مجلة البيان للبرقوقي/العدد 59/أفكار بليدة

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 59/أفكار بليدة

ملاحظات: بتاريخ: 31 - 12 - 1920



لمفكر بليد في أوقات بليدة

للكاتب الفكاهي البديع جروم. ك. جروم

ضيق الصدر

لا بأس على امرئ من الكآبة والأسى بل ربما وجد الأنسان شفاء غلته وبرئ علته في الاسترسال في الحزن والاستسلام إلى الشجى، وقد ما قال الشاعر:

وان شفائي عبرة مهراقة

وقال الآخر:

لعل انسجام الدمع يعقب فرجة

وطالما لذني وطاب لي أن أهجر عمداً مجالس الطرب ومحافل الأُنس وأنتبذ المكان المنعزل القصى لأخلو إلى أحزاني وأشجاني أستجيها من مكامن الخيال أو استثيرها من مدافن الذكرى طرباً إلى ذلك مرتاحاً.

فأما ضيق الصدر - ذلك الذي يعتري الإنسان فجاة بلا سبب ظاهرة ولا علة مفهومة - فذلك هو الداء العياء والبلاء الأعظم. بيد إنه الداء يسلم منه أحد ولا يفلت منه إنسان. وأعجب ما فيه أنك لا تعلم أصله ولا فصله ولا سببه ولا مصدره، فأنت خليق أن تصاب به عقب استيلائك على ميراث هائل أو عقب فقدانك (علبة سجائرك) في القهوة أو نسيانك (شمسيتك) في القطار وتأثير هذا الداء (أعني ضيق الصدر) فيك شديد فتاك أشبه شئ بمجموعة تأثيرات أوجاع الضرس والمغص والصداع - إذ تصير قلقاً مهتاجاً فظاً مع الأجانب خطراً على الصحب والأقارب شرساً شكساً صخوباً غضوباً - بلاء على نفسك وعلى كل من حولك.

وأنت ما دمت واقعاً تحت تأثيره فلا قبل لك بمحاولة أي عمل أو تفكير في أي شيئ، وإن أحسست أثناء ذلك بضرورة القيام بعمل ما لا تدري ما هو ولكن تشعر بضرورته وإذ كنت بناءً على هذا لا تستطيع أن تظل ساكناً ساكتاً فإنك لا تلبث أن تلبس قلنسوتك وتأخذ عصاك فتبرح المزل للفسحة. ولكنك لا تكاد تسير بضع خطوات حتى تندم على ما كان من خروجك وتعود إلى غرفتك. وهناك تحاول تفريج همك بالقراءة فتنظر في (شاكسبير) فإذا هو غث تافه فاتر. ثم تنتقل إلى (دكنز) فإذا هو سخيف بارد. ثم إلى (ثكرى) فإذا جاف عقيم ثم إلى (كارليل) فأذا أعقم الجميع وأجفهم وأسخفهم وهنا ترمي عرض الحائط بالكتاب وتنبذ المؤلف بأشنع الألقاب. وبعد ذلك تحول تيار غضبك على القطة فتطاردها في أنحاء الغرفة حتى تخرجها وتغلق الباب خلفها. وهنا تفكر في أن تكتب (جواباتك، فتأخذ القلم والقرطاس ولكنك بعد كتابتك لفظة (عزيزتي ها قد تناولت القلم لأبثك ما عندي) ترى أنه ليس عندك شيئ فيرتج عليك ولا يفتح الله عليك بكلمة وبعد استمرارك على هذه الحالة السيئة ربع ساعة أو أكثر تلقي القرطاس في الدرج وتقذف القلم على المكتب وتنهض من مكانك عازماً على المضي لزيارة أصدقائك الأسة الفلانية وفبما أنت تلبس حذاءك يخطر ببالك أن الأسرة الذكورة قوم أغبياء سخفاء وإنهم لا يصنعون طعاماً البتة وإنهم يكلفونك حمل وليدهم وإرقاص طفلهم فتسب القوم سباً وتلعنهم لعناً وتنقض ما كنت اعتزمته من الذهاب إليهم.

وهنا يكون قد استفحل بك الداء وبلغت الروح التراقي فتدفن وجهك في يديك وتتمنى لو جاءك الأجل فصعدت إلى جوار ربك. وحينئذ يثور في خاطرك ذكر الموت فتصور لنفسك منظر مماتك وأنت على سرير المنية تعاني سكرة الموت وتجود بأنفاسك الأخيرة والأهل والأقارب والإخوان حولك وقوف على رأسك تسيل مهجهم عبرات وتذهب نفوسهم حسرات. وأنت تبارك فيهم وعليهم ولا سيما الفتيان والفتيات والصبيان والصبيات. وتعلل نفسك عن مصابك بأنهم سيعرفون قيمتك بعد ذهابك. إذ يتبين لهن خطورة نكبتهم وجسامة خسارتهم. وهنا يحلو لك أن تقارن بين ما تتوهم أن يكون من شدة احترامهم لك بعد موتك وشدة احتقارهم لك أثناء حياتك.

