مجلة البيان للبرقوقي/العدد 20/جرجي زيدان ك

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 20/جرجي زيدان ك

ملاحظات: بتاريخ: 31 - 8 - 1914



بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

مات في الشهر المنصرم (يوليه) جرجي بك زيدان منشئ مجلة الهلال ومؤلف تاريخ آداب اللغة العربية وتاريخ التمدن الإسلامي وسلسلة الروايات التاريخية وغير ذلك من المصنفات والرسائل، وقد كان بودنا أن لا نكتب عنه الآن ولما يمض على وفاته إلا بعض شهر لأن عهدنا به مازال حديثاً فقد لا نخلو من تحيز شديد له أو عليه، وقد لا نستطيع أن نجله الإجلال الذي ربما كان أهله، أو نستصغره الاستصغار الذي قد يستحقه، ولسنا على يقين من أن الناس سيذكرونه بعد عام أو عشرة، لأن مر الأيام يجرد المرء مما ليس له، ويعريه مما ألبسته الشهرة وكساه الوهم، فليت شعري ماذا يسلب الزمن هذا الرجل بعد دورة أو دورتين، هذا ما أتمنى أن أعرفه لو كان إليه سبيل، فقد أريت نفراً من الأدباء كان الناس يتفخمونهم ويكبرونهم ويكاد بعضهم يجن بهم جنوناً، قد طويت اليوم صحائفهم وشغل الناس بسواهم من الناشئين غير أن هذا ليس خليقاً أن يمنعنا من تقدير عمله تقديراً لا ندعي أنه في الصميم من حبة الصواب ولكنه غاية ما يسعه الطوق ويبلغه الجهد، وليعذرنا القارئ إذا رآنا أصرح مما يتوقع ولا يستعجل باتهامنا ورمينا بسوء القصد بيد أنا عاذروه إذا حك في صدره شيء من ذلك لأنه لم يسبق له بنقد سير الرجال عهد.

لم يكن زيدان عظيماً ولا فحلاً من فحولة الكتَّاب ولا من أصحاب المبادئ ولا من ذوي البسطة في العلم والرسوخ فيه، وإنما غاية ما نستطيع أن نقوله عنه أنه كان من أرباب الاجتهاد مطبوعاً على العمل كثير الدؤوب عليه، هذا فضله وتلك مزيته في رأينا، على أنه فضل يشاركه فيه سواد عظيم من الناس، وإنما ظهر زيدان دون غيره ممن يماثلونه في هذه الصفة - وهم عديد الرمل في كل قطر - لأنه جعل الكتابة حرفة ومرتزقة ولولا ذلك في تقديرنا لعاش ولم يكترث له أحد ومات ولم ينعه أحد إلا آصرته وعارفوه، ويخيل إلينا أن زيدان لو ضاع منه مفتاح مكتبته لما عرف كيف يملأ صحائف هلاله!.

وليست مؤلفاته من الإبداع والحسن بحيث تصبح عندنا في مرتبة آبائنا وأحبابنا وتجاربنا لما يتجلى فيها من سعة الروح التي تكاد تلتهم الدنيا وتساوي العالم الذي تصوره! كلا! ليست كتب زيدان من هذا الصنف وليس زيدان في الحق إلا رجلاً من الأوساط لم يرفعه الذكاء وقوة الذهن وسعة الروح إلى مرتبة العظماء والفحول، ولم يهبط به الغباء والبلادة إلى درجة العوام والغوغاء. ولكنه وإن لم يكن من عامة الناس فإنه من عامة الكتاب عبارة ومن سوقتهم لفظاً.

وهذا يدعونا إلى الكلام عن الأسلوب فقد كان المرحوم زيدان وغيره من الكتَّاب الأحياء يرون في ذلك رأياً لا يخلو من اعتساف ولا يبرأ من مباينة لوجه الصواب، ذلك أنهم يقولون حسب الكاتب أن يفضي بمعاينة إلى القارئ، فإذا أشرت إلى سوء اختيار اللفظ المراد به العبارة عن المعنى وتعقيد التركيب وركاكة الكلام سخروا منك وقالوا قد كان لك أن تنعى علينا ذلك وتعيينا به لو أدعينا الأدب ولكننا قوم علماء نشرح مسائل العلم ونجلى غوامض الفلسفة، وليس علينا أن تتجلى الفصاحة في كل لفظة من منطوقنا وتتمثل البلاغة في كل فقرة من فقرنا، تلك صناعة الأدباء وذلك ديدن الشعراء وأين نحن منهم وأين هم منا وما كنا لنشوش تآليفنا ونعميها بتكلف الرشاقة والتأنق ونحن أهل شرح وتبين.

هذه خلاصة رأي زيدان يرحمه الله وأنصاره في الكتابة والأسلوب ولو أنهم كانوا أعمق نظراً وأدق فكراً لتبرؤا مثلنا من هذه السخافات الفاضحة والحماقات الشديدة التي اكتظت بها مؤلفات الكتاب لهذا العهد. ذلك أنهم حسبوا الأسلوب ثوباً للمعني وزينة لا جسماً حياً له ارتباطه به كارتباط الزوج بالجسم يضعف بضعفه ويقوي بقوته وظنوه خلاعة ورقة لا أحكاماً ودقة ونسوا أن العبارة إذا اختلت وأخذ الضعف والعي والركاكة والاستبهام بمخنقها نبا عنها الفهم وسئمتها الطباع وأعرضت عنها القلوب لأنه لا معنى من غير لفظ ولا يسلم إلا بسلامة اللفظ وغلا فسدوا ختل وضاع في تضاعيف التقيد وأتعب الغائص عليه الطالب له.

