مجلة الرسالة/العدد 116/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 116/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 09 - 1935



الجبل الملهم

لناظمه الشاعر اللبناني (شارل القرم)

للأستاذ خليل هنداوي

ألفت ألا أكتب عن كتاب إلا بعد ركود الضجة التي تقوم حوله، سواء عندي أكانت ضجة استحسان أم ضجة استهجان، ثقة مني بأن النسمة الهادئة تكن ما لا تكن الريح العاتية. والآن وقد هدأت الضجة حول ديوان الجبل الملهم، وقر ضمير صاحبه بعد أن أحرز على جائزة (ادغاريو) الفرنسية، واطمأن وجدانه للحفلة الرائعة التي سيخطب فيها أدباء لبنان، مرحبين بشاعر تغني بجمال لبنان! وخلاصة تلك الضجة التي قامت والتي ستقوم عبارات ثناء بدون كيل، وجمل ولاء بلا وزن، ترفع (شارل القرم) إلى ذروة دونها الذرى التي تغني بها وتحدث بجمالها، وكيف لا يرفع النبوغ أصحابه في بلاد يعرف أهلها معنى النبوغ ويرعون حق النبوغ ويقدرون قدر النبوغ؟

تناولت ديوان (الجبل الملهم) من بين دواوين كلها عيون رانية إلي، يستنجز أصحابها مني وعداً بالكتابة عنها، فآثرت الالتذاذ بديوان يحدثني - في الصيف - عن الجبل الملهم، فأهملت من هم أدنى إلي وعكفت على الجبل الملهم أتلوه بشوق وغبطة ولذة. وقد شغلت نفسي بتأمل الأمثلة الفنية فيه، كاملة هنا متوسطة هناك ناقصة هنالك، وأنا برغم هذا التفاوت في مراحله لم أدع لغبطتي مجالاً لهزيمة

هنالك أجزاء متفككة عملت على وصلها بخيالي، وهناك اضطراب كثير في ألحان بعض الأوزان التي جاءت كثرة تنوعها زيادة في التشويش، فلا تكاد تهدأ الأذن إلى لحن حتى يطلع لحن آخر تنبو عنه. فحملت ذلك إلى نقص في الكفاءة الفنية التي تحتاج إلى تمرين كبير، وهنالك بعض تشابيه تمجها آذان أهل البلاد أنفسهم، لأنها لا تمازج روح لغتهم، ولا توائم نفس عبقريتهم، كتشبيه الشمس (بصابون السحاب)، وهنالك ضياع المثل الأعلى الذي يتبعه الشاعر بحيرة، يتبعه بقلب موزع مضطرب، فلا يدرك ما هو هذا المثل و يدري أين يجده. لا يعتمد على عقله ولا يثق بروحه. يحارب بعض التقاليد ويؤمن ببعضها إيماناً أعمى: يتطرف في كل شيء يحبه أو ينفر منه. كأنما قلبه لا يغلب عليه اعتدال ولا استقرار

هذه بعض الصفات تطالعك من الديوان وددت أن أتوسع فيها توسعاً فنياً، ووددت أن يكون بحثي متعلقاً بها، وقفاً عليها، لولا ظاهرة خطرة غريبة كامنة في إحدى الثنايا، ما وقعت عليها حتى ارتعشت وعاودني ألم عفيف وشك في المستقبل. فتركت تلك التعليقات الفنية التي تتعلق بأصحابها وجابهت هذه الظاهرة الاجتماعية التي لها خطرها في حياتنا وبيئتنا وقوميتنا

تلوت هذه الأبيات التي يتحدث بها عن اللغة العربية:

(إننا ننطق اليوم لغة جاءت من آسيا

قد فرضها علينا القتل والرعب

وباطلاً نضع فيها الفن والشعر

والعلم والإيمان)!

(إننا لن ننظر إلى العربية

نظرنا إلى أخ يدعى إلى منزل أبيه

إن هذه الزهرة الصحراوية قد تقبلتها حدائقنا

تحت ضغط حكومة قاسية)

(قبلناها وهذبناها

وأدعمناها باعتنائنا الشديد

ولكن الإسلام لا يرضى بأن تكون هذه اللغة المرفوعة على جباهنا - لنا)

(أن هذه الكلمات الغربية (اللغة السريانية) التي يتلقنها أبناؤنا

لم تكن يوماً غريبة عنا

بل يكاد يخيل إلينا أن قلوبنا

تذكر يوماً نحتتها فيه)

(ولكن هؤلاء الذين يجحدون أصلنا اللاصق بنا. . .

هؤلاء المنفصلين عنا، المسلوخين من أذرعنا

الأغنياء بالنفي. . .