هذه الخواطر وأمثالها تهوّن عليك وتنفس عنك ولكن لمدة قصيرة جداً. إذ لا تلبث أن تتهم نفسك بالحمق والسفه وبالبلاهة والعته إذ يخطر ببالك أو يخيل إليك أن أي إنسان كائناً من كان يحفل بك أو يكترث لك أو يهتم لأيما يعرض لك ويجري عليك من خيرٍ أو شرٍّ أو ربح أو خسارة. ومن ذا الذي يا مغرور ويت أحمق ويا أبله ويا غبي يعنى بك مثقال ذرة أو يبالي ما يصيبك سواء قصم ظهرك أو حشّ وسطك أو قطع رأسك واخمدت أنفاسك أو بعج بطنك أو حلق ذقنك أو رفع لك تمثال أو مشنقة أو أقيم عرسك أو شيعت جنازتك الحقيقة أن الناس ما عرفوا قط قدرك ولا حاولوا أن يعرفوا ذلك ولا همّهم وهنا تستعرض ماضي حياتك فيتبين لك بلا أدنى ريبة أنك مازلت منذ خرجت إلى هذا العالم الملعون مهضوماً مظلوماً مغتصب الحقوق مبلياً بالإساءة والعقوق.

وما هي إلا برهة تقضيها في مثل هذه الهواجس الأليمة حتى تثور شياطين الغضب في دماغك فتقوم قيامتك على أهل السماء والأرض ولا سيما على نفسك فتهم أن تقذف نفسك من النافذة ولكن النافذة مغلقة. وأخيراً تحين ساعة النوم وتلك هي التي تنجيك من خطر الانتحار. قتنضو ثيابك وتبعثرها في جميع أنحاء الغرفة وتطفئ المصباح وتثب إلى الفراش كالهارب من طوفان أو بركان. وهنالك تقضي ساعتين أو نحوهما بالتقلب والتململ منوعاً هذه الحركة الدائمة بقذفك الغطاء برجليك ثم قيامك على الفور لإعادته مكانه. وأخيراً تغشاك هجمة مؤرقة مضطربة منغصة بالأحلام الكريهة.

هذا ما يصيبنا نحن معشر العزاب. أما المتزوجون فغير هذا حالهم وخلاف هذا شأنهم ودأبهم - انظر هؤلاء يسطون على زوجاتهم ويتسخطون على طعامهم ويصولون على أولادهم وهذا كله يحدث في البيت هرجاً ومرجاً وصخباً ولجباً وفي ذلك وحده تخفيف ما بهم وتنفيس كربهم. ولا بدع فإن المشاحنات هي الدواء الوحيد لداء (ضيق الصدر) وهي المسلاة والملهاة والمتعة الوحيدة التي يستطيع صاحب هذا الداء أن يجد فيها مستراحه ومستلذه.

بيد إن ضيق الصدر هذا قلما ينتابه إلا مساء، إذ في أثناء ضوء الشمس والعالم يتدفق تياره جياشاً بالحياة شدّ ما يصعب علينا أن نقف لنسترسل في زفراتنا وعبراتنا وفي شكوانا ونجوانا. ولا عجب فإن جلجلة مكينة الحياة العملية جديرة أن تغمر همسات شياطين الهموم المسوسة في آذاننا. فنحن في أثناء النهار نكون عرضة لأن نغضب ونثور ولكن لا يكون (لضيق الصدر) على نحو ما وصفنا آنفاً - سبيل علينا - كما أننا نكون أيضاً بمنجاة من لوعة الحزن والآسى ورقة الشجن والشجى. ومن ثم ترانا إذا غاظنا شيئ أثناء النهار رفعنا أصواتنا بالسب وأيدينا بالضرب. فإذا أصابتنا السيئة ليلاً في الساعة العاشرة مثلاً عالجناها بقراءة الشعر المحزن والمأساة أو بالجلوس في الضلام والأمل في حقارة الدنيا وبؤس العيش وغرور الحياة.

