مبسوط السرخسي - الجزء العشرون

المبسوط السرخسي ج 20

[ 1 ] (الجزء العشرون من) كتاب المبسوط لشمس الدين السرخسي وكتب ظاهر الرواية أتت * ستا وبالاصول أيضا سميت صنفها محمد الشيباني * حرر فيها المذهب النعماني الجامع الصغير والكبير * والسير الكبير والصغير ثم الزيادات مع المبسوط * تواترت بالسند المضبوط ويجمع الست كتاب الكافي * للحاكم الشهيد فهو الكافي أقوى شروحه الذي كالشمس * مبسوط شمس الامة السرخسي (تنبيه) قد باشر جمع من حضرات أفاضل العلماء تصحيح هذا الكتاب بمساعدة جماعة من ذوي الدقة من أهل العلم والله المستعان وعليه التكلان دار المعرفة بيروت - لبنان

[ 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم (باب الكفالة بالنفس والوكالة بالخصومة) قال رحمه الله وان ادعى رجل قبل رجل دعوى وأخذ منه كفيلا بنفسه ووكيلا بالخصومة ضامنا لما ثبت عليه فهو جائز لان مقصود صاحب الحق التوثق بحقه وتمام التوثق يكون بهذا لان المكفول بنفسه ربما لا يأتي بالكفيل ويخفى شخصه فيتعذر على الطالب اثبات حقه ولا يتوصل إلى حبس الكفيل وان كان وكيلا في خصومته يمكن من اثبات حقه بالبينة وبعد الاثبات ليس له أن يطالب الوكيل باداء المال وربما لا يظفر الوكيل بالاصيل فإذا كان ضامنا لما ذاب عليه توصل إلى استيفاء حقه منه فعرفنا ان تمام التوثق بها يحصل فلهذا جوزناه وعلى قول الشافعي رحمه الله هذا الضمان لا يجوز (وأصل المسألة) ان الكفالة بالمال مضافا إلى سبب وجوبه يجوز عندنا نحو ان يقول ما ذاب لك على فلان فهو على أو ما بعت به فلانا فهو على وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز لانه التزم المال بالعقد فلا يحتمل الاضافة كالالتزام بالشراء ولان الاضافة إلى وقت في معنى التعليق بالشرط والتزام المال بالكفالة لا يحتمل التعليق بالشرط حتى لو علق بدخول الدار وكلام زيد لم يصح فكذلك إذا اضافه إلى وقت * توضيحه ان عندكم لو أضاف الكفالة إلى موت المطلوب كان صحيحا ولو أضافها إلى موت غيره لم يصح ولا فرق بين الموتين فان كل واحد منهما كائن غير موجود وفى الحال ثم جهالة المكفول عنه تمنع صحة الكفالة بهذه الصفة بأن يقول ما بايعت به أحدا من الناس فكذلك جهالة المكفول به تمنع صحته بالاولى لان الملتزم بالعقد هو المكفول به * وحجتنا قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم فهذا المنادى أضاف الالتزام بالكفالة إلى سبب وجوب المال وهو المجئ بصواع الملك وانما نادى بأمر يوسف عليه السلام وما أخبر به الله تعالى عن شريعة من قبلنا فهو ثابت في شريعتنا حتى يقوم دليل النسخ غير أن الشافعي رحمه الله يقول هنا بيان العمالة لمن يأتي به وعندي من أبق عبده فخاطب جماعة وقال من جاء به منكم فله عشرة كان هذا صحيحا ولكنا

[ 3 ] نقول استدلالنا بزعامة المنادى بقوله وانا به زعيم ولا حاجة هنا الي معرفة طريق وجوب ذلك المال فان العمالة تجب على من وقع له العمل فأما الوجوب على الكفيل فبسبب الكفالة الا إنه يقول لم يكن هذا كفالة على الحقيقة فان المكفول له مجهول وجهالة المكفول له تمنع صحة الكفالة والكلام فيه من حيث المعنى إذ التزام المال بالكفالة نظير التزام المال بالاقرار من حيث انه التزام لا يقابله الزام على من يلتزم له وجهالة المقر به لا تمنع صحة الاقرار فكذلك فيما التزمه بالكفالة وجواز الكفالة في الاصل لحاجة الناس والحاجة ماسة إلى اضافة الكفالة إلى سبب وجوب المال ولهذا جوز العلماء رحمهم الله الكفالة بالدرك وهو مضاف إلى سبب الوجوب بالاستحقاق فبه يتبين ان مثل هذه الجهالة لكونها لا تفضي إلى المنازعة لا تمنع صحة الكفالة ولا يجوز أن تمنع صحتها لمعنى الخطر فانه موجود في كل كفالة إذ لا يدرى أن الطالب يطالب الكفيل أو الاصيل فاما الفرق بين الموتين فهو أن موت المطلوب يجوز أن يكون سببا لتوجه المطالبة بالمال عليه بان يكون وارثه فلهذا تصح اضافة الكفالة إليه وكذلك التعليق بكلام زيد ودخول الدار فانه ليس بسبب لوجوب المال بحال فتمحض ذلك تعليقا بالشرط ولا يكون التزاما فاما هاهنا فانه أضاف الالتزام إلى ما هو سبب لوجوب المال وهو المبايعة والذوب فيكون التزاما صحيحا فان وافى به ودفعه إليه فهو برئ من ذلك لوجود الموافاة به كما التزمه وان لم يفعل فللطالب أن يأخذه بالكفالة ويخاصمه في دعواه قبل المكفول به والكفيل ضامن له لتحقق الذوب بقضاء القاضى وقد كان ملتزما لما يذوب له عليه والذوب عبارة عن تحقق الوجوب وان قال ان لم أوافك به غدا فانا وكيل في خصومته ضامن لما ذاب عليه فرضى بذلك المطلوب فهو جائز وانما شرط رضاه في الوكالة بالخصومة دون الكفالة بالنفس والمال لان الوكيل بالخصومة نائب عنه وربما يتضرر هو به فلا ينفرد به الوكيل بدون رضا الموكل فأما الكفالة فالتزام للطالب ولا يتضرر به المكفول عنه فلا يعتبر رضاه بذلك وكذلك لو قال متى دعوتني به فلم أوافك به فأنا وكيل في خصومته ضامن ما ذاب لك عليه لان كلمة متى للوقت فمعناه ان لم أوافك به في الوقت الذي تطلب منى وهذا الوقت وان كان مجهولا ولكن لا تمكن بسبب جهالته منازعة ولو كفل به علي انه ان لم يواف به غدا ففلان يعنى رجلا آخر وكيل في خصومته فما قضى به عليه فأنا ضامن له فرضي بذلك المطلوب فهو جائز إذ لا فرق أن يكون الوكيل والضامن للمال هو الكفيل بالنفس وبين أن يكون غيره إذا وجد

[ 4 ] منه القبول لذلك وقد بينا انه لو كانت اضافته لذلك كله إلى نفسه كان صحيحا فكذلك إذا أضاف كل عقد من هذا إلى شخص معلوم وقبلوا ذلك ورضى به المطلوب كان صحيحا ولو قدم الوكالة فقال هو وكيلى في خصومة ما بينى وبينك ضامن لما ذاب لك على أو لما قضى لك به على أو لما لزمنى لك أو بما لحقني فان وافاني به غدا حتى أدفعه اليك فهو برئ من ذلك فهذا جائز لانه وان أخر التزام المال بالكفالة كان محمولا على معنى التقديم فادا قدمه فأولى أن يصح وهذه كلها وثائق لحق واحد فلا فرق في صحتها بين تقديم التعيين وتأخير التعيين لان المقصود لا يختلف بذلك ولو كفل بنفسه إلى أجل فان لم يواف به فيه فهو وكيل في الخصومة التى بينهما ضامن لما ذاب عليه ولم يشهد المطلوب على ذلك فالكفالة بالنفس والمال جائزة والوكالة والكفالة باطلة لانه أنابه ولا يقدر الانسان على ان يجعل نفسه نائبا عن غيره في خصومته من غير رضاه فإذا لم يرض المطلوب بوكالته بطلت الوكالة ولا تبطل ببطلانها الكفالة بالمال والنفس لان جوازهما لا يتعلق بصحة الوكالة فانهما صحيحان وان لم يذكر الوكالة أصلا ولو كفل بنفسه على أنه ان لم يواف به غدا فهو وكيل في خصومته فرضي به المطلوب فلم يواف به الغد فهو وكيل بالخصومة لان الوكالة اطلاق تحتمل التعليق بخطر عدم الموافاة فان قضى عليه بشئ لم يلزم الكفيل منه شئ لانه ما التزم شيئا من المال وبالكفالة بالنفس لا يصير ملتزما للمال ولكن الطالب يأخذ الكفيل بالكفالة بالنفس حتى يدفعه إليه لانه التزم تسليم النفس إليه فلا يبرأ بثبوت المال عليه ما لم يسلمه فان ثبوت المال عليه لا يغنيه عن نفسه بل يحوجه إلى ذلك ليستوفي حقه منه فكان الكفيل مطالبا به فان قضى الكفيل الطالب حقه كان متبرعا بذلك كسائر الاجانب لانه غير ملتزم للمال وبأدائه لا يستفيد البراءة من الكفالة بالنفس لجواز ان يكون بين الطالب والمطلوب خصوصة أخرى فلهذا كان متبرعا في اداء المال ان شاء الطالب قبل ذلك منه وان شاء أبى وطالبه بتسليم النفس إليه كما التزمه وان كان كفيلا بالمال أجبرت الطالب على قبضه منه على معنى انه إذا وضع المال بين يديه يصير الطالب قابضا له لانه يبرئ ذمته بالاداء ولمن عليه الحق ذلك والاول متبرع لا تبرأ ذمته عن شئ بما يؤديه ولو قضاه الكفيل المال على أن يبرئه من الكفالة بالنفس كان جائزا لانه متبرع في قضاء المال وقد قبله الطالب ثم ابرأه الطالب عن الكفالة بالنفس وذلك حقه وكذلك لو قضاه بعضه على ان يبرئه عن الكفالة بالنفس وهذا لان الطالب ليس يملك ما يقبضه منه

[ 5 ] بازاء الابراء عن الكفالة بالنفس انما يملك ذلك بدلا عن أصل حقه على المطلوب كما يملكه من جهة متبرع آخر ثم هو مسقط لحقه في الكفالة بالنفس من غير عوض فيكون صحيحا فاما إذا أبراه عن الكفالة بالنفس بمال يشترطه عليه بمقابلة البراءة فلا يجب ذلك المال ولو أداه كان له أن يرجع فيه لان الكفالة بالنفس ليست بمال ولا تؤول إلى المال بحال وهو مجرد حتى لا يوصف بأنه ملكه والاعتياض عن مثله بالمال لا يصح بخلاف العتاق بجعل والطلاق بجعل فانه اعتياض عن ملك (ألا ترى) أن ملك النكاح لا يثبت الا بالمال فيجوز الاعتياض عن ازالته بالمال أيضا بخلاف حق الكفالة بالنفس فانه لا يثبت ابتداء بمال قط حتى لو أخذ منه مالا ليكفل به بنفس فلان لا يصح فكذلك لا يصح التزام المال عوضا عن الابراء بالكفالة بالنفس وفى حصول البراءة روايتان في كتاب الشفعة يشير إلى انه يبرأ وجعل هذا كحق الشفعة إذا سلمه بمال يصح التسليم ولا يجب المال والمعنى أنه اسقاط محض واشتراط العوض بمقابلته فاسد ولكن الاسقاط لا يبطل بالشرط الفاسد لانه لا يتعلق بالجائز من الشروط فلا يكون الشرط الفاسد مبطلا له وفى موضع آخر يقول لا يبرأ عن الكفالة بالنفس بخلاف الشفعة لان الكفالة بالنفس حق قوى لا يسقط بعد ثبوته إلا باسقاط تام ولا يسقط إلا بعد تمام الرضا به ولهذا لا يسقط بالسكوت وانما يتم رضاه بسقوطه إذا وجب له المال فإذا لم يجب لا يكون راضيا به فأما سقوط الشفعة فليس يعتمد الاسقاط وتمام الرضا به (ألا ترى) أن بالسكوت عن الطلب بعد العلم به يسقط وحجته ان الوجوب لم يكن لعقده وانما كان شرعا لدفع ضرر مخصوص عنه وهو ضرر سوء المجاورة وقد صار راضيا بهذا الضرر وان سلمه بمال فاما وجوب تسليم النفس بالكفالة فكان بقبوله العقد فلا بد من اساقط يكون منه وهو إذا أسقطه بمال فانما يحول حقه إلى المال فلا يسقط أصلا وهذا التحويل لم يصح فبقيت الكفالة بالنفس على حالها ولو قضاه المال على أن يرجع به على المطلوب وقبضه منه على ذلك فهذا لا يجوز لان هذا تمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض والمبادلة بالدين من غير من عليه الدين لا تصح بخلاف الاول لانه اسقاط المال عن المطلوب وليس بتمليك من المتبرع لقضائه بعوض وهنا نص على التمليك منه حتى شرط له الرجوع على المطلوب وهذا بخلاف الكفيل بالمال أيضا فانه متبرع ملتزم للمال لان بعقد الكفالة يجب المال في ذمته على أحد الطريقين وعلى الطريق الآخر عند قضاء الدين ليرجع به ولهذا لو وهب هناك المال من الكفيل لرجع

[ 6 ] به على الاصيل ولو وهب المال هنا من الكفيل بالنفس لا يصح إلا أن يسلطه على قبضه فحينئذ يكون نائبا عنه في قبضه استحسانا قال فان أبرأه عن الكفالة على هذا كان للكفيل أن يرجع بما قضاه عليه لانه قبضه منه بحكم تمليك فاسد ويرجع الطالب عليه بالكفالة بالنفس في أصح الروايتين ولو كفل نفسه إلى أجل مسمى فان لم يواف به فهو ضامن لما ذاب عليه وكيل في خصومته فليس للطالب ان يأخذه بالكفالة بالنفس قبل الاجل ولا أن يخاصمه قبل الاجل لان اشتراط المدة لتوسعة الامر على نفسه فلا يتضيق الامر عليه الا بمضي المدة كاشتراط المطلوب الاجل لنفسه في الدين والوكالة في الخصومة وضمان المال عليه بناء على عدم موافاة مستحقة وذلك لا يكون الا بعد الاجل فلهذا لا يطالبه بشئ من ذلك قبل مضى الاجل وعلى هذا الكفالة بالنفس بغير وكالة فان المعنى يجمع الكل ولو كفل بنفس رجل وجعل المكفول به وكيلا في خصومته ضامنا لما ذاب عليه ثم مات الكفيل وله مال فلا خصومة بين الطالب وورثته ولكنه يخاصم المكفول به لان الوكالة تبطل بالموت فان الموكل انما رضى برأيه في الخصومة فلا يقوم رأى وارثه في ذلك مقام رأيه والكفالة بالمال باقية بعد موته ولكن ما لم يتحقق الذوب على المطلوب لا يكون هو ضامنا للمال والذوب انما يتحقق عند خصومة الطالب واثبات حقه عليه بالحجة فلهذا خاصم المكفول به وما قضى له به عليه ضرب به مع غرماء الكفيل في ماله لان الذوب قد تحقق فالوجوب بالكفالة يستند إلى أصل السبب لان اللزوم تعلق به نفسه وقد كان أصل السبب في صحته فلهذا المعنى الواجب من جملة دين الصحة يضرب به مع غرماء الصحة وكذلك لو مات المكفول به أيضا فخاصم الطالب ورثته أو وصيه فقضى له بالمال كان له أن يتبع ميرات أيهما شاء لان الذوب قد تحقق فيضرب في ميراثه بجميع ماله وفى ميرات الآخر بما يبقى له لانه وصل إليه بعض حقه حين ضرب مع غرماء الاول فلا يضرب مع غرماء الآخر الا بما بقى له والله أعلم فان لم يكن على واحد منهما سوى هذا الدين فالجواب واضح وان كان على كل واحد منهما دين آخر يضرب مع غرماء أيهما شاء أولا بجميع دينه وفى الكتاب أبهم فقال ان بدأ فضرب مع غرماء الكفيل رجع على ورثة الكفيل بما أدوا في مال المكفول عنه فضربوا به مع غرمائه لان كفالته عنه كانت بامره وما يستوفى من تركته بعد وفاته بمنزلة ما يؤديه في حياته ويرجع به ورثته في تركة المكفول عنه وان بدا فضرب مع غرماء المكفول عنه لم يرجع ورثة المكفول عنه في تركة الكفيل بشئ لان أصل الحق كان على مورثهم وكان

[ 7 ] الطالب يرجع بما بقى من حقه فيضرب به مع غرماء الكفيل في تركة الكفيل لانه لا يبرأ الكفيل الا من القدر الذي وصل إلى الطالب من تركة المكفول عنه فقطع الجواب في الكتاب على هذا وهو مبهم في أصل الوضع قاصر في البيان فحينئذ لا يتم بيان المسألة بما ذكر وليس في الكتاب مسألة اشكل من هذه المسألة من الحسابيات وغيرها فالوجه أن نصور المسألة ليتبين موضع الاشكال فنقول دين الطالب عشرة دراهم وقد ترك الكفيل عشرة وعليه دين لرجل آخر عشرة وترك المكفول منه أيضا عشرة وعليه لرجل آخر دين عشرة فالطالب بالخيار كما بينا فان بدأ بتركة الكفيل ضرب بالعشرة في تركته وغريم الكفيل بالعشرة فكانت تركته بينهما نصفين فوصل إلى الطالب خمسة يأتي في تركة المكفول عنه فيضرب مع غريمه بما بقى من دينه وذلك خمسة ويضرب ورثة الكفيل أيضا بما أدوا إلى الطالب وذلك خمسة فيسلم الغريم المطلوب خمسة وللطالب درهمان ونصف ولورثة الكفيل درهمان ونصف لا يسلم هذا لورثة الكفيل لانه تركة الكفيل وقد بقى من دين غريمه خمسة ومن دين الطالب درهمان ونصف فيقسمان هذا الذى ظهر من تركته على مقدار حقهما أثلاثا فالثلث الذى يستوفيه الطالب رجع به ورثة الكفيل في تركة المكفول عنه فيتبين به بطلان القسمة الاولى وان استأنفوا القسمة على هذا الذى ظهر أيضا يرجع به الطالب فيما يستوفون ويرجعون بما يعطون إليه في تركة المكفول عنه فتنقض القسمة أيضا ولا يزال يدور هكذا إلى ما لا يتناهى وإذا بدأ بالرجوع في تركة المكفول عنه فضرب مع غريمه بالعشرة واقتسما تركته نصفين فانه يضرب بما بقى من دينه وذلك خمسة في تركة الكفيل مع غريم الكفيل فيقتسمان العشرة أثلاثا فيتبين ان ورثة الكفيل أدوا إلى الطالب ثلاثة وثلثا ويرجعون به في تركة المكفول عنه وتبين بطلان القسمة الاولى وكذلك ان استأنفوا القسمة ثانيا وثالثا فكما وصل إليهم شئ يأخذ الطالب من ذلك قدر حصته ويرجع به ورثة الكفيل في تركة المكفول عنه إلى مالا يتناهى فهذا بيان مواضع اشكال المسألة وكان أبو بكر القمى رحمه الله من متقدمي علمائنا رحمهم الله من الحساب يقول هذه المسألة من باب مفتريات الجبر ومحمد بن الحسن رحمه الله كان يعرف مفردات الجبر وما كان يعرف مفتريات الجبر أصلا فلهذا ترك بيان هذه المسألة ومعنى كلامه أن هذه الحاجة تقع إلى معرفة القدر الذى يرجع به ورثة الكفيل في تركة المكفول عنه ليضم ذلك إلى ما يضرب به الطالب في تركة المكفول عنه غريمه والعلم بمفردات

[ 8 ] الجبر لا يهدى إلى ذلك فاما أبو الحسن الاهوازي من حساب أصحابنا رحمهم الله فكان يقول انما تعذر تخريج هذه المسألة لما وقع فيها من جذر الاصم وكانت عائشة رضى الله عنها تقول سبحان من لا يعلم الجذر الاصم الا هو وقيل الجذر الاصم مغلق ضل مفتاحه فلا يعرفه أحد من العباد بطريق التحقيق وبرهن بمقالته بمسألة مجتذرة من هذا الجنس وحققها وخرجها وسئل القاضى أبو عاصم الجنوبى في زمانه وكان مقدما في الحساب ان يخرج هذه المسألة فتكلف لذلك مدة وخرجها بالتقريب دون التحقيق (والحاصل) ان من تكلف لذلك من أصحابنا رحمهم الله تعذر عليه تخريج المسألة بالتحقيق أصلا وكل ما ذكروه عندي في تصنيف ولكن لم يكن معى شئ من كتبي ولم يجد به خاطري الآن فان تيسر وصولي إلى كتبي أو جاد به خاطري أي وقت أتيت منه بقدر الممكن ان شاء الله تعالى ثم نعيد المسألة في آخر الكتاب بعينها ومن أراد من أصحابنا رحمهم الله التخلص من هذه الخصومة يقول الطالب إذا اختار الرجوع على أحدهما ثم ضرب قبقية دينه في تركة الاخر فما سلم لورثة الكفيل لا يرجع فيه الطالب بشئ لانه بدل ما وصل إلى الطالب ولا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد ولكن يكون ذلك سالما لغريم الكفيل غير ان هذا من حيث المعنى بعيد فان ما يأخذون مال الكفيل فكيف يسلم ذلك لاحد غريميه دون الآخر ولو كفل بنفس رجل إلى آخر الشهر فان لم يواف به فهو وكيل في خصومة ما بينهما ولم يبين أي خصومة هي والكفالة بالنفس جائزة ولا يكون وكيلا في الخصومة لانه إذا لم يبين انه في أي خصومة وكيله فالوكيل عاجز عن تحصيل مقصود الموكل لان ما وكله به مجهول جهالة متفاحشة ولم يفوض الامر إلى رأيه على العموم ولكن فساد الوكالة بالخصومة لا يوجب فساد الكفالة بالنفس لان أحد الحكمين منفصل عن الآخر فالمفسد في أحدهما لا يتعدى إلى الآخر وكفالة الصبي التاجر باذن أبيه أو بغير اذنه بنفس أو مال باطلة لانه تبرع ولا يملكه الصبي بغير اذن أبيه ولا باذنه كالهبة وهذا لان عقل الصبى انما يعتبر شرعا فيما ينفعه والتبرع ليس من جنس ما ينفعه عاجلا واذن الاب له لا يصح فيما لا يملك الاب مباشرته كالطلاق ونحوه ولان الكفالة اقراض للذمة بالتزام الحق فيها فكان كاقراض المال فلا يملكه الصغير باذن أبيه ولا بغير اذنه والمعتوه والمبرسم الذى يهذى في ذلك كالصبى وكذلك رجل عليه مال ادخل ابنا له غير بالغ معه في الكفالة أو بنفسه فهو باطل لانه لما كان لا يملك الكفالة عن الغير باذن الاب فلان لا يملك عن الاب

[ 9 ] كان ذلك بطريق الاولى لانه في حق نفسه متهم بما لا يتهم به في حق غيره ولو أقر بعد بلوغه انه كفل بنفس أو مال وهو صبى كان باطلا لان الثابت بالاقرار بعد البلوغ كالثابت معاينة ولو عايناه كفل في صباه لم ينفذ ذلك بعد بلوغه ولانه أضاف الاقرار إلى حال معهودة تنافى تلك الحال الكفالة فكان منكرا للكفالة في الحقيقة لا مقرا بها ولهذا لو ادعى الطالب انه كفل به بعد بلوغه فالقول قول الصبي مع يمينه ولو أقر أنه كفل به وهو مغمى عليه فان عرف ذلك منه فالقول قوله في ذلك لاضافته الكفالة إلى معهود ينافى كفالته وان لم يعرف ذلك منه فهو مأخوذ به لاقراره بالالتزام ولو استدان وصي اليتيم دينا في نفقة اليتيم وأمر اليتيم فضمنه أو ضمنه بنفسه فضمان الدين جائز وضمان النفس باطل لان حاصل الدين على الصبى (ألا ترى) أن الوصي يؤديه من ماله ولو أداه من مال نفسه رجع به عليه فهو بهذا الضمان يلتزم ما عليه بخلاف الكفالة بالنفس فانه يلتزم بها ما ليس عليه * توضيحه انه لو أمر الصبي بأن يستدين ففعله جاز وكان مطالبا بالمال فكذلك إذا استدان بنفسه وأمره حتى ضمن المال ولا يملك مثله في الكفالة بالنفس بأمره وكذلك الاب إذا استدان على الابن دينا في بعض ما لابد منه وأمره بالكفالة جاز لان تصرف الاب عليه انفذ من تصرف الوصي وان أمره أن يكفل بنفسه لم يجز والتاجر وغير التاجر في ذلك سواء لان الكفالة ليست من عقود التجارة ولا تجوز الكفالة لصبي لا يعقل ولا لمجنون ولا لمغمى عليه وفى رواية حماد رحمه الله ان الكفالة لهؤلاء جائزة في قول أبى يوسف رحمه الله واصل هذا في الكفالة للغائب وقد بينا أن عند أبى يوسف رحمه الله الكفيل ينفرد بالكفالة فيجوز العقد وان لم يقبله أحد ولا يجوز عند أبى حنيفة رحمه الله ما لم يقبل قابل وقبول الصبي الذي لا يعقل والمجنون باطل وتجوز الكفالة للصبي التاجر لانه من أهل القبول وهذا تبرع عليه لا منه أو بمنزلة الاقراض له وذلك صحيح إذا قبله ولو كفل رجل بنفس رجل على انه يوافي به إلى أجل مسمى فان لم يواف به إلى ذلك الاجل فهو ضامن لما ذاب عليه فلو مضى الاجل قبل ان يوافيه به فهو ضامن لما ذاب عليه لوجود شرطه ولكن الذوب انما يتحقق بقضاء القاضى فانما يلزم الكفيل المال إذا قضى به على المكفول عنه لانه ضمن مالا بصفة وليس الكفيل بخصم عنه في اقامة البينة عليه بالمال لان المال ما لم يصر مقضيا به على الاصيل لا يلزم الكفيل منه شئ وما لم يصر كفيلا به لا يكون خصما فيه وان مات الطالب أو المطلوب قام وارثه أو وصيه في ذلك مقامه وكذلك لو كفل بنفسه على انه

[ 10 ] ضامن لما قضى عليه أو لما قضى عليه قاضي أهل الكوفة فقضى بذلك غير قاضي أهل الكوفة فهو لازم للكفيل لانه انما يراعى من الشروط ما يكون مفيدا والتقييد بصفة أن يكون المال مقضيا به على الاصيل مفيد فأما التقييد بكون القاضى به قاضى أهل الكوفة فغير مفيد لان المقصود القضاء لا عين القاضى وفى القضاء قاضى الكوفة وغير قاضى الكوفة سواء ولو كفل بنفس رجل على انه ضامن لما قضى به على المكفول به وهو ميت والمكفول وارثه فهو جائز مستقيم لان المكفول به بعد موت أبيه مطالب بقضاء دينه من تركة أبيه فهو في الحكم كالذي عليه وكذلك وصى الميت يكفل نفس رجل على انه ضامن لما قضي به على الميت فهو جائز لانه مطلوب بذلك الدين يقضيه من تركة الميت وكذلك الوصي يأخذ من غريم الميت كفيلا بنفسه ضامنا لما قضى به عليه لانه في ذلك قائم مقام الوصي وكذلك الاب يأخذ من غريم ولده الصغير لانه قائم في ذلك مقام ولده ان لو كان بالغا ولو أن رجلا أخذ غريما بمال لاخيه أو لبعض أهله من غير وكالة من صاحب المال وأخذ كفيلا منه بنفسه ضامنا لما ذاب عليه فرضى بذلك مدعى المال كان جائزا لان قبول هذا كان موقوفا على اجازة الطالب فإذا أجازه جاز ولو فسخ الكفيل الكفالة قبل أن يرضى صاحب المال فهو منها برئ في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله لان الكفالة عندهما لا تلزم الكفيل الا برضا الطالب وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله وقد بيناه ولو وكل رجلا بأن يأخذ له كفيلا عن غريمه بنفسه ضامنا لما قضى به عليه كان جائزا لان التوكيل صحيح بما يملك الموكل مباشرته بنفسه فان كفل الكفيل للوكيل فدفعه إليه برئ من الكفالة بنفسه وليس للموكل أن يطالبه بشئ لانه أتى بما التزمه وهو التسليم إلى الوكيل لان الوكيل باضافة العقد إلى نفسه جعل نفسه مباشرا العقد واليه الاستيفاء والمطالبة وان كفل به للموكل لم يبرأ بدفعه إلى الوكيل لانه جعل نفسه رسولا ولان الكفيل التزم التسليم إلى الموكل فلا يبرأ بالتسليم إلى غيره وان دفعه إلى الموكل برئ في الوجهين لان في الفصل الاول الوكيل وان كان هو المباشر للعقد فانما يطالب بموجبها لمنفعة الموكل فإذا حصل المقصود بالتسليم إلى الموكل برئ الكفيل ولو وكل رجل رجلا بان يعطى فلانا كفيلا بنفس الموكل ضامنا لما ذاب على الموكل فاعطى الوكيل كفيلا بذلك فقضى على الموكل بمال للطالب فانه يأخذ الكفيل بحكم ضمانه وليس للكفيل أن يأخذ الوكيل بذلك لانه كان رسولا من الموكل إليه فلا عهدة عليه الا أن يكون ضمن له شيأ فحينئذ يؤاخذ بضما

[ 11 ] (ألا ترى) لو أن رجلا أمر رجلا أن يضمن رجلا بنفسه وان يضمن ما ذاب عليه لم يكن على الآمر شئ ولا على المكفول به لان الآمر أشار عليه بالكفالة من غيره ولم يلتزم له شيأ ولا عهدة على المشير والمكفول عنه لانه لم يأمره بالكفالة منه فلا يرجع عليه أيضا وفى الباب الاول يرجع على المكفول به بما أدى من المال لان أمره وكيله بالكفالة عنه ككفالته بنفسه والكفيل بالامر إذا طولب طالب ولو لوزم لازم وإذا حبس حبس وإذا أدى رجع ونعنى بقولنا يطالبه أن يقول اقض حق المطلوب لاتخلص من هذه العهدة ولا يطالبه بأن يدفع إليه شيأ لانه ما لم يؤد عنه لا يثبت له حق الرجوع فانه بمنزلة المقرض وبالقرض لا يطالبه باداء المال وانما يطالبه باداء المال بعد اقراض المال منه وذلك انما يكون عند أدائه فلهذا لا يرجع عليه بالمال ما لم يؤد عنه والله أعلم (باب الكفالة عن الصبيان والمماليك) (قال رحمه الله) وإذا ادعى رجل قبل صبي دعوى وكفل به رجل بغير اذن أبيه فالكفالة لازمة للكفيل يؤاخذ بهذا لان تسليم النفس للجواب مستحق على الصبي حتى يحضر ان كان مأذونا أو يحضر وليه ان لم يكن مأذونا ليقوم وليه في ذلك مقامه فلما التزم الكفيل تسليم ما هو مستحق للتسليم عليه وهو مما تجرى في النيابة صح التزامه فان طلب الكفيل أن يحضر معه الصبي ليسلمه إلى خصمه لم يؤاخذ الصبي به وان كان الصبي طلب ذلك إليه لان قول الصبي ليس بملزم اياه شيأ الا أن يكون تاجرا مأذونا له فحينئذ قوله ملزم فيؤمر بالحضور معه لانه أدخله في هذه العهدة فعليه أن يخلصه بالحضور معه ليسلمه إلى خصمه وكذلك ان كان غير تاجر فادعى عليه مالا فطلب أبوه إلى رجل أن يضمنه فضمنه كان جائزا ويؤخذ به الكفيل وللكفيل أن يأخذ الغلام به لان الاب قوله ملزم علي ولده فيما ينفعه وهذا من جملة ما ينفع الصبي فكان قول الاب فيه ملزما اياه فلهذا يؤمر بالحضور معه فان تغيب فله أن يأخذ الاب حتى يحضره فيدفعه إليه أو يخلصه من ذلك لان أمر الاب في هذا لما جاز على الولد صار الولد مطلوبا به وكل حق كان الولد مطلوبا به فأبوه مأمور بايفائه ذلك الحق من ملك الولد كما إذا ثبت عليه دين بالبينة فلهذا يؤمر الاب باحضار الصبى والوصى في هذا بمنزلة الاب لان فيه منفعة للصبي ولو أمره بأن يكفل بنفس غلام ليس هو

