن المراثي التي تشتبه في المديح استيعاب الفضائل التي قدمنا ذكرها والإتيان عليها، مثل قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:

لعمري لئن كانت أصابتْ منيةٌ ... أخي والمنايا للرِّجال شعوبُ

لقد كانَ، أما حلمهُ فمروحٌ ... علينا، وأما جهلهُ فغريبُ

أخي ما أخِي، لا فاحشٌ عند بيتهِ ... ولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ

فقد أتى في هذه الأبيات بما وجب أن يأتي في المراثي، إذا أصيب بها المعنى، وجرت على الواجب، أما في البيت الأول فيذكر ما يدل على أن الشعر مرثية لهالك لا مديح لباق، وأما سائر الأبيات الأخر فتجمع الفضائل الأربع التي هي العقل والشجاعة والحلم والعفة، ثم افتن كعب في هذه المرثية في ذلك، وزاد في وصف بعض الفضائل ما لم يخرج به عن استيفائه، وهو قوله:

حليمٌ إذا ماسورةُ الجهلِ أطلقتْ ... حُبَى الشيبِ للنفسِ اللجوجِ غلوبُ

كعاليةِ الرمحِ الردينيِّ، لم يكنْ ... إذا ابتدَر الخيلَ الرجالُ يخيبُ

فإني لباكيهِ وإني لصادقٌ ... عليه، وبعض القائلينَ كذوبُ

ليبككَ شيخٌ لم يجدْ من يعينهُ ... وطاوِى الحشَا نائِي المزارِ غريب

جموعٌ خلالَ الخيرِ من كل جانبٍ ... إذا جاءَ جياءٌ بهنَّ ذهوبُ

(1/34)

فتىً لا يبالي أن يكونَ بجسمهِ ... إذا نالَ خلاتِ الكرامِ شحوبُ

حليمٌ إذا ما الحلمُ زينَ أهلهُ ... مع الحلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ

إذا ما تراءاهُ الرجالُ تحفظُوا ... فلم تنطقِ العوراءُ وهو قريبُ

ومثل قول أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي بجميع الفضائل التي ذكرناها إلا العفة وحدها فإنه ترك ذكرها، إلا أنه في بعض القصيدة وصفه بالكمال، وفي الكمال كل فضيلة من العفة وغيرها:

أبا دليجةَ من يكفِي العشيرةَ إذ ... أمْسَوْا من الأمرِ في لبسٍ وبلبالِ

أمْ من يكونُ خطيبَ القومِ إذا حفلُوا ... لدى الملوكِ ذوي أيدٍ وإفضالِ

أمْ من لأهلِ لواءٍ في مسكعةٍ ... من خصمهمْ لبسُوا حقاً بإبطالِ

أم من لحيٍّ أضاعُوا بعضَ أمرهمُ ... بينَ القسوطِ وبين الدينِ دلدالِ

فرجتَ غمهمُ وكنتَ غيثهمُ ... حتى استقرتْ نواهم بعد تزوال

فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس العقل والرأي واللسن ونحو ذلك، وقال:

أبا دليجَةَ من تُوصِى بأرملَةٍ ... أمْ منْ لأشعثَ ذي طمرينِ طملالِ

وما خليجٌ من المروتِ ذو حدبٍ ... يرمي الضريرَ بخشبِ الطلحِ والضالِ

يوماً بأجودَ منه حين تسألهُ ... ولا مغبٌّ بترجٍ بين أشبالِ

ليثٌ عليهِ من البرديِّ هبريةٌ ... كالمزبرانيِّ عيالٌ بأوصالِ

يوْماً بأجزا منه جدَّ بادرةٍ ... على كميٍّ بمهوِ الحدِّ فصالِ

فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس البذل والسماحة والجود والشجاعة، ولم يذكر العفة، إلا أنه قال في أول القصيدة:

أمُّ حصانٌ فلم تضربْ بكلتهَا ... قد طُفْتُ في كل هذا الناسِ أحوالِي

على امرئٍ سوقةٍ ممن سمعتُ بهِ ... أندَى وأكملَ منه أيَّ إكمالِ

وقال أوس يرثي فضالة أيضاً:

أيتهَا النفسُ أجملِي جزعَاً ... إن الذي تحذرِين قد وقعَا

إن الذِي جمعَ السماحةَ ... والنجدةَ والحزمَ والقوَى جمَعا

الألمعيَّ الذِي يظن لكَ الظَّ ... نَّ كأنْ قد رأَى وقدْ سمعَا

(1/35)

فقد جمع في هذه الأبيات المرثية بجميع الفضائل، ووضع الشيء من ذلك في موضعه.

ومن المراثي التي تشبه في المديح اقتضاب المعاني واختصار الألفاظ، ما قاله أوس في قصيدته يرثي فضالة التي أولها:

ألم تكسفِ الشمسُ شمسُ النها ... رِ مع النجمِ والقمرِ الواجب

لهلك فضالةَ لا تستوي ال ... فقودُ ولا خلةُ الذاهبِ

وأفضلتَ في كلِّ شيءٍ فما ... يقاربُ سعيكَ من طالبِ

نجيحٌ مليحٌ أخو ماقطٍ ... نقابٌ يخبرُ بالغائبِ

ويكفي المقالةَ أهلَ الدحَا ... لِ غيرُ معيبِ ولا عائبِ

في ظاهر النظر أن يظن بنا خطأ في وضعنا مليح موضع المدح بالفضائل الحقيقية، إذ كانت الملاحة لا تجري مجرى الفضائل النفسية، لأن المليح في هذا الموضع ليس هو من ملاحة الخلق، لكنه على ما حكى عن أبي عمرو أنه المستشفى برأيه، قال: وهو من قولهم: قريش ملح الأرض، أي الذي يستشفى بهم، والذي يشهد على ما قاله أبو عمرو قول أوس بن حجر:

نقاب يخبر بالغائب

لأن هذا من جنس الرأي والحدس.

وقول الشماخ في عمر بن الخطاب:

فمَنْ يسعَ أو يركبْ جناحيْ نعامةٍ ... ليدركَ ما قدمتَ بالأمسِ يسبقِ

وقول الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة:

فما كان بينِي لو لقيتكَ سالِماً ... وبينَ الغنَى إلا ليالٍ قلائلُ

ولو عشتَ لم أمللْ حياتِي وإن تمتْ ... فما في حياةٍ بعد موتكَ طائلُ

ومنهم أيضاً من يغرق في وصف فضيلة واحدة على حسب ما تقدم، وتكون جميع الأحوال في المراثي جارية على حسب أحوال المديح، وفي ما تقدم في باب المديح من وصف ذلك ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

ولنتبع كلامنا في المراثي الكلام في التشبيه.

نعت التشبيه

يجب أن نذكر أولاً معنى التشبيه، ثم نشرع في وصفه، فنقول: إنه من الأمور المعلومة أن الشيء لا يشبه ولا بغيره من كل الجهات، إذ كان الشيئان إذا تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا، فصار

(1/36)

الاثنان واحداً، فبقي أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها، وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد.

ومما جاء من التشبيهات الحسان قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن:

فعبَّ دخالاً جرعُه متواترٌ ... كوقْع السحابِ بالطراف الممددِ

فهذا المشبه نما شبه صوت الجرع بصوت المطر على الخباء الذي من أدم، ومن جودته أنه لما كانت الأصوات تختلف، وكان اختلافها إنما هو بحسب الأجسام التي تحدث الأصوات اصطكاكها، فليس يدفع أ، اللبن وعصب المرئ اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت الجرع قريب الشبه من الأديم الموتر والماء اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت المطر.

وعند سلوك هذه السبيل في تعرف جودة التشبيه يستجاد قول جبهاء الأشجعي في تشبيه صوت حلب عنز بصوت الكير إذا نفخ:

كأنَّ أجيجَ الكيرِ إرزامُ شخبها ... إذا امتاحهَا في محلبِ الحيِّ مائحُ

وقد قال أوس بن حجر يشبه ارتفاع أصواتهم في الحرب تارة، وهمودها وانقطاعها تارة، بصوت التي تجاهد أمر الولادة:

لنا صرخةٌ ثم إسكاتةٌ ... كما طرقتْ بنفاسٍ بكرْ

ولم يرد المشتبه في هذا الموضع نفس الصوت، وإنما أراد حاله في أزمان مقاطع الصرخات، وإذا نظر في ذلك وجد السبب الذي وفق بين الصوتين واحداً، وهو مجاهدة المشقة والاستعانة على الألم بالتمديد في الصرخة.

ومن جيد التشبيه قول الشماخ يذكر لواذ الثعلب من العقاب:

تلوذُ ثعالبُ الشرفينِ منها ... كما لاذ الغريمُ من التبِيع

وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفاً من

(1/37)

مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها، والثعلب يخاف موته.

وقال الشماخ:

كأنَّ على أوراكِها من لُعابه ... وخيفةَ خطمىٍّ بماءِ مرجرجِ

فشبه لعاب الفحل إذا ظهر على أوراك الأتن عند كدمه إياها بالخطمى، وهو شبيه به في قوام الثخن وفي الرغوة وفي اللون أيضاً، وذلك أن الحمار إنما يكثر كدمه الأتن في الربيع عند خضمه الرطب وأشره في ذلك الوقت.

وقد أحسن الشماخ أيضاً في قوله حين شبه أضلاع الناقة وبرى السير إياها بالقسي الموترة:

وقربتُ مبراةً كأنَّ ضلوعَها ... من الماسخياتِ القسيِّ الموتَّرا

فقد أحسن الشماخ في هذا التشبيه من قبل اجتماع الأضلاع والقسي الموترة في الشكل والتوتر بالأعصاب والأوتار، ولم يرد إلا الشكل فقط، وقد أتى على ما فيه.

ولابن أحمر الباهلي يذكر قلب الفرس عند الحركة السريعة:

حتَّى صبحْنا طاوِياً ذا شرةٍ ... وفؤادُه زجلٌ كعزف الهدهدِ

فتواتر نبض قلب الفرس إذا تحرك قريب الشبه من تواتر حركة عزف الهدهد.

وللمرار:

لها قلاصُ نعامٍ يرتعين بها ... كأنهنَّ سبيٌّ لابسُو الهدمِ

فما أحسن ما شبه انسدال فواضل ريش النعام بانسدال الأطمار الرثة على اللابس لها، ولا سيما السبي، فإن في مشيهم أعجمية تشبه مشي النعام، وفي ألوان ثيابهم قتمة من الدرن تشبه قتمة ريش النعام، ففي الشيئين اشتراك في معان كثيرة.

وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن، فمنها: أن تجمع تشبيهات كثيرة في بيت واحد وألفاظ يسيرة، كما قال امرؤ القيس:

له أيطَلا ظبيٍ وساقاً نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانِ وتقريبُ تتفلِ

فأتى بأربعة أشياء مشبهة بأربعة أشياء، وذلك أن مخرج قوله: له أيطلا ظبي، إنما هو على أن له أيطلين كأيطلي ظبي، وكذا ساقين كساقي نعامة، وإرخاء

(1/38)

كإرخاء السرحان، وتقريب كتقريب التنفل.

ومنها: أن يشبه شيء بأشياء في بيت أو لفظ قصير، وذلك كما قال امرؤ القيس:

وتَعْطو برخصٍ غيرِ شثنِ كأنَّه ... أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ

ومنها: أن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تشبهه في تلك الأحوال، كما قال امرؤ القيس يصف الدرع في حال طيها:

ومشدودةَ السكِّ موضونةً ... تضاءلُ في الطيِّ كالمبردِ

ثم وصفها في حال النشر في هذه الأبيات فقال:

تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الآتيِّ على الجدجدِ

وكما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجمة عليه وبعد حلق ثور أخيه إياها:

فأصبحَ رأسِي كالصخيرةِ أشرفتْ ... علَيها عقابٌ ثم طارتُ عقابُها

فقد أحسن يزيد في هذا البيت، حيث تصرف فيه في التشبيه، وأحسن أيضاً في تشبيه رأسه بعد الحلق بالصخرة، وذلك أنه قريب منها في الضخامة والملامسة واللون المائل إلى الخضرة.

وقد قال بعضهم في مثل ذلك:

جلاميدُ أملاءُ الأكفِّ كأنَّها ... رؤوسُ رجالٍ حلقتْ في المواسمِ

وقال الحسين بن مطير الأسدي، يشبه أفعال رجل مات وكان جواداً:

فتىً عيشَ في معروفِه بعدَ موتِه ... كما كانَ بعدَ السيْل مجرَاه مرتَعا

التصرف في التشبيه

ومن أبواب التصرف في التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقاً واحداً في تشبيه شيء بشيء، فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة الشعراء.

مثال ذلك أن أكثر الشعراء يشبهون الخوذ بالبيض، كما قال سلامة بن جندل:

كأنَّ النعامَ باض فوق رؤسهمْ ... بنهيِ القذافِ أو بنهيٍ مخفقِ

وقال معقر البارقي:

كأنَّ نعامَ الدوِّ باضَ عليهمُ ... وأعينهمْ تحت الحبيك الجواحرُ

(1/39)

وأكثر الشعراء يلتزمون هذا التشبيه.

