مجلة البيان للبرقوقي/العدد 19/سر تدهور العرب

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 19/سر تدهور العرب

ملاحظات: بتاريخ: 31 - 7 - 1914



بقلم الدكتور جوستاف لوبون

إن كثيراً من تلك العوامل التي ذكرناها آنفاً ونحن بسبيل بيان أسباب عظمة العرب ليصح أن نجيء به الآن توضيحاً لأسباب تدهورهم، ويكفينا أن ندخل ذلك العامل الأكبر، والسبب الأعظم، الذي دعوناه فيما مر بك بالظروف، حتى نشهد أوفر الصفات نفعاً، وأكبر المميزات فائدة، تحدث أسوأ النتائج، وأفدح العواقب، وأشأم المغبات، وذلك أمر مشهود في حياة الأفراد كما هو جار في حياة الشعوب، إذ لا ريب في أن الاستعدادات الأخلاقية، والأميال الذهنية، قد تؤيد النجح في وقت معين ثم هي بعد ذلك قد تؤوب في وقت آخر بالخيبة والفشل، وقد أبنت لك فيما تقدم كيف أن الغرائز الحربية. والنزعات العدائية الخلافية، التي ركبها الله في أرواح العرب، أسدل إليهم في عصر الفتح وزمان الغزو، الخدمة الجلى، واليد الطولى، فلما سكنت ثائرة تلك الفتوحات، وهدأت الوقائع، وانتهت الغارات والغزوات، ولم يجد العرب إزاءهم عدواً يساجلونه الحرب، ويطارحونه القتال، إذا هي قد عادت عليهم وبالا، وساءت بهم منهجاً وسبيلاً، وبلغت الفرقة منهم الغاية القصوى، ووصل الانقسام والانشقاق إلى أبعد حدودهما، وما كان الانشقاق إلا من عاداتهم الثابتة المتأصلة، فبدؤا إذ ذاك في تجزئة تلك الدولة وتبديد نظام عقدها، وكان من حق تلك العادات أن تفضي إلى سقوطهم، وما فقدوا اسبانيا وصقلية ألا على الأخص أثر خلافاتهم الأهلية، ومشاحناتهم الداخلية، ولم يتسن للمسيحيين أن يقهروهم على أمرهم، ويخرجوهم من أرضهم، إلا من جراء هذه المنافسات الدائمة، والمنازعات المستمرة.

أما عن أنظمتهم السياسية والاجتماعية فقد أثبتناهما بين الأسباب التي دعت إلى نجحهم السريع، ويصح لنا الآن أن نقول إنها كذلك أحد العوامل التي عملت على سقوطهم، إذ لم يصب العرب رائد النجاح، ولم يفلج الله لهم سهام النصر، ولم يفتحوا أقطار العالم وفجاجه، إلا عند ذلك اليوم الذي عرفوا فيه بفضل ذلك الدين الجديد الذي جاء به محمد، كيف يذعنون إلى حكم قانون ثابت، وينزلون على نير شرع مقرر، وكان ذلك القانون وحده قادراً على جمع ما تبدد من قواهم، وتوطيد ما افترق من أمرهم، وكان نير هذا القانون الصلب الثابت على أحسن حال وأنصف حكم، عندما كانت أنظمة النبي وفاق حاج قومه، ومطالب أمته، ولكن لما خطت مدنيتهم خطواتهم، وبلغت حضارتهم بعد شأوها، وجب أن تنقح هذه الأنظمة وتهذب، إذ أصبح نير تلك القوانين القديمة من الثقل بحيث كان من الجائز لهم أن يرفعوه عن كواهلهم، ويضعوا وزره عن ظهورهم، وإن الأنظمة التي اشترعها القرآن، والتي كانت المعبرة عن حاجات العرب في عصر النبي، لم تصبح كذلك بعد تصرم عدة قرون، ولما كان هذا الكتاب في آن واحد مجموع شرائع دينية، وأنظمة مدنية سياسية، وكان من أصله لا يقبل تحويراً ولا تبديلاً، فقد كان من الأمور غير الممكنات أن تنقح أجزاؤه الأساسية، ولم تبد نتائج انشقاق العرب، ولم ينكشف للعيان عواقب انقسامهم، ألا يوم أن بدأت قوة العرب في الارتجاف والاضطراب، إذ أحدث انشقاقهم انتكاسات دينية، كان يراد بها على زعمهم تجديد شباب الإسلام، وإعادة زهوه، وإرجاع غضارته وريعانه، وما كان يقصد بها ألا إلى رده إلى نص القرآن وفصه، فلما كانت تلك العصور الزاهرة المشرقة، عصور خلافتي بغداد وقرطبة، عرف المسلمون جد المعرفة كيف يدخلون تحت رقابتهم وتصرفاتهم الإصلاحات التي أوجبتها حاجات الأمم التي رضيتها.

