مجلة البيان للبرقوقي/العدد 62/الثورة الهندية

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 62/الثورة الهندية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 11 - 1921



- 1 -

تمهيد

لعل ما يستثير الدهشة أن المستر أرثر جريفث مؤسس الشين فين اتخذ في أول الأمر من برنامج المقاطعة الذي ابتكره غاندي مثالا يحتذى، ذلك لأن القوم عندنا قريب عهدهم بالنظر في التمرد الهندي على أن الواقع أن هذه الحركة بعيدة الأمد فقد انعقد في سنة 1906 مؤتمر هندي عام قرر الموافقة على برنامج المقاطعة الذي كان أقره مؤتمر تقدمه.

وبودنا أن يفطن القارئ إلى أن فكرة المقاطعة سلبية إيجابية معا فهي سلبية من ناحية علاقة الهند بإنجلترا وإيجابية من ناحية المصلحة الهندية البحتة ومعنى ذلك أن المقاطعة ليست سياسية فحسب بل هي محاولة جدية قصد إعادة تشييد أمة وببارة أوضح هي سياسة بناء في صميمها ولبها أكثر مما هي سياسة انفصال.

يقول أرثر جريفث:

أن أساس سياسة الشين فين هي اعتماد الوطن على نفسه. وليس هناك قانون أو سلسلة من القوانين في مقدورها تكوين أمة من شعب لا يثق بنفسه.

ويقول غاندي:

إن حركتنا قوامها الاعتماد على النفس، ولا بد لنا من أن نكشف كل يوم عن مواطن الضعف من أنفسنا لنصلح منها الفاسد السقيم، هذا إلى أن احتمال الأمة العذاب هو مقياس يعرف به درجة تقدمها في سبيل الحرية:

إني أقول مع الكاردينال فيومن: لست أحاول استطلاع حالات مجهولة لم نوجد بعد فيها إن الخطوة التي خطوتها في جعل الاستقلال دينا كافيا لنيله إن من الفرائض على كل رجل يؤمن بالله ويخشاه أن يقوم بواجبه. نحن لا ننتظر نتيجة عاجلة، فمن آمن بالله ووبأنه يريد الخير لعباده أيقن بحسن العاقبة وتلك هي فكرة جيتا في العمل لذات العمل تاركا الأمر لله يدبر المستقبل وهو على كل شيء قدير يتبع المؤمن الحق ولو لاقى في سبيله الموت، ويفضل الاستشهاد على العيش في ظل الشيطان ويشيح بوجهه عن الحكومة ويطوي عنها كشحه فهي من أعمال الشيطان. ومن أوجب الواجبات الانفصال عنها وعدم التعويل عليها.

والناظر في تاريخ الثورات يجدها جميعا اعتنقت كدين وكان الزعماء جميعا رسل مذهب اجتماعي جديد وأنبياء دين وطني. الثورة عقيدة توحي بها نظم الطبيعة فقد كان مازيني يرددإن النصر حليف احترام المباد \ ئ، حليف احترام العدالة والحق. حليف التضحية والاستمرار على التضحية.

والأمم المغلوبة على أمرها لا تفتأ تعتقد أن قرون الاستعباد سجل طويت في أعطافه اعتداءات فظيعة علىكلتور الأمة المستعبدة وعلى مدنيتها تبقى حية في مخيلة الأجيال منتعشة يحتويها اللاشعور بتلك القوة المعنوية الإلهية. وفي الحق إن موت المدنية أدعى للحزن والأسى من موت الحرية. من أجل ذلك كانت حركة الهند وهبتها ويقظة الشين فين ووثبته سياسية بنائية قضت بها سنن الطور الاجتماعي العام.

وعندنا إن شخصيات الأمم لا بد مستكملة يوما خلقتها. وإن عبقريتها لتختلف باختلاف طبيعتها. ونرى مع ذلك أن عدوان الأمم وطغيانها خروج لقوانين الوجود وتمرد يجعلها تصطدم بعنف فتتمزق وهذا هو السر في تهشم الإمبراطوريات وبارها. ولا شك عندنا في أن العبقرية تمت بصلة متينة إلى طبيعة البلاد فهي ثمرة الجزر والمد الذي تخضع له الكائنات الحية وغير الحية. وما المدنية إلا جماع جهود العبقريات المختلفة ومظهر الارتقاء والتطور لا مظهر نزاع الإنسان مع الطبيعة لأنه من عمل القوى الخارقة المبدعة التي تخضع لها الكائنات.

بواعث الانقلاب

عاش الهنود أعواما طوالا في جو اضطهدوا فيه وهيض جناحهم وديست كرامتهم واحتقروا وانحطوا إلى مراتب العبيد.

