مجلة الرسالة/العدد 121/بعد شوقي

مجلة الرسالة/العدد 121/بعد شوقي

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 10 - 1935


للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

كان يتوجه الظن على شوقي رحمه الله فيزعم الزاعم أن شوقي هو يحي شعره، وهو يرفع منه، وهو يشيع حوله قوة الجذب من مغناطيس الثروة والمكانة؛ وإن الرجل ما أوفى على شعراء جميعاً لأنه أفضلهم، بل لأنه أغناهم، ولا من أنه أقواهم قوة، بل لأنه أقواهم حيلة؛ وأن الشاعر لو جاء يومه لبطل السحر والساحر، فترجع العصا وهي عصاً بعد أن انقلبت حية، ويؤول هذا الشعر إلى حقيقته، وتتسم الحقيقة بسمتها؛ كأن شوقي كان يعمل لشعره بقوة السموات والأرض لا بقوة رجل من الناس.

فقد ذهب الرجل إلى ربه، وخلا مكانه، وبطلت كل وسائله، ونام عن شعره نومة الأبدية، وتركه لما فيه يحفظه أو يضيعه إن كان فيه حق من الشعر أو باطل، وأصبح الشاعر هو وماله وجاهه وشعره في حكم الكلمة التي بقولها الزمن، ولم تعد هذه الكلمة في حكمه. فهل أثبته الزمن أو نفاه، وهل سلم له أو كابره، وهل رده في غمار الشعراء أو جعل الشعراء بعده أدلة من أدلته؟

أول ما ظهر لي أن الزمن بعد شوقي أصبح أقوى في الدلالة عليه وأصدق في الشهادة له، كما تكون الظلمة بعد غياب القمر شرحاً طويلاً لمعنى ذلك الضياء، وإن سطعت فيها الكواكب وتوقد منها شيء وتلألأ شيء. فقد دل الزمن على أن ذلك الشأن لم يكن لشاعر كالشعراء، يقال في وصفه إنه مفتن مجيد مبدع؛ ولكنه للذي يقال فيه إنه صوت بلاده وصيحة قومه كانت تحدث الحادثة، أو يتخالج الناس معنى من الهم الذي يعمهم، أو يستطيرهم فرح من أفراح الوطن، أو يزول عظيم من العظماء فيزيد صفحة في التاريخ، أو ينشأ كون صغير من أكوان الحضارة في الشرق كبنك مصر، أو ترتج زلزلة في الحياة العربية أينما ارتجت، فإذا كل ذلك قد وقع في الدنيا بهيئتين إحداهما في ذهن شوقي، فيرسل قصيدته الشرود السائرة داوية مجلجلة، فلا تكاد تظهر في مصر حتى تلتقي حولها الأفكار في العالم العربي كله، فتكون شعراً من أسرى الشعر وأحسنه، ثم تجاوز فإذا هي صلة من أقوى الصلات الذهنية بين أدباء العربية وأوثقها، ثم تجاوزها فإذا هي عاطفة تجمع القلوب على معناها، ثم تسمو فوق هذا كله فإذا هي من هذا كله زعامة مصر على الشعر العربي.

واليوم يقع مثل ذلك فتتطاير بعض الفقاقيع الشعرية من هنا وثم ملونة منتفخة ماضية على قانون الفقاقيع في الطبيعة من أن لحظة وجودها هي لحظة فنائها، وأن ظهورها يكون لتظهر فقط لا لتنفع.

ولست أماري في إن بيننا شعراء قليلين يجيدون الشعر ولهم فكر وبيان ومذهب وطريقة، ولكن ما منهم أحد إلا وهو يشعر من ذات نفسه أن الحوادث لم تختره كما اختارت شوقي، وأنه في الحياة كالواقف على باب ديوان ينتظر أن يعهد إليه وأن يخرج له التقليد فهو ينتظر وسينتظر.

وهذا عجيب حتى كأنه سحر من سحر الزمن حين تفصل الدنيا بين العبقري الفذ وبين من يشبهونه أو ينافسونه - بضروب خفية من الصرفة والعوائق لا هي كلها من قوة العبقري ولا هي كلها من عجز الآخرين.

وأعجب من ذا إن (شوقي) كان في العالم العربي كأنه عمل تاريخي متميز من أعمال مصر، غير أنه مسمى بأسم رجل؛ وكان على الحقيقة لا على المجاز - كأن فيه شيئاً من هذه الروح التاريخية المتغلبة التي تخلد بأسماء الآثار الفنية وتكسبها العظمة في الوجودين، من محلها ومن نفس الإنسان.

