مجلة البيان للبرقوقي/العدد 58/ما وراء الساحل المجهول

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 58/ما وراء الساحل المجهول

ملاحظات: بتاريخ: 30 - 11 - 1920


الدليل القاطع

هذا هو المقال الثاني للسركونان دويل الذي يعد اليوم في طليعة بلاد الغرب الذين يعنون بمسألة الحياة بعد الموت وهي المسألة التي أصبحت شغلاً شاغلاً للعلماء.

قد عثرنا في آخر مؤلف من مؤلفات الاستاذ هيستون - أستاذ المنطق في جامعة كاليفورنيا سابقاً وأمام الحجة الثقة في علم الفلسفة النفسية في القارة الأمريكية الذي عليه المعتمد وإليه المرجع في كل ما ينجم من المسائل السيكولوجية من معضلاتها وملغزاتها - أعني تصنيفه المعنون الحياة يعد الموت على جملة لا يكاد يحتملها السامع أو تسيغها ألذن وهي: كل من لا يسلم بوجود الأرواح المجردة من الأجسام ويصدق بالبرهان على ذلك فهو إما جاهل أو مصاب بآفة الجبن الأدبي. هذا قول حق ولكن ما يتضمنه من همز ولمز قد يفل من حده ويخفف من وخزه ما يقوم للمنبوذ به من العذر الواضح في جهله بهذه الأسرار إذ أن الدليل القاطع على صحة هذه المسائل الروحانية لا يزال بعد جديداً حديث العهد وهو مطوي في تضاعيف مصنفات لم تنقل إلى الانكليزية فضلاً عن غلاء أثمانها وصعوبة الحصول عليها. ولا أنكر أن بين أيدينا ذلك المؤلف الفذ البديع تصنيف العلامة كروفورد وكتاب مباحث كروكر ولكن كليهما كان في حاجة إلى احراز المصادقة والتأييد والشرح ولتفسير من مباحث علماء القارة الأوربية لكي تظهر أسرار معانيه في أجلى مظهر. وبين يدي الآن كل هذه التصانيف وسأحاول في هذه المقالة أن أثبت لكل من لا يكابر في الحقيقة الساطعة أن هذه الاكتشافات الحديثة قد أصبحت اليوم لا موضع فيها للجدال والمشاحنة ولكن قد فصل فيها وتبين صدقها إلى نقطة معينة محدودة يصح أن تجعل أساساً متيناً لأبحاث المستقبل ولا نزاع في أن جميع المستكشفات الحديثة سواء أكانت من مبتدعات الطيران أو التلغراف اللاسلكي أو غيرهما من المبتكرات_كلها جدير أن بتضاءل قدره وتضمحل قيمته إزاء ذلك الاختراع الذي قد أبرز إلى عالم الحس نوعاً جديداً من المادوة محلى بخواص لم يسمع به قط ولم تخطر على بال ثم هو (أي هذا النوع الجديد من المادة) لعله كامن مخبوء في كيان كل واحد منا. وإنه لمن أدهش الغرائب وأعجب المناقضات أن الباحثين وراء الروح قد استكشفوا في سبيل أبحاثهم الروحانية من أسرار المادة ومن غرائب خواص ومدهشات قواها وتأثيراتها أثر مما وصل إليه الماديون أنفسهم.

