مجلة الرسالة/العدد 107/من مشاهير الشرق

مجلة الرسالة/العدد 107/من مشاهير الشرق

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 07 - 1935



طائفة البهرا في الهند

في الطريق إلى داعي الرعاة

بقلم محمد نزيه

وأذن الله أن أبرح عدن إلى الهند، فلم تبرح النفس تواقة إلى رؤية الشيخ الأكبر لطائفة البهرا، ولم تزل تستنفر عزيمتي حتى عاهدت كل منهما صاحبتها على أن تكون زيارة الشيخ أول ما أتكاف له بعد مطالعة (بمبى)، فلم أكد أنيخ الراحلة في هذه المدينة، حتى طالعني أبناء هذه الطائفة زرافات ووحداناً! تموج بهم المدينة؛ فهم في شوارعها ودروبها وحوانيتها يعرفون بطول اللحى، وبالعمائم البيضاء، و (البنطلونات) تحت المعاطف القصيرة، وبالنشاط الذي لا يفتر، وبالوقار الذي لا يُذهل عنه؛ فأنهم قوم جبلوا على النشاط حتى لتحسبهم في سرعتهم إذا ساروا وفي دأبهم إذا عملوا، أضعاف أضعافهم، هم لا يتجاوزون العشرين ألفاٍ في مدينة تزخر بمليون وثلثمائة ألف نسمة؛ ولكن دأبهم جعل الواحد منهم عشرة أشخاص! لا تكاد تراه هنا حتى تشهده هناك، كأنه من عالم الأرواح. . هم كالموج المتلاطم على سطح المحيط، يضيق به الخضم وهو منه كالحصاة من الجبل، بل وتمضي السفن في طريقها تشق العباب ولا تحفل به، حتى إذا دوى الموج ارتعدت فرقاً، واهتزت رعباً، وكانت تهتز عجباً.

ليس من جماعة البهرا من لا يجمع إلى فصاحة الأردية طلاقة الكجراتية، ورطانة الإنجليزية؛ وليس فيهم من يعرب لباسه عن حاجة؛ أو ينم ضعفه على هوان، فكلهم عند نفسه كريم، وفي قومه عزيز.

كنت راغباً في زيارة الشيخ الأكبر، فلم يزدني ما تحققته من طوابع طائفته إلا رغبة أمست رؤى، وأصبحت هواجس - والشيخ لا يحظى بالاستئذان عليه إلا كل عظيم بارز في قومه، ولا مناص - لمن شاء - من رجاء يتقدم به إلى رئيس الوزارة البهرية، فإذا انتهى هذا به إلى الشيخ فأذن، حدد الموعد بحساب الدقائق فيما لا يستنفد من الساعة إلا أقلها، وعلى أن يذكر الزائر أن الدقيقة ستون ثانية، والثانية ستون ثالثة، فكأن دقات القلب لا تسعف في هذه الحساب.

وكان أن تفضل الشيخ الأكبر، فأذن لرئيس وزرائه أن يستقدمني، ضارباً للقاء موعداً من مساء يوم قريب. . . فلما أن أقترب الموعد، ركبت إلى قصر الشيخ، وكعبة الحجيج من أبناء الطائفة، في (وال كيشر).

ووال كيشر، هو من ثغر بمبى حي الطبقة الرفيعة من سراة الإقليم، أقيم على ربوة عالية تطل على المحيط وتشرف على المدينة كلها - لكأنه نجم سها عن ذكره الفلكي - ليس بين قصوره وعمائره إلا متاحف تنطق بغنى الهند وتفصح عن جاهها وترفع النقاب عن فنونها - من شاء أن يعلم أين تنصب كنوزها ففي هذا الحي السعيد مصبها، وفيه يستحيل الذهب فنوناً، وتقوم الرياض على قنة الجبل كأنها البنود المرفوعة. أليس زرعها يتماوج من مداعبة النسيم كما تتماوج البنود، أليست مطرزة بألوان من الزهر مختلفات بين أحمر القرنفل وأبيض النرجس وأصفر الورد وأزرق البنفسج، على صفحة من خضرة مذهبة؛ ثم لعل ما ينفح الناس من طيبها فينبههم إلى تحيها إذا أغفلوا، إنما يقوم في موضع تلك القداسة المعنوية التي تنبه الناس إلى تحية العلم.