قال أبو شجاع أحد بني سلامان بن مفرج من الأزد:

فلم أرَ إلا الخيلَ تعدُو كأنمَا ... سنورهَا فوق الرؤوسِ الكواكبُ

وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء، والشبه بين هذين الشيئين من جهة ما، فيأتي شاعر آخر بتشبيه من جهة أخرى، فيكون ذلك تصرفاً أيضاً.

مثال ذلك أن جل الشعراء يشبهون الدرع بالغدير الذي تصفقه الرياح، كما قال أوس بن حجر:

وأملسَ صوليَّاً كنهيِ قرارَةٍ ... أحسَّ بقاعٍ نفحَ ريحٍ فأجْفَلا

وقال آخر:

وعلىَّ سابغةُ الذيولِ كأنهَا ... سوقُ الجنوب حبابَ نهيٍ مفرطِ

وكثير من الشعراء ينحون في تشبيه الدروع هذا المنحى، وإنما يذهبون إلى الشكل، وذلك ن الريح تفعل بالماء في تركيبها إياه بعضاً على بعض ما يشبهه في حال التشكيل بحال الدرع في مثل هذا الشكل، فقال سلامة بن جندل عادلاً عن تشبيه الشكل إلى تشبيه اللين، وذلك أن اللين من دلائل جودة الدرع لصغر قتيرها وحلقها:

فألقًوا لنا أرسانً كل نجيبةٍ ... وسابغةٍ كأنهًا متن خرنق

وقال يذكر بريقها، وهو وجه غير الوجهين الأولين:

مداخلةٍ منْ نسجِ داؤدَ سكُّها ... كمنكب ضاحٍ من عمايةَ مشرقِ

ومن التشبيه الجيد للحكم الخضري يصف غليان القدر بما فيها من قطع اللحم:

كأنَّ جذولَ الناب فيها إذا غلتْ ... دعاميصُ تخشى صائِداً فتعومُ

ولقيس بن زهير:

كأنَّ خذاريفَ السواعدِ بيننا ... مغالي غواة يلعبونَ بها لعبَا

وللزفيان أحد بني عوافة بن سعد بن زيد:

وقد سقوهنَّ سجَالاً فاستقوْا ... منْ أجنٍ كأنهنَّ الزنبقُ

ثم لنتبع القول في التشبيه القول في الوصف.

(1/40)

نعت الوصف

أقول: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم وصفاً من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم بأظهرها فيه وأولاها، حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحس بنعته.

فمن ذلك قول الشماخ يصف أرضاً تسير النبالة فيها:

خلتْ غيرَ آثارِ الأراجيلِ ترتمِي ... تقعقعُ في الآباط منها وفاضهَا

فقد أتى في هذا البيت بذكر الرجالة وبين أفعالها بقوله: ترتمي، وعن الحال في مقدار سيرها بوصفه تقعقع الوفاض، إذ كان في ذلك دليل على أنه الهرولة أو نحوها من ضروب السير، ودل أيضاً على الموضع الذي حملت فيه هذه الرجالة الوفاض، وهي أوعية السهام، حيث قال: في الآباط، فاستوعب أكثر هيئات النبالة، وأتى في صفاتها بأولاها وأظهرها عليها وحكاها، حتى كأن سامع قوله يراها.

ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي يصف حال السيل عند إقلاع السحاب وسكون المطر:

لكلِّ مسيلٍ من تهامَةَ بعد ما ... تقطعَ أقرانُ السحابِ عجيجُ

ومنه قول رجل من هذيل يصف حال القوم في الحرب عند الجلاد:

كغماغمٍ الثيرانٍ بينهمٌ ... ضربٌ تغمضٌ دونهُ الحدقُ

ومثله قول معاوية بن خليل النصري، من نصر بن قعين، يذكر نباهة حيه، وأنه أشهر من حذلم، حي آخر:

فنحن الثريَّا وعيوقهَا ... ونحنُ السماكانِ والمرزمُ

وأنتم كواكبُ مجهولةٌ ... تُرى في السماءِ ولا تعلمُ

ولدريد بن الصمة يصف آثار خيل وإبل، اطردها فنجا بها:

ألا هلْ أتاهُ ما ركبنا جيادَه ... ومَا قد عقرنَا من صفيٍّ ومن قرمِ

وأصبحنَ قد جاوزنَ أسفلَ ذي حُساً ... وآثارهَا فوقَ المضيح كالرقمِ

(1/41)

ولعبد الرحمن بن عبد الله، المعروف، بالقس يصف إصغاء السامعين إلى الغناء الحسن المطرب، وهو في سلامة:

إذا ما عجَّ مزهرُها إليها ... وعاجتْ نحوهُ أذنٌ كرامُ

فأصغْوا نحوهَا الأسماعَ حتَّى ... كأنهمُ وما نامُوا نيامُ

وللمرار بن منقذ أحد بلعدوية يصف، الفرس الكريم:

ذو مراحٍ فإذا وقرتهُ ... فذلولٌ حسنُ الخلقِ يسرْ

وليزيد بن مالك الغامدي يصف فعل سنابك الخيل في الأرض:

يثرنَ بسهلِ الأرضِ مما يطسنَه ... عجاجاً وبالصفاحِ نارَ الحباحبِ

ولعدي بن الرقاع العاملي يصف فعل سنابك الحمارين إذا عدوا:

يتعاورانِ من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً همَا نسجاهَا

تطوَى إذا علوَا مكاناً ناشِزاً ... وإذا السنابكُ أسهلتْ نشراهَا

ولذي الرمة:

ترىَ الخودَ يكرهنَ الرياحَ إذا جرتْ ... ومىٌّ بها لولا التحرجُ تفرحُ

إذا ضربتْها الريحُ في المرْط أشرفَت ... روادفُها وانضمَّ منها الموشحُ

ولنتبع القول في الوصف القول في النسيب.

نعت النسيب

أقول: إن كثيراً من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولاً ما النسيب، ونحنن نحده فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن.

وقد يذهب على قوم أيضاً موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في الإنسان: إنه غزل، إذا كان متشكلاً بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته

(1/42)

إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب.

وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون فيه من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض.

وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة.

وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني سلامان بن مفرج من الأزد:

فلم تدعِ الأرواحُ والماءُ والبلَى ... من الدار إلا ما يشوقُ ويشغفُ

ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر بقوله:

معارفُ تلوى بالفؤاد وإن تقلْ ... لها بينِي لي حاجةً لم تكلمِ

فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد.

وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، فقال:

بليتُ كما يبلَى الرداءُ ولا أرَى ... جناباً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ

ألوِّى حيازيميِ بهنَّ صبابةً ... كما يتلوى الحيةُ المتشرقُ

وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، حيث يقول ويذكر خفقان قلبه:

(1/43)

أجدَّك ما يبدو لك البرقُ مرَّة ... من الدَّهر إلا ماءُ عينيكَ يذرفُ

وقلبك من فرطِ اشتياقٍ كأنهُ ... يَدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ

ولرجل من عبس:

إذا الله أسقَى دمنتينِ ببلدةٍ ... من الأرض سقيَا رحمةٍ فسقاهُما

نزلنَا بهذِي نزلةً ثمَّ نزلةً ... بهذِي فطابَ المنزلانِ كلاهمَا

فبتُّ أشيمُ البرقَ مرتفِقاً به ... يداً عن يدٍ حتَّى ونَى منكباهُما

وقال الشماخ:

رأيتُ سنَا برقٍ فقلتُ لِصاحبي ... بعيدٌ بفلجٍ ما رأيتُ سحيقُ

فباتَ مهماً لي يذكِّرني الهوَى ... كأنِّي لبرقٍ بالحجازِ صديقُ

وباتَ فؤادِي مستخفاً كأنَّه ... خوافِي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ

فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له.

ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.

فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد مثله وهو:

أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي ... أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ

لقد كنتُ آتِيها وفي النَّفْس هجْرُها ... بَتَاتاً لأخرى الدهرِ ما طلعَ الفجرُ

فما هوَ إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ

وأنسَى الذي قد كنتُ فيهِ هجرتُها ... كما قد تنسِّى لبَّ شاربِها الخمرُ

وفي هذه القصيدة أيضاً موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في اهل الهوى عامة، وهو قوله:

ويمنعنُيِ من بعْض إنكارِ ظلمِها ... إذا ظلمتْ يوماً وإن كان لي عذرُ

مخافةُ أني قد علمتُ لئن بَدا ... لي الهجرُ منها ما على هجرها صبرُ

وإني لا أردي إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر

(1/44)

وأما قول الشاعر:

يودُّ بأن يُمْسِي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعتْ عنه بشكوَى تراسلهُ

ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العلَى ... لتحمدَ يوماً عند ليلَى شمائلهُ

فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، وأدنى فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا اعتقاده، إذ كان الشعر إنما هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر.

ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي:

بان الخليطُ وفرقَ الشملُ ... وعلى التفرقِ ما بدَا الوصلُ

أبكاكَ منهم ما فرحتَ به ... ولكلِّ مولدِ فرحةٍ ثكلُ

ومن هذه الأبيات:

ممسودةٌ خلِقت فعليتهَا ... خوطٌ ومعقدُ مرطهَا عبلُ

تضعُ البريمَ فيستديرُ على ... فعمٍ ألفَّ كأنَّه رملُ

يسجَى إذا ما قلتُ أخفضهُ ... ويمورُ منكشطاً إذا يعلُو

وقيامهَا حسنٌ وضحكتهَا ... عند العجيبِ تبسمٌ رتلُ

وغَلا بها عظمٌ فألحقهَا ... بنسائهَا ولداتَها بسلُ

ولأبي صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات النساء:

أراد الشيبُ منِّي ختلَ نفسِي ... لأنسَى ذكرَ رباتِ الحجالِ

إذا اختصمَ الصبَا والشيبُ عندِي ... فأفلجتُ الشبابَ فلا أبالِي

(1/45)

فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له فهم وعنده نظر وفحص.

وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالاً لغيرها، واعتباراً فيما لم نذكره منها.

المعاني الشعرية

فأما ما يعم جميع المعاني الشعرية، فالآن حين نبتدئ بذكر ذلك وتعديده.

فمن ذلك

صحة التقسيم.

صحة التقسيم

وهي أن يبتدئ الشاعر فيضع أقساماً فيستوفيها، ولا يغادر قسماً منها.

مثال ذلك قول نصيب، يريد أن يأتي بأقسام جواب المجيب عن الاستخبار:

فقالَ فريقُ القوْم: لا، وفريقُهُمْ: ... نعمْ، وفريقٌ قالَ: ويحكَ ما ندرِي

فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب، إذا سئل عنه، غير هذه الأقسام، ومثال في ذلك أيضاً قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار، وشدة وهصه الأرض.

متى ما تقعْ أرساغهُ مطمئنةَ ... على حجرٍ يرفضِّ أو يتدحرجِ

فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يوجد الذي يوطأ، رخواً فيرض، أو صلباً فيدفع.

ومثال ذلك أيضاً قول الأسعر بن حمران الجعفي يصف فرساً على هيئته من جميع جهاته:

أمَّا إذَا استقبلتهُ فكأنهُ ... بازٌ يكفكفُ أن يطيرَ وقد رأَى

أمَّا إذا استدبرتَهُ فتسوقهُ ... ساقٌ قموصُ الوقعِ عاريةُ النسَا

أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا

فلم يدع هذا الشاعر قسماً من أقسام النصبة التي ترى في الفرس، إذا رئي عليها، إلا أتى به، وقد يجوز ان يظن ظان في قولنا: إن هذا الشاعر قد أتى بجميع الأقسام: ليس بحق، إنه إذا كان الفرس أحد الأجسام، وكل جسم فله ست جهات، فإذا ذكرت حال أربع منها بقيت جهتان لم تذكرا، وحل هذا الشاك، إن وقع من أحد، هو أن هذا الشاعر إنما وصف فرساً لا جسماً

(1/46)

مطلقاً، وللفرس أحوال يمتنع بها من أن ينتصب كل نصبة، ومع ذلك فإن هذا الشاعر إنما وصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض، وكان الرجل قائماً أو قاعداً، إذ كانت هذه الحال هي التي يرى الإنسان عليها الخيل في أكثر الأمر، فأما مثل أن يكون الإنسان في علية فيرى من الفرس متنه فقط، أو أن يكون نائماً فيرى بطنه فقط، فما أبعد ما يقع ذلك، ولم يقصده الشاعر ولا له وجه في أن يقصده، إذ كان ليس في ما يعرف ويعهد من النظر إلى الخيل إلا ما ذكره، وهو أن تستقبل أو تستدبر أو تستعرض من أحد الجانبين.

ومثال في هذا الباب أيضاً قول أبي زبيد الطائي:

يا أسمَ صبْراً على ما كَان من حدَث ... إن الحوادثَ ملقىٌّ ومنتظرُ

فليس في الحوادث إلا أن تكون قد لقيت، أو ينتظر لقيها. ومن أنواع المعاني وأجناسها أيضاً

صحة المقابلات.

صحة المقابلات

وهي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشرط شروطاً، ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بأضداد ذلك، كما قال بعضهم:

فواعَجباً كيف اتفقْنا فناصحٌ ... وفيٌّ، ومطويٌّ على الغلّ غادرُ

فقد أتى بإزاء كل ما وصفه من نفسه بما يضاده على الحقيقة ممن عاتبه، حيث قال بإزاء ناصح: مطوى على الغل وبإزاء وفي: غادر.

