مجلة البيان للبرقوقي/العدد 20/شذرات من فلسفة نيتشه

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 20/شذرات من فلسفة نيتشه

ملاحظات: بتاريخ: 31 - 8 - 1914



خداع النفس - من بعد نظر الحاسدين وحدة بصرهم، أنهم يجتهدون أن لا يمعنو في التعرف لمحسوديهم، حتى يشعروا أنفسهم أنهم أعلى منهم قدراً، وأرفع شأناً.

كرم الضيافة - الغرض من كرم الضيافة تعطيل عاطفة العداء من نفس الغريب، فإذا لم تعد تنظر إلى الغرباء كالأعداء، قل لديك كرم الضيافة لهم، ويقوي هذا الكرم وينتعش ويزداد، ما دام توجس الشرفي نفسك باقياً.

صيد الحقائق - هذا يسعى في صيد الحقائق المقبولة، وذاك في صيد الحقائق المكروهة، ومع ذلك ترى الأول يجد في نفس الصيد لذة أكبر من لذة الغنيمة.

الفضائل الخطرة - لا ينسى شيئاً ويعفو عن كل شيء - لذلك سيكون كرهنا إياه مضاعفاً، لأنه يسبب لنا عاراً مزدوجاً بذاكرته وعظمة روحه.

الغرور - هو الخوف من الظهور بحقيقتك، ومن ثم هو العطل من الآباء، وليس ضرورياً أن يكون العطل من الشخصية.

الرحمة - تصوروا أن العناية بالغير والشعور بهمومهم كان لهما ضعف قوتهما الآن، إذن لما احتمل العيش على الأرض أحد، حسبكم أن تنظروا كم من حماقات يجنيها كل فرد منا يوماً فيوماً وساعة فساعة، لا يبعثه عليها إلا إرضاؤه نفسه وإخلاصه لها، وكيف ترونه لهذا مكروهاً لا يحتمل، فماذا لعمركم يحدث لو كنا نصبح للناس موضوع البلاهات والوقاحات التي عذبوا بها أنفسهم وأساؤوها، ألا ينبغي لنا ساعتئذ أن نطلق سوقنا للريح إذا لمحنا أحد الجيران مقبلاً علينا؟ ألا يكون من الضروري وقتئذ أن نجلل هذه الشفقة بالاستهانة التي ندخرها اليوم للأنانية؟.

منشأ العزلة - في العصور المتوحشة، كان للأفكار السوداء الشريرة أكبر سلطان على الناس، فكان الفرد منهم، وهو يشعر بقوته، يجتهد دائماً أن يجعل أعماله تلائم هذه الأفكار السوداء. وتمشي معها، أعني أنه كان يضع هذه الأفكار في أفعاله، فيتخذ الصيد والسرقة والسطو والغيلة والوحشية والقتل، يدخل مع هذه ضروب ضعيفة من أعماله، كانت مباحة في البيئة التي يعيش فيها، فإذا اضمحلت قوته، وشعر أنه قد أصبح متعباً مريضاً سوداوياً ملولاً، وبذلك أمسى خلواً من الرغائب والشهوات، صار أحسن من قبل حالاً، أو بعبارة أخرى أقل خطراً، ولم تعد أفكاره السوداء تنطلق إلا في ألفاظه وكلماته عن أصدقائه مثلاً أو حياته أو زوجته أو آلهته، أي أن أفكاره فقط أمست تأملات سوداء سيئة، وكذلك يرتقي ويتطور، حتى يكون منه مفكرو كاهن، فيضيف كل يوم إلى خرافاته، أو يخترع ملاحظات جديدة وشواهد، أو يهزأ بأعدائه وخصومه، فكل ابتكاراته، وكل ثمار قريحته، صورة منعكسة من ذهنه، نعني أنها تدل على ازدياد الخوف، وكثرة النصب والتعب، واحتقاره للعمل، واستهانته بالتلذذ والتمتع، ولذلك تجد مادة هذه الأفكار مستمدة من حالاته الشعرية التفكيرية الرهبانية، أي أن الحكم المظلم فيها متفش ذائغ.

أما في العصور المتأخرة، فإن أولئك الذين يفعلون كما كان يفعل ذلك الرجل في تلك الظروف المخصوصة، يلقون إلينا آراء وهمية شريرة، ويعيشون عيشة سوداوية حزينة، ولا يؤدون عملاً كبيراًَ، فقد سموا شعراء ومفكرين، وقسيسين، وعزامين وقد كان الناس بأسرهم يريدون أن لا يعبؤوا بهم ولا يحفلوا، واق يطردوهم من المجتمع ويلفظوهم خارجه، لأنهم لم يجدوا لهم عملاً كافياً، ولكنهم رأوا في هذا نوعاً من المجازفة فأمسكوا، وإذ كان هؤلاء اللا عاملون قد اكتشفوا آثار الخرافة وضروب الخزعبلات فاتبعوها، لذلك لم يشك فرد أن لديهم وسائل قوة مجهولة يستطيعون استعمالها.

هذه هي القيمة التي قدرت بها بقايا الجنس القديم من أهل الطبائع المفكرة - محقورين بمقدار ما كانوا من قبل غير مرهوبين، وفي هذه الصورة المحجوبة، وفي هذا المنظر المبهم الغامض، بقلب شرير، ورأس مضطرب في الغالب متعب، كان أول ظهور حياة التفكير في هذه الأرض - ضعفاء وهائلون في وقت واحد، محتقرون في السر، مجللون بكل ضروب التقديس الخرافي جهرة وعلانية.

أعداء النساء - المرأة عدوتنا - إن من يقول ذلك من الرجال إنما يظهر للناس لذة مطلقة لا تكره نفسها فقط بل ووسائلها.

الخداع بالتذلل - بحماقتك أسأت إلى جارك، وهدمت صرح سعادته، فلن ينهض أبداً بعدها - والآن بعد أن تغلبت على غرورك، جئت تذل من نفسك أمامه، وتسلم حماقتك إلى احتقاره، وتتوهم أنك بعد هذا الموقف الخشن الموجع لك المؤلم، قد أصلحت ما أفسدت، وبنيت ما قوضت، وإن فقدك الاختياري للشرف يعوض على جارك الأذى الذي نلت به سعادته، كذلك تشعر إذ تتصرف من حضرته ناعم البال، هادئ النفس، معتقداً أن فضيلتك قد رجعت إليك.

على أن جارك لا يزال على مضه وألمه، لا يجد شيئاً يعزيه من تصريحك بأنك كنت مخطئاً ومسيئا، بل على النقيض، يتذكر المظهر المؤلم الذي ظهرت به يوم جئت إليه تنتقص نفسك في حضرته، فيحس أنه قد طعن طعنة أخرى، ولكنه مع ذلك لا يفكر في الانتقام لنفسه، ولا يستطيع أن يتصور أي ميزان عادل يعدل بين كفتك وكفته، والحقيقة أنك ما ركبت ذلك المركب، ومثلت ذلك الدور، إلا لنفسك وأمام نفسك، وإنما دعوت للحضور شاهداً لا لصالحه بل لصالحك - فلا تخدع نفسك!.

المجرمون والمرضى - لم نكد نبدأ درس طبائع المجرمين حتى انتهينا إلى استنتاج نتيجة لا نحول عنها ولا نرتد، وهي أن ليس بين المجرمين والمجانين فارق ذوبال، وذلكم الرأي هو أشد الآراء رسوخاً في الأذهان.

ولذلك لا ننزوي عن استنتاج نتيجة أخرى نبنيها على تلك. وهي أن نعامل المجرم معاملتنا للمجنون، لا بالإشفاق المتكبر عليه، ولا بالرحمة المتعجرفة المزهوة، وإنما بحذق الأطباء، ومهارة الإساة، وحسن النية - لعل المجرم بحاجة إلى تغيير الهواء، أو تغيير الوسط والبيئة، وما يدرينا لعله بحاجة إلى التغيب عن نفسه حيناً من الدهر، أم لعله يحتاج إلى العزلة، أو الاشتغال بحرفات أخر، بل قل لعله يحس أنه أجدى له أن يظل تحت المراقبة ردحاً من الزمان، حتى يحتمي من نفسه، ومن تأثير داخلي مرهق ثائر مستبد.

يجب علينا أن نبين له احتمال شفائه، ونوضح له وسائل علاجه، (وذلك بالقضاء على هذه المؤثرات الداخلية أو تغييرها أو تطهيرها) وفي الحالات الشديدة أن نفهمه عضل دائه، واستعصاء شفائه، ويجب أن نقدم إلى المجرم المعضل الذي أصبح حملاً ثقيلاً على نفسه، الفرصة السانحة للانتحار، ونبقي هذه الوسيلة آخر سهم في كنانتنا، ويجب أن ننتهز كل سانحة لنرد عليه شهامته وحرية روحه، ونطهر نفسه من كل ندامة أو تقريع وجدان، كأنما نطهرها من أكبر الأقذار والأدران، ونريه قدرته على أن يكفر عن مأثمة أساء بها إلى إنسان، بصنع جميل إلى غيره، أو إلى المجتمع كله، حتى ترجح موازين حسناته، بموازين سيئاته الماضية.

كل هذا يجب أن يؤدي أحسن الأداء، ويقضي بأشد الملاينة والدقة والحذق، وعلى المجرم أن يظل باسمه، أو يبحث له عن اسم مستعار، وأن يغير مقامه في كل حين، حتى لا تتأثر سمعته في حياته المستقبلة.

نعم إن المعتدي عليه في زماننا لا يقنع من المجرم بأن يرد عليه ما فسد من أمره، بل يريد كذلك الانتقام، فيعمد إلى المحاكم يستعديها عليه لينال ترته، وهذا هو السبب الذي جعل قوانين العقوبات نافذة المفعول حتى اليوم كأنما في يد القضاء كفتان، يوازن بهما بين الجرم والعقاب، ولكن مالنا لا نخطو خطوة أخرى إلى الأمام؟ أفلا يكون من أحسن الخلاص، لعاطفة الحياة، أن نتخلص من اعتقادنا في الجرم، فنتخلص به من ميلنا القديم للانتقام، وبذلك ندرج إلى الاعتقاد بأن من الحكمة المصفاة المهذبة، أن يغفر السعداء لأعدائهم، ويحسنوا إلى الألى أساؤوهم، طبقاً لروح التعليم المسيحي. إلا تعالوا ننقذ العالم من فكرة الجرم، ونقذف معها فكرة العقاب، فليت أن هذه الآراء المسيخة المخيفة تعيش في نجوة عن مساكن الإنسان ومنازله، إذا كان من اللازم وجودها، أو إذا لم تكن تريد أن تفنى وتموت من احتقارها وسأمها من نفسها.

ولا يجب أن ننسى كذلك أن الضرر الذي يعود على المجتمع والفرد من المجرمين هو من نوع الضرر الذي يصيبها من المرضى، لأن المرضى ينشرون في المجتمع الأسى والهموم، والمرضى هم اللا مثمرون، يستغلون أثمار الغير ويأكلون منتوجاتهم، ويطلبون مع ذلك عنايتهم ومواساتهم، أطباءهم وممرضيهم، ويعيشون في الحقيقة على وقت الأصحاء وقوتهم، كل هذا ونحن نسم بالوحشية ذلك الذي يريد أن ينزل الانتقام بالمرضى، ويثير عليهم الويل والعذاب، والحال أن ذلك كان يحدث في العصور الخالية والأحقاب الغابرة، وفي المجتمعات والأوساط التي لا تزال على الفطرة، حتى بين المتوحشين في عصرنا هذا، يعامل المريض كمجرم وخطر على المجموع وويل، ويعتقدون أنه مهبط مخلوقات جنية شيطانية نفذت إلى بدنه من جريمة ارتكبها، هؤلاء الشعوب يرون أن المرضى هم المجرمون!.

أما نحن! ألسنا بعد أكفاء إلى القول بعكس هذا الرأي؟ ألا يباح لنا أن نقول المجرمون هم المرضى كلا. إن الوقت لم يحن بعد، نحن لا نزال نفتقد أولئك الأطباء الذين أحرزوا قسطاً من الآداب العملية، فأدخلوه في صناعة الطب، وعلم العلاج.

ولأنه ليس في رجال الكنائس من وكل إليهم العناية بصحتنا، ولأن دراسة الجسم وأجزائه، والأغذية وصنوفها، ليست حتى الآن من المواد الإجبارية التي تعلم في مدارسنا الابتدائية والتجهيزية، وليس هناك حتى اليوم جمعيات اتفق أعضاؤها بينهم على الاستغناء عن المحاكم وأقضيتها. وإنكار العقاب والانتقام الواقعين اليوم على الذين أساؤوا إلى المجتمع، ولأنه لم يجسر إلى اليوم مفكر فيقيس صحة المجتمع، والأفراد الذين يؤلفونه، بعدد الطفيليات الإنسانية الممكن للمجتمع احتماله.

الرزانة والجفاء - أولئك الذين يعجزون عن إظهار الود للناس ونبيل الألفة، وصادق الخلطة، يحاولون أن يجعلوا نبل أرواحهم يتجلى في رزانتهم وجفوتهم وجدهم، ويظهر في احتقارهم الألفة، وسخريتهم منها، فكأنما تخجل حاجتهم إلى الألفة من إظهار نفسها.

الرهبنة - أشد الناس شهوانية أولئك الذين يجدون من الضروري لهم اجتناب النساء، وتعذيب أجسامهم.

الابتهاج بالحقائق - ميلنا الحاضر إلى الابتهاج بالحقائق - إذ نكاد جميعاً نشعر بهذا الميل - لا يفسر إلا بأننا ابتهجنا بالأكاذيب دهراً طويلاً حتى سئمنا ومللنا، ولكن هذا الميل في شكله الحاضر دون تخير أو تهذيب، لا يخلو من الخطر. وأقل أخطاره حاجته إلى التذوق.