هنا ننتقل إلى موضوع الاسترسال في الأسى والخلوة إلى الذكريات الحزينة فنقول أن هذا الإحساس الذي بنا أن نسميه رقة القلب من الحزن أو ذوبان النفس من الشجى أو على سبيل الإختصار (حنين الشجى) لا يكون مصحوباً بالكرب والألم الحقيقي الإيجابي فإن الكرب الواقع والألم الحاصل فعلاً يكون عادة أشد عذاباً من أن يترك مجالاً لمثل هذه العاطفة اللينة الرقيقة أعني (حنين الشجى) ومصداق ذلك أنك إذا عرضت على عينك صورة حادث آليم أمكنك أن تجيل بصرك في أنحاء الصورة طويلاً وتتأمل أوصافها مالياً وتبكي عليها بزفرة الحنين وآنة الذكرة ودمعة العاطفة الرقيقة الذائبة وهذا ما لا تستطيع أن تصنعه إذا علاض على عينك الحادث الآليم بالذات إذ تنفر منه أشد النفور وتهرب منه هرباً والواقع إن الألم الفعلي وحنين العاطفة لا تجمعهما قط جامعة، وكربة الحزن الحقيقي لا يمكن أن يصحبها لذة الاسترستل في أحزان الذاكرة الخيالية وليس من شأننا أن نلعب بالنيران ولا بالصارم والسنان. ولا أن نعتنق الذئاب والسباع والآفاعي طوعاً وإختياراً. فإذا رأيت الرجل يلذه أن يسترسل في الذكرة الأليمة ويصونها في وعاء ذاكرته ويتعهدها بالري والسقيا كي لا تزال غضة ندية خضراء فأيقن أنه قد زالت عنها خاصة الألم وقد أصبحت غير جارحة له ولا قادحة ولا فادحة ولا لائعة ولا لاذعة ولا فاجعة ولا موجعة. ومهما تكن قد آلمته ومضته في أول أمرها فلقد عادت اليوم وهي له مصدر لذة وفي ذكراها غبطة ومتعة. وكأي من سيدة كريمة ما أن تزال على مدى الأيام تذرف الدموع على مخلفات ثياب طفلها المفقودتخزن ما بقي من آثارها العزيزة في وعاء مضمخ بالمسك والعبير وتتنفس الصعداء إذ تذكر تلك الأعضاء الغضة اللطيفة التي كانت تزين تلك الثياب - وكأي من غادة حسناء تخبأ كل ليلة في ثنايا وسادتها خصلة جعدة كانت حين ما تتهدل على جبين أبلج قد لثمته شفاه الأموج لما لحدت له أيدي العواصف في سواء اليم قبراً، فمثل هذه السيدة ومثل هذه الغادة كلتاهما خليقة حين تقرأ ما ذكرت آنفاً من لذة الأحزان ومتعة الأشجان أن تتهمني بالقسوة والجفاء وبالفظاظة وغلظة الشعور وبالكذب والبهتان ولكني أعتقد مع ذلك أن أمثال هؤلاء إذا سألن أنفسهن هل يجدن غصة ومضضاً في تماديهن في حزنهن وادمانهن ذكرى مصابهن فلن يرين بداً من الإجابة على هذا السؤال بلفظة (كلا) ولا بدع فإن للدموع عند بعض الناس حلاوة الضحك وقد قيل في الأمثال أن الإنكليزي الأصلي إذا باشر لذته باشرها بهيئة الحزن وأن المرأة الإنكليزية تزداد في ذلك غلواً فهي تستمد لذتها من الحزن ذاته.

أنا لا أتهكم ولا أسخر. وما كنت لأسخر قط من أي شيئ يرقق القلوب في هذه الدنيا الجافية القاسية. ونحن معشر الرجال مع ما بنا من قسوة فؤاد وغلظة أكباد ما كان لنا أن نريد النساء على أن يكن مثلنا قسوة وشدة، كلا أيها النساء فلتكن أبداً رقيقات لينات ولتكن ندى الحياة وطلها المرطب ويبسها المطفئ حرارتها ولتكن عسل الحياة المحلي خبزها اليابس الخشن. هذا وإن البكاء للنساء يشبه الضحك للرجال وعاطفة الحزن فيهن كعاطفة الهزل فينا! ومن يدرينا أنا أحسن منهن مذهباً في ذلك وأفضل سبيلاً. ومن ذا يقول أن الضحك ويحدثه من إمالة الأعناق وشق الأشداق وتعويج الأبدان وإغماض الأجفان - ادل على السرور النقب والفرح المهذب من رقة الأسى وما من رأس مطرق وجيد منكس وبصر شاخص وطرف ساه وجفن مغرورق ينظر من فجأة الزمن القاتمة الأعماق غلى شبح الماضي المتضائل.