[ 12 ] وصيه أخذ الكفيل بتسليمه لانه قد التزمه ولا يؤمر الصبي بالحضور معه لانه ليس للآمر عليه قول ملزم وليس للكفيل أن يأخذ الآمر بشئ لانه أشار عليه بالكفالة ولم يلتزم له بشئ والمعتوه في ذلك بمنزلة الصبى لان ولاية الوصي على المعتوه تثبت كما تنبت على الصبي ولو كفل بنفس صبي على أن يوافي به غدا فان لم يواف به غدا فعليه ما ذاب عليه فالكفالة بالنفس جائزة وكذلك بالمال ان لم يواف به غدا لوجود شرطه ثم الذوب على الصبي انما يتحقق بقضاء القاضي بالمال على أبيه أو وصيه أو قيم نصبه القاضى له فإذا وجد ذلك لزم الكفيل ولم يرجع به على الصبى الا أن يكون أمره بالضمان أو الوصي لانه بمنزلة الاقراض والاقراض من الصبي المحجور لا يلزمه به شئ الا أن يكون بأمر وليه فحينئذ يكون المال لازما عليه وأمر وليه بذلك كأمره بعد بلوغه وكفالة العبد التاجر أو غير التاجر عن سيده بمال أو بنفسه بغير اذنه باطلة لان الكفالة تبرع وهو منفك الحجر عنه في التجارات دون التبرعات فلا تصح منه الكفالة بالنفس والمال عن المولى بغير اذنه كما لا يصح عن سائر الاجانب وانما يعنى بهذا انه لا يطلب به في حال رقه فأما بعد العتق فهو مأخوذ بذلك لانه مخاطب من أهل الالتزام في حق نفسه وان كفل بنفسه باذنه فهو جائز لان المانع من صحة التزامه في الحال حق مولاه دون حق غيره من غرمائه فان الكفالة بالنفس لا تلاقى حق محل الغرماء فلهذا نفذ منه باذن المولى سواء كفل عن المولى أو عن الاجنبي وهذا لان أكثر ما يجب بهذه الكفالة حبسه ان لم يحضر نفس المطلوب وذلك يوقع الحيلولة بين المولى وبين خدمته فلهذا جاز باذن المولى وان كفل عنه بالمال باذنه وليس عليه دين فهو جائز لان الحق في ماليته لمولاه وهو يملك أن يجعله مشغولا بالدين بأن يرهنه أو يقر بالدين وكذلك إذا أذن له حتى كفل عنه فان أداه بعد العتق لم يرجع على سيده وعن زفر رحمه الله انه يرجع عليه لانه قضى دينه من خالص ملكه بأمره فيرجع عليه كما لو أمره بالاداء بعد العتق ولكنا نقول ان الكفالة حين وقعت لم تكن موجبة له شيأ على المولى فان العبد لا يستوجب دينا على مولاه فلهذا لا يرجع عليه إذا أداه بعد العتق وهذا لما بينا أن الكفالة توجب للطالب على الكفيل حقا وللكفيل على الاصيل الا ان ما يجب للكفيل على الاصيل مؤجل إلى وقت أدائه ولهذا لو أبرأ الكفيل الاصيل قبل أدائه عنه كان صحيحا ولا يرجع إذا أدى بعد ذلك فتبين بهذا ان المعتبر وقت الكفالة وعند ذلك لم يكن العبد ممن يستوجب شيأ على مولاه وان كان عليه دين يستغرق

[ 13 ] قيمته لم يلزمه الكفالة في حال رقه لان المولى في ماليته كأجنبي آخر (ألا ترى) أنه لا يملك شغله بالدين بالاقرار عليه ولا بالرهن فكذلك باذنه بالكفالة عنه ولكن الالتزام منه صحيح في حق نفسه حتى إذا عتق كان مطالبا به وان مات السيد وترك مالا وأعتق العبد عند موته فان غرماء العبد يستسعونه في قيمته ولا شئ لغرماء السيد من هذه القيمة لان هذه القيمة بدل مالية العبد وغرماء العبد حقهم أسبق تعلقا بماليته من حق غرماء السيد (ألا ترى) انه لو لم يعتقه حتى مات لكان يباع العبد ويصرف ثمنه إلى غرمائه دون غرماء السيد فكذلك حكم هذه السعاية ولكن غرماء السيد يبيعون مال السيد وان شاء غرماء العبد تبعوا مال السيد بقيمة العبد أيضا لانه صار مستهلكا محل حقهم بعتق العبد فوجب لهم قيمة العبد دينا في تركته بعد موته ثم ان عند أبى حنيفة رحمه الله لا تنفذ الكفالة ما لم يفرغ من السعاية لان المستسعى في بعض قيمته عنده كالمكاتب وكفالة المكاتب لم تصح وعندهما متى عتق نفذت الكفالة لانه عندهما حر عليه دين والمكفول له ان شاء اتبع مال السيد لان أصل دينه عليه وان شاء اتبع العبد لصحة كفالته بعد عتقه غير انه لا يشارك غرماءه في تلك القيمة لانها بدل ماليته ولم يثبت له مزاحمة مع غرماء العبد في ماليته فكذلك في بدل المالية فان كان مكان العبد أم ولد فعتقت فان صاحب الكفالة يستسعيها مع غرمائها بماليتها إذ لا مالية فيها ولكن الديون تتقرر في ذمتها بعد العتق فتؤمر بقضاء ذلك كله والمكفول له أخذها والمدبرة بمنزلة العبد في ذلك لقيام المالية فيها ولا يرجع واحد منهم على السيد بشئ مما يؤدى عنه من الكفالة لانهم كانوا مملوكين له عند الكفالة والمملوك لا يستوجب الدين على مالكه فان في المدبرة ينبغى أن يثبت لغرمائها حق الرجوع في تركة المولى بقيمتها بخلاف العبد لان المولى باعتاق المدبرة لم يصر مستهلكا من حق الغرماء شيأ إذ لم يكن لهم حق بيع الرقبة في الدين وانما كان حقهم في الكسب وذلك حاصل لهم قلنا هو كذلك ومراد محمد رحمه الله من هذا اللفظ المساواة في ايجاب السعاية في القيمة على المدبرة والعبد دون الولد على أن المالية كانت قائمة في المدبرة حتى لو غصبها غاصب ضمن قيمة ماليتها وكان ذلك لغرمائها فلهذا يجب عليها السعاية في قيمتها لغرمائها كالعبد وكذلك إذا كان المال على السيد من كفالة فأدى عنه العبد كادائه بنفسه فيستوجب الرجوع به على الاصيل وذكر عن شريح رحمه الله قال لا كفالة للعبد ومعناه انه ليس له حق ولاية الكفالة بالنفس والمال لانه تبرع بالتزام وهو محجور عنه لحق مولاه

[ 14 ] وكفالة المدبر والعبد وأم الولد من غير السيد بنفس أو مال بغير اذنه باطلة حتى يعتقوا فإذا عتقوا لزمهم لان المانع حق مولاه وإذا أذن له سيده فيها جازت ان لم يكن عليه دين ويباع العبد في الكفالة بالدين وان كان عليه دين بدئ بدينه قبل دين الكفالة وأما أم الولد والمدبر فانهما يستسعيان في الدين لان رقبتهما ليست بمحل للبيع فكان عليهما قضاء الدين من كسبهما وهو السعاية فيبدأ بدينهما من سعايتهما ثم بدين الكفالة إذا كان اذن المولى وإذا كفل العبد باذن سيده بنفس رجل ثم أعتقه سيده لم يضمن شيأ وأوخذ العبد بالكفالة لانه بالاعتاق لم يضع على المكفول له شئ فان حقه في مطالبة العبد بتسليم نفس المكفول به ذلك بعد العتق وقبله سواء وانما أبطل المولى المالية بالعتق ولا تعلق للكفالة بالنفس بالمالية وان كانت الكفالة بمال ضمن السيد الاقل من قيمته ومن الدين لان حق المكفول له تعلق بماليته فان الدين لا يجب على العبد الا شاغلا لماليته وقد ظهر الوجوب في حق المولى باذنه له في الكفالة فإذا أتلفه بالاعتاق صار ضامنا ذلك للطالب والغريم بالخيار ان شاء اتبع العبد بالمال لكفالته وان شاء اتبع السيد لاتلافه مالية الرقبة فان تبع العبد كان للعبد أن يتبع المكفول به ان كان كفل بأمره وان اتبع السيد كان للسيد أيضا أن يتبع المكفول به ان كان المكفول به طلب من السيد أن يأمر عبده وان لم يكن طلب من السيد ولا من العبد لم يرجع عليه بشئ لانهما تبرعا بالالتزام والاداء عنه وإذا كانت قيمة العبد التاجر ألفي درهم وعليه دين ألف درهم فأمره مولاه فكفل بالف درهم ثم استدان العبد بعد ذلك ألف درهم ثم باعه القاضى في الدين بألف درهم فان ثمنه يضرب فيه الغرماء الاولون والآخرون بدينهم كله ويضرب فيه أصحاب الكفالة بالف درهم مقدار الفارغ من قيمته عن الدين يوم كفل لان التزامه المال بالكفالة باذن المولى انما يصح بقدر الفارغ والفارغ يومئذ كان ألف درهم (ألا ترى) أن المولى لو أقر عليه بالدين لم يصح الا بقدر الفارغ من ماليته فكذلك إذا أذن له حتى كفل فاستدانته ملزمة اياه من غير أن يشترط فيه فراغ المالية فثبت عليه جميع ما استدانه فلهذا ضرب كل غريم من غرمائه بجميع دينه ولا يضرب المكفول له الا بألف درهم وإذا كفل العبد وهو صبى بغير اذن سيده بنفس أو مال ثم عتق لم يلزمه من ذلك شئ لانه غير مخاطب والتزامه في حق نفسه غير صحيح (ألا ترى) انه لو كفل بعد ما عتق وهو صبي لم يلزمه بذلك شئ فكذلك قبله وان كان كفل باذن سيده فهو جائز عليه في

[ 15 ] الرق وبعد العتق لما بينا أن اذن السيد في الكفالة بمنزلة اقراره عليه بالدين وذلك صحيح عليه في الرق وبعد العتق فكذلك هذا وهذا لان للمولى قولا ملزما على عبده وقوله على عبده ألزم من قول الاب على ولده ثم كل دين وجب على الولد باعتبار اذن والده كديون التجارة يكون الوالد مؤاخذا به بعد البلوغ فكذلك ما يجب على العبد باذن السيد يكون مؤاخذا به بعد العتق وان كفل باذن سيده بدين يستغرق قيمته ثم كفل بدين آخر يستغرق قيمته باذنه أيضا لم يجز الدين الثاني لان شرط صحة هذا الالتزام فراغ المالية فما لم يقض بالاول لا يصير هذا الشرط موجودا فلا يثبت الثاني وهو بمنزلة ما لو أقر السيد عليه بدين مستغرق قيمته ثم بدين آخر وكذلك ان كان الدين الاول من تجارته وان عتق قبل ان يقضي دينه لزمه الثاني لان المانع كان اشتغال المالية بحق الاول وقد زال ذلك المعنى ببطلان المالية بالعتق فاستوت الديون عليه بعد العتق وان كان مولى العبد صبيا فاذن هو أو أبوه أو وصيه للعبد في الكفالة لم يجز أما الصبي فلانه لا يملك مباشرة الكفالة فكذلك لا يأذن فيه لعبده وليس للاب ولاية الكفالة على الصبي ولا في ماله (ألا ترى) انهم لو أذنوا للصبي حتى كفل لم يصح فكذلك إذا أذنوا فيه لعبد الصبي وكذلك ان كان مولاه عبدا تاجرا لانه لا يملك الكفالة بنفسه فلا يصح اذنه بذلك لعبده فان أذن المولى لعبد عبده في الكفالة بنفس أو مال فان كان على العبد الاول دين مستغرق لم يجز لانه من كسبه كسائر الاجانب في حق التصرف ما لم يفرغ من دينه وان لم يكن على واحد منهما دين جاز لان الثاني خالص ملكه كالاول فكما تصح الكفالة من الاول باذن مولاه فكذلك من الثاني وان أمر السيد عبده ان يكفل بثلاثة آلاف درهم عن رجل وكفل بها ثم استدان ثلاثة آلاف درهم وباعه القاضى بألفين فانه يضرب فيها أصحاب الكفالة بدينهم كله وأصحاب الدين بجميع دينهم لان الكفالة من العبد حصلت في حال فراغه من الدين فنفذت في الكل ثم اشتغاله بدين الكفالة لا يمنع وجوب الدين عليه بالاستدانة فيثبت الدينان فيضرب كل واحد من الغريمين في ثمنه بجميع دينه وهو كما لو أقر المولى عليه بثلاثة آلاف درهم ثم استدان العبد مثل ذلك وإذا كفل العبد وهو يساوى ألف درهم باذن سيده بالف درهم ولا دين عليه ثم كفل بألف أخرى باذنه أيضا لم تجز الكفالة الثانية لان بالكفالة الاولى اشتغلت جميع مالية العبد بحق المكفول له وشرط صحة الكفالة فراغ المالية فإذا لم يوجد ذلك عند الكفالة الثانية لم يصح كما لو أقر المولي عليه بدين بقدر

[ 16 ] قيمته ثم بدين آخر فان زادت قيمته حتى بلغت ألف درهم ثم كفل بألف اخري باذن مولاه فهو جائز لان شرط صحة الكفالة الثالثة قد وجد وهو فراغ المالية عندها بقدرها فان قيل إذا زادت قيمته لماذا لم تشتغل هذه الزيادة بالكفالة الثانية حتى لا تصح الكفالة الثالثة قلنا لان شرط صحة العقد انما تعتبر عند وجود العقد لانه يتعذر اعتبار ما بعده فان القيمة تزداد تارة وتنتقص أخرى فلهذا صححنا باعتبار هذه الزيادة الكفالة الثالثة دون الثانية فان باعه القاضى بألفى درهم فانها تقسم بين المكفول له الاول والمكفول له الآخر نصفين لصحة هاتين الكفالتين ولا شئ للاوسط لانه كفل له وليس في قيمته فضل فلم تصح الكفالة له ولا مزاحمة بين الصحيح والفاسد وكذلك لو باعه بألف وخمسمائة أو بألف درهم لان الكفالتين يعنى الاولى والثانية استوتا في الصحة والمقدار فما يحصل من ثمن العبد قل أو كثر فهو بينهما نصفان حتى يستوفيا حقهما فان فضل شئ بان باعه بألفين وخمسمأئة أو بثلاثة آلاف فالفضل للثانية لان هذا الفضل حق المولى والمولى قد رضى بصرفه إلى الكفالة الثانية حين أمره ان يكفل بها (ألا ترى) ان العبد المديون لو كفل باذن مولاه ثم سقطت ديونه بالاداء يصرف كسبه ورقبته إلى دين المكفول له فكذلك هنا وإذا قال الرجل لرجل ما ذاب لك على فلان فهو على ورضى بذلك الطالب فقال المطلوب لك على ألف درهم وقال الطالب لى عليك ألفان وقال الكفيل مالك على شئ فالقول قول المطلوب لان الطالب يدعى عليه الزيادة وهو منكر ثم ما أقر به المطلوب يكون لازما على الكفيل لان القاضى يقضى عليه باقراره فيتحقق الذوب في هذا القدر بقضاء القاضى كما يتحقق ان لو قامت البينة فيكون ذلك لازما على الكفيل فان قيل في هذا الزام المال على الكفيل بقول المطلوب وقوله ليس حجة عليه قلنا ليس كذلك بل فيه ايجاب المال عليه بكفالته لانه لما قيد الكفالة بالذوب مع علمه أن الذوب قد يحصل عليه باقراره فقد صار ملتزما ذلك بكفالته وكذلك لو قال ما أقر لك به فلان من شئ فهو على وما صار لك عليه فهو على وهذا كله استحسان وفى القياس لا يجب على الكفيل شئ إذا أنكر الوجوب على المطلوب ما لم يقم البينة بذلك لما بينا ان الاقرار حجة في حق المقر خاصة فالثابت باقرار المطلوب ثابت في حقه دون غيره ولكنا نترك هذا القياس للتنصيص من الكفيل في الكفالة على ما يقر به المطلوب أو على ما يذوب عليه مطلقا من غير تقييد الذوب بشئ وكذلك لو قال ما قضى لك عليه فهو على الا أن هنا لا يلزم الكفيل حتى يقضى على المطلوب

[ 17 ] باقراره لانه كفل بمال مقضى به فما لم يصر المال مقضيا به على المطلوب لا يتقرر الوصف الذي قيد الكفالة به ولو قال مالك عليه فهو على لم يلزم الكفيل شئ باقرار المكفول عنه لانه كفل بما هو واجب عليه وقت الكفالة وما بعد ذلك ثبت الوجوب عليه ولم يبين في حق الكفيل أنه صار واجبا وقت الكفالة لان الاقرار اخبار في حق المقر ولكن في حق الغير يجعل كالانشاء بمنزلة اقرار المريض في حق غرماء الصحة بخلاف ما سبق فان هناك انما كفل بما يقر به في المستقبل أو بما يلزمه في المستقبل أو بما يقضى عليه به في المستقبل وذلك يثبت باقراره حتى لو قال ما كان اقر به لك فلان أمس فهو على فقال المطلوب قد اقررت له أمس بالف درهم وجحد ذلك الكفيل فلا شئ عليه لانه كفل بمال سبق الاقرار به من المطلوب على الكفالة ولا يتبين ذلك باقراره بعد الكفالة في حق الكفيل لانه متهم في ذلك فلا يجب على الكفيل الا ان يقيم البينة على اقراره بذلك أمس فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو قال ما أقر لك به من شئ فهو على فقامت عليه البينة انه قد أقر قبل الكفالة بألف درهم لم تلزم الكفيل الا ان يقر بها بعد الكفالة لان هذا اللفظ انما يدخل فيه اقرار يكون منه في المستقبل لا ما كان منه في الماضي وكأنه أورد هذا الفصل لايضاح الفرق الاول وما قضى به القاضى بنكوله عن اليمين لم يلزم الكفيل لانه انما كفل بما يقر به والنكول بدل عند أبى حنيفة رحمه الله وليس باقرار وعندهما هو قائم مقام الاقرار لضرورة فصل الخصومة وذلك في حق الخصمين دون الكفيل فإذا لم يكن بمنزلة الاقرار في حق الكفيل لا يلزمه شئ وإذا ادعى رجل قبل عبد دعوى فكفل مولاه بنفسه فهو جائز لانه التزم تلسيم ما يقدر على تسليمه وهذا الفصل في الكفالة بالنفس أقرب إلى الجواز من غيره لان له ولاية على عبده بسبب ملكه فيقدر على تسليمه وكذلك كفالة المولى عن العبد بالمال جائزة لان العبد يصح أن يكون مطلوبا بالمال فلو كفل عنه أحنبي صح فكذلك مولاه * فان قيل دين العبد مستحق القضاء من ماليته وهو ملك مولاه فأى فائدة في هذه الكفالة * قلنا الفائدة شغل ذمة المولى اما بالمطالبة أو بأصل الدين واستحقاق قضائه من سائر أمواله وهذا إذا لم يكن ثابتا قبل الكفالة وإذا أدى المال لا يرجع به على عبده وان أداه بعد عتقه لم يستوجب المولى عليه شيئا فان المولى لا يستوجب على عبده دينا وقد بينا أنه متى لم يجب عند الكفالة للكفيل على المكفول عنه لا يجب بعد ذلك وان أحال العبد غريما له على مولاه بدينه على ان يبرأ العبد فمات المولى ولا مال له الا العبد وعلى العبد دين كثير فللمحتال

[ 18 ] له أن يرجع على العبد لان مالية العبد مستحقة بديونه وقد مات المولى ولا مال له الا العبد مفلسا ومن أصلنا ان الحوالة تبطل بموت المحتال عليه مفلسا على ما نبينه في بابه ان شاء الله تعالى وإذا بطلت الحوالة بعود دين المحتال له إلى العبد فيضرب بدينه في مالية العبد مع غرمائه وان كفل المولى عن عبده بدين ثم أبرأ صاحب الدين المولى الكفيل كان فسخا للكفالة وذلك لا يسقط الدين عن الاصيل (ألا ترى) ان قبل الكفالة كان المال واجبا على الاصيل فكذلك بعد انفساخ الكفالة يبقى المال على الاصيل وهذا بخلاف الهبة من الكفيل لان الهبة تمليك فلا يمكن تصحيحه الا بتحويل الدين إلى ذمة الكفيل فلهذا يسقط عن الاصيل فاما الابراء فاسقاط محض واسقاط المطالبة دون أصل الدين صحيح فكان ابراء الكفيل اسقاطا للمطالبة عنه فيبقى المال على الاصيل بحاله وان ابرأ العبد برئا جميعا لان ابراء الاصيل اسقاط لاصل الدين وذلك يوجب براءة الكفيل ضرروة فان كفل المولى بنفس عبده وضمن ما ذاب عليه وغاب العبد تاجرا فان المولى يؤخذ بنفسه لكفالته ولا يكون خصما فيما على العبد حتى يحضر العبد فيخاصم فإذا قضى عليه لزم المولى لانه انما ضمن ما يذوب على العبد بل ولا يتحقق الوجوب على العبد ما لم يقض عليه القاضى بحضرته وما لم يثبت ضمان المالك لا يكون هو خصما فيه وقد سبق نظيره في الحر فكذلك في العبد سواء كان عليه دين أو لم يكن لان المولى ليس بخصم فيما على عبده بدون الضمان وإذا كان لرجل على عبد تاجر ألف درهم ولآخر على ذلك الرجل ألف درهم فأحاله بذلك على العبد أو ضمنه العبد له بامره فهو جائز لانه لا يلتزم بهذه الحوالة والضمان شيأ لم يكن عليه انما يلتزم ما هو عليه فلا يتحقق معنى التبرع في هذا الالتزام وكذلك وصى الصبى لو استدان مالا وأنفقه عليه ثم أمر الصبي بأن يضمن هذا المال جاز لانه ليس بالزام للمال بل فيه التزام لما عليه كذا هنا وفى الحقيقة هذا أمر من غريم العبد للعبد بأن يدفع ماله عليه إلى غريمه أو يوكل غريمه في أن يقبض من العبد ماله عليه وكما يملك أن يطالب بنفسه يملك أن يوكل غيره (ألا ترى) أن المال لو كان عينا في يد العبد للآمر فأمره أن يدفعه إلى مديونه صح فكذلك إذا كان دينا في ذمته ولو كفل رجل بنفس عبد محجور عليه بأمره فان الكفيل يؤخذ بالكفالة لان العبد مخاطب وتسليم النفس عليه لجواب الخصم مستحق وانما تأخر ذلك عنه لحق المولى فتصح الكفالة بذلك عنه كالمال فان العبد المحجور لو أقر لانسان بمال ثم كفل به عنه انسان صح وليس لهذا الكفيل أن يتبع العبد بذلك حتى

[ 19 ] يعتق كما أن الطالب لا يطالبه بذلك حتى يعتق فإذا أعتق اتبعه بكفالته حتى يبرئه منها لانه أمره بهذه الكفالة وأمره في حق نفسه صحيح فكان مطالبا به بعد العتق ولو كان على المكاتب مال لرجل فكفل به عنه لاخر كان جائزا بخلاف كفالة المكاتب بالنفس أو بالمال فان ذلك تبرع واصطناع معروف وهذا ليس بتبرع وانما هو التزام مال أصله عليه ولا فرق في حقه بين أن يدفعه إلى الاول أو إلى الثاني فلهذا صحت الكفالة وان أمر المكاتب عبده أن يكفل بمال على المكاتب فهو جائز لان المكاتب ملتزم فصار هذا الدين من كسبه وعبده كسبه فليس في هذه الكفالة الا استحقاق ما هو مستحق بخلاف ما إذا أمره أن يكفل عن غيره فان ذلك التزام بطريق التبرع فيما ليس عليه ولا يملك المكاتب مباشرته بنفسه فكذلك لا يملك أن يأمر عبده به ولو أن رجلا طلب من مكاتب أو عبد تاجر أن يشترى له متاعا بمال مسمى ولم يدفع إليه شيأ فاشترى العبد كان شراؤه في القياس لنفسه دون الآمر لانه ملتزم المال في ذمته بعوض يحصل للآمر فيكون هذا بمنزلة الكفالة (ألا ترى) انه لو أمره بالشراء له بالنسيئة لم يصح فكذلك بالنقد وفى الاستحسان هذا جائز لانه من صنع التجار وهو محتال إليه فان من لا يعين غيره لا يعان ثم المشترى محبوس في يده حتى يستوفى الثمن من الآمر بخلاف الكفالة والشراء بالنسيئة وقد بينا هذا في كتاب الوكالة وذكر عن إبراهيم رحمه الله قال لا يجوز كفالة الرجل عن المكاتب بالمكاتبة لمولاه وبه نأخذ لان المكاتب عبد والمولى لا يستوجب على عبده دينا ولان ما للمكاتب على المكاتب بصفة لا يمكن ايجابه بتلك الصفة على الكفيل لان المكاتب يتمكن من أن يسقط عن نفسه المال بان يعجز نفسه ولا يمكن اثباته في ذمة الوكيل الكفيل بهذه الصفة ولو أثبتناه في ذمة الكفيل لاثبتنا أكثر مما هو واجب في ذمة الاصيل وذلك لا يجوز وكذلك لو كان للمولى عليه دين سوى مال الكتابة وكفل به رجل لم يجز للمعنيين اللذين ذكرناهما فان المكاتب إذا عجز نفسه فكما يسقط عنه بدل الكتابة فكذلك تسقط سائر ديون المولى وكذلك لو كان له مكاتبان كل واحد منهما مكاتب على حدة فكفل أحدهما بمال على صاحبه للمولى من الكتابة أو الدين لم يجز لانه كفالة لمكاتب ولا كفالة للمولى عن المكاتب وذلك غير صحيح من الحر فلان لا يصح من المكاتب كان أولى ولو كان بينهما مكاتبة واحدة وجعل نجومها واحدة فإذا أديا عتقا وان عجزا ردا كان ذلك جائزا استحسانا وفى القياس هذا لا يجوز لانه كفالة لمكاتب ولانه كفالة ببدل الكتابة

[ 20 ] ولكنه استحسن فقال المولى جعلهما في هذا الحكم كشخص واحد فكأنه الزم جميع المال كل واحد منهما ثم علق عتق صاحبه بادائه وله هذه الولاية ولهذا كان له أن يأخذ كل واحد منهما بجميع الكتابة الا أنه في حق ما بينهما إذا أدى أحدهما جميع البدل رجع على صاحبه بنصفه فاما في حق المولى فالمال عليهما كشئ واحد حتى انه لو أدى أحدهما نصيبه من البدل لا يعتق لان المولى ما رضى بعتقهما ولا عتق أحدهما حتى يصل إليه جميع البدل وإذا دان المولى أحدهما دينا بعد المكاتبة فكفل الآخر لم يجز لانه لم يكن على هذا الآخر من الدين شئ ولا تعلق عتقه بأدائه فكان هذا التزاما منه بطريق التبرع ثم هو التزام الدين عن المكاتب لمولاه وذلك باطل بخلاف الاول فان عتقه تعلق بأداء ذلك المال فيجوز أن يكون هو ملتزما أداءه ولو كان للمكاتب مال على رجل فأمره فضمنه لمولاه من المكاتبة أو من دين له سوى ذلك فهو جائز لان أصل ذلك المال واجب على الكفيل فهذا في الحقيقة أمر له منه بدفع ما عليه إلى مولاه أو توكيل لمولاه أن يقبض دينه من غريمه وذلك مستقيم ولو كان للمولى دين على ابن المكاتب أو على رحم محرم منه أو على عبد له فكفل به لم يجز لان من دخل في كتابته فهو مكاتب لمولاه وكفالة الرجل على المكاتب لمولاه باطلة ومن لم يدخل في كتابته فهو عبد للمكاتب والدين الذى للمولى على عبد المكاتب بمنزلة الدين له على المكاتب لان كل واحد منهما يسقط بعجز المكاتب فكما لا تجوز الكفالة للمولى بماله على مكاتبه فكذلك بماله على عبد مكاتبه وان كفل به المكاتب عن عبده أو أم ولده جاز لان كسبهما ورقبتهما كذلك (ألا ترى) انه إذا أدى بدل الكتابة يتقرر مكله فيهما فكان الواجب على ملكه بمنزلة الواجب عليه وتبين بهذا انه بهذه الكفالة ليس بملتزم ما ليس عليه بطريق التبرع وان كفل به عن ابنه أو عن أحد أبويه لم يجز أما إذا كان حرا فغير مشكل وكذلك ان كان داخلا في كتابته لان من دخل في كتابته فهو بمنزلة المكاتب لمولاه (ألا ترى) ان بادائه يعتق كما يعتق المكاتب وان كان في الحال لا تصح منه الكفالة والتبرعات كما لا تصح من المكاتب فكفالة أحد المكاتبين عن الآخر باطلة وان كان المولى واحدا وإذا مات مولى المكاتب وكفل رجل بماله عليه من الكتابة أو غيرها للورثة لم يجز لانهم قائمون مقام المورث فكما لا تصح كفالة هذا الرجل للمورث عنه في حياته فكذلك لوارثه بعد وفاته * فان قيل الوارث لا يملك رقية المكاتب فلماذا لا تصح الكفالة * قلنا هو بمنزلة المالك على معنى انه إذا عجز كان مملوكا له مع

[ 21 ] أن المانع من الكفالة ضعف ذلك الدين في حق الاصيل حتى انه يسقط عنه إذا عجز نفسه وفى هذا لا فرق بين المولى وبين وارثه بعد موته ولو كان للمكاتب دين على بعض الورثة وكفل به رجل أو كفل بنفس المطلوب كان جائزا لان الاصيل مطلوب بهذا المال مطلقا فتصح كفالة الكفيل به (ألا ترى) أن المال لو كان للمكاتب على مولاه لم يكن من جنس الكتابة وكفل به رجلا للمكاتب عن المولى صح فكذلك وارثه بعد موته وإذا ادان العبد التاجر لمولاه دينا ولا دين عليه وأخذ منه كفيلا بذلك فالكفالة باطلة لان العبد لا يستوجب الدين على مولاه إذا لم يكن عليه دين فان دينه كسبه وكسبه ملك المولى ومن ملك ما في ذمته سقط ذلك عنه وان كان على العبد دين فالكفالة جائزة لان كسبه حق غرمائه فيتحقق واجبا في ذمة المولى كما يتحقق واجبا في ذمة غيره فلهذا صحت الكفالة به عنه والكفالة بالنفس في ذلك مثل الكفالة بالمال لانه إذا لم يكن على العبد دين فخصومته مع المولى لا تلزم المولى تسليم النفس إليه للجواب فلا تصح الكفالة بتسليم نفسه أيضا وإذا كان عليه دين فانه يستحق على المولى تسليم النفس للجواب فيصح الزامه بالكفالة أيضا وكذلك أخذ هذا الكفيل بنفس مولاه في خصومة شئ يدعيه قبله وكيلا في خصومته فهو جائز إذا كان عليه دين لان الجواب لما كان مستحقا على المولى صح توكيله به وان لم يكن عليه دين فهو باطل لان الجواب غير مستحق له على المولى فكذلك على وكيله لان العبد إذا لم يكن عليه دين فحقه لمولاه ويكون هذا بمنزلة التوكيل من المولى عبده في ان يخاصم نفسه وذلك باطل وكذلك لو كفل الوكيل بنفس المولى وضمن ما عليه وهو مائة درهم فهو على التقسيم الذى قلنا فان مات المولى وعلى العبد دين فللعبد أن يستوفى المال من الكفيل لصحة الكفالة ويرجع به الكفيل في تركة المولى لانه كفل عنه بأمره وأدى وكذلك لو كان المولى صبيا وقد أذن أبوه أو وصيه لعبده في التجارة فاستهلك الصبي شيأ لعبده وعليه دين فضمان ذلك واجب عليه كما لو استهلكه على غريم العبد فإذا أخذ منه كفيلا بالمال برضا الاب أو الوصي كان ذلك جائزا لانه دين مستحق عليه يؤمر الاب والوصى بقضائه من ماله فتصح كفالة الكفيل به وإذا كان بأمر الاب أو الوصي رجع الكفيل عليه إذا أداه وإذا كفل الكفيل للعبد بمال عن مولاه وعلى العبد دين فأدى العبد دينه برئ الكفيل من الكفالة لان صحة هذه الكفالة باعتبار الدين على العبد حتى إذا لم يكن عليه دين لا تصح الكفالة فإذا سقط الدين فقد انعدم المعنى الذى

[ 22 ] به كانت الكفالة وان عتق قبل أن يؤدى دينه ثم أداه من مال اكتسبه بعد العتق أخذ الكفيل بالمال لان الاصل أن العبد المديون إذا ادى دينه بعد العتق من مال اكتسبه بعد العتق لا يكون متبرعا بالاداء ولكن يرجع بالمؤدى فيما اكتسبه قبل العتق وما اكتسبه قبل العتق هو الدين الذى له على مولاه فإذا لم يسقط ذلك الدين عن المولى بقى الكفيل على كفالته وان أداه من مال كان له في الرق برئ الكفيل من الكفالة لانه لا يستوجب الرجوع بالمؤدى في كسبه فصار ما في ذمة المولى حقا له فبالخلوص يسقط عنه وبراءة الاصيل توجب براءة الكفيل وكذلك هذا الحرف فيما إذا أدى دينه في حال الرق فان ما في ذمة المولى يخلص له ويسقط عنه وبراءته توجب براءة الكفيل وكفالة الرجل للمكاتب بنفس مولاه أو بدين له عليه جائزة لان المولى في كسب مكاتبه أنفذ منه في كسب عبده المديون وقد بينا صحة كفالة العبد عن مولاه إذا كان مديونا فللمكاتب أولى وكذلك لو كفل بنفسه وضمن ما ذاب عليه أو جعله كفيلا بنفسه وكيلا في خصومته وهذا بخلاف كفالة المولى عن المكاتب لان دين المولى على مكاتبه لا يقوى حتى يملك المكاتب اسقاطه بالتعجيز فاما دين المكاتب على مولاه فقوى فان المولى لا يملك اسقاطه الا بالاداء فلهذا صحت الكفالة به وكذلك لو كفل عن المولى بدين لابن المكاتب أو أبعد من ذلك وابن المكاتب بمنزلة المكاتب لان من دخل في كتابته فهو مكاتب للمولى والمستسعى في بعض قيمته بعد ما عتق بعضه بمنزلة المكاتب وفى قول أبى حنيفة رحمه الله لا يجوز كفالة أحد عنه بالسعاية لمولاه ولا بنفسه * فان قيل المعنى الذى لاجله لا تجوز الكفالة ببدل الكتابة عن المكاتب للمولى لانه ضعيف يملك المكاتب اسقاطه بالتعجيز وهذ لا يوجد في السعاية فانه لا يملك اسقاطه بالتعجيز إذ ليس له ان يعجز نفسه فينبغي ان تصح الكفالة * قلنا بل المعنى أن المكاتب عبد ولا يقوى دين المولى في ذمته لانه ليس للعبد ذمة قوية في حق مولاه وهذا موجود هنا فالمستسعى عنده بمنزلة المكاتب لان الرق يتجزأ عند أبى حنيفة رحمه الله فلا يعتق نصيبه ما لم يؤد حق السعاية وكذلك العتق عند الموت إذا لم يخرج من الثلث فلزمته السعاية فهذه السعاية بمنزلة بدل الكتابة على معنى أنه لا يعتق الا بأدائها فلا تصح الكفالة بها عند المولى وهذا بخلاف ما إذا أعتق عبده على مال فكفل كفيل للمولى بذلك المال صحت الكفالة لانه عتق هناك بنفس القبول فكان المال دينا قويا في ذمته كسائر الديون والمستسعى لا يعتق الا بالاداء فلا يكون

