مجلة البيان للبرقوقي/العدد 30/باب الأخلاق والاجتماع

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 30/باب الأخلاق والاجتماع

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 1 - 1917


مختارات من ليوباردى

الفيلسوف المتشائم

أغنية الديك

قالوا أنه يوجد بين الأرض والسماء ديك بري، ساقاه يلمسان أديم الأولى ومنقاره وعرفاه ينطحان صفحة الثانية، وقد أوتى هذا الديك العظيم قوة العقل والمنطق، ولقن كما يلقن الببغاء علم الكلام، وإن كنت لا أعلم الذي لقنه، ولا أدري عمن أخذ هذا العلم، ولقد إعتاد هذا الديك فغي نسمات السحر، ومقتبل هجمة الصباح، أن يصيح بأغنيةٍ له غريبة، وترنيمةٍ مدهشة. وقد عثرت بها مكتوبة بالعبرانية، فحدثت نفسي أن أنقلها إليكم. وأفكهكم بمعانيها، وقد نجحت في ذلك بعمد البحث الطويل والجهد الشديد، ولكني لم أستطع أن أعرف إذا كان هذا الديك لا يزال يغني كل صباح أغنيته، أم قد أمسك اليوم عنها.

والآن هذه أغنية ديك الصباح فاسمعوا.

أيها الناس، أفيقوا، أيها الأحياء انهضوا، هذا هو اليوم يعود إلى دورته، هذه هي الحقيقة تراجع إلى الأرض، إن الأحلام الكاذبة تختفي الآن وتحتجب، أنهضوا أبناء الموت إلى عبء الحياة، دعوا جانباً عالم الأحلام، وتعالوا إلى عالم الحقيقة.

هذه هي الساعة التي فيها تذكرون آراءكم في الحياة وظنونكم، وتستعرضون في أذهانكم أمور عيشكم، وتستعيدون ما كان يجول في خواطركم من نياتكم وشؤونكم وآمالكم، وتتوقعون المسرات والمتاعب التي قد يسوقها يومكم الجديد إلى ناحيتكم، وإنكم لتودون جميعاً أن تستشعروا المشاعر السارة والأماني العذبة، والعلالات الفرحة الناضرة، ولكن هذه الرغبة لا توهب إلا للقليلين، لأن اليقظة مؤلمة للجميع، إذ لا يكاد المنكوبون المتألمون يفيقون من نومهم حتى يفيق معهم إحساسهم بشقائهم وعذابهم، ولئن كان لا شيء أعذب من ذلك النوم الذي يحبئ به الفرح والراحة والأمل، ويمتلئ بالرؤيا البديعة، ويبارك بالحلم الذهبي، فإن تأثيره لا ينى أن يضمحل ويزول برجعة اليوم ومهب الصبح.

فلو أن نوم الناس كان دائماً، ولو أن الحياة كانت نوماً، ولو أن الأحياء تحت كوكب النهار يظلون في سبات عميق ساكن فلا أحد يذهب إلى العمل، ولا إنسان ينطلق إلى الكدح والدأب، نعم، فلو أن لا ثور يخور في المرعى، ولا وحش يزأر في الأجمة، ولا أطيار تغني في الفضاء، ولا تطنين للنحل، ولا تمتمة للفراش، أجل، لو أن جميع الكائنات على الأرض كانت صامتة جامدة، وليس في العالم إلا المياه والرياح والعواصف والأنواء، إذن لأصبح الكون عقيماً تافهاً، ولكن أتكون السعادة أقل منها الآن، أو يروح الشقاء أكبر منه اليوم، أيتها الشمس، يا منشئة النهار والرقيب على الليل هل رأيت دوة القرون العديدة التي تقاس بمطلعك ومغيبك، إنساناً واحد كان سعيداً، وهل تعرفين من جميع أفعال الناس، فعلا واحداً ظفر بالغرض الأكبر الذي يطلبه صاحبه وهو الرضى والبهجة الدائمة، هل ترين اليوم أو رأيت بالأمس أو عثرت من قبل بالسعادة على الأرض؟ أنبئيني أين تسكن وأي مكان تحل، في أي حقل أو أي غاب وأي واد، وعلى أية ربوة وأي جبل، وفي أي إقليم كانت تقطن وفي أية صحراء، وفي أي كوكب من هذه الكواكب التي تستضيء بلهبك وسطعتك، ألعلها تختفي منك في أعماق الكهوف ومكامن البر، ومخابئ البحر، أي حي وأي نبات وأي مخلوق يتمتع بنصيب منها، وأنت التي تجرين النهار والليل دون نوم أو راحة أو ترفيه، عادية في الطريق المستطيل الذي أعد لك ووضع، أتراك سعيدة ناعمة البال أم تراك محزونة معذبة.

