مجلة الرسالة/العدد 1001/دماء الشهداء

مجلة الرسالة/العدد 1001/دماء الشهداء

ملاحظات: بتاريخ: 08 - 09 - 1952



شهيدان في كفن

للأستاذ عمر عودة الخطيب

(في تاريخنا الزاهر، دماء زكية خالدة، خطت آيته الكبرى،

ورسمت حدود عالم إسلامي واسع)

ع

- 1 -

قال (عمرو بن الجموح) لصديقه الوفي الحميم (عبد الله بن عمرو): -

- هل أتاك يا عبد الله حديث النبي الذي ظهر في مكة. . وأقبل عليه الناس من كل فج، يجتمعون إليه، ويؤمنون به، ويعاهدونه على أن ينصروه ويؤازروه، ويمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم؟

- أجل: لقد وفد على (يثرب) منذ أيام رجل من هؤلاء ما سمعت بمثل حديثه وما رأيت أكثر جرأة منه. . كنت اجلس إلى جواره، وكان المجلس حافلا. . وقد اجتمع الناس ليعلموا نبأ هذا النبي الذي سفه آراء قومه، وعاب آلهتهم، ثم لما عارضوه وآذوه، وقف في وجههم صابراَ ثابتا. . لا تهده النكبات، ولا تثنيه الأزمات. .

قال الرجل: إني رسول (محمد) إليكم، محمد رسول الله الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق، وهو يدعوكم إلى عبادة الله وحده، ونبذ هذه الأصنام التي تنحتونها بأيديكم، ثم تعكفون عليها، وتقدمون القرابين لها، وتهملون عقولكم أمامها، إن لهذا الكون خالقا مديرا حكيما، بيده مقاليد الأرض والسماء. . وهو الذي يقول لكم (وفي أنفسكم أفلا تبصرون. .)

قال (عمرو بن الجموح) وقد ثارت حفيظته عندما سمع حديث ذلك الرجل:

- ماذا قلت له (يا عبد الله)؟! وماذا قال له الناس؟! أحسبكم ضربتم عنقه، وأعدتموه إلى من أوفده، ليكف عن غزو (يثرب) بمثل هذه الأفكار، فنحن هنا إلى جوار (اليهود)، ولو كنا متخذين غير ديننا، لكان دين (يهود) أقرب إلينا. قال عبد الله: - كلا. . يا عمرو: لقد أراد الله الخير بنا، إذ بعث لنا رسولا من انفسنا، من خير قبائلنا، وأشرف بقاعنا. . . يتلو علينا الكتاب بلسان عربي مبين، لقد آمن به الناس وآمنت، وأكرموا رسوله وأكرمت، وعاهدناه على الطاعة والوفاء. . ومن فضل الله علينا أن كان اكثر من في المجلس من شباب يثرب، ومن أعرقهم نسبا، وأكرمهم أبا، وأرفعهم عمودا، وأكثرهم يداً، يا عمرو. . لقد آمنت بمحمد. . وآمن به ابني جابر، وآمن أبناؤك معاذ ومعوذ وخلاد، فأسرع إلى النور، واعتصم بحبل الله، واستظل براية الإسلام، قبل أن يسكت اللسان، وينطق الحسام. .

صعق (عمرو بن الجموح) لهذا الخبر، فاسودت الدنيا في عينه، وذهل عن نفسه، وأصبح كالمحموم، ربي، وحقك، لا أتركك، ولن أدع يداً تمسك، وسوف أحملك إلى بيتي وأعبدك.

- 2 -

تحت جنح الليل والناس نيام و (يثرب) تحلم أحلامها العذاب بعد أن انسابت إلى كثير من بيوتها أشعة طاهرة من ذلك النور الإلهي الذي توهج في مكة، خرج ثلاثة أخوة جمعت بينهم وشائج الدم، وأواصر العقيدة، ووجد بين قلوبهم هدى السماء، وتعاقدوا على الفداء، وساروا في أزقة المدينة بخطى وئيدة، ونور إيمانهم يسعى بين أيديهم، وكان همسهم الخافت، وحذرهم الشديد، يدل على أنهم خرجوا لأمر ذي بال.