وجدير بنا أن نذكر مبدئياً أن تقدم المظاهر الروحانية لم يكن إلا تدريجياً وأن تمقص الأرواح في المادة (ظهورها على أشكال مادية) إنما هو أمر حديث العهد. ثم أنه أخذ يزداد ويتفشى في العقد السابع والثامن من القرن التاسع عشر إذ تطرقت إليه أساليب التزوير والتدليس والتمويه بسبب ضعف العالم إذ ذاك في علم الانتقاد والتمحيص فكانت ظلمات الجهل المخيمة حينذاك مما ساعد كثيراً على انتشار ذلك واستفاضته. بيد أن بقطع النظر عما كان يشوب نلك المسائل الروحانية من مظاهر الغش والتزوير لقد كان يوجد بينها ما هو حق صرح وصدق بين. ولقد أثبت العلماء الراسخون في ذلك الباب والثقاة الجهابذة أثناء مشاهداتهم العديدة لتلك المظاهر الروحانية أنه يوجد بعض أشخاص ممن يسمونهم الوسائط المجسمة (أي المستطيعة إبراز الأرواح في ثرب من المادة) قد امتازوا بخاصة أو موهبة مادية غريبة وهي أنهم يستطيعون أن ينفثوا من أبدانهم مادة غروية لزجة مخالفة في كنهها لكل ما قد عرف حتى الآن من جميع أشكال المادة وصورها من كونها يمكن تصلبها (أي صيروتها مادة صلبة) واستعمالها في أغراض مادية وهي مع ذلك يمكن استيرادها إلى داخل الجسم من حيث أتت دون أن تترك أدنى أثر البتة ولا على الثياب التي اخترقتها عند انبعاثها من الجسم. ولقد تمكن بعض البحاثين فعلاً من لمس هذه المادة فخبروا أنها مادة مرنة مطاطة وفيما يظهر حساسة كما لو كانت إفراز عضوياً من جسم الواسطة. ولقد استقل رجال العلم هذه الآراء بالهزء والسخرية طبعاً. ثم انبروا إلى دحضها ونقضها بالبراهين التشريحية وبالحجج الطبيعية العامة غير أن الأبحاث الحديثة العهد قد أثبتت كما سأبين ههنا أن الروحانيين المنقدمين كانوا في هذه المسألة وفي غيرها رواد الحق المبين وأنهم قد عثروا على أغرب وأعجب ما بدا في الكون من مظاهر المادة.

وفي عام 1909قامت المدام اسكندربيسون_وهي سيدة فرنسية من المولعات بالعلوم الطبيعية - بدراسة هذه لظاهرة وجعلت واسطتها في ذلك امرأة تدعى حواء كانت قد أوتيت القدرة على تكوين هذه المادة التي سماها شارل ريشيه الفسيولوجي الفرنسي الشهير الابكتو بلازم وقد أيدها في هذه المباحث دكتور الماني لسمه شرنكتو تزنجإذ جمع مذكرات الجلسات فيما بعد فنشرها بالفرنسية في كتاب عليه اسم المدام بيسون بعنوان ظواهر المادية والجملة الآتية من مقدمة الكتاب تدل دلالة بينة على فحوى الكتاب ومرماه. وهي لقد استطعنا مرات عديدة إذ نقدر أنه قد يخرج من جسم الواسطة بسبب عملية بيولوجية مجهولة مادة تكون في أول أمرها نصف سيالة وتتضمن بعض خصائص المواد الحية التي أهمها القدرة على التغير والحركة واتخاذ أشكال محدودة ثم أضاف إلى ذلك قوله وقد كان للإنسان أن يكذب هذه الحقائق لو لم تقم على صحتها الأدلة الدامغة مئات المرات أثناء التجارب الدقيقة تحت شروط مختلفة متنوعة محكمة مضبوطة فهل بعد ذلك مصداق على صحة دعاوى أولئك الروحانيين المتقدمين الذين لبثوا جيلين عرضة لاستهزاء العالم صابرين متجلدين لسهام ضحكهم وسخريتهم؟ وقد ختم شرنكتوتزنج مقدمته الجليلة بتشجيع زميلته واستنهاض همتها حيث قال: لا تنكلي ولا تنكصي عما قد نهجته لنفسك من تلك السبيل الوعرة المعتاصة المؤدية إلى فتح جديد في معترك الجهاد العلمي المفضية إلى مملكة مستحدثة في عالم العلوم بأن تجعلي سبيلاً عليك إلى تثبيط الحمقى المعاندين ومطاعن الجبناء المشاغبين ومغالطات المقسطين المكابرين ولكن امعني في منهاجك الذي افترعته وأوغلي في سبيلك الذي شققته ولا تزالي ذاكرة؟؟؟ العلامة فارادي حيث قال: لا يصح أن يقال عن شئ مهما بلغ من غرابته: هذا أغرب من أن يكون حقاً.

أما طريقة إجراء هذه التجارب المدهشة فقد كانت كما يأتي: كانت تؤخذ كل الاحتياطات الممكنة ضد التزوير والتدليس. فكانت المدام بيسون تحفظ مفتاح غرفة الحفلة في جيبها وكانت حواء الواسطة تضطر إلى تبديل ثيابها بثياب أخرى حينما تكون، وجودة في هذه الغرفة ثم تعود إلى ثيابها الأصلية بعد خروجها منها.