أيها الناس. أفيقوا. أفيقوا. إنكم لم تتخلصوا بعد من الحياة، وسيأتي الوقت الذي فيه لا قوة ولا إحساس ولا نبأة تزعجكم من سكون النوم وهدأته، وإذ ذاك تهجعون إلى الأبد دون ملل أو سآمة، إن الموت منحة لم تمنحوها بعد، وهبةٌ لما توهبوها. وإنما تعطون من حين إلى حين شبيهاً له وصورة منه لأن الحياة بدون فترات من الراحة لا تستطيع احتمال نفسها ولا تستطيع الصبر والبقاء، ولذا كان الحرمان من النوم شراً مخيفاً وداعياً إلى النوم المستطيل الأبدي، وما أحقر الحياة وما أضأل، إنكم لأجل حفظها تضطرون إلى طرحها حيناً حتى تستجمع قواها، وتستردوها بعد أن تذيقوها طعم الموت.

إن الساعات الأولى من الصبح لا تزال وإن لم تكن سعيدة أخف احتمالاً على الناس من بقية ساع اليوم ورحلاته. إن الناس جميعاً يحاولون أن يختلقوا لأنفسهم الفرح ويميلون إلى الشعور بالإبتهاج، وإن لم يكن لديهم من أمورهم ما يستحق ذلك، وفي الصباح يقل ألمهم من عبأ الحياة وأوزار العيش، فالرجل الذي كاد اليأس يلتهم روحه قبل أن يتولاه النوم في الليلة الماضية، لا يلبث إذ يفيق أن يعود إلى التعلل والأمل، وإن كان تعلله باطناً، وأمله كاذباً طائشاً، وإن المتعب والمخاوف والأحزان والمناكد لتبدوا في مشرق النهار ومطلع الفجر أقل وحشة وإرعاباً منها في ليلة الأمس ومسائه، بل إن المرء لهزأ بالآلام التي عاناها البارحة، والأحزان التي أحسها العشية الفائتة وأنه ليضحك من نفسه لحزنه وألمه ويعدها أوهاماً كاذبة، ومخاوف تافهة.

وإذا كان الماء أشبه شيء بالشيخوخة، فإن الصباح أقرب ما يكون إلى الشباب. لأنه أكثر ما يكون ضحوكاً مطمئناً واثقاً، على حين يكون المساء حزيناً كئيباً متوقعاً للشر مشفقاً من السوء. ولكن هذا الشباب الذي تشهدونه أيها الأحياء في مطلع كل يوم ليس إلا صورة من شباب أعماركم القصيرة المتعبة. وكما تسرع الحياة إلى خاتمتها يجري النهار إلى المساء.

خواطر أخرى للفيلسوف

على قدر حاجة الإنسان يكون شره، فإذا رأيت رجلاً يعيش هادئاً طيب السيرة، محمود السلوك، فثق بأنه مكفي الحاجة، لا يجد ضرورة للشر. ولقد رأيت أناساً من اطهر الناس قلوباً، وأعفهم طبيعة، وأرق القوم حشية، عمدوا إلى ارتكاب أفظع الكبائر لكي يتخلصوا من خطر كان محدقاً بهم أو حاجة كانت تمسهم.

إذا رأى القوم في مجلس سمر جليسين يتحدثان ويضجان بالضحك في جذل غير عادي، دون أن يعلموا موضوع هذا الحديث وباعث هذه الضحكات المتطاولة، فلا يلبث أن يتولى الحضور طائفة من الخوف وينتشر في وجوه الندى ظل من الرعب، ولا تلبث أحاديثم أن تتغير فمنهم من يصاب بالصمت ويعتصم بالخرس والسكوت، ومنهم من يعمد إلى الإنصراف وترك المجلس، وأما أهل القلوب الجريئة فمنهم ينضمون إلى الضاحكين يسألونهما الإشتراك في هذا الضحك والإسهام في هذا الجذل المتدفع، كأنما هذه الضحكات قنابل انطلقت من مكان قريب، لا يعرف مصدرها، ولا يعلم الحضور أين تقع منهم هذه القذائف ومن تصيب، ومن تحطم وكذلك ترى الضحك يبعث على احترامنا وإكبار شأننا حتى عند الغرباء، ويلفت أنظار الحافين من حولنا، ويهبنا رفعة وتفوقاً وسمواً على الجالسين في مجلسنا، فإذا ألفيت نفسك يوماً في مجمع لا يحفل بك أهله، أو يتلقونك ببرود أو كلفة أو جفاء، فليس عليك إلا أن تتخير منهم الجليس الذي تظنه يلائم مقصدك، ثم أهتف معه بالضحك. وانطلق من التهليل والاستخفاف والجذل، ولكن عليك أن تحاول جهدك أن تجعل ضحكك يبدو صادقاً غير متكلف، وإذا رأيت منهم قوماً يريدون أن يقابلوا ضحكك بمثله، فليكن ضحكك أطول من ضحكاتهم وأشد صيحة وارتفاعاً، فإنك لا تنوي أن ترى أشجع الحضور وأكبرهم إباء وأربطهم جأشاً. والذين كانوا من قبل يتهاتفون بك ويتضاحكون منك قد عادوا ينهزمون أمامك ويتراجعون إزاء قوتك، ويميلون إلى مهادنتك ومصالحتك، وعقد أولوية السلام معك، وتقديم آداب الصداقة والود إليك، وكذلك فلتعلم أن الضحك قوة كبرى لا يستطيع أشجع الناس أن يناهضها أو يستخف بها، فالذي يريد أن يكون سيد الأرض، فليضحك من العالم بأسره.

إن الدنيا إزاء العظماء والأبطال أشبه بالمرأة، فهي لا تعجب بهم فقط، بل تحبهم كذلك، وتتعشقهم، إذ يفتنها منهم قوة خلقهم وشدة بأسهم، والدنيا المرأة، لا يكون حبها للعظماء، إلا على قدر ما يظهرون نحوها من الإحتقار والقسوة، والرعب الذي يدخلونه عليها.

لقد كانت فرنسا تحب نابليون أشد الحب، وكان نابليون معبود القوم، ومع ذلك كان يسميهم طعاماً للمدافع، وغذاء للبنادق.

كتاب المساكين

هو الكتاب الفلسفي القيم الذي وضعه الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي وأشرنا إليه في بعض أعداد البيان منذ أشهر ونقلنا منه فصلين تركا الأدباء وأهل الرأي يستبطؤون دورة الفلك من شوقهم إلى هذا الكتاب. وقد كان أديبنا الرافعي عدل عن طبعه بعد أن صحت نيته على الطبع إذ وجد سوق الورق كلها تسوق بنفسها في هذه الأزمة ثم كان مع العسر يسر فأصبح هذا الكتاب النفيس وشيكاً أن يظهر. ونحن نتحف قراءنا الأفاضل بهذه القطعة الرائعة من مقدمة الكتاب وقد اختص الرافعي بنشرها البيان.

وأنت فربما رأيت الرجل من الناس وبه من جمال الدنيا مسحة الدينار، وعليه من نضرة هذه الحياة ألوان الجنة والنار، وما تشك في أنه واسع البسطة عريض النعمة طيب المكسبة وهو على ذلك رقعة خلقة في أذيال الفقر يجررها على أقذار الحياة وأدناسها ولو نطق له الغني لقال دعني فما كل ذي متربة فقير ولا كل ذي مثراة غني والفضائل قائمة في الدنيا بالصغار والفقراء ولكن من نكد الدنيا أن عنوانها هم الكبراء وحدهم، على أن أكثر هؤلاء لا تكون منهم في كل أمة إلا الطبقة المنحطة انحطاطاً. . عالياً. . . فالناس مخطئون فيما اعتبروا به معنى الفقر إذ حصروه من جهاته الأرضية وقد ترامت، وضيقوا من حدوده السماوية وقد تراجت وإنما هو طبقة معنوية فوق الأرض، وإنما هو أسلوب خاص في نظام الكون ولا سبيل إلى التنقيح والتحرير في أساليب لله نصرفها عن معانيها أو نتكذب في تأويلها أو نرد عليها ما ليس منها، وإنما الشأن كله أن نحسن الفهم عن أوضاع القدرة الإلهية بمقدار ما نستبين فيها من الحكمة فإن في ذلك صلاح أنفسنا، وما جعل الله سبيل المصلحة والمفسدة إلا من أفهامنا حتى أن الأدمغة لتعد من أكبر العلل في أمراض التاريخ الإنساني، وربما كانت العلة الكبرى في طائفة من الطوائف صورة أثرية لأكبر المثراة ما يكون سبباً لتكثير المال ترامت وتراجعت بمعنى اتسعت رأس. فيها فإن نحن أسأنا الفهم أو ذهبنا به المذاهب أو أفسدنا من تأويل حكمة الله أو غيرنا أو بدلنا فذلك واقع بنا لا يعدونا، وما يستولي على الكون من جهلنا اضطراب ولا تلحق به آفة في وضع من أوضاعه وإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

وما دام في هذه الدنيا شيءٌ من المادة أو المعاني يحتاج إليه أو يتوهم أحد أنه محتاج إليه ففي الدنيا الفقر.

وما دام للناس رغبة يتنافسون فيها أو يرفعون من شأنها بالمنافسة فلم الحسد. وما دام في الغيب أيام وآمال وفي الدنيا فقر وحسد فهناك الطمع.

وما دام هؤلاء الناس من أشيائهم ما تحملهم أخلاقهم على الظن به أو يكون سبيله من الطبيعة أو يضن به، وفيهم الفقر والحسد والطمع فلم خبء السوء والرذيلة الماحقة وثم البخل. وإن البخل وحده لفي حاجةٍ إلى نبي يصلحه.

وهذه أخلاق أعرقت فيها الإنسانية ولا بد منها ومن فروعها حتى يظل الناس ناساً لا ملائكة ولا شياطين فإن من عجيب حكمة الله أنه لا صلاح للعالم إلا بالفساد الذي فيه.

بيد أن في كل شر جهة من الخير أو جهة تتصل بالخير فإذا صلح فهمه صلح هو أيضاً أو كأنه صلح لظهور حكمته والوقوف به عند حد الشر الطبيعي وهو الشر الذي لا بد منه.

فليكن الفقر والحسد والطمع والبخل ولكن برضاً يمنع السخط وسكون يكسر شرة النفس ورفق لا يعنف على الحق واعتدال يقر كل شيءٍ على حده. يومئذٍ يجد الإنسان في كل نزوة من نزوات جنونه شيئاً من الحكمة أو على الأقل شيئاً يمكن من بعض الوجوه أن يسمى في باب المنفعة الإنسانية حكمة.

ولقد كان الفقر عريان يوم كان آدم في الأرض وليس عليه إلا ما خصف من ورق الجنة وعاش دهراً تحت السماء يلبس من ضياء كل كوكب ويمرح في ثياب بيضاء من أشعة القمرين إذ لم يكن يعرفه أحد بعد ولا استطربه سماع السوء في الأحياء، بل كان عنصراً مجهولاً في غيب الطبيعة. ولم يكن لهذا الإنسان يومئذٍ من المعاني الفقرية. . . غير شعور طبيعي لا زيغ في تأويله عن الطبيعة وهو شعور المعدة القوية المعصوبة التي لا تحتمل الشعر والخيال وفنون الكذب العقلي ولا تشعر إلا لتطلب ولا تطلب إلا ما تجد، ومتى وجدت وإنطفأ نهمها فليس إلا قوة الجسم وانبساط النفس وحمد الله في كل ضرب من ضروب الجمال في الخليقة.

ثم كانت عداوة ابني آدم إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وفتحت الصفحة الأولى من تاريخ الدم الإنساني في الأرض فكان البغض أول سطورها وجاء من بعده الفقر وخطت بعد ذلك سطور وسطور كلها يلتقي إلى هذين المعنيين. يومئذٍ عرف هذا الفقر وأصبح يتلبس في كل إنسان بمعنى يلائمه إذ لم تعد الحياة هي الحياة بل الوسائل التي يدفع بها الموت ومنها الموت نفسه، فصار البغض وسيلة والحسد وسيلة والطمع وسيلة والقتل وسيلة وكل ذلك لأن الإنسان فقير بمعنى من معاني الفقر وما البغض إلا فقر من المحبة ولا الحسد إلا فقر من الثقة ولا الطمع إلا فقر من الرضا ولا القتل إلا فقر من القتل.

وإن أردت العجب فاعجب لهذه الطبائع الإنسانية إذ يحاول كل امرئٍ أن لا يفهم من معنى الفقر إلا ما يمكن أن يجريه على الناس كافة حتى هو وحده المبتلى في نفسه الممتحن في سعادته وحتى يجد مادة العزاء من حيث التمسها.

فالفقر على ذلك هو العوز إلى المال، وهذه بلية عليها يحيى الناس وعليها يموتون. ولقد كان الفقر قبل أن يكون المال ثم وجد المال فما منع أن يلتقي أهله الأغنياء من هموم الدنيا وبأس الحياة ما لو استطاعوا لافتقدوا من عذابه بكل ما في أيديهم ولو أن لهم طلاع الأرض، ذهباً ووجدنا المال فما منع الفقراء أن يخولهم الله من رحمته التي لا تفارقهم طرفة عين ما لا يحبون أن لهم به من الدنيا ولا الدنيا كلها.

دخل بعض الفقراء على رشيد العباسي وتاجه يوم إذن سبيكة العصر الذهبي في تاريخ الإسلام والإسلام يومئذٍ ترتجف به دفتا الشرق والغرب وكأن الشمس والقمر يتلألآن عل أرجاء ملكه ذهباً وفضة، وكانت في يد الرشيد كأس ماء وقد رفعها إلى فمه فلما أبصر ذلك الملك الذي لا يملكه شيء أمسك ثم قال له عظني. قال أرايت يا أمير المؤمنين لو منعت عنك هذه الشربة التي في يدك أكنت تطلبها بكل ملكك؟ قال بلى. قال أفرأيت لو شربتها ثم امتنع خروجها منك أكنت تفتدي من عاقبة ذلك يا أمير المؤمنين ما قيمة ملك لا يساوي عند قدر الله شربة ولا. . . . ولا بولة!

كذلك يحاول الناس أن لا يخطئوا الرأي فيما يستحبونه أو يطمئنون به وكأنهم لذلك يحاولون أن لا يصيبوا الحق فيما يكرهونه أو ينفرون منه، فكلهم سواء في ابتغاء السعادة المتوهمة التي لا يستحيل أن تتفق ولكنها لا تتفق إذ يزيدها كل امرئ على غير ما يناسب تكوينه الإنساني. وهم بعد على سواء من خشية الفقر لا تبرح أوهامهم تنتجي بمعانيه وهمومه ثم لا تبرح تنمي بها حتى صار الفقر في أنفسهم غير الفقر في نفسه وقد علم الله أنه ما من لسان إلا وفي تكوينه معانٍ كثيرة منه.

لهذه القطعة بقية

مركز المرأة الإجتماعي

(2)

من أحسن من نفسه الضعف لا يخجل من الدنايا، ومن تربى على الذل هانت عليه نفسه، ومن اعتاد احترام الغير له عزت نفسه عليه، واحترام النفس خير درع يقي الإنسان شر الخبث والرذيلة فإذا تربت البنت على الأنفة وإباء الضيم عميت عيناها عن السفاسف وغرست في أولادها مكارم الأخلاق، فخير حارس للآداب وأحسن شرطي يقي الناس الرذيلة هو احترام المرأة.

إن مصير الأمة بيد المرأة فلا تستصغروا شأنها وأقدروها حق قدرها أماً وبنتاً وزجة، وأنزلوها مكاناً رفيعاً من الإحترام ترده لكم في أنفسكم وتكافئكم عليه بطيب العيش ومكارم والأخلاق.

يعامل الأوروبي امرأته معاملة حسنة يحترمها ويجل قدرها ولا يثقل عاتقها بالأشغال المتعبة. يحمل عنها حقيبتها في السفر ويساعدها على المشي وصعود القطار وهلم جراً، لا ينظر إليها بالعين التي يرمقها بها الشرقي، تؤاكل زوجها وتقاسمه الحياة ويستصحبها زوجها في النزهة وزيارة الأصدقاء ويستشيرها في مهام أعماله ويأتمنها على أسراره.