ومثل قول الآخر:

تقاصرنَ واحلولين لي ثمَّ إنهُ ... أتتْ بعدُ أيامٌ طوالٌ أمرتِ

فقابل القصر والحلاوة: بالطول والمرارة.

ومثله قول الآخر:

وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئبْ ... وإذا حديثٌ سرني لم آشرِ

فقد جعل بإزاء سرني: ساءني، وبإزاء الاكتئاب: الأشر، وهذه المعاني في غاية صحة التقابل، ومثل قول عقيل بن حجاج:

تستنُّ في حيثُ لمْ تبعدْ مصعدةً ... ولمْ تصوبْ إلى أدنَى مهاويها

فجعل بإزاء قوله: تبعد مصعدة: أدنى مهاويها، ولو جعل بإزاء الإبعاد في الصعود:

(1/47)

الهوى، من غير أن يقول: أدنى المهاوي لكانت المقابلة ناقصة، لكن لما قال: تبعد قال: أدنى، ولو لم يقل: تبعد لقنع منه بأن يقول: تهوى فقط، من غير أن يأتي بالدنو.

وللطرماح بن حكيم:

أسرناهمْ وأنعمنَا عليهمْ ... وأسقيْنا دماءهمُ الترابَا

فما صبرُوا لبأسٍ عندَ حربٍ ... ولا أدوْا لحسنِ يدٍ ثوابَا

فجعل بإزاء أن أسقوا دماءهم التراب وقاتلوهم: أن يصبروا، وبإزاء أن أنعموا عليهم: أن يثيبوا، ولآخر:

جَزى الله عنَّا ذاتَ بعلٍ تصدقتْ ... على عزبٍ حتَّى يكونَ له أهلُ

فإنَّا سنجزيَها كما فعلتْ بنَا ... إذا ما تزوجنا وليسَ لها بعلُ

فقد أجاد هذا الشاعر، حيث وضع مقابل أن تكون المرأة ذات بعل، وهو لا زوج له: أن يكون ذا زوج في وقت عزب المرأة، وقابل حاجته وهو عزب: بحاجتها وهي عزبة، من غير أن يغادر شرطاً، ولا أن يزيد شيئاً.

ومن أنواع المعاني

صحة التفسير.

صحة التفسير

وهي أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد أو ينقص، مثل قول الفرزدق:

لقدْ خنتُ قوْماً لو لجأتَ إليهمُ ... طريدَ دمٍ أو حامِلاً ثقلَ مغرمِ

فلما كان هذا البيت محتاجاً إلى تفسير، قال:

لألفيتَ فيهمْ مطعِماً ومطاعِناً ... وراءَك شزْراً بالوشيجِ المقومِ

ففسر قوله: حاملاً ثقل مغرم: بأنه يلقى فيهم من يعطيه، وفسر قوله: طريد دم بقوله: إنه يلقي من يطاعن دونه ويحميه ومثل قول الحسين بن مطير الأسدي:

فلهُ بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحكٌ يراوحُ بينهُ وبكاءُ

ففسر بلا حزن: ببكاء ولا بمسرة: بضحك، وقال صالح ابن جناح اللخمي:

لئن كنتُ مُحتاجاً إلى الحلمِ إنَّني ... إلى الجهلِ في بعض الأحايينِ أحوجُ

(1/48)

وفسر ذلك بأن قال:

ولي فرسٌ للحلمِ بالحلمِ ملجمٌ ... ولي فرسٌ للجهلِ بالجهْل مسرجُ

فلم يزد المعنى ولا نقص منه، ثم فسر البيت الثاني أيضاً، فقال:

فمنْ رام تقويمي فإنِّي مقومٌ ... ومن رام تعويجي فإنِّي معوجُ

وقال سهل بن هارون:

فواحسرتَا حتَّى متى القلبُ موجعٌ ... بفقدِ حبيبٍ أو تعذرِ إفضالِ

وفسر ذلك فقال:

فراقُ خليلٍ مثله يورثُ الأسَى ... وخلةُ حرٍّ لا يقومُ بها مالِي

أنواع نعوت المعاني

ومن أنواع نعوت المعاني

التتميم:

التتميم

وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئاً إلا أتى به.

مثل قول نافع بن خليفة الغنوي:

رجالٌ إذا لم يقبلِ الحقُّ منهمُ ... ويعطوهُ عاذُوا بالسيوفِ القواطعِ

فإنما تمت جودة المعنى بقوله: ويعطوه، وإلا كان المعنى منقوص الصحة، ومثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:

بها نلنَا القرائبَ من سوَانا ... وأحرزنَا القرائبَ أن تنالا

فالذي أكمل جودة هذا البيت قوله: وأحرزنا القرائب أن تنالا، مع أنهم القرائب من سواهم.

ومثله قول طرفة:

فسقَى دياركِ غيرَ مفسدِهَا ... صوبُ الربيع وديمةٌ تهمِى

فقوله: غير مفسدها، إتمام لجودة ما قاله، لأنه لو لم يقل: غير مفسدها، لعيب، كما عيب ذو الرمة في قوله:

ألا يا اسْلَمِى يا دارَ ميٍّ عَلَى البلَى ... ولا زالَ منهلاً بجرعائكِ القطرُ

فإن الذي عابه في هذا القول، إنما هو بأن نسب قوله هذا إلى أن فيه إفساداً للدار التي دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر.

ومثل قول مضرس بن ربعي:

(1/49)

والمانعونَ إذا كانتْ ممانعةٌ ... والعائذونَ بحسناهمْ إذا قدرُوا

ومثل قول عبيد الراعي:

لا خيرَ في طولِ الإقامةِ للفتَى ... إلا إذا ما لمْ يجدْ متحولا

ومثله قول كعب بن سعد الغنوي:

حليمٌ إذا ما الحلمُ زينَ أهلهُ ... مع الحلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ

ومثل قول الأسود بن يعفر:

ألا منَ لامنِي إلاَّ صديقٌ ... فلاقى صاحِباً كأبي زيادِ

ومثل قول حسان بن ثابت:

لم تفتهَا شمسُ النهار بشيءٍ ... غيرَ أن الشبابَ ليسَ يدومُ

ومثل قول أعشى باهلة:

لا يصعبُ الأمرُ إلا ريثَ بركبهُ ... وكلّ أمرٍ سوَى الفحشاءِ يأتمرُ

ومثل قول النمر بن تولب:

لقدْ أصبحَ البيضُ الغوانِي كأنمَا ... يربنَ إذا ما كنتَ فيهنَّ أجربَا

وكنتُ إذا لا قيتهنَّ ببلدةٍ ... يقلنَ على النكراءِ أهلاً ومرحبَا

فقوله: على النكراء، أتم جودة المعنى، وإلا فلو كانت بينهم معرفة، لم ينكر أن يقلن له أهلاً ومرحباً.

وقول الآخر:

وهلْ علمتِ بيتنا إلا ولَهْ

شربةٌ من غيرهِ وأكلهْ.

ومن أنواع نعوت المعاني

المبالغة:

المبالغة

وهي أن يذكر الشاعر حالاً من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد له، وذلك مثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:

ونكرمُ جارنَا ما دامَ فينَا ... ونتبعهُ الكرامةَ حيثُ مالا

(1/50)

فإكرامهم للجار، ما دام فيهم، من الأخلاق الجميلة الموصوفة، وإتباعهم إياه الكرامة، حيث كان، من المبالغة في الجميل.

ومثل ذلك قول الحكم الخضري:

وأقبحَ من قردٍ وأبخلَ بالقِرَى ... من الكلبِ وهو غرثانُ أعجفُ

فقد كان يجزئ في الذم أن يكون هذا المهجو أبخل من الكلب، ومن المبالغة في هجائه قوله: وهو غرثان أعجف.

ومن هذا الجنس لدريد بن الصمة:

متَى ما تدعُ قومكَ أدعُ قومِي ... فيأتي من بني جشمٍ فئامُ

فوارسُ بهمةٌ حشدٌ إذا ما ... بدا حضرُ الحييةِ والخذامُ

والمبالغة الشدية في هذا الشعر هي في قوله: الحيية.

ومنه للحكم الخضري أيضاً:

فكنْ يا جارهمْ في خيرِ دارٍ ... فلا ظلمٌ عليكَ ولا جفاءُ

فقوله: فلا ظلم عليك ولا جفاء: توكيد ومبالغة.

ومنه قول رؤاس بن تميم، أحد الغطاريف الأزدي:

وإنَّا لنعطِي النصفَّ منَّا وإننَا ... لنأخذهُ من كلِّ أبلخَ ظالمِ

فالتوكيد في قوله: وإننا لنأخذه من كل أبلخ ظالم، فهذه مبالغة مضاعفة مكررة.

ومنه قول مضرس:

بهمْ تمترَي الحربُ العوانُ وفيهمُ ... تؤدَّي القروضُ حلوهَا ومريرهَا

فقوله: ومريرها: مبالغة.

وكذلك قوله أوس بن غلفاء الهجيمي:

وهمْ تركوكَ أسلحَ من حبارَى ... رأتْ صقْراً، وأشردَ من نعامِ

ففي قوله: رأت صقراً: مبالغة.

ومن نعوت المعاني

التكافؤ.

التكافؤ

وهو أن يصف الشاعر شيئاً أو يذمه، أو يتكلم فيه بمعنى ما، أي معنى كان، فيأتي بمعنين متكافئين، والذي أريد بقولي: متكافئين، في هذا الموضع: متقاومان، إما من

(1/51)

جهة المضادة أو السلب والإيجاب أو غيرها من أقسام التقابل، مثل قول أبي الشغب العبسي:

حلوُ الشمائِل، وهوَ مرٌّ باسلٌ ... يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ

فقوله: حلو ومر: تكافؤ.

ومثل قول أم الضحاك المحاربية:

كيفَ يسامِي خالداً أو ينالهُ ... خميصٌ من التقوى بطينٌ من الخمرِ

فقولها: خميص وبطين: تكافؤ، ومثل قول طرفة:

بطيءٍ عن الجلَّى سريعٍ إلى الخنَا ... ذليلٍ بأجماعِ الرجالِ ملهدِ

فقوله: سريع وبطيء: تكافؤ، ومثل قول زهير:

حلماءُ في النادِي إذا ما جئتهمْ ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ

فقوله: حلماء وجهلاء: تكافؤ، ومثل قول حميد بن ثور الهلالي:

فلمْ أرَ محزوناً له مثلُ صوتهَا ... ولا عربياً شاقهُ صوتُ أعجمَا

فقوله: عربي وأعجم: تكافؤ، ومثل قول الآخر:

بطاءٌ عن الفحشاءِ لا يحضرونَهَا ... سراعٌ إلى داعِي الصباحِ المثوبِ

ومثل قول العباس بن مرداس:

مطهَّماً خلقهُ شثْناً سنابكهُ ... صعْلاً على أن في الجنبينِ إجفارَا

فجعل: صعلاً مكافئاً لمجفر، ومثل قول الفرزدق:

فتَى السنِّ كهلُ الحلْم قد عرفتْ لهُ ... قبائلُ ما بينَ الدنا وإيادِ

فقوله: فتى: مكافأة لقوله: كهل، وقال الفرزدق أيضاً:

لعمرِي لئنْ قلَّ الحصَى في رجالكُم ... بني نهشلٍ ما لؤمكمْ بقليلِ

فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب، ومنه قول خولة بنت عيينة بن مرداس، هو ابن فسوة الشاعر:

يحكُّ بحامِي أيرهِ باردَ استهَا ... كما استولجتْ ظمياءُ أيرَ ابن غالبِ

فكافأت بقولها حامي كذا وبارد كذا.

ومن هذه الجهة استجاد الناس قول دعبل، حين روي عنه أنه قال: أن ابن قولي:

لا تعجبِي يا سلمَ منْ رجلٍ ... ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكَى

لأن ضحك وبكى: مكافأة.

وقد أتى المحدثون من التكافؤ بأشياء كثيرة، وذلك أنه بطباع أهل التحصيل والروية في الشعر، والتطلب لتجنيسه، أولى منه بطباع القائلين

(1/52)

على الهاجس بحسب ما يسنح من الخاطر، مثل الأعراب ومن جرى مجراهم، على أن أولئك بطباعهم قد أتوا بكثير منه، وقد قدمنا بعضه.

ومما للمحدثين في ذلك، قول بشار:

إذا أيقظتكَ حروبُ العدَى ... فنبهْ لها عمَراً ثمَّ نَمْ

فنبه ونم: تكافؤ، وله أثر في تجويد الشعر قوي، فإنه لو قال مثلا: فجرد لها عمراً، لم يكن لهذه اللفظة من الموقع مع من ما لنبه.

الالتفاف:

ومن نعوت المعاني الالتفاف - وبعض الناس يسميه الاستدراك - وهو ا، يكون الشاعر آخذاً في معنى، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن راداً يرد عليه قوله، أو سلائلاً يسأله عن سببه، فيعود راجعاً على ما قدمه، فإما أن يؤكده أو يذكر سببه أو يحل الشك فيه، مثال ذلك قول المعطل، أحد بني رهم من هذيل:

تبينُ صلاةُ الحرب منا ومنهمُ ... إذا ما لتقينا والمسالمُ بادنُ

فقوله: والمسالم بادن: رجوع على المعنى الذي قدمه حين بين ان علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم يكون بادناً والمحارب ضامراً، وقول الرماح بن ميادة:

فلا صرمُة يبدُو، وفي اليأسِ راحةٌ ... ولا وصلُه يصفُو لنا فنكارِمُهْ

فكأنه بقوله: وفي اليأس راحة: التفت إلى المعنى، لتقديره أن معارضاً يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة.