ومستحيل علينا أن ندون الحالات المتعاقبة التي يتراءى بها إحساس فتى في أقوى عهود شعوره وأحر مزاج عواطفه - في السن الملتهب المتدفع حين لا تبهره أو تظله ألحياة بلذاذاتها وآلامها نترك هذا الهندي تجود به الأيام المقبلة يسطر في اعتافاته قصة نفسه المشحونة بالأسى والشجن فياضة بالحقائق الحية الناطقة. إن مثل هذا الكاتب لهو المؤرخ الإحساسي. يقرؤهما الهنود في كل مكان.

محجوز للأوروبيين عبارة جارحة للإباء القومي والغريزة الجنسية ومعناها لا يفيد إلا أنهم خلقوا في الوجود عفوا كبعض النبات والحيوان في جو موبوء بالغطرسة الساخرة المتهكمة.

إن أسباب الثورة قد أوجزها غاندي في قوله:

إن نظام الحكم في الهند قضى على الروح الأخلاقية والحالة الاقتصادية والسياسية فقد استخدم الإنجليز الجندية والشرطة في القضاء على الشعور القومي واستخدم الجندي الهندي في سحق حرية العرب والمصريين والأتراك وبقية الشعوب التي لم تسئ إلى الهند.

ولا متسع هنا إلى الإفاضة في وصف حالة التعليم والزراعة والاقتصاد والصناعة ويكفي أن نقول أن نسبة المتعلمين 4 في المائة وإن الزراعة متأخرة جدا وانطمست معالم الصناعات الوطنية الكبر وقبض الإنجليز على زمام الأسواق المالية وتحكموا في الأراضي التي استولت عليها شركات منهم تستثمرها استثمارا عجيبا.

هذه هي الأسباب الحقيقية لا التي يزعمها المضللون السياسيون.

المطال بالهندية

تشتمل المطالب الهندية الأمور الآتية بوجه الإجمال:

1_السوارج أو الاستقلال.

2_مسائل البنجاب - وفي مقدمتها مسألة الخلافة.

3_حالة الهنود في البلاد الأخرى.

4_مشاكل العمال.

هذه الأربع مطالب هي في الحقيقة مطلب عام واحد هو تخليص البلاد من النير الأجنبي إذ الثلاثة مطالب الأخيرة جزء من الأمنية العامة ويمكننا أن نقول أنها مشاكل فرعية بعضها داخلي وبعضها خارجي.

وقبل أن نخوض في الكلام عليها جميعا نقدم للقارئ حقيقة تاريخية خاصة بالثورات هي أن كل ثورة قامت في وجه غاصب مستعبد كانت ترتكز على دعامتين:

الأولى - الأمة المغلوبة علىأمرها.

الثانية - المعونة الخارجية وتكون من قبل أمة أو أمم معادية للدولة الغاصبة.

إذن فقانون الثورة هو البرنامج الكامل الذي يضعه وينفذه الزعيم الأكبر إلا أن هذا البرنامج كثيرا ما يدخله التحوير ولتبديل عند التطبيق في الشكل لا في الجوهر. وكل ثورة لا يسبقها انفجار في الأفكار وخروج عن المتبع المألوف واحتقار وازدراء بمظاهر الجمود وشعور بالضعف هو بدء الشعور بالقوة - كل ثورة هذا شأنها مقض عليها الفشل.

وقد صنع غاندي برنامج الجزء الإيجابي من الثورة الهندية داعما إياه على اعتقاد راسخ بأن القوة الروحانية تقهر المادة إذا اصطدمت هذه بتلك وإن المقاومة السلبية لا تغلب وإليك البرنامج الذي أقره مؤتمر كليكتا المنعقد في سنة 1920.

1_إنشاء وزارة معارف أهلية.

2_إقامة محاكم وطنية وسن قانون لهذه المحاكم.

3_عدم التطوع أو الدخول في جيش الحكومة الهندية.

4_مقاطعة الانتخابات والوظائف الحكومية وعدم قبول الرتب والنياشين.

5_مقاطعة البضائع الأجنبية وبخاصة البضائع الإنجليزية.

أعلنت هذه الأمور وأخفى المؤتمر شيئين عظيمين هما.

أولا - الالتجاء إلى حرب العصابات وإلى وسائل الشين فين عند اشتداد بريطانيا في التضييق عليهم حالة تنفيذ هذا البرنامج.

ثانيا - إعلان الجمهورية بعد الحصول على الاستقلال.

وقد التجأ الثوار في الملابار إلى حرب العصابات كما سنقرره وصرح محمد علي أثناء محاكمته بما يفيد أن الجمهورية هي نظام الحكم الذي سيسود الهند بعد تخلصها من الحكم الأجنبي وسنفصل ذلك فيما بعد.

