مجلة الرسالة/العدد 105/الشعر الوطني في الأندلس

مجلة الرسالة/العدد 105/الشعر الوطني في الأندلس

مجلة الرسالة - العدد 105
الشعر الوطني في الأندلس
ملاحظات: بتاريخ: 08 - 07 - 1935



للأستاذ عبد الله كنون الحسني

كثر الشعر الوطني عند العرب في العصر الحديث كثرة عظيمة حتى طغى على غيره من الأغراض الشعرية، فأصبح لا يكاثره غرض آخر منها. وما ذلك إلا لأن البلاد العربية كلها قد مزق الاستعمار شملها، فأصبح أهلها خاضعين للنير الأجنبي يتشوقون ليوم الحرية تشوق الظمآن للماء البارد؛ فهم تارة يتغنون بالنصر الباهر الذي يكسبونه في موقعة ذلك اليوم، وتارة يستعرضون مواقف المجد والبطولة في تاريخهم الأدبي والحربي، فيثيرون بذلك شعور مواطنيهم للسعي إلى تقريب أمد ذلك اليوم الذي تشرق شمس الحرية فيه على ربوعهم فيعود إليها ما فقدته من العز والعظمة، وتارة ينعون على قومهم تخاذلهم وقعودهم عن حرب العدو المغير على أوطانهم، لافتين أنظارهم إلى ما يسومونهم من الخسف والعذاب، وما يبتزونه من أموالهم وخيرات بلادهم

وأخيراً، وعلى هذا المنوال، تكوَّن الشعر الوطني في العربية، وأصبح في المقام الأول من أغراضه الشعرية، فخلف بذلك المديح الذي كان يحتل هذا المقام من قبل

ونحن إذا رجعنا إلى ما قبل العصر الحديث من العصور المختلفة وقلبنا تطورات الشعر العربي في تلك العصور، لم نجد للشعر الوطني ذكراً ولا أثراً بين أقسام الشعر، ولم نعثر على ما يفيد أن هذه الظاهرة التي غلبت على الشعر العربي اليوم أمكنها في عصر من العصور أو طور من الأطوار أن تظهر، بَلْه أن تغلب على شعر شاعر من العرب أو من غير العرب فيمن نظم بالعربية، فتجرف غيرها من الظواهر وتكون هي المسيطرة على كثرة أشعار الشعراء كما هو الحال اليوم. ولذلك لما قال أبن الرومي أبياته المشهورة في هذا المعنى كانت عنقاءَ مُغرِب الشعر الوطني، فتداولتها الألسنة وأصبحت مثلاً يُضرب في طبيعة حب الناس لأوطانهم، وتلك الأبيات هي:

ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

وحبب أوطانَ الرجال إليهمُ ... مآرب قضَّاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ ... عهود الصبا فيها، فجنوا لذالكا

ولا نعني بالشعر الوطني ما كان من قبيل العواطف المجردة عن المعاني المذكورة كهذ الذي يكثر قوله في بلاد الغربة تشوقاً إلى معاهد الأحباب ومواطن الشباب، فإن هذا قد زخرت به العربية قديماً وحديثاً، ولم يخل عصر من أعصارها من لدن الجاهلية إلى الآن عن قوله والمكثرين منه. وما أشعار نجد والحجاز والعقيق ورامة وغيرها إلا بعض من كل، وقُل من جل، مما يتمثل فيه هذا اللون من الشعر العاطفي أحسن مثال. ولكن ما نعني هو الشعر الوطني بمعناه الشائع الذي يصطبغ بالفكرة السياسية التي ألمعنا إليها من قبل؛ وهذا هو الذي يصح القول فيه أنه وليد التجديد الأدبي في العصر الحديث، وأنه لم يكن له وجود في العصور المتقدمة التي ازدهرت فيها الآداب العربية سواء في شبه الجزيرة نفسها، أو فيما اصطنع لغتها من البلدان بعد إشراق نور الإسلام فيها - اللهم إلا هذا القطر الأندلسي الذي عقمت الأيام أن تلد مثله في رقيه وحضارته، فإنه لابد أن يستثنى من العموم