ولم تظهر صعوبة سن الإصلاح بأجلى مظهرها إلا في أنظمة العرب السياسية فإن هذه الأنظمة التي جعلت على رأس هذه الدولة حاكماً يصرف في يده جميع السلطات الحربية والدينية والمدنية. كانت هي وحدها المذللة تأسيس دولة عظمى، ورفع بنيان مملكة مترامية النواحي والأطراف، على أنها كانت مع ذلك أقل العوامل ملاءمة لتاكيد بقائها، فإن لتلك الملكيات المطلقة التي تجتمع كل سلطانها في يد واحدة قوة عتيدة في الفتح لا تغلب ولا تقهر، ولكنها لا تستطيع أن تنجح إلا على شريطة أن يكون على رأسها في كل حين رجال آية في العظمة والمراس والتفوق، فإذا أقبل ذلك اليوم الذي يعز فيه عليها رجل من هؤلاء الرجال، فاعلم أنها لا تلبث إلا عشية أو ضحاها حتى يتداعى بنيانها حجرة حجرة وتتساقط قواعدها لبنة لبنة.

وكان في مقدمة النتائج التي نشأت من النظام السياسي الفاسد الذي كانت عليه أمة العرب، تجزئة مجموع دولتهم، وتمزيق شملها، وتفريق أجزائها، إذ كان الولاة ينوبون في الولايات عن الخلفاء، قابضين مثلهم على كل السلطات الحربية والدينية والمدنية، ومن ثم لم يلبثوا أن امتدت أعينهم إلى الحكم كما يشهون، وتطلعت نفوسهم إلى سياسة ولا يلتهم، وتدبير أمرها كما يرغبون ويحبون، حتى إذا لم يجدوا لقوتهم قوة تعادلها وتكافئها، هان عليهم أن يدعوا السيادة لأنفسهم، ويجاهروا بأنهم سادة الولايات وأمراؤها، فلم يفز بها منهم نفر. إلا كان فوزه تحريضاً للآخرين، ولم يسب التوفيق فريق، ألا كان توفيقه إغراء لزملائه الباقين، فلم تنشب خير ولايات الدولة العربية وأوفرها ثراء. وأعظمها قدراً. أن أضحت ممالك مفترقة عنها منفصلة.

وكان لهذا الانفصال نتائج سيئة، وأخرى حسنة. فالأولى لأن تجزئة الدولة أوهنت قوتهم الحربية. والأخرى لأن هذه التجزئة نفسها سهلت تقدم المدنية العربية وارتقاءها. فلا ريب أنه لو لم تنفصل مصر والأندلس عن الدولة العربية. إذن لما بلغتا درجة التقدم التي شهدتاها. وقد كانت الولايات في أيدي عمال هم في كل حين عرضة للعزل والفصل. لا يجدون أية فائدة في أن يروا ولاياتهم في رغد ورخاء، ولا يحك في صدورهم ألا التمول والإثراء. ولا يتلجلج في نفوسهم ألا الإكثار والاغتناء. ولذلك أضحت كما كان حالها بعد ذلك تحت أولئك الحكام الذين كانت تبعث بهم حكومة القسطنطينية.