وكان يجري عليها الفحص الطبي على أيدي جماعة من مهرة ألأطباء. وبعد ذلك كان الضوء الذي بالغرفة يأخذ بالازدياد تدريجياً حتى يستكمل بها ستة مصابيح قوية حمراء والأحمر هو - كشأنه في الفوتوغرافيا_اللون الوحيد الصالح لتلك التجارب. وأهم ما في هذه الاحتياطات أنه كان يوجه إلى حواء المذكورة من جميع اتجاهات الغرفة عدة آلات مصورة (فوتوغرافيات) - وقد بلغ هذا العدد ثمانية في المرة الأخيرة فتسلط عليها بحيث أنها لا تغفل أدنى حركة من حركات الوسيطة حواء إلا سجلتها وقيدتها. وقد بلغ عدد ما تجمع من هذه الصور وظهر في الكتاب الآنف الذكر 200 فوتوغرافاً. وقد استمرت هذه الحفلات المسلسلة أربعة اعوام وقد شهدها خلاف المدام بيسون والدكتور الألماني جملة من رجال العلم قد بينت أسماؤهم بالكتاب المذكور.

أما نتائج هذه التجارب فهي فيما أرى لأهم وأشهر مما يؤثر على نتائج أي أبحاث أخرى فلقد شهدت الشهود وبينت الفوتوغرافيا أنه كان يترشح من عيني الواسطة (حواء) وفمها وأذنيها وجلدها هذه المادة الغروية الخارقة للعادة. وأن الفوتوغرافياا لمبينة لهذه الظواهر لبشعة كريهو منكرة شنيعة ولكتن البشاعة والكراهية والشناعة هي من الصفات التي يتجلى فيها لأعيينا الكيثر من عوارض الطبيعة وحوادثها وإنك إذا تأملت الصورة الفوتوغرافية الخاصة بهذه الأبحاث لرأيت هذه المادة الغروية اللزجة تتدلى من الذقن كنتف الثلج المتساقطة فتتقاطر فوق الجسم مكونة عليه شبه المبذلة أو بارزة من نوافذ الوجه وثقوبه (أعني الخياشيم والفم والعينين والاذنين) على هيئة كتل منتشرة مشوشة عديمة النظام والشكل. وهذه المادة إذا لمست أو سقط عليها لون من النور غير ملائم (غير الأحمر الآنف الذكر) تكمشت وتقبضت مرتدة إلى داخل الجسم من حيث أتت. وإذا قبض عليها وقرصت أرسل ذلك صيحة ألم وتوجع من الواسطة وهذه المادة تبرز من الثياب ثم تعود فتختفي دون أن تترك عليها أدنى أثر. وقد اقتطعت فلذة من المادة بأذن من الواسطة فذابت هذه الفلذة في الصندوق الذي وضعت به كما يذوب الثلج تاركة شيئاً من البلل والرطوبة وبضع خلايا كبيرة كالتي تنبعث عن الطفيليات الفطرية.

ولا يغيبن عن الذهن أنه قد اتبع في هذه التجارب تلك الطريقة العادية ةهي وضع الوسيط في فرغ محصور محجوب بأستار وهذا ما يسمونه الخلوة فهنالك جلست الوسيطة على كرسي ولكن يديها كانت ابا بارزتين للعيان احتياطاً إضافياً من حدوث الغش والتمويه. والغرض من إيجاد هذه الخلوة هو أن تكون الاكتوبلازم يتوقف أولاً على نوع من تكاثف المادة شبيه بالبخار الثقيل.

وكأني بالقارئيقول في نفسه ولكن ماذا عسى تكون علاقة كل هذه الاشياء بالأرواح؟ وما لتلك المظاهر الغريبة ونظرية الروحانيين؟ فلتعلم إذن أن كل ذلك مما يفوت الوهم والتصور ولا يدخل في نطاق المعقول ان هذه المادة الاكتوبلازم قد تتجمد وتخثر عند بعض الوسطاء بعد تكونها فتأخذ أشكالاً محدودة وصوراً معينة وهذه الأشكال هي أرجل بشرية ووجوه بشرية ترى في أول الأمر منفصلة منعزلة ثم تلتم وتتحد فتسكتمل منها صور إنسانية. وأن كثيراً من الفوتوغرافات تمثل لنا هذه الأشباح الغريبة في أحجام أصغر من حجم الإنسان الحي كما يرى من الفوتوغرافات المأخوذة عن حواء الآنفة الذكر. وبعض هذه الوجوه المترائية تمثل صوراً ذهنية كانت تقوم في ذهن حواء وقت التجربة ثم تقمصت تلك المادة فتراءت بارزة عن ضمير نفسها للعيان في الهواء الجوي وقد وجد بعض الشبه بين تلك الأشباح المترائية وبين صور كانت حواء قد نظرتها من قبل وخزنتها في وعاء ذاكرتها. فمن ذلك شبح كان يشبه المسيو بوانكاريه عبوس الوجه متنمر مكفر. ومن هذه الأشباح شبح يمثل لفظة المرآة مكتوبة بحروف الطباعة فوق رأس الوسيطة وقد قال بعض النقاد أن هذا يدل على أن الوسيطة كانت قد أخذت في ذاكرتها إذ ذاك تلك الجريدة المسماة هكذا المرآة وإن كان أعياهم تعليل هذه المسألة وإبداء السبب الباعث لها على التفكير في جريدة المرآة ساعة استحضارها صورتي هذين السياسيين في ذاكرتها وأي علاقة بين الرجلين العظيمين وبين جريدة المرأة. أما الوسيطة نفسها فقد عللت هذا باحتمال أن القوات المتحركة ربما أوردت فكرة المرآة هذا لتدل على أن ما عرض إذ ذاك من صورتي الرجلين لم يكن طبق الأصل (أي صورتيهما الحقيقيتين) وكان كما يشاهد في المرآة منعكساً.

ولعل القارئ لم ير حتى لآن علاقة ظاهرة بين هذا ونظرية استحضار الأرواح. فليعلم إذن أن حواء عندما تكون في أحسن حالاتها قد يتكون امامها شبح كامل. على أن هذا لا يكون إلا في الندرة ويصحبه عاددة تأثير في حالتها الصحية وهذا الشبح يمثل شخصاً ميتاً ثم ينفصل انفصالاً تاماً عن جسم الوسيطة. ثم يهبط على هذا الشبح شخصية تدعى أنها شخصية إنسان ميت أو لعلها في الحقيقة شخصية ذلك الميت فتتقمص الشبح المذكور فتهب فيه روح الحياة وتتنفس فيه فيتحرك ويتكلم ويعبر عن عواطف الروح المتقمصة فيه. ولقد جاء في خاتمة تقرير بيسون الآنف الذكر الكلمة الآتية: أنه منذ انعقاد هذه الجلسات وبعد ذلك قو شوهد أن الشبح يتراءى برمته ويبرز بحذافيره من الخلوة وينطلق لسانه بالكلام ولقد سار وتحرك حتى وصل إلى المدام بيسون فاعتنقها وطوق ذراعيها قربتها ثم قبلها. وقد سمع في المكان صورة القبلة. فهل رؤى قط مثل ذلك ختاماً لبحث علمي؟ إلا أن في ذلك لعبرة لمن اعتبر ودليلاً قاطعاً على عجز العلماء المحققين والفحاص المدققين وضعف أحلامهم وانحسار أوهامهم على سر أعماق الطبيعة وإدراك أسرارها الخفية وبرهاناً ساطعاً على أنه قد يستحيل البتة على أمهر فلاسفة الماديين أن يهتدوا إلى تعليل أمثال هذه الحقائق الثابتة بما يطابق نظرياتهم المادية. وقوانينهم الفسيولوجية والكيماوية. وأن أقصى ما وصل إليه جهد العلماء في هذا السبيل وآخر ما اهتدوا إليه من تعليل هذه الحقيقة الثابتة هو ما قاله المستر جوزيف كراب في مباحثته العلنية التي جرت بيني وبينه حديثاً من أن المادة اللزجة المنبعثة من أجزاء جسم الوسيط المسماة الاوكتوبلازم ما هي إلا حالة من حالات رشحان المواد الغذائية غير المهضومة من نوافذ الجسم ومسامه! ولقد نسي - حفظه الله_أن وجه الوسيطة وجسدها وسائر أعضائها كانت في بعض التجارب تلف لفاً محكماً في زرد حصيف من الحديد جيد الحبك لا ينفذ منه الماء وقد كان الاكتوبلازم يمر منه وينفذ. فلو كانت هذه المادة هي من محتويات المعدة والامعاء الت يقيئها الجوف ويرشحها سوء الهضم فكيف كانت تستطيع النفاذ من هذا الحجاب الكثيف والغطاء المحكم الحصيف!