بلغت السيارة بنا حي وال كيشر، فتباطأت عند أقدامه وتهيأت للتصعيد في مراقيه، وأخذت تطوي مسالكه ونحن في داخلها كأننا تحت أجنحة طائرة وقد مهد الطريق على شدة صعوده وكثرة متعرجاته، وامتد الزرع على جانبيه، وقد امتزج سكون الليل إذ ذاك وسكون العظمة يزدهي بها هذا الجبل الذي لا يحمل على أكتافه ولا يضم إلى صدره إلا العظماء وفنونهم؛ فإذا رهبة زاد بلوغها في النفس هذه الأضواء الخافقة التي تشع من مصابيح الطريق، ولا راجل في مراقي هذا الجبل بل سيارات تصعد بأهلها أو تهوي بهم فينة بعد فينة وفيم يقدم الراجل على ركوب هذا الجبل؟ وهو لا ناقة له فيه ولا جمل؟ أما خفوت الأضواء، فلعل له غاية لا تمت بسبب إلى مبادئ الاقتصاد، هذه المبادئ التي يلفظها هذا الجبل، بل لعله يرتفع بساكنيه معتصماً بالعلو من سيلها، وعاصما لهم منه إنما هي دعوة الجمال ومن آياتها إلا يطغي النور الصناعي على النور الطبيعي، على نور القمر وما أحاط به من كواكب.

كنا نجتلي مفاتن هذا المنظر السحري، والسيارة توغل فيه كأنما نسيت أنها تقصد بيتاً، فاندفعت على غير هدى تريد أن تصل إلى أعماق هذا الإبداع؛ أما أنا فقد مرت بي برهة ما شككت أثناءها في أنني اترك العالم، وفي أنني لن البث طويلاً حتى ابلغ ما وراء الكون، واهتدي إلى أسرار الخلق وغوامض الحياة والموت. . ثم ليكن ما يكون، وما زالت أرواحنا تسمو ويخلص جوهرها من شوائب الدنيا وأعراضها وشهواتها حتى صارت كأنما فرغ الله من صنعها منذ طرفة عين، ذلك كله والسيارة تهتز في منعطفات الجبل كأنها سكرى. . . بل هي سكرى! ولم لا؟ وهي تسبح في خمر الطبيعة ثم لم لا؟ ومن شان هذا الجمال ان يشيع الحياة في الجماد.

انتهينا إلى بوابة رحيبة الجانبين مفتوحة المصراعين، وكلت حمايتها إلى حارسين عليهما أزياء الجند، ما إن نفذت سيارتنا منها ثم هوت خطوات في جادة القصر، حتى كنا في قلعة ذات أبراج تكاد تقطع بيننا وبين معالم الدنيا، وكأنما أعدت لتقارع الفناء وليمتنع بها الأبد.

ثم استقرت السيارة بنا في منتصف هذه الجادة عند ردهة على يمينها ذات ثلاثة أبواب وهنالك ابتذرنا خادمان ملتحيان هما من أبناء الطائفة بالسؤال، فاجبنا، وان هي إلا برهة حتى استقبلتنا غرفة الانتظار عن يمين الردهة فلما شرعت إليها ساقي، همس سائق السيارة في أذني بإنجليزيته المفهومة على أي حال، أن اخلع نعليك فذلك عند القوم سنة مؤكدة، وقد فعلت، ودخلت فإذا غرفة تتسع لنحو سبعة أمتار في نصفها، صفت إلى جدرانها كراسي نظيفة ليست بالوثيرة ولا بالخشنة، وكل أبهتها في سجادتها البيضاء المتسمة بأبهى الألوان في أبدع الشكول، وفي تلك الصور القليلة تحف بها إطاراتها الثمينة وقد ثبتت إلى الجدران وبينها صورة الحرم القدسي رصعت بالأصداف وقد علمت أنها كانت فيما حمله وفد المؤتمر الإسلامي إلى الهند من هدايا؛ فكانت نصيب هذه الغرفة

ظللت أتأمل محتويات الغرفة دقائق لعلها بلغت عشراً، حتى اقبل علي رجل معتدل القامة كريم الوجه، هو في ضحى العقد السادس من العمر، ينبئ الجد في ملامحه والنفوذ في عينيه خلف منظاره الأبيض، والانتصاب في قامته، والهدوء في نبرات صوته عن ان له في هذه الدنيا شأناً؛ طويل اللحية أسودها، يرتدي معطفاً قصيراً من أقمشة الصيف خفيف الاسمرار مشدوداً إلى عنقه، تحته بنطلون من القماش نفسه، وقد تعمم على طربوش، فحيا، ثم استوثق من أنني صاحب الموعد المضروب، فاقتداني إلى مجلس داعي الدعاة.

ذاك رئيس الوزارة البهرية، وكاتم سر إمامها، واقرب القوم إلى نفسه، وهو من وجوه المدينة واعلام رجال المال فيها، وهو ممن يلقي الحاكم إليهم سمعه، ولا يضن بالطاعة له المحكوم. . . ثم هو قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك، خادم للشيخ لا يعدل بمرتبته تلك مرتبة إلا أن تكون في السماء.

القاهرة

محمد نزيه