افتح القائمة الرئيسية
مبحث الاجتهاد والخلاف
  ► ويكي مصدر:إسلام مطبوع ضمن "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، الجزء الثالث مختصر من إعلام الموقعين ◄  

محتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

قال ابن القيم في إعلام الموقعين: [1]

إذا قال الصحابي قولا، فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا. فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن خالفه أعلم منه كالخلفاء الراشدين أو بعضهم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والصحيح أنه أرجح. فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب، فإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلفا فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة وإطلاع، ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والإخوة، وكون الطلاق بفم واحد مرة واحدة، وإن تلفظ فيه بالثلاث، وجواز بيع أمهات الأولاد. ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدا ولا فتوى ولا حكم مأخذهما ضعيف أبدا.

وإن لم يخالف الصحابي صحابي آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا؛ فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقال بعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة. وإن لم يشتهر أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس هل يكون حجة؟ فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وهو مذهب مالك وأصحابه، وإسحاق وأبي عبيد، ومنصوص أحمد ومنصوص الشافعي في القديم والجديد.

والذين قالوا ليس بحجة قالوا: لأن الصحابي مجتهد يجوز عليه الخطأ، ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابي ومن دونه، ولأن التابعي إذا أدرك عمر الصحابة اعتد بخلافه، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه، ولأن الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول الصحابي ليس واحدا منها، ولأن امتيازه بكونه أفضل وأعلم لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من التابعين.

فنقول: الكلام في مقامين:

أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم

الثاني: في الجواب عن شبه النفاة.

أما الأول فمن وجوه:

الوجه الأول

ما احتج به مالك، وهو قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} الآية، [2] فوجه الدلالة أن الله سبحانه أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، ولو كان تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا، فأما العلماء فلا يجوز لهم اتباعهم.

فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، والدليل قوله: (بِإِحْسَانٍ)، ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق، وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول الدين، وقوله: (بِإِحْسَانٍ) أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساؤوا؛ لقوله: "وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" [3] وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه، وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة، أو الأعلم كقول أخرى، أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.

فالجواب من وجوه:

أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه:

أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [4] ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.

الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق، لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبعه كل أحد.

الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا؛ فإن لم تجز فهو المطلوب، وإن جازت فقد خولفوا في تخصيص الحكم واتبعوا في حسن الاستدلال، فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم.

الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا، بدليل أن من خالف مجتهدا لا يصح أن يقال اتبعه، وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال: اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد.

الخامس: أن الاتباع افتعال من التبع، وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه، وكل واحد من المجتهدين ليس متبعا للآخر.

السادس: أن الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير ألا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة لا يكون لهم هذا المنصب.

السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم لم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به عليه، فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، لا سيما وتلك لا اختصاص لها به، لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته، وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم وكلاهما مؤثر كان التفريق أولى.

وأما قوله: {بِإِحْسَانٍ} فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف، لأنه إذا خالف لم يتبع فضلا عن أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم؛ لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا بد مع ذلك أن يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم، لئلا يقع اغترار بمجرد الموافقة قولا، وأيضا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم، اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم، وهذا مثل قوله بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية. [5] وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح، لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتابين، ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. وأيضا فإنه إذا قيل: فلان يتبع فلانا، ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية، فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع، لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع بأولى من وصفه بأنه مخالف، ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له، لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعا لغيره وفرعا عليه، وأصول الدين ليست كذلك، ولأن الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.

وأما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم، فنقول: الآية اقتضت الثناء على كل من اتبع كل واحد منهم، كما أن قوله: {(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ} يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي} وكذلك في قوله: {اتَّبَعُوهُمْ} لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين.

وأيضا فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من تلك المسميات كقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [6] وقوله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. [7]

وأيضا فإن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وقوله {يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} فإن لفظ "الأمة" ولفظ "سبيل المؤمنين" لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ "السابقين" فإنه يتناول كل فرد من السابقين.

وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن. فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم، فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين. أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال اتبع السابقين، لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا، فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضا. أما إذا قال قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول. وأيضا فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا، فلو فرضنا أن الطالب عثر على نص يخالف قول أحد منهم، فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه، أما إذا رأينا رأيا، فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي.

وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه، لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خلق عظيم، ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك، فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه، إذ الاتباع في هذا غير مؤثر.

وأيضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله ﷺ وحينئذ فلا يحتاج في ذلك إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ﷺ. ثم لو فرضنا أحدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين. وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر. وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون إماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.

وأما قولهم: ليس فيها ما يوجب اتباعهم، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام، فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم، بل قولا بعلم، وهو المقصود، وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أو اجتهادا.

وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد، لأنه مرضي؛ وإن كان تقليدهم جائزا أو مستثنى من التقليد المحرم، فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان. فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد العالم وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان. وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب ولا ينال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل منه، فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله، فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه، وقولهم أرجح بلا شك. وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، فلو أريد التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة النصيب الأوفى، وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ.

وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن تركه موجب الرضوان، لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده.

وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب، لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أو عفوه، والعفو بعد انعقاد سبب الخطيئة. وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب، لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع بالأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا، فيقتضي ذم المخطئ، وليس كذلك. أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد أن ثبت أن فيها رضى الله.

وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضى الله لم يكن رضى الله في ضده بخلاف الأفعال، وقد يكون رضى الله في الأفعال المختلفة وفي الترك بحسب قصدين وحالين. أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضى الله لم يكن الحق إلا هو، فوجب اتباعه.

فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك؟

قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائل بالفرق، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم.

الوجه الثاني

قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} هذا قصه الله سبحانه عن صاحب (يس) على سبيل الرضى بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها، وكل الصحابة رضي الله عنهم لم يسألنا أجرا، وهم مهتدون، بدليل قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} الآية و "لعل" من الله واجب، وقوله {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} وقوله: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وكل منهم قاتل في سبيل الله، وجاهد إما بيده أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، ومن هداه فهو مهتد، فيجب اتباعه للآية.

الوجه الثالث

قوله سبحانه وتعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} وكل من الصحابة منيب إلى الله، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله. والدليل عن أنهم منيبون إلى الله أن الله سبحانه قد هداهم، وقد قال تعالى: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.

الوجه الرابع

قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} فأخبر سبحانه أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله على بصيرة، ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}.

الوجه الخامس

قوله سبحانه وتعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد ﷺ، والدليل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وحقيقة الاصطفاء افتعال من التصفية، فيكون قد صفّاهم من الأكدار؛ والخطأ من الأكدار، فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا، لأن الحق لم يعدهم، ولا يكون قول بعضهم كدرا، لأن مخالفة الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا.

الوجه السادس

أن الله سبحانه شهد لهم أنهم أوتوا العلم، بقوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} وقوله: {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} وقوله: {رْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} واللام في العلم ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث الله به نبيه ﷺ. وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم كان اتباعهم واجبا.

الوجه السابع

قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية. شهد لهم سبحانه أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر، إذ الصواب معروف والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على أن الإجماع حجة.

الوجه الثامن

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد ﷺ. ولا ريب أنهم أئمة الصادقين. وكل صادق بعدهم فبهم يأتم في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، فتنتفي عنه المعية المطلقة. وإن ثبت له قسط من المعية فيما وافقهم فيه فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط. وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق، وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان، وإن قيل: معه شيء من العلم. ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله سبحانه لم يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن نحصل من المعية ما يصدق عليه الاسم، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب من أوامره، فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم.

الوجه التاسع

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه وتعالى أخبر أنه جعلهم أمة خيارا عدلا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة. والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوَّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم. والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق، فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به. فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله ولا يفتي غيره بالحق، كانت هذه الأمةُ العدلُ قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسما أفتى بالباطل، وقسما سكت.

الوجه العاشر

قوله تبارك وتعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الآية. فأخبر سبحانه وتعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من جبى الشيء يجبيه إذا ضمه إليه. فهم الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته، ولهذا أمرهم سبحانه أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم. ثم أخبر سبحانه أنه يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم من حرج البتة، لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر سبحانه أنه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم، ثم نوه بهم، وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناء بهم ورفعة لشأنهم وإعلاء لقدرهم، ثم أخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس، فيكون مشهودا لهم بشهادة الرسول ﷺ شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه وإشادة الذكر بهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين. والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة، فيفتي بعضهم بالخطأ ولا يفتي غيره بالصواب ويظفر به من بعدهم. والله المستعان.

الوجه الحادي عشر

قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. أخبر سبحانه عن المعتصمين به أنهم قد هدوا إلى الحق، والصحابة معتصمون بالله، لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ومعلوم كمال تولي الله سبحانه لهم ونصره إياهم أتم نصر، وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام.

الوجه الثاني عشر

قوله تعالى عن أصحاب موسى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}. فأخبر سبحانه أنه جعل منهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم. إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فإن الداعي إلى الله لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه؛ فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه. وأصحاب محمد ﷺ أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة.

الوجه الثالث عشر

قوله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}. وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع، كالأمة والأسوة، وقد قيل: هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار، وقيل: مصدر كقتال وضراب، أي ذوى إمام، والصواب الوجه الأول، فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، والتقوى واجبة فالائتمام بهم واجب.

الوجه الرابع عشر

ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [8] فأخبر أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير؛ وإلا لكانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا. ثم هذا يتعدد في مسائل عدة، لأن من يقول ليس بحجة، يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا ولم يخالفه صحابي آخر، وهذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء.

الوجه الخامس عشر

ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى قال: "صليت المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، فجلسنا فخرج علينا، قال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم جلسنا حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" [9] ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، ومعلوم أن هذا يعطي من وجوب الاهتداء بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه.

الوجه السادس عشر

ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح". قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح. وروى ابن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: "مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام". ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب ملح القوم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن علي الجعفي عن أبي موسى -يعني إسرائيل- عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام". قال: يقول الحسن: هل يطيب الطعام إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف بقوم ذهب ملحهم؟. ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به، فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ويظفر بالصواب من بعدهم، لكان من بعدهم ملحا لهم. يوضحه أن الملح كما أنه صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطؤوا لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه.

الوجه السابع عشر

ما روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" [10] وفي لفظ: "فوالذي نفسي بيده" [11] وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الفتح والحديبية؛ فإذا كان مد أحد أصحابه ونصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من الصحابة، فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب ويظفر به من بعدهم؟

الوجه الثامن عشر

ما روى الحميدي: حدثنا محمد بن طلحة، حدثني عبد الرحمن بن سالم ابن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا" الحديث. [12] ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله ويعطيه من بعدهم.

الوجه التاسع عشر

ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح". [13] ومن المحال أن يخطئ الحق خير قلوب العباد بعد رسول الله ﷺ ويظفر به من بعدهم.

وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون، فإما أن يروه حسنا أو قبيحا، فإن رأوه حسنا فهو حسن عند الله، وإن رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم، وهذا من أبين المحال.

الوجه العشرون

ما رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود أنه قال: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".

الوجه الحادي والعشرون

ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا".

الوجه الثاني والعشرون

ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من الخوارج؛ فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: "يا أخابث خلق الله، في اتباعنا تختارون الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟ اخرجوا عني".

الوجه الثالث والعشرون

ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي" الحديث. [14] وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به. فقرن سنة الخلفاء بسنته وأمر باتباعها وبالغ في الأمر بها، وهذا يتناول ما أفتوا به، وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنته، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون؛ ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.

