مجلة البيان للبرقوقي/العدد 42/الأيدي القارئة

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 42/الأيدي القارئة

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 6 - 1918



كيف استطاع العلم الوصول إلى تعليم العميان القراءة والكتابة

ما أثقل عبء الحياة، وما أعتم الكون، إذا عاش الإنسان في ظلام دامس، ومر بالعالم مروراً، ولم ير الشمس، إلا حرارة في اليدين، ولم يحس منها إلا دفئاً في البدن، ولكن ليس نور الشمس هو الذي يبدد وحده ظلام الحياة، فكثيرون من المبصرين، يعيشون في حلكة شديدة في أعمق مخابئ العيش، لأنهم أوتوا البصر، ولم يؤتوا البصيرة، ولم ينالوا حظاً من العلم، ولم يضربوا بسهم في التهذيب.

ولذلك جاهد العلم في خلال القرن الماضي وخاتمة القرن الذي جاء قبله ليرسل نوراً ساطعاً يغني عن نور الشمس، إلى عين الأعمى، ليبدد حزنه، ويفتح إزاء روحه مغاليق الفكر، ويلهمه التأمل والابتهاج بأنه يعيش في قلبه، ويحيا في صميمه، والقراءة للأعمى هي البلسم العذب لجراح عينيه، والكتاب لديه هو الخدن الذي لا تمل عشرته والولي الذي لا يبرم بولائه ورفقته، أنه يعلمه وينسيه آلامه، وهو الذي يزكي روحه ويطهر فؤاده وينير بصيرته، وقد كتب رجل أعمى إلى صديق له إن لديّ كتباً أقرأها، هذا هو البعث، هذا هو الرجوع إلى الحياة، إلى النور، إلى حرية الفهم والإدراك.

ونحن نذكر هنا تاريخاً موجزاً للعلم من هذه الناحية، ونبسط للقراء نبذة عن أولئك العظماء من سادة أهل العلم الذين وقفوا حياتهم على الوصول إلى الطرائق الميسرة لتعليم العميان كيف يكتبون ويقرأون، ولعلهم في التقدير الإنساني يقومون في الصف الأول من أبطال العلم الذين خدموا الإنسانية، وكفكفوا دموعها وآسوا جراحها.

إن الرجل الذي مهد السبيل ووقف في الطليعة، هو العالم فالنتان هوى، فقد أوحي إليه في عام 1771 أن يخرج الفريق الأعمى من الإنسانية من آلامهم بتعليمهم العلم، إذ كان مقتنعاً بشدة ذكائهم ففكر في وضع كتب لهم بحروف بارزة، وفعلاً قام بعمل حروف طبوغرافية عادية ولكنها كانت كبيرة الحجم، وظاهرة التعاريج بحيث لا توجد أي صعوبة في معرفتها باللمس.

على أن هذه التجربات الأولى التي قام بها ذلك الرجل لم تكن إلا تجربات طويلة ذات نتيجة ضئيلة، وأكبر عيوب الطريقة التي ابتكرها هي أن الكتاب الصغير يستلزم حجماً عظيماً، وسفراً كثيفاً ثقيل الوزن، لأنه لا يمكن طبع حروفها، لشدة نتوءها، إلا على وجه واحد من الصفحة، وكذلك تجد القراءة على تلك الطريقة بطيئة لأن الحروف لا تتميز بسرعة وقد استطاع بها فالنتان هوى أن يجعل العمي يقرأون، ولكنه لم يجد الطريقة التي بها يكتبون على أنه ولا ريب كان ممهد السبيل وكان الغازي الذي فتح طريقاً جديداً في العلم.

ولكن مجد هذه الخدمة الجلية للإنسانية لم يقع إلا للعلامة لويس براي، ولد عام 1809 وكان تلميذاً في معهد الشبان العميان وقد اخترع الطريقة التي سميت بعد ذلك باسمه عام 1825.