[ 23 ] المال لازما في ذمته بصفة القوة وهذا لان العتق في الاصل صلة وكل مال يحصل بأدائه العتق أو يتم بادائه العتق يكون في معنى الصلة فلا تصح الكفالة به فاما الواجب بعد تمام العتق فليس فيه معنى الصلة فتصح الكفالة به وإذا كان العبد التاجر بين رجلين فادانه أحدهما دينا وأخذ منه كفيلا به أو بنفسه فهو جائز غير انه لا يلزم الكفيل الا نصف المال لانه انما يجب على الكفيل بالكفالة ما هو واجب على الاصيل وهو العبد نصف المال لان حصة المولى المدينة لا تجب عليه فان المولى لا يستوجب الدين على عبده وانما ثبت بحصة نصيب الآخر وذلك نصف المال فوجب على الكفيل ذلك أيضا وكذلك لو كان العبد هو الذى ادان أحد مولييه وأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالمال فهو جائز يؤخذ ان كان على العبد دين لان جميع الدين هنا ثابت للعبد على المولى الذى له النصف لانه غير مملوك والنصف الآخر لقيام الدين عليه وان لم يكن عليه دين ثبت نصف الدين عليه وهو نصيب المولى الآخر فاما نصيبه من كسب العبد في خالص حقه فتصح الكفالة عنه للعبد بالنصف هنا دون النصف الآخر وكذلك شريك المولى شركة مفاوضة لو ادان العبد دينا فأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالدين فهو جائز غير انه يبطل من حصة المولى من الدين نصفها بقدر ملكه وما سقط عن الاصيل سقط عن الكفيل بقدره ولو كان للمولى شريك شركة عنان فادان العبد وأخذ منه كفيلا بنفسه أو بالدين فهو جائز لان شريكي العنان فيما ليس من شركتهما كسائر الاجانب فكان جيمع دينه مستحقا على العبد فتصح الكفالة ولو ان الموليين جميعا أدانا العبد دينا واحدا بعقد واحد وفى صفقة واحدة فأخذا منه كفيلا بالمال أو بنفسه فهو جائز غير انه يبطل منه مقدار حصته لانه لا يستوجب الدين على ملكه وبقدر ما يبطل عن الاصيل يبطل عن الكفيل ولو أن العبد أدان مولييه دينا وأخذ منهما كفيلا به فهو جائز غير انه يبطل من كل واحد منهما نصف الدين لان نصف كسب العبد خالص كل واحد منهما إذا لم يكن على العبد دين ولو كان للعبد دين على رجل فكفل به أحد مولييه أو كفل بنفسه فهو جائز يؤخذ به كله ان كان عليه دين لان كسبه حق غرمائه فالموليان منه كسائر الاجانب وان لم يكن عليه دين أخذ بنصفه لان نصف كسبه للمولى الذى كفل ولا يجب له بالكفالة على نفسه فلهذا كان له عليه الكفالة بقدر نصيب شريكه وان كفل له الموليان جميعا بمال وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فان كان على العبد دين فهو جائز لانه ان كفل به أحدهما جاز فكذلك إذا كفلا

[ 24 ] به لانهما كسائر الاجانب في كسبه وأيهما أدى إليه المال رجع على صاحبه بنصفه ليستويا في غرم الكفالة كما استويا في أصل الكفالة وان لم يكن عليه دين بطل عنهما نصف هذا الدين لان كل واحد منهما مالك لنصف كسبه ولا يملك لنفسه بنفسه فلهذا بطل عنهما نصف هذا الدين ولا يكون كل واحد منهما كفيلا من قبل صاحبه لان كل واحد منهما انما يضمن بأصل الكفالة صاحبه فلا يجوز ان يصير صاحبه كفيلا عنه بذلك إذ يكون كفيلا بنفسه وذلك باطل ولو كفل ما جازت فيه كفالة المسلم عن المسلم والذمى عن الذمي جاز لان الكفالة من المعاملات وأهل الذمة يستوون مع المسلمين في المعاملات ولو كفل الذمي عن الذمي للذمي بالخمر من قرض أو غصب أو استهلاك صحت الكفالة لان الخمر مال متقوم عندهم فان أسلم الطالب سقطت الخمر عن الاصيل والكفيل جميعا لا إلى بدل لانه لا يستوجب الخمر ولا قيمتها ابتداء بهذا السبب على أحد فكذلك لا يبقى ما كان واجبا له ويجعل باسلامه له كمبرئ الاصيل والكفيل جميعا وان أسلم المطلوب فكذلك الجواب عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وعند محمد رحمه الله يجب على المطلوب قيمة الخمر ويبقى الكفيل على كفالته وهى رواية زفر رحمه الله وخالفه أبو حنيفة رحمه الله لان اسلام المطلوب لا يمنع وجوب قيمة الخمر عليه للذمي ابتداء (ألا ترى) انه لو استهلك المسلم خمر ذمى أو استقرض من ذمى خمرا فاتلفها كانت مضمونة عليه بالقيمة فكذلك تبقى القيمة على المسلم للذمي وقد جعلنا الطالب باسلامه كالمبرئ والمطلوب لا يمكن ان يجعل باسلامه كالمبرئ لانه لا يبرئ نفسه وان لم يبرأ الاصيل لا يبرأ الكفيل فيكون للطالب الخيار ان شاء رجع على الاصيل بقيمة الخمر وان شاء رجع على الكفيل بالخمر ثم الكفيل يرجع على الاصيل بقيمة الخمر ان كان كفل بأمره ووجه قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله ان الخمر التى هي بدل القرض إذا سقطت بالاسلام تسقط لا إلى بدل كما إذا سقطت باسلام الطالب وكان المعنى فيه أن الطالب لو استوفى القيمة لكان به مملكا من المطلوب الخمر التى في ذمته ولا يجوز تمليك الخمر من المسلم ببدل فتسقط أصلا لان حق اسقاط البدل متى كان متعلقا بشرط تمليك المبدل فإذا امتنع ذلك يسقط أصلا كمن هشم قلب فضة لانسان فلصاحب القلب ان يضمنه قيمته من خلاف جنسه بشرط ان يملكه المهشوم فإذا امتنع من ذلك لا يرجع عليه بشئ بخلاف ما إذا كان المطلوب مسلما وقت الاستقراض والاستهلاك فان أصل الخمر هناك لا تجب في ذمته ابتداء وانما تجب القيمة ولا

[ 25 ] يشترط لوجوب القيمة ملك ما يقابله كمن غصب مدبرا أو أتلفه يضمن قيمته من غير ان يملك المدبر به فإذا سقطت عندهما الخمر عن المطلوب لا إلى بدل برئ الكفيل لان ابراء الاصيل يوجب براءة الكفيل ولو أسلم الكفيل خاصة سقطت الخمر عن الكفيل لا إلى بدل في قول أبى حنيفة رحمه الله وأبى يوسف رحمه الله ولكن براءة الكفيل لا توجب براءة الاصيل وكانت الخمر للطالب على المطلوب على حالها وعند محمد رحمه الله الطالب بالخيار ان شاء رجع على الكفيل بقيمة الخمر لانه مطلوب وان شاء رجع على الاصيل بالخمر فان أخذ من الكفيل قيمة الخمر لم يرجع الكفيل على الاصيل بشئ لانه مطالب في حق الاصيل واسلام الطالب يسقط الخمر لا إلى بدل وان أسلموا جميعا يسقط الخمر لا إلى بدل لان في اسلامهم اسلام الطالب وزيادة وكذلك ان اسلم الطالب والكفيل أو الطالب والاصيل فان أسلم الكفيل والاصيل سقطت الخمر لا إلى بدل عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله ويتحول إلى القيمة عند محمد رحمه الله فإذا استوفاه من الكفيل لم يرجع الكفيل على الاصيل لانه طالب في حقه ولو كانت الخمر من ثمن بيع والمسألة بحالها فان أسلم الطالب أو المطلوب سقطت الخمر لا إلى بدل بالاتفاق لانفساخ البيع بينهما باسلام أحدهما قبل قبض الخمر وان أسلم الكفيل خاصة فالبيع يبقى على حاله ويسقط الخمر لا إلى بدل من الكفيل في قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله وعند محمد رحمه الله يتحول إلى القيمة لان ما في ذمة الكفيل بمنزلة القرض ولو كانت الخمر سلما والمسألة بحالها فان أسلم الطالب والمطلوب سقطت لا إلى بدل لانفساخ العقد بينهما وان أسلم الكفيل يبقى العقد بين رب السلم والمسلم إليه ولكن يبرأ الكفيل بالاتفاق لانه لا يجوز ان يتحول حق رب السلم إلى القيمة دينا في ذمته فان الاستبدال بالمسلم فيه قبل القبض لا يجوز ولو كانت الخمر صداقا والمسألة بحالها فنقول أما بيان قول أبى حنيفة رحمه الله فالصداق اما ان يكون خمرا أو خنزيرا بعينه أو بغير عينه فان كان بعينه وقد كفل به كفيل فهو صحيح لان الصداق مضمون بنفسه في يد الزوج والكفالة بالاعيان المضمونة بنفسها صحيحة كالمغصوب وسواء أسلم الزوج والمرأة أو أحدهما أو أسلموا جميعا فبقى حقها في العين كما بيناه في كتاب النكاح فيكون لها أن تأخذ العين من الزوج وان شاءت طالبت الكفيل بالتسليم لان لزوج لما بقى بالتسليم بعد اسلامه يبقى الكفيل مطالبا به أيضا وان كان بغير عينه فان كان خمرا وأسلمت المرأة فحقها في ذمة الزوج في قيمة الخمر ويبرأ الكفيل من

[ 26 ] الكفالة لانها طالبته وما في ذمة الكفيل بمنزلة بدل القرض فانه غير واجب بالنكاح بل انما وجب بالكفالة فيسقط باسلام الطالب لا إلى بدل فأما في ذمة الزوج فصداق واسلامها يحول الحق إلى قيمة الخمر في صداق بغير عينه عند أبى حنيفة رحمه الله وان أسلم الزوج فحقها عليه في قيمة الخمر وان شاءت طالبت الكفيل بالخمر لان الاصيل ما برئ باسلامه بل تحول إلى القيمة في حقه لتعذر تسليم عين الخمر عليه ولم يتعذر ذلك على الكفيل فان استوفت الخمر من الكفيل لم يكن للكفيل ان يرجع على الزوج بشئ لانه بمنزلة المقرض من الاصيل وعند أبى حنيفة رحمه الله اسلام المستقرض يسقط الخمر لا إلى بدل وان أسلم الكفيل فانها ترجع على الزوج بالخمر وقد برئ الكفيل لان ما في ذمته بمنزله القرض واسلام المطلوب عنده يسقط الخمر لا إلى بدل وان كان خنزيرا بغير عينه فان أسلمت المرأة فلها مهر مثلها على الزوج ولا شئ على الكفيل من ذلك لان الخنزير قد سقط ومهر المثل دين حادث على الزوج والكفيل لم يكفل به وان أسلم الزوج فكذلك الجواب لان الزوج قد برئ عن الخنزير أصلا فيبرأ الكفيل ببراءته ومهر المثل دين حادث على الزوج فليس على الكفيل منه شئ وان أسلم الكفيل سقط عنه الخنزير لا إلى بدل ولها على الزوج الخنزير أو قيمته على حاله فاما على قول أبى يوسف رحمه الله فالجواب في الفصول كلها كما هو قول أبى حنيفة رحمه الله في الخنزير بعينه وعلى قول محمد رحمه الله الجواب في الفصول كلها كجواب أبى حنيفة رحمه الله في الخمر بغير عينها الا في فصلين (أحدهما) فيما إذا أسلم الزوج وأدى الكفيل عين الخمر فعند محمد رحمه الله يرجع الكفيل على لزوج بقيمة الخمر لانه مطلوب في حقه واسلام المطلوب عند محمد رحمه الله يسقط الخمر إلى القيمة (والثانى) فيما إذا أسلم الكفيل عند محمد رحمه الله فلها الخيار ان شاءت رجعت على الزوج بالخمر وان شاءت على الكفيل بقيمة الخمر لان الكفيل مطلوب في حقها واسلام المطلوب عنده يسقط الخمر إلى القيمة ولو كفل الذمي بالخمر عن الذمي لمسلم فهو باطل لان المسلم لا يستوجب الخمر دينا على أحد ولا يكون له الخمر ايضا عينا مضمونة على أحد فلا تصح الكفالة بها له وكذلك ان كفل عن مسلم لذمى بخمر لان الخمر لا يكون دينا في ذمة المسلم لاحد والكفالة بما ليس بواجب في ذمة الاصيل باطلة وكذلك لو كفل مسلم لذمى عن ذمى بخمر فهو باطل لان المسلم لا يلتزم الخمر بشئ من العقود لاحد فكذلك بالكفالة لان الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم وكفالة الذمي بالخمر للعبد التاجر الذمي

[ 27 ] والمكاتب الذمي جائزة وان كان مولاهما مسلما لانهما يتصرفان لانفسهما والمعتبر في التصرف في الخمر في حقهما دينهما لا دين مولاهما فان كانا ذميين جازت الكفالة لهما بالخمر كما لو كانا حربيين وإذا كاتب الذمي عبدين له ذميين على خمر مسماة وكل واحد منهما كفيل عن الآخر فأسلم احدهما صارت كلها قيمة لان جواز العقد كان باعتبار انهما في هذا العقد كشخص واحد ولولا ذلك لم يصح لاعتبار معنى الكفالة فإذا كانا كشخص واحد يجعل اسلام أحدهما في حكم التحول من الخمر إلى القيمة كاسلامهما * توضيحه انه لا يعتق واحد منهما الا إذا أدى جميع البدل إلى المولى ولو تحول نصيب المسلم منهما إلى القيمة وبقى نصيب النصراني منهما خمرا لتميز ما على أحدهما مما على الآخر فيعتق أحدهما باداء ما عليه وذلك خلاف شرط المولى فاما ان يبقى الكل خمرا أو يتحول قيمة وابقاؤه خمرا بعد اسلام أحدهما لا يصح فيتحول الكل إلى القيمة وكذلك إذا كان عبد واحد مكاتب لذميين على خمر فأسلم أحدهما لما بينا انه لا يتميز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر وقد صح تحول نصيب المسلم منهما إلى القيمة فيتحول نصيب الآخر أيضا ضرورة ولو كاتب النصراني عبدا مسلما وعبدا نصرانيا على خمر وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه لم يجز لانهما كشخص واحد في هذا العقد وقد بطل نصيب المسلم فكذلك النصراني إذ لو جوزنا العقد في نصيب النصراني لا يبقى جعل المسلم كفيلا به والمولى ما رضى الا بذلك ولو غصب ذمى من ذمى خمرا أو خنزيرا فكفل به عنه مسلم لم يجز ان كانا قائمين لان المسلم كما لا يلتزم الخمر والخنزير في ذمته دينا بالعقد فكذلك لا يلتزم تسليم عينى الخمر والخنزير بالعقد وان كانا قد هلكا قبل الكفالة صارت الكفالة بما عليه من ضمان الخنزير ولم يجز في الخمر لان الخمر مضمونة على الغاصب بالمثل فالكفيل المسلم انما يلتزم الخمر في ذمته بالكفالة وذلك لا يجوز فاما الخنزير فمضمون بالقيمة والقيمة دراهم فصح التزام ذلك بالكفالة ولو كان الغاصب مسلما جازت كفالته عنه في الخمر أيضا بعد هلاكها لان خمر الذمي مضمونة على المسلم بالقيمة كالخنزير والقيمة دراهم فإذا كانت الكفالة تكون بالقيمة بعد هلاكها فهذا مسلم التزم دراهم هي دين على الاصيل بالكفالة وذلك صحيح (باب الكفالة بالمال) (قال رحمه الله) وفيه حديث أبى امامة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله

[ 28 ] عليه وسلم يقول العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم والمنحة نوع من العارية ولكن فيها معنى العطية فان من أعار غيره شاة أو ناقة ليشرب لبنها يسمى ذلك منحة ولهذا قلنا ان من منح غيره شيئا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدار والدابة والثوب يكون عارية ولا يكون منحة وان منحه شيئا لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هبة لا عارية والاعارة في مثله تكون قرضا وفيه دليل ان رد العارية على المستعير ورد المنحة على الممنوح له لان منفعة النقل حصلت له وقضاء الدين يستحق على المديون بقوله والدين مقضى ومقصوده آخر الحديث وهو قوله والزعيم غارم معناه الكفيل ضامن أي ضامن لما التزمه من مال أو تسليم نفس على معنى انه مطالب به وإذا كان لرجل على رجل الف درهم إلى أجل فقال له رجل إذا حل أجل مالك على فلان فلم يوفك مالك فهو على أو قال ان حل فهو على فهو جائز على ما قال لان حلول المال على الاصيل سبب لتوجه المطالبة عليه والكفالة التزام المطالبة فيجوز اضافتها إلى وقت توجد المطالبة به على الاصيل وتعليقها به وكذلك لو قال ان مات فلان قبل أن يوفك مالك فهو على لان موت المديون سبب لحلول الاجل وتوجه المطالبة بقضاء الدين فيجوز تعليق الكفالة به بخلاف ما إذا علقه بموت رجل آخر وإذا ادعى الكفيل بعد موته أو بعد حلول المال ان المطلوب قد كان قضاه قبل ذلك لم يصدق لان السبب الموجب لتوجه المطالبة على الكفيل قد تقرر وقد يدعى مانعا ما لم يظهر وهو قضاء المطلوب حقه ولو ادعى المطلوب ذلك بنفسه لم يصدق الا بحجة فكذلك إذا ادعاه الكفيل ولو كان حالا فقال ان لم يعطك فلان مالك فهو على فتقاضي الطالب المطلوب فلم يعطه ساعة تقاضاه فهو لازم الكفيل لان الشرط امتناع المطلوب من الاعطاء وانما يتحقق بعد ذلك التقاضى فكما تقاضاه وامتنع من الاداء فقد وجد شرط وجوب المال على الكفيل ولان مقصود الكفيل من هذا دفع مؤنة كثرة التقاضى عن الطالب فانه يتأدى بذلك وانما يحصل ذلك إذا صار الكفيل ملتزما عند امتناع المطلوب بعد التقاضى وذكر عن شريح رحمه الله أنه قضى بكفالة وقال ان الكفيل غارم وفيه دليل جواز الكفالة مطلقا لكن لا يكون مستحق التسليم حتى يتحقق ان الكفيل غارم له وإذا كفل الرجل عن رجل بمال فللطالب ان يأخذ به أيهما شاء وبمطالبة احدهما لا يسقط حقه في مطالبة الآخر بخلاف الغاصب مع غاصب الغاصب وقد بينا نوع فرق بينهما ونوع آخر وهو أن هناك الحق قبل أحدهما فيعين من عليه الحق

[ 29 ] باختياره وهنا أصل الدين بعد الكفالة على الاصيل كما كان قبله (ألا ترى) انه يكتب في الصكوك لفلان على فلان كذا وفلان به كفيل وموجب الكفالة زيادة الحق للطالب في المطالبة وانما يتحقق ذلك إذا توجهت المطالبة له عليهما فلا تكون مطالبة احدهما مسقطة حقه في مطالبته الآخر فإذا أخذ الكفيل به كان للكفيل ان يأخذ المكفول به فيعامله بحسب ما يعامل وليس له أن يأخذ المال من الاصيل حتى يؤديه لانه قبل الاداء مقرض للذمة فلا يرجع بالمال حتى يؤديه فحينئذ يصير به متملكا ما في ذمة الاصيل ولكن ان قضاه الاصيل فهو جائز لان أصل الوجوب ثبت للكفيل على الاصيل وان كان حق الاستيفاء متأخرا إلى أدائه وتعجل الدين المؤجل صحيح فإذا قبضه الكفيل وتصرف فيه كان ما ربح حلالا له لانه ملك المقبوض ملكا صحيحا فالربح الحاصل لديه يكون له ولو هلك منه كان ضامنا لانه قبضه على وجه اقتضاء الدين الذى له على الاصيل وعلى وجه الاقتضاء يكون مضمونا على المقتضى ولو اقتضاه الطالب من الذى عليه وهو الاصيل فله أن يرجع على الكفيل بما اعطاه لانه انما اعطاه ذلك ليسلم له به ما في ذمته بان يؤديه الكفيل عنه فإذا لم يسلم له كان له أن يرجع عليه بما أعطاه ولو لم يكن دفعه إلى الكفيل في الابتداء على طريق القضاء ولكن قال أنت رسولي بها إلى فلان الطالب فهلك من الكفيل كان مؤتمنا في ذلك لانه استعمله حين بعث بالمال على يده إلى الطالب ولو استعمل في ذلك غيره كان أمينا فيه فكذلك إذا استعمل الكفيل حتى إذا أداه المطلوب إلى الطالب بعد ذلك لا يرجع على الكفيل بشئ وان أدى الكفيل إلى الطالب رجع به على الاصيل فهلاك الامانة في يده كهلاكها في يد صاحبها ولو لم يهلك منه ولكنه عمل به وربح أو وضع كانت الوضيعة عليه لانه مخالف بما صنع والربح له يتصدق به في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وفى قول أبى يوسف رحمه الله يطيب له بمنزلة المودع إذا تصرف في الوديعة وربح ولو كان الدين طعاما فأرسل به الاصيل مع الكفيل إلى الطالب فتصرف فيه الكفيل فربح فهذا والاول سواء ولو أعطاه الطعام اقتضاء عما كفل به فباعه وربح فيه فان أبا حنيفة رحمه الله يقول الربح له ولو تصدق به كان أحب إلى وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله يطيب له الربح فالحاصل أن الكفيل ان قضى الطالب طعامه فالربح يطيب له لانه استربح على ملك صحيح له وان قضى المطلوب طعامه حتى رجع على الكفيل بالطعام الذى أعطاه فالربح يطيب للكفيل في رواية كتاب البيوع لان أصل ملكه كان صحيحا فبأن وجب عليه الرد بعد

[ 30 ] ذلك لا يمكن خبث في الربح وفى الجامع الصغير يقول يرد الاصل والربح على الاصيل عند أبى حنيفة رحمه الله لانه انما رضى بتسليمه إليه بشرط ولم يسلم له ذلك الشرط ولكن مراده ان يفتى برد الربح عليه من غير أن يجبر عليه في الحكم وهنا قال يتصدق بالربح لانه يمكن فيه نوع خبث حين كان قبضه بشرط ولم يسلم ذلك الشرط للمعطى فيؤمر بالتصدق به على سبيل الفتوى بخلاف ما تقدم من الدراهم فانها لا تتعين في العقد فلم يكن ربحه حاصلا على عين المال المقبوض فاما الطعام يتعين فانما ربح على غير المقبوض فيتمكن فيه الخبث من هذا الوجه وإذا قال الرجل للرجل اكفل عنى لفلان بكذا وكذا فهذا اقرار منه بالمال ان كفل به أو لم يكفل لانه أمره بالكفالة عنه ولا تكون الا بعد وجوب المال على الاصيل فان الكفيل اما ان يلتزم المطالبة بما هو واجب على الاصيل أو يقرض ذمته على ان يثبت فيها ما هو واجب في ذمة الاصيل فيقتضى أمره بذلك الاقرار وجوب المال عليه والثابت بمقتضى النص كالثابت بالنص فكأنه قال لفلان على الف درهم فاكفل بها عنى وإذا كان لرجل على رجل الف درهم إلى أجل فكفل بها عنه رجل ولم يسمه في الكفالة إلى أجل فالكفيل بها ضامن للاصيل وان لم يسمه لانه يلتزم المطالبة التى هي على الاصيل والمطالبة على الاصيل بهذا المال بعد حلول الاجل فكذلك على الكفيل أو يلتزم في ذمته ما هو ثابت في ذمة الاصيل والثابت في ذمة الاصيل مؤجل إلى سنة فكذلك لو كان في ذمة الاصيل زيوف تثبت في ذمة الكفيل بتلك الصفة وهذا بخلاف الشفيع إذا أخذ الدار بالشفعة والثمن مؤجل على المشترى لا يثبت الاجل في حق الشفيع لان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء وهو سبب مبتدأ لوجوب الثمن به على الشفيع فلا يثبت الاجل فيه الا بالشرط فأما الكفالة فليست بسبب لوجوب المال بها ابتداء ولكنها التزام لما هو ثابت فلا يثبت الا بتلك الصفة فان مات الكفيل قبل الاجل فهو عليه حال يؤخذ من تركته لانه بالموت استغنى عن الاجل ولانه يتصور لابقاء الاجل بعد موته لان يد وارثه لا تنبسط في التركة لقيام الدين وربما يهلك قبل حلول الاجل والاجل كان لمنفعة من عليه الدين فإذا أدى إلى الضرر سقط ولكن لا يرجع ورثته على الذى عليه الاصيل حتى يحل الاجل لان الاجل باق في حق الاصيل لبقاء حاجته حتى لا يطالبه الطالب بشئ فكذلك ورثة الكفيل ولو مات الاصيل قبل الاجل حلت عليه لاستغنائه عن الاجل ولم يحل على الكفيل لبقاء حاجته إلى الاجل وليس من ضرورة حلوله على الاصيل

[ 31 ] سقوط الاجل في حق الكفيل (ألا ترى) انه لو كان أصل المال حالا ثم اجل الكفيل فيما عليه صح وبقى المال على الاصيل حالا والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ولو كان لرجل على رجل الف درهم حالة فكفل بها رجل إلى سنة فهو جائز إلى ذلك الاجل وهذا تأخير عن الذى عليه الاصل قال (ألا ترى) انه لو كان عليه ذكر حق بالف درهم وفلان كفيل بها إلى سنة كانت عليهما جميعا إلى سنة وعن زفر رحمه الله ان المال على الاصيل حال لانه اجل الكفيل خاصة والتأجيل اسقاط للمطالبة إلى غاية فإذا كان ابراء الكفيل لا يوجب براءة الاصيل فالتأجيل في حق الكفيل لا يمنع كون المال حالا على الاصيل لكنا نقول انما أجل الطالب هنا أصل الدين لان الهاء في قوله فكفل بها إلى سنة كناية عن اصل المال واضافة التأجيل إلى أصل المال يثبت الاجل في حق الاصيل والكفيل جميعا حتى لو اجل الكفيل بما التزم بالكفالة يبقى المال حالا على الاصيل وهكذا يقول في الابراء إذا اضافه إلى أصل المال يكون ابراء لهما وإذا اضافه إلى الكفيل خاصة يكون موجبا براءة الاصيل وإذا كفل له بألف درهم لفلان على أن يعطيها اياه من وديعة لفلان عنده فهو جائز لانه قبل الالتزام بمحل مخصوص وهو ان يؤديه بما في يده وذلك صحيح في الكفالة والحوالة جميعا فان هلكت الوديعة فلا ضمان على الكفيل لانعدام الجناية ولا فرق في حقه بين التزام اداء الوديعة إلى صاحبها أو غريم صاحبها بأمر صاحبها فإذا لم يضمن الوديعة فقد فات المحل الذى التزم فيه التسليم للطالب وقد بينا ان فوات المحل مبطل للكفالة ولو كان لرجل عند رجل الف درهم وديعة وعلى رب الوديعة ألف درهم دين وطلب من الذى عنده الوديعة التزام أداء ذمته بمحل مخصوص وهو تقييد مفيد في حقه حتى لا يكون ضامنا في ذمته شيئا بعد هلاك ذلك المال ثم ليس لصاحب الوديعة أن يأخذها من الكفيل لا عن حق الغريم وقد تعلق بها ولانه التزم أداء دينه منها بأمره ولا يتمكن من ذلك الا بعد كونها في يده فإذا هلكت برئ الكفيل منها لما بينا والقول قوله في انها هلكت لانه بقى أمينا في العين بعد هذه الكفالة كما كان قبلها فيكون مقبول القول في هلاكها وان اغتصبها اياه رب الوديعة أو اغتصبها اياه انسان آخر فاستهلكها برئ الكفيل لما بينا ان وجوب الاداء عليه كان مقصورا على العين ما بقيت في يده فانه ما التزم في ذمته شيئا فإذا لم تبق العين في يده لا يكون ضامنا شيئا وكذلك لو ضمن له ألف درهم على ان يعطيها اياه من ثمن هذه الدار فلم يبعها لم يكن عليه ضمان لانه التزم الاداء من محل مخصوص

[ 32 ] وهو ثمن الدار ولا يحصل ثمن الدار في يده ما لم يبع الدار وهو لم يلتزم بيعها على ذلك فلهذا لا يطالب بشئ ما لم يبع الدار ويقبض الثمن ولو كفل رجل عن رجل بمال على أن يجعل له جعلا فالجعل باطل هكذا روى عن إبراهيم رحمه الله وهذا لانه رشوة والرشوة حرام فان الطالب ليس يستوجب بهذه الكفالة زيادة مال فلا يجوز ان يجب عليه عوض بمقابلته ولكن الضمان جائز إذا لم يشترط الجعل فيه وان كان الجعل مشروطا فيه فالضمان باطل أيضا لان الكفيل ملتزم والالتزام لا يكون الا برضاه (ألا ترى) انه لو كان مكرها على الكفالة لم يلزمه شئ فإذا شرط الجعل في الكفالة فهو ما رضى بالالتزام إذا لم يسلم الجعل وإذا لم يشترطه في الكفالة فهو راض بالالتزام مطلقا فيلزمه وكفالة المرتد موقوفة عند أبى حنيفة رحمه الله بنفس كانت أو بمال كسائر تصرفاته وكفالة المرتدة جائزة وان ماتت على الردة كسائر تصرفاتها فانها لا تقبل بخلاف الرجل وهذا فرق ظاهر في السير فان لحقت بدار الحرب وسبيت بطلت الكفالة بالنفس دون المال لانها لما لحقت وسبيت فكأنها ماتت (ألا ترى) ان مالها لورثتها وموت الكفيل يبطل الكفالة بالنفس دون المال وفي الكتاب قال هي بمنزلة أمة كفلت بنفس لان الكفالة بالنفس لما كانت لا تتحول إلى المال وقد صارت هذه أمة بالاسترقاق فكأنها كفلت ابتداء وهى أمة فلا تطالب بذلك لحق مولاها وأما الكفالة بالمال فقد تحولت إلى ما خلفت من المال فكان وارثها مطالبا بقضاء ذلك ولكن التعليل الاول أصح لما ذكر بعد هذا قال وان اعتقت يوما من الدهر لم تؤخذ بالكفالة بالنفس ولا بالمال وقد أبطل السبي كل كفالة وكل حق قبلها ولو كان هذا بمنزلة ابتداء الكفالة منها وهى أمة كانت تؤخذ بذلك بعد العتق فعرفنا انه لما تبدلت نفسها بالرق كان ذلك بمنزلة موتها على ما قيل الحرية حياة والرقية تلف فبطلت الكفالة بالنفس أصلا وتحول المال إلى مال فلا يعود شئ من ذلك إليها بعد العتق ولو كفل مسلم بنفس مرتد في دين عليه فلحق بدار الحرب أو ارتد بعد الكفالة ولحق كان الكفيل على كفالته وقد بينا هذا الفصل بفروعه في أول الكتاب فان كانت امرأة فسبيت بطلت الكفالة عنها بالنفس دون المال لانها حين سبيت فقد سقطت عنها المطالبة بالحضور فيسقط عن الكفيل ما التزم من الاحضار * توضيحه انها لما تبدلت نفسها بالاسترقاق فكأنها ماتت وموت المكفول عنه بنفسه يبطل الكفالة ولكن الكفيل مأخوذ بقضاء ذلك الدين فإذا اداه رجع به فيما تركت في دار الاسلام لانه دين مؤجل كان له عليها بمنزلة سائر ديونها فان

[ 33 ] لم يكن شئ تركت وأدى الكفيل ذلك ثم ان عتقت يوما لم يتبعها من ذلك بشئ لان السبى أبطل عنها كل دين فان نفس المسبي تتبدل بالاسترقاق من صفة المالكية إلى المملوكية والدين لا يجب على المملوك الا شاغلا لماليته وهذا الدين حين وجب لم يكن شاغلا لشئ سوى الذمة وقد تعذر ابقاؤه بتلك الصفة فلهذا سقط عنها وكذلك الذمي والذمية إذا انقضى العهد ولحقا بالدار وقد كفل رجل عنهما بنفس أو مال فان الكفيل يؤخذ بذلك فان ماتا أو سبيا بطلت الكفالة بالنفس دون المال فان أداه ثم عتقا لم يرجع عليهما به لما بينا في المرتدة ولا تجوز كفالة المرتد عن الذمي بالخمر والخنزير لان حكم الاسلام باق في حق المرتد فانه مجبر على العود إلى الاسلام غير مقر على ما اعتقده فكما لا تجوز كفالة المرتد بالخمر فكذلك كفالة المرتد وعلى هذا لو استهلك المرتد خمر الذمي كان عليه قيمتها كما لو استهلكها مسلم فان كفل بها عنه مسلم جاز لان القيمة الواجبة عليه دراهم أو دنانير ولو كفل مسلم لمرتد بنفس أو مال ثم لحق المرتد بدار الحرب كان ورثته على حقه من الكفالة لانهم يخلفونه في حقوقه بعد لحاقه كما يخلفونه في املاكه فان رجع ثانيا كان له ان يأخذ الكفيل بالنفس والمال لان ما كان قائما من حقوقه يعود إليه إذا رجع ثانيا بمنزلة ما هو قائم من املاكه وان كان ورثته قد استوفوا بقضاء القاضى فالكفيل من ذلك برئ بمنزلة ما هلك من ماله وهذا لان الاداء إلى وارثه بقضاء القاضى بمنزلة الاداء إليه فيبرأ الكفيل به وكفالة المستأمن والكفالة له بمال أو نفس جائزة لانه من المعاملات وانما دخل دارنا بامان ليعاملنا ففى المعاملات يستوى بنا فان لحق بداره ثم خرج مستأمنا فالكفالة بحالها لانه باللحاق صار من أهل دار الحرب حقيقة بعد ان كان من أهلها حكما فهو قياس ما بينا في المرتد وان أسر بطلت الكفالة فيما له لان نفسه قد تبدلت بالاسر وذلك مبطل لحقوقه ولم يخلفه ورثته في ذلك بخلاف المرتدة على ما بينا فاما فيما عليه فتبطل الكفالة بالنفس لتبدل نفسه بالاسر كما في المرتدة وبالمال كذلك هنا لان في المرتدة المال يتحول إلى ما خلفت وليس هنا محل هو خلف عنه فلهذا بطلت الكفالة بالمال أيضا ومكاتب الحربى إذا كان مستأمنا في دار الاسلام وعبده بمنزلة عبيد أهل الذمة ومكاتبهم في جميع ذلك لان في المعاملات هم بسبب عقد الضمان يكونون بمنزلة أهل الذمة فكذلك عبيدهم ومكاتبوهم والله أعلم بالصواب