هذه الحقائق قد أيدها وأكدها الدكتور شرنكتوتزنج الألماني بما أجراه من التجارب على وسيطة أخرى من نساء بولونيا ممن امتازوا لقوة نفث مادة الاكتوبلازم فإن هذا الدكتور لما اجرى تجاربه على الوسيطة البولاندية وصل إلى عين النتائج التي كان أفضى إليها عندما أجري تجاربه الأولى على الوسيطة حواء. وقد شهد تجاربه الثانية نفر عديد من فطاحل علماء الألمان المدققين قأقروا بصحتها وخلوها من أساليب التدليس والتمويه ولقد أمعن الدكتور شرنكتوتزنج - بفضل ما امتاز به أهل جلدته الألمان من فرط التحقيق - في اعماق الموضوع وتغلغل في صميم لبه إلى أبعد وأعمق مما أفضى إليه سلفه (أعني المدام بيسون) وذلك بقصه بضع شعرات من شعر الأشباح المكونة من مادة الاكتوبلازم فقارن بواسطة المكروسكوب بينها وبين شعر الوسيطة (وكانت الوسيطة هي حواء. وقد جرت هذه المقارنة في بعض التجارب التي جرت في فرنسا) ثم أثبت بعدة اختبارات كيمياوية أن هنالك خلافاً بينا بين عتيي الشعر وأن شعر الشبح لا يمكن أن يكون مصدره من شخص الوسيطة بل هو أجنبي غريب عنها وصادر من شيء غيرها. ثم أخذ قطعة من الاكتوبلازم فأحرقها في جهاز كيماوي فاحترقت مستحيلة إلى رماد ينبعث عنه رائحة كرائحة القرن وأصيب أيضاً بين متخلفات الحريق الكيماوي مادة كلورور الصوديوم (الملح العادي أي ملح الطعام) وفوسفات الكلسيوم. وختم الدكتور اختباراته بأخذه سلسلة صور سيناموتوغرافية عن الاوكتوبلازم في حالة انصبابه من فم الوسيطة. وقد أورد في كتابه جانباً من هذه الصور السيناماتوغرافية.

وجدير بالذكر أنه بينما كانت الوسيطة في غيبوبة أثناء هذه التجارب فإنها لم تكن فاقدة الشعور بل كان يرى عليها كأنما ق تقمصت فيها شخصية أخرى خلاف شخصيتها ويكن تفسير هذه الشخصية الثانية بأنها إحدى شخصياتها أو ذاتيتها المتعددة (لأن الإنسان يكون له عادة شخصيات أو ذاتيات متعددة) أو بأنها روح حقيقية خارجية أجنبية قد تقمصتها واستحوذت عليها. وقد كانت هذه الشخصية الجديدة المتلبسة بالوسيطة تتكلم عن الوسيطة وتتحدث في شؤونها بشيء من العنف والحدة إذ جعلت تخاطب المدام بيسون قائلة عن الوسيطة إنها تحتاج إلى شيء كثير من التمرين والرياضة والتعويد على النظام والضبط وإلى الحث والتحريض على الاهتمام بأداء أعمالها وواجباتها وفي كثير من الأحايين كانت هذه الشخصية الجديدة تبدي مزية الكشف (اعني الاطلاع على المغيبات) كدلالته على عيوبها واختلالات غامضة خفية في الآلات والأجهزة الكهربائية مما كان يخفي على أبصار الفنيين القائمين على تلك الآلات ويغيب عن أذهانهم ويدق على أبصارهم. وفي ذلك كان ينبعث من جسم الوسيطة سلسلة متوالية متصلة من التأرهات والأنات والاعتراضات والاحتجاجات كانت فيما يظهر منفصلة انفصالاً تاماً عن تلك الشخصية وعن عقليتها ولم تكن في حدذاتها سوى ضجة حيوانية محضة.

ومما ساقه العالم الألماني في سرد ملاحظاته ما ذكره من أن الوسيطة حواء بدت في بعض تلك التجارب مغشاة من قدمها إلى رأسها بملاءة من مادة الاكتوبلازم ثم نهضت واقفة في مقعدها. ولهذه الظاهرة أهمية كبرى من حيث أن فيها بياناً وإيضاحاً لتلك الحالة التي يسميها الروحانيون تغير الشكل أو التمقص ويعنون بها أن الوسيطة تمثل دور الروح المستحضر إذ كانت تكتسي مادة الاكتوبلازم وتحاول تقليد شخصية الروح الوافدة. وقد روى تاريخ علم الأرواح عدة من امثال هذه الحالة كانت الوسائط فيها تمثل أدوار الأرواح كالوسيطة باستيان امام ولي العهد رودلف والمس كوك وسيطة كروكر والمدام اسبيرنس وغيرها. وقد كان المتفرجون في جمع هذه الحالات يمدون أيديهم فيمسكون الوسيط ولكن المادة المكون منها تلك الثياب والأزياء المتنكرة كانت تتلاشي توا فتختفي ثم لا يوقف لها على أثر.

