مجلة البيان للبرقوقي/العدد 13/مشاهدات وخواطر

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 13/مشاهدات وخواطر

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 10 - 1913



تسعة أشهر بمستشفى الهلال الأحمر البحري الباخرة بحر أحمر

بين الجرحى والمرضى والمهاجرين

بقلم سعادة العالم الدكتور محجوب ثابت بك المدرس الثاني لعلمي الأمراض والبكتريولوجيا بمدرسة الطب ومستشفى القصر العيني سابقاً والخبير في الأعمال الطبية أمام محكمة الاستئناف الأهلية العليا.

وَمَن لَم يَذُد عن حوضِه بسلاَحِه ... يُهَدَّم وَمَن لاَ يَظلِم النَّاس يُظلَم

تلكم حقيقة نطق بها ذلكم الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى المازني منذ مئات السنين، يثبت فيها أن الاعتداء طبيعة ثابتة في التكوين الحيواني يقضي بها ناموس الاحتفاظ بالبقاء، كما شرح ذلك العالم البيولوجي شارلس داروين في نظريته المشهورة أي ناموس الاقتتال للحياة أو ناموس تنازع البقاء. وقد أعان على هذا الناموس مختلف الآلات الحادة والأسلحة القاطعة التي اكتشفت في دفين الأرض منذ آلاف السنين. سواء كان ذلك في العصر المعروف بعصر الحجر أو بعصر النحاس أو البرنز أو الحديد مما هو مدون في أسفار علمي الجيولوجيا الطبقات الأرضية والباليونتولوجيا المتحجرات النباتية والحيوانية (أي علم الهَلك) وكأنما كتب عليها بقلم الزمان، أي التعدي على الضعيف ومحاربة الكفؤ للكفؤ، وقتال القرن للقرن، طبيعة ثابتة في الإنسان.

وقد أثبتت ذلك أيضاً الكتب السماوية بما هو معروف من قتل قابيل هابيل، فكأنما ولدا جد البشر قدسنا جريمة القتل وعلما منازعة الأقران للأقران وعصيا ربهما كما فعل من قبل أبوهما.

قال في ذلك جل شأنه وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضُكم لبعض عدوٌّ ولكم في الأرض مستَقَر ومتاع إلى حين

مما ضمنه شاعر المعرة وفيلسوف الإسلام في بيته المشهور:

أبوكم آدم سنَّ المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان

قامت الحروب من قديم الزمان بين مختلف الأمم والأجناس وأهل الأديان المتباينة، ولتجدن كل صفحة من صفحات التاريخ قد كتب السيف فيها أغلب السطور، وكم قيت هذه الغبراء بزكيّ الدماء، وكم جالت في أوديتها الوحوش والأوابد، وكم سرحت العقبان والطيور والبوارح، تلتهم لحمان القتلى، وتأكل من أشلاء الشهداء.

وقديماً تحارب أعتق الأمم مدنية وأسبقها حضارة، وقديماً أغاروا على جيرانهم، فتلكم حروب الفراعنة مع الرعاة، وتلكم أغارات أشور وفارس على مصر، وتلكم حروب اليونان والفرس والتتار مع الصين والهند والعجم والعراق، والحروب البيونوكية بين رومه وقرطاجه، وهذه فتوحات الإسلام ومحاربة العرب للمعارضين من اليونان والرومان والعجم والفرنجة، وهذه الحروب الصليبية وحروب الترك من آل سلجوق وآل عثمان، وفتوح القسطنطينية وحروب نابليون التي أثارها في بادئة أمره باسم حقوق الإنسان، ثم انقلبت بعد إلى توسيع سلطانه وإخضاع الرؤوس المتوجة لكلمته. وقصارى القول أنه لم يمر على الإنسان حين من الدهر إلا وكان فيه للسيف وأسنة المران وقذائف النيران، القول الفصل لبلوغ المطامع، وإطفاء لهيب التعصبات الدينية والجنسية، قول عمد إليه الأولون فيما اختلفوا فيه، واقتدى به الآخرون، على حين وجود ما يسمونه محاكم التحكيم، وستذهب السنون وقصر الهاي قائم يزينه ذلكم الاسم الجميل قصر السلام ولكن للأسف لا يلجأ إليه إلا في نادر الظروف، ولا يغاث فيه مجتاح ولا ملهوف، حتى لقد حق قول أبي تمام:

السيف أصدق إِنباَء من الكتب ... في حدّه الحدُّ بين الجِدّ واللّعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والرّيب

تتوالى السنون وتتقادم العصور وفي كل يوم نشهد لقول أبي تمام آلاف الأمثال الناهضة على صحته، فكل يوم نسمع زمجرة القوى الغضبية الراسخة في النفوس وتسلحها بمتقن المدمرات، فكم أفتنّ القوم في آلات التدمير، وكم اخترعوا من وسائل إزهاق الأرواح مما يحصد بين غمضة العين وانتباهتها آلاف النفوس.

وقد نازع الشرقي عديد السنين محله في الحياة إزاء الغربي المهاجم ورأي يوماً له ويوماً عليه، وأخضع ما أخضع من مختلف الجنسيات والمذاهب، ودوّخ ما دوّخ من شاسع الأقطار والممالك، وخفقت أعلامه فوق متعدد البحار ومختلف الأقطار، حتى ظن المسلمون في وقت من الأوقات أنهم بلغوا من السلطان أعلى مكانه، وكنت ترى الفاتح العثماني والسيف في يده مطلاً على أسوار (ويانة) والعربي والرمح متنكباً به، غير هياب ولا وكل، قد بلغ أعالي مجرى الرون، لا يفصله عن أخيه التركي إلا قمم جبال الألب، حتى لم يبق إلا اليسير لإتمام قوس الهلال، ويضع الفاتح الأندلسي يده في يد الفاتح البيزنطي، ولكن لم تتم نعمة الله، ووقف المسلمون حيال أمم الغرب وشعوبه، وقفة الليث يحمي عن عرينه، لا يرتد عن قرنه إلا مخضباً بدم فريسته وذلك ما فعله بعض ملوك الأندلس كابن الأحمر ومن قبله الخليفة الكبير عبد الرحمن الناصر والفاتحون العثمانيون. وقبر السلطان مراد الخامس الذي صار منذ سنة مضت يخفق عليه العلم الصربي بسهل قصّووه يعد تمثالاً حياً لها الكفاح وذياكم النضال.

ولكن قضى القضاء على الدولة الإسلامية في الأندلس منذ خمسمائة عام وأخرج المسلمون من ديارهم، وتركوا الأموال والبنين بين أيدي العدو فنهب منها ما نهب، وسبي ما سبي، واستباح ما استباح، وعمّد ما عمد، وفرق بين المولود ووالده، وحال بين رضيع ومرضعه، وشيخ وعشيرته، ووضع السيف في الرقاب، وحول ما شاء أن يحول من بيوت كانت بالإسلام حافلة، ومدارس كانت بفلاسفته زاهرة، ومصائب حلت بالإسلام غرباً منذ خمسة قرون لا يزال (ناسور) جرحها يفرز صديد الأسف، ونواح أبي البقاء الرندي على الأندلس في مرثيته المشهورة لا يبرح يتردد صداه لدى كل ناطق بالضاد، وحوادث البلقان في العام المنصرم، وما حل بالإسلام في الرومللي، قد جددت تلكم الذكرى واهتاجت النفس، واستوقدت الضلوع، فليسمع المسلمون عولة أبي البقاء

دهي الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وأنهد ثهلان

أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان

فسل بَلنسِية ما شأن مُرسيةٍ ... وأين شاطبة أم أين جَيان

وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان

وأين حِمصٌ وما تحويه من نُزَه ... ونهرها العذب فياض وملآن

وما يقوله أبو عبد الله بن الآبار القضاعي كاتب الأمير زيان صاحب بلنسية وقد أوفده مستنجداً بصاحب أفريقية أمير المؤمنين أبي زكريا بن أبي حفص:

يا للجزيرة أضحى أهلها جزراً ... للحادثات وأضحى جدها تَعسا تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا

وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو يستنزف النفسا

مدائن حلّها الإشراك مبتسماً ... جذلان وارتحل الأيمان مبتئسا

فمن دساكر كانت دونها حرسا ... ومن كنائس كانت قبلها كنسا

لهفي عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارس للمثاني أصبحت دُرُسا

تلكم مصيبة كانت أعظم درس وأكبر عبرة، ولكن عميت بصائر القوم، فنسوا أسبابها، وراحوا على تخاذلهم وتنافروا وتنازعهم حتى دالت دول الإسلام إثر بعضها، فَدُر بعينك وقل أين بعدُ سلطان قرطبة وسلطان مراكش، وأين أمارة الجزائر، وأين تونس، وأين لا أين، زال الكل ولم تبق إلا أسماء مملكة في غير موضعها، ولولا أن اختار لهذه الأمم الإسلامية جماعة من الأغوار المساعير، فوقفوا بشطلجة وقفة مشهودة، لازدحمت دار الخلافة بخيل البلغار ورَجلهم، ولوطئوا مسجد أيا صوفيا بنعالهم، وتوجوا فردينند ملكهم بالتاج القسطنطيني كما كان وكانوا بذلك يحلمون، هذا وجماعة من الأمة منقسمون على اخوانهم يتمنون فوز العدو ونصرته، ولو كان في الخطب الأعم، كما كان بالأمس ملوك الطوائف ورؤساء العشائر بالأندلس كل يريد الملك لنفسه والسيطرة على الآخرين، فما كان في ذلك إلا هلكهم جميعاً، فما أشبه الليلة بالبارحة!!

ذاك وأنا نجتزئ بهذه الكلمة عن الإفاضة والاسترسال مع نفس تنفث ألماً.

وتسيل أسى. وتنقطع حسرة. وذكرى تجيش بالصدر. لغلطات ساسة كان في استطاعتهم أن يتلافوا هذا الاتحاد البلقاني الذي كادت ريحه تعصف بالدولة والخلافة. وكثيراً ما مدت أحدى دول هذا الاتحاد يدها طالبة إليهم الاتفاق على المسألة الكريدية مع حفظ الكرامة العثمانية وإبلاغ سكتهم الحديدية إلى سلانيك فما أصيخ لها ولا استمع. فحدث ما حدث وتعجل القوم خوض غمار حرب غشوم. على حين أن أولياء الأمور إذ ذاك سر حوا مائة وخمسين ألف جندي نظامي مستجمعين كل شرائط النصر وما النصر إلا من عند الله.

ونحن نقول أن ما وقع كان عاقبة تلكم الغلطات الفاضحة. وأي غلطات هناك بعد سياسة ولدت الاتحاد البلقاني ذلكم الاتحاد المدهش الذي لم يقع في حسبان أحد ما. حتى أن السلطان المخلوع لما انتهى إليه نبأ هزيمة الجيش العثماني أمام اليونان عند مفارقته قصر ألاتين بسلانيك ليقيم بقصر بكلربك سجيناً على ضفاف البوسفور وبلغه نبأ خفوق علم الصرب فوق مقبرة السلطان مراد الخامس وازدحام خيل البلغار بسهول لولو برغاس واستيلائهم على قرق كليسة وباقات الرياحين يقابلهم بها أهلوها بدلاً من مقذوفات البنادق والمدافع أخذه العجب واستولت عليه الدهشة وجعل يقول: كيف تركوا البلغار واليونان يتحدون؟

ولعمري لقد أصاب في تساؤله فإن الضغائن والأحقاد أيبست الثري منذ اثني عشر قرناً بين هاتين الأمتين. وقد أجمع مؤرخوا الإمبراطورية البزنطية على أنه لم يبق لها عدو غير البلغار على الرغم م كثرة أعدائها. ولذلك كان كل همهم وأول واجب على قياصرتهم أن يضربوا هذه القبائل البلغارية حتى لقد كان أكبر لقب يفخر به إمبراطرتهم هو لقب قاتل البلغار