ولسنا نريد أن يكتب الفيلسوف والعالم والمؤرخ والأخلاق كما يكتب الأديب والشاعر والروائي ولا أن يذهبوا إلى فخامة الكلام وجزلته على مذهب العرب القدماء ولا أن يستعملوا ألفاظاً بأعيانها وعبارات معلومة لا ينبغي أن يعدوها أو يستعلموا سواها ولا أن يتركوا المألوف إلى الدارس ولا السهل إلى المتوعر ولا إن يرجعوا إلى عنجهية البادية وخشونة الأعراب ولا أن يتظرفوا بألفاظ مختارة لينة المكاسر حسنة المنطوق والمسموع، ولا أن يحوكوا الألفاظ على حسب الأماني ويخيطوا الكلام على قدود الخيال، ولا أن يأتوا للأشياء من بعد ويطلبوها بكلفة ويأخذوها بقوة لتملتئ الأسماع وتخلوا الطباع، وإنما نريد أن تكون ألفاظهم مهذبة وأساليبهم واضحة وديباجتهم مشرقة وأن يعبروا عن معانيهم بأجلى العبارات ويفصحوا عن أغراضهم بأبين الألفاظ وأن لا يخرجوا عن أصول اللغة وقوانينها حتى لا يتكلف القراء شططا ولا يقاسوا عنتا، فإن فساد التعابير مضيع للمعاني كخشونة الألفاظ وجفوتها - وليست البلاغة بمنافية للسهولة ولا العمل على جودة الألفاظ وسلاسة الكلام وصحة التأليف بمستدع للتقعر بمعنى الكلام والتلمظ بحوشى اللغة. فأما أن يطلبوا صحة المعنى ولا يبالون حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وشناعته فذلك ما نأخذهم به وننعيه عليهم، وعلى أنى لا أدري كيف يستقيم المعنى وألفاظه مرتبكة ومبانيه مضطربة، هذا ولغة الكتابة في كل أمة غير لغة العامة وغير لسان التحادث والخطاب ولكنها لغة تناسب رفعتها رفعة المعاني وشرف العقل ولا تكون كذلك حتى ينفى الكاتب عنه هذه الألفاظ الوضيعة المضحكة والعبارات القذرة السخيفة. وأحر بمن يكتب تاريخ أدب اللغة ان لا تعلق بعبارته ركاكة ولا يرتمي عليها للابتذال ظل ما.

وليست مؤلفات زيدان إلا فهارس لا تنقع غلة ولا تبل أواما ولا تفيد المطلع عليها إلا كما تفيده الأخصاآت، وليتها بعد ذلك سلمت من معرة الخطأ وخلت من الغلط الفاحش الذي يرجع إلى الإهمال والعجلة. فلا هي جامعة فيرجع إليها عند الحاجة ولا صحيحة فيعتمد عليها ويوثق بها وكذلك ليست رواياته بأرفع مرتبة من سائر تصانيفه وتواليفه فكثيراً ما تجد القصة فيها مشوشة مضطربة لأنه لم يتولها بروية ولم يتعهدها بنظر ولا تدبر وذلك شأنه في كل شيء ولو كان زيدان ذا تؤدة وأناة لما استطاع أن يخرج لقرائه هذا العدد الكبير من الكتب والروايات. على أن ولترسكوت كان سريعاً وكانت كتابة بعض رواياته لا تستغرق أكثر من أسبوعين ولكنه كان ذا سليقة وزيدان ليس له طبع يحور إليه ولا سيلقة تخدمه ولذلك تراه لا يحال أخلاق أبطاله ولا يشرح لك شخصيتهم فعل كبار الروائيين ومجيديهم. ولست أرى فرقاً بين كثير من أبطاله لأنه لم يعن بتمييزهم كما لم يعن بالقصة وكما لم يمن باللغة.

على أنا لا نجحد الرجل فضله ولا ننكر اجتهاده وكده ولكننا آثرنا قول ما نعتقد أنه الحق في تقدير أعماله وقد مضى الرجل لسبيلخ فرحمة الله عليه وألهم آله الصبر والسلوان.

(البيان) هذا رأي الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني في المأسوف عليه جرجي زيدان بك ونحن فلا نستجيز لأنفسنا اليوم بأية حال أن نصدع برأينا على أننا لا نرى ثمة فائدة في ذلك وقد مات الميت فليحيى الحي وكل ما في مكنتنا أن نقوله الآن إنا نتأول في رصيفنا الفاضل أميل زيدان خيراً كثيراً ونرى فخراً لمجلاتنا العربية أن يشتغل فيها شاب دارس متعلم مثل أميل زيدان وقد شاهدنا آثار فضله ودلائل علمه وأدبه في العدد الأخير الذي ظهر من مجلة الهلال ونود لذلك الود كله أن يقبل قراء العربية على الهلال ويعلموا أنهم سيطالعون منه موضوعات هي نتاج الدرس وثمار العقول وأن الهلال اليوم إن لم يفضل نفسه بالأمس فليس بدونه.

أما المأسوف عليه جرجي زيدان بك فقد كان بجده ونشاطه قدوة يحتذى ويحسبه أن قد سود نفسه بنفسه وإن الأيام لا تنجب من أمثاله كثيراً صنع الله له وحقق آماله في خليفته وآمال عشاق العربية.