وأصبحت طائفة من هذه الممالك الصغرى المستقلة على تقدم بليغ، ورقي كبير. ولكنها كانت جميعاً مفضية إلى الخاتمة التي أفضت إليها الدول القديمة. حيث أضحت القوة الحربية. بدلاً من أن تعتمد في بعض أمرها كما هي الحال اليوم - على الاستعدادات الحربية الخطيرة الشأن: لا تستطيع أن ترتكز ألا على عدد جندها وبأسهم في الحرب وصدق لقائهم: وقوة كهذه لا تلبث أن تندحر إزاء الغارة الأولى: وأنت تعلم أن المدنية ترقق الطباع. وتهذب النفوس: ولكنها لا ترقى الصفات الحربية. بل تعد للدولة محتوم التدهور: ومقضى السقوط: وإن الشعوب التي يملك كل فرد من أفرادها قسطاً من رغد العيش: وحظاً من الرخاء والرفاهية: لا تنشب أن تجد نفسها مهددة من تلك الشعوب التي عضت الحاجة بنيها: فرغبوا في تبديل حالهم: وتغيير رزقهم: وكذلك كان فناء أكثر المدنيات القديمة الكبرى: وكذلك كان مآل الرومان. وكذلك كان عقبى العرب. إذ لأمراء في أن الفاتحين على اختلاف أجناسهم من ترك ومغول وغيرهم. أولئك الذين هدموا كيان العرب: ونقضوا بنيان ملكهم: يوم بلغوا درجة من المدنية عالية. لو كانوا جاؤوهم في ذلك العصر الذي كان فيه عصبة النبي قد أتموا تأسيس دولتهم. وألفوا منهم شعباً صلب العود مريراً. لا يقدح في ساقه التعب ولا النصب. يألف الشظف والعسر. ويعتاد كل ضروب الفاقة والحرمان لم تلن بعد من جنبه الخشن نعمة. ولم تهذب من طبيعته المتبدية رفاهية. إذن لكانت الخيبة نصيبهم. وكانت الهزيمة مآبهم.

وينبغي لنا أن نذكر من بين أسباب سقوط العرب، اختلاف الأمم والنحل التي خضعت لملكهم، واستكانت لصولتهم. ويتجلي أثر هذا السبب الأخير في وجهين مختلفين، كل منهما سيئ مشئوم، فالوجه الأول أن وجود أجناس مختلفة في الأمة يبعث على الاحتكاك والاختلاط، وهذا يؤدي إلى المنازعات والمنافسات بين هذه الاجناس المتباينة. والوجه الآخر إن ذلك يحدث الامتزاج والتزاوج، ولا يلبث التزاوج أن يغير دم الفاتحين الغالبين.

وكان امتزاج الأجناس المختلفة في الأمة داعياً أبداً إلى انحلالها السريع وقد شهد التاريخ أنه ليس من الممكنات أن تجتمع الأجناس المتباينة المتشاكلة في يد واحدة، إلا بمراعاة شرطين واجبين، أولهما أن قوة الفاتح قوة يجب أن تكون من التماسك والثبات والصلابة بحيث يوقن كل فرد من الأمة أن كل مقاومة يطلب أو تمرد يروم ليست إلا عرضة سريعة الزوال، وثانيهما أن الغالب ينبغي أن لا يتزوج من المغلوب، حتى لا يؤدي ذلك إلى أن يفنى العنصر الأول في العنصر الآخر، وأنت ترى أن العرب لم تحسب للشرط الثاني حساباً، ولم تتدبره يوماً، على أن الرومان أنفسهم لم يجعلوه دائماً نصب أعينهم ولم يتدهوروا إلا يوم أن تركوه جملة واحدة.

ومن بين الأسباب العديدة التي جرت إلى انحلال العالم الروماني القديم، سبب هو أعظم شأناً، وأفحل خطراً، هو تلك السهولة التي جنح إليها سادة الدنيا الأولون فأباحوا كل حقوق الوطنيين للبرابرة فأصبحت روما منذ ذلك الحين موطن أجناس مختلفة ولم تعد السلطة فيهم للرومان. وانطفأت على أثر ذلك جذوة تلك المشاعر التي ضمنت من قبل عظمة روما ومجدها. إذ كان ابن المدينة الأتربة أي روما حتى ذلك العهد لا يحجم عن بذل مهجته في سبيل مدينته لأن عظمتها كانت لديه مثلاً أعلى شديد الأثر في نفسه قوى السلطان عليه. ولكن أية قيمة. وأي أثر. وأي وزن لهذا المثل الأعلى في نفس المتبربر المتأبد.

