مجلة البيان للبرقوقي/العدد 29/الأخلاق والاجتماع

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 29/الأخلاق والاجتماع

ملاحظات: بتاريخ: 5 - 1 - 1917



مختارات من آراء ليوباردى

الكونت جيا كوموليوباردى من أكبر كتاب الدنيا الذين قسموا الناس شيعاً بعدهم وأحزاباً. وهو اليوم أمام نصف العالم أو أكثر. لأنه يقود وراءه جميع المتشائمين في الأرض وهو في آرائه في الحياة والموت والناس أبدع من المعري وشوينهور. بل أنهما ليعدان متفائلين بالنسبة إليه. وكانت وفاته عام 1833 في التاسعة والثلاثين. وقد عاش أكثر عمره مريضاً حزيناً متألماً. وسننشر تباعاً في البيان مختارات آرائه.

إن العالم ليس إلا مؤتمراً من الأشرار حرباً للأخيار. وطائفة من اللئام أعداء للكرام. وإذا تلاقى شريران للمرة الأولى في حياتهما لم يلبثا أن يعرف أحدهما الأخر على حقيقته في صمت وسكون، كأن بينهما دلائل لا تبدو لغيرهما، ولم ينويا أن يصبحا أخوين حبيبين في التو والساعة، وإذا لم تسمح مصلحة كل منهما بالإخاء والحب، فلا يسع أحدهما إلا الإحترام صاحبه والإطمئنان إليه. وإذا كان لشرير شأن مع جماعة من الأشرار أو وقعت بينه وبينهم معاملة، فلا يكون ملكه معهم إلا الإخلاص والصدق، ولا يفكر يوماً في خديعتهم، ولكنه إذا ارتبط بمثلها مع نفر من أهل الشرف والخير، فيستحيل عليه أن يتركهم دون الغدر بهم. وإذا رأى الفرصة سانحة له، خرب بيوتهم تخريباً، وإن يكن يعلم مع ذلك أنهم من أهل البأس والشهامة وأنهم قديرون على أن يثأروا لأنفسهم، لأنه يعلل نفسه إذ ذاك بأنه سيهزم بحيله وخدعه شجاعتهم وبأسهم ولقد رأيت كثيرين من الضعفاء الجبناء وجدوا أنفسهم في مأزق بين شرير أضعف منهم وبين رجل خير شهم، فآثروا أن ينحازوا إلى الشرير مخافة منه ورهباً، لأن الحياة أهل الوفاء والشهامة ظاهرة واضحة، وأما الأشرار اللؤماء فشأنهم الأسرار والغموض، والمجهول أبداً أدعي إلى أحداث الرعب من المعلوم والإنسان يستطيع بكل سهولة أن يحتمي من ثأر الأخيار. ولكن لا تستطيع الحيل والألاعيب والمكامن أن تدفع عنك شر غموض اللؤماء من أعدائك، وكذلك ترى الشهامة في العالم قلما يخاف منها أو يحذر شرها، لأنها تحتقر الخداع والكذب والغش، ومن ثم لا تحاول أن تتخذ مظهراً مخيفاً مرعباً، على حين ترى الأشرار مخوفين، يظن بهم الشهامة لأن الناس ينخدعون بهدوئهم الرهيب.

وأنت قلما ترى الأشرار اللؤماء في نكد من العيش، وإذا وقع شهم في الفاقة فلا ترى إنساناً يمد يد العون والغوث، بل كثيرون يبتهجون بفاقته، ولكن إذا تعثر لئيم يوماً في شدة، فلا تلبث أن تنهض المدينة كلها لإنقاذه وإغاثته والسبب بلا ريب بين واضح، وهو أننا بطبيعتنا نحزن لمصائب رفيق لنا، لأن متاعبه لا تزال في نفسها تهديدات لنا ونذراً، وحيث أن الأشرار هم الفريق الأكبر من العالم، وهم الذين في يدهم القوة، ويعدون غيرهم من اللؤماء الأشرار - وإن لم يعرفوهم - رفاقاً لهم وأحباباً، فهم يجدون من الواجب عليهم أن يتعاونوا في الشدائد، إذ يظنون من الفضيحة في حقهم أن يري الناس لئيماً في شدة!

