مجلة البيان للبرقوقي/العدد 41/معبد هيبس

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 41/معبد هيبس

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 4 - 1918



وصف هذا المعبد - دلالة الخط الهير جليفي

شكوك حول قراءتها - من (رحلة الواحات)

لحضرة الاستاذ الشيخ محمد حلمي طمارة أحد خريجي مدرسة القضاة الشرعي

لو كان لي قدرة على التصوير لاستغنيت به عن الوصف هنا، لأن صورة معبد (هيبس) تلقى في الإنسان روعة لا تحدثها العبارة، وتحيي في قلبه شعوراً بعظمة الآباء لا يقوى البيان على إحيائه.

فتماثيل السباع الرابضة هناك والتي أصابها من التشويه ما أصاب (أبا الهول) تمثل ما كان له من المناعة، وشدة التحجب، وتخيل إلى القادم أنه مشرف على عرين ليوث وغابة أسود، لا قادم على بيت عبادة ودار تنسك. . .

وبقية سياج المعبد الخارجي تدل حجارتها العظيمة على ما عاناه بانوها في نقلها.

وما قاسوه من جرّاء وضعها في الجدار ورفعها. . . فإذا تجاوزنا ذلك كله وجدنا مجازاً جميلاً على جداره الشمالي صورة امرأة حسناء واقفة أمام رجل، يزعم أهل الآثار أنه آلة النسل - وعلى الجنوبي رجل جلس على كرسيه وخلفه امرأة وأمامه خادم حلق النسر فوق رأسه، يناول سيده الكأس بيمينه، وبين يديه مائدة عليها أباريق الشراب وأواني الطعام ووراء هذا المجاز قصر فخيم وبناء ضخم، يتقدمه بهو جميل، به ست دعائم منها ثلاثة على يمين الداخل ومثلها على شماله وخلف ذلك ردهة بها اثنا عشر عموداً تؤلف ثلاثة صفوف متوازية تنتهي بردهة أخرى بها أربعة أعمدة في صف واحد تتصف بصفة على جوانبها معاهد الآلهة وحجرات النساك وفي إحدى الحجرات سلم إلى السطح ونفق في الأرض، أما زينة المعبد وزخرفه فنقوش جدرانه وسقفه التي شابهت معرض الصور ودلت على نبوغ الأجداد في التصوير وبراعتهم في تأليف ألوانه وقدرتهم على اختراع الصور وحذقهم في تنويعها فمن صائل برمحه على أفعوان، وشاهر سيفه في وجه إنسان، إلى أسرة حول مائدة الطعام وغلام يعاطي مولاه كأس المدام ومن صورة الشمس وشعاعها ذاهب في أنحاء الفضاء، والطيور تحلق في جو السماء إلي متمخضة عن حملها وآخذة بيد بعلها، إلى غير ذلك من صور جامعة بين جسم الإنسان ورأس الحيوان في أزياء تسا المبدع على الإبداع وتهدي المخترع إلى الاختراع وألوان لم تنسخ الأيام آيتها، ولم تنل الدهر جدتها.

تلك صورة المعبد وقد كان الواجب يتقاضى البحث عنه من الجهة التاريخية إلا أن تاريخ العصور التي تمخضت عن تلك الآثار يستقى أنباءه من النقوش الأثرية التي بقيت ألغازاً مبهمة وطلسمات معجمة أدهاراً طويلة، إلى أن أعلن اكتشاف (الهيرجليفي) على أثر الوقوع على حجر رشيد فتهللت وجوه أهل العلم لذلك، وظنوا أنهم عثروا على مفتاح التاريخ وفتحوا باب العلم المغلق وربما كان هذا الاكتشاف نافعاً لو بقيت كتب الأقدمين، فأما وليس لنا منها إلا ما بقى على الدمن والأطلال الدوارس، فإن اكتشاف خطهم جاء كآلة قليلة الغناء هذا إذا صحت دلالة ذلك الخط، وفهمت إشارته وساوى في إفادته المعاني سائر الكتابة المقروءة - لكني لا أؤمن بقدرته على تلك الإفادة، وأشك في صحة دلالته على الرغم من كثرة قرائه ووفرة المؤلفين فيه وسهولة تعلمه ونشر طريقته وتعويل علماء العصر عليه وإقرار الجمعيات العلمية لأن طريقة اكتشافه مدعاة للشك، موجبة للريب، فلقد قال لنا مكتشف أنه رأى منشوراً على حجر رشيد مكتوباً باليونانية، ورآه مكتوباً بالمصرية القديمة في ناحية من الحجر ورأى في ناحية ثالثة نقوشاً (هيرجليفية) اعتقد أنها المنشور بعينه، فشرع يستخرج من تلك النقوش الحروف الهجائية لتلك اللغة، وبعد استخراجها قرأ بها سائر الكتابة وفهم دلالتها وكلماتها بعد أبحاث ترجع إلى مثل ذلك - إننا إذا تساهلنا وقلنا أن المكتوب باللغتين المقروءتين، هو المرسوم باللغة غير المقروءة لا نزال نرى أن إخراج الحروف من هذا الحجر، على هذا النحو من الأمور الصعبة.