ومن هذا الجنس قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

وأجمِلْ إذا ما كنتَ لا بُدَّ مانِعاً ... وقد يَمْنَعُ الشيءَ الفتَى وهو مجملُ.

ومنه قول امرئ القيس:

يا هَلْ أتاكَ وقد يُحَدِّثُ ذوُ ... الودِّ القديم مسمةَ الدَّخْل

فكأنه لما قال: أتاك، وكان المعنى مسراً غير مظهر، توهم أن المخاطب يقول له: كيف يبلغني؟ فقال: وقد يحدث ذو الود القديم مسمة الدخل، وقول طرفة:

(1/53)

وتصدُّ عنك مخيلةَ الرجلِ ال ... مشنوفِ موضحةٌ عن العظمِ

بحسامِ سيفكِ أو لسانكَ، وال ... كلمُ الأصيلُ كأرغبِ الكَلِم

فكأنه لما بلغ بعد حسامك إلى لسانك قدر أن معترضاً يعترضه، فيقول: كيف يكون مجرى السيف واللسان واحداً؟ فقال: والكلم الأصيل كأشد الجراح وأكثرها اتساعاً.

ومنه قول جدير بن ربعان:

معازيلُ في الهيجاءِ ليسُوا بذادَةٍ ... مجازيعُ عندَ اليأسِ، والحرُّ يصبِر

ففي قوله: والحر يصبر: التفات إلى أول كلامه.

الاستغراب والطرفة:

وقد يضع الناس في باب أوصاف المعاني: الاستغراب والطرفة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان.

وليس عندي أن هذا داخل في الأوصاف، لأن المعنى المستجاد إنما يكون مستجاداً إذا كان في ذاته جيداً، فإما أن يقال له: جيد، إذا قاله شاعر من غير أن يكون تقدمه من قال مثله، فهذا غير مستقيم، بل يقال لما جرى هذا المجرى: طريف وغريب، إذا كان فرداً قليلاً، فإذا كثر لم يسم بذلك.

وغريب وطريف، هما شيء آخر غير حسن أو جيد، لأنه قد يجوز أن يكون حسن جيد: غير طريف ولا غريب، وطريف غريب: غير حسن ولا جيد، فأما حسن جيد غير غريب ولا طريف، فمثل تشبيههم الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، فإنه ليس يزيل جودة هذا التشبيه تعاور الشعراء إياه قديماً أو حديثاً، وأما غريب وطريف لم يسبق إليه، وهو قبيح بارد، فملء الدنيا، مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها.

والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه لا إلى الشعر، غذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسناً سبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحاً الغفلة عن الابتداء بها، وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر، فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعماً، علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه، لا الشعر.

نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى:

ولنتبع ذكر المعاني، وهو القسم الرابع من أقسام الشعر المفردات: ذكر الأربعة المركبات، التي قدمنا القول فيها في أول الكتاب، ولنبدأ بأولها وهو:

(1/54)

نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى.

ومن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى المساواة.

المساواة:

وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى، حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلاً فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر، وذلك مثل قول امرئ القيس:

فإن تكتمُوا الداءَ لا نخفهِ ... وإن تبعَثُوا الحربَ لا نقعدِ

وإن تقتلونَا تقتلكمُ ... وإن تقصدُوا لدمٍ نقصدِ

وأعددتُ للحربَ وثابةً ... جوادَ المحثةِ والمردودِ

ومثل قول زهير:

ومهمَا تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإن خالهَا تخفَى على الناسِ تعلمِ

ومثل قوله:

إذا أنتَ لم تقصرْ عن الجهلِ والخنَا ... أصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ

ومثل قوله:

سعَى بعدهمْ قومٌ لكي يدركوهمُ ... فلم يدركُوا ولم يليمُوا ولم يألُوا

ومثل قول طرفة:

لعمركَ إن الموتَ ما أخطأَ الفتَى ... لكالطولِ المرخَى وثنياهُ باليدِ

ستبدِى لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تزودِ

ومثله قول خالد بن زهير ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:

فلا تجزعنْ من سنَّةٍ أنتَ سرتَها ... فأولُ راضٍ سنة من يسيرُها

ومثل قول ليلى الأخيلية:

فلا يبعدنكَ الله يا توبَ إنّما ... لقاءُ المنايَا دارِعاً مثل حاسرِ

ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإشارة:

الإشارة:

وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل

(1/55)

علياه، كما قال بعضهم، وقد وصف البلاغة، فقال: هي لمحة دالة، وذلك مثل امرئ القيس:

فإنْ تهلكْ شنوءةُ أو تبدلْ ... فسيري إن في غسانَ خَالا

بعزهمُ عززتِ وإن يذلُّوا ... فذلهمُ أنالكِ ما أنالا

فبنية هذا الشعر على أن ألفاظه، مع قصرها، قد أشير بها إلى معان طوال، فمن ذلك قوله: تهلك أو تبدل، ومنه قوله: إن في غسان خالا، ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح طويل، وهو قوله: أنالك ما أنالا. ومثل قول طرفة:

موضوعها زول ومرفوعها ... كمر غيث لجب وسط ريح

فقوله زول: مشار به إلى معان كثيرة، وهو شبيه بما يقول الناس في إجمال نعت الشيء واختصاره: عجب، ومثل قول إسماعيل ابن يسار النساء:

هاج ذا القلب من تذكر جمل ... ما يهيج المتيم المحزونا

فقد أشار هذا الشاعر بوله: ما يهيج المتيم المحزونا، إلى معان كثيرة. ومثل قول امرئ القيس:

على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان

فقد جمع بقوله: أفانين جري، على ما لو عد لكان كثيراً، وضم إلى ذلك أيضاً جميع أوصاف الجودة في هذا الفرس، وهو قوله: قبل سؤاله، أي يذهب في هذه الأفانين طوعاً ن غير حث، وفي قوله: قوله: غير كز ولا وان، ينفي عنه أن يكون معه الكزازة من قبل الجماح والمنازغة، والونى من قبل الاسترخاء والفترة.

ومثل قولا امرئ القيس أيضاً يصف ذئباً:

فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدفق

وجاء خفياً يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لازقاً كل ملزق

ففي هذا الشعر إجمال للمعاني كثير، وأوكد ما فيه من ذلك قوله: لازقاً كل ملزق. ومثل قول زهير:

فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء

(1/56)

ومثل قول أوس بن حجر:

فإن يهو أقوام ردائي فإنني ... يقيني الإله ما وقى وأصادف

ومثل قول قتادة بن طارق المازني من الأزد:

اهاجك ربع قد تحمل حاضره وأوحش بعد الحي منه مناظرهيقول: ما تنظر إلى موضع منه إلا ذكرت فيه من الأنس بمن كان يحله منا قد أوحش في هذا الوقت بخلوه منه، وللعامرية:

كيف الفخار وقد كانوا لنسوتكم ... يوم النسار، بنو ذبيان، أربابا

إذ جز ناصيتي حصن وأعتقني ... وذاك شيب مني اليوم ما شابا

ولامرئ القيس:

فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل تحسه متغيب

ولامرأة من عكل:

يا ابن الدعى إنها عكل فقف

لتعلمن اليوم إن لم تنصرف

أن الكريم واللئيم مختلف

ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإرداف:

الإرداف:

وهو أن يريد الشعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع به، فإذا دل على التابع أبان عن المنبوع، بمنزلة قول ابن أبي ربيعة:

بعية مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم

وإنما أراد هذا الشاعر أ، يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط.

ومثل قول امرئ القيس:

ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها، فقال: نؤرم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي

(1/57)

هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة، ومعنى عن في هذا البيت معنى: من بعد. وكذلك قوله:

وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل

فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يبعها أن تكون الأوابد، وهي الوحوش، كالمقيدة له إذا نحا في طلبها.

والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة، فيقولون: هو اول من قيد الأوابد، وإنما غزا بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة حضره، فلو قال ذلك بلفظه لم يكن الناس من الاستجادة لقوله مثلهم عند إتيانه بالردف له.

وفي هذا برهان على أن وضعنا الإرداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب.

ومنه قول ليلى الأخيلية:

ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما

فإنما أرادت وصفه بالجود والكرم، فجاءت بالأرداف والتوابع لهما، أما ما يتبع الجود، فإن تخرق قميص هذا المنعوت فسر أن العفاة تجذبه فتخرق قميصه من مواصلة جذبهم إياه، وأما ما يتبع الكرم فالحياء الشديد الذي كأنه من إماتته نفس هذا الموصوف وإزالته عنه الأشر يخال سقيما.

ومنه أيضاً قول الحكم الخضري:

قد كان يعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي

فأراد وصف الكبر والسن، فلم يأت باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي السعال والتنحنح.

أبيات المعاني: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات معان. وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف له غير ظاهر، أو كانت بينه وبينه أرداف أخر، كأنها وسائط، وكثرت حتى لا يظهر الشيء المطلوب بسرعة، وهذا الباب إذا غمض، لم يكن داخلاً في جملة ما ينسب إلى جيد الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق في اللفظ وتعذر العلم بمعناه.

التمثيل:

وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك

(1/58)

المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه.

مثال ذلك قول الرماح بن ميادة:

ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا

ولو أنني أذنبت ما كنت هالكاً ... على خصلة من صالحات خصالكا

فعدل عن أن يقول في البيت الأول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره، أو مقربا، فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى، ذهاباً نحو الامر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل له، وقصد الإغراب في الدلالة والابداع في المقالة، وكذلك قول عمير بن الأيهم:

راح القطين من الثغراء أو بكروا ... وصدقوا من نهار الأمس ما ذكروا

قالوا لنا وعرفنا بعض بينهم ... قولاً فما وردوا عنه وما صدروا

فقد كان يستغنى عن قوله: فما وردوا عنه ولا صدروا، بأن يقو: فما تعدوه، أو فما تجاوزوه، ولكن لم يكن له من موقع الإيضاح وغرابة المثل ما لقوله: فما وردوا عنه ولاصدروا.

ومن هذا قول بعض بني كلاب:

دع الشر واحلل بالنحاة تعزلا ... إذا هو لم يصبغك في الشر صابغ

ولكن إذا ما الشر ثار دفينه ... عليك فأنضج دبغ ما أنت دابغ

فأكثر اللفظ والمعنى في هذين البيتين جار على سبيل التمثيل، وقد كان يجوز أن يقال مكان ما قيل فيه: دع الشر ما لم تنشب فيه، فإذا نشبت فيه فبالغ، ولكن لم يكن لذلك من الحظ في الكلام الشعري والتمثيل الظريف ما لقول الكلابي، ومن هذا قول الآخر:

تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق

جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق

وفي قوله: جعلت يدي وشاحاً له، إشارة بعيدة لغير لفظ الاعتناق وهي دالة عليه.

ومنه قول يزيد بن مالك الغامدي:

فإن ضجوا منا زأرنا فلم يكن ... شبيهاً بزأر الأسد ضبح الثعالب

(1/59)

فقد أشار إلى قوتهم وضعف أعدائهم إشارة مستغربة، لها من الموقع بالتمثيل ما لم يكن لو ذكر الشيء المشار إليع بلفظه، ومثل ذلك قول عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة:

أوردتهم وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور

فقد اشار إلى الفجر إشارة بعيدة ظريفة بغير لفظه.

وكذلك قول اللعين المنقري، يصف ناره:

رأى أم نيران عواناً تكفها ... بأعرافها هوج الرياح الطرائد

فقد أومأ بقوله: أم نيران: إلى قدمها، وبعوان: إلى كثرة عادته لإيقادها، إيماء غريباً ظريفاً، وإن كانت العرب تقول ذلك في النار كثيراً.

وقال بعض العرب:

فتى صدمته الكأس حتى كأنما ... به فالج من دائها فهو يرعش

والكأس لا تصدم، ولكنه أشار بهذا التمثيل إشارة حسنة إلى سكره.

وقال العباس بن مرداس:

كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والبيض يومئذ عليهم أشمس

يريد أن البيض عليهم قد صارت شموساً.

المطابق والمجانس:

وقد يضع الناس من صفات الشعر: المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى، ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة.

المطابق:

فأما المطابق فهو ما يشترك في لفظة واحدة بعينها، مثل قول زياد الأعجم:

ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام

وقال الأفوه الأودي:

وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس

فلفظة: الهوجل في هذا الشعر واحدة قد اشتركت في معنيين، لأن الأولى يراد بها الأرض، والثانية الناقة، وكذلك قول أبي دؤاد الإيادي:

عهدت لها منزلاً دائراً ... وآلا على الماء يحملن آلا

فالآل الأول في المعنى غير الثاني، لأن الأول أعمدة الخيام، والثاني من السراب.

المجانس:

(1/60)

وأما المجانس؛ فأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق، مثل قول أوس بن حجر:

لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور

ومثل قول زهير:

كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم

ومثل قول العوام في يوم العظالي:

وفاض أسيراً هانئ وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عندما

ومثل قول حيان بن ربيعة الطائي:

لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد

ومثل قول الفرزدق:

خفاف أخف الله منه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب

ومثل قول الكميت:

فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرحل

ومثل قول مسكين الدارمي:

وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا

وكما قال النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:

ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم

وقال ذو الرمة:

كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح

وقال رجل من بني عبس:

وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا

وقال المرار:

وأعظمني أن أرى زائراً ... وأختلف الحي يوماً خلوفا

نعت ائتلاف اللفظ والوزن:

وهو ان تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر

(1/61)

الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها، وهي الأقوال، على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف مقدماً والصفة مقولة عليها، وغير ذلك مما لو ذهبنا إلى شرحه لاحتجنا إلى إثبات كثير من صناعتي المنطق والنحو في هذا الكتاب، فكان يصعب النظر فيه على أكثر الناس، ولكن في ما أجملته في هذا القول، وأشرت إليه من التنبيه على الطريق التي يعرف بها جودة هذا الباب ما كفى وأغنى عند ذوي القرائح السليمة، ومن قد تعلق ببعض الآداب السهلة.

ومن هذا الباب أيضاً ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجاً إليه، حتى أنه إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه، أو إسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلا به، حتى أن فقده قد آثر في الشعر تأثيراً بان موقعه.

ولمآت في هذا الباب بأمثلة، لأن كل شعر سليم مما ذكرت فهو مثال لذلك، فأما الأشعار التي لم تسلم منه، فأنا أذكرها في باب عيوب الشعر إن شاء الله تعالى.

نعت ائتلاف المعنى والوزن:

أن تكون المعاني تامة مستوفاة، لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه، وأن تكون المعاني أيضاً مواجهة للغرض لم تمتنع من ذلك ولم تعدل عنه من اجل إقامة الوزن والطلب لصحته، والسبب في تركنا أن نأتي لهذا الجنس بأمثلة من الشعر هو السبب في تركنا ذلك في باب ائتلاف اللفظ مع الوزن، ونحن نذكر ما يجب ذكره من أمثلة عيوب هذا الباب في جملة ما سنذكره من عيوب الشعر.

نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت:

أن تكون القافية معلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملائمة لما مر فيه.

فمن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر

(1/62)

البيت:

التوشيح.

التوشيح

وهو أن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، ومعناها متعلقاً به، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته، مثال ذلك قول الراعي:

وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا

فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت، وقد تقدمت عنده قافية القصيدة، استخرج لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله: وزن الحصى، سيأتي بعده: رزين، لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توجيه، والأخرى أن نظام المعنى يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى يلزمه أني قول في حصاه إنه رزين.

وقول العباس بن مرداس:

هم سودوا هجناً وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها

فمن تأمل هذا البيت، وجد أوله يشهد بقافيته، وقول نصيب:

وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين

وقول مضرس بن ربعي:

تمنيت أن ألقى سليماً ومالكاً ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا

ومن أنواع ائتلاف القافية مع سائر البيت: الإيغال.

الإيغال:

وهو ا، يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعراً، غليها، فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره في البيت، كما قال امرؤ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب

فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملاً قبل القافية، وذلك أن عيون الوحش شبيهة بالجزع، ثم لما جاء بالقافية أوغل بها في وصف ووكده، وهو قوله: الذي لم يثقب، فإن عيون الوحش غير مثقبة، وهي بالجزع الذي لم يثقب أدخل في التشبيه، وقال زهير:

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم

فالعهن: هو الصوف الأحمر، والفنا: حب تنبته الأرض أحمر، فقد أتى على الوصف

(1/63)

قبل القافية، لكن حب الفنا إذا كسر كان مكسره غير أحمر، فاستظهر في القافية لما أن جاء بها، بأن قال: لم يحطم، فكأنه وكد التشبيه بإبغاله في المعنى، قال امرؤ القيس:

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب

فقد تم أوصف والتشبيه قبل القافية، لأنه يكفي أن يشبه حفيف جري الفرس بالريح، فلما أتى بالقافية، أوغل إيغالاً زاد به في المعنى، وذلك أن الأثاب شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف شديد.

حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى.

قال: قلت: نحو من.

قال: نحو ذي الرمة، حيث يقول:

قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل

فتم كلامه قبل المسلسل، ثم قال: المسلسل، فزاد شيئاً. ثم قال:

أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل

فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: المفصل، فزاد شيئاً.

قال: قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى، حيث قال:

كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

فتم مثله إلى قوله: قرنه، فلما احتاج إلى القافية، قال الوعل، فزاد معنى.

قلت: فكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.

الفصل الثالث

عيوب الشعر

وإذ قد أتيت على ما قدرت أنه نعت للشعر، وعددت أجناس ذلك، وفصلت أنواعه.

فالآن أحب أن أبتدئ بذكر عيوب الشعر، وأذكر أجناس ذلك على الترتيب الذي رتبت النعوت عليه، وبحسب تلك السياقة.

(1/64)

عيوب اللفظ

أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة، وقد تقدم من استقصى هذا الفن، وهم واضعو صناعة النحو، وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذاً، وذلك هو الوحشي الذي مدح عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته له وتنكبه إياه، فقال: كان لا يتبع حوشي الكلام.

وهذا الباب مجوز للقدماء، ليس من أجل أنه حسن، لكن لأن شعرائهم من كان أعرابياً قد غلبت عليه العجرفية، وللحاجة أيضاً إلى الاستشهاد بأشعارهم في الغريب، ولأن من كان يأتي منهم بالوحشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب له، والتكلف لما يستعمله منه، لكن لعادته وعلى سجية لفظه.

فأما أصحاب التكلف لذلك، فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع، مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي وكان في زمن المهدي، وله في أبي عبيد الله كاتب المهدي قصيدة أولها:

تذكرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤه

وفيها يقول:

لأوحى وزير إمام الهدى ... لنا وهو بالإرب ذو محجوه

يسوس الأمور فتأتي له ... وما في عزيمته منهوه

وفي بالأمانة صفو التقى ... وما الصفو بالرنق المحموه

وعند معاوية المصطفى ... جباً غير مأج ولا مطرؤه

فقال الوزير الأمين: انظموا ... قريضاً عويصاً على لؤلؤه

فعبرت مرتفقاً وحيه ... بغير انصيار إلى المتكؤه

سيدني من الحق ذو فطنة ... معي في العواقب والمبدؤه

بيوتاً علي لها وجهة ... بغير السناد ولا المكفؤه

ومثل شعر أحمد بن جحدر الخراساني في مالك بن طوق؛ ويقال: إنها لمحمد بن عبد الرحمن الغريبي الكوفي، في عيسى الأشعري:

هيا منزل الحي جنب الغضا ... سلامك عن النوى تصرم

(1/65)

ويا طللاً آية ما ارتمت ... بليلاك غربتها المرجم

حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم

وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحي الجن زيزيزم

فبلغني أنه أنشد هذه القصيدة ابن الأعرابي، فلما بلغ إلى ههنا، قال له ابن الأعرابي: عن كنت جاداً فحسيبك الله.

ومنها:

لأم لكم نجلت مالكاً ... من الشمس لو نجلت أكرم

ومن أين مثلك؟ لا أين هو ... إذا الريق أقفر منه الفم

ومن الأعراب أيضاً من شعره فظيع التوحش، مثل ما أنشدناه أحمد ابن يحيى عن ابن الأعرابي لمحمد بن علقة التيمي، يقولها لرجل من كلب يقال له ابن الفنشخ، ورد عليه فلم يسقه:

أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ

أخطأت وجه الحق في التطخطخ

أما ورب الراقصات الزمخ

يخرجن من بين الجبال الشمخ

يزرن بيت الله عند المصرخ

لتمطخن برشاء ممطخ

ماء سوى مائي يا ابن الفنشخ

أو لتجيئن بوشي بخ بخ

من كيس ذي كيس مئن منفخ

قد ضمه حولين لم يسنخ

ضم الصماليخ صماخ الأصلخ

ومن عيوب اللفظ: المعاظلة.

المعالظة:

وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته لها أيضاً، فقال: وكان لا يعاظل بين الكلام.

وسألت أحمد بن يحيى عن المعاظلة، فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظل الجراداتان، وعاظل الرجل المرأة: إذا ركب أحدهما الآخر.

وإذا كان الأمر كذلك، فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من بعض، أو في ما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في ان يدخل بعضه في ما ليس من جنسه وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، مثل قول أوس بن حجر:

وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جدعاً

فسمى الصبي: تولباً، وهو ولد الحمار.

ومثل قول الآخر:

(1/66)

وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر

فسمى رجل الإنسان: حافراً.

فإن ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه.

وقد استعمل كثير من الشعراء الفحول المجيدين أشياء من الاستعارة ليس فيها شناعة كهذه، وفيها لهم معاذير، إذ كان مخرجها مخرج التشبيه، فمن ذلك قول امرئ القيس يصف الليل:

فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل

فكأنه أراد: أن هذا الليل في تطاوله كالذي يتمطى بصلبه، لا أن له صلباً، وهذا مخرج لفظه إذا تؤمل، ومنه قول زهير:

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله

فكأن مخرج كلام زهير إنما هو مخرج كلام من أراد: أنه لما كانت الأفراس للحرب، وإنما تعرى عند تركها ووضعها، فكذلك تعرى أفراس الصبا، إن كانت له أفراس، عند تركه والعزوف عنه. وكذلك قول أوس بن حجر:

وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها ناباً من الشر أعصلا

فإنه إنما أراد: أن هذه الحرب قديمة قد اشتد أمرها، كما يكون ناب البعير أعصل، إذا طال عمره واشتد.

وكذلك قول عنترة العبسي:

جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم

وقل طفيل الغنوي:

وحملت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل

وقول عمر بن كلثوم:

ألا ابلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولؤمك قارح

وقول أبي ذؤيب الهذلي:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

وقول أوس بن مغراء يهجو بني عامر:

يشيب على لوم الفعال كبيرها ... ويغذي بثدي اللؤم منها وليدها

(1/67)

وقال المخبل:

يعالج عزاً قد عسا عظم رأسه ... قراسية كالفحل يصرف يازله

فما جرى هذا المجرى مما له مجاز، كان أخف وأسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز، وكان منافراً للعادة، بعيداً عما يستعمل الناس مثله.

الكلام في عيوب الوزن:

ولنتبع الكلام في عيوب اللفظ بالكلام في عيوب الوزن، فنقول:

الخروج عن العروض:

من عيوبه: لخروج عن العروض، وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة. إلا أن من عيوبه التخليع.

التخليع:

وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط قائله في تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر كله، حتى ميله إلى الانكسار، وأخرجه عن باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة، إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض فيصح فيه، فإن ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة، ذلك مثل قول الأسود بن يعفر:

إنا ذممنا على ما خيلت ... سعد بن زيد وعمراً من تميم

وضبة المشترى العار بنا ... وذاك عم بنا غير رحيم

لا ينتهون الدهر عن مولى لنا ... قورك بالسهم حافات الأديم

ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم

لا نشتكي الوصم في الحرب ولا ... نئن منها كتأنان السليم

ومثل قول عروة بن الورد:

يا هند بنت أبي ذراع ... أخلفتني ظني ووترتني عشقي

ونكحت راعي ثلة يثمرها ... والدهر فائته بما يبقى

ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبح ذلك جودة الشعر، حتى أصاره إلى حد الردئ منه، فمن ذلك قوله:

والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب

فهذا معنى جيد ولفظ حسن، إلا أن وزنة قد شانه وقبح حسنه، وأفسد جيده.

فما

(1/68)

جرى من التزحيف هذا المجرى في القصيدة، أو الأبيات كلها أو أكثرها، كان قبيحاً من أجل إفراطه في التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه وكثرته ثانية، وإنما يستحب من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان في بيت أو بيتين من القصيدة من غير توال ولا اتساق، ولا إفراط يخرجه عن الوزن، مثل ما قال متمم بن نويرة:

وفقد بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم لأستكين وأضرعا

فأما الإفراط والدوام فقبيح.

الزحاف:

وقال إسحاق يحكي عن يونس أنه قال: أهون عيوب الشعر: الزحاف، وهو ا، ينقص الجزء عن سائر الأجزاء، فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع، وهو في ذلك جائز في العروض، قال خالد ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:

لعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلاً شاتمي تستخيرها

وهذا مزاحف في كاف سواك ومن أنشده خليلاً سواك كان أشنع.

قال: وكان الخليل بن أحمد رحمه الله يستحسنه في الشعر، إذا قل البيت أو البيتان، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج.

قال إسحاق: فإن قيل: كيف يستحسن منه شيئاً وقد قيل هو عيب؟ قيل: هذا مثل الحول والقبل واللثغ في الجارية، قد يشتهي القليل نمه الخفيف، وهو إن كثر هجن وسمج، والوضح في الخيل يشتهي ويستظرف خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا فشا وكثر، كان هجنة ووهناً.

قال: وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط، ولم أسمع به سابقاً.

ولنبتع الكلام في عيوب الوزن بالكلام في عيوب القوافي.

عيوب القوافي:

ولنتعد ما قد أتى به من استقصى ذلك فيما وضعه من الكتب، إذ كان لاارب في إعادته، ولكنا نتكلم في ذلك بظاهر ما يعرفه جمهور الناس من المعايب التي ليست من جنس ما وضعت فيه الكتب.

ولنذكر مما وضع فيها ما كانت القدماء تعيب به دون غيره، فن ذلك التجميع.

التجميع:

وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه،

(1/69)

مثل ما قال عمرو بن شأس:

تذكرت ليلى، لات حين ادكارها ... وقد حني الأصلاب، ضلاً بتضلال

ومثل قول الشماخ:

لمن منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها

ومن عيوبها الإقواء.

الإقواء:

وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة مثلاً، وأخرى مخفوضة او منصوبة، وهذا في شعر الأعراب كثير جداً، وفي من دون الفحول من الشعراء أكثر، ولا يجوز لمولد، لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر.

قال إسحاق: قلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوى، فقال: الإفواء خير منه. يعني من فوقه من الشعراء يقوى.

وقد ركب بعض فحول الشعراء الإقواء في مواضع، مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحي:

عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون

وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين.

فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكنه كأنه وقف القوافي فلم يحركها، وقال جرير:

عرين من عرينة ليس منا ... برئت إلى عرينة من عرين

عرفنا جعفراً وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرينا

الإيطاء:

ومنه: الإيطاء، وهو ان يتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن زادت على اثنين فهو أسمج، فإن اتفق اللفظ واختلف المعنى كان جائزاً، كقولك: أريد خياراً، وأوثر خياراً أي تريد خياراً من الله لك في كذا وخيار الشيء: أجوده، والإيطاء من المواطأة، أي الموافقة، قال الله تبارك وتعالى: ليواطئوا عدة ما حرم الله أي ليوافقوا. ومنه السناد.

السناد:

وهو أن يختلف تصريف القافية، كما قال عدي ابن زيد:

ففاجأها وقد جمعت جموعاً ... على أبواب حصن مصلتينا

فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا

وكقول الفضل بن العباس اللهبي:

عبد شمس أبي فإن كنت غضبى ... فاملئي وجهك المليح خموشا

(1/70)

نحن كنا سكانها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا

والسناد من قولهم: خرج بنو فلان برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهذا على حياله، وهو مثل ما قالوا: كانت قريش يوم الفجار متساندين، أي لا يقودهم رجل واحد.

ولنتبع ذلك بالكلام على عيوب المعاني.

عيوب المعاني:

قد كنا قدمنا في باب النعوت، أن جملتها أن يكون المعنى مواجهاً للغرض، غير عادل عنه إلى جهة أخرى، وبينا من الأغراض التي تنتحيها الشعراء في ذلك الموضع ما إذا حفظ عرف العيب بالعدول عنه، وبدأنا في باب النعت بأمور جعلناها مثالات، فلا بأس في أضدادها بمثالات أيضاً.

ذكر المديح

لما كنا قدمنا من حال المديح الجاري على الصواب ما أنبأنا أنه الذي يقصد فيه المدح للشيء بفضائله الخاصية، لا بما هو عرضي فيه، وجعلنا مديح الرجال مثالاً في ذلك، وذكرنا أن من قصد لمدحهم بالفضائل النفسية الخاصية كان مصيباً، وجب أن يكون ما يأتي به من المدح على خلاف الجهة التي ذكرناها في النعوت معيباً.

ومن الأمثلة الجياد في هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس الرقيات، حيث عتب عليه في مدحه إياه: إنك قلت في مصعب بن الزبير:

إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء

وقلت في:

يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب

فوجه عتب عبد الملك: إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية، التي هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، وما جانس ذلك، ودخل في جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم في البهاء والزينة، وقد كنا قدمنا أن ذلك غلط وعيب.

(1/71)

ومنه قول أيمن بن خزيم، في بشر بن مروان:

يا ابن الذوائب والذرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنا الأقعس

وابن الأكارم من قريش كلها ... وابن الخلائف وابن كل قلمس

من فرع آدم كابراً عن كابر ... حتى انتهيت إلى أبيك العنبس

مروان إن قناته خطية ... غرست أرومتها أعز المغرس

وبنيت عند مقام ربك قبة ... خضراء كلل تاجها بالفسفس

فسماؤها ذهب وأسفل أرشها ... ورق تلألأ في البهيم الحندس

فما في هذه الأبيات يتعلق بالمدح الحقي، وذلك أن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم في الفضل، ولم يذكر هذا الشاعر شيئاً غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة في نفسه أصلاً، وذكر بعد ذلك بناءه قبة، ثم وصف القبة بأنها من الذهب والفضة، وهذا أيضاً ليس من المدح، لأن في المال والثروة مع الضعة والفهة ما يمكن معه بناء القباب الحسنة واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحاً يعتد به، ولا نعتاً جارياً على حقه.

ومما نذكره في هذا الموضع، ليصح به شدة قبح هذا المدح، قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار:

يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع

وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع

فقد أحسن هذا الشاعر، حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما، وقال أيضاً أيمن بن خريم في بشر:

فلو أعطاك بشر ألف ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا

وأعقب مدحتي سرجاً خلنجا ... وأبيض جوزجانياً عقودا

فإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكاراً ولودا

فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في الجود أولاً، ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج وغيره، ثم ذكر في البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذماً أقرب، وذلك أنه جعل أمه ولوداً، والناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر:

(1/72)

يغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور

ذكر عيوب الهجاء

كما أن معرفة رداءة المدح قد كان سهلها معرفة جيدة، فكذلك عيب الهجاء يسهل الطريق إلى العلم به ما تقدم في باب نعته، وجماع القول فيه: أنه متى سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيباً في الهجاء، مثل أن ينسب إلى أنه قبيح الوجه، أو صغير الحجم، أو ضئيل الجسم، أو مقتر، أو معسر، أو من قوم ليسوا بأشراف، إذا كانت أفعاله في نفسه جميلة، وخصاله كريمة نبيلة، أو أن يكون أبواه مخطتين، إذا كان مصيباً، أو غويين، إذا وجد رشيداً سديداً، أو بقلة العدد، إذا كان كريماً، أو بعدم النظار، إذا كان راجحاً شهماً، فلست أرى ذلك هجاء جارياً على الحق.

ومما يدل على ذلك، بعد القياس الصحيح، والنظر الصريح، أشعار وأقوال أعددها، فمنها ما أنشدناه أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب:

رأت نضو أسفار أميمة قاعداً ... على نضو أسفار فجن جنونها

فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي ثلة لا نزينها

فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها

فهذا صريح في أن القبح والشحوب والسماجة ليست بعار.

ومن هذا أيضاً قول بعضهم في ابن له ازدراه رجال، فمنعهم من نعمه، وقد أغاروا عليها:

رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح

ومن الأبيات الأول في أن قلة المال ليست عاراً قوله:

عليك براعي ثلة مسلحبة ... يروح عليه محضنها وحقينها

سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها

وللسموأل في أن قلة العدد ليس عيباً ولا سبة:

تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثيرين ذليل

(1/73)

فعدى هذا الشاعر عن الهجاء الذي عيرتهم به هذه المعيرة، واحتج فيه بما دل على أنه غير صائر، ثم وصف بعد ذلك نفسه وقومه بالأوصاف التي هي لائقة بالمدح، وفي ذكرنا إياها في هذا الموضع منفعة في تعليم الهجاء الجاري على الصواب، فقال:

وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول

وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث مات قتيل

لن اجبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل

فأتى في هذه الأبيات بالمدح من جهة الشجاعة والبأس والعز، ثم قال:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول

إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول

سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول

فأتى في هذه الأبيات بالوصف من جهة العقل والرأي والفهم، ثم قال:

فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل

فأتى بالمدح من جهة الجود، وهو أحد أقسام العدل، كما بينا، ثم قال:

صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول

فأتى بالمدح من جهة العفة، إذ كان في ذكره طيب الحمل دليل على ذلك؛ أفلا ترى أن هذا الشاعر، لما علم أن المعيرة لم تأت بما يضرهم، احتج في ذلك بما يزيل الظنة عنهم، ثم عمد إلى الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، فأوجبها لهم، فكأنه أرى بهذا الفعل أن ما قالته المعيرة غير جار على الصواب.

وأنشدنا أحمد بن يحيى في هذا المعنى:

وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... سخي وأخزى أن يقال بخيل

وبلغني أن ابن الزبير لما دخل الشام ناداه أهلها: يا ابن ذات النطاقين، فقال لابن أبي عتيق:

وتلك شكاة ظاهر عنك عاراها

فأبان بهذا القول أنه لا يلزمه ما يقال في أمه.

وإذا تؤمل ما ذكرته في هذا الباب، لم يبعد الوقوف على عيب الهجاء كيف يتعرف.

(1/74)

عيوب المراثي:

وأما المراثي: ففي ما قدمته في باب نعوتها ما أبان عن الوجه في باب عيوبها، إذا كان النظر صحيحاً والفكر سليماً.

عيب التشبيه

وأما عيب التشبيه: فتلك سبيله أيضاً لمن كان حافظا لما تقدم من أقوالنا في باب نعوته.

عيب الوصف

وأما عيب الوصف: فبالمضادة في باب نعوته.

الغزل

وأما الغزل: فالقول فيه كالقول فيما مر من هذه الأبواب، إذا كان عيبه إنما هو مضادة ما قدمنا ذكره في باب نعته.

ومن الغزل الجاري على تلك المضادة، وفيه - مع أنه مثال في هذا الموضع للعيب - توكيد لما قدمناه في باب النعوت، قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان:

فلمَّا بدَا لي ما رابنِي ... نزعتُ نزوعَ الأبيِّ الكريمْ

وبلغني أن أبا السائب المخزومي لما أنشد هذا البيت، قال، قبحه الله، لا والله ما أحبها ساعة قط.

ومثلها لنابغة بني تغلب، واسمه الحارث بن عدوان أحد بني زيد ابن عمرو بن غنم بن تغلب:

هجرتَ أمامةَ هجْراً طويلاً ... وما كان هجركَ إلا جمِيلا

على غَيْرِ بغضٍ ولا عنْ قِلى ... وإلاَّ حياءً وإلا ذهُولاً

بخلنَا لبخلكِ قدْ تعلمِين ... فكيف يلومُ البخيلُ البخِيلا

ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان ما يحتاج فيه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة، غير مستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيباً، إلا أنه لما يكن عيباً على الإطلاق، وأمكن أن يكون حسناً، إذ كان قد يحتاج إلى الخشونة في مواضع مثل ذكر البسالة والنجدة واليأس

(1/75)

والمرهبة، كان أحق المواضع التي يكون فيها عيباً الغزل لمنافرته تلك الأحوال وتباعده منها، فمن الكلام المستثقل في الغزل قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:

إن تنأَ داركِ لا أملُّ تذكُّراً ... وعليكِ منِّي رحمةٌ وسلامُ

ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضاً:

سلامَ ليتَ لساناً تنطقينَ به ... قبلَ الذي نالني من صوتِهِ قطعَا

فما رأيت أغلظ ممن يدعو على معشوقته، حيث أجادت في غنائها له، بقطع لسانها.

العيوب العامة للمعاني:

وأما العيوب العامة للمعاني، من الأغراض التي ذكرناها وغيرها، وعموم ذلك إياها، كعموم النعوت التي قدمنا وعددنا في أبوابها، فمنها فساد القسم:

فساد القسم:

وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين: أحدهما داخل تحت الآخر في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر في المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتي به.

التكرير:

فأما التكرير، فمثل قول هذيل الأشجعي:

فما برحت تومي إليه بطرفها ... وتومض أحياناً إذا خصمها غفل

لأن تومض وتومي بطرفها متساويان في المعنى.

دخول أحد القسمين في الآخر:

وأما دخول أحد القسمين في الآخر، فمثل قول أحدهم:

أبادرُ إهلاك مستهلكٍ ... لماليَ أو عبثَ العابِث

فعبث العابث داخل في إهلاك مستهلك.

ومثل قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:

لله نعمتُنا تبارَك ربُّنا ... ربُّ الأنامِ وربُّ من يتأبدُ

فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله: من يتأبد الوحش، وذلك أن من لا تقع على الحيوان غير الناطق، وإذا كان الأمر على هذا، فمن يتوحش داخل في الأنام، أو يكون أراد بقوله: يتأبد يتقرب من الأبد، وذلك داخل في الأنام أيضاً.

وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما في الآخر، فمثل قول أبي عدي القرشي:

(1/76)

غير ما أنْ أكونَ نلتُ نوَالاً ... من نداهَا عفْواً ولا مهنِيَّاً

فالعفو قد يجوز أن يكون مهنياً، والمهني قد يجوز أن يكون عفواً.