طرقوا باب جابر بن عبد الله فلباهم، قال معاذ:

- هل لك إلى خير وثواب جزيل؟

- أجل ما أحوجني إلى ثواب الله وخيره العميم فما ذلك؟

- هلم إلينا فإن يد الله مع الجماعة

تكاثر الفتية المؤمنون من بني سلمة قوم (عمرو) وفي طليعتهم معاذ، واجتمعوا على الكيد للصنم، وتسللوا في غفلة من عمرو إلى الدار، فطرحوه في بعض الحفر، وكان عمرو، والصنم في الحفرة، يحدث نفسه ويقول: لقد حفظت إلهي في بيتي، وضمنت بهذا السيادة في بني سلمة، والسدانة على أصنامهم، وسوف أنصح لقومي أن يحمل كل واحد ربه إلى بيته، يغسله ويطييه، ويعظمه كل صباح ومساء، ويدين له بالطاعة والولاء.

وفي الصباح رأى (عمرو) صنمه المقدس، الذي كان يحلم به طول ليله، منكبا على وجهه في الحفرة، وقد علاه الرغام، فورم أنفه غصبا، وثارت حفيظته، ورفع الصنم من الحفرة وغسله وطيبه ثم قال، وهو يربت على الصنم -: وحقك لو كنت أعلم من صنع بك هذا لأخزيته، ثم نظر إليه نظرة صارمة، فيها بشائر من نور الهداية، لأنها أول الشك في هذه العبادة، ولأن فيها صرخة خافتة ضعيفة من العقل الذي خنقته الأكاذيب، وألجمه التقليد، ثم هب إلى سيفه وعلقه على الصنم وخاطبه قائلا: إن كان فيك خير فامتنع!

وجاء الفتيان في الليل - يجرون كلبا وربطوه في عنق الصنم، وأخذوا السيف وانطلقوا، وكأنهم أرادوا بربط هذا الكلب في عنق الصنم، أن يوقظوا بهذا الدرس الساخر عقلا وثنيا، استعبده الخشب والحجر، وكان درسا ناجحا مؤثرا، فحين أصبح عمرو سار إلى صنمه فألفاه ملقيا إلى جانب الكلب في الحفرة، فهان في عينيه، وصغر في نفسه وقال:

تا لله لو كنت إلهاً لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن

ثم قام إلى الصنم وحطمه، ودعا زوجه (هند) وأمرها بأن توقده، وتطبخ عليه ثم قال لها: اذهبي إلى أخيك عبد الله وابن جابر وقولي لهما: باني قد أولمت اليوم وليمة فإذا كان الليل فليغد إلى بيتي كل مسلم في يثرب، من بني سلمة

قالت (هند) وقد عمها البشر، وأستخفها الطرب.

حمدا لك يا إلهي! فلقد أسبغت علينا النعم، وصرفت عنا النقم، وبدلت شقائنا سعدا، وظلامنا نورا، وايم الله يا عمرو ما رأيت كاليوم أنسا وسرورا، لقد أحببتك حبا ملك على نفسي مذ كنت تغدو إلى بيت أخي عبد الله، وكان الحديث عنك يهز أوتار قلبي، ثم لما صرت إليك، كنت أزهو على أترابي بك، لأنك سيد قومك، وأكرم عشيرتك، ولكن هذا كله أمام إيمانك اليوم، قطرة من بحر، وحصاة بين در، فما أنت - الآن - بشر، بل أنت ملك كريم.

- 3 -

وكرت الأيام، وتتابعت على المسلمين أحداث، وظفروا بأعدائهم في بدر، وأعملوا في رقابهم السيوف، وسقوهم كؤوس الموت الزؤام، حتى كان (عمرو بن الحموح) يوما في مصلاه مقبلا على ربه يقرأ القرآن، مطمئن النفس، هانئ القلب، فإذا بصديقه (عبد الله) يدخل عليه فرحا مستبشراً، فتلقاه بالتحية والترحيب ثم قال له:

- ما ورائك يا عبد الله؟! - لك البشرى يا عمرو فلقد ذهبت اليوم مع جمهرة من بني سلمة إلى بيت رسول الله، فقال لنا: (من هو سيدكم يا بني سلمة؟) فقال نفر منا: (هو الجد بن قيس على بخل فيه) فقال الرسول : (وأي داء ادوأ من البخل، بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح)

فقال رجل من إخواننا المهاجرين: صدقت يا رسول الله، لقد رأيته يوم بدر، منقضا على الأعداء انقضاض الصقر على فريسته؛ وكان يقبل على الموت، إقبالا الإبل العطشى على الماء القراح، وكنت أرى فرسان قريش تفر من وجهه، وتتقي ضرباته الشداد، حتى أصابته ضربة بتار في رجله، فجعل يمشي على الأخرى، ويخوض الغمرات ببسالة وإقدام، ورأيت من صبره، يا رسول الله، ما ملأ نفسي إعجابا

رأى ابنه معاذا في إبان المعركة، وقد أصابته ضربة على عاتقه طرحت يده، فتعلقت بجلدة من جسمه حتى آذته، وأجهده القتال، فقال له بصوت فيه حنان الأب وشجاعة المؤمن: (يا معاذ ضع قدمك على يدك ثم تمطى حتى تطرحها، ودونك بعد هذا أعداء الله. .)