وأعجب من هذا وذلك أني لم أر شعراً عربياً يحسن في وصف الآثار المصرية ما يحسن في وصفها شعر شوقي، حتى لأسأل نفسي: هل تختار بعض الأشياء العظيمة وصفها ومفسر عظمتها، كما تختار المرأة الجميلة عاشقها ومستحلي حسنها؟

وما بان شوقي على غيره إلا بأنه رجل أفرغ في رأسه الذهن الشعري الكبير، فكان في رأسه مصنع عماله الأعصاب، ومادته المعاني، ومهندسه الإلهام؛ والدنيا ترسل إليه وتأخذ منه؛ وعلامة ذلك من كل شاعر عظيم أن تضع دنياه على أسمه شهادتها له. ولهذا ما يكون بعض الشعراء كأن أسمه في وزن اسم مملكة. فإذا قلت شكسبير وإنجلترا، فهما في العظمة النفسية من وزن واحد، وكذلك المتنبي والعالم العربي، وكذلك شوقي ومصر.

قالوا كان الفرزدق ينقح الشعر، وكان جرير يخشب (أي يرسل شعره كما يجيء فلا يتنسوق فيه ولا ينقحه)؛ وكان خشب جرير خيراً من تنقيح الفرزدق. ولم يتنبه أحد إلى السر في ذلك؛ وما هو إلا السر الذي كان في شوقي بعينه، سر الامتلاء الروحي قد أمد بالطبع، وأعين بالذوق، وأوتى القوة على أن يتحول بآثاره في الكلام؛ فكل ما كان منه فهو منه، يجيء دائماً قريباً بعضه من بعضه، ولا يكاد ينفذ إلى شعور إلا اتحد به.

وقد كان عمر بن ذر الواعظ البليغ إذا تلكم في مجلسه نشر حوله جسواً من روحه فيجعل كل ما حوله يتموج بأمواج نفسية؛ فكان كلامه يعصف بالناس عصف الهواء بالبحر يقوم به ويقعد، وكان من الوعاظ من يقلده ويحكيه ولا يدري إنه بذلك يعرض الغلطة على ردها وصوابها، فقال بعض من جالسه وجالسهم: ما سمعت عمر بن ذر يتكلم إلا ذكرت النفخ في الصور، وما سمعت أحداً يحكيه إلا تمنيت أن يجلد ثمانين. . .

فالفرق روحاني طبيعي كما ترى، لا عمل فيه لأحد ولا لصاحبه وهو يشبه الفرق بين عاصفة من الهواء وبين نسيم من الريح يرسلان على جهتين في البحر. ففي ناحية يلتج الماء ويثب ويتضرب ويقصف قصف الرعد، وفي الأخرى يترجرج ويتزحف ويقشعر ويهمس كوسواس الحلي.

والشأن كل الشأن للكمية الوجدانية في النفس الشاعرة أو الممتازة؛ فهي التي تعين لهذه النفس عملها على وجه ما، وتهيئهاً لما يراد منها بقدرٍ ما، وتقيمها على دأبها إلى زمن ما، وتخصها بخصائصها لغرض ما. وإذا أنت حققت لم تجد الفروق بين النوابغ بعضهم من بعض، إلا فروقاً في هذه الكمية ذاتها مقداراً من مقدار. ولولا ذلك لكان أصغر العلماء أعظم من أكبر الشعراء، فقد يكون الشاعر العظيم كأنه تلميذ في العلم ثم يكون العلم كأنه تلميذ لقلب هذا الشاعر وعواطفه. ولئن عجز النقد العلمي أن ينال من الشاعر العبقري لقديماً عجز في كل أمة.

وقد كان فيمن حاولوا إسقاط شوقي من هو أوسع منه إطلاعاً على آداب الأمم، وأبصر بأغراض الشعر وحقيقته، وكان مع ذلك حاسداً شانئاً قد ثقب في قلبه الحقد؛ والحاسد المبغض هو في اتساع الكلام وطغيان العبارة أخو المحب العاشق، فكلاهما يدور الدم في كبده معاني ووساوس، وكلاهما يجري كلامه على أصل مما في سريرته فلا تجد أحدهما إلا عالياً عالياً بمن يحب، ولا تجد الآخر إلا نازلاً نازلاً بمن يبغض. وكان هذا الناقد شاعراً فأنضاف شعره إلى حسده، إلى بغضه، إلى ذكائه، إلى إطلاعه، إلى جهده، إلى طول الوقت وتراخي الزمن؛ وهذه كلها مفرقعات نفسية. . . بعضها أشد من بعض كالبارود، إلى الديناميت، إلى الميلينيت؛ ولكن شوقي كان في مرتقى لم يبلغه الناقد فانقلب جهد هذا عجزاً وأصبح البارود والتراب في يده بمعنى واحد. . . .

ومن أعجب ما عجبت له من أمر هذا الناقد، أني رأيته يقرر للناس صواب الحقيقة بزعمه، فإذا هو يقرر غلطه وجهله وتعسفه. وهو في كل ما يكتب عن شوقي يكون كالذي يرى الماء العذب وعمله في إنبات الروض وتوشيته وتلوينه، فيذهب بعيبه للناس بأنه ليس هو البنزين. . . الذي يحرك السيارات والطيارات.