الغريب أن الكتابة المكتشفة لم تكن من نوع الكتابة المعتادة في دلالتها بل كانت على ما يقول مكتشفوها، رموزاً، وإشارات، يختص بها طائفة من رجال الدين، بادوا وبادت دولتهم، قبل أن يطلعوا أحداً على تلك الرموز أو يرشدوا إلى تعليمها بمؤلف مكتوب بلغة معروفة وهذا مما يرجح عندنا أن المنقوش على حجر رشيد (بالهيرجليفي) يخالف المكتوب عليه باليوناني والمصري وإلا لما كان سراً مصوناً عن العامة مضنوناً به على الناس فكتابة المنشورات به تنافي أن يكون سراً محجباً ووضعه على هذه الطريقة يعرض رموزه للحل وألغازه للبيان وهذا ينافي شدة الكتمان.

إن اكتشاف لغة على هذا النحو أولى بوضاع الروايات الخيالية، منه بطلاب الحقائق العلمية، وقد يصدق الإنسان باختراع لغة ووضعها ويتردد في القول باكتشاف لغة باد أهلها ولم يتركوا لمن بعدهم سبيلاً إلى معرفتها، من كتب تعلم قراءتها ومعاجم تفسر مفرداتها ومؤلفات تهدي قارئ جملها إلى دلالة التراكيب بل ولم يدلوا على حروفها الهجائية ورموزها الأولية ولو جاءنا فرنسي لا علم له بالانكليزية مدعياً أنه استعان بمعاجم الانكليز على فهم شعر. . شكسبير لكذبناه في دعواه، وأقمنا جهله بأصل اللغة برهاناً على كذبه مع اتحاد اللغتين الفرنسية والانكليزية في الأصل والحروف وتقارب بعض المفردات في النطق والمعنى ووجود المعاجم والكتب المساعدة على ذلك فما بالنا نصدق رجلاً لا عهد له بلغة ولا معرفة له بحروفها ولا اجتماع له بأحد من أهلها وليس هناك معاجم تحل مفرداتها على فرض قراءة حروفها فيما هو أبعد من ذلك وأصعب.

إن اللغة العربية - وهي لغة دين دعا أهلها لتدوينها والمحافظة عليها ونشرها لا تزال - وقد ضبطنا كل مفرداتها، وجمعنا ما قيل فيها من نظم ونثر، ودونا فيها ما لا يحصى من المعاجم والكتب وأخذناها عن أهلها بالرواية والتلقين والمشافهة والمحاكاة - لا نزال إلى الآن نستصعب فهم الكثير من جملها وربما جهلنا جهلاً تاماً بعض ألفاظها التي جاءت في أشهر وأكرم كتبها كالمقطعات في أول السور، ذلك حال العربية والعناية بها كما علمت - فما ظنك بلغة قوم، كانوا يخفونها عن العامة، ويخصون بها الكهنة الذين انقرضوا دون بذلها لسواهم ومضى على انقراضهم طويل الأزمان والآناء.

سوف نسمع نعرة حماسية، من قراء تلك الرموز ومصدقي أنبائها، غير أن الباحث عن الحقيقة يجب أن يروض آذانه على الجلبة والصخب.

إننا إذا طرحنا السفسطة، وطلبنا أقوى الحجج على صحة دلالة (الهيرجليفي) لبحثها، وجدناها لا تقوى على تحمل النقد الصحيح فأشياعها يقولون أن قراءة (الهيرجليفي) منتجة باطراد وأن الذين تعلموها يقرؤون بها كل مكتوب، وأن قراءها يتحدون في فهم المراد بها، ولو كانت دلالتها غير صحيحة، لظهر الاضطراب عند تطبيقها، وفقدت دلالتها ولم تشف عن المقصود منها، وفي ألواح كثيرة كتبت بها، وإذا صحت النتيجة واطردت الدلالة، دل هذا على صحة المقدمات الموصلة إليها.

ذلك أوجه الأدلة عند الأشياع والناظر في هذا النوع من الحجاج يجده من قبيل الاستدلال بسلامة النتيجة، على صحة الفرض وقد علمنا المنطق أن صحة النتيجة لا تستلزم صحة المقدمات، ليس هذا خاصاً بالقضايا النظرية، بل وبالمسائل العملية أيضاً فإن قدماء الميقاتيين والفلكيين، بنوا جميع حساباتهم وتقاويمهم وأزياجهم على فرض أن الأرض ثابتة وأن الكواكب تدور حولها وجاء المتأخرون ففرضوا عكس فرضهم، وأتوا بنتائج مثل نتائجهم وتقاويم لم تختلف عن تقاويمهم ولا يمكن مع القول بصحة النتيجتين، القول بصحة الفرضين لأن ذلك من قبيل الجمع بين الضدين فتوافق قراء (الهيرجليفي) لا يدل على صحة طريقته لا سيما ومكتشفه قد فرضه حقيقة واقعة وشرع يبحث عن طرق إثباتها لا أنه سلك من طرقها إلى غاياتها.

قد يكون هذا تهجماً على العلم، وقد يكون جرأة على معارضته وقد يكون سفسطة ضد الحق، وقد يكون كل ذلك غير أنها شكوك تعترضني كلما حاولت قراءة أي باب من تاريخ مصر القديمة فتحول بيني وبين الاندفاع به شكوك تحقر من أسناد ذلك التاريخ في نظري وتقف دونه عقبة اعترضتني فلم أستطع تذليلها، وكم عرضت لي أثناء الدراسة فزهدتني في حفظ درس التاريخ القديم، نفثة على هذا العلم قديماً ملأت صدري وضاق بها ها أنا ذا أنفثها أمام معبد (هيبس).