ذلك أن عرب الأندلس الذين تقدموا الزمن بكثير في النضوج العلمي لم يجز أن يتخلفوا عنه في الإحياء الأدبي، فطلعوا على العالم العربي بالتوشيح الذي لم يستطع التجديد العصري حتى الآن أن يأتي بما يشبهه من حيث التأثير البليغ في تحرير الشعر من قيود البحور والقافية الثقيلة، وقد حاول المشارقة أن يأتوا بشيء في هذا الصدد فاستظهروا بالدوبيت، والكان وكان، والقوما وغيرها، ولكنه كان شيئاً غريباً عن الذوق العربي غرابة هذه الكلمات في اللغة العربية، وكذلك قالوا الشعر الوطني وأكثروا منه وتفننوا فيه، فانفردوا به عن سائر الشعوب العربية، وسبقوا إليه الأجيال الحديثة، وكان إحدى مأثراتهم الجليلة في النهوض بالأدب العربي من وجه عام

ولقد كان باعثهم عليه هو نفس ما بعث إخوانهم اليوم من تكالب دول النصرانية عليهم وإذلالها لهم في عقر بلادهم، ولذلك لم يوجد في عهد الفتح وعهد الأمويين إذ أمر العرب مقبلٌ وشملهم جميع، وإنما وُجد بعد أن ضعف لسانهم ودالت دولتهم وصاروا يشهدون سقوط ممالكهم الواحدة بعد الأخرى، وحصون بلادهم في قبضة العدو فلا ترجع إليهم أبداً؛ وعرفوا الغاية التي إليها يسيرون، والمصير الذي منه يقتربون، فاشتد رعبهم وهلعت قلوبهم، فبكوا واشتكوا ونظموا الأشعار الوطنية في تحميس الناس للدفاع عن حقيقتهم والاستماتة في صون كيانهم، معرضين بما يؤول إليه أمرهم هناك من الذل والاستكانة وطمس معالم الحضارة والدين ولقائل أن يقول إن مثل هذه الأحوال قد صار في بلاد المشرق ولا سيما في عهود الحروب الصليبية يوم سلبت من الإمبراطورية العربية أثمن درة في تاجها: مصر وبلاد الشام، ومع ذلك فلم تتفق قرائح الشعراء هناك بالشعر الوطني ولم يظهر منهم من جال في ذلك الميدان، فما السبب في ذلك؟ لعل للعجمة التي كانت قد بدأت تعقل اللسان العربي في ذلك العهد من جراء ظهور سلطان الأعجام في بلاد العرب وضعف الإنتاج الأدبي تبعاً لذلك، تأثيراً مباشراً في عدم ظهور هذا النوع من الشعر في بلاد الشرق وإن وجدت البواعث. على أن هذه الأحوال وإن لم تبعث على قول الشعر الوطني كانت السبب في ظهور فن من فنون الأدب لا يقل خطراً عن الشعر مطلقاً وهو فن القصص، فان من المعلوم أن كثيراً من هذه القصص الحماسية كعنترة وسيف بن ذي يزن وغيرها إنما وضعت في هذا العهد الصليبي، وفي مصر بالخصوص، لتضرب للناس أمثلة من الشجاعة العربية يخلق بهم أن يحتذوها في صد هجمات المغيرين من ذئاب الغرب على بلاد الإسلام، وهي وإن كانت عامية التأليف تدل على أن المشرق لم يقف واجماً بازاء تلك الحوادث الكبرى وإن لم يهتد إلى الشعر الوطني كما اهتدت إليه الأندلس!

ونقفك الآن على نماذج من الشعر الوطني الأندلسي لترى أنه لا يكاد يتميز عن الشعر العصري الوطني في وصف من الأوصاف. ولا ننقل لك شيئاً من قصيدة صالح بن شريف الرندي في رثاء الأندلس، وإنما نشير إليها فأنها شهيرة لا تخفى على تلاميذ المدارس الابتدائية الإسلامية!