نقول ولكن أبى الله إلا أن ينزل بدولة الخلافة هذه الكارثة النكراء والداهية الدهماء. فانبعثت نفوس المسلمين في جميع الأقطار. ونفضوا غبار الغفلة عنهم. ودبت روح الحمية فيهم. ورأوا أن من واجب الخلافة عليهم أن يعرفوها وقت الشدة. ويمدوا إليها يد المساعدة. وكان في طليعة الجميع المصريون ثم إخواننا الهنود. والفضل كله في همة المصريين راجع لسلالة تلك الأسرة العلوية الكريمة فقد قام أمرؤها قومة مباركة وتركوا مشيد قصورهم ليالي وأياماً. واستعاضوا عنها بحجرات القاطرات أصباحاً وإمساء.

وجابوا القطر طولاً وعرضاً ى يعرفون سآمة ولا تعبا. نخص بالذكر منهم دولتي الأميرين الجليلين البرنس عمر طوسون باشا والبرنس محمد علي باشا إذ كانت رياستهما احتفالات التبرعات أكبر داع للنجاح. وكانت للأموال التي جمعت أكبر معين للمجاهدين على استمرار جهادهم وأحسن عزاء، وأعظم آس لجرحاهم ومرضاهم.

كل الناس يعلمون ما قامت به لجنة الإعانة للمجاهدين التي رأسها الأمير الجليل البرنس عمر طوسون باشا من جليل الأعمال. وكذلك ما قامت به جمعية الهلال الأحمر المصرية برئاسة دولة الأمير شقيق الجناب العالي الخديوي.

والتي يرأس لجنتها التنفيذية الأمير الكريم البرنس يوسف كمال باشا. وترعاها أم المحسنين الموقرة والدة سمو الجناب العالي حفظهم الله فقد بعثت متعدد البعثات إلى الأستانة وغيرها لتخفيف ويلات هذه الحرب ومواساة جرحى ومرضى المجاهدين. وقد كان من بين هذه البعثات بعثتنا التي كان مركزها الباخرة 0بحر أحمر) وكانت هذه الباخرة من قبل نقالة للجيش العثماني والتجأت إلى السويس أثناء الحرب الإيطالية العثمانية. فرأى سمو الخديوي استعمالها كمستشفى لمداواة الجرحى والمرضى ونقلهم والمهاجرين من سلانيك إلى الجهة التي تعينها الدولة لجمعية الهلال الأحمر وقد طلب سموه إلى صاحب الدولة شقيقه رئيسها المفضال أن يعين للقيام بهذا العمل بعثة خاصة ويحول هذه الباخرة إلى مستشفى مستوف شرائط الصحة الحديثة. فكان لنا الشرف بأن عهد إلينا دولته القيام بذلك في أخريات أيام نوفمبر من العام الماضي فأتمرنا مسارعين لتحقيق رغبتين ساميتين. وتنفيذ إرادتين جليلتين. مهما كلفنا ذلك. وأمكننا بعون الله ثم بمساعدة حضرات أعضاء لجنة إدارة جمعية الهلال الأحمر وسعادة محافظ القنال أن نحول هذه الباخرة التي مكثت بمياه السويس عاماً كاملاً حتى كادت تبلى إلى مستشفى بحري تام المعدات.

ونكتفي بإيراد ما كتبه جناب الدكتور كاربنتر جراح المدرعة الدريدنوط الأمريكانية (تنسي) التي كانت راسية بثغر أزمير لحماية المسيحيين والمصالح الأمريكية حيث شرح حال المستشفى شرحاً وافياً في مجلة الجراحة العسكرية ذاكراً ما قامت به من الخدم نحو جرحى ومرضى ومهاجري الحرب البلقانية.

(البيان): انظر صفحة 550 فقد ترجمنا ثمت هذه الكلمة - ولكلمة الدكتور محجوب بك ثابت بقية سنأتي عليها في الأعداد القادمة: