لقد جشأت نفسي عشية مشرف

لَقَدْ جَشَأَتْ نَفْسي عَشِيَّة َ مُشْرِفٍ

​لَقَدْ جَشَأَتْ نَفْسي عَشِيَّة َ مُشْرِفٍ​ المؤلف ذو الرمة



لَقَدْ جَشَأَتْ نَفْسي عَشِيَّة َ مُشْرِفٍ
 
وَيَوْمَ لِوَى حُزْوَى فَقُلْتُ لَهَا صَبْرَا
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازعٌ
 
دَعَاهُ الْهَوَى فَارْتَادَ مِنْ قِيْدِه قَصْرَا
فقلتُ اربعا يا صاحبيَّ بدمنة ٍ
 
بِذِي الرّمْثِ قَدْ أَقْوَتْ مَنَازِلُهَا عَصْرَا
أَرَشَّتْ بِهَا عَيْنَاك حَتَّى كَأَنَّمَا
 
تَحُلاَّنِ مِنْ سَفْحِ الدُّمُوعِ بِهَا نَذْرَا
وَلاَ مَيَّ إِلاَّ أَنْ تَزورَ بِمُشْرِفٍ
 
أو الزُّرقِ منْ أطلالها دمناً قفرا
تعفَّتْ لتهتالَ الشِّتاءِ وهوِّشتْ
 
بها نائجاتِ الصَّيفِ شرقيَّة ً كدرا
فَمَا ظَبْيَة ٌ تَرْعَى مَسَاقِطَ رَمْلَة ٍ
 
كَسَا الْوَاكِفُ الْغَادِي لَهَا وَرَقاً نَضْرَا
تلاعاً هراقتْ عندَ حوضى وقابلتْ
 
مِنَ الْحَبْلِ ذِي الأَدْعَاصِ آمِلَة ً عُفْرَا
رأتْ اناً عندَ الخلاءِ فأقبلتْ
 
ولمْ تبدِ إلاَّ في تصرفها ذعرا
بِأَحْسَنَ مِنْ مَيٍّ عَشِيَّة َ حَاوَلَتْ
 
لتجعلَ صدعاً في فؤادكَ أو وقرا
بِوَجْهٍ كَقَرْنِ الشَّمسِ حُرٍّ كَأَنَّمَا
 
تهيضُ بهذا القلبِ لمحتهُ كسرا
وَعَيْنٍ كَأَنَّ الَبْابِلِيَّيْنِ لَبَّسَا
 
بِقَلْبِكَ مِنْهَا يَوْمَ مَعْقُلَة ٍ سِحْرَا
وذي أشرٍ كالأقحوانِ ارتدتْ بهِ
 
حَنَادِيجُ لَمْ يَقْرَبْ سِبَاخاً وَلاَ بَحْرَا
وجيدٍ ولبَّاتٍ نواصعَ وضَّحٍ
 
إذا لمْ تكنْ منْ نضحِ جاديِّهِ صفرا
فيا ميُّ ما أدراكِ أينَ مناخنا
 
معرَّقة َ الألحي يمانية ً سجرا
قدْ اكتفلتِ بالحزنِ واعوجَّ دونها
 
ضواربُ منْ خفَّانَ مجتابة ٌ سدرا
حَرَاجِيجَ مَا تَنْفكُّ إِلاَّ مُنَاخَة ً
 
على الخسفِ أو نرمي بها بلداً قفرا
إِذَا نَزَلَتْ قِيلَ انْزِلُوا وَإذَا
 
يُغَنِّي بِنَابَيْهِ مُطْلَّحَة ً صُعْرَا
 
نَشِيجِ الشَّجَا جَآءَتْ إِلَى ضِرْسِهِ نَزْرَا
طَوَاهُنَّ قَوْلُ الرَّكْبِ سِيرُوا إِذَا اكْتَسَى
 
منَ اللِّيلِ أعلى كلَّ رابية ٍ خدرا
وَتَهْجِيْرُنَا وَالْمَرْوُ حَامٍ كَأَنَّمَا
 
يطأنَ بهِ، والشَّمسُ بادية ٌ، جمرا
وأرضٍ فلاة ٍ تسحلُ الرِّيحُ متنها
 
كساها سوادُ اللَّيلِ أردية ً خضرا
 
بِهَا النَّاسُ إِلاَّ أَنْ يَمُرُّوا بِهَا سَفْرَا
طوتنا بها الصُّهبُ المهاري فأصبحتْ
 
يناصيبُ أمثالِ الرِّماحِ بها غبرا
مِنَ اْلبُعْدِ خَلْفَ الرَّكْبِ يَلْوُونَ نَحْوَهَا
 
لأعناقهمْ كمْ دونها نظراً شزرا
إِذَا خَلَّفَتْ أَعْنَاقُهُنَّ بَسِيَطَة ً
 
منَ الأرضِ أو خشباءَ أو جبلاً وعرا
نظرنَ إلى أعناقِ رملٍ كأنَّما
 
يقودُ بهنَّ الآلُ أحصنة ً شقرا
وسقطٍ كعينِ الدِّيكِ عاورتُ صاحبي
 
أباها وهيَّأنا لموقعها وكرا
 
إذا نحنُ لمْ نمسكْ بأطرافها قسرا
قدْ انتتجتْ منْ جانبٍ منْ جنوبها
 
عَوَاناً وَمِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبهَا بكْرَا
فلمَّا بدتْ كفَّنْتُها وهي طفلة ٌ
 
بِطَلْسآءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعاً وَلاَ شبْرَا
وقلتُ لهُ: ارفعها إليكَ فأحيها
 
بِرُوحِكَ وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَة ً قَدْرَا
وظاهرْ لها منْ يابسِ الشَّختِ واستعنْ
 
عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا ستْرَا
فَلَمَّا جَرَتْ في الجَزْلِ جَرْياً كَأَنَّهُ
 
سنا الفجرِ أحدثنا لخالقها شكرا
 
ذوابلَ مما يجمعونَ ولا خضرا
أخوها أبوها والضَّوى لا يضيرها
 
وَسَاقُ أَبِيهَا أُمُّهَا اعْتَقَرَتْ عَقْرَا
وقرية ٍ لا جنٍّ ولا أنسيَّة ٍ
 
مُدَاخِلَة ٍ أَبْوَابُهَا بُنِيَتْ شَزْرَا
 
وَلِكنَّهَا كَانَتْ لِمَنْزِلِنَا قَدْرَا
ومضروبة ٍ في غيرِ ذنبٍ بريئة ٍ
 
كَسَرْتُ لأَصْحَابِي عَلَى عَجَلٍ كَسْرَا
وَسَوْدَآء مِثْلِ التُرْسِ نَازَعْتُ صُحْبَتي
 
طفاطفها لمْ نستطعْ دونها صبرا
وَأَبْيَضَ هَفَّافِ القَمِيصِ أَخَذْتُهُ
 
فَجِئْتُ بِهِ لِلْقَوْمِ مُغْتَصِباً ضَمْرَا
 
حملتُ لأصحابي ولَّيتها قترا
 
وطئنا عليها ماتقولُ لنا هجرا
 
ولمْ تبدِ ناباً للقتالِ ولا ظفرا
وأسودَ ولاَّجٌ بغيرِ تحيَّة ٍ
 
على الحيِّ لمْ يجرمِ ولم يحتملْ وزرا
قبضتُ عليهِ الخمسَ ثمَّ تركتهُ
 
وَلَمْ أَتَّخِذْ إِرْسَالَهُ عِنْدَهُ ذُخْرَا
وَمَيِّتة ِ الأجْلاَدِ يَحْيَا جَنِينُهَا
 
لأَوَّلِ حَمْلٍ ثُمَّ يُورِثُهَا عُقْرَا
وأشعثَ عاري الضَّرَّتينِ مشجَّجٍ
 
بِأَيْدِي السَّبَايَا لا تَرَى مِثْلَهُ جَبْرَا
كأنَّ على أعراسهِ وبنائهِ
 
وئيدَ جراحٍ قرَّحٍ ضبرتْ ضبرا
وداعٍ دعاني للنَّدى وزجاجة ٍ
 
تحسَّيتها لمْ تقنَ ماءً ولاخمرا
ومنسدحٍ بينَ الرَّحا ليسَ يشتكي
 
إِذَا ضَجَّ وَابْتَلَّتْ جَوَانِبُهُ فَتْرَا
وذو شعبٍ شتَّى كسوتُ فروجهُ
 
لغاشية ٍ يوماً مقطَّعة ً حمرا
وَخَضْرَاءَ في وَكْرَيْنَ عَرْعَرتُ رَأسَهَا
 
لأبلي إذا فارقتُ في صحبتي عذرا
وَفَاشيَة ٍ فِي الأَرْضِ تُلْقِي بَنَاتهَا
 
عَوَارِيَ لاَتُكْسَى دُرُوعاً ولا خُمْرَا
إِذَا مَا الْمَطَايَا سُفْنَهَا لَمْ يَذُقْنَهَا
 
وَإِنْ كَانَ أَعْلَى نَبْتِهَا نَاعِماً نَضْرَا
محملجة ِ الأمراسِ ملساً متونها
 
سقتها عصاراتُ السَّرى فبدتْ عجرا
وَوَارِدة ٍ فَرْداً وَذَاتِ قَرِينَة ٍ
 
تبينُ إذا قالتْ وما نطقتْ شعرا
وبيضاءَ لمْ تطبعْ ولمْ تدرِ ما الخنا
 
ترى أعينَ الفتيانِ منْ دونها خزرا
وأسمرَ قوَّامٍ إذا نامَ صحبتي
 
خفيفِ الثِّيابِ لا نواري لهُ أزرا
 
عَدَتْ ذَاتُ بِرْزِيقٍ تَخَالُ بِهَا فَخْرَا
وَأَقْصَمَ سَيَّارٍ مَعَ الْحَيِّ لَمْ يَدَعْ
 
تراوحُ حافاتِ السَّماءِ لهُ صدرا
وأصغرَ منْ قعبِ الوليدِ ترى بهِ
 
قباباً مبنَّاة ً وأودية ً خضرا
وشعبٍ أبى أنْ يسلكَ الغفرَ بينهُ
 
سَلَكْتُ قُرَانَى مِنْ قَيَاسِرَة ٍ سُمْرَا
ومربوعة ٍ ربعيَّة ٍ قدْ لبأتها
 
بكفَّيَّ في دوَّيَّة ٍ سفراً سفرا