ولم يكد الرجل يتم حديثه، حتى رأيت البشر يملأ وجه الرسول، ويتلو قوله تعالى (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فهنيئا لك يا عمرو!!

وسمع عمرو حديث صاحبه عبد الله بقلب يفيض فرحا، ويرقص طربا ثم قال: حسبي من الحياة - يا عبد الله - أن يرضى الله ورسوله عني، بعد أن حفتني عناية السماء، وأظلني لواء محمد.

- 4 -

كانت الشمس قد أرسلت تباشيرها، ونشرت خيوطها الذهبية على مشارف المدينة، وهضاب أحد، حين سمع (عمرو) جلبة وتكبيرا، وإذا مناد يقول: الصلاة جامعة! حي على الجهاد، فدعا زوجه (هندا) وأمرها أن تعد له سلاحه، وأن تصاحبه إلى المعركة، لتضميد الجرحى، وإثارة المشاعر ثم قال لها:

- أين أولادك يا هند؟!

- لقد أسرعوا إلى المسجد يا عمرو

- وهل لبسوا لأماتهم وتنكبوا سلاحهم؟! لقد جهزتهم بيدي، ووصيتهم أن يكونوا صفا واحدا وألا يفارقوا رسول الله وقلت لهم:

اعلموا - يا أبنائي - أنه لا بد لهذه الدعوة من وقود، فكونوا أنتم وقودها، ولا بد لها من ضحايا، فكونوا انتم أول ضحاياها، واصبروا عند اللقاء، واشتدوا على الأعداء، واذكروا أن الجنة مثوى الشهداء الأبرار، وأستودعكم الله

- حييت (يا هند) من أم!! بمثل هذا الإيمان ننتصر، وبه تعلو راية القرآن وتنتشر، والآن ركضا معي إلى الجنة، إلى السعادة، إلى الله.

وفوجئ المسلمون في المسجد بدخول الشيح الجليل الأعرج (عمرو بن الجموح) متقلدا سيفه، متنكباً قوسه وهو يقول: سوف نهد لهم حتى ينقلبوا على أعقابهم صاغرين، أو يمرتوا بحد سيوفنا خاسرين.

وسمع أولاد عمرو صوت أبيهم، فأقبلوا نحوه، وحاولوا منعه من الخروج إلى ساحة المعركة، ولكنه راع المسلمين جميعا بإصراره على الجهاد، قال له أبناؤه: (قد عذرك الله ولا حرج عليك!!) فحزن حزنا شديدا، وآلى على نفسه أن يذهب، وأتى رسول الله وكان في جانب من المسجد، ووقف بين يديه وقال:

- يا رسول الله! إني بني يريدون أن يحبسوني من الخروج، فو الله إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.

فقال له رسول الله:

- أما أنت فقد أعذرك الله فلا جهاد عليك!. . .

فتطلع يعين كئيبة إلى السماء، وقد انحدرت الدموع على خديه حتى ابتلت لحيته ثم قال بصوت تخنقه الحسرات: يا رسول الله إني أرى يعيني هاتين، أن الشهادة مني قاب قوسين أو أدنى، وأن أمنيتي الكبرى أن ألقى ربي، تزملني الدماء، فلا تردني خائبا، روحي لك الفداء.

وحين رأى رسول الله إلحاف عمرو في الطلب، ورغبته الملحة في الجهاد، التفت إلى بنيه وقال لهم: (لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة. .) ولم يكد يسمع قول الرسول حتى استقبل القبلة، وقال على مسمع من الناس جميعا (اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني خائبا إلى أهلي) وامتلأت عيناه بالدموع، وساده صمت خاشع، ثم نظر إلى الرسول وقال له: (يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟) فطمأنه رسول الله وابتسم وبان السرور في محياه، وإذا بعبد الله بن عمرو ومعه ابنه جابر يقبلان، فقال رجل من المسلمين لعمرو، هذا صاحبك عبد الله قد أقبل فطب نفسا، وتعانق الصديقان عناقا امتزج في فيه قلبان، وانسجمت روحان، وقال عبد الله لابنه جابر: (يا جابر إني أرجو أن أكون أول من يصاب، فأوصيك ببناتي خيرا).