الوجه الرابع والعشرون

ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذيْن من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" قال الترمذي: هذا حديث حسن. [15]

الوجه الخامس والعشرون

ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا"، وهو في حديث الميضأة الطويل. [16]

الوجه السادس والعشرون

أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع والأقرع: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما". [17]

الوجه السابع والعشرون

أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: "هذان السمع والبصر" [18] أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما من الدين بمنزلة السمع والبصر.

الوجه الثامن والعشرون

ما رواه أبو داود عن أبي ذر قال: "مر فتى على عمر، فقال عمر: نعم الفتى، فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى، استغفر لي، فقال: يا أبا ذر، أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ قال: استغفر لي، قال: لا، أو تخبرني، قال: إنك مررت على عمر، فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله ﷺ: يقول: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".

الوجه التاسع والعشرون

ما رواه مسلم عن عائشة: قال رسول الله ﷺ "قد كان فيمن خلا من الأمم أناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فهو عمر" [19] وهو في المسند والترمذي من حديث أبي هريرة. والمحدَّث هو المكلَّم الذي يلقي الله في روعه الصواب، يحدثه به الملك عن الله.

الوجه الثلاثون

ما رواه الترمذي عن عقبة بن عامر مرفوعا: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" [20] وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر". [21] قال الترمذي: حديث حسن.

الوجه الحادي والثلاثون

ما روى ابن أبي خالد عن الشعبي أن عليا قال: "ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر". ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي. [22]

الوجه الثاني والثلاثون

ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: "ما رأيت عمر إلا وكأن ملكا بين عينيه يسدده". [23]

الوجه الثالث والثلاثون

ما رواه الأعمش عن شقيق، قال: قال عبد الله: والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. [24]

الوجه الرابع والثلاثون

ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد قال: "كان ابن عباس إذا سئل عن شيء فكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه".

الوجه الخامس والثلاثون

ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد". [25] كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة [26] عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلا، ثم ذكر من حديث عمرو بن حريث نحوه.

الوجه السادس والثلاثون

ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: "كتب عمر إلى أهل الكوفة: قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي". [27]

الوجه السابع والثلاثون

ما قاله عبادة بن الصامت وغيره: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم". [28]

الوجه الثامن والثلاثون

ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رقى المنبر فقال: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده.." إلخ. [29]

الوجه التاسع والثلاثون

ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: "لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر" إلخ. [30]

الوجه الأربعون

ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا نائم إذ أُتيت بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: العلم". [31]

الوجه الحادي والأربعون

ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "اللهم فقهه في الدين". [32]

الوجه الثاني والأربعون

أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث ولا اختلاف بين الصحابة وإنما قال بعضهم فيها قولا ولم يعلم أنه اشتهر في الباقين ولا أنهم خالفوه، فنقول: من تأمل المسائل الفقهية وتصرف في مداركها وارتوى من مواردها، علم قطعا أن كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد أو قياس صحيح ينشرح له الصدر، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع، لا سيما إذا اختلف الفقهاء، فإن عقولهم من أكمل العقول. فإذا وجد قول لأصحاب رسول الله ﷺ الذين هم سادات الأمة وأعلم الناس، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهته من أقوى الظنون، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا به أرجح من كثير من الظنون.

الوجه الثالث والأربعون

أن الصحابي إذا قال قولا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث، بل قبل البعث، إلى أن توفي.

فقول القائل: لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي ﷺ لذكره، قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء سمعوه من النبي ﷺ مرارا ولا يصرحون بالسماع. فتلك الفتوى لا تخرج عن ستة أوجه:

أحدها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ.

الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.

الثالث: أن يكون فهمها من كتاب الله فهما خفي علينا.

الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي.

الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان، من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وعلى هذه التقادير يكون حجة يجب اتباعها.

السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول ﷺ وأخطأ في فهمه، ومعلوم أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، وليس المطلوب إلا الظن الغالب. هذا فيما انفردوا به عنا. أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالة الألفاظ والأقيسة، فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا وأعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب. وأما المتأخرون فقلوبهم [33] متفرقة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة شعبة، وفكرهم في كلام شيوخهم شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية -إن كان لهم همم تسافر إليها- وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل المشروع.