وأهمية طريقته أنه ابتكر أحرف هجاء خاصة، مدارها الرموز على شكل نقط أفقية وموازية، وأعطاها الأحجام المناسبة والنتوء الواجب بحيث لا يتكلف القارئ إلا تحريك أنامله تحريكاً منتظماً لملاحظة الخطوط وبهذه الطريقة استطاع العميان قراءة 150 كلمة في الدقيقة وهو المقدار الذي يقرؤه المبصر عادة، بصوت جهوري في نفس الوقت.

وكان من هذه الطريقة كذلك أن تمكن العمي من الكتابة وهذا بإحداث نتوء الخطوط والنقط بواسطة مخراز على الورق، ولكن الصعوبة الأولى في ذلك هو إيجاد وسيلة للمحافظة على اطّراد الخطوط والكلمات وسيرها على الورق بنظام، دون أن يقوم بعضها فوق بعض، ويختلط الكلام بالكلام، ولكن العلامة لويس براي، أزاح تلك الصعوبة، فوضع جدولاً على شكل لوحة من المعدن الرقيق محفورة خطوطاً متوازية، توضع فوقها صفحة من ورق خاص.

وفي هذا الإطار الذي يحتوي اللوحة النحاسية والورق توجد مسطرة صغيرة مثقوبة ثقوباً على شكل مربعات مستطيلة قائمة الزوايا كل منها في حجم الحرف، وفي هذه المربعات يخط مخراز الأعمى بواسطة هذه المسطرة النقط التي يريدها.

والرموز التي وضعها العلامة براي للكتابة هي نفسها التي وضعها للطبع، ولكن الأعمى يستخدم في الطبع حروفاً متحركة ويصف هذه الحروف في لوحات، كالمتبع في الطبع عادة، وكثيرون من العمي يحترفون الآن حرفة الطباعة وصف الحروف، ويشتغلون بجانب زملائهم المبصرين، ولا يقل عملهم في الإحسان والإتقان عن عمل رصفائهم، ولكنهم لا يستطيعون مساجلتهم في السرعة، لأن الصفاف الأعمى يضطر إلى قراءة الحروف بملمس أصابعه قبل أن يشرع في جمعها.

حتى إذا انتهى الأعمى من رص حروفه، في اللوحات المعدة لها أخذت هذه اللوحات وهيئت للطبع، والورق الخاص به عادة يختار من النوع الكثيف الخشن ولذلك يبل قبل إعداده للطبع ثم ينشر على اللوحات ويضغط عليه بواسطة قطعة ناعمة من الجلد بشدة حتى تنقل الحروف على الورق دون أن تثقبها، ثم يسحب الورق إذ ذاك وينشر لتجفيفه، وقد اخترع العلامة باري بعد ذلك آلة تسمى الأستروميت وهي في غاية البساطة، واستعيض بها عن وضع صفحات الورق فوق اللوحة، وذلك أن ليس على الصفاف الأعمى إلا أن يكتب مباشرة بمخراز من الصلب فوق صفحة من الجلد أو الزنك، وهذه الطريقة تشبه طريقة حفر الكليشيهات ولكن هذه الآلة لا تزال ناقصة من ناحية، إذ من الصعب تصحيح الحروف، وتستلزم نفقات كثيرة لشراء لوحات من المعدن، ولكنها حسنة مغنية من ناحية السرعة في العمل.

وأصعب ما في الطباعة العمياء موضوع الورق فإن الكتاب يستلزم مقداراً عظيماً منه لأن كل حرف 7 ملليمترات طولاً و 5 ملليمترات سعة ولا مقدرة على تصغيره دون هذا الحجم ثم ليس في الاستطاعة طبع الحروف على ظهر الصحيفة، ولا بد أن يكون الورق من الغراء الخشن والضرب الكثيف ولذلك كانت الكتب الأولى التي طبعت على طراز براي نادرة جداً وغالية الثمن، وعظيمة الحجم.

ولكن مهارة العميان وذكاءهم وقوة تفكيرهم استطاعت التغلب على هذه العيوب إذ اخترعوا طريقة الكتابة بين السطور وبها تمكنوا من الطبع على وجهي الصحيفة.

