مجلة البيان للبرقوقي/العدد 21/الكتب

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 21/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 10 - 1914



الكتب كالناس، منهم السيد الوقور، ومنهم الكيس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، ومنهم الساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل، والوضيع والخليع، والدنيا تتسع لكل هؤلاء، ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلاً كاملاً للدنيا.

يقول المرشدون اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول بل انتفع مما تقرأ - إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟؟.

إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة الشهية.

واعلم أن من الكتب الغث والسمين، وإن من الكتب الغث والسمين، وأن السمين يفد المعدة الضعيفة، وما من طعام غث إلا والمعدة القوية مستخرجة منه مادة غذاء ودم حياة وفتاء، فإن كنت ضعيف المعدة فتحام السمين كما تتحامى الغث، وإن كنت من ذوي المعدات القوية فاعلم أن لك من كل طعام غذاء صالحاً.

وإن من نظر أنت تراه فلا تود أن تراه بعدها، أو صوت تسمعه ثم لا تحب أن تسمعه آخر العمر، فلا أدري من أين داخل عامة القراء إن الكتاب إنما يقرأ قراءة واحدة، مع أن الكتاب أخفى رموزاً وأكثر مناحي نظر من المنظر والصوت، وأنت تنمو بعقلك أكثر من نموك بحواسك، فأنت أحرى أن تعاود النظر فيما يمتحن به نمو الفكر، وعندي أن من كان يفهم أن قراءة الكتاب شيء غير الإتيان على كلماته، وأن درسه غير استظهار صفحاته، عليه أن يكرر قراءته كلما استطاع، وأن كتاباً تعيد قراءاته مرتين لأغني وأكثر من كتابين تقرأ كلاً منهما مرة واحدة.

ثم اعلم أنه ليس بأنفس الكتب ولا بأجلها الكتاب الذي تتوق إلى إعادته بعد قراءته. وليس بأفرغ الكتب ولا بأقلها الكتاب الذي تقنع بتركه بعد الفراغ منه. فإنك ربما صادفك الكتاب الأجوف المغلق فأعجبتك رنته فجعلت تقلبه على كل جنب لعلك أن تخلص إلى لبابه ولا لباب له. وربما صادفك الكتاب القيم الشافي فانتهيت إلى آخره مرتاحاً مصدقاً فقنعت بذلك منه. وقد عهدنا الناس يمنعهم البخيل فيراجعونه ويلحون عليه، ويعطيهم المنعم الكريم فيهجرونه ويعرضون عنه، وتلك ضرائبهم في مصاحبة الكتب، فلا تكن في المطالعة من هؤلاء.

وطريقتي في القراءة أن لا أذهب مع الطرف في الصحيفة إلا ريثما أذهب مع الفكر في نفسي، فقد أتناول الكتاب أبدأ فيه حيث أبدأ إذا كان من غير الكتب التي يلتزم فيها الترتيب والتعقيب، فيستوقفني رأي أو عبارة تفتح لي باباً من البحث والروية فأمضى معها وأطوي الكتاب فلا أنظر فيه بقية ذلك اليوم أو انتقل منه إلى كتاب آخر، وأجد هذا التوجيه في أنفس الكتب كما أجده في أردئها فلا أميز بينها في الابتداء، ولا يكاد يستدرجني إلى المضاء في المطالعة إلا موضوع يستوعب ذهني ويأخذ على المؤلف باب الانفراد بالفكر دونه. عباس محمود العقاد