ثم نظر إلى صديقه الحبيب عمرو وقال له بصوت يسيل رقه وعطفا، وكأنه يودعه الوداع الأخير:

- يا عمرو أتدري أين يكون اللقاء بعد الآن؟!

- أرجو أن يكون في دار البقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر

- 5 -

- وثار النقع، وصهلت الخيل، ولمعت السيوف، وحمى الوطيس في أحد، ونشب القتال، والتحم الفريقان، وأقبلت على رسول الله قائد المسلمين الأكبر، كتيبة متراصة من المشركين، قد احمرت منهم الإحداق، وثارت في نفوسهم الأحقاد، فوقف (عبد الله بن عمرو) في وجه المشركين، يفرق صفهم، ويفل عزمهم، ويناضل عن الرسول، وينافح عن الإسلام، ويحطم الفرسان، وجندل الشجعان، حتى صدق ظنه وأكرمه الله فكان أول شهيد في المعركة

واستلأم الأعداء، وأخذوا من المسلمين بالثأر، وانتقموا شر انتقام، فمثلوا بعبد الله الشهيد الأول في أحد أشنع تمثيل، جدعوا أنفه، وقطعوا أذنه، ولم يتركوه حتى هشموا عظمه، وشوهوا جسمه، ولما سجى بين يدي رسول الله أقبل ابنه جابر، وكشف الثوب عن وجه أبيه، ثم أكب عليه يقبله ويبكي

وسمع المسلمون من بعيد صوت امرأة نادبة، فشقوا لها الصفوف فإذا هي (هند) تبكي أخاها، وتوأم روحها، فقال لها رسول الله (ابكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها)

وانصرفت هند وصورة أخيها ماثلة أمامها، وملائكة السماء تظله بأجنحتها، وبشرى رسول الله تطئن نفسها، ولكن الدموع الحزينة كانت تملأ مقلتيها، ثم وقفت واجمة فزعة، وغامت الدنيا في وجهها، وأظلم الكون أمامها، وجمدت الدموع في عينيها، فقد رأت - ويا لهول ما رأت، أبصرت زوجها (عمروا) وابنها (خلادا) مضرجين بالدماء، وقد فاضت منهما الروح إلى السماء، فهدها المصاب الرهيب، وأشجاها الدم الصبيب، وغرقت في لجة الأسى، وإذا بصوت الرسول الحبيب يخاطب الجاهدين فيقول (والذي نفس محمد بيده إن منكم من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح) فمسح هذا الصوت ما بنفسها من أشجان، وكان بلسم جراحها، وعزاء مصابها، فاحتسبت مصيبتها عند ربها، وتقدم رسول الله من الشهيد الباسل، وكشف عن وجهه وقال له: (كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة).

- 6 -

وعند الأصيل الكثيب، وقد مالت الشمس للغروب، وأقبل الليل ينشر أمامه ودائه الأسود القاتم. كانت (هند) المفجوعة، تتوكأ على عصاها، وتجر وراءها بعيرا حملت عليه شهدائها، وزوجها وأخاها وولدها، ميممة شطر المدينة، لتدفنهم هناك قريبا منها، فرأتها السيدة عائشة وكانت تسقي العطاش، فسألتها عن الخطب الذي حل بالمسلمين، فقالت لها:

- يا أم المؤمنين! أما رسول الله فسالم، وكل مصيبة بعده هينة، وأتخذ الله من المؤمنين شهداء

- ومن هؤلاء على البعير؟

- أخي عبد الله وولدي خلاد وزوجي عمرو بن الجموح وبينما السيدة عائشة تعزيها في شهدائها، جاء صائح يقول (أمر رسول الله بان يدفن الشهداء في موضع استشهادهم، فاتجهت شطر أحد، وعادت بشهدائها حتى وقفت أمام رسول الله فتلا قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) ثم نظر إلى عمرو وعبد الله وقال (كفنوا هذين المتحابين في الدنيا في كفن واحد، واجعلوهما مع خلاد في لحد واحد، وزملوهم بجراحهم فإني أنا الشهيد عليهم. . .).

دمشق - المزة

عمر عودة الخطيب