مجلة البيان للبرقوقي/العدد 53/صور هزلية

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 53/صور هزلية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 3 - 1920



من أخلاق الناس

للكاتب المبدع عباس حافظ

عم زايد

كان عم زايد. . . . رحمة الله عليه - خادماً أسود في دار قوم عشيرتنا. نسخة قديمة من كتاب البلاهة الطبيعية التي أول ما خرجت طبعتها من مطابع المكتبة السماوية، في الأحراش، وتفرقت نسخها في الأجم، تحت ظلال الدوح وفي أفياء السرحات الباسقات، يوم كانت الإنسانية لا تزال في عنفوانها لا تعرف إلا ألكل والشرب - فقد ولد عم زايد ونما وكبر وشاخ ومات، أبله لم يزد عقله في رجولته عن حلمه في طفولته. وكان ذلك منه مثالاً على الثبات والوفاء، فقد كان رحمه الله وفيا في خدمته، ثابتاً على وفائه لسادته، فأبى ثباته إلا أن يظهر كذلك في بلاهته فظل عليها طول حياته. ولم يشأ وفاؤه إلا أن يبدو كذلك في سذاجته فمات عليها رحمه الله عليها وعليه!

وليس ألذ للسيد من أن يكوت الخادم أبله مغفلاً، حتى لا يأخذ سيده بالحقد أو بالمعارضة إذا كان عاقلاً، حتى ولا يكون في البيت عاقلان، فيصطدم عقيل السادة بعقيل العبيد، ولأن يجد الإنسان المتاعب من تحريك الخادم الأبله، خير له من أن يجد العنت كله من وراء الخادم العاقل. وندر ما تجد في الخدم العقلاء. أوفياء، ولكن أندر منه أن ترى في الخدم البله خونة، وليس في الخادم من لذة للسيد إلا إن كان في خلقه شيء من عنصر البلاهة فإن الدار ولا ريب تصبح به فرعاً منالتياترو وقاعة من قاعات السنيماتوغراف ولكنه سينماتوغراف قاصر على الأهل والمعارف فقط، ولا أنكر أن في اقتناء الخادم العاقل بعض الرحة والعون على شؤون البيت. ولكنه لا يزال بعد ثقيل الظل - لأنه يعرف الواجبات المطلوبة منه، ويضع لنفسه حدود خدمته فلا يريد أن يتطامن لأطفال البيت حتى يركبوا ظهره، ويتخذوه مطية مضحكة لهم. على حين يجد الصغار الروح كله والسرور من امتطاء ظهور الخدم البله، وفي رضى أولئك بذلك وتقليدهم للحيوانات والدواب. والسيد العاقل بل ربة البيت العاقلة تستطيع أن تتخذ من الخادم الأبله، خادمين اثنين، رجلاً وامرأة، فهو لا يأنف ولا يتعالى ولا يتململ إن دعي إلى الاشتراك في غسل الأواني، وتنظيف المقاذر وحمل الكناسة، ويجد في اللطمات تهوي على قفاه مزحاً دعابة، فلا يكون منه إذا ضرب إلا أن يرفع عينيه إلى السيد الضارب، وهو ضاحك السن شاكر لهذه الهزة اللذيذة التي نبهت أعصابه، فإذا أنت فعلت شيئاً من ذلك، أو طلبت بعضه من الخادم العاقل، فلا تجد أمامك إلا كلمة حسابي تنذرك بالمتاعب التي تجرها على نفسك بالوقوف مرة أخرى على أبواب المخدمين ودفع العرايين وقراءة الرخص وشهادة الشاهين.

ولذلك آثرت أنا - الخدم البله على مزاحميهم العقلاء - الخدم العقلاء، ولهذا كان خادمنا - عم سرور حبيبنا إلي وكان عم زايد هو الذي جئت أصفه لكم ساداتي القراء. أعز الأصدقاء.