هؤلاء يحتقرون أصلهم. كما يفعل الأعزاء العاقون الناكرون الإحسان)

تلوت هذه الفقرات وأنا أكذب نفسي وأتهمها. أحقاً أرى صاحب الجبل الملهم يتنصل من اللغة العربية، ويعتبرها زهرة غربية نبتت طفيلية في حدائق لبنان؟ أحقاً يرى صاحب الجبل الملهم أن هذه اللغة قد فرضت على أهل لبنان بالسيف والدم؟ فإذا كان الشاعر لم يكتب له نصيب ولا سهم في هذه اللغة لا في نطق ولا كتابة، فما له يعمل على التنكر منها وضربها في الصميم! وما بال أصحابنا اللبنانيين يشايعونه على هذا. وهم علموا ما للعربية من فضل ومآثر. وعلموا أن الإسلام لم يفرضها عليهم بالقتل والضرب. وإنما فرضت نفسها وعملت على فرض نفسها. ومتى كانت اللغات تلين لإرادات الأفراد؟ وهل السريانية أخت العربية لو كان في أجلها فسحة تذوقت رداها؟ وماذا في السريانية من أدب وفن يتعلق بأحشاء لبنان، ويصطبغ بدم لبنان؟

وأما أن الشاعر لا يريد الكتابة بالعربية لأنه لا يراها جديرة بأن تكون وعاء حكمته وفنه وشعره، فهل عجزت اللغة عن ضم شتات أفكاره؟ وهي التي لم تعجز ولن تعجز عن أفكار من كان لهم شأنهم وخطرهم، إلا أن تكون أفكاره مما لا تحيل به العقول. ولكن هو الشنآن

كنا نريد أيها الشاعر وأنت لا تنطق بهذه اللغة أن تحترم على الأقل كيانها، ولا تدس عليها دساً يسخر منه الأجانب أنفسهم. كنا نريد أن يكون لك بأدباء المهجر أسوة حسنة: أولئك الأدباء الذين اصطلحت عليهم عوامل الغربة والانقطاع. وظلوا راعين للغتهم حافظين لحرمتها عاملين على رفع ألويتها. وقد علمت منهم المجيد السباق في لغته واللغة الأجنبية التي اصطنعها. كجبران ونعيمة والرياحاني وكثير من أمثال هؤلاء في المهجر وغير المهجر ممن تفتحت لهم من الآفاق ما تفتح لك، ولان لهم من عبقرية غيرهم ما لان لك

وأما أن الشاعر يود العودة إلى إحياء الروح الأولى الروح الفينيقية، شأن المصرية الفرعونية. فالمصريون والفرعونيون أنفسهم لم يفكروا يوماً في نفي اللغة العربية من بين ظهرانيهم، ولم يجدوا في بقاء العربية ما يحول بينهم وبين التمصر الذي أرادوه

اضطراب - في لبنان - في المثل العليا والتفكير، واختلاف في الثقافة والمنحى. كأنما بيئة تفككت أجزاؤها وانطوى جزء على نفسه بدون وحدة منتظمة ولا جامعة ملتئمة، كل حزب يمشي ولا يدري أين يمشي وأي هدف يقصد

وحدوا يا قوم تفكيركم واعرفوا ما تطلبون، فإننا حتى اليوم لا ندري مثلكم الأعلى ولا ندري أي منهج تقصدون؛ وأنقذوا لبنان قبل أن تقتله محبتكم، فالمحبة المنقسمة على نفسها هي أشد خطراً من الكره والنفور. وليكن لكم مثل أعلى تحجون إليه وتعملون على إظهاره في بيوتكم ومدارسكم، وفي مجامع جدكم ولهوكم، ينشأ عليه صغاركم ويشب عليه فتيانكم

أما أولئك الذين ينتظرون أن يهيموا غداً في الحفلة التكريمية لصاحب الجبل الملهم، أينظرون أي إكليل يحمله إليهم، وأي إكليل يحملونه إليه؟ إكليله لهم إكليل احتقار اللغة العربية، وإكليلهم له مبايعته على ذلك. إكليله (قبلات لبنانية على شفاه اللغة الفرنسية)، وإكليلهم الدعاء لمحب لبنان ورافع جبهة لبنان والمبشر بنبوغ لبنان. أحبوك يا لبنان وادعوا محبتك لأنفسهم حتى خنقوك بالأقماط وأدرجوك بالأكفان!

لبنان الذي يشبه اليوم (برج بابل) بأديانه ولهجاته ومذاهبه، لا يوحد بين أجزائه إلا هذه العربية، وإنما توحد بينها توحيداً تقليدياً لا يعمل على الإيمان به قلب ولا يؤمن به دم. فإذا إنهارت هذه السارية التي تتحد عليها أجزاء لبنان تعم الفوضى داره ويفشو فيه الروح التمزق. وأصحابنا بعد هذا كله يريدون أن يجمع بينهم هذا النشيد: (كلنا للوطن. . . كلنا للعلا. . . كلنا للعلم). وقد علم العلم والعلا والوطن أن لا مكان لهم في المكان الذي تتقلص فيه اللغة ولا يحترم لها كيان، وتهان فلا يهب لنصرتها أعوان

تفرقوا ما استطعتم في ثقافتكم ومثلكم، فما أشبه الليلة بالبارحة

خليل هنداوي