مجلة الرسالة/العدد 1006/الأدب والفنّ في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 1006/الأدب والفنّ في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 1006
الأدب والفنّ في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 13 - 10 - 1952


للأستاذ أنور الجندي

عودة العميد

عاد الدكتور طه حسين إلى القاهرة، بعد أن أمضى فترة الصيف في أوربا كعادته من كل عام، ومثل مصر في مؤتمر الفنانين بالبندقية، هذا المؤتمر الذي عقد في 26 من الشهر الماضي.

وكان هذا المؤتمر من أهم الأسباب التي عوقت عودة الدكتور الذي كان حريصا على أن يعود إلى مصر بعد حركة البعث الجديدة مباشرة.

وقد زرنا عميد الأدب وقضينا معه بعض الوقت، واستمعنا خلا لذلك إلى أحاديث متعددة الجوانب حدث بها الكثير من زواره وأصدقائه وتلاميذه، ونحن نوجزها فيما يلي، ونرجو ألا يخل إيجازها بالمعاني العليا التي اشتملت عليها، والتي نثرها العميد على مريديه.

قال: منذ ترامت إلينا أنباء حركة الجيش ونحن في شوق إلى مصر، وما رأيتني مرة من المرات وأنا عائد من أوربا أكثر فرحا بالعودة إلى وطني مني هذه المرة. .

وقال: لقد زرت الأستاذ أحمد لكفي السيد - أمس - بعد عودتي من أوربا، فوجدت هذا الرجل الذي ارتفعت به السن فرحا ومتحمسا للثورة الجديدة، حماسة ولا تدانيها حماسة الشباب؛ فلما هنأته بالحركة الجديدة وقلت له إنها من ثمار غرس طويل شاركت فيه أنت وتلاميذك بقدر ليس بالقليل، قال لطفي السيد: أي فخر ذلك الذي أحرزته مصر في نظر العالم كله؛ أن يقف ضابط مصري هو محمد نجيب ويقول لابن محمد علي: عليك قبل الساعة الثانية عشرة أن تتنازل عن الهرش، وعليك قبل الساعة السادسة أن تغادر البلاد. . أي مجد هذا في أن يتحقق لمصر هذا الأمل الكبير، ويصل فيها الوعي إلى هذه الدرجة من القوة!

وتحدث عميد الأدب إلى كثير من الأساتذة والمعلمين والمدرسين في مختلف أنواع التعلم الجامعي والثانوي والابتدائي. . من زواره وضيوفه، فقال لهم: إن هذه الثورة من أهم ما نعتز به ونفخر. . ولابد أن تبلغ الثورة أهدافها، وعليكم أن تكونوا أداة عون أكيد لتحقيق هذه الأهداف، وأن تكونوا في مختلف دور العلم رسل السلام والخير ودعاة الإيمان الصادق بالنهضة الجديدة. وعليكم كذلك أن تضحوا في سبيل هذه الغاية، تضحوا بكل شيء، وألا تجهدوا العاملين في الوقت الحاضر بمطالب أو طلبات، وأن يكون رائدنا التجرد الكامل للعمل الوطني، دون أن نلتفت إلى رغباتنا الخاصة، فهذه يجب أن تؤجل أو تنسى خلال هذه الفترة الحاسمة من تاريخ الوطن.

وقال الدكتور العميد: إن الثورة في مصر، منذ ترامت أنباؤها إليه، قد شغلته عن كل شيء، ولذلك فهو لم ينته من كتابه الجديد عن الإمام علي، ولد كان يطمع في أن يعود بن كاملا.

وجرى الحديث حول مقالات الدكتور التي كان يكتبها في العهد الماضي، بذلك الأسلوب الذي يغلب عليه الإيماء والرمز، والتي كان يفهمها كل من يقرأها، ويعرف ماذا يرد أن يقول كاتبها، مقالات الهلال، و (رسالة يكتبها الجاحظ)، و (جنة الشوك). . وغيرها مما كانت تحمل بذور الانتقاض ومعاول الهدم لذلك الطاغوت. . والعهد البغيض.

الأعداء الثلاثة. . مفخرة الجيل

ما أريد أن أجامل الأستاذ الزيات أو أنملقه حين أكتب هذه الكلمة في (الرسالة). . حقا! كان خليقا بي أن أكتبها في أي مكان آخر، ولكن هذا باب في عودنا قراءنا أن نسجل لهم فيه أهم أنباء الأدب. . وليس شك أن من أهمها هذا الأسبوع تلك الاستقالة التي بعث بها صاحب الرسالة إلى شيخ الأزهر من رئاسة تحرير مجلة الأزهر!

ولقد كنا نتنبأ بهذه الاستقالة قبل أن تقع، فقد قبل الأستاذ الزيات هذه المهمة على غير رغبة منه. كان يعلم مشقة هذا العمل، مشقة تجديد مجلة درجت على طريقة معينة فترة من الوقت. . ثم ليخرجها من حيزها (الأزهري) المحدود، كتابة وطباعة وإخراجا. . لكي تستطيع أن تقف في صف المجلات العالمية التي تشرف اسم (الأزهر) في كل بلد يقرأ أهلها العربية.

