مجلة البيان للبرقوقي/العدد 28/آخر زمن

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 28/آخر زمن

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 12 - 1915



-

آخر زمن كلمة سيارة بيننا شائعة، ترددها ألسنة الخاصة، وتتشدق بها أفواه السوقة، وتجري كل يوم بين المذهبين، تدور كل حين في حلقات الغوغاء والأميين، وهي تقال في معرض التبرم والتسخط، عند ما يشهد الناس أمراً مستنكراً خارجاً عن سنن المألوف، متمرداً على حكم العرف، منشقاً على مبادئ الأخلاق والآداب، وإذا صح ما يذهب إليه علماء الفيلولوجيا، أي علم اللغات، إن الفكرة تستمد لفظها وأسلوب التعبير عنها من لغة الأمة التي نشأت أول أمرها فيها، فإن كلمة آخر زمن التي خلقتها روح العصر في هذا الجيل الحاضر، هي أكبر دليل على أنا مصابون بالمرض الذي ينطوي تحت معناها، والعلة العُضال التي تدل عليها حروفها، ولكننا في ذلك إنما نتبع أمم العالم وشعوبه، ونئن من الداء المتسود في أقطار الأرض المتحضرة وممالكها، إذ كان الغربيون قد ابتكروا قبلنا للتعبير عن هذا المرض. العصري الذي استبد بكل فروع حياتهم ومدنيتهم كلمة - ومعناها الحرفي (آخر الزمن) ويراد بها في الغرب المعنى الذي يريده المصريون في هذا العصر منها والكلمة كما يتبين للقارئ فرنسية، لأن فرنسا هي التي ظهرت فيها أعراض المرض قبل غيرها، ثم لم تلبث أن انتشرت في أمم الغرب بأجمعها، واجتازت الإقيانوس إلى العالم الجديد ففشت في لغاته، مما يدل على أنها تعبر عن حال المجتمع الإنساني المتحضر في كل بقاع الأرض، ولكن الكلمة في فرنسا مسقط رأسها تتجلى في أتم معانيها وأغراضها، وليست باريس إلا الحاضرة الكبرى لمرض (آخر زمن).

ونحن فإذا بحثنا في قيمة التعبير من حيث لفظه ومبناه فلا نلبث أن نتبين خطأه وفساده، لأن القرن من الزمن لا يجري عليه من مراحل العمر وأدوار السن ما يجري على الناس، فهو ليس مثلنا يبدو وضيعاً في العام الأول من مأته، ثم يشب ويترعرع ويمتلئ ويكتمل، ثم يكتهل ويشيخ ويهرم، ثم يحتضر في آخر يوم من العام المتمم للمائة، اللهم إلا في عالم التخيل والوهم والمجاز، ولكن الناس قد اعتادوا أن يحيلوا انحطاطهم وفشلهم وأمراضهم ومصائبهم ونكباتهم إلى الزمن، متنصلين من تبعة أغلاطهم، رداين إلى الزمن جريرة مفاسدهم، فهم في التبرم من انحطاطهم يقولون (آخر زمن) وكان أوجب أن يقولوا ( ناس).

على أنه مهما كان من خطأ التعبير وفساده فإن الغرض الذي يقصد به إليه قد عم العالم وتجلت مظاهره في كل حياة الجيل الحاضر ومعيشته، فقد اشتد الاضطراب بين الناس، وعظم الفساد، واستتب الانحطاط، وفشت المتاعب والهموم، وقست الحياة، حتى ساد الوهم بين الناس، إن العالم موشك على الانطفاء والخمود والفناء وإن العصر الحاضر هو آخر ما يطلع على العالم من العصور، وختام ما يدور به الزمان ومن ثم ترى كلمة (آخر زمن) ليست فقط اعترافاً بفساد الجيل، بل تسخطاً كذلك من هذا الفساد وشكاة وتبرماً.

ولكن إشفاق الناس اليوم وتخوفهم من وقوف دورة الزمن، وفناء عالم الأرض، ليس بالأمر المستحدث الجديد، فقد استولى نفس هذا الخوف على الأمم المسيحية عند حلول عام 1000 من الميلاد ولكن هناك فرقاً بيناً بين فزع أهل ذلك الزمان وبين فزع أهل (آخر زمن)، فإن قلق أولئك وفزعهم من مقدم ذلك العام لم يثر فيهم إلا لأنهم كانوا يحسون نعمة الحياة وبهجتها وانتعاشها، وكانت لهمه قلوب حساسة خفاقة، وأرواح متوثبة ومناعم حلوة بهيجة، فعز عليهم أن يلقى في روعهم أن الأرض عما قليل مُسفَّة بهم، ولا يزال فيها كؤوس تحتسي، ورضاب شفاه يرتشف، وهم يحسون أنهم لا يزالون قادرين على التمتع بالخمرة والحب، وأما فزع (آخر زمن) فليس فيه شيء من هذا، بل هو يأس رجل مريض، يحس أنه يحتضر ويدنو رويداً إلى الموت، في وسط هذه الطبيعة الجميلة الزاهرة المتفتحة.

ونحن نجيء إليك بطائفة من الأمثلة التي تقال فيها كلمة (آخر زمن). . . . ملك يعتزل الملك ويرحل عن بلده فيعيش في باريس في مغنى جميل، ويحتفظ عند الحكومة التي خلفته على الملك ببعض الحقوق والرتب والامتيازات، ثم يمضى زمان فيخسر على مائدة القمار أكثر أمواله، فيقع في معسرة شديدة، فلا يجد مخلصاً له إلا أن يخابر حكومة بلده في أن تعطيه مليوناً من الفرنكات، في سبيل تنازله آخر الدهر عن حقوقه وألقابه وامتيازاته. . . هذا ملك (آخر زمن).

قاتل شرير يحكم عليه بالإعدام ثم تشرح جثته بعد الوفاة، فيجيء مفتش الشرطة فيقتطع له قطعة من جلد الجثة بعد تشريحها فيدبغها ويصنع له منها محفظة للفائفه وبطاقاته. . . شرطي (آخر زمن).

شاب يخطب له عروساً، ثم يأخذها يوم العرس فيزف معها في منطاد. . . زفة (آخر زمن).

ثلاث بنات من أسر طيبة، يتحدثن إلى صواحبهن، فتتنهد إحداهن فتسألها الأخرى، ماذا بك؟ فتجيبها - إني أحب فلاناً. . . وفلان يحبني، فتقول لها صاحبتها وهي تحاورها، ما أطيب هذا الحب. إني أعرف فلاناً فهو شاب جميل ورشيق وحلو القوام، ولطيف الحديث، ولكن علامَ إذن هذا الحزن؟ فترد عليها الأولى قائلة، ولكنه فقير لا يملك شيئاً وليس من أسرة مذكورة، وأبواي يريدان أن أتزوج بالباشا الفلاني، وهو بطين، عظيم الكرش، وأصلع، ودميم، وثقيل، ولكنه مع ذلك كبير الغنى، عريض الثراء، وإذ ذاك تقول لها محدثتها، إذن فتزوجي الباشا يا بلهاء دون تأخير، ثم اعملي بعد ذلك على أن يتعرف الباشا إلى حبيبك ويصاحبه يا غبية. . . بنت (آخر زمن).

ومن ثم ترى أن كلمة (آخر زمن) في هذه الأمثلة التي ضربناها ليس يراد بها إلا الانحراف عن أحكام العرف والعادة والانشقاق على سلطة الأخلاق والآداب والتحرر من سيطرة القوانين الأدبية التي نعيش عليها، فهي عند الشهواني مطاوعة اللذة إلى أبعد حدودها، والاسترسال مع الشهوة إلى أقصى مطالبها وإطلاق الجزء الحيواني في الإنسان، وهي من ناحية الأناني احتقار كل ما يتعلق بالناس والسخرية من شأنهم، وهدم الأسوار التي تحول بينه وبين طماعيته وشهواته، ولذائذه وحيواناته وهي عند المكذب بصلاحية الحياة المؤمن بسخافتها التمرد على الفضيلة، والسخرية بالآداب، ومتابعة النفس ووساوسها ومختلجاتها، وهي عند الجميع هدم الآداب، وقتل الحاسة الأخلاقية، وتسويد الإباحة في كل معالم الحياة.

ولكن عوارض هذا المرض قل ما توجد بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة لأنها لا تتجلى إلا في طائفة قليلة من الناس يرونها في الطريق السوي إلى المستقبل والباعث الأكبر على ترقية الحياة وتهذيبها، والافتتان في إصلاحها والسمو بها، ولكن هذه الطائفة الصغيرة هي التي تنشر ظلها على المجتمع كله، لأنها طائفة الأغنياء الظرفاء، وطائفة المتهوسين، فالأولون يتبعهم من بقية الشعب الأدعياء والمتظاهرون والحمقى والمغفلون، والآخرون يؤثرون في الضعفاء والجهلاء والعجزة والعصبيين والجميع يمشون إلى الانحطاط والفساد.

أعراض المرض ومظاهره

أدخل قصور الأغنياء وذوي البسطة في العيش، والمترفين من سكان الحواضر والمدن، وأخطر في دروبها ومنافذها وحجراتها، ونبئني. ماذا نجد؟

أن أول ما يهجم عليك من مظاهر هذا المرض، أزياء النساء والرجال والأطفال، هذه الأثواب الغريبة الأشكال والألوان، هذه الحواشي والقُوارات والمزركشات والمتعرجات، وهذه الشرائط والأكمام والمخرمات، وهذه الربْطات التي تظهر لك ألوان الطيف الشمسي ومخاليطها وأصباغها، وهذه الأفرع المعقوصة والذوائب المرسلة، والسوق السمينة اللطيفة، والنحور الناصعة الجميلة، وهذه الحواجب المزججة المكتحلة، والخدود الأرزية الطلاء، والوجنات الوردية الدهان، والشفاه المحمرة المصبوغة، ثم دع ثياب النساء وبزاتهن، وانظر إلى الأطفال وهم في غرائب أثوابهم وفساتينهم بين سترة حمراء كسترة الجلاد في القرون الوسطى إلى سترة مذهبة كسترة القائد العظيم، وبعد ذلك تحول إلى بزات الرجال تر العجب العجاب، تشهد ضروباً شتى من الغرائب والمضحكات، بينا ترى السترة المتقاصرة لا تكاد تحجب الإعجاز، إذ تصدمك السترة الطويلة تنزل إلى أسفل من الركبة، ثم لا تنس الشعور الملواة، والمفروقة والمدهونة، والمفرق المقصوص، والطرة المسترسلة، والفود المتأود، والمنديل المطل من الجيب، والعصاة الذهبية، والمنشة البيضاء العاجيَّة.

وهذا وأنت إذا دققت البصر رأيت أن كل فرد من هؤلاء يحاول بما يبتكر من الأغراب في التفصيل والتقطيع والخياطة واللون، أن يهتاج التفات الناس واندهاشهم وإن كل فرد منهم - الرجل سواء في ذلك والمرأة - يريد أن يحدث للناس ضرباً من التهيج العصبي الشديد، وغاية الجميع من هذه البزات الغريبة أن يحدثوا تأثيراً ما، مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحية.

ثم يأتي من بعد ذلك نظام البيت وأثاثه ورياشه، فإن كل شيء في هذه المغاني والقصور بهيج الأعصاب، ويذهل الأبصار، ويزيغ الحواس، فإن هذا التنافر الظاهر في كل نفائس الحجرات وطرائفها، وهذه المعارضة البينة في الألوان والأشكال والترتيب والوضع والتنسيق - كل ذلك يراد به إدهاش الناس وتهييج أعصابهم، وتضليل أبصارهم وحواسهم.

ثم تعال نلتمس أصحاب هذه البيوت في مجتمعاتهم وملاهيهم والأمكنة التي يختلفون إليها، ويطلبون فيها اللهو والمسرة والمراح، نجدهم في دور الأوبرا والمراقص ومسارح الغناء لا يصفقون إلا للشهوى من الأغنيات، والمهيج من الأناشيد، والعارية من الراقصات، والمومس من المغنيات، ولا يضجون بالمديح والإعجاب إلا للرواية السخيفة الغرض، والقطعة التمثيلية البلهاء القذرة العفنة، ولا تؤثر الموسيقى في أعصاب أحدهم إلا إذا اختلطت نغمات الأوتار كلها وامتزجت أصواتها، فاستحالت زوبعة من النغم صخابة داوية، ولا غرض له من اللهو ولا مأرب إلا أن تهتاج أعصابه، وتتبعه حيوانيته، ويستعيد في منتصف الليل شبابه ونشاطه وقوته.

وأعمد بعد ذلك إلى تصفح الكتب التي يطالعها سواد الجمهور بطبقاته ومراتبه ليجد فيها مسرته وتهذيبه فإنك ولا ريب ستحمي أنفك أن تؤذي من هذه الرائحة المستنكرة الدفرة التي تتصاعد منها، إذ لست واجداً غير كتب فاسدة عن النساء والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، وعن اللصوصية وغرائبها والشرطة وأسرارها، وحوادث الزنا ووقائعه، والكتاب الذي يريد أن يكون محبوباً من الجمهور، جارياً مع روح العصر، متمشياً مع مودة الجيل، يجب أن يكون قبل كل شيء حيوانياً والجمهور يميل إلى الأقاصيص، على شريطة أن تطبع بطابع العلوم العصرية، كالتنويم المغناطيسي ومناجاة الأرواح، واستحضار الموتى، وأصابع اليد، والحركة في النوم، وقراء الكتب ينتشون اليوم من الشعر الرمزي المظلم المختنق بالاستعارات والرموز والكنايات والمجازات، وإن لم ينطو تحت هذا شيء من الغرض الشريف، أو مسحة من المعنى النبيل فإذا خرج من بين هذه العاصفة الكتابية كتاب فلسفي ممتع، عليه كل ظواهر الصحة والقوة والسلامة، أو رسالة نقية الروح، كبيرة المقصد، أو ديوان شعر حار القصيد، ملتهب الشاعرية، جديد المنحى، فلا يكون نصيبها إلا البقاء فوق رفوف المكاتب، وفي مخازن المطابع، وفي بيوت أصحابها، وعند طائفة معدودة من المهذبين، ومن ثم كان الأصحاء المبدعون من الكتاب والأدباء والشعراء لا يجدون من الإقبال والمكانة والرواج ما يجده السخفاء والزمني والحمقى والأدعياء، وليس ذلك إلا أكبر دليل على أن أعصابنا وأذهاننا لا تقبل إلا السخيف والحيواني والغامض والمظلم والبليد.

وصف المرض وأسبابه

أما وقد وصفنا لك طائفة من الوجوه التي تلتمس فيها أعراض آخر زمن ومظاهره، فنحن منتقلون إلى تشخيص المرض، ثم إلى العوامل التي أحدثته وعملت على نمائه وانتشاره.

أنا نعيش الآن ضعاف الأعصاب، مرضى الأذهان، خائري القوى، مفقودي الرَوْح والنشاط، مخدرين بكل أنواع التخدير، مقتولين بكل ضروب الضعف والزمانة والذهول والفتور، والعالم يئن اليوم من مرضين عضالين يريدان أن يستبدا بكل مظاهر الحياة، ويفتكا بالجيل والناشئة وينحدرا إلى السلالة والذرية، وهما يزدادان كل يوم شرة وتفاقماً وخطراً، وهذان المرضان هما الانحطاط والهستيريا بمراتبهما، ولا نريد بالانحطاط إلا الأمراض العقلية المختلفة التي تدخل في حدود الجنون، وقد عرف الأطباء هذا الضرب من الانحطاط بأنه اختلال في الأجهزة المخية وانحراف فيها عن مستوى العقل الصحيح، وليست الهيستريا وغيرها من الأمراض العصبية بأقل في أحداث آخر زمن من الانحطاط الذهني ودرجاته، ولا يذهبن أحد إلى أن الهيستريا لا توجد إلا بين النساء فإنك لتلتقي بها أحياناً بين الذكران، وهذان المرضان الخطيران سائدان بين الجمهور في البلاد المتحضرة ذائعان، يطبعان أعراضهما على كل عمل يعمل، وكل أسلوب من الحياة يعيش، ويمتزجان بأكثر ما يكتب ويقرأ ويقول.

وقد أرجع أكبر أطباء الغرب هذا الانحطاط إلى التسمم، فإن جيلاً قد اعتاد سواده أن يلح على المخدرات والمنبهات المختلفة الوسائل والأنواع، كالخمور والتبغ والأفيون والحشيش والمورفين، ويكون عرضة للسموم العضوية كالحمى والزهري والسل الرئوي والحنجري وغيرها، سينزل ولا ريب منها حيل منحط مريض، وإذا ظل هذا الجيل المنحدر يأخذ من هذه المخدرات ما أخذ الجيل الذي كان قبله، فأنت واجده ولا شك هاوياً إلى أحط أنواع الانحطاط الذهني، إلى البلاهة والحماقة والعته والذهول وأشباهها، ولو اطلعت إلى الإحصائيات لعرفت مبلغ التسمم الذي يجري كل عام في أجسام الشعوب المتحضرة، ولا تزال المقادير التي يتناولها العالم من المخدرات والمنبهات كل عام في ازدياد مطرد وارتفاع مستمر، ولاسيما الحشيش والأفيون وإن كانت مصيبة مصر وبعض أمم الشرق منهما أشد من مصيبة الغرب.

والعامل الثاني الذي عمل على إنماء مرض الانحطاط، وهو أكبر أسباب مرض العصر - آخر زمن - هو سكنى العواصم والمدن الكبرى، فإن ساكن المدينة الكبيرة - حتى الغني العريض الثراء في قصره الفخيم، محوطاً بكل وسائل الترف والنعمة - لا يزال دائماً معرضاً للمؤثرات الخطيرة التي تنقص من حيويته ومقدار قوته ونشاطه، فهو يتنفس هواء مشبعاً بالجراثيم، ويأكل طعاماً فاسداً ملوثاً مغشوشاً ويحس أنه أبداً هدف للاضطرابات العصبية المختلفة، حتى لا تكاد حاله تفترق عن حال ساكن المستنقعات ومغاشي الحمَّى، ومن ثم كانت درجة الوفيات في المدينة الكبيرة تزيد بمقدار الربع عن باقي سكان المملكة وهي ضعف ما هي عليه في الريف والبلاد الخلوية، وكان ينبغي أن تكون أقل منها، لأن درجة الوفيات في المدينة الكبيرة من الشباب والفتيان ومتوسطي الأعمار أقل منها في الأطفال والشيوخ، هذا وأنت تجد أطفال المدن الكبرى يترعرعون وينمون ويخرجون من أكمامهم حتى الربيع الخامس عشر وتظهر إذ ذاك عليهم علائم النشاط والفتوة والمستقبل. الزاهي المجيد. ولكنك لا تلبث أن ترى أن ذلك النماء قد وقف وأن ذلك الذهن المتوقد السريع البديهة والفطنة قد بدأ يفقد توقده وسرعة بديهته، ويعود متراخياً بارداً بليداً وإذا بك ترى الصبي الذي كان بالأمس مثال النشاط في المدرسة قد أصبح أحمق مفلول القريحة غبي الذهن متكاسلاً.

ونحن نعلم أن الولع بسكنى المدائن والعواصم قد اشتد في هذه السنين بالناس وأنه قد أصبح ضرباً من المرض، حتى أصبحت المدن اليوم غاصة بالسكان مختنقة بالوافدين عليها من القرى والبلاد، ومن ثم أصبح جزء كبير من سكان المملكة هدفاً لهذا التأثير الخطير الذي يسوقه الولع بالمدن، ولم تكن الحال كذلك منذ خمسين عاماً، ومن هنا جعل عدد الضحايا يزداد في كل سنة زيادة جلية فاحشة مخيفة مدهشة، واطرد معها الزيادة المستمرة في عدد المرضى المصابين بالأمراض العقلية، كالمجرمين والمعتوهين والمجانين وسكان مستشفيات المجاذيب.

هذا ولا يزال هناك سبب ثالث أعم من السبب الذي قدمنا، وهو سبب وإن كان غير كاف وحده لإحداث مرض الانحطاط، إلا أنه سبب كاف لأن يبعث على تفشي الأمراض العصبية الخطيرة كالهيستيريا والنيروستانيا وأضرابهما، وهذا السبب الثالث هو التعب الذي يستشعره أهل الجيل الحاضر من قسوة الحياة وتكاثر مطالبها ومشاغلها، والعالم المتحضر يشكو من هذا التعب منذ نصف القرن الأخير، فقد كثرت المخترعات والمكتشفات وتغلغلت جميعها في حياة كل فرد منا ونفذت إلى صميم عيشه، وأثرت أكبر الأثر في أعصابه وقواه، فإن البخار والكهرباء في أيامنا هذه قد غيرا حياة الفرد كل التغيير وطمسا معالم العيش الذي كان يعيشه آباؤنا وأجدادنا، والآن دعنا نقارن بين حال العالم منذ أكثر من سبعين سنة ثم حاله منذ عشرين سنة.

فقد كان في أوروبا عام 1840 ثلاثة آلاف كيلو متر من السكة الحديد فأضحت في سنة 1891 218 ألف كيلو متر وكان عدد المسافرين في هذه السكك الحديدية عام 1840 مليونين ونصف المليون فلم تكن سنة 1891 حتى أضحي 614 مليوناً، وكان مجموع الخطابات التي دارت بين ممالك الغرب في سنة 1840 هو 92 مليوناً من الرسائل، وذلك بخلاف الرسائل الداخلية التي دارت بين سكان المملكة الواحدة، فلم تكد تقبل سنة 1909 حتى صارت 2759 مليوناً، وكان في ألمانيا 305 من الصحف اليومية سنة 1840 فصارت 6800 في سنة 91، وكان منها في فرنسا 776 فصارت 5182، وكان في انجلترا منها سنة 1846 551 صحيفة فأضحت 2255، وناهيك بعد هذا بإحصائيات المطبوعات والمؤلفات وحركة المطابع والمكاتب، فإذا كان ذلك كذلك منذ أكثر من عشرين عاماً فليتصور القارئ مقدار النمو المدهش الذي حدث في هذه الأرقام إلى يومنا هذا، ولا يفوتنه أن يتبين لنفسه النسبة بين حال الغرب من هذه الوجوه وبين حال مصر، فليست هذه إلا صورة مكبرة لازدياد نسبها عندنا، فقد كادت السكة الحديدية اليوم تشبه في هذه البلاد خيوط الشباك ونسيجها، وأضحت مصلحة البريد أكبر من قبل وأكثر عملاً وفروعاً وحركة ونشاطاً، وكثرت عندنا كذلك المطابع والصحف والكتب والمطبوعات.

ومن ثم كان هذا النمو المدهش المسرع وهذا التغير المطرد في وسائل الحياة يتطلبان من الفرد في هذا العصر نشاطاً أشد من قبل، وحركة أكبر، وعملاً أكد، ونصباً أطول، لأن هذه الصحف المتكاثرة تريد كلها أن تقرأ، وهذه المجلات والكتب والمؤلفات ومستخرجات المطبعة والمكتبة تريد أن تطالع، وهذه الرسائل العديدة يجب أن تكتب، ومصالح السكة الحديد والبريد والتلغراف تريد كلها أن تأتي بإيرادها وأرباحها، ثم أن للفرد فوق هذه مشاغل العمل الذي يرتزق منه ومطالب الأكل والنوم وجميع حاجيات العيش، حتى لقد أصبح لساكن القرية الصغيرة في الغرب اليوم من مشاغل السياسة وموضوعات الصحف والتجارة ما يزيد على مشاغل حاكم ولاية من الولايات الكبرى منذ مائة عام، فهو يريد أن يفهم مجاري السياسة في مملكته وفي كل دول العالم وأقطاره، ويهتم بآلاف الحوادث التي تجري في أنحاء الأرض وأركانها، يهتم بالقراءة عن ثورة في تشيلي، أو تمرد في إفريقيا، أو مذبحة في الصين أو مجاعة في روسيا، أو مظاهرة في إسبانيا، وقد أصبح الطاهي في الغرب يرسل من الخطابات والرسائل أكثر مما كان يفعل الأستاذ في الجامعة قبل هذا العهد، وأصبح التاجر الصغير يسافر أكثر مما كان يفعل الأمير.

وهذه المشاغل الكبيرة، حتى التافه منها، تجهد ولا ريب الجهاز العصبي وتضعف الأنسجة وتنحلها، فإن كل سطر نقرأ أو نكتب، وكل وجه نبصر، وكل حديث نتحدث، وكل منظر نشهد من خلال نوافذ القطار الطائر، تحرك فينا أعصابنا وتؤثر في مراكز مخنا، بل إن أقل هزة من القطار - وإن لم نشعر بها - والضوضاء الدائمة المستمرة، والمناظر المتتابعة التي تأخذ أعيننا في شوارع المدينة الكبيرة، وترقبنا للحوادث الهامة الخطيرة، وتلهفنا الدائم على موعد ظهور الصحف، ومجيء ساعي البريد، وقدوم الأضياف والزائرين تكد في أذهاننا وأعصابنا وتهيجها وتضعفها، ولقد أصبح الرجل المتحضر اليوم يؤدي من العمل أكثر مما كان يطلب إليه أن يعمل منذ قرن بمقدار يتراوح بين خمسة أضعاف وخمسة وعشرين ضعفاً.

وأنت ترى أننا على فرط ما نتعب وننصب ونجهد أعصابنا وأذهاننا لا نتناول من الطعام ما يزيد في كميته وجودته عن مقدار طعامنا منذ خمسين سنة إلا الشيء اليسير ولكن هذا المقدار لا يكاد يوازي المتاعب التي تتطلب منا اليوم، ولو أنا عنينا بالطعام واحتفلنا له وأخذنا منه أجوده نوعاً وأكثره مقداراً، لما أغنى عنا ولا أفادنا لأننا لا نستطيع له هضماً، فإن معدناً لا نستطيع أن تمشي مع متاعب أذهاننا وأعصابنا، ومن ثم كنا نسوق بأنفسنا إلى عسر الهضم وأخطاره.

وكان من هذا التعب الذهني والإجهاد العصبي أننا اكتشفنا في السنين الأخيرة عدة من الأمراض العصبية وسميناها بأسماء محدثة، ولا يذهبن أحد إلى أن هذه الأمراض الجديدة كانت موجودة في العالم قبل أن يهتدي إليها وأننا إنما كنا عُمي البصائر عنها، فإننا إذا كنا لم نعثر بها فإنما لأنها لم تكن قد وجدت من قبل، ولأنها من نتائج العصر وويلات الجيل وأمراض المدنية الحاضرة، وكثير من هذه الأمراض يحمل اسم العوامل التي أحدثتها، وهنا نعود فنقول أن ازدياد المقادير التي تناولها الجيل الحاضر من الشراب والمخدرات لا منشأ له في الحقيقة إلا أن الجيل متعب منهوك القوى خائر الأعصاب، ولذلك راح كثير من أهله يتلمس في الكأس طيف الراحة والخمود والهروب من المتاعب والآلام، ويطلب روح النشاط والانتعاش والمراح، حتى إذا وجدوا أن الشراب لا يزيدهم، إلا تعباً وخوراً واهتياجاً للأعصاب، عمدوا إلى متابعة الشراب والإلحاح على الكأس، وهذا هو السبب الذي يجعل من أهل الشراب مدمنين وسكيرين ومخمورين.

وقد دلت الملاحظات على أن هذا التعب اللاحق بالإنسانية في هذا العصر يعمل على تعجيل المشيب وبكور الشيخوخة فقد كان الشيب لا يأتي قبل الآن إلا إذا ألمَّ الإنسان على الخمسين ولكنك لو درت بعينيك في حلقات أصحابك لرأيت أن من بينهم كثيرين قد وخط الشيب مفارقهم وأفوادهم وهم في الثلاثين ومنهم من شاب وهو قبل هذه السن، وقد قرر كبار أطباء العيون أن الناس كانوا قبل اليوم يبدأون بوضع المناظر في الخمسين فأصبحوا يضعونها اليوم في الخامسة والأربعين، وذكر أطباء الأسنان أن أسنان الناس تسقط في هذا العصر أو تختل قبل السن التي كانت تختل فيه في الجيل الماضي.

والخلاصة أن الإنسانية منتهكة القوى، ضعيفة الأعصاب، مريضة الأذهان وأن هذا المرض المخيف يبعثنا على التمرد على الآداب، والهزوء بما يسمونه أحكام العرف والأخلاق، وأن كلمة أخر زمن هي الطابع الذي نطبعه على كل قطعة من مدينتنا الحاضرة.