ووما يؤيد هذه الأقوال ما ذكره الدكتور جيلي أعد علماء باريز بعد إجرائه عدة تجارب من هذا القبيل على حواء الآنفة الذكر واستدعاء جماعة من قادة العلماء لمشاهدة بعض هذه التجارب. قاللقد أجريت تجاربي على نحو ما أجراها أسلافي من أساطين هذا العلم فانتهيت إلى هذه النتيجة وهي أن تجاربهم كانت بريئة من أدنى أثر للغش لا ذرة عليها البتة لغبار الخديعة والتمويه. فلقد سلكت تلك الطرق القديمة بعينها فأفضت بي إلى عين تلك النتائج المأثورة حذو القذَّة بالقذة لا خلاف البتة سوى أن الخيالات كانت في تجاربي خيالات وجوه نسائية كانت تبدو في كثير من الأحايين مليحة جميلة وهي مع ذلك غريبة على عيني مجهولة عندي. وربما كانت هذه الوجوه صور أفكار مما يجول في ذهن حواء لأني لم أحصل قط في تجاربي على الروح الحية مستوفاة كاملة مطلقة. وخلاصة القول أن هذا الذي شاهدناه خلال هذه التجارب ما يهدم مذهب المادية هدماً تاماً ويمحو أثره محواً باتاً، لقد أصبحت المادية مع وضوح هذه الحقائق لا موضع لها في الحياة ولا مكان لها في العالم وهو بلا شك يريد بالمادية ههنا تلك المادية القديمة - (المذهب الذي ساد في العهد الفكتوري. عهد الملكة فكتوريا) - القائلة بأن الفكر إنما هو نتيجة المادة، فأما الشواهد الجديدة والأدلة الحديثة فتثبت عكس ذلك وهو أن المادة نتيجة الفكر. على؟؟؟ إذا شرعت تخوض في هذه المسألة قائلاً إذا صح أن المادة (أعني الكون) نتيجة الفكر فما هو هذا الفكر أو أي فكر هو أو فكر من هو؟ إذن لولجت باب الشكوك والريب ودخلت في معضلة مستعصية ومشكلة عويصة.

والآن بعد ما أدركنا أنه قد يتأتى لإنسان أن يولد من ذات نفسه مادة نادرة غريبة تستطيع أن تتشكل بأشكال أجسام آدمية تحتلها أرواح لمدة من الزمن فدعنا نطبق هذه الحقيقة العجيبة المدهشة على ظواهر غريبة قد وقعت وأثبتت في الأجيال السالفة ولكنها لم تعلل إذ ذاك ولم تفهم أسبابها إلى أن ظهرت لتجارب الحديثة التي بيناها آنفاً. فمن بين تلك الظواهر أذكر ما كان في عام 1873 من امر العالم كروكس ووسيطته فلرو كوكس هذا الكيماوي الشهير لبث ثلاثة أعوام يجري تجاربه على وسيطته الفتية الصغيرة التي جعلت نفسها تحت تصرفه المطلق وملكته عنانها ابتغاء التخلص من تهمة وجهت إليها. وقد أسفرت تجارب العلامة كروكر عن تبرئتها تماماً من التهمة. أما وصف هذه التجارب فهو أن كروكس كان يحبسها في الظلام في غرفته الصغيرة. فإذا مرت ساعة أو نحوها نفذ إلي الغرفة المجاورة امرأة مخالفة لها تمام المخالفة وهذه المرأة كانت تتحرك وتتكلم وتسمي نفسها كيتي كينج قائلة انها روح كانت تعيش في عهد الملك الأول شارل الثاني (ملك انكلترا فيما بين 1661 و 1685) وأنه قد سمح لها أن تهبط فتسكن لمدة قصيرة الجسم الذي قد تكون من المس كوك وفي خلال ذلك كانت المس كوك المذكورة يسمع صوتهاوفي بعض الأحايين يبصر شخصه في الغرفة المجاورة. وقد قيل عن هذه المسألة في إبان حصولها إنها لم تكن بطبيعة الحال إلا المس كول نفسها قد تنكرت في غير زيها وهيئها واكتست شكل عفريتة أو جنية أو روح (سمها كما شئت) ولكن أول ما يحتج به بطلان هذا التأويل هو أن يترك العلامة كروكس بين حكمين: أما انه مجنون أو كذاب متعمد للكذب إذ لا مشاحة من غير أن ينخدع بمث هذه الظواهر لا يكون إلا مجنوناً كما أن لا يكون كذاباً أشراً من يقول أن المرأة المنبعثة من الغرفة المجاورة المحبوس فيها الوسيطة كوك كانت أطول من المس كوك بأربع بوصات ونصف وكان شعرها ضارباً إلى السواد وقد قصت منه خصلة بالفعل (وكان شعر الوسيطة ذهبي اللون) أضف إلى ذلك أن سرعة النبض كانت مختلفة في الشخصين هذا وأن سيرة العلامة كروكس كانت نثبت تماماً أنه لم يكون بالمجنون ولا بالكذاب فإزاء كل هذا لا يسع المنصف المتعقل إلا الاعتقاد بأن هذه المعجزة التي يؤيدها أربعون فوتوغرافاً لا بد أن تكون حقاً لا ريب فيه ولكنها لا علاقة لها البتة بأية حقيقة من حقائق الكون.