وقد ضحك من أنوك سأل مرة فقال: علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم؟ فلأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر، والتميمي قد يكون جاهلياً وإسلامياً. ومن ذلك قول عبد الله بن سلمة الغامدي:

فهبطتُ غيْثاً ما تفزعُ وحشهُ ... من بين سربٍ ناوي وكنوسِ

ناو: سمين، يقال: نوى سمن، والسمين يجوز أن يكون كانساً أو راتعاً، والكانس يجوز أن يكون سميناً أو هزيلاً.

وأما القسم التي يترك بعضها مما لا يحتمل الواجب تركه، فمثل قول جرير في بني حنيفة:

صارتْ حنيفةُ أثلاثاً فثلثهمُ ... من العبيدِ وثلثٌ من مواليهَا

وبلغني أن هذا الشعر أنشد في مجلس، ورجل من بني حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره. ومن عيوب المعاني:

فساد المقابلات.

ومن كان حافظاً لما ذكرناه من صحة المقابلات في باب النعوت ظهر له الحال في فسادها كثيراً.

فساد المقابلات

وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إما على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه، مثال ذلك قول أبي عدي القرشي:

يا ابنَ خيرِ الأخيارِ من عبدِ شمسٍ ... أنت زينُ الدنيا وغيثُ الجنودِ

فليس قوله: وغيث الجنود، موافقاً لقوله: زين الدنيا، ولا مضاداً، وذلك عيب. ومنه قول هذا الرجل أيضاً في مثل ذلك:

رحماءٌ بذي الصلاح وضرَّاً ... بونَ قدْماً لهامةِ الصنديدِ

فليس للصنديد فيما تقدم ضد ولا مثل، ولعله لو كان مكان قوله: الصنديد الشرير،

(1/77)

كان ذلك جيداً لقوله: ذو الصلاح. وللعدول عن هذا العيب غير الرواة قول امرئ القيس:

فلوْ أنها نفسٌ تموتُ سويةً ... ولكنَّها نفسٌ تساقطُ أنفُسا

فابدلوا مكان: سوية: جميعة لأنها في مقابلة تساقط أنفساً أليق من سوية. ومن عيوب المعاني:

فساد التفسير.

فساد التفسير

ومن كان ذاكراً لما قدمناه في باب نعت هذا المعنى عرف الوجه في عيبه. مثال في ذلك: ما جاءني به بعض الشعراء في هذا الوقت، وأنا أطلب مثالات في هذا الباب، يستفتيني فيه وهو:

فيَا أيها الحيرانُ في ظلمِ الدجَى ... ومن خافَ أن يلقاهُ بغيٌ من العدَى

تعالَ إليه تلقَ من نورِ وجههِ ... ضياءً ومن كفيهِ بحراً من الندَى

وقد كان هذا الرجل يسمعني كثيراً أخوض في أشياء من نقد الشعر، فيعي بعض ذلك، ويستجيد الطريق التي أوضحها له، فلما وقع هذان البيتان في قصيدة له، ولاح له ما فيهما من العيب، ولم يتحققه صار إلي فيهما، وذكر انه عرضهما على جماعة من الشعراء وغيرهم، ممن ظن أن عنده مفتاحاً له، وأن بعضهم جوزهما، وبعضهم شعر بالعيب فيهما ولم يقدر على شرحه، فذكرت له الحال فيه، وأثبت البيتين في هذا الباب مثالاً.

ووجه العيب فيهما: أن هذا الشاعر، لما قدم في البيت الأول الظلم وبغي العدى، كان الجيد أن يفسر هذين المعنيين في البيت الثاني بما يليق بهما، فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان الواجب أن يأتي بإزاء بغي العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان من أعدائه، فلم يأت بذلك وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر الفقر أو العدم لكان ما أتى به صواباً.

وقد يتفرع من هذا الباب خطآن إذا وقعا فيه، خرجا إلى بابين آخرين من أبواب عيوب الشعر.

أحدهما: أن يكون هذا الشاعر مثلاً لو لم يأت بخلاف القسم الثاني، بل تركه، لدخل في باب الخلل؛ ولو لم يتركه، بل أتى به وزاد عليه، لدخل في باب الحشو، وقد ذكرنا هذين البابين في مواضعهما.

(1/78)

ومن عيوب المعاني:

الاستحالة والتناقض.

الاستحالة والتناقض

وهما أن يذكر في الشعر شيء، فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة، والأشياء تتقابل على أربع جهات:

إما على طريق المضاف، ومعنى المضاف هو الشيء الذي إنما يقال بالقياس إلى غيره، مثل الضعف إلى نصفه، والمولى إلى عبده، والأب إلى ابنه، فكل واحد من الأب والابن والمولى والعبد والضعف والنصف يقال بالإضافة إلى الآخر، وهذه الأشياء من جهة ما أن كل واحد منها يقال بالقياس إلى غيره، هي من المضاف، ومن جهة أن كل واحد منها بإزاء صاحبه كالمقابل له، فهي من المتقابلات.

وإما على طريق التضاد، مثل: الشرير للخير، والحار للبارد، والأبيض للأسود.

وإما على طريق العدم والقنية، مثل الأعمى والبصير، والأصلع وذي الجمة. وإما على طريق النفي والإثبات، مثل أن يقال: زيد جالس، زيد ليس بجالس.

فإذا أتى في الشعر جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات، وكان هذا الجمع من جهة واحدة، فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية، بل هو لاحق بجميع المعاني، وأعني بقولي: من جهة واحدة: ا، هـ قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور أو منظوم متقابلان من هذه المتقابلات، ويكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من جهة واحدة، فيكون الكلام مستقيماً غير محال ولا متناقض، مثال ذلك أن يقال في تقابل المضاف: إن العشرة مثلاً ضعف وإنها نصف، لكن يقال: إنها ضعف لخمسة ونصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالاً إذا قيل من جهتين، فأما من جهة واحدة كما إذا قيل: إنها ضعف ونصف لخمسة فلا.

وكذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم والقنية من جهتين، مثال ذلك أن يقال: زيد أعمى بصير القلبن فيكون ذلك صحيحاً، فأما من جهة واحدة، كما لو قيل في إنسان: واحد إنه أعمى العين بصيرها، فلا.

وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر: حار عند البارد، وبارد عند الحار، فأما عند أحدهما فلا.

وفي النفي والإثبات أن يقال: زيد جالس، في وقته الحاضر الذي هو فيه جالس، وغير جالس في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام، فذلك جائز، فأما في وقت واحد وحال واحدة جالس وغير جالس فلا.

ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل، مثل ما قال خفاف بن ندبة:

إذا انتكثَ الحبلُ ألفيتَه ... صبورَ الجنانِ رزيناً خفيفَاً

(1/79)

فلو لم تكن إرادته أنه رزين من حيث ليس خفيفاً، وخفيف من حيث ليس رزيناً، لم يجز، ومثل ما قال الشنفرى:

فدقتْ وجلتْ واسبكرتْ وأكملتْ ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ

فإنه إنما أراد دقت من جهة وجلت من أخرى، فأما لو كان أراد أنها دقت من حيث جلت، لم يكن جائزاً.

وقد جاء في الشعر من الاستحالة والتناقض ما لا عذر فيه، وما جمع فيما قيل فيه بين المتقابلات من جهة واحدة، ومنه ما التناقض فيه ظاهر، يعلم في أول ما يلقى السمع، ومنه ما يحتاج إلى تنبيه على موضع التناقض فيه.

ومما جاء في ذلك على جهة التضاد، قول أبي نواس يصف الخمر:

كأنَّ بقايا ما عفَا من حبابِها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ

فشبه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز، لأن الحباب يشبه الشيب في البياض وحده، لا في شيء آخر غيره، ثم قال:

تردتْ به ثم انفرَى عن أدِيمها ... تفرىَ ليلٍ عن بياض نهارٍ

فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل، هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من جهات العذر، لأن الأبيض والأسود طرفان متضادان، وكل واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد يوصف بأنه أبيض وأسود، إلا كما يوصف الأدكن في الألوان بالقياس إلى واحد من الطرفين اللذين هو واسطة بينهما، فيقال: إنه عند الأبيض أسود، وعند الأسود أبيض، وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة. ولعل قوماً أن يحتجوا لأبي نواس بأن يقولوا: إن قوله:

تفرى ليل عن بياض نهار

لم يرد به أسود ولا أبيض، لكن الذي أراده إنما هو ذات التفري وانحسار الشيء عن الشيء، أسود كان أو أبيض أو غير ذلك من الألوان.

فنقول: من يحتج بهذه الحجة تبطل من جهات: إحداها: أن الرجل قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط، بقوله: عن بياض نهار، والثانية: تشبيهه الحباب بالشيب، لأن الحباب لا يشبه الشيب من جهة من الجهات غير البياض، والثالثة: أن النهار والليل ليس هما غير الضياء والظلمة، فيظن بالجاعل

(1/80)

لهما في وصف من الأوصاف أنه أراد شيئاً آخر، فإن القائل مثلاً في شيء إنه قد تبرأ من شيء كما تتبرأ الشعرة من العجين، قد يجوز أن يصرف قوله هذا على وجهين: أحدهما: أن يظن أنه أراد ذات تبرؤ شيء، ويجوز أن يظن أنه إنما أراد تبرؤ الأسود من الأبيض، لأن في الشعرة والعجين جسماً يجوز أن يتبرأ من جسم، وسواداً وبياضاً، فأما الليل والنهار فليس هما غير سواد وبياض فقط، فأما جسم يتبرأ من جسم فلا. التناقض على طريف المضاف: ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق المضاف، قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:

فإنِّي إذا ما الموتُ حلَّ بنفسِها ... يزالُ بنفسِي قبلَ ذاكَ فأقبرُ

فقد جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي به، وجوابه هو قوله: يزال بنفسه قبل ذاك، وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله، ومنزلة هذا التناقض عندي فوقه منزلة جمع المتقابلين في الشناعة، لأن هذا الشاعر جعل ما هو قبل بعداً.

التناقض على طريق القنية والعدم

ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم، قول ابن نوفل:

لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشيخٍ ... كبيرِ السنِّ ذي بصرٍ ضريرٍ

فلفظة: ضرير إنما تستعمل - وهي تصريف فعيل من الضر - في الأكثر للذي لا بصر له، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ: إنه ذو بصر وإنه ضرير، تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصراً ولا بصر له، فهو بصير أعمى.

فإن قال قائل: إنه ضرير، راجع على البصر بأنه أعمى، فالعرب أولاً إنما تريد بضرير الإنسان الذي قد لحقه الضر بذهاب بصره لا البصر نفسه، وأيضاً فليس البصر هو العين التي يقع عليها العمى بل ذات الإبصار، وذات الإبصار لا يقال: إنها عمياء، كما لا يقال: إن حدة السيف كليلة، بل إنما يقال: إن السيف كليل، لأن الحدة، لا تكل، وكذلك البصر لا يعمى، ولكن هو في توسع اللغة، وتسمح العرب في اللفظ جائز على طريق المجاز، وقد جاء في أقوى المواضع حجة، وهو القرآن في قوله عز وجل فإنها لا تعمي الأبصار ولكنه إذا جاز في البصر أن يقال: أعمى، فلا أراه يجوز

(1/81)

أن يقال فيه: مضرور، وارى إنما يدخل في هذا الباب.

ومن التناقض قول ابن الرمة:

تراهُ إذا أبصرَ الضيفَ كلبهُ ... يكلمهُ من حبّه وهو أعجمُ

فإن هذا الشاعر أقنى الكلب الكلام، في قوله: أنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم، من غير أن يزيد في القول ما يدل على أن ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة، فإن عذر هذا الشاعر ببعض المعاذير، إذ كانت الحجج كثيرة، فهلا قال كما قال عنترة العبسي:

فازورَّ من وقعِ القَنا بلبانهِ ... وشكَا إلى بعبرةٍ وتحمحمِ

فلم يخرج الفرس عما له من التحمحم إلى الكلام، ثم قال:

لو كانَ يدرِي ما المحاورةُ اشتكَى ... ولكان، لو علِم الكلامَ، مكلمِي

فوضع عنترة ما أراده في موضعه.

التناقض على طريق الإيجاب والسلب

ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق الإيجاب والسلب، قول عبد الرحمن بن عبد الله القس:

أرى هجرهَا والقتلَ مثلينِ فاقصرُوا ... ملامكمُ فالقتلُ أعفَى وأيسرُ

فأوجب هذا الشاعر الهجر والقتل أنهما مثلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إن القتل أعفى وأيسر، فكأنه قال: إن القتل مثل الهجر، وليس هو مثله.

وأرى أن هذا الشاعر أراد أن يقول: بل القتل أعفى وأيسر، ولو قال: بل لكان الشعر مستقيماً، لأن مقام لفظة: بل مقام ما ينفي الماضي ويثبت المستأنف، لكنه لما لم يقلها، وأتى بجمع الإثبات ونفيه استحال شعره.

وليس إذا علمنا أن شاعراً أراد لفظة تقيم شعره، فجعل مكانها لفظة تحيله وتفسده، وجب أن يحتسب له ما يتوهم أنه أراده، ويترك ما قد صرح به، ولو كانت الأمور كلها تجري على هذا لم يكن خطأ.

