مجلة الرسالة/العدد 122/رحلة إلى حدود مصر الغربية

مجلة الرسالة/العدد 122/رحلة إلى حدود مصر الغربية

مجلة الرسالة - العدد 122
رحلة إلى حدود مصر الغربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 11 - 1935


مرسى مطروح، سبوه، السلوم

للأستاذ الرحالة محمد ثابت

وللقوم عادات عجيبة في الأفراح، فإذا ما تم الاتفاق على المهر وقدره ستة ريالات (ومن هنا جاءت الأغنية القديمة: بستة ريال بابا جوزني) تعهد به الزوج على أن يدفع عند حلول أحد الأجلين الموت أو الطلاق، ثم يقدم قطعاً من القماش، وفي ليلة الزفاف يدعى الأحباب إلى الطعام، ويطوف عليهم خلال ذلك كشف بأسمائهم، فيتبرع كل منهم بما تجود به نفسه، وقد شهدت فرحاً اكتتب المدعوون فيه بأربعين جنيهاً، وذلك الاكتتاب يعد ديناً عليه يؤديه كلما دعي في أفراحهم؛ وجل تكاليف الفرح تقع على عاتق أهل الزوجة؛ وفي ليلة (الحنة) تمشط رأس العروس في حفل كبير يحضره نساء من الفريقين وتلبس حلي ثقيلة من فضة، تكاد تغطي جسمها كله، والعجيب أنها مقترضة من الغير فلا يجوز لها أن تلبس حليها الخاصة إلا بعد الزفاف، وتلك الحلي المقترضة ترد لأصحابها بعد الزفاف بأيام؛ وفي ليلة الزفاف يقوم بين الفريقين شبه شجار ومشادة يشترك فيها نساء الفريقين، طائفة تحاول أخذ العروس بالقوة، والأخرى تحاول منعها، وعند بزوغ الفجر تخطفها إحدى السيدات وتجري بها إلى بيت الزوج، وبعد أن يدخل الزوج بها يظل الثلاثة الأيام الأولى نافراً من أهله وصحبه، يخرج قبيل الشمس ويظل في الحقول إلى المساء لكيلا يراه أحد منهم، وفي ذلك شئ من التأدب والاحتشام لا بد منه! ثم يعد أهل العروس صحافاً من طعام (الرقاق) أو من العدس والحمص يسمونه (أطقاع) يحمل إلى بيت الزوج، ويحاول أهل الفريقين أن يتخاطفوه في الطريق، فإن وصل إلى الزوج سالماً أكله وإلا التهمه الناس في الطريق تيمناً. وفي صباح اليوم الأول من الزفاف (الصباحية) يعد أهل الزوج (شجرة العرس) وهي من جمار (لباب) نخلة طيبة تخرط في شكل أنيق وفي طول العروس تم تزين بالأعلام وسائر أنواع الفاكهة، وتعلق عليها الحلي الفضية التي كانت قد اقترضتها الفتاة، ثم تحمل تلك الشجرة وسط حفل يكاد يحضره كل أهل البلدة، ويطاف بها في الطريق إلى أن تصل بيت العروس، وهناك تقوم وسط البيت أياماً وكأنها عروس قامت تعوضهم عن فتاتهم، وإذا ما قاربت اليبس قطعت وأكل منها المحبون، وبخاصة الفتيات اللواتي يرغبن في الزواج تيمناً وتبركاً؛ وإذا ما رزق الزوجان مولوداً سارع المحبون بتقديم قطع من قماش أبيض إن كان المولود ذكراً أو قماش ملون إن كانت أنثى، وقد تبلغ تلك القطع بضع مئات تسد حاجة الطفل من الملابس شطراً كبيراً من عمره. وإذا مات الزوج عكفت الأرملة في معزل من الناس جميعاً لتقضي عدتها وقدرها ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي صبيحة اليوم الأخير تخرج لزيارة قبر زوجها، والويل لمن لاقاها في طريقه إذ ينصب عليه نحسها، لذلك ينبه الناس بعضهم بعضاً ألا يخرجوا في الصباح لأن (الغولة) ستكون في طريقها إلى المقابر؛ وقد يطوف بالنبأ مناد ينبه الناس، وبعد عودتها تقصد إحدى العيون (عين طموس) فتغتسل فيها، فإن اتفق أن لاقاها شخص أصابه نحسها كله، وإلا استأجر أهلها فقيراً يلقاها ليرفع عنها وصمة النحس، وبعد ذلك تسير حرة ولا ضير على من لاقاها أو تحدث إليها أو رغب في زواجها. وعادة الندب ولطم الخدود شائعة لديهم، ومقابرهم متجاورة، إلا من اشتغل بالذبح (القصابون)، أو بعصر الزيتون، فهؤلاء يدفنون في أماكن نائية، فكأنهم من المنبوذين.

ومن أشهى الأطعمة لديهم (لِمْصَفَّة) وهي مزيج من القرع والطماطم واللحم والزيت، ثم (إنْقطة) وهي فطير بالزيت والعجوة، وكل غذائهم بالزيت، ولا يكادون يعرفون (السمن) قط؛ وأحب المشروبات عندهم (اللقبي) يتخذ من عصارة لباب النخيل، وذلك بأن يكشف عن لباب النخلة وتجرح وتوضع تحتها آنية يتجمع فيها السائل، وقد تدر النخلة منه صفيحة كبيرة (4 جالون) في اليوم الواحد، وتظل تعطي النخلة هذا القدر زهاء نصف عام، ثم تموت، لذلك تراهم لا يأخذون من النخيل الجيد إلا القليل كل يوم لكيلا يؤثر ذلك على حال الشجرة فيضنيها. وطعم ذلك الشراب وهو طازج حلو لذيذ، لكنه إذا ترك قليلاً تخمر فأصبح مسكراً قوياً، وهم يشربونه متخمراً، وبعضهم يدمن تناوله.

ويدهشني تقاعد الناس هناك عن استغلال موارد تلك الواحة الغنية، فالأرض المنزرعة محدودة جداً وهم لا يحاولون زيادتها رغم وفرة المياه وسهولة الري فيها، وحتى البساتين لا تلقى من عنايتهم إلا القليل رغم أن المنطقة جد صالحة لسائر أنواع الفاكهة والزيتون والحبوب، وقد تمثل الفرق أمامي مجسماً بين الناس هنا وبين أهل (الواحات الخارجة) فهم هناك يستنبتون الحبوب وبخاصة الأرز والقمح والشعير بكثرة هائلة، وينتجون غلتين في الأرض الواحدة كل عام، ويعنون بتسميدها ولا يفتأون يوسعون المساحة المنزرعة يوماً بعد يوم وينقبون عن ينابيع جديدة؛ أما أهل سيوة فمتواكلون قانعون حتى ملاك الأراضي يتركونها لطبقة العمال (الزجالين) ولا يكاد المالك يزور بستانه مرة كل أعوام. وعندي أن الحكومة لو أوفدت طائفة من (الصعايدة) وأقطعتهم مساحات في مجاورة الينابيع في سيوة لكان لتلك الواحة شأن آخر في الإنتاج خصوصاً وأن الطرق المعبدة الجيدة تربطها بالسلوم وبمطروح والسيارات تقطعها في أقل من عشر ساعات.

قمنا نودع سيوة عائدين إلى مطروح، ثم أقلتنا إحدى الطوافات وكانت أجمل البواخر وهي (الأميرة فوزية) إلى السلوم فقضينا يوماً كاملاً ونحن نسير إزاء السواحل المصرية الوطيئة.