الوجه الرابع والأربعون

أن النبي ﷺ: قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" [34] وقال علي: "لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته". فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في العصر ناطق بالصواب لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم.

الوجه الخامس والأربعون

إذا قالوا قولا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئا لذلك القول ومبتدعا له؛ وقد قال النبي ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" [35] وقال ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، [36] فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". [37] وقال أيضا: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". وقال أيضا: "أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما مُرَيّة أو رجيل أدرك ذلك الزمان، فالسمت الأول، فالسمت الأول، فأنا اليوم على السنة". وقال عمر بن عبد العزيز كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائما، قال: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال طاعته وقوة على دينه، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". [38]

الوجه السادس والأربعون

أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله ولا ينكره منكر. وتصانيف العلماء شاهدة بذلك. ويمتنع إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به. فإن قيل: فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن، هل هي حجة؟ قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم. فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، كما فسر علي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} الآية أنها في الحامل والحائل، والسنة الصحيحة بخلافه، وفسر ابن مسعود {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} بأن الصفة ل (نسائكم) الأولى والثانية، فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها، والصحيح خلاف قوله، والصفة راجعة إلى قوله: (وَرَبَائِبُكُمُ) الآية، وهو قول جمهور الصحابة، وكما فسر ابن عباس (السجل) بأنه كاتب للنبي ﷺ يسمى السجل، وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} وفي قوله: * فخر صريعا لليدين وللفم * أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب. قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه وصورتها، إلا أن يكون في المسألة نص يخالفه ويقول في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، علم اشتهاره أو لم يعلم. وما ذكر من هذه الأمثلة فُقِد فيه الأمران، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص، وهم مختلفون فيها. فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصوما، وإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى فمن أين لكم أن هذه من قسم الصواب؟ قيل: الأدلة المتقدمة تدل كل انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب، فإن قولهم لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه من القرائن.

فإن قيل: فبعض ما ذكرتم يقتضي أن التابعي إذا قال قولا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون حجة؟

فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط ولا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف. وقد اختلف السلف: فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به كذلك، ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي.

وقال ابن القيم أيضا: [39]

إذا سئل عن مسألة فيها نص أو إجماع، فعليه أن يبلغه بحسب الإمكان، فمن علم علما فكتمه ألجمه الله بلجام من نار. فإن لم يأمن غائلة الفتوى وخاف أن يترتب عليها شيء أكبر من الإمساك عنها أمسك ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين، وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه.

وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب، كما قال ابن عباس لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به؟ أي جحدته وأنكرته فكفرت به، ولم يرد أنك تكفر بالله تعالى ورسوله.

ويجوز أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأل عنه إلى ما هو أنفع له، ولا سيما إذا تضمن جواب ما سأل عنه. قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فسألوه عن المنفق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهم مما سألوا عنه، ونبههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر وهو قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولم يضرهم إخراجه. وقد ظن بعضهم أن من ذلك قوله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} الآية، فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا، ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عباداتهم، وهو الحج. فإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه؛ ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص؟

ومن فقه المفتي إذا سأله عن شيء فمنعه أن يدله على ما هو عوض منه. ورأيت شيخنا يتحرى ذلك في فتاويه. وقد منع النبي ﷺ بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء ثم دله على الطريق المباح. ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك. وأمر محمية بن جزء -وكان على الخمس- أن يعطيهما منه، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها ويعطيه ما هو أصلح له، وهذا غاية الكرم والحكمة.

وينبغي أن ينبهه على ما يذهب إليه الوهم من خلاف الصواب. مثال هذا: قوله تعالى لنساء نبيه ﷺ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} الآية. ومنه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} الآية، لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية -ولا عمل لهم- بآبائهم في الدرجة، فربما توهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي ما نقصنا الآباء من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم ولم نحطهم من درجتهم. ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار، قطع هذا تبارك وتعالى بقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}.