[ 34 ] (باب كفالة الرهط بعضهم عن بعض) (قال رحمه الله) وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه ثلاثة نفر وبعضهم كفيل عن بعض وكلهم ضامنون ذلك فهو جائز لان كل واحد منهم كفيل عن الاصل بجميع المال وذلك جائز فان الكفالة للتوثق بالحق وهو يحتمل التعدد ثم كفل كل واحد منهم عن الآخرين بما لزمهما بالكفالة والكفالة عن الكفيل صحيحة لان الكفيل مطلوب بما التزمه وشرط صحة الكفالة أن يكون المكفول عنه مطلوبا بما التزمه الكفيل لان موجب الكفالة التزام المطالبة بما على الاصيل فان أدى أحد الكفلاء المال كان له أن يرجع على الاصيل بالمال كله ان شاء لانه أدى ما تحمل عنه بأمره وان شاء رجع على شريكيه فان الكفالة بثلثي المال لانهم في حكم الالتزام بهذه الكفالة سواء فينبغي أن يستووا في الغرم وان شاء أخذ أحدهما بالنصف لانه إذا لقى أحدهما قال له أنا وأنت في غرم الكفالة سواء لانا جميعا كفيلان عن الاصيل وعن الثالث أيضا فهات نصف ما أديت لنستوي في الغرم ثم إذا رجع عليه بالنصف رجعا على الثالث إذا لقياه بثلث المال فيأخذان ذلك نصفين ليستوي هو بهما في عدم الكفالة ثم يرجعون على الاصيل بالمال كله لانهم كفلوا عنه بأمره وأدوه ولو كان ثلاثة نفر عليهم ألف درهم وبعضهم كفيل عن بعض فأدى المال أحدهم فان للمؤدى ان يرجع على كل واحد من الآخرين بالثلث ان شاء لان كل واحد منهم أصيل في ثلث المال والمؤدى قد كفل عن كل واحد منهما في ذلك الثلث بأمره وان شاء رجع على أحدهما بالنصف أما الثلث فلانه كفل عنه وأدى وأما السدس فلان المؤدي مع الذي لقيه كفيلان عن الثالث بما عليه وهو الثلث فينبغي أن يكون غرم هذه الكفالة عليهما على السواء فيرجع عليه بنصف هذا الثلث لتتحقق المساواة بينهما في الغرم ثم يرجعان على الثالث إذا لقياه بالثلث فيأخذ ان ذلك بينهما نصفين وفى الكتاب ذكر عن عبد الله بن الجلاب انه باع قوما غنما على ان يأخذ أيهم شاء بحقه فأبى شريح رحمه الله ذلك وقال اختر أملاهم فخذه حتى تستوفى منه حقك وانما أوردنا هذا لنبين انه يجوز ان يكون المال عليهم ويكون بعضهم كفيلا عن بعض بما على كل واحد منهم لما في هذا من زيادة التوثق لحق صاحب الحق فان بدون هذه الكفالة لم يكن له ان يطالب كل واحد منهم الا بما عليه وهو الثلث وبعد هذه الكفالة له أن يطالب أيهم شاء بجميع المال مع بقاء حقه في المطالبة الاصلية وهو ان يطالب كل واحد منهم بالثلث ولا فرق في هذا الحكم بين

[ 35 ] ان يشترط ان يأخذ أيهم شاء بحقه كما ذكر في الحديث وبين ان يشترط ان بعضهم كفيل عن بعض بالمال أو لم يقل بالمال لان ذلك معلوم بدلالة الكلام وان كان قال مليئهم على معدمهم أو حيهم على ميتهم فليس هذا بشئ ولا يطالب كل واحد منهم الا بثلث المال لان هذه كفالة بالمجهول على المجهول ولا يدرى من يفلس منهم ليكون الملئ كفيلا عنه ولا من يموت منهم ليكون الحى كفيلا عنه فان حرف على في هذه المسائل بمعنى عن كقوله تعالى إذا اكتالوا على الناس يستوفون أي عن الناس وكفالة المجهول باطلة وإذا كان لرجل على أربعة نفر ألف درهم ومائتا درهم وكل اثنين منهم كفيلان عن اثنين بجميع المال فان للطالب أن يأخذ أي اثنين منهم بجميع المال ان شاء وان يأخذ الواحد منهم بسبعمائة وخمسين درهما أما أخذه اثنين منهم بجميع المال فظاهر لان الكفالة كانت على هذه الصفة ان كل اثنين كفيلان بجميع المال عن الآخر فاى اثنين منهم شاء فهما كفيلان بجميع المال وأما إذا أخذ الواحد منهم ففى ربع المال وهو ثلاثمائة هو أصيل فيطالبه بذلك وفى الباقي وهو تسعمائة هو مع واحد من الآخرين كفيل لان الشرط في الكفالة كان هكذا وانما يكون هو مطالبا بالكل إذا التزم الكل بالكفالة فاما إذا التزم الكل بالكفالة مع آخر لم يكن هو مطالبا الا بالنصف وذلك أربعمائة وخمسون فإذا ضممت ذلك إلى ثلثمائة يكون سبعمائة وخمسين فلهذا يأخذ الواحد بهذا المقدار فإذا أدى أحدهم نصف المال ستمائة ففي هذا النصف هو مؤد عن نفسه فلا يرجع على أحد بشئ منه وفى النصف الآخر وهو ثلثمائة هو مؤد عن شركائه بحكم الكفالة عنهم بأمرهم فان شاء رجع عليهم جميعا وان لقى أحدهم رجع عليه بمائتي درهم لان ثلث هذه الثلثمائة وهو مائة اداها عنه فيرجع هو بها عليه بقي مائتا درهم وهو مع هذا الذى لقيه كفيلان عن الآخرين بهما فيرجع عليه بمائه أخرى ليستويا في غرم الكفالة عن الآخرين فلهذا رجع عليه بمائتين وان لقيا آخر كان لكل واحد منهما ان يرجع بستة وستين درهما وثلثين اما ليستووا في غرم المائتين أو لان كل واحد منهما مؤد عنه خمسين فيرجع بذلك عليه بقى مائة أخرى هما مع هذا الثالث كفيلان بذلك عن الرابع وقد أديا فيرجعان عليه بثلث ذلك وهو ثلاثة وثلث كل واحد منهما بستة عشر وثلثين فصار حاصل ما يرجع به كل واحد منهما عليه ستة وستين وثلثين فان لقوا الرابع بعد ذلك رجع كل واحد منهم عليه بثلاثة وثلاثين درهما وثلث درهم لانهم أدوا عن الرابع قدر المائة فيرجع كل واحد منهما بثلثها ولو كان أدى

[ 36 ] النصف ولقى احدهم فاخذ منه مائتي درهم ثم لقي صاحب المائتين أحد الباقين فانه يأخذ منه خمسة وسبعين درهما لانه يقول له انما أديت المائة عن نفسي ومائة أخرى عنك وعن الرابع فانما أديت نصفها عنك والنصف الآخر الذى اديته عن الرابع انت معى فيه في الكفالة بذلك على السواء فأرجع عليك بنصف ذلك أيضا فلهذا يأخذ منه خمسة وسبعين فان لقي الاول الثالث أيضا أخذه باثنين وستين درهما ونصف لانه يقول له قد أديت عنك وعن الرابع مائة فارجع عليك بنصف ذلك وذلك خمسون لانى أديتها عنك وأما الخمسون التى أديتها عن الرابع فنصف ذلك قد أخذه منك الثاني وهو خمسة وعشرون فرجوعنا بذلك عليه بقى خمسة وعشرون فارجع عليك بنصف ذلك وهو اثنا عشر ونصف لنستوي في غرم الكفالة عن الرابع فصار حاصل ما يرجع عليه به اثنين وستين درهما ونصف درهم فان لقيهما الاوسط رجعا عليه بثمانية وثلث بينهما نصفين ليستووا في الغرم في حق الخمسين التى كفلوا بها عن الرابع فان لقوا الآخر بعد ذلك أخذوه بمائة درهم لانهم في الحاصل كفلاء عنه بالمائة وقد أدوا فيأخذون ذلك منه ويقتسمونه أثلاثا لان حاصل ما غرم كل واحد منهم عنه بعد هذه المراجعات ثلاثة وثلاثون وثلث ولو كان الذى أدى النصف لقي الذى قبض الخمسة والسبعين فانه يأخذ منه نصفها لانا كنا قد التقينا مرة واستوينا في غرم الكفالة وقد بلغني انه وصل إليه شئ من الثالث فلا بد من ان يعطينى نصف ذلك لنستوي في الغنم كما استوينا في الغرم فإذا أخذ منه نصفها ثم لقيا الذى أدى الخمسة والسبعين رجعا عليه بثمانية وخمسين وثلث بينهما نصفان لانا قد بينا أنهما لو لقياه معا رجع كل واحد منهما عليه بستة وستين وثلثين فيكون جملة ما يرجعان به مائة وثلاثة وثلاثين وثلثا والآن قد استوفينا منه مرة خمسة وسبعين فيرجعان بما بقى إلى تمام مائة وثلاثة وثلاثين وثلث وذلك ثمانية وخمسون وثلث يأخذان ذلك بينهما نصفين ثم إذا لقوا الرابع اتبعوه بمائة كل واحد منهم بثلاثة وثلاثين وثلث لما بينا ولو كان لرجل على ثلاثة رهط ألف ومائتا درهم وبعضهم كفلاء عن بعض ضامنون لها فأدى أحدهم المال رجع على كل واحد من شريكيه بثلث ما أدى لانه في مقدار الثلث مؤدى عن نفسه وفى الثلثين هو مؤد عن شريكيه بكفالته عنهما بأمرهما فيرجع بذلك عليهما فان لقي أحدهما ورجع عليه بالثلث لادائه ما يحمله عنه وبنصف الثلث الآخر أيضا لانهما يستويان في الكفالة عن الثالث بهذا الثلث فيرجع عليه بنصفه ليستويا في غرم الكفالة

[ 37 ] فان لقي أحدهم الغائب بعد ذلك وأخذ منه شيئا كان لصاحبه إذا لقيه أن يأخذ منه نصف ذلك بالمعنى الذى قلنا وهو انهما حين التقيا قد استويا في غرم الكفالة عن الثالث فينبغي ان يستويا في الغنم أيضا والذي أخذه أحدهما من الثالث غنم بسبب تلك الكفالة فيرجع عليه بنصفه ليستويا في الغنم أو لتبقى المساواة بينهما في الغرم كما هو موجب الكفالة وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها عنه رجل ثم ان آخر كفل بها عن الاصيل أيضا فهو جائز يأخذ الطالب أيهما شاء بجميع المال لان كل واحد منهما التزم جميع المال بالكفالة عن الاصيل بعقد على حدة وذلك صحيح فان أصل الدين باق على الاصيل بعد الكفالة الاولى كما كان قبلها فان أحذ أحد الكفيلين فأداه لم يرجع على الآخر بشئ لانه ما كفل عنه بشئ وانما كفل عن الاصيل بعقد باشره وحده فيكون رجوعه عليه ان كان كفل بأمره ولا يرجع على الكفيل الآخر بشئ وان لم يؤد واحد منهما شيئا حتى قال الكفيلان للطالب كل واحد منا كفيل عن صاحبه ضامن لهذا المال ثم أدى أحدهما المال فله ان يرجع على صاحبه بالنصف لانهما بالعقد الثاني جعلا أنفسهما في غرم الكفالة سواء فان كل واحد منهما كفيل بالمال عن الاصيل وقد كفل عن صاحبه أيضا بأمر صاحبه فإذا ثبتت المساواة بينهما في الكفالة فينبغي أن يستويا في الغرم أيضا وذلك في أن يرجع على الآخر بنصف ما أدى ثم يرجعان على الاصيل بجميع المال وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها عنه بأمره رجل ثم ان الطالب أخذ الكفيل بها فاعطاه كفيلا آخر بها ثم أداها الآخر إلى الطالب لم يرجع بها على الاصيل لانه ما تحمل بها عن الاصيل ولا أمره الاصيل بهذه الكفالة وثبوت حق الرجوع للكفيل عند الاداء بسبب الاصيل بالكفالة فانما يرجع على من أمره به وهو الكفيل الاول ثم الكفيل الاول يرجع على الاصيل لان اداء كفيله بأمره بمنزلة ادائه بنفسه ولانه قد أسقط عن الاصيل مطالبة الطالب بهذا المال بما أداه من مال نفسه إلى الكفيل الآخر فكأنه أسقط ذلك بأدائه إلى الطالب وان كان كفل عن الذى عليه الاصل رجلان ولم يقل كل واحد منهما كفلت عن صاحبي فان الطالب يطالب كل واحد منهما بالنصف لانهما التزما المال بعقد واحد فيكون كل واحد منهما ملتزما للنصف كالمشتريين أو المقرين لرجل عليهما بالمال وأيهما أدى النصف لم يرجع على صاحبه بشئ لانه ما التزم عن صاحبه شيئا انما التزم عن الاصيل فيكون رجوعه عليه ان كان كفل عنه بأمره فان لم يؤديا شيئا حتى قالا للطالب

[ 38 ] أينا شئت أخذت بهذا المال أو كل واحد منا كفيل ضامن بها فله أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال لان هذه الزيادة الحقتها بالكفالة الاولى وقد صحت منهما فصارت كالمذكور في أصل الكفالة الاولى أخذ أيهما شاء بجميع المال وان اداه أحدهما رجع على صاحبه بالنصف ليستويا في غرم الكفالة كما استويا في كفالة كل واحد منهما عن صاحبه فان لقى الطالب أحدهما فاشترط ذلك عليه مثل ذلك بأمر صاحبه فهو سواء لان كل واحد منهما كفيل عن صاحبه وعن الاصيل ولا فرق بين أن يكون كفالة كل واحد منهما عن الاصيل ولو كتب ذكر حق على رجل بألف درهم وفلان وفلان كفيلان بهما وأيهما شاء أخذ بها وأقر المطلوب والكفيلان بذلك فهو جائز لان اضافتهما الاقرار إلى المكتوب في ذكر الحق بمنزلة تصريحهما بالمكتوب فان أدى أحد الكفيلين المال رجع على الذى عليه الاصل بجميع المال ان شاء وان شاء رجع على الكفيل الآخر بنصفه ثم يرجعان على الاصيل بجميع المال لان اقرار كل واحد منهم بالمكتوب في الصك بمنزلة أمر الاصيل لهما بالكفالة عنه وأمر كل واحد منهما لصاحبه بالكفالة عنه فثبتت المساواة بينهما في الكفالة بهذا الطريق وإذا كان لرجل على عشرة رهط ألف درهم وجعل كل أربعة كفلاء عن اربعة بجميع المال فهو جائز لما قلنا وله أن يأخذ أي أربعة شاء بالمال كله لانهم هكذا التزموا بالكفالة فان أخذ واحدا منهم رجع بثلثمائة وخمسة وعشرين لانه في المائة أصيل وفى الباقي وهو سبعمائة هو مع ثلاثة نفر كفيل عن الباقين فحظه ربع ذلك وذلك مائتان وخمسة وعشرون وان أخذ اثنين أحدهما بستمائة لانهما في المائتين أصيلان وفى الباقي وهو ثمانمائة هما مع آخرين كفيلان عن الباقين فحظهما النصف وهو أربعمائة وان أخذ ثلثمائة منهم أخذهم بثمانمائة وخمسة وعشرين أما مقدار ثلثمائة بحكم الاصالة فان كل واحد منهما أصيل في مائة والباقى وهو سبعمائة هم مع آخر كفلاء بذلك عن الباقين فعليهم ثلاثة ارباع ذلك وهو خمسمائة وخمسة وعشرون فان أخذ واحدا منهم فأدى ربع الالف فان مائة منها حصته لانه أصيل فيها والاصيل فيما يؤدى عن نفسه لا يرجع على أحد وفى مائة وخمسين هو مؤد عن أصحابه حصة كل واحد منهم من ذلك التسع فان لقيهم جميعا رجع على كل واحد منهم بقدر ذلك من تسعمائة وخمسين ستة عشر وثلثان وان لقى أحدهم رجع أحدهم بستة عشر وثلثين لانه أدى عنه هذا القدر ويرجع عليه بنصف ما بقى والباقى مائة وثلاثة وثلاثون وثلث نصفه ستة وستون وثلثان يرجع عليه بذلك ليسستويا في غرم الكفالة

[ 39 ] فانهما مستويان في الكفالة عن الباقين فينبغي أن يستويا في الغرم بسببه أيضا فإذا أدى ذلك إليه ثم لقي الاخر منهما أحد الباقين أخذه بنصف تسع الخمسين والمائة لانه مع الاول قد أديا عنه التسع فنصفه من ذلك نصف التسع فيرجع عليه أيضا بنصف ثلاثة اتساع ونصف لانه مع هذا الذى لقيه مستويان في الكفالة فينبغي أن يستويا في الغرم عن السبعة الباقين وهذا قد أدى عنهم ثلاثة اتساع ونصفا فيرجع عليه بنصف ذلك ليستويا في غرم الكفالة فان لقي الاول الاوسط بعد ما قبض هذا رجع عليه بنصف ما أخذه كله للمعنى الذى بينا انهما حين التقيا استويا في غرم الكفالة ثم وصل إلى أحدهما بعد ذلك شئ وأخذ الآخر منه نصفه ليستويا في الغنم أيضا فان لقيا الآخر بعد ذلك وهو الثالث رجعا عليه بتمام ثلاثة اتساع وثلث تسع حصته من ذلك التسع لانهما تحملاه عنه وتسعان وثلث للمساواة في غرم الكفالة لانهم مع آخر كفلاء عن الباقين فينبغي أن يستويا في غرم الكفالة (ألا ترى) انهما لو لقيا الثالث معا كان رجوعهما عليه بتمام ثلاثة اتساع وثلث تسع فكذلك إذا أخذ أحدهما منه بعض ذلك ثم لقياه رجعا عليه بذلك وإذا كان لرجل على ثلاثة رهط ألف درهم وبعضهم كفلاء عن بعض بها فأدى أحدهم مائة درهم لم يرجع على صاحبه بشئ لانه في قدر ثلث المال أصيل فما يؤديه يكون أصيلا فيه فلا يرجع على أحد بشئ إذا كان المؤدى بقدر الثلث أو دونه وان قال انما أديت هذا عن صاحبي أو عن أحدهما لم يكن له ذلك على وجهين أحدهما ان فيما هو أصيل المال ثابت في ذمته وفيما هو كفيل هو مطالب بما في ذمته غيره من المال والمؤدى ماله فيكون ايقاعه من المال الذى عليه ليسقط عنه به أصل المال أولى لان هذا الطريق أقصر فانه إذا جعل المؤدى من غيره احتاج إلى الرجوع وإذا جعل مؤديا عن نفسه لا يحتاج إلى الرجوع على أحد ولانه ان جعل المؤدى عن صاحبيه كان لهما ان يقولا أداؤه بالكفالة بأمرنا بمنزلة أدائنا ولو أدينا كان لنا أن نجعل المؤدى عنك فلا يزال يدور هكذا فلهذا جعلناه إلى تمام الثلث مؤديا عن نفسه وهذا بخلاف ما إذا كاتب عبيدا له على ألف درهم على ان كل واحد منهم كفيل ضامن عن الآخرين ثم أدى أحدهم شيئا لا يكون المؤدى عن نفسه خاصة بل يكون عنهم جميعا لان هناك لو جعلنا المؤدى عن المؤدى خاصة لكان يعتق إذا أدى مقدار نصيبه ببراءة ذمته عما عليه من البدل والمولى ما رضى بعتق واحد منهم الا بعد وصول جميع المال إليه ففى جعله عن نفسه يعتبر شرط مذكور في العقد نصا وذلك لا يجوز فلهذا جعلنا

[ 40 ] المؤدى من نصيبهم ولا يوجد مثل ذلك هنا وهذا أيضا بخلاف ما إذا كان المال على واحد فكفل به ثلاثة على ان بعضهم كفلاء عن بعض ثم أدى أحدهم شيئا كان له ان يرجع على صاحبيه بثلثي؟ ما أدى وان شاء رجع على أحدهما بنصف ما أدى لان هناك أصل المال على غيرهم وهم يلتزمون له بالكفالة فكان حالهم في ذلك على السواء ولو رجع على شريكيه بثلثي ما أدى لم يؤد ذلك إلى الدور لانهما لا يرجعان في ذلك عليه بشئ من ذلك بخلاف ما نحن فيه على ما قدرنا فان أدى زيادة على الثلث كانت الزيادة على صاحبيه نصفين لانه في الزيادة على الثلث مؤد بحكم الكفالة وهو كفيل عنهما ولو رجع بذلك عليهما لم يكن لهما ان يرجعا عليه بشئ لفراغ ذمته عما عليه بأدائه وان أراد ان يجعل الزيادة عن أحدهما دون صاحبه لم يكن له ذلك لان المال واحد وهو دين في الذمة لا يتحقق فيه لتمييز فتلغو نيته عن أحدهما فان لقى أحدهما أخذه بنصيبه من الزيادة وهو النصف لانه أدى عنه ذلك وبنصف ما أدى عن الآخر أيضا لانه مع هذا الذى لقيه كفيل عن الآخر بما عليه فينبغي ان يستويا في غرم الكفالة وذلك في ان يرجع عليه بنصف ما أدى عن الآخر وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه رجلان على ان يأخذ الطالب أيهما شاء فأدى أحدهما مائة فقال هذه من حصة صاحبي الكفيل معى لم يكن على ما قال ولكنها من جميع المال يرجع على صاحبه بنصفها لان بهذا اللفظ يصير كل واحد منهما مطالبا بجميع المال ويصير كل واحد منهما ضامنا للاصيل عن صاحبه فإذا جعل المؤدى ما أدى عن صاحبه كان لصاحبه ان يجعل ذلك عنه فيؤدى إلى الدور ولكن الوجه فيه انهما لما استويا في الغرم وذلك في ان يرجع على صاحبه بنصفها وان شاء على الاصيل بجميعها وإذا كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فلزم أحدهما فاعطاه بها كفيلا ثم أداها الكفيل فله أن يرجع بها على الذى أمره بالكفالة خاصة لان الذى أمره بالكفالة مستقرض لذمته ابتداء بالتزام المطالبة فيها ولما له باداء ما التزم وثبوت حق الرجوع للمقرض على المستقرض لا على غيره والغريم الذي لم يأمره بالكفالة لم يستقرض منه شيئا ففى حقه يجعل كانه لم يأمره أحد بالكفالة فلهذا لا يرجع المؤدى عليه ولكن إذا رجع على الذي أمره بالكفالة فاخذها منه كان للامر ان يرجع على صاحبه بالنصف لانه صار مؤديا المال بطريق الاستقراض الذى قلنا وقد تم ذلك بأدائه ما استقرض وهو في النصف كان كفيلا بأمره فيرجع عليه بعد الاداء كما لو كان أدى بنفسه إلى الطالب وان كانا طلبا إليه

[ 41 ] أن يكفل بها عنهما ففعل ولم يشترط عليه ان بعضهم كفلاء عن بعض فأداها الكفيل عنهما رجع على كل واحد منهما بالنصف لانه لما التزم بالكفالة المال عنهما جملة كان كفيلا عن كل واحد منهما بنصف المال كما هو قصد مطلق الاضافة إلى اثنين وعند الاداء انما يرجع كل واحد منهما بما كفل عنه ولان كل واحد منهما في النصف أصيل وكفالته عنه انما تكون فيما هو أصيل فيه ولو كان في الشرط حين كفلوا بعضهم كفلاء عن بعض فأدى الآخر الالف فان شاء رجع على كل واحد منهما بنصف ما أدى إذا لقياهما وان شاء رجع على أحدهما إذا لقيه بثلاثة ارباع ما أدى أما النصف فلانه كفل به عن هذا الذى لقيه وأداه فيرجع به عليه وأما النصف الآخر فلان المؤدي مع الذى لقيه كفيلان به عن الآخر إذ هو موجب الشرط المذكور في قوله على ان بعضهم كفلاء عن البعض فينبغي أن يستويا في الغرم بسبب هذه الكفالة وذلك في أن يرجع بنصف ذلك ثم إذا لقيا الثالث رجعا عليه بنصف المال لانهما أديا ذلك عنه بكفالة تلزمه فيكون ذلك بينهما نصفين وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه بها فأخذ الطالب أحدهما فأعطاه كفيلا بالمال كله ثم أخذ الآخر فأعطاه ذلك الكفيل بالمال ثم أدى الكفيل المال فله أن يرجع على أيهما شاء بالالف كلها لان كل واحد منهما كان مطلوبا بجميع المال والكفيل كفيل عن كل واحد منهما بجميع المال بعقد على حدة فعند الاداء كان حق البيان إليه يجعل اداؤه عن أيهما شاء فيرجع عليه بالكل وهو نظير ما لو كان لرجل على رجل الف درهم في صك وبه رهن وألف في صك آخر وبه رهن آخر فأدى ألف درهم كان له أن يجعل ذلك عن أي الصكين شاء فيسترد ذلك الرهن فكذلك إذا أدى الكفيل هنا (ألا ترى) أنه بعد كفالته عنه لو أدى كان له أن يرجع بالكل عليه فلا يتغير ذلك الحكم بالكفالة عن الثاني ولكن يثبت في حق الثاني ما هو ثابت في حق الاول لاستوائهما في المعنى فان لم يؤد شيئا حتى لزمهم الطالب فجعل بعضهم كفلاء عن بعض ثم أداها الكفيل ثم أخذ أحدهما رجع عليه بثلاثة ارباع المال لان هذه الكفالة الاخيرة تنقض ما كان قبلها لان التى كانت قبلها في عقدين مختلفين والكفيل كفيل عن كل واحد منهما بالكل وهذا الثاني عقد واحد وكل واحد منهم فيه كفيل مع صاحبه عن الآخر فاقدامهم على العقد الثاني يكون نقضا منهم لما كان قبله وتمام ذلك العقد كان بهم واليهم نقضه أيضا بمنزلة ما لو باعه شيئا بالف درهم ثم جدد بيعا بالفين

[ 42 ] ينتقض البيع الاول بالبيع الثاني فإذا ثبت هذا صارت هذه المسألة بحالها والمسألة الاولى سواء لان الكفيل الآخر يرجع على أحدهما بنصف ما أدى لكفالته عنه وبنصف النصف الآخر لانهما مستويان في الكفالة عن الثالث بهذا النصف وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها عنه رجلان على ان بعضهم كفيل عن بعض ثم ان الطالب لزم أحد الكفيلين فأعطاه كفيلا بالمال ثم لزم الآخر فاعطاه هذا أيضا كفيلا بالمال ثم أدى الكفيل الآخر فانه يرجع به على أيهما شاء لان الكفالة عن الكفيلين بمنزلة الكفالة عن الاصيلين وهنا كل واحد من الكفيلين مطالب بجميع المال وقد بينا ان هناك لتفرق العقد في كفالته عنهما له أن يرجع على أيهما شاء بجميع المال فهذا مثله وليس له أن يرجع على الاصيل بشئ لانه ما أمره بالكفالة عنه ولا يقال أصل المال على الاصيل حتى لو برئ هو برئ الكفيل الآخر وهذا لان الرجوع عليه عند الاداء ليس باعتبار أن أصل المال عليه بل بأمره اياه بالكفالة فإذا لم يأمره بالكفالة لم يكن له حق الرجوع عليه بشئ ولو لم يؤد شيئا حتى أخذ الطالب الكفلاء فجعل بعضهم كفيلا عن بعض ثم أدى الآخر المال كان له أن يرجع على أحد الكفيلين بثلاثة أرباع المال لما بينا أن هذه الكفالة تنقض الكفالة الاولى فيكون الحكم لهذه فان قيل هذه الكفالة ينبغى لاحدهما أن يكون رجوعه على الآخر بنصف ما أدى لان واحدا من الثلاثة ليس بأصيل بالمال فيكون بمنزلة ما لو كفل ثلاثة نفر عن الاصيل على ان بعضهم كفلاء عن بعض قلنا هذا ان لو صار الآخر كفيلا عن الاصيل مع الاولين بمنزلة ما لو كفلوا عنه في الابتداء ولم يصر كذلك هنا بل بقى كفيلا عن الاولين وانما انتقض حكم الكفالة الاولى فيما بينهما وبين الكفيل الآخر لانه قبل هذا كان كفيلا عن واحد منهما بجميع المال وحده والآن صار كفيلا عن كل واحد منهما بالنصف وهو مع صاحبه في الكفالة عن الآخر بالنصف سواء فلهذا كان رجوعه عليه بثلاثة أرباع ما أدى ولو لم يؤد حتى لقى الكفلاء الثلاثة والذى عليه الاصل فجعل بعضهم كفلاء عن بعض بالمال ثم أدى الكفيل الآخر المال فانه يرجع على صاحبه بالثلثين وان لقى أحدهما رجع عليه بالنصف لان بهذه الكفالة انتقض ما كان قبلها في حق الكل وقد صار الكفيل الاول والآخر كفيلين عن الاصيل بهذه الكفالة كالاولين فكان هذا بمنزلة ما لو كفل عنه ثلاثة في الابتداء على أن بعضهم كفلاء عن بعض فهناك إذا أدى أحدهم رجع على صاحبيه بثلثي ما أدى وان لقى أحدهما رجع عليه بنصف

[ 43 ] ما أدى فكذلك هنا وكذلك لو أدى المال أحد الكفيلين الاولين رجع على كل واحد منهما بالثلث وعلى أحدهما ان لقيه بالنصف لان الاولين والآخر في هذه الكفالة التى هي ثابتة بينهم الآن سواء وانما كان الاختلاف بينهم في الكفالة المتقدمة وتلك قد انتقضت وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها عنه ثلاثة رهط وبعضهم كفلاء عن بعض بجميع الالف فأدى أحد الكفلاء المال ثم لقى أحدهم فأخذ منه نصف ما أدى ثم ان الاول لقى الذى لم يؤد شيئا وأخذ منه خمسين ومائتين فانهما يؤديان إلى الاوسط مائة وستة وستين وثلثين لانهم في غرم الكفالة سواء فينبغي ان يكون الغرم على كل واحد منهم بقدر ثلث الالف والاوسط قد غرم خمسمائة فيرد عليه مائة وستة وستين وثلثين حتى يبقى عليه غرم ثلث الالف ولم يتبين كيفية ادائهما هذا المقدار وهو الالف وانما يؤديان نصفين كل واحد منهما ثلاثة وثمانين وثلثا لان الآخر قد غرم مائتين وخمسين للاول فيدفع إلى الاوسط ثلاثة وثمانين وثلثا حتى يكون الغرم عليه بقدر ثلث الالف والاول قد أوصل إليه سبعمائة وخمسين فيدفع إلى الاوسط ثلاثة وثمانين وثلثا حتى يبقى العائد إليه ثلثا ما أدى ويكون الغرم عليه بقدر ثلث الالف فإذا فعلوا ذلك رجعوا جميعا على الاصيل بالالف بينهم أثلاثا وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها رجل ثم ان الكفيل طلب الرجل فضمنها عنه للطالب ثم ان الطالب أخذهم جميعا حتى جعل بعضهم كفلاء عن بعض ثم ان الكفيل الاول أدى المال فانه يرجع على الكفيل الآخر بنصف المال لان الكفالة الاخيرة نقضت الكفالة الاولى فان موجب الكفالة الاولى الاخير كفيل عن الكفيل الاول دون الاصيل وهو في الكفالة الثانية يصير كفيلا عن الاصيل وعن الكفيل الاول وكذلك موجب الكفالة الاولى ان الكفيل الاول لا يكون كفيلا عن الآخر وفى هذه الكفالة الاخيرة الكفيل الاول يصير كفيلا عن الاخير وإذا انتقضت الكفالة الاولى كان الحكم للاخيرة وهما فيها مستويان في الكفالة عن الاصيل فيرجع المؤدى على صاحبه بنصف ما أدى ليستويا في الغرم بسبب الكفالة ولو كان لرجل على رجلين الف درهم وكل واحد منهما ضامن بذلك ثم اعطاه أحدهما كفيلا بالمال ثم أخذ الاخر فاعطاه أيضا ذلك الكفيل كفيلا بالمال ثم أدى الكفيل الالف رجع بها على أيهما شاء لانه كفل كل واحد منهما بجميع المال بعقد على حدة وان لم يؤد شيئا حتى أخذهم الطالب فجعل بعضهم كفلاء عن بعض بالمال ثم ان الكفيل أدى الالف فانه يرجع على أيهما شاء بثلاثة

[ 44 ] ارباع الالف لان هذه الكفالة الاخيرة تنقض الكفالة الاولى وفى هذه الكفالة الاخيرة الكفيل يصير متحملا عن كل واحد منهما نصف المال ويكون هو مع الآخر في الكفالة عن الثالث بنصف المال سواء فلهذا رجع عند الاداء على أحدهما بثلاثة أرباع الالف فان لقي الآخر بعد ذلك فأخذ منه مائتين وخمسين كان للذى أدى الثلاثة الارباع ان يرجع عليه بنصف ما أخذ من هذا الآخر لانهما قد كانا استويا في غرم الكفالة مع الآخر فينبغي ان يستويا في الغنم وهو المأخوذ من الباقي وانما تتحقق المساواة في ان يؤدي إليه نصف ذلك ولو لم يؤد الكفيل شيئا ولكن أدى أحد الاولين المال فله ان يرجع على الكفيل بمائتين وخمسين لانه في نصف المال أصيل مؤد عن نفسه فلا يرجع به على أحد وفى النصف الآخر هو مع الكفيل في الكفالة عن الثالث فيرجع عليه بنصف ذلك ليستويا في غرم الكفالة فان لقي الاول صاحبه الذي كان معه في الالف فأخذ منه مائتين وخمسين أخرى رد على الكفيل نصفها ليستويا في الغنم ثم يتبع هو الكفيل الآخر الاول بمائتين وخمسين اخرى ويقتسمان ذكل نصفين وإذا كان لرجل على رجل الف درهم فكفل بها عنه رجلان أحدهما مكاتب أو عبد فانه يجوز على الحر وحده النصف لانهما لما كفلا جميعا عنه بالمال فقد صار كل واحد منهما كفيلا بالنصف وكفالة المكاتب والعبد غير صحيحة في حال الرق كما لو تفرد بها فتبقي كفالته في نصيبه وهو النصف ولا يقال لما لم تتحقق المزاحمة فينبغي ان يجعل الحر كفيلا بجميع المال لانا نقول المزاحمة في أصل الكفالة متحققة فان كفالة العبد والمكاتب صحيحة في حق أنفسهما حتى يطالبان بذلك بعد العتق وانما لا يصح في حق المولى فلهذا كان على الحر نصف المال وعلى العبد والمكاتب النصف بعد العتق ولو كان اشترط أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فعتق العبد وأدى المال كله كان له ان يرجع على الحر بالنصف ثم يتبعان الذى عليه الاصل فما أدى إلى واحد منهما شركه فيه الآخر لان العبد حين عتق فقد سقط حق المولى والمانع من كفالته قيام حق المولى في ماليته فإذا سقط ذلك كان هذا بمنزلة الكفالة من حرين عن ثالث بهذه الصفة ولو ان ثلاثة نفر كفلوا عن رجل بألف درهم وبعشرة أكرار حنطة ومائة دينار وبعضهم كفلاء ضامنون في ذلك فلقى الطالب أحد الكفلاء فأخذ منه خمسمائة درهم ثم لقى آخر فأخذ منه خمسة اكرار حنطة ثم غاب الطالب والمطلوب ولقى الكفيلان المؤديان الكفيل الثالث وأرادا أخذه بما أديا وأراد كل واحد منهما أخذ صاحبه فالذي أدى

[ 45 ] خمسمائة يرجع على صاحبيه بثلثيها لانهم في الكفالة بالالف مستوون فينبغي ان يستووا في الغرم بسببها وذلك في أن يرجع بثلثي ما أدى عن صاحبيه على كل واحد منهما بمائة وستة وستين وثلثين وللذى أدى الطعام ان يرجع على صاحبيه بثلثي الطعام لهذا المعنى أيضا ولا يصير البعض قصاصا لان الجنس مختلف والمقاصة بين الدينين عند اتحاد جنسهما وصفتهما لا عند الاختلاف ولو التقى هذان المؤديان ولم يلقيا الثالث فلكل واحد منهما ان يرجع على صاحبه بنصف ما أدى ليستويا في الغرم بسبب الكفالة وكذلك لو التقوا جميعا كان لكل واحد منهما أن يأخذ صاحبه بنصف ما أدى ليستويا في الغرم ثم يتبعان جميعا الذى لم يؤد شيئا بثلث ما أداه كل واحد منهما فان لقيه أحدهما كان له أن يأخذه بنصف الغرم الذى حصل عليه يوم يلقاه ليستويا في الغرم بسبب الكفالة فان لقي الثالث أحد هذين رجع عليه بنصف الفضل بثلث ما أدى كل واحد منهما فيرجع أكثرهما أداء على أقلهما اداء بنصف الفضل للحرف الذى قلنا وعليه يدور تخريج هذه المسائل في انهما لما استويا في الكفالة ينبغى أن يستويا في الغرم بسببها وإذا كفل رجل لرجل عن رجل بمال عليه فأداه الكفيل ثم لقي المكفول عنه فجحد ان يكون أمره بالكفالة أو ان يكون لفلان الطالب عليه شئ فأقام الكفيل البينة ان لفلان على فلان ألف درهم وان فلانا هذا قد أمره فضمنها لفلان وانه قد أداها لفلان إلى فلان فان القاضى يقبل ذلك منه ويقضى بالمال على المكفول عنه لانه يدعى لنفسه عليه مالا بسبب وهو لا يتوصل إلى اتيان ذلك الا باثبات سبب بينه وبين الغائب وهو أداء المال إليه فينصب الحاضر خصما عن الغائب كمن ادعى عينا في يد انسان انها له اشتراها مع فلان الغائب وأقام البينة على ذلك فان القاضى يقضى ببينته على ذلك بهذا الطريق حتى إذا حضر الغائب فجحد ان يكون باعه لم يكلف المدعى اعادة البينة عليه فكذلك هنا إذا حضر المكفول له وجحد أن يكون قبض شيئا من الكفيل لم يكلف الكفيل اعادة البينة وكان الحكم عليه بوصول حقه إليه ماضيا وهذا لان الاسباب مطلوبة لاحكامها فمن يكون خصما في اثبات الحكم عليه يكون خصما في اثبات سبب الحكم عليه أيضا ورجوع الكفيل على الاصيل لا يكون الا بأمره اياه بكفالة وأدائه إلى الطالب بعد الكفالة فما يكون المكفول عنه خصما لكفيل في اثبات الامر عليه يكون خصما في اثبات الاداء إلى الطالب عليه والقضاء بالبينة على الحاضر يكون نافذا عليه وعلى الغائب جميعا وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما

[ 46 ] الله أن لرجل إذا غاب امرأته فأتاها رجل وأخبرها ان زوجها قد أبانها ووكله ان يزوجها منه ويضمن المهر ففعلت ذلك ثم رجع الزوج وأنكر ان يكون طلقها وأن يكون أمر هذا الرجل بشئ فالقول قوله وليس للمرأة على الكفيل شئ في قول أبى يوسف رحمه الله لان الطلاق لما لم يثبت كان العقد الثاني باطلا والكفالة المثبتة عليه كذلك بمنزلة أحد الوارثين وإذا أقر لمعروف نسب انه أخوه لم يشاركه في الميراث وعلى قول زفر رحمه الله ترجع هي على الكفيل بالمال لان الكفيل مقر بصحة العقد الثاني ووجوب المال عليه بسبب الكفالة واقراره حجة في حقه فلو أقام الكفيل البينة على الزوج بما أدى من الطلاق وتوكيله اياه بالعقد الثاني والكفالة قبلت بينته بذلك وكان لها ان ترجع بالمال على الكفيل ثم يرجع الكفيل على الزوج وان شاءت رجعت على الزوج للمعنى الذى قلنا ان الكفيل لا يتمكن من الرجوع على الزوج الا باثبات هذه الاشياء عليه فصار خصما في ذلك كله والله أعلم وأحكم (باب الكفالة على ان المكفول عنه برئ) (قال رحمه الله) وإذا كان لرجل على رجل مال فضمنه له على ابراء الذى عليه الاصل فهو جائز والكفيل ضامن للمال ولا يأخذ الطالب المكفول عنه بشئ لانهما أتيا بمعنى الحوالة وان لم يصرحا بلفظها ولالفاظ قوالب المعاني والمقصود هو المعنى دون اللفظ كان العقد الذي جرى بينهما حوالة لتصريحهما بموجب الحوالة كمن يقول لغيره ملكتك هذا الشئ بألف درهم فيكون بيعا وان لم يصرح بلفظ البيع والكفالة والحوالة يتقاربان من حيث ان كل واحد منهما إقراض للذمة والتزام على قصد التوثق فكما أنه لو شرط في الحوالة ان يطالب بالمال أيهما شاء كانت الكفالة فإذا شرط في الكفالة ان يكون الاصيل بريئا كانت الحوالة وقوله ضمنت والى وعلى بمنزلة قوله كفلت إذا شرط براءة الاصيل في ذلك كله كانت حوالة بناء على أصلنا أن الحوالة توجب براءة المحيل وقد بينا هذه المسألة ولو ثوى المال على المحتال عليه عاد حق الطالب إلى المحيل وللثوى أسباب فمن ذلك ان يجحد المحتال عليه ويحلف على ذلك وليس للطالب بينة لانه يتعذر على الطالب الوصول إلى حقه من جهة المحتال عليه على التأبيد وهذا أبلغ أسباب الثوى كالدرة الواقعة في البحر والعبد الآبق ونحو ذلك ومن ذلك ان يموت المحتال عليه مفلسا فيتحقق به الثوى عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله لا يعود المال إلى ذمة

[ 47 ] المحيل وعلى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله يقول بان الحوالة تبرئ المحيل براءة مطلقة فلا يعود المال إليه بحال كما لو برئ بالابراء (وبيان الوصف) انه لا يطالب بالمال ولا بشئ يشبهه وهذا موجب البراءة المطلقة وتقريره من وجهين (أحدهما) ان الحوالة ليست بمعاوضة لان معاوضة الذمة بالذمة والدين بالدين باطلة فإذا لم يكن ما وجب في ذمة المحتال عليه عوضا عما في ذمة المحيل لم يكن تعذر الوصول إليه مبنيا على حق الرجوع له على المحيل بل بالحوالة يصير كالقابض من المحيل والمقرض من المحتال عليه لانه لا يتحقق اسقاط المال على المحيل وايجابه على المحتال عليه معاوضة الا بهذا الطريق أو يجعل ما في ذمة المحتال عليه كأنه عين ما كان في ذمة المحيل تحول من ذلك المحل إلى هذا المحل حكما هو قضية لفظة الحوالة وفوات الشئ من المحل الذى تحول إليه لا يكون سببا لعوده إلى المحل الاول بل فواته عن المحل الذى تحول إليه كفواته في المحل الاول وذلك يكون على الطالب لا غير وعند الحوالة المحتال له بالخيار بين ان يقبل فيثبت حقه في ذمة المحتال عليه وبين ان يأتي فيكون حقه في ذمة المحيل والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما يتعين ذلك عليه وهو لا يعود إلى المحل الاول بعد ذلك قط كالغاصب الاول مع الثاني إذا اختار المغصوب منه تضمين أحدهما ثم ثوى عليه لم يرجع على الآخر بشئ والمولى إذا عتق عبده المديون واختار الغرماء استسعاء العبد ثم ثوى ذلك عليه لم يرجعوا على المولي بشئ من الضمان * وحجتنا في ذلك حديث عثمان رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا في المحتال عليه يموت مفلسا قال يعود الدين إلى ذمة المحيل لا ثوى على مال امرئ مسلم والمعنى فيه ان هذه براءة بالنقل فإذا لم يسلم له حقه من المحيل الذى انتقل إليه يعود حقه إلى المحل الذى انتقل حقه عنه كما لو اشترى بالدين شيئا أو صالح من الدين على عين (وبيان الوصف) ان حق الطالب كان في ذمة المحيل فنقله إلى ذمة المحتال عليه بالحق الذى له كما له أن ينقله إلى العين بالشراء ثم هناك إذا هلكت العين قبل القبض عاد حقه في الدين كما كان فكذلك هنا وكما أن ذلك السبب محتمل الفسخ فهذا السبب محتمل للفسخ حتى لو تراضيا على فسخ الحوالة انفسخت (وتقريره) ان ما في ذمة المحتال عليه ليس بعوض كما كان في ذمة المحيل كما قاله الخصم ولا هو واجب بطريق الاقراض كما زعم هو لان القبض يكون بالمال لا بالذمة والحوالة التزام في الذمة فلا يمكن ان يجعل به قابضا ولانه يثبت في ذمة المحتال عليه على الوجه الذى كان في ذمة المحيل حتى لو كان بدل صرف أو سلم لا يجوز الاستبدال

[ 48 ] به مع المحتال عليه كما لا يجوز مع المحيل ويبطل عقد الصرف والسلم بافتراق المتعاقدين قبل القبض من المحتال عليه ولو صار بالحوالة قابضا ثم مقرضا لا تثبت فيه هذه الاحكام ولا يمكن أن يجعل كأن عين ذلك المال تحولت من ذمة إلى ذمة لان الشئ انما يقدر حكما إذا تصور حقيقة وليس في الذمة شئ يحتمل التحول فلم يبق الطريق فيه الا جعل الذمة الثانية خلفا عن الذمة الاولى في ثبوت الحق فيها كما في حوالة الفراش المكان الثاني يكون خلفا عن المكان الاول ويكون الثابت في المكان الثاني عين ما كان في المكان الاول فإذا كان الطريق هذا فنقول انما رضى الطالب بهذه الخلافة على قصد التوثق لحقه فيكون رضاه بشرط أن يسلم له في ماله في الذمة الثانية فإذا لم يسلم فقد انعدم رضاه فيعود المال إلى المحل الاول كما كان بمنزلة ما لو اشترى به عينا الا ان هناك المحل الذى هو خلف في يد الغريم فكان مطالبا بتسليمه وهنا المحل الذى هو حق ليس في يد الغريم فلم يكن هو مطالبا بشئ ولكنه ليس في يد الطالب أيضا فلم يصر قابضا لحقه ولا يدخل في ضمانه فلا يكون الثواء عليه وبه فارق الغاصب الاول مع الثاني والمولى مع العبد فان احدى الذمتين هناك ليست بخلف عن الاخرى ولكن صاحب الحق كان مخيرا ابتداء والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك عليه وعلى هذا الاصل قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا فلسه الحاكم عاد الدين إلى ذمة المحيل لان رضاه بالخلافة كان بشرط السلامة فإذا لم يسلم عاد الحق إلى المحل الاول ولا معتبر ببقاء المحل الثاني حقيقة كالعبد المشترى بالدين إذا أبق واختار الطالب فسخ العقد عاد حقه كما كان * توضيحه أن الذمة تتعيب بالافلاس أما عندهما حكما فمن حيث ان التفليس والحجر يتحقق من حيث العادة وهذا ظاهر فان الناس يعدون الذمة المفلسة معيبة حتى يعدون الحق فيها ثاويا وكما أن فوات المحل موجب انفساخ السبب فتعيبه مثبت حق الفسخ كما إذا تعيب المشترى بالدين قبل القبض والاصل فيه قوله ﷺ من أحيل علي ملئ فليتبع فقد قيد الامر بالاتباع بشرط ملاء المحتال عليه فلا يكون مأمورا بالاتباع بدون هذا الشرط وأبو حنيفة رحمه الله يقول الافلاس لا يتحقق لان المال غاد ورائح فقد يصبح الرجل فقيرا ويمسى غنيا ثم عود المال إلى المحيل الثوى لا يتعذر به الاستيفاء (ألا ترى) انه لو تعذر استيفاؤه من المحتال عليه لعيبه لم يرجع على المحيل بشئ ولا تصور للثوى في الدين حقيقة وانما يكون ذلك حكما بخروج محله من أن يكون صالحا للالتزام وبعد الافلاس الذمة في صلاحيتها للالتزام

[ 49 ] كما كانت من قبل فلا يتحقق التوى ولا العيب بهذا السبب بخلاف ما لو كان بعد الموت مفلسا لان الذمة خرجت من أن تكون محلا صالحا للالتزام فيثبت التوى بهذا الطريق حكما وأما ذات المحتال عليه فقال الطالب لم يترك شيئا وقال المطلوب قد ترك وفاء فالقول قول الطالب مع يمينه على علمه لانه متمسك بالاصل وهو العسرة ولانه بالحوالة لم يدخل في ملك المحتال عليه ولو كان وهو حى يزعم انه مفلس فالقول قوله فكذلك بعد موته إذا زعم الطالب انه مفلس فالقول قوله مع يمينه على علمه * توضيحه ان ذمته بالموت خرجت من أن تكون محلا صالحا للالتزام وبه يتحقق التوى الا أن يكون هناك مال يخلف الذمة في ثبوت حق الطالب فيه فالمطلوب يدعى هذا الخلف والطالب منكر لذلك فجعلنا القول قوله لهذا ولو كفل بالمال من غير شرط البراءة ثم ان الطالب ابرأ الذي عليه الاصل من المال بعد الكفالة برئا جميعا لان ابراء الكفيل اسقاط لاصل الدين وذلك موجب لبراءة الكفيل ضرورة فكما ان الكفالة لا تصح الا باعتبار مال واجب في ذمة الاصيل فكذلك لا تبقى بعد سقوط المال عن ذمة الاصيل بالابراء وهذا بخلاف ما لو كانت الكفالة بشرط الاصل لان ذلك صار عبارة عن الحوالة واللفظ إذا جعل عبارة عن غيره مجازا سقط اعتبار حقيقته في نفسه * توضيح الفرق ان الكفالة بشرط براءة الاصيل لا تكون اسقاطا لان أصل الدين يكون تحويلا إلى ذمة الكفيل بالطريق الذي قلنا فأما ابراء الاصيل بعد الكفالة فيكون اسقاطا لاصل الدين والمطالبة تنبنى على وجوب أصل الدين فكما لا يبقى على الاصيل مطالبة بعد الاسقاط فكذلك على الكفيل والدليل على الفرق ما أشار إليه وهو ان الصبي التاجر إذا كان له على رجل مال فضمنه له آخر على ان ابرأ الاول أو كان عليه مال لرجل فضمنه لآخر بأمر صاحبه على ان ابرأ المكفول له فهو جائز ولو كان هذا اسقاطا لاصل الحق عن الاصيل ما ملك الصبي التاجر فيما له على غيره كابراء الاصيل بعد الكفالة ولو كان هذا من المحتال عليه التزاما للمال في ذمته ابتداء ما ملكه الصبي التاجر فيما عليه وبهذا الفصل يتبين الفرق وكذلك في الصرف ورأس مال السلم الحوالة تصح والكفالة بشرط براءة الاصيل تصح ولا يبطل به عقد السلم بخلاف ما إذا ابرأ الاصيل بعد الكفالة فقبله الاصيل حيث يبطل به عقد السلم ولو قال لرجل آخر ما أقر لك به فلان من شئ فهو علي فقامت عليه بينة انه أقر بعد الكفالة بألف درهم لزم الكفيل الالف لان الثابت من اقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة وان شهدوا انه أقر بذلك قبل

[ 50 ] الكفالة لم يلزم الكفيل شئ لان هذا اللفظ وان كان في صورة الماضي فالمراد به المستقبل عادة فلا يصير به ملتزما لما سبق الاقرار به على العقد وانما يكون ملتزما لما يقر به بعد العقد بمنزلة قوله ما يقر لك كما ان قوله ما ذاب لك في معنى ما يذوب فهذا قياسه والله أعلم (باب ضمان ما يبايع به الرجل) (قال رحمه الله) وإذا قال الرجل لرجل بايع فلانا فما بايعته به من شئ فهو على فهو جائز على ما قال لانه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب المال على الاصيل وقد بينا ان ذلك صحيح والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة لكونها مبنية على التوسع ولان جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود وانما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التى تؤثر في العقود وهذه الجهالة لا تفضى إلى المنازعة لان توجه المطالبة على الكفيل بعد المبايعة وعند ذلك ما بايعه به معلوم ويستوى أن وقت لذلك وقتا أو لم يوقت الا أن في الموقت يراعي وجود المبايعة في ذلك الوقت حتى إذا قال ما بايعته به اليوم فباعه غدا لا يجب على الكفيل شئ من ذلك لان هذا التقييد مفيد في حق الكفيل ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم فذلك كله على الكفيل لان حرف ما يوجب العموم وإذا لم يوقت فذلك على جميع العمر وإذا بايعته مرة بعد مرة فذلك كله على الكفيل ولا يخرج نفسه من الكفالة لوجود الحرف الموجب للتعميم في كلامه ويستوى ان بايعه بالنقود أو بغير النقود لانه قال ما بايعته به من شئ وهو يجمع كل ذلك فان قال الطالب بعته شيئا بألف درهم وقبضه منى فأقر به المطلوب وجحد الكفيل ففى القياس لا يؤخذ الكفيل بشئ حتى تقوم البينة على أنه بايعه بعد الكفالة وقد روى أسد بن عمرو عن أبى حنيفة رحمه الله انه أخذ بالقياس ووجه ذلك أن وجوب المال على الكفيل ناشئ عن مبايعته بعد الكفالة وذلك لا يظهر في حقه باقرار المطلوب لان قوله حجة عليه لا على الكفيل ولو أنكرا جميعا يعنى المطلوب والكفيل لم يكن على كل واحد منهما شئ فإذا أقر به المطلوب لزمه دون الكفيل لان الثبوت بحسب الحجة فإذا قامت البينة ثبت في حقهما لان البينة حجة عليهما ولكن استحسن فقال الكفيل ضامن للمال لان المطلوب مع الطالب تصادقا على المبايعة في حال يملكان انشاءها فانهما لو أنشا المبايعة لزم ذلك الكفيل ومن أقر بما لا يملك انشاءه يكون مقبول الاقرار في حق الغير لانتفاء التهمة بمنزلة التوكيل قبل العزل إذا أقر بالبيع والمطلق قبل انقضاء

[ 51 ] العدة إذا أقر بالرجعة * توضيحه انهما ان كانا صادقين فيما أقرا به من المبايعة فقد تحقق السبب في حق الكفيل وان كانا كاذبين فتصادقهما بمنزلة انشاء المبايعة فيلزم الكفيل أيضا (ألا ترى) انه لو كان قال ما لزمه لك من شئ فانا ضامن به لزمه ما أقر به المكفول عنه بهذا الطريق وعلى هذا لو قال بعه ما بينك وبين ألف درهم وما بعته من شئ فهو على إلى ألف درهم فباعه متاعا بخمسمائة ثم باعه حنطة بخمسمائة لزم الكفيل المالان جميعا وان باعه متاعا آخر بعد ذلك لم يلزم الكفيل من ذلك شئ لانه قيد الكفالة بمقدار الالف فلا تلزمه الزيادة على ذلك ولو قال إذا بعته شيئا فهو على فباعه متاعا بألف درهم ثم باعه بعد ذلك خادما بألف درهم لزم الكفيل الاول دون الثاني لان كلمة إذا لا تقتضي العموم ولا التكرار وانما تتناول المبايعة مرة فبوجود ذلك تنتهى الكفالة بخلاف ما لو قال كلما بايعته بيعا فانا ضامن بثمنه لان كلمة كلما تقتضي التكرار فيصير هو بهذا اللفظ ملتزما يجب بمبايعته مرة بعد مرة ولو قال بعه ولم يزد على هذا فباعه لم يلزم الآمر شئ لانه مشير عليه وليس بضامن وكذلك لو قال أقرضه ولو قال متى بعته بيعا فانا ضامن لثمنه أو ان بعته بيعا فباعه متاعا في صفقتين كل صفقة بخسمائة ضمن الكفيل الاول منهما لما بينا انه ليس في لفظه ما يقتضى التكرار لان كلمة ان للشرط وكلمة متى للوقت بمنزلة كلمة إذا ولو قال ما بايعته من زطى فهو على فباعه ثوبا يهوديا أو حنطة لم يلزم الكفيل من ذلك شئ لانه قيد الكفالة بمبايعته من الزطى خاصة فلا يتناول غيرها وكذلك لو قال ما أقرضته فهو على فباعه متاعا أو قال ما بايعته فهو على فأقرضه شيئا لم يلزم الكفيل من ذلك شئ لانه قيد الكفالة بسبب فلا تتناول شيئا آخر والمبايعة غير الاقراض (ألا ترى) ان المبايعة تصح ممن لا يصح منه الاقراض كالاب والوصى ولو قال ما داينته اليوم من شئ فهو على لزمه القرض وثمن المبيع لان اسم المداينة يتناول الكل فانه عبارة عن سبب وجوب الدين (ألا ترى) ان الآمر بالكتابة والسهود جاء به اسم المداينة وعلم الكل فلو رجع الكفيل عن هذا الضمان قبل ان يبايعه ونهاه عن مبايعته ثم بايعه بعد ذلك لم يلزم الكفيل شئ لان لزوم الكفالة بعد وجوب المبايعة وتوجه المطالبة على الكفيل فاما قبل ذلك فهو غير مطلوب بشئ ولا ملتزم في ذمته شيئا فيصح رجوعه * توضيحه ان بعد المبايعة انما أوجبنا المال على الكفيل دفعا للغرر عن الطالب لانه يقول انما عقدت في المبايعة معه كفالة هذا الرجل وقد اندفع هذا الغرور حين نهاه عن المبايعة ولو قال ما بايعته اليوم من شئ فهو

[ 52 ] لك على ثم جحد الكفيل والمكفول له المبايعة وأقام الطالب البينة على أحدهما انه قد باع المكفول له ذلك اليوم متاعا بالف درهم لزمهما جميعا ذلك المال أيهما كان حضر لان الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة والمال الذى يطالبان به واحد فينصب الحاضر منهما خصما فيكون حضور أحدهما كحضورهما فلا يكلف إعادة البينة عند حضور الآخر إذا كان القاضى هو الاول لانه عالم بسبب وجوب المال على الذى حضر إذ هو باشر القضاء به على الاول وعلمه يغنى الطالب عن اعادة البينة ولو قال من بايع فلانا اليوم ببيع فهو على فباعه غير واحد لم يلزم الكفيل شئ لان المكفول له مجهول وجهالة المكفول له تمنع صحة الكفالة كجهالة المقر له فانه لو قال لواحد من الناس على شئ كان اقراره باطلا ولو قال لقوم خاصة ما بايعتموه أنتم وغيركم فهو على كان عليه ما يبيع به أولئك القوم ولا يلزمه ما بايع غيرهم لان في حقهم المكفول له معلوم فصحت الكفالة وفى حق غيرهم هو مجهول فلا تصح الكفالة ولكن ضم المجهول إلى المعلوم لا يمنع صحة الكفالة في حق المعلوم لان ما يلتزمه لواحد بالكفالة منفصل عما يلتزمه للآخر ولو اذن لعبده في التجارة وقال لرجل ما بايعت به عبدى من شئ أبدا فهو على أو لم يقل أبدا فهو سواء ولزمه كل بيع بايعه به لان التزام المولى من عبده بحكم الكفالة صحيح كما يصح من الحر وقد بيناه فيما سبق وكذلك لو قال كل ما بايعته أو الذى بايعته بخلاف ما لو قال إذا بايعته أو ان بايعته فهذا على الاول خاصة وقد بينا الفرق بينهما في الحر فكذلك في العبد ولو قال ما بايعت فلانا من شئ فهو على فأسلم إليه دراهم في طعام أو باعه شعيرا بزيت فذلك كله على الكفيل لانه قد باعه فان السلم نوع بيع ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا وكله بثوب يبيعه فأسلمه في طعام جاز على الموكل وعندهما لا يجوز لان السلم غير البيع بل ان مطلق التوكيل بالبيع ينصرف إلى البيع بالنقود والله أعلم بالصواب (باب الحوالة) (قال رحمه الله) ذكر عن شريح رحمه الله انه قال في الحوالة إذا أفلس فلا توى على مال امرئ مسلم يريد به ان مال الطالب يعود فدليلهما ان بمجرد الافلاس تبطل الحوالة قال وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فاحاله بها فقد برئ الاول منهما وقد بينا اختلاف العلماء رحمهم الله فيه ووجه الفرق بين الكفالة والحوالة (ففى الكتاب)

[ 53 ] أشار إلى حروف فانك لا تكتب ذكر حق فلان بن فلان ان له على فلان ألف درهم وقد أحاله بها على فلان فان هذا لا يحسن في الكتاب ولا في الكلام وكيف يكون عليه وقد حولها عنه إلى غيره ويحسن في الضمان ان يقول لفلان على فلان ألف درهم وقد ضمنها عنه فلان (ثم وجوه التوى) قد بيناها فما سبق (والجواب) بين الاجانب والاقارب في جميع أصناف الديون من التجارات والمهر والجنايات وغير ذلك جائز لانه تحويل الحق من الذمة الاولى إلى الذمة الثانية فيستدعى وجوب الحق في الذمة الاولى ليصح التحويل ولو ان المحتال عليه أحاله بالمال على غيره كان جائزا لانه لما تحول المال إليه بالحوالة التحق بما كان واجبا عليه في الاصل وكما يصح التحويل من الذمة الاولى إلى ذمته يصح التحويل من ذمته إلى ذمة أخرى بالحوالة وليس للمحتال عليه أن يأخذ الاصيل بالمال قبل ان يؤديه ولكن يعامله بحسب ما يعامل به من الملازمة والحبس كما بيناه في فصل الكفيل (وفى هذا نوع اشكال) فان في الكفالة مطالبة الطالب على الاصيل باقية فلا تتوجه عليه مطالبة الكفيل ما لم يؤد وبعد الحوالة لا تبقى مطالبة المال على الاصيل فينبغي ان تتوجه عليه مطالبة المحتال عليه كالوكيل بالشراء يطالب الموكل قبل أن يؤدى ولكنا نقول ما سقطت مطالبة الطالب عن المحيل على الثبات بل يؤخر ذلك على المحتال عليه مفلسا فكان من هذا الوجه بمعنى التأجيل أو لما كانت المطالبة بعرض ان يتوجه عليه جعل كالمتوجه في الحال بمعنى الكفالة من هذا الوجه بخلاف الوكيل فانه ليس للبائع على الموكل مطالبة بالثمن لا في الحال ولا في ثانى الحال بل مطالبته مقصورة على الوكيل فكان للوكيل ان يرجع على الموكل ولو قضى المحيل المحتال عليه المال قبل ان يؤديه فعمل به وربح كان ربحه له لانه بنفس الحوالة قد استوجب المحتال عليه على المحيل ولكنه مؤجل لادائه ومن استعجل الدين المؤجل وتصرف فيه وربح كان الربح له لانه استربح على ملك صحيح ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فاحاله بها على آخر فقضاها اياه المحتال عليه فلما أراد الرجوع على الاصيل قال الاصيل كانت لى عليك وقال المحتال عليه ما كان لك على شئ فانه يقضى للمحتال عليه على الاصيل بالمال لان السبب الموجب للمال له على الاصيل ظاهر وهو قبوله الحوالة بأمره وادائه والمحيل يدعى لنفسه دينا على المحتال عليه ليجعل ما عليه قصاصا بذلك الدين ولم يظهر سبب ما يدعيه والمحتال عليه لذلك منكر فالقول قوله وليس في قبول الحوالة عنه اقرار بوجوب المال للمحيل عليه

[ 54 ] فان الحوالة قد تكون مقيدة بما للمحيل على المحتال عليه وقد تكون مطلقة بل حقيقة الحوالة هي المطلقة فاما المقيدة من وجه فتوكيل بالاداء والقبض عرفنا أنه لم يوجد منه دلالة الاقرار بوجوب المال للمحيل عليه وكان القول قوله في الانكار ولو كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فأحاله أحدهما على رجل بألف درهم على أن ابرأه فللطالب أن يأخذ المحتال عليه بالالف لانه التزمه بالحوالة والمحيل كان أصيلا في النصف الاول كفيلا في النصف الثاني والحوالة بكل واحد منهما صحيحة وان شاء أخذ الذى لم يحله بخمسمائة لان المحيل في هذه الخمسمائة كان كفيلا وقد برئ بالحوالة من غير أداء وقد بينا أن براءة الكفيل لا توجب براءة الاصيل فان اداها المحتال عليه رجع بها على المحيل دون صاحبه لانه هو الذى أمره بقبول الحوالة ورجوعه بذلك فان أداها المحيل رجع بنصفها على صاحبه لانه كان كفيلا عنه وأداء المحتال عليه بأمره كأدائه أداؤه بنفسه والى المحتال عليه كأدائه إلى الطالب له ولو أدى إلى الطالب رجع بنفسها على صاحبه فكذلك هنا ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فاحاله بها على رجلين فله أن يأخذ كل واحد منهما بنصفها لانهما اضافا الحوالة في جميع ذلك المال اليهما اضافة على السواء فيقسم عليهما انقساما على السواء وقد بينا في الكفالة نظيره فان اشترط ان كل واحد منهما كفيل عن صاحبه أخذ بالالف أيهما شاء لان كل واحد منهما التزم بجميع المال هنا في النصف عن الاصيل وفى النصف الآخر عن صاحبه بالكفالة فإذا أداها رجع على صاحبه بالنصف ليستويا في الغرم الثابت بسبب هذه الحوالة كما استويا في أصل الالتزام ولو كان لرجل على مكاتب مال فأحاله المكاتب به على رجل عليه مال فهو جائز لان هذا أمر من المكاتب به على رجل له عليه مال فهو جائز لان هذا أمر من المكاتب للطالب في أن يقبض ماله من غريمه له أولا ثم لنفسه وأمر للغريم بأن يؤدى ما عليه إلى الطالب وذلك صحيح من المكاتب وهذا التكلف غير محتاج إليه في هذا الفصل فان المكاتب لو أحال الطالب حوالة مطلقة يجوز فكذلك الحوالة من المكاتب المقيدة وانما يحتاج إليه في الفصل الثاني وهو ما إذا كان المكاتب هو المحتال عليه لان قبول الحوالة من المكاتب مطلقا لا يجوز بمنزلة الكفالة ولكن يجوز مقيدا بالمال الذى عليه لانه لا فرق في حقه بين أن يؤدى ذلك المال إلى المحيل أو إلى المحتال والعبد التاجر والصبي التاجر في هذا كالمكاتب وكذلك لو كان المال على رجلين كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فاحالاه على