لا يجد الإنسان قط في المحادثة لذة أو بهجة إلا إذا انطلق يتحدث عن نفسه أو مهنته أو ما يشغله من شؤونه ومزاياه، فإذا انحرف الحديث عن هذا السبيل انقبض وثارت في نفسه السآمة والملل، وإن كان السرور الذي يداخلنا ونحن نعلن عن أنسفنا هو البلاء كله على المسامع، فإذا أردت أن نشهر بأن تكون محبباً مؤنس العشرة فاعلم أنك ولا شك ستقاضى عن هذه الشهرة أشد الصبر والألم، لأن الذي يشهر بلطف العشرة هو من يصبر على أنانية الناس في حديثهم، ويؤثر الصمت على الكلام، وهذا لعمري شديد الوطأة على النفس وفيه البلاء والعذاب.

فإن جلست إلى إنسان فاجتهد في أن تسوقه إلى الكلام عن نفسه. وعن شؤونه ما شاء حتى يفارقك وهو راضٍ عن نفسه كل الرضى، وأنت ضائق الذرع مقتول مما عانيت.

إن الرجل الذي يظفر بحاجة كان يطلبها بعد متعبةٍ أو طول عناءٍ أو مضض تطاول وتسويف، يحس بأشد الغضب والسخط إذ يري غيره ظفر بها في سهولة ورفق، وإن كان ذلك لم يفقده شيئاً من حاجته، ووجه غضبه وحقده أن حاجته تبدو له كأنها قد خسرت شيئاً من قيمتها إذ يراها قد وقعت إلى رجل لم يكدح كدحه، ولم يشق شقاءه.

لا مناص للإنسان من أمرين، فإما أن يضيع شبابه تضييعاً وإن كان الشباب هو الزمن الذي يدخر فيه الإنسان شيئاً لشيخوخته وعجزه عن العمل - وإما أن يقضيه تأهباً وكدحاً على أمل أن ينعم ويبتهج في زمن لا يستطيع فيه النعمة والبهجة.

مركز المرأة الإجتماعي

1 الضعيف لدى الجمعيات الساذجة مهضوم الحقوق وذلك لضعف العاطفة الأدبية في نفوس المتوحشين وفقدان السلطة العمومية أو عجزها - إن وجدت - عن كبح جماح القوى. وعلى قدر رقي الأمة يحترم الضعيف، والمرأة أضعف من الرجل تسوء معاملتها بين المتوحشين ويعلو قدرها بين المتمدنين ومن معاملة الرجل للمرأة نقدر أن نحكم على نصيب الأمة من التقدم والتأخر. ولو تصفحنا الأمم لوجدنا أقلعا مدينة أشدها قسوة على المرأة. وكلما ارتقت الأمة ارتخت قيود المرأة وخف عبؤها ففي أستراليا حيث الوحشية ضاربة أطنابها بين السكان الأصليين تقاسي المرأة أشد أنواع العذاب، تكاد تكون حيواناً داجناً ومتاعاً للرجل، يلهو بها ويسخرها في أشق الأعمال وأكثرها تعباً ونصباً. فهي التي تحمل الأثقال العظيمة وتقوم بجميع مهام الحياة ما عدا الصيد والقتال، لا تأكل حتى يمتلئ الرجل شبعاً ويرمي لها فضلات طعامه. هي والكلب في مستوى واحد. إذا مات زوجها تصبح بعد ثلاثة أيام من موته ملكاً لأخيه. قل أن تموت ميتة طبيعية إذ في الغالب يعجل عليها ويقضى على حياتها من قبل أن تشيخ وتصير عالة تستنفد طعام القبيلة من غير مقابل. وإذا انتابت القبيلة مجاعة تذبح النساء لتقتات بلحومهن.

وفي فيجى للرجل أن يبيع زوجته، وإن شاء فله أن يقتلها. وغالباً ما ترى مشدودة على خشبة أو مصلوبة على شجرة وزوجها نازل عليها بالسياط. وفي كلدونيا الجديدة لا يحق للمرأة أن تؤاكل زوجها أو تساكنه. ويحل بها كل يوم من الآلام والعذاب ما يبغضها في الحياة ويحملها على الإنتحار فتنتحر غير آسفة على عيش عبوس.

