مجلة البيان للبرقوقي/العدد 31/باب العلم والفلسفة

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 31/باب العلم والفلسفة

ملاحظات: بتاريخ: 5 - 2 - 1917



المسألة الكبرى مخابرة الموتى

معلومات جديدة

لا تزال مسألة مخابرة الموتى الحديثة الأكبر بين العلماء ولا يزال البحث دائراً، والجدال حاراً، والأدلة متواترة، وقد رأينا في مجلة لندن مقالاً مستطيلاً أنشأته سيدة من كبار الثقات في المسائل العلمية، جاءت فيه بمعلومات طريفة وتجربة مدهشة قامت بها فآثرنا أن ننقل للقراء شيئاً منها قالت: ـ

كان أول لقائي بمسز ريت، الوسيطة الأميريكية الذائعة السيط في مايو عام 1914، وكنت أشد الناس تكذيباً لهذه المسالة، وأبعدهم عن تصديق الوسطاء وكان يوماً جميلاً صاحي السماء، مستهلاً، ولكن كان لا بد لنا في سبيل هذه الجلسة العلمية من الظلام، ونحن لا نعرف السبب الذي يدعونا إلى وجوب إيجاد الظلام، عندما نريد أن نظفر بنتائج طيبة في مخابرة الموتى، ولكنا نعلم بعد أن الظلام يزيد في تبيين الظاهرة، كما أن النبأ اللاسلكي الذي نرسله في الظلام (أي ليلاً) يصل إلى غرضه في زمن أقل مما إذا أرسلته في النور (أي نهاراً) لأن النور ينقص من سرعة الأثير ويزيد في ارتجاجه ومن ثم لا يجب أن نذهب إلى الشك والإرتياب في ضرورة الظلام عند مخاطبة الموتى، إلا إذا كنا نريد أن نشك في ضرورته عند إبراز الصورة الفوتوغرافية.

ومسز ريت عندما تقوم بعملية الوساطة لا يصيبها الغيبوبة أو السبات العميق، بل إنها لتجلس بكل هدوء تحدثك وهي على سكونها الطبيعي، وكانت أول جلسة لنا في غرفتي وكان مجلسي يبعد عن مجلسها بسبعة أقدام أو نحوها وكان البوق عند قدمي وهذا البوق ضروري لأنه يعين على تجمع الارتجاجات الأثيرية، فقدمت إلي مسز ريت البوق لأفحصه فوجدته بوقاً عادياً من معدن الألمانويوم وقامت إلى الأستار فأسدلتها، وساد الظلام، وإذ ذاك ثار في فؤادي إحساس غريب، إذ وجدتني في جوف الظلمة جالسة مع سيدة غريبة ننتظر ظهور الأرواح. وأخذت مسز ريت في أحاديث عامة مألوفة، وهي في مجلسها البعيد عن مجلسي، ولكن لم تكد تمضي لحظة صغيرة، حتى أحسست بشيء يلمس ركبتي، وإن كانت مسز ريت لا تزال في مقعدها بعيدة عني وسمعت على أثر ذلك صوتاً يتكلم من البوق، وأنا أقول لكم إنه صوت طبيعي بين، صوت لا يختلف عن صوتي وأصواتكم ويسمعه كل إنسان، ولو كانت الحجرة حافلة بالناس لسمعوه جميعاً ويجب أن لا تذهبوا إلى أنه محض خيال مني ووهم، بل كان صوتاً مسموعاً لا يخطأ في فهمه، ولم تكن مسز ريت قد لاحظته، بل طفقت تجري في حديثها العادي، والصوت لا يزال يتكلم، فسألتها الصمت، وأعلمتها أي أسمع صوتاً مسموعاً.

وتبينت في الحال جلية الصوت، فتولتني الدهشة، لأنني أحسست أنني أمام عجيبة أغرب من الآلات البخارية والطيارات وجميع مخترعات العالم، وإنني إزاء أكبر حادث في جميع تاريخ حياتي.

وكان الصوت يناديني باسمي العادي، وكان متهيجاً أجش مضطرباً، وجعل يتكلم بضع دقائق وتبينت أنه أحد أصدقاء زوجي عندما أنبأني باسمه وكانت وفاته منذ عدة سنين، ولذلك ازدادت دهشتي، لأنني لم أكن أتوقع محادثته، فسألته عما إذا كان يشعر بالسعادة والغبطة فقال بل كل السعادة، إنني أدرس علم النشوء الآن وأهتم الآن بجميع هذه المسائل، ولكن لم أكن أتوقع وجودك هنا، فسألته السبب قائلة إن مخابرة العالم الآخر كانت تبدو لي دائماً من المسائل الممكنة، فأجاب، نعم، ولكنك الفرد الوحيد الذي حاول أن يكلمنا من الأسرة كلها

وخلاف ذلك أصوات آخرين، وكان من بينهم صديقة لي كنت أحبها في هذا العالم، قبل وفاتها، ولكي تدلني على علامةجاءت إلي بمصباح مضيء، مصباح بين ظاهر، في حجم مصباح الدراجة البسكليتوجعلت تلوح به في وجهي في برة الظلام، وكان من الوضوح والبيان بحيث أنني مددت ذراعي فأمسكت بالمصباح من وسطه.

وتركت مسز ريت غير مقتنعة، وهجمت على ذهني الشكوك والريب وجعلت أدير في هذا الحادث كل وجوه التكذيب والإنكار، وآخر ما عمدت إليه من إقناع نفسي بكذب الحادث أن أخذت أقول أن هذا الصوت هو ترتيب آلي دقيق عملته مسز ريت، يعين إنساناً في خارج الحجرة على أنفاذ الصوت إلى جوف البوق، ولكن الجلسات الأخيرة التي جلسناها أظهرت خطأ هذا الظن، لأن الجلسات كانت في حجرتي، ثم ذهبت بعد ذلك إلى أنه من المحتمل أن تكون مسز ريت علمت شيئاً من تاريخ أسرتي واستطاعت بذلك أن تذكر لي أناساً بأسمائهم وحوادثهم، وكذلك جعلت أضرب في بيداء الظنون والريب.

والحجة الكبرى التي كنت أريدها لتصديق الحادث هو أنني جعلت أقول، إذا كان هناك شخص يستطيع أن يكلمني من العالم الآخر فهو زوجي ولو استطاع زوجي أن يكلمني لتكلم، ولكن كان الصوت الذي كلمني في الجلسات الأولى غير بين، ولم يكن هناك ما يؤيد شخصيته، وظننت من السهل محاولة تغيير الصوت واللهجة، وكنت أريد لتحقيقه شيئاً من الأمور التي تثبته لدي.

ووليت عن مسز ريت شاكة مستريبة، ولكني في اليوم التالي قابلت صديقاً لي هو الكولونل جونسون فأنبأني أنه يحمل إلي رسالة ولم أكن التقيت به في ذلك العهد إلا مرة أو مرتين ولم يكن يعرف شيئاً عني أو عن زوجي فبلغني أنه زار مستر ريت وصباح اليوم وأنه تلقى رسالة إلي كتبها في التو واللحظة - لأنه كان يجيد الكتابة في الظلام. وتفصيل الخبر أن صوتاً مضطرباً كلمه من البوق وذكر له اسم زوجي ولقبه وقال أن زوجته (يعنيني) كانت هنا في اليوم الفائت وذهبت دون أن تعتقد بوجودي وأنها لم تفهمه، وطلب إليه أن يؤكد لها شخصيته، وإن أبى سير كوبزكي سعيد وأنه يصرف كثيراً من الساعات معه وسأله أن يذكر لي لفظة جلاتون (هكذا سمعها الكولونل جونسون) وقال ما نصه على المحطة الأوسترالية فهي ستفهم ذلك ولا تستطيع أيها القارئ أن تتصور الدهشة الكبرى التي ثارت لدي عندما سمعت هذه اللفظة، حتى لقد أحسست أن الحجرة تدور بي دوراناً، وجعل قلبي يخفق بشدة ويثب لأنني علمت أنه لا يوجد في أنحاء الكون كله أحد يعرف سر هذه اللفظة إلا زوجي، وهذه اللفظة التافهة كانت تحمل أكبر قوى الإقناع.

وصحة هذه اللفظة جلاتياوهو أسم السفينة التي كان يقودها الدوق أوف إدينبرج، وكان زوجي في أيام شبيبته في المحطة الأوسترالية على ظهر هذه السفينة، وكثيراً ما قضى أياماً حلوة مع الدوق فوق سطحها، حتى لقد كان يعيد تذكرها الحين بعد الحين ويحدثني عن لذائذها ومباهجها، ولدي منها ذكريات أخذها زوجي قبل غرقها.

وأنا أعتقد أكبر الاعتقاد بأن مسز ريت لا تعلم شيئاً من هذا وأظن من السخف أن اتهمها بأنها راجعت قوائم البحرية وسجلات السفن، لأني أعلم أن ذلك لا يتيسر لها، ولو استطاعت الظفر بها، فما الذي حداها إلى ذكر جلاتيادون غيرها من أسماء السفن العديدة التي قضى زوجي عمره فوق ظهورها، فلما زال ما كان يجول بخاطري من الظنة والوساوس، أجمعت على أن أجلس جلسة أخرى مع مسز ريت، فكان ذلك.

وجاء قبل زوجي شقيقه، فقال أن الرسالة التي أرسلها إلي وهي جلاتيا أرسلها ليثبت شخصيته وحقيقته، لأنه كان يعلم أنها تكفي لإفهامي، وأنه كان حزيناً لهذا الشك الذي انتابني ثم حضر بعد هذا الصوت صوت زوجي فجعل يسميني الأسماء الخصوصية التي كنا نتنادى بها، ولا يستطيع أن يعرفها غيرنا.

ثم عاد إلى ذكر جلاتيا، وانطلق يكلمني عن أمور سرية بيني وبينه، فلما قال أنه سيعود، شهقت بالبكاء في الظلام، وإذ ذاك سمعته بكل أذني يقول لا تبكي!!