وقد أدخلت على هذه الطباعة ضروب كثيرة من التحسينات، ولا يزال العلماء المشتغلون بتهذيبها يفكرون في الإكثار من وسائل التحسين، ولكن لا تزال الكتب التي تخرج للعميان عظيمة الحجم، غالية الثمن، والكتاب الواحد المؤلف من مائتي صحيفة يزن كيلو غرام، وقد طبع كتاب العلامة سورل للعميان وهو أوروبا والثورة الفرنسية، فاستغرق 114 مجلداً، وكان ثمن الجزء الواحد منها قبل الحرب ثمان فرنكات، ولهذا كان تأسيس مكتبة صغيرة منزلية من هذه الكتب يكلف صاحبها مالاً طائلاً، ولا تجد كثيرين من العميان يتيسر لهم ابتياعها ثم هي كذلك تتطلب مكاناً رحيباً لكي يسعها.

ولهذا كسدت الكتب التي طبعت على طريقة براي في السنين الأخيرة لأنها تكلف الناشرين مبالغ عظيمة ولا تجد قراء وطلاباً عديدين.

ومثل هذه الكتب لا تطبع في فرنسا إلا بفضل مجمع الشبان العميان والعميان التابعين لجماعة القديس بولص.

على أنه سيبقى عدد الكتب المطبوعة منها محدوداً، ولكن بفضل الكتب الخطية، يجد جمع كبير في فرنسا من العميان ما يسد حاجتهم إلى القراءة والتعلم والاطلاع، فإن جمعية فالنتان هوي التي تأسست عام 1883 في باريس قد أنشأت للفريق الأعمى من أهل فرنسا مكتبة تحتوي كتباً خطية مفتحة الأبواب للجميع، وهي اليوم غنية بالكتب وإن كانت لا تكفي وحدها لسد الحاجة فقد كان لديها في أول الأمر مائة مجلد فصارت إبان الحرب خمسين ألفاً تحتوي اثني عشر ألف كتاب، وهذا العدد لا يزال آخذاً في التكاثر والنماء.

وهذه الكتب تعار للجميع الراغبين في استعارتها، وترسل إليهم في الولايات والريف وفي المستعمرات، بل وفي كندا، وهي متعددة الفنون، مختلفة الأنواع، ولا تزال قائمة كتبها تحتوي ما يوافق أذواق الجميع، والعميان يقبلون على قراءة الروايات، ولكنهم أشد ما يكونون إقبالاً على كتب التاريخ والفلسفة والعلوم، وفي المكتبة كتب للشباب والأطفال، من كل نوع وفي كل فن.

والشعراء المختلفون إلى تلك المكتبة يقرأون جزأين عادة في الأسبوع، ولكن منهم من يقرأون مئات في العام وكانت المكتبة تعير قبل الحرب ثلاثة آلاف مجلد في الشهر.

ولعل السبب في تكاثر عدد الكتب الخطية، هو بفضل أهل القلوب الرحيمة، والإحساس الحار المتوقد، وذلك أن الجمعية لا تكاد تنشر في الناس الدعوة إلى من يتطوعون من المبصرين إلى نسخ مجلدات للعميان على طريقة براي، حتى يتبرع الكثيرون، رجالاً ونساءً وشباباً، بل وأطفالاً إلى الخدمة، لكي يتعلموا الحروف الهجائية التي ابتكرها براي ويتمرنوا على الكتابة بها، ولا تستغرق مدة التمرين زمناً طويلاً، بل من هؤلاء المتطوعين الكرماء من يقدمون للمكتبة خمسة وعشرين مجلداً منسوخاً من مؤلفات الكتاب على الطريقة العمياء، في العام.

تلك خدمة جليلة قدمتها الإنسانية البصيرة إلى الإنسانية العمياء، في قطعة متحضرة من الدنيا، فلماذا لا ندرس هذا الموضوع ونهيئ له الأسباب في هذا البلد الذي يبلغ فيه العميان عدداً عظيماً مذكوراً، ولماذا لا تعمد جمعية تحسين حال العميان إلى إنفاذ هذه الطريقة في مصر، فتؤدي أكبر خدمة للذين تأسست من أجلهم.