وعلى الرغم منه، قبل الزيات، وعمل. . . وتحمل الكثير من المشاق والمتاعب التي لا تتناسب مع صحته أو سنه. . ولكنه ضحى بكل شيء في سبيل العمل الباقي، وظل الناس فترة من الوقت يتساءلون: ماذا سيعمل الزيات في مجلة الأزهر وكيف سيخرجها؟

وهمس الأزهريون، لعله سيكتب مقالا شهريا ويمضي!

ثم ظهرت مجلة الأزهر، فكانت آية الفن والعلم والإخراج والبحث. . .

وكان العدد الثاني أقوى من الأول، وقد بدا فيه الجهد كبيرا وواضحاً.

وظهر العدد الثالث فكان تحفة أدبية وفنية رائعة، جمع فيها أبرز كتاب الدنيا والدين، على موضوع هو أعظم موضوعات الإسلام جميعا ذلك هو (الفتح). . الفتح في الحرب والعقيدة والتشريع واللغة والنحو والفلسفة والعلم والعمارة والموسيقى.

وكأنما كان الأستاذ الزيات يوحي إليه بظهر الغيب، إذ يروي في هذا العدد الأخير من مجلة الأزهر قصة المجلة، وتحس في أسلوبه المرارة، والشعور بأنه يريد أن يتنحى، قال في تعقيبه على مقال:

(توليت إدارة هذه المجلة وليس فيها محرر ولا مترجم ولا موظف يعين على التحرير والترجمة، فلم أجد بدا من الاستعانة بالكتاب الذين حملوا أمانة العلم وفهموا ثقافة الإسلام. وكان من أول هؤلاء وأولاهم كتاب الأزهر، ولكن معرفتي بأكثرهم قليلة، وهم يتكرموا بالتعارف ولم يتقدموا بالمعونة، فلجأت إلى من أعرفه من الأزهريين والجامعيين والمجمعيين

وخرج عدد (رمضان) على النحو الذي عرفت، ولم يتغير الحال في عدد شوال فصدر على الوضع الذي رأيت.

وفي عدد المحرم - الذي بين يديك - اختلف الأمر بعض الاختلاف. لم أجد ثلاثة أشهر مسوغا لانتظار التعارف أو التعاون، ففزعت إلى لجنة من صفوة الأصدقاء في الأزهر، ومعي خطة لهذا العدد الخاص مبيته المعاني، معينة الأغراض، وسألتهم أن يختاروا لهذه الموضوعات كتابها من رجال الأزهر، فاختاروا طائفة من أعيانهم كتبت إلى كل منهم رسالة بموضوعه وموعده. ثم انتظرت ونظرت فإذا الأساتذة جميعا لا يكتبون ولا يعتذرون ما عدا الأستاذ محمد عرفة، وكان الوقت قد ضاق عن استكتاب غيرهم ممن يكتبون أو يعتذرون، فنزلنا مضطرين على حكم الواقع. . .

ورأيي قبل هذا أن الأزهر فكرة، فكل من أخذ بها وعبر عنها ودعا إليها فهو أزهري، وإن لم يخرجه الأزهر. أما رأيي بعد هذا فهو أن العبء باهظ، والجو خانق، والعدة ضعيفة، والمعاونة قليلة، والسن متقدمة، والصحة متأخرة، وما أطعت فضيلة الشيخ الأكبر الإمام عبد المجيد سليم في تولي هذه المجلة إلا لأرسم الخطة وأضع النموذج. وفي اعتقادي أن في الأعداد الثلاثة التي صدرت على علاتها ما يكفي)

وقد صدق الزيات، فقد رسم الخطة ووضع النموذج لمجلة عالمية، تصدرها أكبر جامعة عالمية عي الأزهر، وهذه الخطة من وجهة نظر المثقفين من خارج الأزهر - وهم الغالبية التي يكتب لها الأزهر ويواجهها ويدعوها إلى ثقافته - غاية في القوة.

ونحن نعتقد أن هذه (الأعداد الثلاثة) هي خير ما أخرجت هذه المجلة في تاريخها كله، وأن مجلة الأزهر يجب أن تكون مثلا عاليا للثقافة، حتى تستطيع أن تجري مع تيار النهضة العالمية المتدفق.

ولست أنسى أن أذكر أن من أجود ما أعجبني في مجلة الأزهر - في الأعداد الثلاثة الأخيرة - تلك الخلاصات المركزة من العلم والأدب المبثوثة في الفصول الأخيرة، فهي وحدها جهد جدير بالإعجاب والتقدير.

وإن بكن الله قد شاء أن يدع الزيات مجلة الأزهر، فقد كتب الله له أن يسجل أضخم صفحة في تاريخها.

أنور الجندي