وفي باكورة الصباح دخلنا خليج السلوم الذي حاكي (الحويصلة) في تقوسه ورسونا على شاطئه الرملي فأشرفت الجبال من ورائه في طوق هائل أظهر لنا متعة الموقع من الناحية العسكرية؛ وتلك الجبال هي حافة الهضبة الصحراوية الداخلية التي تؤدي إلى الحدود الطليانية وارتفاعها 190 متراً. وما كادت الباخرة ترسو حتى تهافت أهل البلدة عليها في جموع لا حصر لها من سائر الطبقات، وكانت تبدو عليهم علائم الفرح والسرور لأنها تحمل إليهم مؤونتهم من الطعام والخضر والفاكهة وحتى الماء لأن موارد ماء الشرب هناك معدومة تقريباً، فالباخرة تملأ لهم مستودع الماء الذي منه توزع على الموظفين يومياً بمعدل (صفيحة واحدة) لكل فرد، وإن اعوزهم الماء بعد ذلك أتموا حاجتهم من المياه المكثفة من البحر وقد قامت الآلة المكثفة (كندنسر) على حافة الماء. على أن ماءها رغم نقاوته غير صحي لخلوه من المواد اللازمة للجسم التي لا يخلو منها ماء الشرب عادة.

ويوم وصول الباخرة عندهم هو يوم (الملوخية)، لأن الناس جميعاً يطبخونها لأنها أسرع الخضر تعرضاً لليبس والعطب، ولقد خلقت الباخرة جو عمل وحركة غير عاديين وسط تلك الجهات الساكنة، فقد تهافتت سيارات النقل والحمالون وبدأت العربات المعلقة الهوائية تشحن حاجات الجيش المعسكر فوق المرتفعات، فترى العربات تجري معلقة على الأسلاك إلى قمة الجبل ثم تعود فارغة، وحتى زوارق صيد الإسفنج تبتاع ماء الشرب لها من الطوافة؛ والمنطقة غنية جداً بالإسفنج الجيد وأصحاب امتياز صيده طائفة من اليونانيين يفدون من بلادهم في موسم الصيد ومعهم زوارقهم، وهم لا يفهمون من العربية شيئاً قط. أما أهل السلوم فمن فقراء الأعراب يعيشون عالة على الموظفين أو خدماً لهم، وترى خيامهم القليلة مبعثرة في سفح الجبل، وهم يحصلون على مائهم العذب بطريقة عجيبة بسيطة، فهم يحفرون الرمل بجوار البحر إلى عمق نصف متر فينز الماء ويملأ الحفرة ماء لا بأس بمذاقه، وهم في فقرة مدقع وبؤس مبيد خصوصاً بعد أن اجدبت منابت الشعير إجداباً تاماً هذا العام. ولقد أثر ذلك في حالتهم الصحية والخلقية تأثيراً سيئاً؛ وتلك فئة جديرة بعطف ذوي البر، وقد تبرعت لهم الحكومة ببعض الغلال ويا حبذا لو ضاعفت إحسانها فحفظت طائفة من سكان مصر من أن يلقوا بأنفسهم إلى أحضان الطليان في حدود طرابلس مستسلمين كأسرى البال؛ ونساء العرب هناك سافرات لهن جمالهن الخاص في أرديتهن الحمراء، وعند زواج إحداهن يجتمع الناس لتقدير المهر ويبدأ بنحو خمسين جنيهاً، ثم لا يفتأ يتدخل شيخ منهم ويقول (وعشان خاطري) فينزل المهر إلى أربعين. ثم إلى ثلاثين، وهكذا حتى ينزل إلى خمسة جنيهات. ويكاد الفرح يقصر على حفلات الرقص، ولهم حركات في غاية الرشاقة والخفة، وجل الرقص يوقع وفق تصفيق الجماهير؛ ويغلب أن تكون الراقصة ويسمونها الحجالة من الأوانس اللاتي يرغبن في الزواج، وهي ترقص وعلى وجهها قناع، وليالي الفرح أربع، وفي ليلة الزفاف تحمل العروس على جمل تحت هودج يسمونه (كرمود)؛ ويمسك بالخطام الفتيات البكر تفاؤلاً ويقتادها إلى بيت الزوج. ومن عاداتهم أن الفتاة إن طلبها أحد ذوي قرباها فضل على غيره حتى ولو لم يكن كفؤاً لها، وإن حصل ما يخالف ذلك فرضت على المعتدي الدية التي يختلف قدرها باختلاف مكانة الفتاة.