وإذا رأيت المرء يسايره الاحزن جنباً لجنب ويصافحه يداً بيد فاعلمن أن الحزن قد عاد سهلاً خفيفاً هيناً ليناً حتى أصبح يطاق ويحتمل بل أصبح تستلذ صحبته وتستحلى خلطته وأصبحت الملوحة قد زالت عن دموعه فآضت عذبة والشوكة قد نزعت من زهرته فلا ضير على المستروح أن يدنيها من أنفه ووجنة الحزن الأسيلة الصقيلة قد سلت منها الابرة الجارحة حتى أمكننا أن نلصقها بوجناتنا ونلمس شفتها بشفاهنا. ونحن إذا استطعنا أن ننظر بعين الذكرى إلى الفاجعة الأليمة التي رزخنا مرة تحت فادح عبئها وأغمي علينا لشدة جهدها وبلائها - إذا استطعنا أن نعيد إليها كرة الطرف بناظر الذكرى ثم لم تثر في قلوبنا ثتئرة اللوعة والحرقة واليأس والقنوط فاعمن أن يد الزمان الآسية وكفه المداوية قد لا شك مست مكان الطعنة الحمراء فضمدت جرحها ودملت قرحها.

هذا الحزن اللذيذ والشجن العذب أكثر ما يكون انبعاثه في النفس ساعة الغروب التي وصفها الشاعر ورد ذورث بقوله:

هاتيك ساعة رقة وصبابة ... وتخشع لله واستعبار

ووصفتها الروائية (جورج اليوت) بقولها (شجى الأصائل الصيفية) وما أصدق الوصفين. وما أعجب كل ما فاض من هذين القلمين وأين الذي لم يشعر بفتنة هذه الأصائل الحزينة المتوانية. وسحر تلك المغارب المكتئبة المتباطية. حينئذ يظل الكون في قبضة الآسى وفي أسر الشجى، ولا غرور فألهة الآسى تتبوأ في دولة الغروب عرشها وعروس الشجى تتخذ من قصر الشفق خدرها وهناك تلقانا وتستقبلنا. ولدى بابها الشفقي تأخذ بأيدينا وتسايرنا خلال عوالمها الخيالية. فأما شخصها وشبحها فلا نراه ولكن يخيل إلينا أنّا نسمع تصفيق أجنحتها بل إن طيفها ليغشانا حتى في أرجاء المدينة الجياشة باللجب والضوضاء إذ نحس روحنا حزينة ترفرف في كل طرقاتها الجافة المستطيلة ونبصر النهر المظلم الأمواج ينساب كخيال الروح الشريدة كأنما يحمل سراً خفياً تحت أمواجه الكثيفة وفي خلوات الريف الساكنة حينما تتساقط ظلال المساء على الأشجار والأعشاب فتضائل من أشخاصها وتغض من أشباحها وتسمع أجنحة الخفاش وصوت القنبرة حينئذ يزداد سحر المنظر الحزين رسوباً في قلوبنا ونفاذاً إلى ضمائرنا إذ يخيل إلينا أنّا قائمون حول فراش ميت وإنّا نسمع في حفيف الدوح حشرجة النهار المحتضر حينئذ ترى الحزن العميق مخيماً والسلام الشامل مستفيضاً وفي صفاء هذا الهدوء تتضائل هموم العيش وأكدار الحياة اليومية وتضمحل إذ يبدو لنا أن هناك أشياء أخرى جديرة بالسعي والجهاد خلاف الخبز واللحم بل خلاف العناق واللثم - وأعني بهذه الأشياء أسرار محاسن الطبيعة وما تستثيره من أسرار محاسن الروح. في هذه الساعة الرائعة الجميلة ينثال علينا من الخواطر ما نسمع وحيه ولا نكاد ننطق به فترانا ونحن قائمون في سكينة المساء تحت قبة الفلك المضمحلة الضياء. نشعر أننا أجل وأعظم من عيشتنا الحقيرة وحياتنا التافهة الضئيلة وإذا تراءت لك الدنيا حينذاك حولها سجوف العشى المرسلة وسدول السدفة مسبلة. علمت أنها ليست بذلك المصنع القذر الذي تعهد ولكنها الهيكل الفخم الجليل يؤدي فيه الإنسان مناسك عبادته وتلمس يداه أحياناً في زواياه المعتمة يد الإله الأعظم جل شأنه.

إذا ما كساك الله سربال صحة ... ولم يخل من قوت يحل ويعذب

فلا تعبطن المترفين فإنهم ... على حسب ما يكسوهم الدهر يسلب

أبت نفسي الهلال لزرء نفسي ... كفى شجواً لنفسي زرء نفسي أتهلع وحشةٌ لفراق ألف ... وقد وطنتها لحلول رمس