مجلة البيان للبرقوقي/العدد 29/أمالي أدب

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 29/أمالي أدب

ملاحظات: بتاريخ: 5 - 1 - 1917



بين ظهرانينا أديب فضل لا يكاد يتخلف عن كثير من أدبائنا الذين ملأو الدنيا شهرة، وهو محمد عزت أفندي الذي تكفل للبيان بأن يوافى كل عدد من أعداده بقطعة وافية الأدب العربي يضمنها أطيب ما عثر عليه اختياره من منظوم المتقدمين ومنثورهم مع الشرح والضبط والتعليق، وقد قدم لهذا العدد نبذة طيبة افتتحها بالقول على تفشي العجمة بين الناطقين بالضاد لعهدنا هذا وأن ذلك إنما نشأ من أعراض القوم عن فصيح اللغة والاحتفاظ بالمأثور من بلاغات العرب التي بإدمان النظر فيها والدربة عليها تستقيم الألسنة وتتهذب ملكات البيان ويبقى هذا الدين كتابهم وسنته وشرائعه ومدنياته قائماً محفوظاً معمولاً به، إلى كثير من الأفكار الصائبة التي أودعها مقدمته ثم هجم بعد ذلك على ما قصد إليه من هذا الأملى. قال فمما هو غاية في الإبداع وجمال الأسلوب قول الحارث بن خالد في طول الليل

تعالوا أعينوني على الليل أنه ... على كل عين لا تنام طويل

ويقال أنه أول من ذكر العلة في طول الليل ذم تبعه الشعراء فقال الفرزدق واسمه همام بن غالب وكنيته أبو فراس

يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يهوى من الوجد يسهر

واحتذى أبو معاذ بشار بن برد حذوه فقال

أظن الدجى طالت وما طالت الدجى ... ولكن أطال الليل هم مبرحِ

وقال الوليد بن يزيد

لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... سعدي وإن أسهرت عيني عيناها

فالليل أطول شيءٍ حين أفقدها ... والليل أقصر شيءٍ حين ألقاها

فذكر العلة في طول ليله وزاد عليها العلة في قصره وجاراه مؤيد الدولة الطغرائي فقال

ليلي وليلي نفي نومي اختلافهما ... حتى لقد صيراني في الهوى مثلا

يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالوصل ليلي وإن جادت به بخلا

ثم جاء من امتثل قول الفرزدق وثنى بقول الوليد فقال

أخو الهوى يستطيل الليل من سهر ... والليل من طوله جار على قدره

ليل الهوى سنةٌ في الهجر مدته ... لكنه سنةٌ في الوصل من قصره

أما علي بن العباس الرومي خواص الشعراء فقد رمي الغرض الأقصى في طول يو الهجر فقال:

يحول الحول في الوصل ... ويبقى لي تذكاره

ويوم الهجر والبين ... كيوم كان مقداره

يشير إلى قوله تعالى (كان مقداره خمسين ألف سنةٍ)

وربما ضربوا صفحاً عن ذكر العلة في طول الليل أو اليوم وقصره لأن الحال تقتضيها أو أن ذكرها من قبيل الإتيان بما لا يشك فيه ما دام الإجماع على سرعة انقضاء ساعات السرور وبطء مرور مضاداتها واقعاً في النفوس ومن ذلك قول امرئ القيس بن حجر الكندي

ألا أيها اليل الطويل ألا انجلي ... بصبحٍ وما الأصبح منك بأمثل

فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأن الثريا علقت في مضائها ... بأمراس كتان إلى صم جندل

ويذبل اسم جبل ببلاد الحجاز وكثيراً ما يسمى بيذبل الجوع لأنه مجدب أبداً. والأمراس جمع مرس. وهو الحبل. وصم. صلاب واحدها أصم والأنثى صماء والجندل الصخرة والجمع جنادل. وهذا معنى لطيف ظريف لم يتفق لكثير بعده أما بلاغة الأبيات فهي النهاية في الإبداع. فإنه لما توهم أن النجوم مشدودة بالحبال في الجبل جعل الحبال محكمة الفتل وأنها من الكتان ليدل على متانتها وعجز النجوم عن قطعها وخص الجبل بيذبل لأنه صخري والصخر قوي يصعب نزع الأمراس المشدودة عليه. ثم أفرد الثريا بالذكر من بين النجوم ليدل على شرفها وتقدمها. وكانت هذه عادة العرب في تعظيم الثريا وأنهم إذا ذكروا جملة أن يفردوا أشرفها عندهم وأعظمها وقعاً في نفوس ويخصون بالذكر كما في قول إمرئ القيس. وقد جاء في القرآن الشريف مثل هذا ومنه قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان والنخل والرمان من جملة الفاكهة.

أما أصرم بن حميد فقد جعل الكواكب مقيدة ولم يتعرض لبيان نوع القيد كما فعل إمرؤ القيس. قال

وليل طويل الجانبين قطعته ... على كمد والدمع تجري سواكبه

كواكبه حسرى عليه كأنها ... مقيدة دون المسير كواكبه ومن الشعر المليح الخفيف الروح قول كشاجم في قصر الليل

وليلةٌ فيها قصر ... عشاؤها مع السحر

صافيةٌ من الكدر ... تقضي ولم يقض الوطر

في مثلها ألتذ السهر ... تمحو إساآت القدر

وتترك الدهر أغر

وقول كشاجم - عشاؤها مع السحر - من قول ابن المعتز ملك الشعراء في التشبيه

يا ليلةً كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر

وأبلغ ما قيل في سرعة انقضاء ليلة السرور قول محمد بن أحمد العلوي المشهور بابن طباطب

وليلةٌ مثل أمر الساعة اقتربت ... حتى تقضت ولم نشعر بها قصرا

لا يستطيع بليغ وصف سرعتها ... كانت ولم تعتلق وهماً ولا نظرا