[ 55 ] واحد جازت الحوالة منهما كما تجوز من الواحد إذا كان مطلوبا بالمال وكذلك الوصي يحتال بدين اليتيم على رجل أملا من غريمه الاول فاحتال بذلك فهو جائز لان في هذا قربان ماله بالاحسن فان حياة الدين بملاءة ذمة من عليه وفى قبول الحوالة على من هو أملا إظهار للزيادة في حقه وتيسر الوصول إلى ماله وكان ذلك منهما نظرا من حقه والله أعلم (باب الامر بنقد المال) (قال رحمه الله) وإذا أمر رجل رجلا بأن ينقد عنه فلانا الف درهم فنقدها رجع بها على الآمر لان هذا من الآمر استقراض من المأمور وانه لا يتحقق نقده عنه الا بعد أن يكون المنقود ملكا له ولا يصير ملكا له بالاستقراض منه فكأنه استقرض منه الالف ووكل صاحب دينه بأن يقبض له ذلك أولا ثم لنفسه ولانه أمره أن يملكه ما في ذمته بمال يؤديه من عنده فكان بمنزلة ما لو أمره أن يملكه عين الغير في يده بأن يشتريها له فيؤدى الثمن من عنده وهناك يثبت للمأمور حق الرجوع على الآمر بما يؤدى فكذلك هنا وكذلك لو قال انقد فلانا ألف درهم له على أو قال اقضه عنى كذا أو قال افضه ماله على أو ادفع إليه الذى له على أو ادفع عنى كذا أو اعطه عنى ألف درهم أو أوفه ماله على فهذا كله باب واحد وكله اقرار من الآمر أن المال عليه لفلان اما لقوله عنى أو لقوله اقضه عنى فان القضاء لا يكون الا بعد الوجوب أو لقوله على أو لقوله أوفه عنى فان الايفاء يكون بعد الوجوب ولو قال انقده عنى ألف درهم على انى ضامن لها أو على انى كفيل بها أو على انها لك على أو إلى أو قبل فهو سواء وإذا نقدها اياه رجع بها على الآمر لانه صرح بالتزام ضمان المنقود له أو أتى بلفظ يدل عليه ويستوى ان نقده الدراهم أو نقده بها مائة درهم أو باعه بها جارية أو غير ذلك لان بالبيع يجب الثمن للبايع على المشترى ولم يصر قابضا الدراهم التى وجبت له عليه كما أمر به فكان هذا وما لو دفع إليه دراهم في الحكم سواء (ألا ترى) ان الطالب يصير مستوفيا حقه بهذه الطريق إذا حلف ليسستوفين ماله عليك قبل أن يفارقك وإذا قال الرجل للرجل ادفع إلى فلان الف درهم قضاء ولم يقل عنى أو قال اقض فلانا الف درهم ولم يقل على أنها لك على فدفعها المأمور فان كان خليطا للآمر رجع بها عليه لان الخلطة القائمة بينهما دليل ظاهر على أن أمره بالقضاء عنه بمنزلة التصريح بهذا اللفظ وهذا لان كل واحد من الخليطين ينوب عن

[ 56 ] صاحبه في قضاء ما عليه وان أداه بناء على الخلطة السابقة وتلك الخلطة تثبت له حق الرجوع بما يؤدى بأمره كما يثبت له حق الرجوع عليه بما يؤدى إليه وان لم يكن خليطا له لم يرجع بها عليه في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبى يوسف الاول رحمه الله وانما رجوعه على المدفوع إليه وقول أبى يوسف الآخر رحمه الله يرجع على الآمر خليطا كان أو غير خليط لوجهين (أحدهما) ان أمره بالدفع إلى غيره بمنزلة أمره بالدفع إليه ولو قال ادفعه إلى كان له أن يرجع عليه فكذلك إذا أمره بالدفع إلى غيره ولان فعله في الدفع يترتب على أمره في الفصلين وإذا اعتمد في الاداء أمره فلو لم يرجع صار مغررا من جهته والغرر مدفوع كما في الخليطين (الثاني) انه قال ادفعها إليه قضاء والقضاء ينبنى على الوجوب ولم يكن على المأمور شئ واجب للمدفوع إليه ولا يعتبر أمر الآمر بذلك بل أمره انما يعتبر في قضاء ما هو واجب على الآمر وكان اقرارا بوجوب المال عليه من هذا الوجه وهذا وقوله اقض عنى سواء وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا ان قوله اقض أو ادفعه إليه قضاء كلام محتمل يجوز ان يكون المراد اقضه ما له عليك فيكون هذا منه أمرا بالمعروف ويجوز أن يكون المراد اقضه ماله على والمحتمل لا يكون حجة فلا يثبت به المال على الآمر للمدفوع إليه وإذا لم يثبت المال عليه لا يكون هذا منه استقراضا ولا أمرا بان يملكه ما في ذمته وطريق الرجوع عليه هذان بخلاف ما لو قال قضاء عنى إذا كان قضاء لما له على لان الاحتمال قد زال هناك بما صرح به من الاضافة إلى نفسه ولا يجوز أن يعتبر أمره بالدفع إلى غيره بالدفع إلى نفسه لان قوله ادفعه إلى لا يثبت له حق الرجوع عليه بهذا الامر بل يقضه المال منه وهذا المعنى بوجوب أن يكون رجوعه هنا إلى المدفوع إليه لانه هو القابض للمال منه دون الآمر ولو كان أمر بذلك ولده أو أخاه وهو ليس في عياله فهذا وأمره للاجنبي بذلك سواء الا أن يكون أمره بذلك بعض من في عياله فيكون ذلك بمنزلة ما لو أمر خليطا له بذلك استحسانا لان الانسان يقضى ما عليه بيد من في عياله ويد هؤلاء بمنزلة يده ولو دفع بنفسه قضاء كان ذلك قضاء لما هو واجب فكذلك إذا أمر بعض من في عياله حتى أدى وكذلك الزوجة إذا أمرت بذلك زوجها فان ما بينهما من الزوجية بمنزلة الخلطة أو أقوى منه وكذلك لو أمر به أجيرا له وانما أراد به التلميذ الخاص الذى استأجره مسانهة أو مشاهرة فانه بمنزلة من في عياله وكذلك لو أمر به شريكا له لان قيام الشركة بينهما بمنزلة الخلطة أو أقوى منها وهذا كله استحسان وحمل

[ 57 ] لمطلق الكلام على ما هو معتاد بين الناس ولو قال لرجل ادفع إلى فلان ألف درهم فان كان المأمور خليطا للآمر أو بعض من في عياله رجع المأمور على الآمر باعتبار الخلطة التى بينهما فان ذلك بمنزل الغرر من جهته لو لم يثبت له حق الرجوع عليه لم يرجع الآمر على القابض وان لم يكن له عليه شئ يصير قصاصا به فأما إذا لم يكن المأمور خليطا للآمر فلا اشكال على قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله انه لا يرجع على الآمر وانما يرجع به على القابض وانما اختلفوا على قول أبى يوسف الآخر رحمه الله فعلى قياس الطريقة الاولى يرجع على الآمر بمنزلة ما لو قال ادفعه إلى وعلى قياس الطريقة الثانية يكون رجوعه على القابض لانه ليس في لفظه ما يدل على ان القابض يستوفى حقا واجبا له بخلاف ما إذا قال ادفعها إلى فلان قضاء ولو أمر خليطا له أن ينقد فلانا عنه ألف درهم نجية فنقد عنه الف درهم غلة أو نبهرجة لم يرجع على الآمر الا بمثل ما أعطى بخلاف الكفيل بالنجية إذا أدى بالغلة فانه يرجع بالنجية فان رجوع الكفيل بحكم الالتزام (ألا ترى) انه لو وهب المال منه رجع على الاصيل وانما التزم في ذمته النجية فاستوجب مثلها في ذمة الاصيل ثم إن سامحه الطالب فتجوز بالغلة لا يجب أن يسامح الاصيل بشئ فاما المأمور فهو غير ملتزم في ذمته شيأ وانما يثبت له حق لرجوع بالاداء (ألا ترى) انه لو وهب المال منه لم يصح فان كان رجوعه بالاداء رجع المؤدى ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فأحال بها عليه رجلا فلما استوفاها المحتال قال المحتال للمحيل كان المال لي عليك فانما استوفيت حق نفسي وقال المحيل بل كنت وكيلى في قبض مالى لم يكن لك علي شئ فالقول قول المحيل لان وجوب المال له على المحتال عليه كان ظاهرا كالمقبوض بذلك السبب فيكون ملكا له ثم القابض يدعى لنفسه دينا عليه حتى يحبس ماله بذلك ولم يظهر ذلك الدين له عليه فان إحالته عليه لا تكون دليلا على وجوب المال للمحتال على المحيل فيكون القول قول المنكر ويؤمر بدفع المال إليه الا أن يثبت دين نفسه عليه ولو أراد المحتال عليه أن يمنع المال من الذى أحال به عليه ورب المال غائب لم يكن له عليه ذلك بعد الحوالة لانه قد التزم دفع المال إليه فعليه الوفاء بما التزم وكذلك لو قال رب المال اضمن له هذا المال فهو مثل الحوالة بخلاف ما لو قال أضمن له هذا المال عنى فانه يكون اقرارا من رب المال بالمال لهذا لانه أمره بان يضمن عنه ولا يتحقق ذلك الا بعد وجوب المال عليه ولان قوله اضمن عنى له بمنزلة التصريح منه ان القابض عامل لنفسه وليس بوكيل من جهته وانما يكون ذلك عند وجوب

[ 58 ] المال للطالب على الاصيل وكذلك الحوالة إذا قال يحتال اليك بالالف التي لي عليك لم يكن هذا اقرارا بان المال عليه ولو قال هو محتال عليك بألف درهم لتؤديها عنى من المال الذي لي عليك فهذا اقرار منه بوجوب المال عليه للمحتال وإذا قال يحتال عليك بألف درهم لم يكن هذا اقرارا منه بالمال ولكن المحتال عليه لا يستطيع الامتناع من اداء المال إلى المحتال لانه التزمها له ولان كلامه محتمل وبالمحتمل لا يكون له ان يمتنع من ايفاء ما التزم وان أداها وكان خليطا للآمر رجع بها عليه ورجع بها الآمر على المضمون له بعد ان يحلف انها ليست عليه وقد بينا في الحوالة نظيره فكذلك في الضمان ولو لم يكن خليطا له لم يرجع بها عليه لانه ليس في لفظه ما يدل على الامر بالضمان فلا يثبت له حق الرجوع عليه ولكنها تسلم للمضمون له بخلاف ما سبق من قوله ادفع لانه ليس هناك من المأمور التزام شئ للمدفوع إليه (ألا ترى) ان له ان يمتنع من الدفع إليه فكذلك بعد الدفع له أن يرجع بها عليه وهنا بقبول الحوالة والضمان قد التزم المال للمضمون له حتى لا يكون له أن يمتنع من الدفع إليه في الابتداء فكذلك بعد الدفع إليه لا يكون له ان يرجع عليه بشئ مما أدى إليه والله أعلم بالصواب (باب صلح الكفالة) (قال رحمه الله) وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم وبها كفيل عنه بأمره فصالح الكفيل الطالب على مائة درهم على ابراء الاصيل من الالف جاز كما لو صالحه الاصيل بنفسه وهذا ظاهر لان الطالب استوفى عشر حقه وابراه من سوى ذلك وكل واحد من الامرين صحيح في الكل فكذلك في البعض لم يرجع الكفيل على المكفول عنه بمائة درهم لان رجوع الكفيل باعتبار ثبوت الملك له وذلك مقصور على ما أدى دون ما ابراه الاصيل عنه لان الابراء اسقاط فلا يتضمن التمليك من الكفيل ولا يتحول به أصل الدين إلى ذمة الكفيل بخلاف الايفاء فانه يتضمن تحول أصل الدين إلى ذمة الكفيل ليتملك بأدائه ما في ذمته فيستوجب الرجوع به على الاصيل ولو صالحه على مائة درهم على ان يبرئ الكفيل خاصة من الباقي رجع الكفيل على الاصيل بمائة درهم ورجع الطالب على الاصيل بتسعمائة لان ابراء الكفيل يكون فسخا للكفالة ولا يكون اسقاطا لاصل الدين فيبقى له في ذمة الاصيل

[ 59 ] ما ابراه الكفيل منه وتسعمائة وهذا لان الكفيل يلتزم المطالبة وابراء الكفيل يكون تصرفا في تلك المطالبة دون أصل الدين وبالابراء لا يتحول الدين إلى ذمة الكفيل ولو صالحه على مائة درهم على ان وهب التسعمائة للكفيل كان للكفيل ان يرجع بالالف كلها على المكفول عنه لانه ملك جميع الاصل وهو الالف بعضها بالاداء وبعضها بالهبة منه والبعض معتبر بالكل وهذا لان الهبة تمليك في الاصل فمن ضرورة تصحيحه تحول الدين إلى ذمة الكفيل فلا يبقى للطالب في ذمة الاصيل شئ ويتحول الكل إلى ذمة الكفيل ثم يتملكها بالهبة والاداء فيرجع بها على الاصيل ولو صالح الكفيل الطالب على عشرة دنانير أو باعه اياه بعشرة دنانير كان للكفيل ان يرجع على الاصيل بجميع الالف لانه بهذا الصلح والشراء يتملك جميع الالف ومن ضرورة صحتها تحول الدين إلى ذمة الكفيل فان الصلح في غير جنس الحق يكون تمليكا كالبيع وكذلك كل ما صالحه عليه من مكيل أو موزون بعينه أو حيوان أو عرض أو متاع فالجواب في الكل سواء ولو كان معه كفيل اخر وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه كان له ان يرجع على صاحبه بنصف ذلك لان هذا الصلح أو البيع بمنزلة الاداء في حق الرجوع على الاصيل فكذلك في حق الرجوع على الكفيل معه ولو أدى جميع المال كان له ان يرجع بنصفه على شريكه في الكفالة فكذلك هنا ولو كفل رجلان عن رجل بألف درهم وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فأدى أحدهما ثم أخذ صاحبه في الكفالة معه بالنصف فصالحه من ذلك على مائة درهم على ان أبراه خاصة مما بقى فهو جائز واستوجب الرجوع على صاحبه بنصف المؤدى وهو خمسمائة ليستوي معه في الغرم فإذا استوفى منه بعض ذلك وابراه عن الباقي جاز كما لو عامل الاصيل بمثل ذلك ثم براءة الكفيل بالابراء لا تكون براءة للاصيل وقد كان للمؤدى أن يرجع على الاصيل بجميع الالف فانما وصل إليه من جهة صاحبه مائة فيبقى حقه في الرجوع على الاصيل بتسعمائة ويثبت للكفيل الآخر حق الرجوع على الاصيل بمائة فأيهما أخذ منه شيئا اقتسما المأخوذ اعتبارا على قدر شركتهما فيما في ذمته لاحدهما تسعة أعشاره وللآخر عشره ولو صالح المؤدى صاحبه من الخمسمائة على عشرة دنانير أو كر حنطة أو عرض جاز ذلك كما يجوز صلحه مع الطالب عن الخمسمائة على هذا المقدار ويملك الكفيل الآخر خمسمائة بهذا الصلح بمنزلة ما لو أداها بعينها إلى المؤدى فيتبع كل واحد منهما الاصيل

[ 60 ] بخمسمائة وأيهما أخذ شيئا كان لصاحبه نصفه على حسب حقهما في ذمته ولو كان الدين طعاما وبه كفيل فصالح الكفيل الطالب منه على عشرة دراهم رجع بالطعام كله على المكفول عنه لان ما أداه الكفيل يصلح ان يكون عوضا عن جميع الطعام فيصير به متملكا بجميع الطعام (ألا ترى) انه لو باعه بالطعام ثوبا كان به متملكا جميع الطعام حتى يرجع به على الاصيل فهذا مثله ولو كان الدين ألف درهم وبه كفيلان كل واحد منهما ضامن عن صاحبه فصالح أحد الكفيلين صاحبه على مائة درهم على أن يبرئه من حصته من الكفالة وقبضها منه ثم ان الكفيل الذي قبض المائة أدى المال كله إلى الطالب رجع على المكفول عنه بتسعمائة ولم يرجع على الكفيل معه بشئ ويرجع المؤدى للمائة على المكفول عنه بالمائة لان كل واحد منهما كفيل عن الاصيل بجميع المال وعن صاحبه بنصف المال صلح الكفيل مع الاصيل قبل أدائه إلى الطالب صحيح كما يجوز صلحه مع الطالب فإذا صالح أحدهما صاحبه على مائة فقد صار مبرئا له عما زاد على المائة مما استوجب الرجوع عليه وهو كان كفيلا عن الاصيل وابراء الكفيل لا يوجب براءة الاصيل فإذا أدى القابض للمائة جميع الالف فانما أدى عن الاصيل تسعمائة فيستوجب الرجوع بها عليه ويصير مؤديا عن الكفيل معه مقدار ما كفل عنه وذلك مائة درهم فيرجع المؤدى للمائة على الاصيل بتلك المائة لان أداء كفيله عنه كأدائه بنفسه ولو لم يكن هكذا ولكن الطالب أخذ الكفيل الذى أدى المائة واستوفى منه الالف كلها فله أن يرجع على شريكه بتسعمائة لانه دفع إليه المائة على أن يؤديها عنه إلى الطالب فإذا لم يفعل حتى أداها بنفسه كان له أن يرجع عليه بتلك المائة وقد كان كفل عنه خمسمائة وأداها فله ان يرجع عليه بتلك الخمسمائة أيضا ولو كان الكفيل صالح صاحبه على كر حنطة ودفعه إليه على ان ابراه من حصته من الكفالة فهذا جائز فيما بينهما لانه كفل بالخمسمائة وما أدى إليه يصلح أن يكون عوضا عن الخمسمائة ويكون هذا التصرف منهما غير جائز في حق الطالب فله ان يأخذ بجميع المال أيهما شاء فان أخذ الطالب الكفيل الذى أدى بالالف فأداها فانه يرجع بها تامة على الكفيل الذى معه وبخمسمائة مع ذلك على الذى عليه الاصل ان شاء الا أن يشاء الكفيل القابض للطعام ان يرد عليه الطعام ويرد عليه خمسمائة مع ذلك لان المؤدى للالف استوجب الرجوع على شريكه في الكفالة بنصف ما أدى وهو خمسمائة لانه تحمل ذلك عنه بأمره وبالنصف الآخر لانه دفع إليه الطعام على ان يؤدي عنه ما يقابله وهو خمسمائة إلى الطالب فإذا

[ 61 ] لم يفعل حتى أدى بنفسه كان له أن يرجع عليه بتلك الخمسمائة أيضا الا ان القابض للطعام قبضه بطريق الصلح على ان يبرئ المؤدى من رجوعه عليه لا على أن يرجع المؤدي عليه بخمسمائة فإذا آل الامر إلى ذلك خير لان مبنى الصلح على التجوز بدون الحق فان شاء نقض الصلح ورد عليه الطعام وان شاء أمسك الطعام ورد عليه عوضه وهو خمسمائة وان شاء المؤدى للالف رجع بخمسمائة على الاصيل لانه اداها عنه بعد ما تحملها بأمره ورجع بخمسسمائة على الكفيل الذى قبض الطعام الا أن يشاء الكفيل ان يرد عليه الطعام لما بينا (وحاصل فقه هذه المسألة) ان الخمسمائة التى هي عوض عن الطعام لا يستوجب المؤدى الرجوع بها على الاصيل لانه صار مملكا اياها من المؤدى للطعام فيكون رجوعه بذلك على القابض للطعام خاصة الا أن يشاء القابض للطعام ان يرد عليه الطعام لانه قبضه منه على سبيل الحط والاغماض ولو صالح أحد الكفيلين صاحبه على عشرة دنانير ودفعها إليه على ان أبراه من حصته من الكفالة ثم ان الطالب صالح الكفيل الذى قبض الدنانير على تلك الدنانير باعيانها عن جميع المال وأداها إليه كان جائزا لانه ملك الدنانير وتم ملكه فيما قبضه من صاحبه فالتحق تعيينها من دنانيره في جواز الصلح مع الطالب عليها من جميع المال ويكون هذا الصلح تمليكا منه لانعدام معنى الربا عند اختلاف الجنس ثم يكون للكفيل الذى صالح الطالب أن يرجع على الاصيل بخمسمائة درهم ويرجع الكفيل الآخر على الاصيل بخمسمائة أيضا لان الذى صالح الطالب قد يملك جميع الالف بهذا الصلح بمنزلة ما لو أدى إليه جميع الالف وكان له أن يرجع على شريكه بخمسمائة لولا صلحه معه وقد صح صلحه معه عن الخمسمائة على الدنانير فيجعل ذلك الصلح بينهما كانه كان بعد اذنه فيتقرر كل واحد منهما في الرجوع عن الاصيل بخمسمائة لان أداء الكفيل المصالح الاول عنه كادائه بنفسه وأيهما أخذ شيئا من الاصيل شاركه فيه صاحبه لان الدين الذي في ذمة الاصيل مشترك بينهما وما يقبض أحد الشريكين من دين مشترك بينهما شاركه فيه صاحبه * ولو لم يكن هكذا ولكن أحد الكفيلين أدى المال كله إلى الطالب ثم صالح الكفيل معه على مائة درهم على ان ابراه أو على عشرة دنانير على ان ابراه وقبض ذلك فهو جائز لانه بالاداء استوجب الرجوع على شريكه في الكفالة بخمسمائة والصلح من الخمسمائة على مائة درهم أو على عشرة دنانير جائز وهما يتبعان الاصيل بالالف تامة لانهما صارا مؤديين عنه جميع الالف فان كان الصلح بينهما على الدنانير فالالف بينهما

[ 62 ] نصفان لان مؤدى الدنانير يصير متملكا للخمسمائة بما أدى فالصلح يصح بطريق التمليك إذا أمكن والامكان موجود عند اختلاف الجنس فيكون رجوع كل واحد منهما على الاصيل بخمسمائة بمنزلة ما لو أدى إلى صاحبه خمسمائة وان جرى الصلح بينهما على مائة درهم فالالف بينهما على عشرة اسهم لان صحة الصلح عنهما هنا بطريق الاسقاط فان مبادلة الخمسمائة بالمائة ربا فالمؤدى للمائة لا يأخذ الا مقدارها وابراء مؤدى الالف صاحبه عما زاد على المائة لا يكون ابراء الاصيل فيكون له ان يرجع على الاصيل بتسعمائة وللآخر ان يرجع عليه بالمائة فإذا اقتضاه شيئا منها يكون المقبوض بينهما على مقدار حقهما اعتبارا ولو صالحه على عرض أو حيوان كان مثل الصلح على الدنانير لان تصحيحه بطريق التمليك ممكن والصلح قبل الاداء وبعد الاداء جائز لان الدين يجب للكفيل عن الاصيل بالكفالة كما يجب للطالب على الكفيل بعين في حق المطالبة (ألا ترى) ان الكفيل يطالب الاصيل بحسب ما تعامله الطالب مع الكفيل ويجوز صلح الكفيل مع الاصيل قبل الاداء وبعده وإذا كان الدين طعاما قرضا أو غصبا فصالح أحد الكفيلين صاحبه على دراهم مسماة على أن ابرأه من خصومته فهو مثل الباب الاول لما بينا أن تصحيح هذا الصلح بينهما بطريق المبادلة ممكن فان أدى الذى قبض الدراهم والطعام كله كان لهما ان يتبعا الاصيل بذلك نصفين لان المؤدى للدراهم كان أصيلا في حق صاحبه وأداء كفيله كأدائه بنفسه وقد تم ملكه في حصته من الطعام بما أدى من الدراهم إلى صاحبه فيرجع على الاصيل بذلك والمؤدى للطعام كفيل عن الاصيل بالطعام وقد أدى فيرجع عليه بما لم يصل إليه عوضه من صاحبه وذلك نصف الطعام فلهذا رجعنا عليه بالطعام نصفين وان أدى الطعام الذى دفع الدراهم اتبع صاحب الاصل بالجميع لانه كان كفيلا عنه بجميع الطعام وقد أدى فيرجع على الكفيل الذى قبض الدراهم بنصف ما أدى الطعام لانه دفع إليه الدراهم عوضا عن نصف الطعام الذى كان كفل به عنه ليؤديه إلى الطالب ولم يفعل فيرجع عليه بذلك الا ان يشاء القابض للدراهم ان يرد الدراهم لانه قبضها بطريق الصلح ومبنى الصلح على التجوز بدون الحق فإذا آل الامر إلى ان يلزمه رد نصف الطعام ويكمله عليه كان له أن يلتزم هذا الضرر ويرد عليه المقبوض من الدراهم ان شاء وان شاء الكفيل الذى أدى الطعام اتبع صاحبه في الكفالة بجميع الطعام ليؤديه عنه إلى الطالب فإذا لم يفعل حتى أدى بنفسه كان له ان يرجع عليه بذلك أيضا الا أن يشاء القابض للطعام

[ 63 ] أن يرد عليه دراهمه مكان نصف الطعام فحينئذ يكون له ذلك فيدفع إليه دراهمه مع نصف الطعام فالمقبوض منه يكون مشتركا بينهما على قدر حقيهما وان كانا كفيلين عن رجل بمائة درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بها ثم ان أحد الكفيلين صالح الآخر على عشرة دراهم على ان ابراه ثم صالح الطالب الذى قبض العشرة على خمسة دراهم وأداها إليه فانه يرد تسعة ونصفا على الكفيل الذى معه ثم يرجعان جميعا على الاصيل بخمسة لان المؤدى للعشرة انما أداها إلى صاحبها على أن يؤدى عنه العشرة وهو ما أدى إلى الطالب مما كفل عنه الا درهمين ونصفا لانه أدى إليه خمسة وهى شائعة في النصفين نصف ذلك مما هو فيه متحمل عن صاحبه فعرفنا انه أدى إلى الطالب مما تحمل عن صاحبه درهمين ونصفا وصاحبه انما برئ مما بقى بابراء الطالب لان عند اتحاد الجنس يتعدد تصحيح الصلح بطريق المبادلة فلهذا رجع المؤدى للعشرة على صاحبه بسبعة ونصف ثم كل واحد منهما يؤدى عن الاصيل درهمين ونصفا حكما فيرجعان عليه بالخمسة كذلك * ولو لم يكن هكذا ولكن الذي عليه الاصل صالح أحد الكفيلين على عشرة دراهم ودفعها إليه فهو جائز بطريق الاسقاط لما وراء العشرة مما استوجب الرجوع به عليه عند الاداء فان أدى الكفيل الذى أخذ العشرة إلى الطالب المائة درهم لم يرجع على الاصيل ولا على صاحبه بشئ وقد صالح الاصيل على ما أخذ منه من العشرة وصار مبرئا له عما زاد على ذلك فلا يرجع عليه بشئ عند الاداء والكفيل معه انما استفاد البراءة ببراءة الاصيل لا بادائه لان براءة الاصيل على أي وجه تكون تتضمن براءة الكفيل ولو أدى الكفيل الآخر المائة كان له أن يرجع على الكفيل الذى معه بخمسين درهما وعلى الاصيل بمثل ذلك لانه صار مؤديا عن الكفيل الذى معه مقدار الخمسين ولو لم يجر بين الكفيل الآخر وبين الاصيل صلح كان لهذا المؤدى أن يرجع على الكفيل الآخر بما أدى عنه بالكفالة وهو مقدار الخمسين فبعد صلحه أولى وقد كان كفيلا عن الاصيل بالخمسين الاخرى وأداها عنه ثم يرجع الاصيل على الكفيل الذى صالحه بخمسة دراهم لانه كان صالحه على عشرة دراهم ونصف ذلك مما كان هو الذى كفل به عنه ونصفه مما كفل به صاحبه على أن يكون هو المؤدي عنه فإذا لم يفعل كان له أن يرجع عليه بنصف تلك العشرة وهو خمسة وتسليم الخمسة الاخرى للمصالح لان الكفيل الآخر لما رجع عليه بخمسين كان له أن يرجع بذلك على الاصيل لولا صلحه معه على هذه الخمسة وابراؤه إياه

[ 64 ] عما زاد عليها إلى تمام الخمسين ولو صالح الاصيل الكفيلين جميعا على عشرة دراهم من جميع الكفالة فهو جائز وأيهما أدى بالكفالة المائة إلى الطالب فانه لا يرجع على الاصيل بشئ إلا بخمسة لان كل واحد منهما بالصلح قد أبرأه عما زاد على الخمسة إلى تمام ما كفل عنه ولو أبرأه عن ذلك بعد الاداء سقط حقه في الرجوع عليه فكذلك قبل الاداء وان شاء رجع على صاحبه بالخمسة التى قبضها من الاصيل لانه انما كان قبض تلك الخمسة ليؤدي إلى الطالب ما تحمل عن الاصيل ولم يؤد شيئا وانما أداه الآخر فيكون هو أحق بتلك الخمسة يقبضها منه ولا يتبعان بشئ لما بينا أو المراد بقوله لا يرجع المؤدى على الاصيل الا بخمسة سوى الخمسة التى قبضها صاحبه في الكفالة لان المؤدى أدى تلك الخمسة بحكم الكفالة عن الاصيل وهو ما أبرأه منها فيرجع بها على الاصيل ان شاء ثم يرجع بها الاصيل على القابض منه وان شاء رجع بها على صاحبه لما بينا وان لم يؤد واحد من الكفيلين المال ولكن أدى الاصيل رجع على الكفيلين بعشرة دراهم بعينها لانهما استوفيا العشرة منه ليؤديا عنه ما تحملا من الدين ولم يوجد ذلك حين أدى هو المال بنفسه فكان له أن يرجع عليهما بتلك العشرة ولا يرجع بما زاد على ذلك لان رجوعه عليهما بحكم استيفائهما منه لا بحكم اسقاطهما عنه ولو صالحهما على ثوب ودفعه اليهما ثم انه أدى المائة إلى الطالب رجع على كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه في حكم المستوفى الخمسين بطريق المبادلة وانما استوفى على أن يؤدى عنه حق الطالب فإذا لم يفعل ولكن أداها صاحبه وقد كان كفيلا عنه بها كان له أن يرجع بتلك الخمسين عليه وان شاء رجع بها على الاصيل لانه يتحمل تلك الخمسين عن الاصيل وقد أداها فان رجع بها على الاصيل رجع بها الاصيل على الكفيل الذى لم يؤد شيئا إلا أن يشاء الكفيل أن يرد عليه نصف الثوب الذى صالحه عليه لانه استوفاها عنه ليؤديها عنه فإذا لم يفعل حتى أدى هو بنفسه إلى الكفيل المؤدى عنه كان ذلك بمنزلة أدائه إلى الطالب فيرجع بها على الذى لم يؤد شيئا إذ الذى لم يؤد شيئا صار مستوفيا بطريق التجوز بدون الحق فيتخير لذلك ولو لم يؤد مائة درهم ولكنه أدى عشرة دراهم فصالحه عليها الطالب فانه لا يرجع على شريكه في الكفالة بخمسة دراهم ولكن الاصيل يرجع على الكفيل المؤدي للعشرة إلى الطالب بأربعين درهما وعلى الكفيل الآخر بخمسين لان كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه صار قابضا للخمسين على أن يؤدى عنه ذلك إلى الطالب ولم يفعل ذلك الذى

[ 65 ] لم يؤد إلى الطالب شيئا وانما برئ هو عن تلك الخمسين بابراء الطالب اياه فكان للاصيل أن يرجع عليه بتلك الخمسين الا أن يشاء هو رد نصف الثوب عليه والمؤدى للعشرة كان في حكم القابض للخمسين منه أيضا على أن يؤدى ذلك عنه وانما أدى إليه عشرة فما زاد على العشرة انما برئ الاصيل عنه بابراء الطالب فيكون له أن يرجع على المؤدى للعشرة بقدر الاربعين لذلك ولا رجوع للمؤدى للعشرة على شريكه بنصف العشرة لانه قد استوفى من الاصيل هذه العشرة وزيادة فكيف يرجع بشئ منها على شريكه ولو لم يؤد شيئا ولكن الاصيل صالح الطالب على عشرة دراهم فانه يرجع على كل واحد من الكفيلين بخمسين درهما إلا أن يشاء رد الثوب عليه لان كل واحد منهما في حكم المستوفى للخمسين منه ولكن بطريق التجوز بدون الحق ولو كان الاصيل صالح الكفيلين على عشرة دراهم وكان أحد الكفيلين صالح الطالب على أربعة دراهم فانه لا يرجع على صاحب الدرهمين اللذين أدى عنه لما بينا انه قبض ذلك من الاصيل وزيادة ولكن يرد درهما على الاصيل لانه قبض من الاصيل خمسة وما أدى عنه إلى الطالب إلا أربعة فانما برئ عما زاد على الاربعة بابراء الطالب ويرد صاحبه خمسة دراهم على الاصيل لان صاحبه استوفى من الاصيل خمسة دراهم ولم يؤد عنه شيئا وانما برئ هو من حصة صاحبه بابراء الطالب ولو كان الاصيل صالحهما على ثوب ثم ان أحدهما صالح الطالب على دراهم على ان أبرأه من جميع المال لم يرجع على شريكه بشئ لانه انما أدى إلى الطالب درهما وقد صار مستوفيا من الاصيل مقدار الخمسين بالصلح على الثوب فلهذا لا يرجع على شريكه بشئ ولكن المصالح مع الطالب يرد على الاصيل تسعة وأربعين درهما وصاحبه يرد على الاصيل خمسين درهما لان كل واحد منهما صار مستوفيا للخمسين درهما من الاصيل على أن يستفيد الاصيل البراءة من حق الطالب بادائهما ولم يوجد ذلك فالذي صالح الطالب على الدراهم انما أدى عنه الدراهم فقط فيرد عليه ما زاد على ذلك إلى تمام الخمسين والآخر لم يؤد عنه شيئا إلى الطالب فيرد عليه ما صار مستوفيا منه وذلك خمسون درهما وإذا كفل رجل بمال مؤجل ثم فاوض رجلا ثم حل الاجل لم يلزم شريكه من ذلك شئ أما عند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله فلان عقد المفاوضة لا يوجب المساواة بينهما في ضمان الكفالة ان لو كانت الكفالة بعد الشركة فإذا كانت قبلها أولى وأما عند أبى حنيفة رحمه الله فلان كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه فيما يجب على صاحبه بسبب يباشره بعد

[ 66 ] الشركة وهذا المال انما لزمه بسبب باشره قبل الشركة لان وجوب المال عليه بسبب الكفالة لا بحلول الاجل والاجل الذى كان مانعا من المطالبة يرتفع بمضي المدة فيبقى المال عليه بسبب الكفالة وقد كان قبل الشركة فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم فاوض رجلا ولو كفل بالمال مؤجلا وهو معاوضة ثم فارقه أو صار شريكه فانه يلزم شريكه جميع الكفالة في قول أبى حنيفة رحمه الله لان المال انما لزمه بسبب باشره في حال قيام الشركة بينهما وانما كان زوال المانع بعد انقطاع الشركة وكما وجب المال بمباشرة السبب على الذى باشره وجب على الآخر بحكم الكفالة عنه فيفسخ الشركة وانفساخها بالموت لا يسقط عنه ما كان لزمه كما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم تفاسخا الشركة فان أداها الشريك قبل الفرقة أو بعدها كان له أن يرجع على الذى أمر شريكه بالكفالة لانه كما قام مقام الشريك في وجوب المال عليه والاداء إلى الطالب فكذلك في الرجوع على الاصيل وهذا لان بالكفالة كما وجب المال للطالب على كل واحد من الشريكين وجب أيضا لكل واحد منهما على الاصيل الذى أمر أحدهما بالكفالة لان أمره أحدهما كأمره اياهما فانهما بعقد المفاوضة صارا كشخص واحد وكذلك لو أداه بعد موت الكفيل لانه مطالب بالمال بعد موته كان مات قبله فان مات المفاوض الذي لم يكفل قبل حل الاجل فالمال يحل عليه في قول أبى حنيفة رحمه الله ولا يحل على الحى منهما لان الاجل كان ثابتا في حق كل واحد منهما إلا أن الميت استغنى عن الاصيل بموته والحى يحتاج إلى ذلك والميت لا ينتفع ببقاء الاجل بل يتضرر بذلك لان يد الوارث لا تبسط في التركة والحى ينتفع بالاجل فيبقى الاجل في حق الحى منهما دون الميت وحلول المال على الميت منهما بعد الموت لا يوجب حلوله على الآخر لان الشركة قد انقطعت بموته فأما في شركة العنان والمضاربة إذا كفل أحدهما بمال أو نفس لم يلزم شريكه منه شئ لان الشركة بينهما تتضمن الوكالة في التجارة دون الكفالة فالدين الذي يجب على أحدهما بمباشرة سببه يكون الآخر كالاجنبي فيه فلا يطالب بشئ منه وإذا كان لرجل على رجل حنطة سلم وبه كفيل فأداه الكفيل ثم صالح المكفول عنه على دراهم أو عرض أو مكيل أو موزون يدا بيد فهو جائز لان ما يرجع به الكفيل على الاصيل ليس بسلم فان السلم اسم لما يجب بعقد السلم وهذا انما يجب للكفيل على الاصيل بعقد الكفالة وهو عقد آخر سوى السلم (ألا ترى) أنه لو كفل ببدل الصرف أو برأس مال السلم وأداه في المجلس ثم فارق الاصيل قبل أن يرجع به عليه جاز ذلك لان ما يرجع به

[ 67 ] الكفيل على الاصيل بمنزلة بدل القرض فان الكفيل يصير مقرضا ذمته من الاصيل بالالتزام للمطالبة بالكفالة ثم يصير مقرضا ماله منه بالاداء عنه فما يرجع به عليه يكون بدل القرض والاستبدال ببدل القرض صحيح ولو كان شئ من ذلك نسيئة لم يجز الا الطعام لان ذلك يكون دينا بدين فأما إذا صالحه بكر من حنطة إلى أجل فهو جائز لانه لا مبادلة هنا بل هو تأجيل في عين ما استوجب الرجوع به عليه * فان قيل فأين ذهب قولكم انه بمنزلة القرض والاجل في القرض لا يلزم * قلنا هو في حكم القرض وأما في الحقيقة فليس بقرض بل هو واجب بعقد مآلا وهو الكفالة والاجل في القرض انما لم يلزم بمنزلة الاعارة وهو غير موجود فيما وجب بعقد الكفالة فلهذا صح تأجيله فيه ولو صالحه على شئ قبل أن بؤدي كان جائزا لانه بنفس الكفالة وجب الدين للكفيل على الاصيل كما وجب للطالب على الكفيل ولكنه مؤجل على أن يؤدي عنه والصلح عن الدين المؤجل قبل حلول الاجل صحيح فان أدى الاصيل الطعام إلى الطالب رجع على الكفيل بطعام مثله في ذلك كله (ما خلا خصلة واحدة) وهى ما إذا كان صالحه على طعام أقل من ذلك فانه لم يرجع الا بمثل ما أعطاه لان هذا كان منه اسقاطا لبعض حقه واستيفاء للبعض فلا يرجع عليه الا بقدر ما أوفاه وفيما سواه كان الصلح بينهما مبادلة وكان الكفيل كالمستوفي منه جميع الطعام بما أخذه من عوضه وانما استوفى ذلك ليقضى عنه ما عليه للطالب فإذا لم يفعل كان للاصيل أن يرجع عليه بما استوفى منه كما إذا أوفاه الطعام حقيقة ولو أخذ الكفيل الطعام من الاصيل قبل أن يؤديه ثم أداه كان التأجيل صحيحا لانه استوجب المال عليه بعقد الكفالة قبل الاداء والتأجيل في الدين بعد وجوبه صحيح ولو صالح الكفيل الاصيل على دراهم ثم افترقا قبل أن يقبضها فالصلح باطل لانه استوجب عليه الطعام دينا فإذا صالحه على دراهم كان دينا بدين فلا يكون عفوا بعد المجلس والدراهم لا تتعين بالتعيين ما لم تقبض وكذلك لو صالحه على شئ بغير عينه مما يكال أو يوزن ما خلا الطعام فانه ان صالحه على نصف كر حنطة إلى أجل فهو جائز لانه لا مبادلة بينهما في هذا الصلح وانما حط عنه نصف الكر وأجله في ذلك النصف وذلك مستقيم والله أعلم (باب الكفالة والحوالة إلى أجل) (قال رحمه الله) وإذا كان لرجل على رجل مائة درهم إلى أجل مسمى فضمنها رجل عنه إلى

[ 68 ] أجل دون ذلك أو أكثر منه أو مثله فهو جائز على ما سمى أما إذا لم يسم الكفيل شيئا فالمال عليه إلى ذلك الاجل لانه بالكفالة انما يلتزم المطالبة التى هي ثابتة على الاصيل والمطالبة بهذا المال على الاصيل بعد حل الاجل فيثبت ذلك على الكفيل أيضا وأما إذا كفل به إلى مثل ذلك فقد صرح بما هو مقتضى مطلق الكفالة والتصريح بمقتضى العقد لا يزيده الا وكادة وأما إذا كفل به إلى أجل دون ذلك فلانه لو كفل به حالا لزمه المال في الحال لان الاصيل لو أسقط الاجل لزمه المال في الحال فكذلك الكفيل وكفالته على أن يؤديه حالا بمنزلة اسقاط الاجل فإذا جاز في جميع الاجل جاز في بعضه وان كفل به إلى أجل أكثر من ذلك فلانه لو كان المال حالا على الاصيل فكفل به الكفيل إلى أجل مسمى صح ولم يطالب الكفيل الا بعد حل الاجل فكذلك إذا كفل به إلى أجل أكثر من الاجل في حق الاصيل فان كان أصل المال حالا فأخذ الطالب المطلوب حتى أقام له به كفيلا إلى سنة فهو جائز والتأخير عنهما جميعا لانه أضاف التأجيل إلى أصل المال وأصل المال ثابت في ذمة المطلوب فيثبت الاجل فيه ثم يثبت في حق الكفيل بثبوته في حق الاصيل وهذا بخلاف ما إذا أجل الكفيل سنة لان التأجيل هنا غير مضاف إلى أصل المال بل هو مضاف إلى المطالبة التى التزمها الكفيل بالكفالة فيبقى أصل المال حالا على الاصيل ولو أن الكفيل أخر المطلوب بعد الحل إلى أجل مسمى كان التأخير عن المطلوب للكفيل دون الطالب لانه أضاف التأخير إلى ما استوجبه على الاصيل بالكفالة وذلك في حكم دين آخر سوى دين الطالب ولان التأخير تصرف من الكفيل باسقاط حق المطالبة إلى مدة وذلك صحيح منه على نفسه دون الطالب (ألا ترى) أنه لو صالحه على ثوب أو أبرأه عن بعضه جاز ذلك عليه دون الطالب ولم يرجع به على المكفول عنه حتى يمضى الاجل كما لو أجله بعد الاداء ولو أجل المال عليهما ثم أخر الطالب الاصيل سنة فهو تأخير عنهما ولو أخر الكفيل سنة كان له أن يأخذ الاصيل بها حالة اعتبارا للتأجيل بالابراء فكما أن ابراء الكفيل لا يوجب براءة الاصيل وابراء الاصيل يوجب براءة الكفيل فكذلك التأخير وبعد ما أخر الاصيل إذا أدى الكفيل المال قبل الاجل لان اسقاط الكفيل الاجل صحيح منه فيما بينه وبين الطالب ودعواه غير صحيحة منه في حق المطلوب وان كان أخر الكفيل سنة ثم أداه الكفيل قبل الاجل كان له أن يرجع على الاصيل في الحال لان المال حال على الاصيل (ألا ترى) أن الطالب كان يطالبه به حالا فكذلك الكفيل يطالبه حالا بعد الاداء

[ 69 ] بخلاف ما سبق والكفالة بالقرض إلى أجل مسمى جائزة لان بدل القرض مضمون تجرى النيابة في أدائه فتصح الكفالة به وهو على الكفيل إلى أجل وعلى المكفول عنه حالا لما بينا أن الكفيل انما التزم المطالبة بالعقد وذلك يقبل التأخير بالتأجيل ولو كفل رجل مالا عن رجل ثم كفل به عن الكفيل كفيل آخر وأخر الطالب عن الاصيل سنة فهو تأخير عن الكفيلين لان أصل المال في ذمة الاصيل فإذا صار ما في ذمته مؤجلا ثبت الاجل فيما هو بناء عليه (ألا ترى) انه لو أبرأ الاصيل منها برئ الكفيلان جميعا وان أخر عن الكفيل الاول فهو تأخير عنه وعن الكفيل الآخر والمال على الاصيل حال اعتبار التأجيل بالابراء وهذا لان المطالبة التى التزمها الكفيل الثاني بناء على المطالبة التى هي على الكفيل الاول فالتأجيل في حق الكفيل الاول يكون تأجيلا في حق الثاني دون الاصيل ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم إلى سنة ثم ان الكفيل باع الطالب بها عبدا قبل الاجل وسلمه إليه فاستحق العبد فالمال على الكفيل إلى أجله بمنزلة ما لو كانت هذه المعاملة للطالب مع الاصيل وهذا لان الاجل انما سقط حكما للعقد وقد انتقض العقد من الاصيل باستحقاق العبد فكان المال عليه إلى أجله وكذلك لو رده المشترى بعيب بقضاء قاض لان الرد بالعيب بقضاء القاضى فسخ للعقد من الاصل ولو رد بغير قضاء قاض ولم يسم أجلا فالمال حال على الكفيل لان هذا بمنزلة الاقالة بمنزلة العقد الجديد فانها تعتمد التراضي الا انها جعلت فسخا فيما بين المتعاقدين فيما هو من أحكام العقد الذي جرى بينهما والاجل ليس من ذلك في شئ فكان في حكم الاجل هذا بمنزلة عقد مبتدا فلا يثبت الاجل في بدله الا بالشرط ولو كان قضاه الالف معجلة نبهجرة فوجدها ستوقة فردها عليه كان المال عليه إلى أجله لانه تبين انه ما صار قابضا لدينه وسقوط الاجل من حكم قبضه فإذا لم يصر قابضا كان المال مؤجلا عليه وكذلك ان وجدها زيوفا فردها بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض لان الرد بعيب الزيافة فسخ للقبض من الاصل بدليل أن الراد ينفرد به وان يرجع بموجب العقد والعقد لا يوجب التسليم مرتين فلو لم ينتقض القبض من الاصل ما كان له أن يرجع بموجب العقد وهذا لان الزيوف غير الجياد التى هي دين في الذمة فالمقبوض انما يكون حقا له على أن يتجوز به فإذا لم يتجوز به ورده عرف أن المقبوض لم يكن حقا له وسقوط الاجل كان باعتبار أنه قبض حقه فإذا انعدم ذلك بقى الاجل كما كان وان كان حين أعطاه المال أعلمه انها زيوف فهو جائز لانه تجوز

[ 70 ] بدون حقه فيصير الكفيل به قابضا دينه ولا يجعل هذا مبادلة للاجل بالصفة لانه كان من غير شرط بينهما وانما تتحقق المبادلة إذا كان شرط ثم يرجع الكفيل على الاصيل بالجياد لانه بالكفالة استوجب ذلك عليه ولو أن الكفيل أحاله بالمال على رجل إلى أجل أو حال فمات المحتال عليه مفلسا رجع المال على الكفيل إلى أجله لان الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا على ما بينا فانما يعود الحكم الذى كان قبل الحوالة وهو أن المال عليه إلى أجله ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه على أن المال على أحدهما إلى سنة وعلى الآخر إلى سنتين فهو جائز لان هذا هو الشرط لما جاء في الحديث الشرط أملك أي يجب الوفاء به إذا أمكن وهو ممكن هنا لما بينا أن ما يلتزمه كل واحد من الكفيلين ينفصل عما يلتزمه الآخر في حكم الاجل فان حل الاجل على صاحب السنة بأدائه رجع به على الاصيل لان المال عليه حال وقد كفل هذا الكفيل عنه بأمره وأداؤه لا يرجع به على الكفيل الآخر حتى تمضى سنة أخرى لان المال عليه مؤجل إلى سنتين وهو كفيل عنه إلى سنة فكما أن الطالب لا يطالبه بذلك إلا بعد سنتين فكذلك المؤدى عنه بحكم الكفالة لا يطالبه بشئ منه حتى تمضى السنتان ولو كان الاصيل باع الطالب عبدا بالمال وسلمه إليه برئ الكفيل من الكفالة لبراءة الاصيل فان رد الطالب العبد عليه بعيب بغير قضاء قاض لم يرجع المال على الكفيل لان هذا الرد بمنزلة عقد مبتدإ في حق الكفيل وان رده بقضاء قاض أو استحق العبد من يده رجع المال على الكفيل لان بهذا السبب ينفسخ العقد من الاصل في حق الكل فيعود ما كان قبل العقد وهو المال على الاصيل والكفيل جميعا وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم حالة أو إلى سنة فأحاله بها على رجل إلى سنة ثم مات المحيل وهى على المحتال عليه إلى الاجل لان بالحوالة تحول أصل المال إلى ذمة المحتال عليه وثبت الاجل حقا له وهو حى محتاج إلى الاجل فيبقى الاجل في حقه بعد موت المحيل وان مات المحتال حل المال عليه لانه استغنى عن الاجل بموته فان لم يترك وفاء رجع المال إلى المحيل فان كان إلى أجل فهو عليه إلى ذلك الاجل وان لم يكن له أجل فهو حال عليه لان الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا فعاد ما كان من الحكم قبل الحوالة ولو كان لرجل على رجل ألف درهم قرض وللمطلوب على آخر ألف درهم قرض فأحال المطلوب الطالب بالالف التى للمطلوب على الآخر إلى سنة فهو جائز وهى له إلى سنة لانها انما تجب للطالب على المحتال عليه بعقد

[ 71 ] الحوالة والواجب بعقد الحوالة كالواجب بعقد الكفالة في صحة اشتراط الاجل فيه وليس للمحيل أن يأخذ المحتال عليه بالالف التى كانت له عليه لانه انما قبل الحوالة مقيدة بذلك المال فصارت مشغولة بحق الطالب ولا يبقى للمحيل سبيل على أخذها لو كانت عينا له في يد المحتال عليه فكذلك إذا كانت دينا في ذمته وان أبرأه منها أو وهبها له لم يجز لان حق الطالب تعلق بها وذلك يوجب الحجر على المحيل عن التصرف فيها ولو صح منه هذا التصرف بطل حق الطالب قبل المحتال عليه لانه ما التزم الحوالة بالمال مطلقة وانما التزمها مقيدة بذلك المال فإذا سقطت عنه بالابراء أو الهبة لم يبق عليه مطالبة بشئ (ألا ترى) أن الحوالة لو كانت مقيدة بوديعة في يد المحتال عليه فهلكت تلك الوديعة بطلت الحوالة فان مات المحيل وعليه دين فما كان قبض المحتال له في حياته فهو له وما لم يقبضه فهو بينه وبين الغرماء وعلى قول زفر رحمه الله الطالب أحق به من الغرماء لانه بمنزلة المرهون وقد تقدم بيان هذه المسألة فيما أمليناه من شرح الزيادات ولو أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم إلى سنة ثم ان المحتال عليه ترك الاجل وجعلها حالة كان ذلك جائزا لان الاجل حقه فيسقط باسقاطه كما لو أسقط الاصيل الاجل قبل الحوالة فان أداها لم يرجع بها على الاصيل المحيل حتى يمضى الاجل لان اسقاط الاجل صحيح في حقه لا في حق المحيل ولو كان دينا للمحيل على المحتال عليه ثم ان المحيل قضي المال من عنده كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وليس هذا بتطوع عنه لان أصل دينه بقى على المحتال عليه الا أنه كان لا يطالبه به لاشتغاله بحق الطالب فإذا زال ذلك الشغل بأن قضاه المال من عند نفسه كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وانما لم يجعل هذا تطوعا منه لانه قصد به تخليص ذمته عن حق الغرماء بخلاف ما إذا قضاه عنه غيره فانه يكون متطوعا في ذلك لانه ما قصد هذا المؤدى تخليص شئ لنفسه وهو نظير المعير للرهن إذا قضى الدين لم يكن متبرعا فيه بخلاف ما إذا قضاه غيره وإذا كان المؤدى متطوعا كان المال الذى عليه له لا سقوط دين الطالب عنه بابراء المتطوع كسقوطه بأداء نفسه ولو أحال رجل بمال لابنه الصغير على رجل إلى رجل لم يجز وكذلك الوصي لان الحوالة ابراء الاصيل والاب والوصى لا يملكان الابراء في دين الصغير وكذلك الوكيل إذا لم يفوض إليه الموكل ذلك والمراد الوكيل بالقبض لانه ثابت في الاستيفاء وقبول الحوالة ابراء للاصيل وليس باستيفاء فاما الوكيل بالعقد إذا أحال رجل على رجل بمال إلى أجل ثم ان المحتال عليه أحاله على آخر إلى

[ 72 ] أجل مثل ذلك أو أكثر أو أقل لم يكن له أن يرجع على الطالب حتى يقبض الطالب ماله لان بالحوالة لم يصر الطالب مستوفيا شيئا والمال بعرض العود على الاصيل فانه تنفسخ الحوالتان بموت المحتال عليه عليهما مفلسين ولو احتال رجل على رجل بمال إلى أجل ثم مات المحتال عليه وترك وفاء وعليه دين فكان في طلب الغرماء وقسمته تأخير بعد الاجل لم يكن للطالب أن يرجع على الاصيل حتى ينظر إلى ما يصير أمره لان الحوالة باقية بعد موت المحتال عليه مليا فان تركته خلف فيما هو المقصود وهو قضاء الدين منه ومع بقاء الحوالة لا سبيل للطالب على المحيل في المطالبة بشئ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (باب الامر بالضمان) (قال رحمه الله) وإذا أمر رجل رجلا أن يضمن لرجل ألف درهم وليس بخليط له فضمنها له فهى لازمة الكفيل يأخذه بها الطالب لانه التزمها وهو من أهله والمضمون ما يكون لازما في ذمته ويكون هو مجبرا على أدائه فإذا أداها لم يرجع بها على الآمر لانه لم يأمره أن يضمن عنه ولم يشترط الكفيل لنفسه ضمانها عليه وهو قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبى يوسف الاول رحمه الله ثم رجع فقال يرجع بها على الذى أمره لان أمره اياه بالضمان بمنزلة الاعتراف منه أن المال عليه وانه يلتزم المطالبة عليه من المال ويسقط المطالبة عنه بالاداء وقد بينا هذه المسألة فأعادها في الفروع ولم يذكرها فيما سبق وقال ان قال الكفيل انى لم أضمن لك دينا كان لك على أحد وانما ضمنت لك مالا لم يكن علي ولا على غيرى فان الطالب لا يكلف شيئا ولا يطلب منه تفسير وجه هذا المال من أين كان وكيف كان ولكن كان الكفيل يؤخذ بالضمان باقراره أو بالبينة التى قامت للطالب عليه بالضمان والكفيل هو الذى ضيع حقه حين كفل على وجه لا يستطيع الرجوع به على أحد وهذا لان مطلق العقود الشرعية محمولة على الصحة وقد باشر الكفيل الكفالة ظاهرا ووجه صحتها أن يكون ملتزما للمطالبة بما هو واجب على الاصيل فيصير هو مقرا بذلك ثم هو بالكلام الثاني رجع عما أقر به أولا فيكون رجوعه باطلا واقراره وان لم يكن حجة على غيره فهو حجة عليه بمنزلة ما لو قال لفلان على فلان ألف درهم وأنا بها كفيل عنه بأمره وأنكر الاصيل ذلك كله فان المقر يطالب بالمال ولا يرجع به على أحد إذا أدى وكذلك لو قال رجل لاخر أكفل لفلان بألف درهم

[ 73 ] ففعل أو قال احتال عليك فلان بألف درهم فأشهد له الآخر انه قال احتال عليه بألف درهم فالمال لازم للكفيل لمباشرته سبب الالتزام وهو الكفالة والحوالة وليس على الآمر من ذلك شئ لانه أمره بالكفالة عنه وليس من ضرورة أمره اياه بالكفالة والحوالة وجوب أصل المال عليه لان الكفالة والحوالة من المباشر كما تجوز بالمال الذى على الآمر لفلان تجوز بالمال الذى على غيره لفلان ويحتمل أن يكون الآمر رسول ذلك المطلوب إليه أو فضوليا أمره بذلك ومع الاحتمال لا يثبت المال عليه وكذلك لو كان الامر عبدا أو مكاتبا أو صبيا وان كان المأمور صبيا تاجرا لم يجب عليه الضمان لانه ليس من أهل الالتزام بالكفالة سواء كان المال على الآمر أو غيره وان كان المأمور مرتدا فان أسلم فضمانه جائز عليه وان قتل على الردة فضمانه باطل في قول أبى حنيفة رحمه الله كسائر تصرفاته وان لحق بالدار فذلك بمنزلة موته فنقول ان رجع مستأمنا أخذناه بالضمان هكذا في بعض النسخ من الاصل والصحيح فان رجع مسلما لان المرتد لا يعطى الامان وإذا خرج مستأمنا قتل على الردة ان لم يسلم وكان الضمان باطلا عند أبى حنيفة رحمه الله وإذا قال رجل لآخر اضمن لفلان ألف درهم التى له على أو قال أحلت لفلان عليك بألف درهم له على أو قال اضمن لفلان ألف درهم على انها لك على أو قال على أنى ضامن لها أو قال على أنى كفيل بها أو قال على أن أؤديها اليك أو قال على أن أوديها عنه فضمن له فهو جائز ويرجع به الكفيل على الامر إذا أداه لان في كلام الآمر تصريحا بوجوب المال عليه للطالب فيكون هذا أمرا منه للمأمور في ذمته مما يؤديه من ماله أو التزاما له ضمان ما يؤديه إلى الطالب وذلك يثبت حق الرجوع له عليه إذا أدى وإذا أمر رجل خليطا له أن يضمن لفلان ألف درهم فضمنها له والآمر مقر بأن الالف عليه فأدى الكفيل المال رجع به على الآمر استحسانا لان الخلطة بينهما تقوم مقام تصريحه بالامر بالكفالة عنه فان الخلطة بينهما مقصودة لهذا وهو أن يؤدي عنه ما عليه ليرجع به عليه فنزل ذلك منه منزلة قوله اضمن لفلان عنى والخليط عندنا هو الذى يأخذ منه ويعطيه ويداينه ويضع المال عنده وكل من في عياله فهو بمنزلة الخليط نحو ابنه الكبير إذا كان في عياله لانه يحفظ ماله في يده ولهذا لو وضع الوديعة عنده لم يكن ضامنا وكذلك ان أمر الابن أباه والابن كبير في عيال أبيه أو المرأة زوجها فهو مثل ذلك كل واحد منهما يحفظ ماله بيد صاحبه فذلك بمنزلة الخلطة بينهما وإذا أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم كانت للمحيل

[ 74 ] على المحتال عليه فأداها فقال المحيل المال لي وقال المحتال المال لى فالقول للمحيل لان وجوب المال للمحيل على المحتال عليه معلوم ووجوب المال للمحتال غير معلوم وفى هذه الحوالة احتمال يجوز أن يكون المحتال وكيلا له في قبضها من المحتال عليه ويجوز أن يكون مقصوده اسقاط مطالبة المحتال عن نفسه بمال كان له عليه فلا يجب المال بالشك للمحتال على المحيل ولا يثبت مع الاحتمال الا أدنى الامرين وهو أن يكون المحتال وكيلا للمحيل في قبض المال فإذا قبضها أمر بتسليمها إليه حتى يثبت دين نفسه على المحيل وكذلك لو قال له اضمن له ألفى التى لى عليك أو اكفل له بألفى التى لى عليك لانه ليس في كلامه اقرار بوجوب المال للطالب على الآمر ويحتمل أن يكون وكيلا له في قبضه من مديونه ولو أن رجلا أتى خليطا له فقال اضمن لفلان ألف درهم فضمنها له وأداها إليه فللآمر أن يأخذها من المضمون له وهو وكيل للآمر في ذلك وليس للكفيل أن يمتنع من دفعها إلى المكفول لانه ليس في كلامه اقرار بوجوب المال المضمون له عليه والخلطة بين الآمر وبين الضامن لا بينه وبين المضمون له وتلك الخلطة لا تكون دليل وجوب المال المضمون له على الآمر فلهذا كان المضمون له وكيل الآمر إذا قبض المال أمر بالدفع إليه وليس للضامن أن يمتنع عليه من دفعها إلى المضمون له لانه التزمها له بعقد الكفالة الا أن يحضر الآمر فان حضر وادعى أن المال له على المأمور كلف اقامة البينة على ذلك والا حلف المأمور وبرئ منهما فإذا حلف برئ من حق الآمر والمضمون له وكيل من جهته وبراءته عن مطالبة الموكل توجب البراءة من مطالبة الوكيل ضرورة لانه ادعى لنفسه دينا عليه فيحتاج إلى اثباته بالبينة وإذا لم يكن له بينة فالقول قول المنكر مع يمينه ولو كان المأمور ليس بخليط للآمر كان الضمان جائزا لانه التزمه بعقد الكفالة والمال للمكفول له دون الامر لان المكفول له لا يمكن أن يجعل وكيلا للآمر هنا فان ذلك لا يكون الا بعد وجوب المال للامر على المأمور وليس في لفظه ما يدل على ذلك ولا يثبت بينهما بدل على أنه انما ضمن المال له وكان هذا التزاما من المأمور للمكفول له خاصة ولو كان الكفيل خليطا للمكفول له لم يرجع على الآمر بشئ لانه لا سبب بين الآمر وبين المأمور والخلطة التي بين الكفيل والمكفول له لا تكون دليلا على أن الآمر انما أمر المأمور بالضمان عنه فلهذا لا يرجع عليه بشئ الا في قول أبى يوسف الآخر رحمه الله على ما بينا والله أعلم بالصواب

[ 75 ] (باب تكفيل القاضى في الدعوى) (قال رحمه الله) وإذا ادعى رجل على رجل مالا عند القاضى فأنكره وسأل المدعى أن يأخذ له كفيلا منه بنفسه وادعى أن له بينة حاضرة أخذ له منه كفيلا معروفا بنفسه ثلاثة أيام وفى القياس لا يأخذ كفيلا لآخر بنفس الدعوى لا يجب شئ على الخصم لكون الدعوى خبرا محتملا للصدق والكذب وفى الاجبار على اعطاء الكفيل إلزام شئ أباه وانما تركنا القياس للتعامل من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا فان القضاة يأمرون بأخذ الكفيل من الخصوم من غير نكير منكر ولا زجر زاجر وفيه نظر للمدعى لانه إذا أحضر شهوده فلابد من حضور الخصم ليشهدوا عليه وربما يهرب أو يخفى شخصه فيعجز المدعى عن اثبات حقه عليه وفى أخذ الكفيل بنفسه ليحضره نظر للمدعى ولا ضرر فيه على المدعى عليه فهو نظير الاستخلاف والخصم يستحلف عند طلب المدعى بعد انكاره وان لم يتوجه له حق في تلك الدعوى ولكن فيه منفعة للمدعى من غير ضرر فيه على الخصم إذا كان محقا في انكاره وكذلك الاشخاص إلى بابه يثبت بنفس الدعوى بما لها من النظر للمدعى فكذلك أخذ الكفيل وشرط أن يكون الكفيل معروفا لان مقصود المدعي لا يحصل بالمجهول فقد يهرب ذلك المجهول مع الخصم والتعذير بثلاثة أيام ليس بلازم ولكن يأخذ كفيلا إلى المجلس الثاني وقد كان القاضى فيهم يجلس بنفسه كل ثلاثة أيام وان كان يجلس في كل يوم فربما يعرض للمدعى عارض فيتعذر الحضور في المجلس أو المجلسين وانما أخذ الكفيلين لنظر المدعى فيؤخذ الكفيل على وجه لا يؤدى إلى التعنت في حق المدعى وان قال بينتي غيب لم يأخذ له منه كفيلا لانه لا فائدة في أخذ الكفيل هنا فالغائب كالهالك من وجه وليس كل غائب يؤب وان أراد المدعى استحلاف الخصم يمكن منه في الحال فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل وكذلك ان أقام شاهدا واحدا لان بالشاهد الواحد لا يثبت للمدعى شئ كما يثبت بنفس الدعوى وان قال لا بينة لى وأنا أريد أن أحلفه فخذ لى منه كفيلا لم يأخذ منه كفيلا ولكنه يستحلفه مكانه لان حكم اليمين لا يختلف باختلاف الاوقات والقاضى مأمور بفصل الخصومة في أول أحوال الامكان وذلك في أن يستحلفه للحال بكون المدعى طالبا لذلك فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل وان قال بينتي حاضرة فخذ لى منه كفيلا فقال المطلوب له ولى كفيل فانه يأمر الطالب أن يلزمه ان أحب حتى يحضر شهوده لان الملازمة فعل متعارف قد كان على عهد

[ 76 ] رسول الله ﷺ على ما روى أن النبي ﷺ مر على أبي بن كعب رضى الله عنه وهو يلازم غريما له الحديث وليس تفسير الملازمة أن يقعده في موضع ويقعد إلى جنبه فان ذلك حبس وليس له ذلك قبل أن يثبت دينه عليه ولكن (تفسير الملازمة) أن يدور معه حيثما دار فإذا دخل على أهله قعد من يلازمه على باب داره وان كان يخاف أن يهرب من جانب آخر فاما أن يقعد معه على باب داره حيث يراه أو يأذن له في أن يدخل معه ليلازمه إذ المقصود هو الامن من هروبه والتمكن من احضاره إذا أحضر شهوده ولا يحصل الا بذلك وان أحب أن يستحلفه فعل لان اليمين حق الدعوى قبل المدعى عليه وله فيه غرض صحيح وهو التوصل إلى حقه في أقرب الاوقات بنكوله وفيه اختلاف بين أبى حنيفة وصاحبيه رحمهما الله وموضع بيانه شرح أدب القاضى للخصاف رحمه الله ولا ينبغى أن يسجنه لان الحبس أقوى العقوبات في دعوى المال فلا يثبت بمجرد الدعوى قبل أن يثبت المال عليه وان قال الطالب خذ لى منه كفيلا بالعين التى ادعيتها في يده أخذ له كفيلا بها أيضا لانه لا يتمكن من إقامة البينة الا باحضار العين وربما يخفيها الخصم ولا وجه لاخراجها من يده قبل اقامة المدعى حجته وكان أخذ الكفيل بها وأخذ الكفيل بنفسه سواء وان كان الكفيل بنفسه وبذلك الشئ واحدا جاز لان المقصود حاصل وان أراد الطالب كفيلا بنفسه ووكيلا في خصومته فان القاضى يأمر المطلوب أن يعطيه ذلك ثلاثة أيام هكذا قال هنا لان الخصم ربما لا يبالى بالكفيل بالنفس ويهرب فلا يتمكن المدعى من اثبات حقه بالبينة على الكفيل وفى الزيادات قال لا يجبر على اعطاء الوكيل في خصومته هذا هو الاصح لان المدعى عليه يقول أنا أهدى إلى الخصومة من غيرى خصوصا في هذه الحادثة وربما لا ينظر الوكيل ولا يشتغل بالدفع بما أشتغل به إذا حضرت ففى الاجبار على اعطاء الكفيل اضرار به والقاضى ينظر لاحد الخصمين على وجه لا يضر بالآخر فإذا أراد الطالب أن يكون ضامنا لما قضى له عليه فان القاضى لا يجبر المطلوب على ذلك لان بعد اثبات الدين لا يجبر الخصم على اعطاء الكفيل به فقبل اثباته أولى وهذا بخلاف ما إذا كان المدعى عينا فان هناك لا يتمكن من اثبات المدعى الا باحضار العين وهنا يتمكن من اثبات الدين عند احضار الخصم وانما الكفيل بالمال هنا للتوثق لجانب المطالبة ولم تتوجه له مطالبة بالمال قبل اثباته فكيف يجبر على اعطاء الكفيل به وان بعث القاضى مع الطالب رسولا يأخذ له كفيلا فكفل به الكفيل

[ 77 ] الطالب أو أحضره القاضى فكفل عنده ثم رده الكفيل إلى الطالب برئ لان الكفالة كانت له وقد أوفاه حقه حين سلم نفس الخصم إليه وان كانت الكفالة للقاضى أو لرسوله الذى كفل له به وقال زفر رحمه الله يبرأ لان الكفالة للطالب في الوجهين جميعا فانها تنبنى على دعواه ولكنا نقول المقصود لا يعتبر مع التصريح بخلافه وقد صرح الكفيل بالتزام النفس إلى القاضى أو إلى رسوله فلا يبرأ بدونه وان كفل له بنفسه إلى ثلاثة أيام فتغيب الطالب فالكفيل على كفالته حتى يدفع صاحبه إليه ويبرأ منه لان التزام التسليم إليه لا يبرأ بمضي الوقت بدون الوفاء بما التزم والعبد التاجر والمكاتب والصبي التاجر مطلوبا كان أو طالبا والمستأمن والذمى والمرتد في جميع ذلك بمنزلة الحر المسلم لان الكفالة بالنفس تنبنى على الدعوى والدعوى صحيحة من هؤلاء وعليهم وان قدم رجل مكاتبه إلى القاضي وادعى مضى أجل الكتابة وقال بينتي حاضره فخذ لى منه كفيلا بنفسه لم يأخذه لانه عبده والمولى لا يستوجب على عبده حقا قويا يصح التزامه بالكفالة (ألا ترى) أنه لو كفل عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة الذى عليه لم يجز ذلك وكذلك لا يأخذ كفيلا بنفسه في دعوى ذلك قبله (ألا ترى) أن المكاتب يتمكن من أن يعجز نفسه فلا يطالب بشئ من ذلك وكذلك لو ادعى على عبد له تاجر دعوى وعليه دين أو لا دين عليه فان المولى لا يستوجب على عبده دينا ولو ادعى المكاتب قبل مولاه دينا فانه يؤخذ للمكاتب كفيل بنفس المولى لانه يستوجب قبل مولاه من الحق ما يستوجبه قبل غيره (ألا ترى) أنه لو كفل كفيل بالدين الذى له على مولاه جاز فكذلك يؤخذ له الكفيل بنفسه وكذلك العبد التاجر يدعى قبل مولاه دينا وعلى العبد دين لان كسبه حق غرمائه فهو يستوجب قبل مولاه حق غرمائه وان لم يكن على العبد دين لم يؤخذ له من مولاه كفيل لان كسبه خالص حق المولى ولا حق له قبل مولاه إذا لم يكن عليه دين وان ادعى رجل دعوى والمدعى عليه محبوس في حق رجل فأراد الطالب أن يخرجه من السجن حتى يخاصمه فقال الذى حبسه خذ لي منه كفيلا بنفسه فيما لى عليه فانه يخرجه له ويخاصمه وهو معه حتى يرده إلى محبسه ولا يأخذ منه كفيلا بنفسه لانه في يده وهو محبوس معناه انما يخرجه مع أمينه وهو في السجن محبوس في يد أمينه فكذلك إذا أخرجه ولا غرض للطالب هنا في المطالبة بالكفيل سوى التعنيت فلا يحبسه القاضى إلى ذلك وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في الكفالة بالنفس لا يجعل لها أجلا انما ذلك على قدر خلوصه إلى القاضى

[ 78 ] حتى إذا كان يمكنه من التقدم إلى القاضى في أكثر من ثلاثة أيام جاز ذلك على أكثر من ثلاثة أيام وهذا عندهم جميعا لان المعتبر توفير النظر على المدعى وإذا كانت الدعوى في شئ بعينه فخفت أن يغيبها المطلوب وكانت غير معينة وضعتها على يدى عدل ولم أجعل لذلك وقتا وجعلته بمنزلة الكفالة لان في التعديل هنا معنى النظر للمدعى وليس فيه كثير ضرر على المدعى وقد بينا انه يأخذ كفيلا بتلك العين ولكن المقصود ربما لا يتم بأخذ الكفيل بأن يغيبها الخصم ولم يعرف الشهود أوصافها فلا يتمكنون من أداء الشهادة فان كان ذلك مما يعرفه الشهود أو مما لا يمكن تعيينه أصلا لم يصفه على يدى عدل لان النظر يتم بأخذ الكفيل بمحضر من ذلك الشئ وأما العقار فليس فيه كفالة ولا يوضع على يدى عدل حتى يقيم البينة لان تعبينه غير ممكن ولا حاجة إلى احضارها لاقامة البينة وانما اقامة البينة بذكر الحدود فان قامت بينة وكانت أرضا فيها نخيل تمر فلابد من أن يوضع هذا على يدى عدل إذا خيف على المطلوب استهلاكه لانه لما أقام البينة فقد ثبت حقه من حيث الظاهر (ألا ترى) انه لو قضى القاضي له قبل أن تظهر عدالة الشهود بعد قضائه فمن تمام النظر له أن يوضع على يدى عدل لكيلا يتمكن المطلوب من استهلاكه ويؤخذ الكفيل في دعوى الدين وفى العتق والطلاق وجميع أجناس حقوق العباد مما لا يندرئ بالشبهات وإذا ادعى المدعى ألف درهم وقال سله أيقر بمالى أو ينكره فانه ينبغى للقاضى أن يسأله عن ذلك ليعلم المدعى انه بماذا يعامله الناس فان أنكر قال للمدعى أحضر بينتك وان لم يقر ولم ينكر قال للمدعى أحضر البينة لان الساكت بمنزلة المنكر وان لم يكن للمدعى بينة وطلب يمينه فان كان أنكر استحلفه القاضى له وان لم يقر ولم ينكر فقد روى عن أبى حنيفة رحمه الله أن القاضي لا يستحلفه ولكن يحبسه ليتجنب خصمه لان الاستحلاف لترجح جانب الصدق في انكار المدعى عليه فلا معنى للاشتغال به قبل انكاره وعن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله أن القاضى يستحلفه لان سكوته قائم مقام الانكار شرعا حتى يقبل عليه البينة بعد سكوته فكذلك يعرض اليمين على الساكت حتى يقضى عليه بالنكول لحق المدعى ولا ينبغى للقاضى أن يحبسه حتى يقر أو ينكر ولا يجبره على ذلك لانه ما ثبت عليه شئ بمجرد سكوته فلا يعاقبه بالحبس والمقصود حاصل من غير أن يجبره على الانكار لان سكوته قائم مقام انكاره فان المنكر ممتنع والساكت كذلك وان قال المطلوب للقاضى سل الطالب من أي وجه يدعى على هذا المال سأله من غير أن يجبره على ذلك فان

[ 79 ] أبى أن يبين وجهه سأله البينة لانه بدعوى المال قد تم ما كان محتاجا إليه من جانبه وربما يضره بيان الجهة وليس للقاضي أن يجبر أحدا على ما يضره ولا أن يحبسه إذا امتنع من ذلك ولكن يسأله البينة فان لم تكن له بينة استحلف المطلوب بالله ماله قبله هذا الحق ولا شئ منه فان حلف دعا المدعى ما على شهوده وفى هذا بيان ما ان للمدعى أن يستحلف الخصم وان كان شهوده حضورا وهو قولهما فأما عند أبى حنيفة رحمه الله فلا يستحلفه إذا زعم المدعى أن شهوده حضور هكذا ذكره في النوادر لان مقصود المدعى من ذلك هتك ستر المدعى عليه وافتضاحه وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم فقال أحدهما هي بيض وقال الآخر سود وللبيض صرف على السود فان ادعى الطالب البيض أو ادعى المالين جميعا قضيت له بالسود لاتفاق الشاهدين على ذلك لفظا ومعنى فان البياض صفة زائدة لا ثبت بشهادة أحدهما وتبقى شهادتهما على أصل الالف فيقضى بالقدر المتيقن وهو الشهود وان ادعى المدعى السود بطلت شهادة الشاهد على البيض لانه أكذبه في ذلك ولا يقضى له بالسود حتى يحضر شاهدا آخر عليها وكذلك لو أشهد بكر حنطة فقال أحدهما جيد والاخر ردئ أو شهد أحدهما بكر حنطة والآخر بكر شعير لم يقض القاضى بشئ لان لكل واحد من الجنسين شاهدا واحدا والمدعى انما يدعى أحدهما فيكون مكذبا أحد شاهديه ولو ادعى عليه مائة درهم فشهد له بها شاهد والآخر بمائتين لم تقبل الشهادة في قول أبى حنيفة رحمه الله وفى قولهما تقبل على مقدار المائة وهذا بناء على ما سبق ان عندهما الموافقة بين الشاهدين معنى يكفى لقبول الشهادة وعند أبى حنيفة رحمه الله يعتبر اتفاقهما في اللفظ والمعنى جميعا ولو ادعى مائة وخمسين فشهد له أحدهما بمائة والآخر بمائة وخمسين جازت شهادتهما على المائة لانهما اتفقا عليها لفظا ومعنى وانما تفرد أحدهما بزيادة الخمسين وهما اسمان أحدهما معطوف على الآخر ولو ادعى خمسة عشر فشهد له شاهد بعشرة والآخر بخمسة عشر لا تقبل عند أبى حنيفة رحمه الله في شئ لان هذا كله اسم واحد لقدر معلوم بدليل انه خلا عن حرف العطف فهو كالمائة والمائتين وعندهما تقبل الشهادة على الاقل في جميع ذلك وهو قول شريح رحمه الله فانه شهد عنده شاهدان أحدهما بتسعمائة والآخر بثمانمائة فقضى شريح رحمه الله بالاقل وروى نحو ذلك عن الحسن وابراهيم رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله سمعت ابن أبى ليلي رحمه الله يقول شهادة أهل الاهواء جائزة وقد بينا هذا في كتاب الشهادات انه قول علمائنا رحمهم

[ 80 ] الله وبين المعنى فيه فقال انما الهوى شئ افتتن به رجل فأخطأ في ذلك فلا ينبغى أن نبطل به شهادته وانما دخلوا في الهوى لشدة المبالغة في الدين فانهم عظموا الذنوب حتى جعلوها كفرا فيؤمن عليهم شهادة الربا (ألا ترى) أن أعظم الذنوب بعد الكفر القتل ثم دماء أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم أعظم الدماء وقد قتل بعضهم بعضا فلو شهد بعضهم على بعض أما كان تجوز شهادتهم الا الخطابية وهم صنف من الروافض فانهم بلغني أن بعضهم يصدق بعضا بما يدعى ويشهد له به إذا حلف عنده انه محق فهذا متهم في شهادته فلا أقبل شهادته لهذا وإذا ادعى رجل قبل رجل ألف درهم وقال خمسمائة منها من ثمن عبد قد قبضه وخمسمائة من ثمن متاع قبضه وجاء بشاهدين فشهد أحدهما على خمسمائة ثمن عبد وشهد الآخر علي خمسمائة ثمن متاع قد قبضه فانه يجوز من ذلك خمسمائة لان البيع انتهى بتسليم المعقود عليه وانما دعواه دعوى الدين فهو كما لو ادعى ألفا وشهد له الشاهدان بخمسمائة ولو شهد شاهدان أن لرجل على رجل ألف درهم وشهد أحدهما انه قبض منها خمسمائة وأنكر الطالب قبضها فشهادتهما بالف جائزة لانهما اتفقا على وجوبها وانما تفرد أحدهما بالشهادة بشئ آخر وهو أنه قضاه خمسمائة ولو قضاه جميع المال لم يبطل به أصل الشهادة فهذا مثله وعن زفر رحمه الله أن هذه الشهادة لا تقبل لان المدعى مكذب أحد شاهديه ولكنا نقول هو غير مكذب له فيما شهد له به وانما كذبه فيما شهد عليه وذلك لا يضره فكل أحد يصدق الشاهد فيما شهد له به ويكذبه فيما شهد عليه أرأيت لو شهد أحدهما انه أجره سنة أكنت تبطل شهادته على أصل المال بذلك ولو شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم فقال الطالب انما لى عليك خمسمائة وقد كانت ألفا فقبضت منها خمسمائة ووصل الكلام أو لم يصل فان شهادتهما جائزة بخمسمائة لانه لم يكذبهما بل وفق بين دعواه وشهادتهما بتوفيق محتمل فقد يستوفى المدعى بعض حقه ولا يعرف الشاهد بذلك ولو قال لم يكن لى عليك قط إلا خمسمائة أبطلت شهادتهما لانه قد أكذبهما فيما يشهدان له من الزيادة ولو شهدا على رجل لرجل بألف درهم من ثمن جارية قد قبضها المشترى فقال البائع قد أشهدهم المشترى بهذه الشهادة والدين باق عليه من ثمن الدين متاع أجزت شهادتهما لما بينا أن المبيع إذا كان مقبوضا فالعقد فيه منتهى وانما دعواه دعوى الدين وقد صدق الشهود في ذلك ولو قال لم يشهدهما بهذا ولكن أشهدهما أنه من ثمن متاع أبطلت شهادتهما لانه أكذبهما فيما شهدا له به وأقر عليهما بالغفلة والنسيان ولو شهد أنه

[ 81 ] كفل له بألف درهم عن فلان كان له أن يأخذه بالمال لانه ما أكذبهما في الشهادة ويجعل ما ثبت بشهادتهما كالثابت باقرار الخصم ولو قال لم يقر بهذا وانما أقر انها كانت عن فلان بطلت شهادتهما لانه قد أكذبهما ولو أنكر المطلوب أن يكون للطالب عليه شئ فشهد له شاهدان بألف درهم فجاء المطلوب بشاهدين يشهدان بالبراءة منها والدفع إليه أجزت ذلك لانه لا منافاة بين انكاره للمال في الحال وبين ما ادعى من الابراء والايفاء وكذلك لو قال لم يكن له على شئ قط ثم أقام البينة على الابراء والايفاء وكان ابن أبى ليلى رحمه الله يقول هنا لا تقبل بينته لكونه مناقضا في دعواه ولكنا نقول هو غير مناقض لانه يقول ما كان له على شئ قط ولكن افتديت نفسي من المال الذى ادعاه على أو سألته أن يبرئني ففعل ذلك والبينة حجة فلا يجوز ابطالها مع العمل بها ولو كان قال لم أدفع إليه شيئا أو لم أقبضه شيئا أو لم أعرفه أو لم أكلمه أو لم أخالطه لم أقبل منه البينة بعد ذلك على دفع المال لان ما تقدم من كلامه اكذاب منه لشهوده وشهادة الشاهدين على البراءة في دين أو كفالة وقد اختلفا في الوقت أو المكان جائزة لان البراءة جائزة باقرار من الطالب فلا يضرهم الاختلاف في المكان أو الزمان ولو كانوا كفلاء ثلاثة بعضهم كفيل عن بعض فشهد اثنان على واحد أنه دفع المال الذى عليهم لم تجز شهادتهما لانهما ينفعان أنفسهما بذلك وهو اسقاط مطالبة الطالب عنهما ولم يرجع عليهما المشهود له بشئ لانهما لم يبرآ من شئ من حق الطالب وانما يرجع الكفيل على الاصيل إذا استفاد الكفيل البراءة من حق الطالب فإذا لم يوجد ذلك لم يرجع عليهما بشئ والله أعلم (باب ما يصدق فيه الدافع من قضاء الدين) (قال رحمه الله) وإذا كان لرجل على رجل ثلثمائة درهم كل مائة منها في صك فصك منها قرض وصك كفالة عن رجل وصك كفالة عن آخر فدفع المطلوب مائة درهم إلى الطالب وأشهد أنها من صك كذا فهى من ذلك الصك لانه هو المعطى وقد صرح في الاعطاء بالجهة التي أعطي بها المال فتصريحه بذلك نفى منه الاعطاء بسائر الجهات ولا معارضة بين النافي والمثبت وكذلك ان لم يشهد عند الاعطاء فوقع الاختلاف بينه وبين الطالب في الجهة التى أعطى بها فالقول قول المطلوب لانه هو المالك لما أدى من الطالب والقول في بيان جهة الطالب للتمليك قول المملك لقوله ﷺ إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقوله البائع وهذا لانه

[ 82 ] لو أنكر التمليك أصلا كان القول قوله فكذلك إذا أقر بالتمليك من جهة دون جهة وهذا لان المديون انما يقضى الدين بملك نفسه والانسان مطلق التصرف في ملك نفسه مقبول البيان فيه في الانتهاء كما في الابتداء إذا كان مفيدا له وهذا بيان مفيد فربما يكون ببعض المال رهن فتعين المدفوع مما به الرهن ليسترد الرهن وربما يكون ببعض المال كفيل فتعجل المكفول له من ذلك ليبرئ كفيله وان مات الدافع قبل أن يقول شيئا من ذلك كانت المائة من كل صك ثلاثة لانه ليس جعل المدفوع من بعضها بأولى ببعض ولا بيان في ذلك لورثته لانهم انما يخلفونه فيما صار ميراثا لهم والمال الذى قضى به دينه لم يصر ميراثا لهم لانه مجرد رأى كان له في التعيين فلا يصير ميراثا وهو حق البيان لما أراده عند الاعطاء ولا طريق لورثته إلى معرفة ذلك فلا يقومون فيه مقامه كحق البيان في العتق المبهم وكذلك ان مات الدافع والمدفوع إليه واختلفت الورثة فانها من كل صك ثلاثة إلى أن تقوم البينة على شئ كان من الدافع قبل موته فبها تعين بعض الجهات فيجعل الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة أو يتصادق الورثة كلهم على شئ يعنى ورثة الدافع والمدفوع إليه لان الحق لهم فإذا تصادقوا على شئ كان ذلك كالثابت بالبينة أو يكون القابض حيا فيقول شيئا فتصدقه ورثة الدافع في ذلك ولو كان لرجل على رجلين ألف درهم في صك ثم ان أحدهما كفل عن صاحبه بأمره ثم أدى خمسمائة مما في الصك فجعله من حصة المكفول عنه عند الدافع أو بعد الدفع فذلك صحيح والقول فيه قوله ويرجع بها المكفول عنه لانه هو المالك لما أدى وهذا البيان منه مفيد فإذا قبل منه كان مؤديا دين الكفالة فيرجع على الاصيل لانه كفل عنه بأمره ولو لم يؤد شيئا حتى كفل الآخر عنه أيضا بأمره فصار كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه أو كانت الكفالة على ذلك في أصل الصك في عقد البيع أو القرض فأيهما قضى شيئا فهو من حصته خاصة دون حصة صاحبه حتى يؤدى حصته لانه لا فائدة له في أن يجعل المؤدي عن صاحبه لا من جهة صاحبه بأن يقول أنا كفيل عنك بأمرك وأداؤك عني كأدائي بنفسي فكان لى أن أجعل المؤدى عنك فأنا أجعله الان عنك فلا يزال يدور كذلك بخلاف ما سبق فالمؤدى هناك إذا جعل المؤدى عن صاحبه لا يكون لصاحبه أن يعارضه فيجعل المؤدى عنه لان صاحبه ليس بكفيل عنه فان أدى زيادة على مقدار حقه كانت مما كفل به عن صاحبه لان صاحبه لا يتمكن في معارضته من هذه الزيادة وقد استفاد البراءة عن حصته بأدائه وبراءة الاصيل توجب براءة الكفيل وكذلك ان شرط عند الاداء

[ 83 ] للنصف أن يؤدى ذلك من حصة صاحبه فانه لا يكون من حصته حتى يؤدى زيادة على النصف لان هذا الشرط حق لا يفيده شيئا فان صاحبه يعارضه بجعل المؤدى عنه. ولو كان ثلاثة نفر عليهم ألف درهم من ثمن بيع وبعضهم كفلاء عن بعض كان ما أدى أحدهم من حصته إلى الثلاث فإذا جاوز الثلاث كانت الزيادة من حصة صاحبه لا يستطيع أن يجعلها من حصة أحدهما دون الآخر لان كل واحد من الآخرين كفيل عن صاحبه كما أنه كفيل عنهما فإذا جعل الزيادة من حصة أحدهما كان للمجعول ذلك من حصته أن يجعله من حصة الآخر بالطريق الذى بينا فتحققت المعارضة بينهما فلهذا كانت الزيادة من النصيبين جميعا فيرجع على كل واحد منهما بنصف ذلك كما هو قضية المعارضة والمساواة ولو كانوا مكاتبين ثلاثة بعضهم كفلاء عن بعض فأدى بعضهم طائفة من الكتابة كان ذلك من حصتهم جميعا قل المؤدى أو كثر ولو جعلها المؤدى من حصته أو حصة صاحبيه أو أحدهما يجوز ذلك لانهم كشخص واحد في حكم هذه المكاتبة إذ لو لم يجعلهم كذلك لم يصح فان الكفالة من المكاتب والكفالة ببدل الكتابة لا تكون صحيحة والمكاتب الواحد لو أراد أن يجعل المؤدى عن بعض نفسه دون بعض لم يكن ذلك شيئا فهذا مثله بخلاف ما سبق فهناك كل واحد منهم أصل في بعض المال كفيل في البعض لان ذلك في ثمن المبيع صحيح من الاحرار * توضيح الفرق ان في جعل المؤدى من نصيب المؤدى خاصة في باب الكتابة ابطال شرط المولى لانه شرط أن لا يعتق واحد منهم حتى يصل إليه جميع المال فإذا أدى أحدهم الثلث وجعلنا ذلك من نصيبه خاصة عتق هو لانه برئ مما عليه من بدل الكتابة وبراءة المكاتب على أي وجه كان توجب العتق وفى هذا ابطال شرط المولى فلهذا كان المؤدى عنهم جميعا وذلك لا يوجد في ثمن المبيع لانا وان جعلنا المؤدى هناك من نصيب المؤدى خاصة يبقى البائع في حبس المبيع إلى أن يصل إليه الثمن فجعلنا ذلك من حصته ما لم يزد المؤدى على الثلث ولو كان لرجل دين مائة درهم وله عنده وديعة مائة درهم فدفع إليه مائة درهم فقال الطالب هي وديعتي وقال المطلوب هلكت الوديعة وهى من الدين الذى كان لك فالقول قول الدافع مع يمينه لان الاختلاف بينهما في الملك المدفوع وقد كان ذلك في يد الدافع فيكون القول قوله في انه ملكى ولانه أمين في الوديعة مسلط على ما يخبر به من هلاكها فيثبت القول بهلاك الوديعة ويبقى الدين وقد دفع إلى الطالب مثل الدين على جهة قضاء الدين فتبرأ ذمته من ذلك بعد أن يحلف على ما يدعى من

[ 84 ] هلاك الوديعة والكفالة بالمال في المرض بمنزلة الوصية حتى يبطل لمكان الدين المحيط بالتركة ويبطل إذا وقعت لوارث أو عن وارث ويبطل فيما زاد على الثلث إذا كان لاجنبي لانه التزم المال على وجه التبرع فيكون بمنزلة تمليك المال في مرضه على وجه التبرع الا أن يبرأ من مرضه فحينئذ يكون صحيحا على كل حال لان المرض يتعقبه برؤه بمنزلة حال الصحة فان مرض الموت ما يتصل به الموت وما لا يكون مرض الموت لا يكون مغيرا للحكم فانما لا تصح الكفالة من المريض للوارث وعن الوارث لان فيه منفعة للوارث وهو محجور عن القول الذى فيه منفعة لوارثه فيما يرجع إلى المال ولو كفل المريض عن رجل بألف درهم وأقر بدين يحيط بماله فلا شئ للمكفول له لان الكفالة تبرع واصطناع معروف كالهبة والدين مقدم على الهبة في المرض سواء كان بالاقرار أو بالبينة ولو كان له ثلاثة آلاف درهم فكفل بألف درهم ثم مات جاز ذلك وأخذ من ماله ألف لخروج المكفول به من ثلث ماله ثم يرجع ورثته على المطلوب إذا كان كفيلا بأمره كما لو أدى بنفسه في حياته وإذا كانت الكفالة منه في الصحة بألف درهم فمات الكفيل وعليه دين فضرب المكفول له بدينه مع غرمائه فأصابه خمسمائة ثم مات المكفول عنه وعليه دين ضرب المكفول له في ماله بالخمسمائة التى بقيت له لبقاء ذلك القدر له في ذمة الاصيل بعد ما استوفى الخمسمائة من تركة الكفيل وضرب وارث الكفيل بالخمسمائة دراهم التى أدى لانه كان أدى بحكم الكفالة عنه بأمره فكان ذلك دينا عليه فما أصاب وارث الكفيل فانه يقسم بين غرماء الكفيل بالحصص ويضرب المكفول له بما بقى له أيضا (وهذه) هي المسألة التى بينا فيما سبق أن في هذا جذر الاصم وأنه لا وجه لتخريجها الا بطريق التقريب فان ما يستوفى المكفول له ثانيا مما في يد الوارث للكفيل يرجع به وارث الكفيل في تركة المكفول عنه أيضا فتنتقض القسمة الاولى ولا يزال يدور هكذا إلى أن ينتهى إلى ما لا يمكن ضبطه ولو أن متفاوضين عليهما ألف درهم ماتا جميعا وتركا ألفا وعلى كل واحد منهما ألف درهم مهر امرأته قسم المال بينهما نصفين ولم يضرب الطالب في مال أيهما شاء بألف درهم لان كل واحد منهما مطلوب بجميع الالف بعضها بجهة الاصالة وبعضها بجهة الكفالة فيضرب بجميع الالف في تركة أيهما شاء وتضرب امرأته بمهرها أيضا ثم يضرب مع امرأة الآخر بما بقى وتضرب هي بألف درهم هكذا ذكره شيخ الاسلام جواهر زاده وتضرب هي بالذى بقى لها من مهرها ولا ترجع الورثة بالذى أخذ منه أول مرة في مال الثاني بشئ الا أن يكون الطالب أصاب

[ 85 ] من ماله أكثر من النصف لانه في مقدار النصف هو أصيل فان كان المقبوض النصف أو ما دونه لا ترجع ورثته في تركة الآخر بشئ من ذلك وان كان أكثر من النصف فحينئذ يضربون بالفضل لانهم أدوا ذلك بجهة كفالة صاحبهم عن شريكه بأمره فإذا قبضوا شيئا من ذلك كان المقبوض لامرأته وللطالب ان بقى له شئ بالحصص ثم عند ذلك يعود الجذر الاصم وما لا طريق إلى معرفته الا من الوجه الذى قدرنا ان كل ما يستوفيه الطالب يثبت لهم حق الرجوع به في تركة الشركة فتنتقض به القسمة الاولى والله سبحانه وتعالى أعلم (باب ادعاء الكفيل أن المال من ثمن خمر أو ربا) (قال رحمه الله) وإذا كفل رجل عن رجل بألف درهم بأمره ثم غاب الاصيل فادعى الكفيل أن الالف من ثمن خمر فانه ليس بخصم في ذلك لانه التزم المطالبة بكفالة صحيحة والمال يجب على الكفيل بالتزامه بالكفالة وان لم يكن واجبا على الاصيل (ألا ترى) انه لو قال لفلان على ألف درهم وأنا بها كفيل بأمره وجحد الاصيل ذلك فان المال يجب على الكفيل وان لم يكن على الاصيل شئ فبهذا تبين أنه ليس في ادعائه أن المال من ثمن خمر أو ما يسقط المال عنه فلا يكون خصما في ذلك وهو مع هذا مناقض في دعواه لان التزامه بالكفالة اقرار منه أن الاصيل مطالب بهذا المال والمسلم لا يكون مطالبا بثمن خمر فيكون مناقضا في قوله ان المال من ثمن خمر والدعوى مع التناقض لا تصح حتى انه لو جاء بالبينة على اقرار الطالب بذلك لم يقبل بعد أن يكون الطالب يجحد ذلك ولو أراد استحلاف الطالب لم يكن عليه يمين لان توجه اليمين وقبول البينة تنبنى على دعوى صحيحة الا أن يقر الطالب بذلك فحينئذ هو مناقض ولو صدقه خصمه في ذلك والتصديق من الخصم صحيح مع كونه مناقضا في دعواه ثم ان أصل سبب التزام المال جرى بين المطلوب والطالب والكفيل ليس بخصم في ذلك العقد ويدعى معنى كان في ذلك العقد حتى إذا ثبت ذلك ترتب عليه خروجه من أن يكون مطالبا بالمال ولا يمكن اثبات ذلك بالبينة لانها بينة تقوم للغائب والبينة للغائب وعلى الغائب لا تقبل إذا لم يكن عنه خصم حاضر وهو بمنزلة المشترى للجارية إذا ادعى انها زوجة لفلان الغائب وأراد اقامة البينة على ذلك ليردها بالعيب لا يكون خصما في ذلك فهذا مثله (والحوالة) في هذا كالكفالة وكذلك ان كان كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه لان أصل المال على غير

[ 86 ] هذا الكفيل فهو لا يكون خصما فيما على غيره فهذا تنصيص على ما أشرنا إليه في أن الطريق الاصح في الكفالة أن الكفيل يلتزم المطالبة بما على الاصيل ولا يلتزم أصل المال في ذمته ولو أدى الكفيل المال إلى الطالب وغاب الطالب وحضر المكفول عنه فقال المال من ثمن خمر وجاء بالبينة لم يكن بينه وبين الكفيل خصومة في ذلك ويدفع المال إلى الكفيل لانه التزم المال بأمره وأدى فيرجع عليه كيف كان ذلك المال ويقال للمكفول عنه اطلب صاحبك فخاصمه وهذا لما بينا انه يدعي سببا في تصرف جرى بينه وبين الغائب وهذا الحاضر ليس بخصم عن الغائب أو لانه مناقض فانه أمره ان يلتزم المطالبة التى هي متوجهة عليه بجهة الكفالة ولو أقر الطالب عند القاضى أن ماله عنده من ثمن خمر فهذا مثله وهو اقرار ببراءة الاصيل وهو بمنزلة ما لو قال لم يكن لى على الاصيل شئ وذلك يوجب براءة الكفيل والاصيل (ألا ترى) انه لو أبرأ الاصيل برئ الكفيل فإذا بقى أصل المال من الاصيل باقراره أولى أن يبرأ الكفيل فان أقر الطالب بذلك وأبرأ القاضى الكفيل ثم حضر المكفول عنه فاقر ان المال الذى عليه قرض لزمه المال ان صدقه الطالب بذلك لتصادقهما على أن وجوب المال له عليه بسبب صحيح ولا يصدقان على الكفيل لان قولهما ليس بحجة على الكفيل وقد استفاد الكفيل البراءة بما سبق من اقرار الطالب ويجعل هذا من المطلوب بمنزلة اقراره للطالب ابتداء بدين آخر سوى الدين كان كفل به الكفيل ولو أن مسلما باع مسلما خمرا بألف درهم ثم أحال مسلما عليه بها بطلت الحوالة ولو أحاله بألف درهم فجعلها له بذلك ثم غاب المحيل وقال المحتال عليه المال الذي على من ثمن خمر وأقام البينة فلا خصومة بينه وبين الطالب في ذلك لانه التزم المال بالحوالة فعليه أداء ما التزم وهو انما يدعى سببا مبطلا بعقد جرى بينه وبين الغائب وهذا الحاضر ليس بخصم عنه في ذلك فإذا دفع المال ثم حضر المحيل خاصمه ان أقام عليه بينة بذلك رجع عليه بالمال لانه قبل الحوالة بأمره وأدى واستوجب الرجوع عليه فكان تقع المقاصة بما للمحيل عليه فإذا تبين أنه لم يكن للمحيل عليه شئ كان له أن يرجع عليه بالمال وان لم يؤد المال حتى يحضر المحيل فخاصمه وجاء بالبينة أنها من ثمن خمر أبطلها القاضى عن المحتال عليه لانه قبل الحوالة مقيدة بالمال الذي للمحيل عليه وقد تبين انه لم يكن للمحيل عليه شئ فكانت الحوالة باطلة وان كان أحاله عليه حوالة مطلقة بألف درهم لم يبرأ منها ولكنه يؤديها ويرجع بها لان الحوالة المطلقة لا تستدعى مالا للمحيل على المحتال عليه ولا في يده الا أنه إذا كان

[ 87 ] للمحيل على المحتال عليه لم يرجع به عليه وإذا كانت مطلقة يؤدى المال ثم يرجع بمثلها عليه وإذا باع الرجل رجلا عبدا بألف درهم ثم أحال البائع غريمه على المشترى بالمال الذى باعه به العبد ثم استحق العبد أو وجد حرا فان القاضى يبطل الكفالة والحوالة لانه ظهر انه أحال عليه بمال ولا مال ولو رد بعيب بقضاء القاضى أو بغير قضاء القاضى لم تبطل الحوالة والكفالة وكذلك لو مات العبد قبل القبض وهذا عندنا وقال زفر رحمه الله تبطل الحوالة إذا كانت مقيدة * وجه قوله ان الثمن الذى تقيدت به الحوالة بطل من الاصل لانفساخ العقد من الاصيل ولو ظهر بطلانه تبطل الحوالة فكذلك إذا بطل من الاصيل الا أنا نقول ان الحوالة لما صحت مقيدة بمال واجب عنده ولم يتبين أنه لم يكن واجبا أو بطل انما يبطل ببطلانه ان لو كان له تعلق بالدين بها أما من حيث الوجوب فلا يشكل لان تعلق الدين بالذمة لا بالدين ولا تتعلق به استيفاء لان تعلقه به استيفاء انما يستقيم إذا كان قابلا للاستيفاء والدين لا يقبل استيفاء دين آخر منه الا بعد خروجه فقبل خروجه منه لم يكن لدين الحوالة تعلق به بوجه من الوجوه فصار كالحوالة المطلقة في حالة البقاء فلا تبطل ببطلانه ولا يلزم إذا أحال على مودعه ليستوفى دينه من الوديعة ثم هلكت الوديعة حيث تبطل الحوالة لان ثمة للدين تعلق به استيفاء لكونه قابلا للاستيفاء منه فجاز أن يبطل ببطلانه وإذا أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم كانت للمحتال على المحيل وكان مثلها للمحيل على المحتال عليه ثم مات المحيل وعليه دين كان ماله الذى على المحتال عليه بين غرمائه وبين المحتال له بالحصص ولا يختص المحتال له بذلك عندنا وعند زفر رحمه الله يختص به لانه اختص به في حال حياته حتى كان أحق به من المحيل حتى لو حجر المحيل عن استيفائه فيختص به بعد موته بمنزلة المرتهن في حق الراهن ولكنا نقول ان ما في ذمة المحتال عليه مال المحيل لانه بعقد الحوالة لا يصير للمحتال له لان الدين لا يقبل التمليك من غير من عليه الدين ومتى كان باقيا على ملكه كان بين غرمائه بالحصص لما مر انه لا تعلق لحقه بالدين قبل الخروج فصار هو وسائر غرمائه سواء وانما منع المحيل من التصرف فيه باعتبار عرضة الخروج لانه لو خرج يكون المحتال له احق بها ولهذا كان التوي على المحيل لان الحوالة كانت مقيدة به وقد استحقت فصار بمنزلة الاستحقاق من الاصيل فيعود الدين على المحيل والله أعلم