ومن هذا قوله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} فلما كان ذكر ربوبيته البلد الحرام قد يوهم الاختصاص، عقبه بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ}. ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه، فربما أوهم ذلك تعجل الكفاية وقت التوكل، فعقبه بقوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي وقتا لا يتعداه، أي فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له، فلا يستعجل المتوكل فيقول: قد توكلت ودعوت فلم أر شيئا. فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره. وهذا كثير جدا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.

وينبغي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه. ومن تأمل فتاوى النبي ﷺ الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم" فزجر عنه. [40] ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة التحريم.

ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم، قال: "أرأيت لو تمضمضت ثم مججته" [41] فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة.

ومن هذا قوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"، [42] ومن ذلك قوله لأبي النعمان ابن بشير: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ [43] قال: نعم، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" [44] وقوله: "أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" [45] فنبه على علة المنع بكون أحدهما عظما، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام.

هامش

  1. إعلام الموقعين ج4
  2. {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} سورة التوبة: 100
  3. متفق عليه
  4. {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} سورة النساء: 115
  5. {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} سورة الحشر: 8-10
  6. {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} سورة الفتح: 18
  7. {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} سورة التوبة: 117-119
  8. في الصحيحين عن ابن مسعود: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"
  9. صحيح مسلم: فضائل الصحابة
  10. صحيح البخاري/كتاب فضائل الصحابة
  11. صحيح مسلم/كتاب فضائل الصحابة عن أبي هريرة
  12. قال في مجمع الزوائد ح16391: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه". وهو في الضعيفة 3037
  13. قال في مجمع الزوائد ح832: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون". قال في شرح الطحاوية: حسن موقوف.
  14. صحيح الترمذي
  15. صحيح الترمذي
  16. صحيح مسلم/كتاب المساجد ومواضع الصلاة
  17. رواه أحمد بلفظ: «لو اجتمعتما في مشورة ماخالفتكما» قال في مجمع الزوائد ح14355: "رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ".
  18. صحيح الترمذي
  19. صحيح مسلم/كتاب فضائل الصحابة
  20. صحيح الترمذي
  21. هذا اللفظ ليس في الترمذي
  22. حلية الأولياء لأبي نعيم ودلائل النبوة للبيهقي. قال في مجمع الزوائد ح14427: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن". وعن ابن مسعود قال: "ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر". قال في مجمع الزوائد ح14428: "رواه الطبراني وإسناده حسن".
  23. ينظر مجمع الزوائد ح14448 وح14469
  24. قال في مجمع الزوائد ح14436: "رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة"
  25. قال في مجمع الزوائد ح15568: "رواه البزار والطبراني في الأوسط باختصار الكراهة ورواه في الكبير منقطع الإسناد. وفي إسناد البزار محمد بن حميد الرازي وهو ثقة وفيه خلاف وبقية رجاله وثقوا"
  26. كذا بالأصل، وفي إعلام الموقعين: عن زيد.
  27. قال في مجمع الزوائد ح15572: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير حارثة وهو ثقة"
  28. متفق عليه
  29. متفق عليه
  30. قال في مجمع الزوائد ح8936: "رواه أحمد وأبو يعلى وفيه عاصم بن أبي النجود وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح"
  31. متفق عليه
  32. صحيح البخاري/كتاب الوضوء
  33. كذا بالأصل، وفي إعلام الموقعين: فقواهم.
  34. صحيح مسلم/كتاب الإيمان
  35. أحمد وأبو داود والدارمي، وبلفظه في صحيح ابن ماجه
  36. سنن الدارمي ح207. قال في مجمع الزوائد ح853: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح"
  37. بتمامه في العلم لأبي خيثمة.
  38. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، وأوله في شرف أصحاب الحديث.
  39. إعلام الموقعين ج5
  40. سنن أبي داود والترمذي والنسائي.
  41. أحمد والنسائي والبيهقي
  42. رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ح11931
  43. صحيح مسلم
  44. صحيح البخاري
  45. متفق عليه