أما الآن فقد أخذ الأمر مظهراً آخر. فقد استطعنا بفضل الأبحاث الحديثة أن ندخل تلك الغرفة المظلمة ففنظر ما يحل بالوسيطة فلوري كوك فماذا نرى؟ نراها مستلقية على المتكأ (الكنبة) ترسل أنة عميقة من آن لآخر ومادة الاكتوبلازم الحيوية تنبعث من بدنها مكونة من سحابة من مادة لزجة وهذه السحابة لا تلبث أن تأخذ شكل جسم آدمي وهذا الجسم لا يلبث أن ينعزل من جسم الوسيطة وتنصرم بينهما سباب الصلة وأواصر الارتباط. وعندئذٍ ترسل المرأة المسماة كيني كنج روحها في ذلك التكوين الذي لعله صورة من جسمها الأصلي يوم كانت على قيد الحياة ثم تسع على قدميها لتقضى ساعتها القصيرة على وجه الأرض متحدثة إلى العلامة كروكس ملاعبة أطفاله قاصة عليهم السير والأنياء عن العصر الغابر حتى تنتهي ساعتها فتخاطبهم قائلة لقد حان لي ان أنطلق إذ قد انهيت مأموريتي وبلغت رسالتي ثم تتلاشى. أما رسالتها فتلك كانت إبلاغ الناس مع البرهان الدامغ أن الروح قد تبقى بعد فناء الجسد أزماناً طوالاً. ولقد كانت هذه الرسالة تفلح لو أنها أيدت بالشجاعة الأدبية من القوم الذين شاهدوا المعجزة عياناً ولم يحل دون انتشارها غبارة وبلادة ومادية هذا العالم الصحافي العلمي الكيماوي البيولوجي الخ الخ. والآن بعد مضي الأيام العديدة قد بدأنا نفهم ببطء هذه الرسالة العظيمة.

وهناك حلقة تجارب أخرى قام بها الدكتور كروفورمن علماء بلفاست بايرلندة وقد أجراها على وسيطته جوليجير وأبرزها في كتاب سماه (الظواهر النفسانية وتجارب في علم النفسانيات) أما الوسيطة المس (جوليجير) فهن كما يظهر من صورتها الفوتوغرافية سيدة فتية السن قويمة الأخلاق مستنيرة العقل على جانب عظيم من التهذيب والرقي سلالة أسرة كريمة من أهالي (بلفاست) لكنها فقيرة وقد اتخذ هذا ألأمر - أعني فقر أسرتها - جماعة المضادين لمذهب الروحانيات ذريعة إلى اتهامها بالغش والتدليس. ووما يؤسف له أن نرى أمثال هذه المطاعن توجه إلى سيدة كريمة نزيهة تبذل مجهودها وتهب نفسها لتجارب العلماء. مدفوعة إلى ذلك بأشرف الأغراض وأنبل الغايات إذ كان في أمثال هذه المطاعن ما ينفر أمثال هذه السيدة ممن قد أوتين تلك الموهبة النقية النادرة من التعرض لهذه التجارب وبذلك تقوم العقبات في سبيل هذه الأبحاث العظيمة.