وأرى أن مما يجري هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدي، حيث قال:

أكفُّ الجهلَ عن حلماءِ قومي ... وأعرضُ عن كلامِ الجاهلينَا

ثم قال في هذه القصيدة بعد هذا البيت:

إذا رجلٌ تعرضَ مستخِفاً ... لنا بالجهلِ أوشكَ أن يحينَا

(1/82)

فقد أوجب هذا الشاعر في البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ونفى ذلك بعينه في البيت الثاني بتعديه في معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات وهو القتل.

ولأبي نواس أيضاً شيء شبه هذا وهو قوله:

ولي عهدٍ مالهُ قرينُ ... ولا له شبهٌ ولا خدينُ

استغفرُ اللهَ، بلَى هارونُ ... يا خيرَ من كانَ ومن يكونُ

إلا النبيُّ المصطفَى الميمونُ ... ذلت بك الدُّنيا وعزَّ الدينُ

فصير هارون شبيهاً بولي العهد، ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه إما خير منه، وليس خيراً منه، لأنه شبيهه أو كشبيهه، وليس بشبيهه، لأنه خير منه، وهذا جمع بين النفي والإثبات.

ومما يجري هذا المجرى، وقد أنكره الناس وعابوه، قول زهير ابن أبي سلمى:

حيَّ الديارَ الَّتي لم يعفُهَا القدمُ ... بلَى وغيرهَا الأرواحُ والديمُ

إيقاع الممتنع

ومن عيوب المعاني: إيقاع الممتنع فيها في حال ما يحوز وقوعه ويمكن كونه، والفرق بين الممتنع والمتناقض - الذي تقدم الكلام فيه - أن المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوره في الوهم، والممتنع لا يكون، ويجوز أن يتصور في الوهم.

ومما جاء في الشعر - قد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه - قول أبي نواس:

يا أمينَ الله عِشْ أبَداً ... دُمْ عَلَى الأيامِ والزمنِ

فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبداً، أو دعا له، وكلا الأمرين، مما لا يجوز، مستقبح.

ولعل معترضاً أن يعترض على هذا القول منا في هذا الموضع فيقول: إنه مناقضة لا استجزناه ورأيناه صواباً في صدر هذا الكتاب من الغلو، ويجعل قول أبي نواس هذا غلواً، يلزمنا تجويزه، كما أصلنا تجويز الغلو وتجويده.

ونحن نقول: إن هذا وما أشبهه ليس غلواً ولا إفراطاً، بل خروجاً عن حد الغلو الذي يجوز أن يقع إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لأن الغلو إنما هو تجاوز في نعت ما

(1/83)

للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لأن الذي كنا قلنا: إنه جائز، مثل قول النمر بن تولب:

تظلُّ تَحفرُ عنهُ إن ضربتَ بهِ ... بعد الذراعينِ والساقينِ والهادِي

فليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي. وأن يؤثر بعد ذلك ويغوص في الأرض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون: وكذلك ما قلناه فيما قال مهلهل:

فلوْلا الريحُ أسمعَ أهلُ حجرٍ ... صليلَ البيض تقرعُ بالذكورِ

فإنه أيضاً ليس يخرج عن طباع أهل حجر أن يسمعوا الأصوات من الأماكن البعيدة، ولا خارج عن طباع البيض أن تصل ويشتد طنينها بقرع السيوف إياها، ولكن يبعد بعد المسافة بين موضع الوقعة وحجر بعداً لا يكاد يقع.

وليس في طباع الإنسان أن يعيش أبداً، وأيضاً فإنا كنا قد قدمنا أن مخارج الغلو إنما هي على يكاد وليس في قول أبي نواس: عش أبداً، موضع يحسن فيه، لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبداً.

مخالفة العرف:

ومن عيوب المعاني: مخالفة العرف، والإتيان بما ليس في العادة والطبع، وذلك مثل قول المرار:

وخالٍ على خديك يبدُو كأنَّهُ ... سنا البدْر في دعجاءَ بادٍ دجونهَا

فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سود، أو ما قاربها في ذلك اللون، والخدود الحسان إنما هي البيض، وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.

ومن هذا المجلس قول الحكم الخضري:

كانتْ بنُو غالبٍ لأمتها ... كالغيثِ في كلِّ ساعةٍ يكفُ

فليس في المعهود أن يكون الغيث واكفاً في كل ساعة.

(1/84)

نسب الشيء إلى ما ليس منه:

ومن عيوب المعاني: أن ينسب الشيء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان:

فإن صورةٌ راقتكَ فاخبُرْ فربَّما ... أمرَّ مذاقُ العودِ، والعودُ أخضرُ

فهذا الشاعر بقوله: ربما أمر مذاق العود والعود أخضر.

كأنه يومئ إلى أن سبيل العود الأخضر، في الأكثر، أن يكون عذباً، أو غير مر، وهذا ليس بواجب، لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه بالآخر.

ولنتبع ما تكلمنا به في عيوب المعاني بما في الأقسام الأربعة المؤتلفة. من ذلك: عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى. فمنها:

الإخلال:

وهو أن يترك من اللفظ ما به يتم المعنى.

مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:

أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحب من الأكثر الرائث

فإنما أراد أن يقول: عاجل ما أشتهي مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطئ فترك مع القلة وبه يتم المعنى.

ومثل ذلك قول عروة بن الورد:

عجبتُ لهم إذ يقتلونَ نفوسهمْ ... ومقلتهمْ عند الوغَى كان أعذرَا

فإنما أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم، ومقلتهم عند الوغى أعذر فترك في السلم.

ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلزة:

والعيشُ خيرٌ في ظِلا ... لِ النوكِ ممنْ عاَش كدَّا

فأراد أن يقول: والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل فترك شيئاً كثيراً، وعلى أنه لو قال ذلك لكان في هذا الشعر خلل آخر، لأن الذي يظهر أنه أراده، هو أن يقول: إن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل فأخل بشيء كثير.

ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم:

(1/85)

لا يرمضُون إذا حرتْ مغافرهمْ ... ولا ترى منهمْ في الطعنِ ميَّالا

ويفشلونَ إذا نادَى ربيئهمْ ... ألا اركبنَّ فقد آنستُ أبطالا

فأراد أن يقول: ولا يفشلون فحذف لا فعاد المعنى إلى الضد ومن عيوب هذا الجنس، عكس العيب المتقدم، وهو أن يزيد في اللفظ ما يفسد به المعنى، مثال ذلك قول بعضهم:

فما نطفةٌ من ماءِ نحضٍ عذيبةٌ ... تمنعُ من أيدِي الرقاةِ ترومُها

بأطيبَ مِنْ فيها لو أنكَ ذقتهُ ... إذا ليلةٌ أسجتْ وغارتْ نجومهَا

فقول هذا الشاعر: لو أنك ذقته زيادة توهم أنه لو لم يذقه لم يكن طيباً.

عيوب ائتلاف اللفظ والوزن: منها الحشو.

الحشو: وهو أ، يخشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة الوزن.

مثال ذلك ما قال أبو عدي القرشي:

نحنُ الرؤوسُ وما الرؤوسُ إذا سمتْ ... في المجدِ للأقوَام كالأذنابِ

فقوله: للأقوام، حشو لا منفعة فيه.

وقال مصقلة بن هبيرة:

ألكْنِي إلى أهلِ العراقِ رسالةً ... وخصَّ بها، حييتَ، بكرَ بنَ وائلِ

فقوله: حييت، حشو لا منفعة فيه. ومنها التثليم.

التثليم:

وهو أن يأتي الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض، فيضطر إلى ثلمها النقص منها، مثال ذلك قول أمية بن أبي الصلت:

لا أرَى من يعيننِي في حياتِي ... غيرَ نفسِي إلا بنِي إسرالِ

وقال في هذه القصيدة:

أيُّما شاطنٍ عصَاه عكاهُ ... ثمَّ يلقَى في السجنِ والأكبَال

وقال علقمة بن عبدة:

كأنَّ إبريقهمْ ظبيٌ على شرفِ ... مقدمٌ بسبا الكتان ملثومُ

أراد: بسبائب الكتان، فحذف للعروض. وقال لبيد بن ربيعة:

درسً المنا بمتالعٍ فأبانٍ

أراد المنازل.

(1/86)

ومنها التذنيب.

التذنيب:

وهو عكس العيب المتقدم، وذلك أن يأتي الشاعر بألفاظ تقصر عن العروض، فيضطر إلى الزياد فيها.

مثال ذلك ما قال الكميت:

لا كعبدِ المليكِ أو كيزيدِ ... أو سليمان بعدُ أو كهشامِ

فالملك والمليك اسمان لله عز وجل، وليس إذا سمي إنسان بالتعبد لأحدهما، وجب أن يكون مسمى بالآخر، كما أنه ليس من سمى: عبد الرحمن هو من سمى عبد الله. ومن هذا الجنس: التغيير.

التغيير:

وهو أ، يحيل الشاعر الاسم عن حاله وصورته إلى صور أخرى، إذا اضطرته العروض إلى ذلك.

كما قال بعضهم يذكر سليمان عليه السلام:

ونسج سليم كل قضاء ذائل

وكما قال آخر:

منْ نسجٍ داودِ أبي سلامِ

ومنه التفصيل.

التفصيل:

وهو ألا ينتظم للشاعر نسق الكلام على ما ينبغي لمكان العروض، فيقدم ويؤخر، كما قال دريد بن الصمة:

وبلغْ نميراً، إن عرضتً، ابن عامرٍ ... فأيُّ أخٍ في النائباتِ وطالبِ

ففرق بين نمير بن عامر بقوله: إن عرضت، وكما قال أبو عدي القرشي:

خيرُ راعي رعيةٍ، سرهُ الله ... هشامٌ وخيرُ مأوى طريد

وكما قال الآخر:

لعمرُ أبيها لا تقولُ حليلتي ... ألا فرَّ عني مالكُ بنُ أبي كعبْ

عيوب ائتلاف المعنى والوزن:

منها المقلوب.

المقلوب:

وهو أن يضطر الوزن الشعري إلى إحالة المعنى، فيقلبه الشاعر إلى خلاف ما قصد به.

مثال ذلك لعروة بن الورد:

فلو أنِّي شهدتُ أبا سعادٍ ... غداةَ غَداً بمهجتهِ يفوقُ

فديتُ بنفسهِ نفسِي وماليِ ... وما آلوكَ إلا ما أطيقُ

أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي، فقلب المعنى. وللحطيئة:

فلمَّا خشيتُ الهونَ والعيرُ ممسكٌ ... على رغمهِ ما أثبتَ الحبل حافرهُ

أراد: الحبل حافره، فانقلب المعنى.

ومنها المبتور:

المبتور:

وهو ان يطول المعنى عن أن

(1/87)

يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمه في البيت الثاني، مثال ذلك قول عروة بن الورد:

فلو كاليَوْم كان علي أمرِي ... ومَنْ لك بالتدبُّرِ في الأُمُور

فهذا البيت ليس قائماً بنفسه في المعنى، ولكنه أتى بالبيت الثاني بتمامه، فقال:

إذاً لملكتُ عصمَة أمِّ وهبٍ ... علَى ما كان من حسَك الصدورِ

وقال امرؤ القيس:

أبعدَ الحارثِ الملكِ ابن عمروٍ ... وبعدَ الخيرِ حُجْرٍ ذِي القبابِ

فالمعنى ناقص عن تمامه، فأتمه في البيت الثاني، وقال:

أرجِّى من صروفِ الدهرِ ليناً ... ولم تغْفُلْ عن الصمّ الصلابِ

عيوب ائتلاف المعنى والقافية: منها:

التكلف في طلب القافية: أن تكون القافية مستدعاة قد تكلف في طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها، مثل ما قال أبو تمام الطائي:

كالظبيَة الأَدْمَاءِ صافتْ فارتعتْ ... زهَرَ العَرَارِ الغضَّ والجَثْجَاثا

فجميع هذا البيت مبني لطلب هذه القافية، وإلا فليس في وصف الظبية بأنها ترتعي الجثجاث كبير فائدة، لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها بأن يقال: إنها تعطو الشجر، لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ذعراً يسيراً قد لحقها، كما قال الطرماح:

مِثْلَ ما عَايَنْتَ مَخْرُوفة ... نصَّها ذاعِرُ رَوْعِ مُؤامْ

فأما أن ترتعي الجثجاث، فلا أعرف له معنى في زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعي التي توصف بأن ام يرتعى يؤثره: الإتيان بالقافية لتكون نظير لأخواتها في السجع: ومن عيوب هذا الجنس: أن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها في السجع، لا لأن لها فائدة في معنى البيت، كما قال علي بن محمد البصري:

وسابِغَةُ الأذيالِ زَغْفٌ مُفَاضَةٌ ... تَكَنَّفَها مِنِّي نِجَادٌ مُخَطَّطُ

في وصف الدرع وتجويد نعتها.

فليس يزيد في جودتها أن يكون نجادها مخططاً، دون أن يكون أحمر أو أخضر، أو غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع.

ومن هذا الجنس: قول أبي عدي القرشي:

(1/88)

وَوُقِيتَ الحُتوفَ مِن وارثٍ وَا ... لٍ وأَبْقَاكَ صَالِحاً ربُّ هودِ

فليس نسبة هذا الشاعر الله عز وجل إلى أنه رب هود بأجود من نسبته إلى أنه رب نوح، ولكن القافية كانت دالية، فأتى بذلك للسجع لا لإفادة معنى بما أتى به منه.

(1/89)