حدث مرة أن أجمل فتاة في قبيلة المعابدة هناك طلبها كل فتيان قبيلتها فرفضت لأنها كانت تحب فتى من قبيلة أخرى، وذات ليلة دبر ذلك الفتى أمر اختطافها، فكانت الدية ألف جنيه. والعجيب أن سائر رجال القبيلة لابد أن يتعاونوا على جمع تلك الدية ودفعها وإلا لحقهم العار ولزمهم الحق جميعاً، وأنت إذا مررت على (خيشة) من خيامهم وحييتهم وجب أن تعرج لتشرب الشاي. ولا بد من تقديمه ثلاث مرات: الأولى شايها ثقيل أسود مر لا يوضع به سكر قط، والثانية أخف منه وأحلى، والثالثة يقدم شايها وكأنه العسل وغليه النعناع، ويدور السقي إلى اليمين مهما كان من أمر الجالسين؛ وهم يدمنون الشاي إدماناً أثر على صحتهم ولو أنه أفاد من ناحية التطهير ضد بعض الأمراض.

وإذا اعتدى أحدهم على غيره وأصابه بسوء أرسل المصاب إلى (التَّطَّار)، وهو يقابل الطبيب الشرعي عندنا لتقدير الدية، وقوله نافذ على الجميع، وتلك الدية تسمى (كبارة)، والقاتل لا يقتل في عرفهم متى دفع الدية التي يقضي بها المحكمون، وهي حوالي مائتي جنيه في العادة، ويتعاون كل أغنياء القبيلة على دفعها.

طفنا ببلدة السلوم فإذا بها قرية شبيهة بمطروح في نظام بيوتها البيضاء الوطيئة، على أنها تفوقها وحشة، إذ يشعر الواحد فيها بأنه في معزل عن العالم. تسلقنا المرتفعات في طرق لياتها من الأعاجيب، وكلما علونا بدا مشهد خليج السلوم رائعاً بديعاً، وفوق الهضبة زرنا المعسكر وتوابعه في أبنية بالحجارة، فاخرة الإنشاء، لم أكد أصدق أنها أقيمت لجنودنا المصريين، وهنا تعسكر أورطة مصرية بكامل رجالها ومعداتها، وتشرف على الخليج إلى جانب المسكر طابية قديمة أسسها عصمت التركي سنة 1322، وعليها الطغراء العثمانية، ويشغل القسم الأكبر منها اليوم السجن. ولقد أخذنا نشق تلك الصحاري المجاورة، ومررنا ببعض الآبار الرومانية القديمة، ومن أكبرها بئر وعرة نزلناها فإذا بها تجويف في الصخر الهائل، له شعاب ممدودة تحت الأرض فإذا ما أمطرت السماء سال الماء إليها خلال فتحات ضيقة وترشحت أوساخه مع الرمال الراسبة واستقى منها الناس. ثم سرنا حتى وصلنا الحدود الطليانية، وهم يمدون على طولها أسلاكاً شائكة. وزرنا طابية (مساعد) التي كانت لهم وتنازلوا عنها لمصر عند تحديد التخوم بعد أن أخذوا هم جنوب وما جاورها، وتركوا لنا تلك الطابية ومسافة قدرها زهاء عشرة كيلو مترات حول السلوم. وعجبت جداً لما لم أجد من الاستعداد لدفع طوارئ الهجوم على تلك الناحية المكشوفة من حدودنا، فعدد الجنود غير كاف ولم يزودوا من الأسلحة بشئ يدفع عنهم أذى، وحتى معسكر المدفعية رأيته يضرب خيامه أسفل الخليج بعيداً عن المرتفعات، لذلك يوجس الناس هناك خيفة هجوم العدو بين يوم وآخر. فهلا اهتمت وزارة حربيتنا بأمر تحصين ذلك الركن الهام من حدودنا فأمنتنا أخطاراً جسيمة وألقت شيئاً من مسئولية الدفاع عنا على عواتق أبنائنا المخلصين.

قمت من السلوم عائداً إلى الإسكندرية في الطوافة، وكان أجرها زهيداً جداً، إذ للموظفين جميعاً أن يدفعوا ربع الأجر فقط، والأجر الكامل للذهاب والإياب خمسة جنيهات في الدرجة الأولى، وبتنا فيها ليلتين، ثم دخلنا الإسكندرية في باكورة الصباح.

محمد ثابت