للمرأة أثر في تربية الأطفال أطيب من الرجل فإنها لشفقتها وحنانها تسوسهم من غير عنف. أما الرجل وخصوصاً إذا كان قوي العزيمة فإنه يبطش بإرادتهم ويسلبهم الثبات إذا تولى تربيتهم لا ينفك عن إعلاء إرادته ولو بالقوة فلا يدع لهم مجالاً كافياً لنمو إرادتهم، فيحسن بالآباء إذا أرادوا بأولادهم خيراً أن يعهدوا بتربيتهم إلى الأمهات ليقوين فيهم الإرادة والعزيمة باستكانتهن الأنثوية، ويكتفوا بالإشراف فلا يتدخلون إلا إذا خافوا جموح الطفل.

وهذا هو شأن معظم الأوروبيين فإن المرأة الأوروبية هي الآمرة الناهية في بيتها وأطفالها تدير شؤونها المنزلية على استقلال يحترمها أولادها ويطيعونها ويرجعون إليها في قضاء حاجياتهم ولكن لا تزال إلى الآن أقل قدراً من الرجل فإن الأوربي ولو أنه يحسن معاملتها إلا أنه لا يعدها مساوية له في الحقوق والكفاءة فلا يعتبر صنيعه معها احتراماً بمعنى الكلمة وإنما رأفةً بضعفها وإشفاقاً عليها. لو تطاولت إلى مقامه بعض ونازعته الحقوق والحرف المستأثر بها لظهر لها بثوبه الحقيقي مستخفاً بها وما برحت المرأة إلى يومنا هذا محرومة من معظم الحقوق السياسية وحجة القوم أنها أقل من الرجل علماً وقوة وإرادة، وتراها في وظائف الحكومة والأشغال التجارية والصناعية أقل مرتباً وأجراً من الرجل. والمرأة المتزوجة بمقتضى القانون الفرنساوي محرومة من بعض الحقوق المدنية ومحتم عليها أن تطبع زوجها.

أولع الناس بحب المقارنة في كل ما يحيط بهم من علم وأرض وسماء وأشخاص فيفضلون هذا على ذاك ويحكمون بتفوق عالم أو شاعر على آخر ويوازنون بين الرجل والمرأة فمنهم من يتحيز للمرأة فيرفعها على الرجل. والمقارنة توقع المرء في أغلاط كثيرة وتعميه عن كثير من الحقائق فإنها تحمله على أن يجرد المفضول من كل الصفات الموجودة لدى الفاضل. والحقيقة أن من الرجال من يشبه النساء خلقاً وذوقاً ومن النساء من هن رجال في أميالهن وصفاتهن فكم من رجل رقيق العواطف هين الخلق يحب الزينة والتبرج وكم من إمرأة شديدة البأس قوية المراس والمخنثون من الرجال غير قليلين كما أن من بين النساء كثيرات مترجلات وفي كل من النوعين الذكر والأنثى يوجد رجال ونساء في الأخلاق والقوى فلا معنى لحرمان الأنثى من بعض الحقوق بحجة أنها أقل من الذكر عقلاً وكفاءة. نعم إن النبوغ بين النساء أقل منه بين الرجال ولكن الوظائف والحقوق السياسية لا تسند خاصة إلى النابغ والرجال النوابغ قليلون أيضاً ومعظم الناس رجالاً ونساء وسط في المدارك ولا نقدر أن نسلم أن كل امرأة أقل إدراكاً من كل رجل.

ولا معنى لتحتيم القانون الفرنساوي على المرأة إطاعة زوجها فإن الرئاسة في الواقع ونفس الأمر لا تكون إلا في جانب الأقوى فإن الزوج هو الأقوى كان هو الرئيس وإن كانت المرأة هي الأقوى كانت الرئاسة لها بطبيعة الحال. وإن كان أولا بد من النص في هذا الصدد فالأجدر بالقانون الفرنساوي من يحث المتزوجين على التشاور والتعاون في الرأي.

لها بقية

الدكتور عبده البرقوقي المحامي