تناول شوقي بعد موته فجرده من الشخصية أي من حاسة الشعر ومن إدراك السر الذي لا يخلق الشاعر الحق إلا لإدراكه والكشف عن حقائقه؛ وكان فيما استدل به على ذلك أن شوقي لا يحسن وصف الربيع بمثل ما وصفه ابن الرومي في قوله:

تجدُ الوحوشُ به كفايَّتها ... والطيرُ فيه عتيدةُ الطُّعْمِ

فظباؤُه تُضحى بُمنْتَطَح ... وحمامه يضحى بمختَصمِ

وزعم أن ابن الرومي قد ولد بحاسة لم يولد بها شوقي، ولهذه الحاسة اندمج في الطبيعة فأدرك سر الربيع وأنه غليان الحياة في الأحياء، فالظباء تنتطح من الأشر الخ الخ وبنى على ذلك ناطحة سحاب. . . . لا ناطحة ظباء.

أما شوقي الشاعر الضعيف العاجز الذي لم يولد بمثل تلك الحاسة فلو أنه شهد ألف ربيع لما أحس هذا الإحساس ولا استطاع أن يجيء بمثل هذا القول المعجز. وكل ذلك من هذا الناقد جهلٌ في جهل في جهل، واعاليل بأضاليل بأباطيل؛ فابن الرومي في هذا المعنى لصٌّ لا أكثر ولا أقل، فلم يحس شيئاً ولا ابتدع ولا اخترع.

قال الجاحظ: يقال في الخصب (أي الربيع) نفَشَت العنز لأختها؛ وخلفت أرضاً تطالم معزاها (أي تتظالم). قال لأنها تنفش شعرها وتنصب روقيها في أحد شقيها فتنطح أختها وإنما ذلك من الأشر. (أي حين سمنت وأخصبت وأعجبتها نفسها).

فأنت ترى أن ابن الرومي لم يصنع شيئاً إلا أنه سرق المعنى واللفظ جميعاً، ثم جاء للقافية بهذه الزيادة السخيفة التي قاس فيها الحمام على الظباء والمعزة. . . . فاستكره الحمام على أن يختصم في زمن بعينه وهو يختصم في كل يوم. وإنما شرط الزيادة في السرقة الشعرية أن تضاف إلى المعنى فتجعله كالمنفرد بنفسه أو كالمخترع ولعمري لو كان للطبيعة مائة صورة في الخيال الشعري، ثم قدم شوقي للناس تسعاً وتسعين منها، لقال ذلك الناقد المتعنت: لا. إلا الصورة التي لم يقدمها. . . .

وكان شعر شوقي في جزالته وسلاسته كأنما يحمل العصا لبعض الشعراء، يردهم بها عن السفسفة والتخليط والاضطراب في اللفظ والتركيب؛ فكثر الاختلال في الناشئين من بعده وجاءوا بالكلام المخلط الذي تبعث عليه رخاوة الطبع وضعف السليقة، فتراه مكشوفاً سهلاً ولكن سهولته أقبح في الذوق من جفوة الأعراب على كلامهم الوحشي المتروك.

والآفة أن أصحاب هذا المذهب يفرضون مذهبهم فرضاً على الشعر العربي كأنهم يقولون للناس: دعوا اللغة وخذونا نحن. وليس في أذهانهم إلا ما اختلط عليهم من تقليد الأدب الأوربي فكل منهم عابد الحياة، مندمج في وحدة الكون، يأخذ الطبيعة من يد الله، ويجاري اللانهاية، ويفنى في اللذة، ويعانق الفضاء، ويغني على قيثارته للنجوم؛ وبالاختصار فكل منهم مجنون لغوي. . . .

وأنا فلست أرى أكثر هذا الشعر إلا كالجيف، غير أنهم يقولون إن الجيفة لا تعد كذلك في الوجود الأعظم، بل هي فيه عمل تحليل علمي دقيق. لقد صدقوا، ولكن هل يكذب من يقول: إن الجيفة هي فساد ونتن وقذر في اعتبار وجودنا الشخصي، وجود النظر والشم، والانقباض والانبساط، وسلامة الذوق وفساد الذوق!

وكان حاسدو شوقي يحسبون أنه إذا أزيح من طريقهم ظهر تقدمهم؛ فلما أزيح من الطريق ظهر تأخرهم. . . وهذه وحدها من عجائبه رحمه الله.

وقد كان هذا الشاعر العظيم هبة ثلاثة ملوك للشعب، فهيهات ينبغ مثله إلا إذا عمل الشعب في خدمة الشعر والأدب عمل ثلاثة ملوك. . . . وهيهات.

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي