مجلة الرسالة/العدد 101/أبو الطيب المتنبي

مجلة الرسالة/العدد 101/أبو الطيب المتنبي

مجلة الرسالة - العدد 101
أبو الطيب المتنبي
ملاحظات: بتاريخ: 10 - 06 - 1935



للأستاذ معروف الرصافي

كان أبو الطيب امرأ قُوَلَهْ ... يبتكر الشعر مذكياً شُعَله

صاحب نفس كبيرة شرفت ... فشرَّفت حله ومرتحله

كان هو الشاعر الذي انتشرت ... أشعاره في البلاد منتقله

أوجد للشعر دولة عظمت ... به فعزت من غيره دُوَله

من كل معنى أغر مؤتلق ... في لفظه كالعروس في الحجَله

وربما رق لفظه فبدت ... في شعره كل كِلْمةٍ ثمله

وربما لم تَبن مقاصده ... لأنها فيه غير مبتذله

فسائلن عن قريضة حلبا ... كم قطفت منه زهرة خَضِله

خلد ذكراً لسيف دولتها ... أيام وشَّى بمدحه خلله

فاعجب لسيف لم تَبْل جدته ... وشاعر بالمديح قد صقله

ولو حاز موسى مضاء عزمته ... ما تاه في التيه عندما دخله

وهو الذي اجتازه بِعْمُلَةٍ ... تحمل منه الهمام لا التُكَلَه

قد بات كافور من جراءتها ... على الموامي بمهجة وجله

إذ أعجزته بالسير عن طلب ... لا خيله تخشى ولا إِبله

فسل به النيل يوم ناقتُه ... تغمرت منه وانتحت جبله

كيف أتى مصر كالعقاب لكي ... يبلغ فيها بشعره أمله

وكيف أحيا بالمدح أسودها ... ثم وشيكا بهجوه قتله

في شعره حكمة مهذبة ... وروعة بالذكاء مشتعلة

ونغمة بالشعور صادحة ... وصنعة بالفنون متصله

قدرته في البيان واسعة ... يتيه فيها السؤال والسَّأله

إذا المعاني بذهنه ازدحمت ... ما ربكت في انتقائها حيله

كم شاعر قد قفا له أثراً ... وناقد راح يبتغي زلله

فأخفقوا عاجزين عن درَك ... لبعض ما كُلُّلهُ تيسر له قل لابن عباد أي منقصة ... من أجلها كنت مكثراً عذَله

أطبُعه بالذكاء متقداً ... أم نفسه بالإباء مشتملة

أم شعره والعصور ما برحت ... تسعى بكل استجادة قِبَله

لكنما رمت من مدائحه ... ما لم تكن سالكاً له سبله

طَمَاعة منك غير واعية ... وهي لعمري حماقة وبَلَهْ

أكبر من أكبر القريض به ... وأكبر القائلين من قتله

يا قاتليه لو تعلمون به ... إذن قتلتم نفوسكم بدله

لكنكم تجهلون رتبته ... ماذا فعلتم يا أجهل الجهلة

قتلتم الشعر والإجادة والإ ... بداع فيه يا الأم القتلة

لستم بذا القتل من بني أسد ... بل انتموا فيه من بني ورَله

لم يزل الدهر بعد مقتله ... يضرب في الشعر للورى مثله

كان له عند كل بادهة ... بدائع في القريض مرتجله

يصطاد في الشعر كل شاردة ... من القوافي بفطنة عَجِله

فلا تقسه بغيره أدباً ... وهل تقاس العطار بالتفله

كم شاعر يدعى وليس له ... من شعره غير منطق الجهلة

إن أنت أنشدت شعره هزؤا ... رجعت منه كآكل البصله

ورب شعر إذا لفظت به ... من هجنة فيه تأنف السبلة

الشعر معنى ألفاظه حسنت ... فنسقت في بلاغة جمله

وكلما قصرت قوالبه ... عن حسن معناه أوسعت خلله

حسن المعاني بلفظها شوه ... كحسن حسناء ثوبها سمله

من ذاق في الشعر طعم معجزه ... فاحمد الشاعر الذي أكله

أي مقام هيجاؤه احتدمت ... بالشعر يوماً ولم يكن بطله

كان عزيزاً يأبى الهوان فما ... قر عليه يوماً ولا قبله

معروف الرصافي