  • * *

وأعجب ما في خلق عم زايد أن الناس يتوسلون بالشراب إلى فك قيود العقل. والتحلل من الرزانة والجد، ولكن عم زايد كان على نقيض العالم كله فلا تزيده البوظة إلا سكوناً ووجوماً، ولا يزداد بها إلا خرساً، وانكماشاً وكان الرجل قليل الأكل، كثير الشراب، ولا أذكر أنه طلب إلى ربة البيت الذي هو فيه يوماً طعاماً، بل لا يزال صابراُ فإن قدم إليه طعام طعم، وإن لم يطعم لم يتكلم ولو أنه نسي شهراً. أو أغفل طعامه زماناً، إذن لغاب عن ذاكرته أن هناك في الدنيا عملية كيماوية اسمها االأكل! بل لمضى على شرابه حتى يقع من شدة الجوع يلهث تعباً وإذ يلوح إليه الناس أمام بصره الزائغ بقطعة من الخبز فتعاود الذكرى أن العالم طعاماً وشراباً لا شراباً فقط.

وكان عم زايد - أسكنه الله الجنة في مقاصير البله والمعتوقين - كثير المشي، فلو أنك أمرته بالتحرك وسرت في أثره فلم تقل له قف عن المسير، لظل يسير في الأرض حتى يصل إلى ساحل البحر فيظل ماشياً يخوض الماء حتى تأمره بالوقوف أو ليسيرن، أشبه شيء بقطار السكة الحديد الذي أغفل سائقه الالتفات إلى إشارة الخطر فجعل يطوي القنطرة حتى وقع في البحر بمن فيه، أو كالجندي الذي أمره نابليون بالانصراف عن حضراته فظل سائراً حتى وصل شاطئ النهر ومشي حتى وقع في البحر غريقاً، لأن قائده لم يقل له دور!. . أي لم يعطه الأمر بالوقوف، وهذا مثل الطاعة البلهاء العمياء التي تطلب إلى الجندي في الجيش.

وكان عم زايد لا يعرف حتى ولا أصحاب المنزل الذي يخدم فيه وسادته الذي نشأ فيهم وقضى حياته في ظلهم إلا إذا كانوا داخل جدران المنزل. فإذا خرجوا إلى حاجة لهم أو مشوار من المشاوير فالتقى بهم في طريقه لم يعرفهم ولم ينظر إليهم ولم يلتفت أو يدر مكانهم منه إلا إذا استوقفه أحدهم فذكره بأسمه أو عرفه بصوته. فإذا أنت بعثت به إلى شراء شيء من السوق ثم خرجت في أثره تمشي في السوق لترى ماذا هو صانع وجئت حتى حاذيته فلا تتوقع أن ينظر إليك أو يتبينك وإن حك ذراعك بذراعه. وقد تقف بجانبه أمام البائع وتأخذ في جدل معه أو حوار فلا يدرك من أنت وما شأنك.

ولم أر عم زيد في دموع ولم أشهده باكياً وقد يقف في جنازة سيد من ساداته مبتسماً بين النواجذ كما يقف يوم العرس لا يدري ماذا شغل الناس حوله. . . . أعلى ميت يبكون أم تلك عروس إلى عروس يزجون. على أنه كان متزوجاً ولكن لم يكن زواجه بلاهة منه كما هو من بلاهات العقلاء بل كان بلاهة من أسياده إذ رأوا جارية لهم تناهز السن التي كان هو يعض عليها، فزوجوهما على بركة الله ولم يجتمع الزوجان في شيء اجتماعهما في خصلة واحدة هو أنه كان أفطس الأنف وكانت هي بسلامتها فطساء. ولم يفترقا في شيء افتراقهما في شيء واحد: هو أنها كانت نصف عاقلة. وكان هو تام البلاهة. فجعلت تشده إلى العقل وجعل هو يجذبها إلى البلاهة. فلما لم تتغلب عليه ولما لم يتغلب عليها جعلت هي تضحك منه مع الضاحكين. وجعل هو الآخر يسخر منها ومن الناس أجمعين.