وأهم ما يستنتج من تجارب الدكتور كروفور هو أن الاكتوبلازم مادة يمكن استخدامها في أغراض شتى بفضل ما يمكن وراءها من القوى والمزايا. فقد رأينا في الأمثلة المتقدمة إمكان استخدامها في تكوين الأشكال من صورة الإنسان. أما في تجارب بلفاستفقد امكن استخدام هذا الاكتوبلازم بعينه في عمل قضبان أعمدان من القوة ذات ثقل ولكنها مع غير ذلك غير مادية (لا يمكن لمسها) وكانت هذه العمدان والقضبان تنبعث من جسم (من الأطراف غالباً) الفتاة الفاقدة الشعور ثم تحدث ضربات ولطمات أو تحرك أمتعة وأشياء وقعة على مسافة منها. وكان يمكن استخدام مثل هذا العمود المكون من القوة في رفع الأثقال وذلك بتوصيله بآلة رافعة توضع تحت مائدة مثلاً فتكون نتيجة ذلك هي أن هذا العمود يسلط قوته على الآلة الرافعة المتصلة به فيرفع المائدة في الهواء وعند ذلك ينضاف ثقل المائدة إلى ثقل الوسيطة كما لو كانت الوسيطة المذكورة قد أحدثت عملية الرفع هذه بواسطة قضيب من الحديد متصل بجسمها ومستعمل كآلة رافعة. وقد أمكن أيضاً وضع قضيب القوة المذكور (المكون من مادة الاكتوبلازم) يضغط على المائدة فيلاحظ أن مقدار القوة التي يصرفها القضيب المذكور في احداث هذا الضغط يستمد من مقدار وزن الوسيطة فينقص بذلك وزنها بمقدار ثلاثين أو أربعين أو خمسين رطلا كما يشهد بذلك أن ميزان الثقل المركب في الكرسي الجالس عليه الوسيطة. وفي هذه الحالة تصبح الوسيطة مجرد بقية إذ يكون قد انسحب من مجموع مادتها مدقا الثلث أو اكثر ولأصبح منفصلاً منها خارجاً عن كيانها. وهذا المادي يظهر على الجسم بمظهر صفاء وتهذيب في جوهره وليس بمظهر خسارة محسوسة في مادته. وقد كنا نلاحظ إذ ذاك أن كل عمل كان يعمل في هذه الظروف الخارقة بقصد تعويق هذا الجزء المفصل الخارجي عن سرعة العودة إلى الجسم كان يحدث ألماً بدنياً للوسيطة.

ومن التجارب التي أجراها الدكتور كروفور انه جاء بنسيج فصبغه بصبغة حمراء رطبة ثم نصبه أما جسم الوسيطة أثناء انبعاث مادة الاكتوبلازم. فلم يلبث أن رأى جدران الغرفة قد تلطخت ببقع من الحمرة المذكورة - دليل على أن عمود القوة المندفع قد كان من الصلابة بحيث استطاع ان يحمل معه أجزاء من تلك الصبغة. وفي هذا من قوة الاقناع ما لا يخفى على غير المتحيز.

ولعل معترضنا يقول هذه الظاهرة لا تعدو كونها ظاهرة لقوة مادية غير مفهومة ولكنها ليست روحاً أو عقلاً منفصلاً عن أرواح أو عقول الحاضرين المشاهدين تلك التجارب على أن مثل هذا المعترض إذا طلع على كتاب الدكتور كروفور الآنف الذكر علم أن في كل دور من أدوار التجربة كانت ثمة روح أو عقل مهيمن يرشد وينصح ويشير ويقترح بواسطة إشارات وعلامات منظمة محكمة. ولكن روح من؟ وأي عقل؟ فأجابة على هذا السؤال قد قرر الدكتور (كروفور) في كتابه الآنف الذكر أنه مقتنع تماماً أن هذه الأرواح المهيمنة هي أرواح آدميين مجردة من أجسامها.

فناشدتك الله ايها القارئ هل بقي بعد ذلك مجال للتكذيب بصحة هذه البراهين الناصعة. وصدق هذه الحقائق الرائعة، ومن ذا الذي يطلع على هذه الآيات البينات آيات العلماء الأعلام والجهابذ المحققين (بيسون) و (شرنك نوتزنج) وجيلي و (كروكس) و (كروفور) ثم يرتاب في أننا واجدون في هذه الغيوم والضبابات المنسدلة حوالي (الساحل المجهول) كمكا وصفت آنفاً صخرة وا حدة من الحقيقة الناصعة قد برزت من الظلمات والدياجير في جو اليقين الواضح المشمس! ولا اكر بعد أن وراء هذه الحقيقة الضاحية يمتد أقليم الخفاء والابهام وتنفسح مجاهل الشكوك والأوهام. وتبقى على مدى العصور والأجيال مطمع استطلاع الرواد. ومطمح استكشاف الطلاب والقصاد.