وإن من صعاب الأمور وشدائدها أن تعيش الشعوب المتألقة من أجناس ونحل مختلفة ومصالح ورغائب وعواطف متباينة متضادة تحت شرع واحد وقانون مفرد، ولا يكون ذلك من الممكنات في أغلب الأحيان إلا بواسطة ضغط من الشدة بمكان، وفي النظام المسنون اليوم للأيرلنديين والهنود دليل على ذلك وبرهان.

على أن العرب لم تأخذ بهذا الضغط تلك الأجناس المختلفة التي خضعت لها وأذعنت لحكمها، لأن الدين والأنظمة التي جاؤوهم بها صادفت منهم القبول والرضى ولأنهم كانوا يعاملون جميع النحل والشعوب التي آثرت الإسلام على دينها واختارته لنفسها، مهما كان أصلها، على قسطاس من المساواة التامة الكاملة، وكذلك كان شرع القرآن وسنته، وما كان الفاتحون ليميلوا يوماً إلى تجنب هذا الشرع والانحراف عن سننه والزيغ عن جادته فكان من ذلك بادئ بدء أن الغالبين والمغلوبين ألفوا منهم شعباً واحداً ذا اعتقادات ومشاعر ومصالح مشتركة، وظل الائتلاف ضارباً بجرانه في جميع أجزاء الدولة العربية ما بقيت قوة العرب من العظمة بحيث كانت تجد من الجميع توقيراً لها واعتداداً بشأنها.

على أن المنازعات بين هذه الأجناس والعناصر المتباينة وإن قمع شرها إلا أن نارها لم تخب ولم تخمد. فلما بلغت عادات العرب من الخروج والانشقاق أشدها. وانتهت إلى مستفحل أمرها. إذا بتلك المنازعات قد عادت من مكمنها وبانت من مخبئها وظهرت بأجلى مظهرها. ولم تنشب الممالك الخاضعة لصولة الإسلام أن أضحت ميدان أحزاب لا تفتأ أبداً في تكاشح وتدابر وقتال. ومنذ حاصر المسيحيون آخر موطن للعظمة الإسلامية في الأندلس وهذه الأحزاب والفرق على حالها من التقاتل والشحناء.

وإن لوجود هذه الأجناس المختلفة في كل بلدان الإسلام وخاضع أقطاره نتيجة أخرى أشرنا فيما مربك إلى شرها. ونبهنا إلى خطرها وويلها. وهي اختلاط العرب بجميع الأمم التي عاشت بين ظهرانيها. وذلك أن العرب بامتزاجهم بتلك الأمم التي ليست دونهم وليست بأقل مدينة منهم كمسيحي أسبانيا مثلاً قد كان من الجائز أن يكتسبوا منهم بعض الميال والاستعدادات ولكن اختلاطهم بالشعوب المنحطة عن مستواهم كبعض الشعوب الآسيوية وأهل المغرب لا يجلب عليهم إلا الخسارة والوكس. وليس من شأن هذا الامتزاج في كلتا الحالين إلا أن ينتهي بإفناء أخلاقهم التي يتركب من مجموعها عنصرهم. والحقيقة المشهودة أنه لما ضاعت عظمة العرب السياسية على أثر فقدهم اسبانيا ومصر لم تكن الممالك التي دانت لهم تحتوي الأشر ذمة قليلة من العرب الأقحاح.

وأنت فدع جانبا الغارات وغيرها من الأسباب العديدة التي أدت إلى سقوط العرب واعلم أن مجرد تزاوجهم بالأمم كما بيناه لك كان كافياً وحده لتقرير هذا السقوط. وأمامنا مثال لذلك نستمده من حال مراكش فإن الغارات هي التي أبقت على حياتها ولكن هذه الدولة على الرغم من ذلك قد هوت اليوم إلى ما يشبه نصف بربرية. بعد أن نعمت من قبل برقي ومدنية كانت من العظمة بحيث تنافس مدنية أسبانيا ورقيها. وإن سيادة المغاربة. وفوق ذلك تزاوجهم المستمر بالعنصر الزنجي هما اللذان هبطا بمستوى تلك المدينة جد الهبوط. وقد زعم الناس أن المستقبل كان لنتاج هذا التزاوج. وذلك أمر محتمل جائز. ولكني لا أرضاه للأمم التي تريد أن تحتفظ بمكانتها في العالم وتحرص على مستواها بين أترابها من الأمم والشعوب.