وفي إفريقيا لا تقل المرأة تعاسة عن أختها في أوستراليا غير أنها لا تؤكل إلا نادراً لكثرة الصيد في إفريقيا. بيد أن السير بيكر شاهد في جوندوفرو وليمة كبيرة كبيرة من لحوم الجواري والفتيات تعامل المرأة في إفريقيا بأشد أنواع القسوة وتلاقي من الظلم ما يفتت قلب المتمدن ويقشعر منه جسمه. يحتقرها جميع الناس حتى أولادها لا يطيعونها ولا يصغون إليها. لا تأكل مع زوجها وينهال عليها بالرفس واللطم لأقل هفوة. ترفق بالبقر ودواب الحمل. وتستخدم في حرث الأرض وحمل الأثقال من غير أن يكلف الرجل نفسه مؤونة مساعدتها.

مسكينة المرأة تنصب من غير حمد ولا شكر. وينهال عليها زوجها وسيدها ضرباً ولكماً من غير أن يرثي لحالها أو يصغي لأنينها أحد. يعدها الرجال من سقط المتاع فلا تستحق منه رأفةً. ويظهر أن هذه حالها لدى جميع المتوحشين مع تفاوت في الشدة حسب الطبائع والأمزجة. ففي (بولونيزيا) لا يسوغ للمرأة أن تنضج طعامها مع طعام زوجها على نار واحدة ولا يحق لها أن تأكل في الكوخ الذي يأكل فيه ويحرم عليها بتاتاً أن تلمس قبعته وسلاحه بيدها لئلا تدنسها ويجب عليها أن تطيعه وتسلم نفسها لمن يريده من ضيف أو صديق وتحمل أجر عفافها.

ولا يقل متوحشو أمريكا قسوة وفظاعة عن بقية المتوحشين ففي (فيجي) إذا شاخت المرأة تقتل خنقاً بدخان خشب أخضر ويؤكل لحمها. وإذا سئل الرجل لماذا لا يبقى على امرأته ويذبح كلبه قال الكلاب أنفع لنا من النساء فإنها تجلب إلينا الصيد. وهذا هو جزاء المرأة على شقائها ونزولها الماء الزمهرير لصيد السمك والمحار وتعرضهن لجميع الأخطار والمتاعب لخدمة زوجها مدة شبابها.

أما في بقية القارة الأمريكية حيث العيش أقل ضنكاً لا تؤكل كل النساء ولكن مقضي عليهن طول الحياة بأشق الأعمال فهن اللاتي يحملن الأطفال والأمتعة حينما تنتقل من مكان لأخر ويحرثن الأرض ويحصدن الزرع ويهيئن الطعام ويسحبن العربات إذا لم تتوفر الخيل.

أما في آسيا فأرق طباعاً من القارات التي سبق ذكرها. والمرأة فيها أحسن حالاً ولكنها لا تعد سعيدة على كل حال ففي الصين حيث المدينة أرقى وأرسخ فدماً تساس المرأة بنوع من الشفقة غير أنها أقل قدراً واحتراماً من الرجل. إذا ولد لأحدهم بنت ولم يكن له ابن حزن وأعد نفسه عقيماً، وتباع الفتيات الصينيات في الأسواق كالسلع. ولا يسوغ للصينية أن تأكل مع زوجها وأبنائها الكبار ويجب عليها أن تقف في أدب وسكون لخدمة زوجها أثناء طعامه.

وفي (برماني) شهادة المرأة وحدها غير كافية وإذا طلبت الشهادة أدتها على باب المحكمة من غير أن تدخل خوفاً من أن تدنس المحكمة. والأب بمقتضى شريعة (مانو) قيم على ابنته إلى أن تتزوج فإذا تزوجت أصبح زوجها القيم عليها فإن مات فإبنها أو أحد أقارب زوجها فإن لم يوجد واحد من هؤلاء فالملك. ويتحتم عليها كلما قابلت زوجها أن تقابله ببشر وبشاشة ويجب عليها أن تحترمه وتقدسه ولو خانها ولا تذكر اسم رجل آخر إذا ترملت وما زالت هذه الشريعة إلى الآن أس التشريع في الهند.

وفي غرب (أفغانستان) تعد البنت وحدة النقود وفي كثير من الشرائع القديمة (كشريعة مانو) لا ترث المرأة. وفي روسيا إلى يومنا هذا لا ترث البنت من أبيها إلا جزءاً من أربعة عشر من العقار وسبع المنقول. للكلام بقية