تنفيذ برنامج الثورة السلبية

وجهت أول حملة إلى المجالس التشريعية الجديدة التي أنشأها الإنجليز عملا بمبدأالتدرج في الحكم. وأجمع الكل على القضاء على الانتخابات لها. ولقد نجحوا أيما نجاح فأرهبوا الناخبين وشتتوا شمل المجتمعين في دائرة انتخاب كاجول وخرجوا من الهمس بالتهديد إلى تنفيذه جهرا ولم يحجموا عن استخدام أي سلاح من أسلحة الإرهاب فمن المهاجمة والضرب إلى احتقار الجماعة وازدراءها إلى الطرد من المجتمعات. وأخفقت الانتخابات حيث امتنعت 440من965 دائرة من دوائر الانتخابات عن التصويت واستحال في ست دوائر إجراء عملية الانتخابات إلى عدم وجود من يرشح نفسه - واحدة في البنجول وواحدة في الباهار وثلاثة في المديريات الوسطى واثنان في الأوريا.

وكان متوسط نسبة أصوات الناخبين 10 % هذا إلى المساعي الكبيرة والجهود الهائلة التي بذلتها الحكومة وأنصارها من المعتدلين والمترددين المنافقين في سبيل إعداد جو صالح لإجراء عملية انتخابات وترشيح المخلصين لها بعد أن أغدقت عليهم من نضارها وبعد أن منتهم الأماني الجسام.

والواقع أن الذين انتخبوا لم ينتخبهم الشعب بالمعنى الدستوري الصحيح وإنما عينتهم الحكومة تعينا. يستدل على ذلك بأن الذين وقع عليهم الاختيار جماعة لم يعرفوا قبل انتخابهم هذا وليس لهم مكانة أو أثر في الحياة العملية العامة.

أما وزارة المعارف الأهلية فهم جادون في إقامتها يجمعون لها المال ويعدون لها الأماكن والمدرسيين وما إلى ذلك ولقد بلغ من إقبال الطلبة عليها أن 33 % من طلبة مدارس الحكومة انتقلوا إليها حتى أواخر السنة المكتبية الماضية.

أما المحاكم فقد ضعفت فيها الحركة وانسحب منها المحامون الوطنيون. وتعصب الهنود فعلا فأبوا الانضمام إلى الجش الذي وجه إلى العراق ولعل هذا هو السبب في سحب الجيوش البريطانية من شمالي العراق وشمال فارس وكف القتال على حدوود الهند ومصالحة الأفغان.

ولا زالت حتى كتابة هذه السطور تزداد حركة مقاطعة البضائع الأجنبية خصوصا الإنجليزية منذ أن أعلنها غاندي يوم الاحتفال بذكرى وفاة الزعيمطيلاق يثبت ذلك الأرقام الواردة في الصحف وفي إحصائياا لجمارك الهندية وحقا إن غاندي قد ضرب بريطانيا في الصميم لأنه كنا قالت المورننج بوست أساء إلى صناعة القطن وهي أحد عمد الصناعة البريطانية الأربعة. صناعة القطن والصوف والحديد والصلب. وترى ذلك مجسما معكوسا في اضطراب العمال العاطلين وانفعال صحافتهم. وقد تدخلت الحكومة بناء على إلحاح أصحاب المصانع فأرسلت لجنة إلى الهند لدرس الحالة والمشورة عليها بما ترى. وقد بثوا الأنوال في المدن والقرى وأعدوا لها العدة من عمال وأمكنة وقطن مغزول وأخذوا ينشطون الصناعة الوطنية ويؤلفون من العمال اتحادات تعنى بشؤونهم واتخذوا من إضراباتهم - وقد بلغت في عددها 200 إضراب - وسائل للتهديد وطرقا عملية للإضرار بالمشاريع البريطانية. ثم انتبهوا إلى الأراضي ومن يفلحها من المزارعين التعساء الذين يكونون ثلاثة أرباع السكان.

ومتى اعتمدت الثورة على السواد الأعظم - على الشعب، وأحس هذا برنامجها المصلحة ولمس فيه المنفعة الأكيدة وأيقن أن الحالة التي ستؤول إليها البلاد حالة لا تخص بالفائدة أقلية تدير دفة الحكومة وإنما حرية شاملة منتجة تنهض بجميع وجوه الحياة فلا بد ناجحة إن عاجلا وإن آجلا لأن إرادة الشعب من إرادة الله: وإذا استيقظ. مرة فمستحيل تخديره أو بلفه أو إخضاعه. .

لهذا الموضوع بقية