فانظر إلى هذه القطعة للأديب أبي عبد الله الفازاني يصف فيها الفوضى الغاشية على بلاد الأندلس وتخاذل أهلها عن الدفاع عنها بل وإعانة الأعيان منهم على خرابها! ويستشف من الغيب المآل الذي تؤول إليه إن دامت على تلك الحال، فيسأل الله تعالى أن يلطف بعباده ويرحمهم:

الرُّوم تضربُ في البلادِ وتغنمُ ... والجورُ يأخذُ ما بقى والمغزمُ

والمالُ يورد كله قشتالةً ... والجند يسقط والرعيةُ تسْلَمُ

وذوو التعيش ليس فيهمُ مسلمٌ ... إلا معين في الفساد مُسَلِّم

أسفي على تلك البلاد وأهلها ... الله يلطفُ بالجميع ويرحم وانظر إلى هذه القطعة أيضاً لأبي المطرف بن عميرة يقف فيها موقف اليائس البائس يمتنع حتى عن الاستسقاء لبلاده، ويتساءل في حزن وحقد كيف يمكن أن يدوم وداده لهذه الديار، التي ألقت بطاعتها للأغيار:

زدنا عن النائبين عن أوطانهم ... وإن اشتركنا في الصبابة والجوى

أَنا وجدناهم قد استسقوا لها ... من بعدما شطَّت بهم عنها النوى

ويصدنا عن ذاك في أوطننا ... مع حبها، الشِّركُ الذي فيها ثوى

حسناء! طاعتها استقامت بعدنا ... لعدونا، أفيستقيم لها الهوى؟

وله أيضاً يشير إلى انتقاله من بلد إلى بلد لاستيلاء العدو على البلاد واحدة فواحدة، من قصيدة طويلة:

كفى حزناً أنَّا كأَهلِ مُحَصَّبٍ ... بكل طريق قد نفرنا وننفر

واستمع إلى هذين البيتين اللذين قيلا في أهل بلنسية، وما أكثر انطباقهما علينا اليوم:

لبس الحديدَ إلى الوغى ولبستمُ ... حلل الحرير عليكمو ألوانا

ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ... لو لم يكن ببَصَرْنَهٍ ما كانا!. .

ولابن الأبار من قصيدة طويلة يخاطب بها السلطان أبا زكريا ابن أبي جعفر صاحب أفريقية:

أدرك بِخَيْلك خيلِ الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا

وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا

يا للجزيرة أضحى أهلها جَزراً ... للحادثات وأمسى جدّها تعسا

في كل شارقة إلمام بارقة ... يعود مأتمها عند العدا عُرُسا

يا للمساجد عادت للعدا بِيَعاً ... وللنداء غدا أثناءها جرسا

لهفي عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارساً للمثاني أصبحت دُرُسا

وقصائد الاستنجاد بملوك العدوة كثيرة، يستدعي إيرادها أو الإشارة إليها فصولاً، ولكن لا بأس بإيراد شيء من قصيدة في هذا المعنى لإبراهيم بن سهل الإسرائيلي، وهي كافية للدلالة على قوة العاطفة الوطنية عند أهل الأندلس، لأن هذا الجنس من الناس ملموزٌ بضعف هذه العاطفة، فصدور هذه القصيدة عن فرد منه دليل على ما قلنا: وِرْداً فمضونٌ نجاح المصدرِ ... هي عزة الدنيا وفوز المحشر

يا معشر العرب الذين توارثوا ... شيم الحميةِ كابراً عن أكبرَ

إن الإله قد اشترى أروحكم ... بيعوا! ويهنيكم وفاء المشترى

أنتم أحقُّ بنصر دين نبيكم ... وبكم تمهد في قديم الأعصر

أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا ... ذاك البناء بكل لدن أسمر

لكم عزائم لو ركبتم بعضها ... أغنتكم عن كل طرف مضمر

الكفر ممتد المطامع والهدى ... متمسك بذناب عيش أغبر

والخيل تضجر في المرابط غيرة ... ألاَّ تجوس حريم رهط الأصفر

كم نكروا من معلم، كم دمّروا ... من معشر، كم غيروا من مشعر!

كم أبطلوا سنن النبي وعطلوا ... من حيلة التوحيد صهوة منبر!

أين الحفائظ مالها لم تنبعث؟ ... أين العزائم مالها لا تنبرى؟

أيهز منكم فارس في كفه ... سيفاً ودين محمد لم ينصر؟

ونختم هذه الكلمة بتنبيه قومنا إلى تاريخ هذه الفاجعة العظيمة فان فيها عبرة لمن يعتبر

(طنجة)

عبد الله كنون الحسني